﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وقَولِه: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠].
كما لا يَتناولُ مَنْ بيَّتَ النِّيةَ الحَسنةَ بالأداءِ عندَ الاستِدانةِ، ومات ولَم يَتمكَّنْ مِنْ الأداءِ، كما رَوى البُخاريُّ عن أَبي هُرَيرةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «مَنْ أخَذَ أَموالَ الناسِ يُرِيدُ أَداءَها أَدَّاها اللهُ عنه، ومَن أخَذَها يُريدُ إِتلافَها أَتلَفَه اللهُ » (١).
واستدَلَّ أَصحابُ القَولِ الثاني الذين قالوا بأنَّ الميِّتَ يُبرأُ بمُجرَّدِ الضَّمانِ بما يَلي:
بحَديثِ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: كُنا مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ في جنازةٍ، فلمَّا وُضعَت قالَ ﷺ : «هل على صاحِبِكم مِنْ دَينٍ؟» قالوا: نَعم، دِرهَمانِ، قالَ: «صَلُّوا على صاحِبِكم»، فقالَ علِيٌّ: يا رَسولَ اللَّهِ، هُما علَيَّ وأنا لهُما ضَامِنٌ، فقامَ فصلَّى عليه ثُم أَقبَلَ على علِيٍّ وقالَ: «جَزاكَ اللَّهُ عن الإِسلامِ خَيرًا وفَكَّ رِهانَك كما فكَكْتَ رِهانَ أَخيك» فقالَ بعضُهم: هذا لعَلِيٍّ خاصَّةً أَمْ للمسلِمينَ عامَّةً؟ فقالَ: «بَلْ للمسلِمينَ عامَّةً» (٢).
قالوا: فدَلَّ على أنَّ المَضمونَ عنه برِئَ بالضَّمانِ (٣).
٢ - حَديثُ جابِرٍ الذي رَواه الإمامُ أحمدَ في المُسنَدِ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ
стр. 1577
قالَ: تُوفِّيَّ صاحِبٌ لنا فأتَيْنا النَّبيَّ ﷺ لِيُصلِّيَ عليه فخَطا خُطوةً، ثم قالَ: «أَعلَيه دَينٌ؟» قُلنا: دِينارَانِ، فانصَرَفَ، فتَحمَّلَهما أبو قَتادَةَ، فأَتَيْناه، فقالَ أبو قَتادَةَ: الدِّينارانِ علَيَّ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «حَقُّ الْغَريمِ، وبرِئَ مِنهما الْمَيِّتُ؟» قالَ: نَعم، فصلَّى عليه، ثُم قالَ بعدَ ذلك بِيومٍ: «ما فعَلَ الدِّينارانِ؟» فقالَ: إنَّما ماتَ أَمسِ، قالَ: فعادَ إليه مِنْ الغَدِ، فقالَ: قد قضَيْتُهما، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «الآنَ برَدَتْ عليه جِلْدُه» (١).
قالوا: هذا صَريحٌ في بَراءةِ المَضمونِ عنه؛ لقَولِه: «وبرِئَ مِنهما الميِّتُ»، ولأنَّه دَينٌ واحِدٌ فإذا صارَ في ذِمةٍ أُخرى برِئَت الأُولى منه كالمُحالِ به؛ وذلك لأنَّ الدَّينَ الواحِدَ لا يَحلُّ في مَحلَّيْن (٢).
والحِكمةُ في امتِناعه ﷺ مِنْ الصَّلاةِ عليه شَغلُ ذِمتِه ببَقاءِ الحَقِّ، فلو لَم يَتحمَّلْ أبو قَتادةَ عنه البَراءةَ لَم تَظهَرِ الحِكمةُ في امتِناعِه مِنْ الصَّلاةِ عليه؛ لأنَّ الحَقَّ باقٍ في ذِمتِه قبلَ التَّحمُّلِ. وفي الحَديثِ تَصريحٌ ببَراءةِ ذِمةِ الميِّتِ (٣).
لكنْ قد يُجابُ عن قَولِهم بأنَّه دَينٌ واحِدٌ، فإذا صارَ في ذِمةٍ أُخرى برِئَت الأُولى منه كالمُحالِ به بما قالَه ابنُ قُدامةَ حيثُ قالَ: ويُفارِقُ الضَّمانُ الحَوالةَ؛ فإنَّ الضَّمانَ مُشتقٌّ مِنْ الضَّمِّ، فيَقتَضي الضَّمَّ بينَ الذِّمتَينِ في تَعلُّقِ
стр. 1578
الحَقِّ بهما، وثُبوتِه فيهما، والحَوالةُ مِنْ التَّحوُّلِ، فتَقتَضي تَحوُّلَ الحَقِّ مِنْ مَحلِّه إلى ذِمةِ المُحالِ عليه.
قَولُهم: إنَّ الدِّينَ الواحِدَ لا يَحُلُّ في مَحلَّينِ، قُلنا: يَجوزُ تَعلُّقُه في مَحلَّينِ على سَبيلِ الاستِيثاقِ، كتَعلُّقِ دَينِ الرَّهنِ به وبذمَّةِ الراهِنِ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀ بعدَما ساقَ حَديثَ ضَمانِ أَبي قَتادةَ: وفيه أنَّ الدَّينَ يَسقطُ بالضَّمانِ جُملةً؛ لأنَّه لو لم يَسقُطْ عن الميِّتِ، ويَنتقِلْ إلى ذِمةِ أَبي قَتادةَ لَمَا كانَت الحالةُ إلا واحِدةً، وامتِناعُه ﷺ مِنْ الصَّلاةِ عليه قبلَ ضَمانِ أَبي قَتادةَ لِدَينِه، ثم صَلاتُه ﷺ عليه بعدَ ضَمانِ أَبي قَتادةَ بُرهانٌ صَحيحٌ على أنَّ الحالةَ الثانيةَ غيرُ الحالةِ الأُولى، وأنَّ الدَّينَ الذي لا يُتركُ له وَفاءٌ قد بطَلَ، وسقَطَ بضَمانِ الضامِنِ، بقَولِ أَبي قَتادةَ الذي أقَرَّه عليه النَّبيُّ ﷺ على دَينِه، فصَحَّ الدَّينُ على الضامِنِ بعدُ، لا على المَضمونِ عنه.
ثم قالَ بعدَ ذلك: فإنْ قيلَ: فما مَعنى قَولِ النَّبيِّ ﷺ إذا قَضاهما: «الآنَ برَدَتْ عليه جِلْدُه»، قُلنا: هذا لا مُتعلِّقَ فيه في بَقاءِ الدَّينِ على الميِّتِ، ولا في رُجوعِه عليه؛ لأنَّ نَصَّ الخبَرِ ورَدَ فيه بعَينِه: «إنَّ الميِّتَ قد برِئَ مِنْ الدَّينِ وإنَّ حَقَّ الغَريمِ على الزَّعيمِ»، فلا مَعنى للزِّيادةِ في هذا، أمَّا قَولُه ﷺ : «الآنَ برَدَتْ عليه جِلْدُه»، فقد أصابَ ﷺ ما أرادَ، وقولُه: «الحَقُّ» لا نَشكُّ فيه، ولكنْ نَقولُ: إنَّه قد يَكونُ تَبريدًا زائدًا
стр. 1579
دخَلَ عليه حين القَضاءِ عنه، وإنْ كانَ لَم يَكنْ قبلَ ذلك في حَرٍّ، كما تَقولُ: لقد سرَّني فِعلُك، وإنْ لَم تَكنْ قبلَ ذلك في هَمٍّ ولا حَزنٍ، وكما لو تَصدَّقَ عن الميِّتِ بصَدقةٍ، لَكانَ قد دخَلَ عليه بها رَوحٌ زائِدٌ ولا بدَّ، وإنْ لَم يَكنْ قبلَ ذلك في كَربٍ ولا غَمٍّ.
ويُمكِنُ أنْ يَكونَ قد كانَ في مَطْلٍ، وهو غَنيٌّ، فحَصَل له الظُّلمُ، ثم غفَرَ اللهُ له ذلك الظُّلمَ بالقَضاءِ، واللهُ أعلَمُ، إلا أنَّهم لا مُتعلِّقَ لهم بهذا أصلًا (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا الحَيُّ فلا يُبرأُ بالضَّمانِ رِوايةً واحِدةً، وأمَّا الميِّتُ ففي بَراءَتِه بمُجرَّدِ الضَّمانِ رِوايَتانِ.
إحداهُما: يُبرأُ بمُجرَّدِ الضَّمانِ، نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ يُوسفَ بنِ مُوسى، كما ذكَرْنا مِنْ الخبَريْن؛ ولأنَّ فائِدةَ الضَّمانِ في حَقِّه تَبرئةُ ذِمةٍ، فيَنبَغي أنْ تَحصُلَ هذه الفائِدةُ، بخِلافِ الحَيِّ؛ فإنَّ المَقصودَ في حَقِّه الاستيثاقُ بالحَقِّ، وثُبوتُه في الذِّمتَينِ آكَدُ في الاستيثاقِ بالحَقِّ (٢).
وقالَ الإمامُ الخَطابيُّ ﵀ فيه -أي: في حَديثِ أَبي قَتادةَ-: إنَّ ضَمانَ الدَّينِ عن الميِّتِ يُبرئُه إذا كانَ مَعلومًا، سَواءٌ خلَّفَ الميِّتُ وَفاءً أو لَم يُخلِّفْ؛ وذلك أنَّه إنَّما امتنَعَ مِنْ الصَّلاةِ لِارتِهانِ ذِمتِه بالدَّينِ، فلو لَم يُبرأْ بضَمانِ أَبي قَتادةَ لَما صلَّى عليه، والعِلةُ المانِعةُ قائِمةٌ (٣).
стр. 1580
فصل في غُسلِ الميِّتِ
حُكمُ غُسلِ الميِّتِ:
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وغُسلُ الميِّتِ فَرضُ كِفايةٍ بإِجماعِ المسلِمينَ، ومَعنى (فَرضِ الكِفايةِ): أنَّه إذا فعَلَه مَنْ فيه كِفايةٌ سقَطَ الحَرجُ عن الباقينَ، وإنْ ترَكوه كلُّهم أثِمُوا كلُّهم (١).
إلا أنَّ هناك خِلافًا عندَ المالكيةِ، ومِن أجلِ ذلك قالَ الحافِظُ في «الفَتحِ»: وهو ذُهولٌ شَديدٌ -أي: مِنْ النَّوويِّ-؛ فإنَّ الخِلافَ مَشهورٌ عندَ المالِكيةِ حتى إنَّ القُرطبيَّ رجَّحَ في شَرحِ مُسلمٍ أنَّه سُنةٌ، ولكنَّ الجُمهورَ على وُجوبِه، وقد رَدَّ ابنُ العَربيِّ على مَنْ لَم يَقلْ بذلك، وقد تَوارَدَ به القَولُ والعَملُ، وغُسلُ الطاهِرِ المُطهَّرِ، فكيف بمَن سِواه (٢).
وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فأمَّا حُكمُ الغُسلِ: فإنَّه قيلَ فيه: إنَّه فَرضٌ على الكِفايةِ، وقِيلَ: سُنةٌ على الكِفايةِ، والقَولانِ كِلاهما في المَذهبِ، والسَّببُ
стр. 1581
في ذلك: أنَّه نُقلَ بالعَملِ لا بالقَولِ، والعَملُ ليسَ له صيغةٌ تُفهِمُ الوُجوبَ أو لا تُفهِمُه، وقد احتجَّ عبدُ الوهَّابِ لوُجوبِه بقَولِه ﷺ في ابنَتِه: «اغسِلْنَها ثَلاثًا أو خَمسًا» (١)، وبقَولِه في المُحرِمِ: «اغْسِلُوه» (٢).
فمَن رأى أنَّ القَولَ خرَجَ مَخرَجَ تَعليمٍ لصِفةِ الغُسلِ، لا مَخرَجَ الأمرِ به لَم يَقلْ بوُجوبِه، ومَن رَأى أنَّه يَتضمَّنُ الأمرَ والصِّفةَ قالَ بوُجوبِه (٣).
إلا أنَّ المَشهورَ عندَهم -أي: المالِكيةِ- أنَّه فَرضٌ كِفائيٌّ.
قال في «الشَّرح الصَّغير»: غُسلُ الميِّتِ المُسلمِ فَرضٌ كِفائيٌّ إذا قامَ به بَعضٌ مِنْ المسلِمينَ سقَطَ عن الباقينَ (٤).
تَجريدُ الميِّتِ وكَيفيةُ وَضعِه حالة الغُسلِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الميِّتِ هل الأفضَلُ أنْ يُغسَّلَ مُجرَّدًا أو في قَميصٍ، بعدَ اتِّفاقِهم على وُجوبِ سَترِ العَورةِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأفضَلَ أنْ يُغسَّلَ في قَميصٍ؛ لِما رَوت عائِشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : غَسَّلوه وعليه قَميصٌ يَصُبَّون عليه الماءَ، ويُدلِّكونَه مِنْ فَوقِه، ولأنَّ ذلك أستَرُ، فكانَ أَوْلى.
стр. 1582
وما ثبَتَ كَونُه سُنةً في حَقِّه ﷺ فهو سُنةٌ في حَقِّ غيرِه، والذي فُعلَ به ﷺ هو الأكمَلُ. وقالَ الإمامُ أحمدُ: غُسِّلَ النَّبيُّ ﷺ في قَميصٍ، وقد أَرادوا خَلعَه فنُودُوا أنْ لا تَخلَعوه واستُروا نَبيَّكم، وقالَ سَعدٌ: «اصْنَعُوا بِي كما صُنعَ برَسولِ اللهِ ﷺ ».
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّ الأفضلَ أنْ يُغسَّلَ مُجرَّدًا مِنْ ثيابِه إلا أنَّه تُستَرُ عَورَتُه؛ لأنَّ تَجريدَه أمكَنُ لتَغسيلِه، وأبلَغُ في تَطهيرِه، والحَيُّ يَتجرَّدُ إذا اغتسَلَ، فكذا الميِّتُ، ولأنَّه إذا اغتسَل في ثَوبِه تَنجَّسَ الثَّوبُ بما يَخرُجُ، وقد لا يَطهُرُ بصَبِّ الماء عليه، فيَتنجَّسُ الميِّتُ به، ولأنَّ ذلك كانَ هو العَملَ على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ كما يُفيدُه حَديثُ عائِشةَ ﵂ قالَت: «لمَّا أَرادُوا غَسلَ النَّبيِّ ﷺ قالوا: واللهِ ما نَدرِي أَنُجرِّدُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مِنْ ثِيابِه كما نُجرِّدُ مَوتانا أَمْ نُغسِّلُه وعلَيه ثِيابُه؟» (١)، فدَلَّ ذلك على أنَّ عدَمَ التَّجريدِ كانَ خاصًّا به ﷺ ، ولأنَّ ما يُخشَى مِنْ تَنجيسِ قَميصِه بما يَخرجُ منه كانَ مَأمونًا في حَقِّ النَّبيِّ ﷺ ؛ لأنَّه طيِّبٌ حيًّا وميِّتًا، بخِلافِ غيرِه، وإنَّما قالَ سَعدٌ: الحَدوا لي لَحدًا، وانْصِبُوا على الَّلبِنِ نَصبًا، كما صُنعَ برَسولِ اللهِ ﷺ ، ولو ثبَتَ أنَّه أرادَ الغُسلَ، فأمرُ رَسولِ اللهِ ﷺ أَولى بالاتِّباعِ.
стр. 1583
وأمَّا كَيفيَّةُ وَضعِه عندَ تَغسيلِه فهي أنَّه يُوضعُ على السَّريرِ أو لَوحٍ هُيئَ له، ويَكونُ مَوضعُ رأسِه أُعلى؛ ليَنحدِرَ الماءُ ويَكونَ الوَضعُ طُولًا، كما في حالةِ المَرضِ، إذا أرادَ الصَّلاةَ بإِيماءٍ، ومِن الحَنفيةِ مَنْ اختارَ الوَضعَ كما يُوضَعُ في القبْرِ، والأصَحُّ أنَّه يُوضَعُ كما تَيسَّرَ (١).
عَددُ الغَسلاتِ وكَيفيَّتُها:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الواجِبَ مِنْ الغَسلاتِ ما يَحصُلُ به الطَّهارةُ، وأنَّ المَسنونَ منها الوِترُ، وأنْ يَكونَ في الماءِ السِّدرُ، وفي الآخِرةِ الكافورُ؛ لحَديثِ أُمِّ عَطيَّةَ قالَت: «دخَلَ علَينا النَّبيُّ ﷺ ونحنُ نُغسِّلُ ابنَتَه، فقالَ: اغْسِلْنَها ثَلاثًا، أو خَمسًا، أو أَكْثرَ مِنْ ذلك، إنْ رَأيتُنَّ ذلك، بِماءٍ وسِدرٍ، واجعَلْنَ في الْآخِرَةِ كافُورًا أو شَيئًا مِنْ كافُورٍ» (٢).
وبحَديثِ ابنِ عباسٍ قالَ: «بَينَما رَجلٌ واقِفٌ مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ بعَرفَةَ إِذْ وقَعَ مِنْ راحِلَتِه فأَوْقَصتْه، أَوْ قالَ: فأَقْعَصتْه، فذُكرَ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقالَ: اغْسِلوه بِماءٍ وسِدرٍ» (٣).
стр. 1584
ثم اختلَفوا فيه، فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ: المُستحَبُّ أنْ يَكونَ في كلِّ المياهِ شَيءٌ مِنْ السِّدرِ؛ للحَديثَينِ السابِقَينِ، ولأنَّ المَطلوبَ مِنْ تَغسيلِه المُبالَغةُ في التَّنظيفِ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يَكونُ إلا في واحِدةٍ منها، وتَكونُ الأُولى، ولا يُعتَدُّ بها في عَددِ الغَسلاتِ؛ لتَغيُّرِ الماءِ بالسِّدرِ فسلَبَ طَهورِيَّتَه.
والأفضلُ أنْ يَبدأَ الغاسِلُ في تَغسيلِ الميِّتِ بأنْ يُزيلَ عنه النَّجاسةَ، ويَستنَجيَه عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وأمَّا إِزالةُ النَّجاسةِ وإِنقاؤُها فأبو حَنيفةَ ومُحمدٌ يَقولانِ به، بلا إِجلاسٍ وعَصرٍ في أوَّلِ الغُسلِ، وعندَ المالِكيةِ يُندَبُ عَصرُ البَطنِ حالةَ الغُسلِ، وعندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ يَكونُ إِجلاسُ الميِّتِ وعَصرُ بَطنِه في أوَّلِ الغُسلِ؛ لِما رَوى القاسِمُ بنُ مُحمدٍ قالَ: «تُوفِّي عبدُ اللهِ بنُ عبدِ الرَّحمنِ فغسَّلَه ابنُ عُمرَ فنفَضَه نَفضًا شَديدًا، وعصَرَه عَصرًا شَديدًا، ثم غسَّلَه» (١)، ولأنَّه ربَّما كانَ في جَوفِه شَيءٌ، فإذا لَم يَعصِرْه قبلَ الغَسلِ خرَجَ بعدَه، وربَّما خرَجَ بعدَما كُفِّنَ فيَفسُدُ الكفَنُ.
ثم يُوضِّئُه وُضوءَه للصَّلاةِ، ولا يُدخلُ الماءَ في فِيهِ ولا أنفِه؛ لأنَّ إِدخالَ الماءِ فاه وأنفَه لا يُؤمنُ معه وُصولُه إلى جَوفِه، فيُفضي إلى المُثلَةِ به، ولا يُؤمَنُ خُروجُه في أَكفانِه، وإنْ كانَ فيهما أذًى أزالَه بخِرقةٍ يَبلُّها ويَجعَلُها على إصبَعِه، فيَمسَحُ أسنانَه وأنفَه حتى يُنظِّفَهما، وإلى هذا ذهَبَ الحَنفيةُ
стр. 1585
والحَنابِلةُ، قالَ ابن قُدامةَ: وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، وقالَ شَمسُ الأئِمةِ الحَلَوانِيُّ: وعليه عَملُ الناسِ اليَومَ.
أمَّا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ فلا يُغني ذلك عن المَضمَضةِ والاستِنشاقِ. ويُميلُ رأسَ الميِّتِ حتى لا يَبلُغَ الماءُ بَطنَه، وكذا لا يُؤخِّرُ رِجلَيْه عندَ التَّوضِئةِ.
وبعدَ الوُضوءِ يَجعَلُه على شِقِّه الأيسَرِ فيَفعَلُ الأيمَنَ، ثم يُديرُه على الأيمَنِ فيَفعَلُ الأيسَرَ، وذلك بعدَ تَثليثِ غُسلِ رأسِه ولِحيَتِه.
والواجِبُ كما سبَقَ في غُسلِ الميِّتِ مَرةٌ واحِدةٌ، ويُستحَبُّ أنْ يُغسَّلَ ثَلاثًا، وإنْ رأى الغاسِلُ أنْ يَزيدَ على ثَلاثٍ -لكَونِه لَم يُنقَّ، أو غيرِ ذلك- غسَّلَه خَمسًا أو سَبعًا، ويُستحَبُّ ألَّا يَقطَعَ إلا على وِترٍ كما سبَقَ، وقالَ الإمامُ أحمدُ: لا يَزيدُ على سَبعٍ.
والأصلُ في هذا قَولُ النَّبيِّ ﷺ لِغاسِلاتِ ابنَتِه زَينبَ ﵂: «ابدَأْنَ بمَيامِنِها ومَواضعِ الوُضُوءِ منها، واغسِلْنَها ثَلاثًا، أو خَمسًا، أو أَكثَرَ مِنْ ذلك، إن رَأيْتنَّ ذلك، بِماءٍ وَسِدرٍ، واجعَلْنَ في الْآخِرَةِ كافُورًا أو شَيئًا مِنْ كافُورٍ» (١).
ويَرى ابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيةِ أنَّه لا بأسَ عندَ الوَباءِ وما يَشتدُّ على الناسِ مِنْ غُسلِ المَوتَى لكَثرَتِهم أنْ يَجتَزِئوا بغَسلةٍ واحِدةٍ بغيرِ وُضوءٍ، يُصبُّ عليهم الماءُ صَبًّا.
стр. 1586
وإنْ خرَجَ منه شَيءٌ وهو في مُغتسَلِه يَرى الحَنفيةُ والمالِكيةُ -ما عدا أشهَبَ- وهو الأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ واختارَه أبو الخَطابِ مِنْ الحَنابِلةِ: أنَّه لا يُعادُ غُسلُه، وإنَّما يُغسَلُ ذلك المَوضعُ.
وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ آخَرَ إلى أنَّه إنْ خرَجَ منه شَيءٌ وهو على مُغتسَلِه غسَّلَه إلى خَمسٍ، فإنْ زادَ فإلى سَبعٍ.
وللشافِعيَّةِ قَولٌ ثالِثٌ، وهو: أنَّه يَجبُ إعادةُ وُضوئِه، هذا إذا خرَجَت النَّجاسةُ قبلَ الإِدراجِ في الكَفنِ، وأمَّا بعدَه فجَزَموا بالاكتِفاءِ بغُسلِ النَّجاسةِ فَقط (١).
صِفةُ ماءِ الغُسلِ:
يُشترطُ لصِحَّةِ غُسلِ الميِّتِ في الماءِ: الطَّهوريَّةُ كسائِرِ الطاهِراتِ، والإِباحةُ كباقي الأَغسالِ.
واستحَبَّ الحَنفيةُ أنْ يَكونَ الماءُ ساخِنًا؛ لزِيادةِ الإنقاءِ.
قال المَوصِليُّ ﵀: ويَغلي الماءَ بالسِّدرِ أو بالخَرصِ -أي: الأُشنانِ- إنْ وُجدَ؛ لأنَّه أبلَغُ في النَّظافةِ، وهو المَقصودُ؛ ولأنَّ الماءَ الحارَّ أبلَغُ في إزالةِ الدَّرنِ (٢).
стр. 1587
وعندَ المالِكيةِ: يُخيَّرُ الغاسِلُ في صِفةِ الماءِ إنْ شاءَ بارِدًا وإنْ شاءَ ساخِنًا (١).
ويَرى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أنَّه يُستحَبُّ غَسلُ الميِّتِ بالماءِ البارِدِ إلا لِحاجةٍ إلى المُسخَّنِ إذا احتِيجَ إليه؛ لشِدةِ بَردٍ أو وسَخٍ لا يُزالُ إلا به (٢).
ما يُصنَعُ بالميِّتِ قبلَ التَّغسيلِ وبعدَه:
١ - ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى استِجابِ استِعمالِ البَخورِ عندَ تَغسيلِ الميِّتِ؛ لِئلَّا تُشمَّ منه رائِحةٌ كَريهةٌ، ويَزدادُ في البَخورِ عندَ عَصرِ بَطنِه (٣).
٢ - تَسريحُ شَعرِ الميِّتِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُسرَّحُ شَعرُ الميِّتِ؛ لأنَّ ذلك يَقطَعُ شَعرَه ويَنتِفُه، ولأنَّ التَّسريحَ للزِّينةِ، وقد استَغنى الميِّتُ عنه.
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُسرَّحُ تَسريحًا خَفيفًا بمُشطٍ واسعِ الأَسنانِ ويُرفَقُ في تَسريحِه؛ لِئلَّا يُنتَفَ شَعرُه، فإنْ نُتفَ ردَّه إليه ودفَنَه معه.
стр. 1588
قال الشِّيرازيُّ: فإنْ كانَت اللِّحيةُ مُتلبِّدةً سرَّحَها حتى يَصلَ الماءُ إلى الجَميعِ (١).
٣ - تَضفيرُ شَعرِ الميِّتةِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُضفَّرُ شَعرُ الميِّتةِ -أي: جَمعُ الشَّعرِ في ذَوائبَ مَضفورةٍ- ثلاثةَ قُرونٍ، ويُلقى مِنْ خَلفِها؛ لحَديثِ أُمِّ عَطيَّةَ في وَصفِ غُسلِ بِنتِ رَسولِ اللهِ ﷺ قالَت: «فضَفَرْنا شَعَرَها ثَلاثَةَ قُرونٍ، وأَلقَيناها خلفَها، قَرْنَيها وناصِيتَها»، وللبُخاريِّ: «جعَلْنَ رَأسَ بنتِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَةَ قُرونٍ» (٢).
وقالَ الحَنفيةُ: تُرسِلُه الغاسِلةُ غيرَ مَضفورٍ بينَ يَدَيْها مِنْ الجانبَينِ، ثم تُسدِلُ خمارَها عليها.
قال المَوصِليُّ: ويُجعَلُ شَعرُها ضَفيرتَينِ على صَدرِها فوقَ القَميصِ تحتَ اللِّفافةِ مِنْ الجانبَينِ؛ لأنَّ في حالةِ الحياةِ يُجعَلُ وَراءَ شَعرِها للزِّينةِ، وبعدَ المَوتِ ربَّما انتشَر الكَفنُ فيُحمَلُ على صَدرِها لذلك، ولأنَّ ضَفرَه يَحتاجُ إلى تَسريحِها، فيُقطَعُ شَعرُها ويُنتَفُ (٣).
стр. 1589
٤ - خِتانُ الميِّتِ:
اتَّفقَ الأئِمةُ الأربَعةُ على أنَّ الميِّتَ إذا ماتَ غيرَ مَختونٍ يُتركُ على حالِه ولا يُختَنُ؛ لأنَّ الخِتانَ إبانةٌ لجُزءٍ مِنْ أَعضاءِ الميِّتِ فلا يُشرعُ، ويُفعَلُ للتَّكليفِ به، وقد زالَ بالمَوتِ، وقياسًا على مَنْ وجَبَ قَطعُ يَدِه في سَرِقةٍ أو قِصاصٍ، فإنْ ماتَ قبلَ أنْ يُتمكَّنَ منه، فقد أَجمَعوا على أنَّها لا تُقطَعُ.
وقالَ ابنُ القيِّمِ ﵀: لا يَجبُ خِتانُ الميِّتِ باتِّفاقِ الأُمةِ، وهل يُستحَبُّ؟ فجُمهورُ أهلِ العِلمِ على أنَّه لا يُستحَبُّ، وهو قَولُ الأئِمةِ الأربَعةِ، وذكَرَ بعضُ الأئِمةِ المتأخِّرينَ أنَّه مُستحَبٌّ، وقاسَه على أخْذِ شارِبِه وحلْقِ عانَتِه ونَتفِ إبطِه، وهذا مُخالِفٌ لِما عليه عَملُ الأُمةِ وهو قياسٌ فاسِدٌ، فإنَّ أخْذَ الشارِبِ وتَقليمَ الظُّفرِ وحَلقَ العانةِ مِنْ تَمامِ طَهارتِه وإزالةِ وَسخِه ودَرنِه.
وأمَّا الخِتانُ فهو قَطعُ عُضوٍ مِنْ أَعضائِه، والمَعنى الذي لِأجلِه شُرعَ في الحياةِ قد زالَ بالمَوتِ؛ فلا مَصلَحةَ في خِتانِه، وقد أخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّه يُبعَثُ يَومَ القيامةِ بغُرلَتِه غيرَ مَختونٍ، فما الفائِدةُ أنْ يُقطَعَ منه عندَ المَوتِ عُضوٌ يُبعَثُ به يَومَ القيامةِ، وهو مِنْ تَمامِ خَلْقِه في النَّشأةِ الأُخرى (١).
стр. 1590
٥ - تَقليمُ أظافِرِ الميِّتِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُقلِّمُ أظافِرَ الميِّتِ؛ لأنَّ أَجزاءَ الميِّتِ مُحترمةٌ فلا تُنتهَكُ بهذا، ولَم يَصحَّ عن النَّبيِّ ﷺ والصَّحابةِ في هذا شَيءٌ؛ ولأنَّ إِزالةَ هذه الأَشياءِ للزِّينةِ، وهو مُستَغنٍ عنها، وأمَّا إنْ كانَ ظُفرُه مُنكَسرًا فلا بأسَ بأخْذِه.
وذهَبَ الشافِعيةُ في القَولِ الآخَرِ والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّه يُقلِّمُ أَظفارَه؛ لأنَّه تَنظيفٌ، فشُرعَ في حَقِّه كإزالةِ الوَسخِ، وقيَّدَه الإمامُ أحمدُ بما إذا كانَ فاحِشًا (١).
٦ - الأخْذُ مِنْ شارِبِ الميِّتِ إنْ كانَ طَويلًا:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يُؤخَذُ مِنْ شارِبِ الميِّتِ شَيءٌ، وإنْ كانَ طَويلًا؛ للتَّعليلِ السابِقِ في تَقليمِ أَظفارِه.
وذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في القَولِ الآخَرِ إلى أنَّه يُؤخَذُ منه إنْ كانَ طَويلًا؛ لأنَّ تَركَه يُقبِّحُ مَنظرَه كفَتحِ عَينَيه وفَمِه، ولأنَّه فِعلٌ مَسنونٌ في الحَياةِ لا مَضرَّةَ فيه، فشُرعَ بعدَ المَوتِ كالاغتِسالِ (٢).
стр. 1591
٧ - نَتفُ إبطِه وحَلقُ عانَتِه:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّه لا يُشرَعُ نَتفُ إبطِه وحَلقُ عانَتِه، ولأنَّ العانةَ يُحتاجُ في أخْذِها إلى كَشفِ العَورةِ ولَمسِها وهَتكِ الميِّتِ وذلك مُحرَّمٌ لا يُفعَلُ لغيرِ واجِبٍ، ولأنَّ العَورةَ مَستورةٌ يُستَغنى بسَتْرِها عن إزالَتِها.
وذهَبَ الشافِعيةُ في القَولِ الآخَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُسَنُّ ذلك لِما رُويَ أنَّ سَعدَ بنَ أَبي وقَّاصٍ جَزَّ عانةَ مِّيِتٍ، ولأنَّه شَعرٌ إزالَتُه مِنْ السُّنةِ، فأشبَهَ الشارِبَ، لكنْ قالَ ابنُ قُدامةَ: والأولُ أَولى، ويُفارِقُ الشارِبُ العانةَ لأنَّه ظاهِرٌ يُتفاحَشُ لرُؤيَتِه، ولا يُحتاجُ في أخْذِه إلى كَشفِ العَورةِ ولا لَمسِها.
ثم إنَّه إنْ أخَذَ شَيئًا مِنْ أَظفارِه أو شارِبِه أو إبطِه أو عانَتِه يَصيرُ كلُّ ذلك معه في كَفنِه ويُدفَنُ (١).
تَغسيلُ الرَّجلِ ذواتِ مَحارمِه مِنْ النِّساءِ: كأُمِّهِ وبِنتِه وغَيرِهما مِنْ مَحارِمِه:
قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا: هل يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُغسِّلَ ذَواتِ مَحارِمِه مِنْ النِّساءِ؟
فقال أبو حَنيفةَ وأحمدُ: لا يَجوزُ.
وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: يَجوزُ، إلا أنَّ مالِكًا أجازَ ذلك عندَ عَدمِ النِّساءِ، بعدَ أنْ يَلفَّ على يَدِه ثَوبًا كَثيفًا، وتُغسَّلُ المَرأةُ مِنْ فَوقِ ثيابِها.
стр. 1592
فإنْ لَم يَكنْ معها مَحرَمٌ ولا نِساءٌ عندَهم فإنَّ الأجنبيَّ يَدقُّ على الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ يدَيه ويَنوي به التَّيمُّمَ للميِّتةِ، ويَمسَحُ وَجهَها وكفَّيْها، عندَ مالِكٍ وأحمدَ في إحدي رِوايتَيه، ولَم نَجدْ لِلشافِعيِّ نَصًّا، بل لأَصحابِه وَجهانِ، أصَحُّهما كمَذهبِ مالِكٍ وإحدى الرِّوايتَينِ عن أحمدَ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يَبلُغُ بالتَّيمُّمِ إلى المِرفقَينِ.
فإنْ كانَ الميِّتُ رَجلًا ولا يَحضرُه إلا الأجنَبياتُ، قالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: يَبلغُ بتَيمُّمِه إلى المِرفقَينِ، وقالَ أحمَدُ: إلى الكُوعَينِ (١).
قال الشِّيرازيُّ: وإنْ ماتَ رَجلٌ وليسَ هناك إلا امرأةٌ أجنَبيَّةٌ أو ماتَت امرأةٌ وليسَ هناك إلا رَجلٌ أجنَبيٌّ، ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: يُتيمَّمُ.
والثاني: يَستُرُ بثَوبٍ ويَجعَلُ الغاسِلُ على يَدِه خِرقةً ثم يَغسِلُه.
قال النَّوويُّ ﵀: أصَحُّهما عندَ الجُمهورِ: يُتَيمَّمُ ولا يُغسَّلُ؛ لأنَّه تَعذَّرَ غُسلُه شَرعًا بسَببِ اللَّمسِ والنَّظرِ، فيُتيمَّمُ كما لو تَعذَّر حِسًّا (٢).
стр. 1593
تَغسيلُ المَرأةِ لِزَوجِها:
قال ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ للمَرأةِ أنْ تُغسِّلَ زَوجَها إذا ماتَ (١)؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالَت: «لو استَقبَلتُ مِنْ أَمرِي ما استَدبَرتُ ما غسَّلَ النَّبيَّ ﷺ إلا نِساؤُه» (٢).
قال الإمامُ البَيهَقيُّ ﵀: «فتَلهَّفتْ على ذلك، ولا يُتلهَّفُ إلا على ما يَجوزُ» (٣).
قال ابنُ المنذِرِ ﵀: وقد رَوَيْنا عن أَبي بَكرٍ الصِّديقِ أنَّه أوصى أنْ تُغسِّلَه أسماءُ، وذلك بحَضرةِ المُهاجِرينَ والأَنصارِ لَم يُنكِرْ ذلك منهم مُنكِرٌ، وإنَّ أبا موسى غسَّلَته امرأتُه (٤).
أمَّا المُطلَّقةُ المَبتوتةُ فلا تُغسِّلُ مَنْ كانَ زَوجَها:
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ المُطلَّقةَ المَبتوتةَ لا تُغسِّلُ مَنْ كانَ زَوجَها، واختَلفُوا في الرَّجعيَّةِ: فرُويَ عن مالِكٍ أنَّها تُغسِّلُه، وبه قالَ أبو حَنيفةَ وأَصحابُه (وأحمدُ) (٥). وقالَ ابنُ القاسِمِ: لا تُغسِّلُه، وإنْ كانَ
стр. 1594
الطَّلاقُ رَجعيًّا، وهو قياسُ قَولِ مالِكٍ؛ لأنَّه لا يَجوزُ عندَه أنْ يَراها، وبه قالَ الشافِعيُّ.
قالَ ابنُ رُشدٍ: وسَببُ اختِلافِهم: هو: هل يَحِلُّ للزَّوجِ أنْ يَنظُرَ إلى الرَّجعيَّةِ أو لا (١).
تَغسيلُ الزَّوجِ زَوجَتَه:
ذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه ليسَ له أنْ يُغسِّلَ زَوجتَه إذا ماتَتْ.
وذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ إلى أنَّه يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يُغسِّلَ زَوجتَه إذا ماتَت، وذلك لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لعائِشةَ ﵂: «ما ضرَّكِ لو مِتِّ قَبلِي فغسَّلتُكِ وكفَّنتُكِ ثُم صَلَّيتُ علَيكِ ودفَنتُكِ» (٢).
ولِما رُوِيَ أنَّ علِيًّا ﵁: «غسَّلَ فاطِمةَ ﵂» (٣). واشتَهرَ ذلك
стр. 1595
في الصَّحابةِ، ولَم يُنكِروا، فكانَ إِجماعًا؛ ولأنَّ أحدَ الزَّوجَينِ يَسهُلُ عليه اطَّلاعُ الآخَرِ على عَورتِه دونَ غيرِه؛ لِما كانَ بينَهما في الحياةِ، ويأتي بالغُسلِ على أكمَلِ ما يُمكِنُه؛ لِما بينَهما مِنْ المَودَّةِ والرَّحمةِ.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم: هو تَشبيهُ المَوتِ بالطَّلاقِ، فمَن شبَّهَ بالطَّلاقِ قالَ: لا يَحلُّ أنْ يَنظُرَ إليها بعدَ المَوتِ، ومَن لَم يُشبِّه بالطَّلاقِ -وهُم الجُمهورُ- قالَ: إنَّ ما يَحِلُّ له مِنْ النَّظرِ إليها قبلَ المَوتِ يَحِلُّ له بعدَ المَوتِ، والذي دَعا أبا حَنفيةَ أنْ يُشبِّهَ المَوتَ بالطَّلاقِ أنَّه رَأى أنَّه إذا ماتَت إِحدى الأختَينِ حلَّ له نِكاحُ الأُخرى، كالحالِ فيما إذا طُلِّقتْ، وهذا فيه بُعدٌ، فإنَّ عِلةَ مَنعِ الجَمعِ مُرتَفِعةٌ بينَ الحيِّ والميِّتِ، ولذلك حَلَّتْ، إلا أنْ يُقالَ: إنَّ عِلةَ مَنعِ الجَمعِ غيرُ مَعقولةٍ، وإنَّ مَنعَ الجَمعِ بينَ الأختَينِ عِبادةٌ مَحضةٌ غيرُ مَعقولةِ المَعنى، فيَقوى حينَئذٍ مَذهبُ أَبي حَنيفةَ (١).
تَغسيلُ الرِّجالِ والنِّساءِ لِلأطفالِ الصِّغارِ:
قال ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ تُغسِّلُ الصَّبيَّ الصَّغيرَ (٢).
стр. 1596
وقيَّدَه الحَنفيةُ والشافِعيةُ بالذي لا يُشتَهى؛ لأنَّ حُكمَ العَورةِ غيرُ ثابِتٍ في الصَّغيرِ، هكذا ذكَرَ الكاسانِيُّ.
وحَكى ابنُ المنذِرِ عن الحَنفيةِ قالَ: وقالَ أَصحابُ الرأيِ: تُغسِّلُ المَرأةُ الصَّبيَّ ما لَم يَتكلَّمْ، وكذلك يُغسِّلُ الرَّجلُ الصَّغيرةَ ما لَم تَتكلَّمْ. وقيَّدَه المالِكيةُ والحَنابِلةُ بسَبعِ سِنينَ.
أمَّا تَغسيلُ الرِّجالِ للصَّغيرةِ فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا بأسَ للرَّجلِ أنْ يُغسِّلَ الصَّبيَّةَ التي لا تُشتَهى إذا ماتَتْ؛ لأنَّ حُكمَ العَورةِ غيرُ ثابِتٍ في حَقِّها.
ويَرى جُمهورُ المالِكيةِ أنَّه يَجوزُ غُسلُ صَبيَّةٍ رَضيعةٍ وما قارَبَها، كزِيادةِ شَهرٍ على مُدةِ الرَّضاعِ، لا بِنتَ ثَلاثِ سِنينَ، ويَرى ابنُ القاسِمِ منهم أنَّه لا يُغسَّلُ الرَّجلُ الصَّبيَّةَ وإنْ صَغُرتْ جِدًّا، وقالَ عِيسى: إذا صَغُرتْ جِدًّا فلا بأسَ.
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ إلى أنَّه لا يُغسِّلُ الرَّجلُ الصَّبيَّةَ إلا أنْ يُغسِّلَ الرَّجلُ ابنَتَه الصَّغيرةَ، فإنَّه يُروَى عن أَبي قُلابةَ أنَّه غسَّلَ بِنتًا له صَغيرةً، والحَسنُ قالَ: لا بأسَ أنْ يُغسِّلَ الرَّجلُ ابنَتَه إذا كانَت صَغيرةً.
قال الخَلالُ: القِياسُ التَّسويةُ بينَ الرَّجلِ والجاريةِ لولا أنَّ التابِعينَ فرَّقوا بَينَهما، فكرِهَه أحمدُ لذلك.
قال ابنُ قُدامةَ: وسوَّى أبو الخَطابِ بينَهما فجعَلَ فيهما رِواتَينِ جَريًا على مُوجِبِ القياسِ.
стр. 1597
والصَّحيحُ ما عليه السَّلفُ مِنْ أنَّ الرَّجلَ لا يُغسِّلُ الجاريةَ، والتَّفرقةُ بينَ عَورةِ الغُلامِ والجاريةِ؛ لأنَّ عَورةَ الجاريةِ أفحَشُ، ولأنَّ العادةَ مُعاناةُ المَرأةِ للغُلامِ الصَّغيرِ ومُباشَرةُ عَورَتِه في حالِ تَربيَتِه، ولَم تَجرِ العادةُ بمُباشَرةِ الرَّجلِ عَورةَ الجاريةِ في الحياةِ، فكذلك حالةُ المَوتِ واللهُ أعلَمُ (١).
стр. 1598
مَنْ يُغسَّلُ مِنْ المَوتى ومَن لا يُغسَّلُ:
أ- تَغسيلُ الشَّهيدِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الشَّهيدَ المَقتولَ في المَعركةِ لا يُغسَّلُ؛ لِما رُويَ عن جَابِرٍ ﵄ قالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ يَجمَعُ بينَ الرَّجلَينِ مِنْ قَتلَى أُحدٍ في ثَوبٍ واحِدٍ، ثُم يَقولُ: «أَيُّهمْ أَكثَرُ أَخذًا للقُرآنِ؟» فإذا أُشيرَ له إلى أحدِهما قدَّمَه في اللَّحدِ، وقالَ: «أنا شَهِيدٌ على هَؤلاءِ يَومَ القِيامَةِ»، وأمَرَ بدَفنِهِم في دِمائهِمْ، ولَم يُغسَّلوا ولَم يُصلَّ عليهم (١).
تَعريفُ الشَّهيدِ الذي لا يُغسَّلُ:
عرَّف الحَنفيةُ الشَّهيدَ بأنَّه: مَنْ قتَلَه المُشرِكونَ أو وُجدَ في المَعركةِ وبه أثَرٌ، أو قتَلَه المُسلِمونَ ظُلمًا ولَم يَجبْ بقَتلِه دِيةٌ؛ فيُكفَّنُ ويُصلَّى عليه ولا يُغسَّلُ، ومَن قتَلَه أهلُ الحَربِ أو أهلُ البَغيِ؛ لأنَّ علِيًّا ﵁ لَم يُغسِّلْ أَصحابَه الذين قُتِلوا بصِفِّينَ، أو قتَلَه قُطَّاعُ الطَّريقِ، فبأيِّ شَيءٍ قَتَلوه لَم يُغسَّلْ؛ لأنَّ شُهداءَ أُحدٍ ما كانَ كلُّهم قَتيلَ السَّيفِ والسَّلاحِ، وكذلك لو قُتلَ مُدافِعًا عن نَفسِه أو مالِه أو أهلِه أو واحِدٍ مِنْ المسلِمينَ أو أهلِ الذِّمةِ، فهو شَهيدٌ، سَواءٌ قُتلَ بسِلاحٍ أو غيرِه؛ لاستِجماعِ شَرائطِ الشَّهادةِ في حَقِّه، فالتحَقَ بشُهداءِ أُحدٍ (٢).
стр. 1599
وعرَّفَه المالِكيةُ -كما في «الشَّرح الكَبير» -: ولا يُغسَّلُ شَهيدُ مُعتَركٍ، أي: يَحرُمُ تَغسيلُه، كما قالَ بعضُهم، وهو مَنْ قُتلَ في قِتالِ الحَربيِّينَ فَقط. ولا حاجةَ له بعدَ قَولِه مُعتركٌ، ولو قُتلَ ببَلدِ الإِسلامِ، بأنْ غَزا الحَربيُّونَ المسلِمينَ، أو لَم يُقاتِلْ، بأنْ كانَ غافِلًا أو نائِمًا، أو قتَلَه مُسلمٌ يَظنُّه كافِرًا، أو داسَتْه الخَيلُ أو رجَعَ عليه سَيفُه أو سَهمُه أو تَردَّى في بِئرٍ أو سقَطَ مِنْ شاهِقٍ حالَ القِتالِ (١).
وعرَّفَه الشافِعيةُ: قالَ النَّوويُّ ﵀: الشَّهيدُ الذي لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه هو مَنْ ماتَ بسَببِ قِتالِ الكُفارِ حالَ قيامِ القِتالِ، سَواءٌ قتَلَه كافِرٌ، أو أصابَه سلاحُ مُسلمٍ خَطأً، أو عادَ إليه سِلاحُ نَفسِه، أو سقَطَ عن فَرسِه، أو رَمَحتْه دابَّةٌ فماتَ، أو وَطِئتْه دوابُّ المسلِمينَ أو غيرِهم أو أَصابَه سَهمٌ لا يُعرَفُ هل رَمى به مُسلمٌ أو كافِرٌ، أو وُجدَ قَتيلًا عندَ انكِشافِ الحَربِ ولَم يُعلَمْ سَببُ مَوتِه، سَواءٌ كانَ عليه أثَرُ دَمٍ أو لا، وسواءٌ ماتَ في الحالِ أو بقِيَ زَمنًا ثم ماتَ بذلك السَّببِ قبلَ انقِضاءِ الحَربِ، وسَواءٌ أكلَ وشرِبَ ووَصَّى أو لَم يَفعلْ شَيئًا مِنْ ذلك، وهذا كلُّه مُتَّفقٌ عليه عندَنا، نَصَّ عليه الشافِعيُّ والأَصحابُ (٢).
وعرَّفَه الحَنابِلةُ بأنَّه: مَنْ ماتَ بسَببِ القِتالِ مع الكُفارِ وَقتَ قيامِ القِتالِ (٣).
стр. 1600
أمَّا إذا حُملَ حَيًّا ولَم يَمتْ في المُعتَركِ وأكَلَ أو شرِبَ فإنَّه يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه:
قال ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الشَّهيدَ في مُعتَركِ الكُفارِ إذا حُملَ حَيًّا ولَم يَمتْ في المُعتركِ وأكَلَ وشرِبَ فإنَّه يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه، كما فُعلَ بعُمرَ وبعلِيٍّ ﵄ (١).
تَغسيلُ الشَّهيدِ الجُنبِ:
وإنْ كانَ الشَّهيدُ جُنُبًا ذهَبَ أبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ وسحنُونٌ مِنْ المالِكيةِ إلى أنَّه يُغسَّلُ؛ لحَديثِ حَنظلةَ.
وذهَبَ جُمهورُ المالِكيةِ وأبو يُوسفَ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ مِنْ الحَنفيةِ والشافِعيةُ في الأصَحِّ والإمامُ أحمدَ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُغسَّلُ؛ لعُمومِ الخبَرِ (٢).
قالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: لسنا نَعرِفُ نَصًّا عن مالِكٍ في المَقتولِ في المَعركةِ، إذا عُرفَ أنَّه كانَ جُنبًا قبلَ القَتلِ، هل يُغسَّلُ أو لا؟
والقياسُ: ألَّا يُغسَّلَ، وبه قالَ بعضُ أَصحابِ الشَّافعيِّ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: يُغسَّلُ، وهو قَولُ بعضِ أَصحابِ الشَّافِعيِّ (٣).
стр. 1601
حُكمُ المُجاهدِ يَموتُ بعدَ خُروجِه للجِهادِ وقبلَ المَعركةِ:
إذا خرَجَ المُجاهِدُ للجِهادِ في سَبيلِ اللهِ ثم ماتَ بمَرضٍ ونَحوِه قبلَ المَعركةِ دونَ سَببٍ مِنْ العَدوِّ فهل يَأخذُ أَحكامَ الشَّهيدِ الدُّنيويَّةَ أو لا؟
قال الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: شَرائطُ الشَّهادةِ أنواعٌ: منها أنْ يَكونَ مَقتولًا حتى لو ماتَ حَتفَ أنْفِه، لا يَكونُ شَهيدًا؛ لأنَّه ليسَ بمَقتولٍ، فلَم يَكنْ في مَعنى شُهداءِ أُحدٍ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: إلا أنْ يَموتَ بَينَ الصَّفَّينِ حَتفَ أنفِه فهو كغَيرِه مِنْ مَوتى المسلِمينَ يُغسَّلُ ويُكفَّنُ ويُصلَّى عليه (٢).
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وإنْ سقَطَ مِنْ شاهِقٍ، أي مَكانٍ مُرتفِعٍ كجَبلٍ ونَحوِه لا بفِعلِ العَدوِّ فماتَ، أو سقَطَ عن دابَّةٍ لا بفِعلِ العَدوِّ فماتَ، أو رَفسَتْه دابَّةٌ فماتَ، أو ماتَ في دارِ الحَربِ حَتفَ أنفِه، أو عادَ سَهمُه عليه فقتَلَه، أو عادَ سَيفُه عليه فقتَلَه، أو وُجدَ ميِّتًا ولا أثَرَ به، أو حُملَ بعدَ جُرحِه فأكَلَ أو شرِبَ أو نامَ أو بالَ أو تكلَّمَ أو عطَسَ أو طالَ بَقاؤُه عُرفًا، غُسِّل وصُلِّيَ عليه وُجوبًا.
أمَّا مَنْ ماتَ بغيرِ فِعلِ العَدوِّ فلعَدمِ مُباشَرتِهم قَتلَه وتَسبُّبِهم فيه، فأشبَهَ مَنْ ماتَ بمَرضٍ، وأمَّا مَنْ وُجدَ ميِّتًا ولا أثَرَ به فلأنَّ الأصلَ وُجوبُ الغُسلِ والصَّلاةِ فلا يَسقطُ يَقينُ ذلك بالشَّكِّ في مُسقِطِه، فإنْ كانَ به أثَرٌ لَم يُغسَّلْ
стр. 1602
ولَم يُصلَّ عليه، زادَ أبو المَعالي: ولا دَمٌ مِنْ أنفِه أو دُبُرِه أو ذكَرِه لأنَّه مُعتادٌ.
وأمَّا مَنْ حُملَ بعدَ جُرحِه فأكَلَ وفعَلَ نَحوَ ذلك فإنَّه يُغسَّلُ لتَغسيلِه ﷺ سَعدَ بنَ مُعاذٍ، ولأنَّ ذلك لا يَكونُ إلا مِنْ ذي حياةٍ مُستقِرَّةٍ، والأصلُ وُجوبُ الغُسلِ والصَّلاةِ.
ومَعنى قَولِه: حَتفَ أنفِه: أي بغيرِ سَببٍ يُفضِي إلى المَوتِ مِنْ جُرحٍ أو ضَربٍ أو غيرِه (١).
فبهذا يَتبيَّنُ -واللهُ أعلَمُ- أنَّ المُجاهدَ إذا ماتَ بعدَ خُروجِه لِلجِهادِ وقبلَ المَعركةِ ليسَ شَهيدَ مَعركةٍ فيُغسَّلُ ويُصلَّى عليه، وهو شَهيدٌ في الآخِرةِ إنْ صَلُحتْ نِيتُه وكانَت لِإعلاءِ كَلمةِ اللهِ .
تَغسيلُ مَنْ قُتِل ظُلمًا:
أمَّا مَنْ قُتلَ ظُلمًا -كمَن قتَلَه اللُّصوصُ- أو غيرُ أهلِ الشِّركِ، أو قُتلَ دونَ مالِه أو دونَ نَفْسِه وأهلِه، فذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُغسَّلُ؛ لأنَّه قُتلَ شَهيدًا، أشبَهَ شَهيدَ المَعركةِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ قُتلَ دونَ مَالِه فَهو شَهِيدٌ» (٢).
قال الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو نزَلَ عليه اللُّصوصُ لَيلًا في المِصرِ فقُتلَ بسِلاحٍ أو غيرِه، أو قتَلَه قُطَّاعُ الطَّريقِ في خارجِ المِصرِ بسِلاحٍ أو غيرِه؛ فهو شَهيدٌ؛ لأنَّ القَتيلَ لَم يَخلُفْ في هذه المَواضعِ بدَلًا هو مَالٌ.
стр. 1603
ولو قُتلَ في المِصرِ نَهارًا بسِلاحٍ ظُلمًا، بأنْ قُتلَ بحَديدةٍ، أو ما يُشبِهُ الحَديدةَ، كالنُّحاسِ والصُّفرِ وما أشبَهَ ذلك، أو ما يَعملُ عَملَ الحَديدِ مِنْ جُرحٍ أو قَطعٍ أو طَعنٍ، بأنْ قتَلَه بزُجاجةٍ أو بُلَيطةِ قَصبٍ، أو طعَنَه برُمحٍ لا زُجَّ له، أو رَماه بنشَّابةٍ لا نَصلَ لها، أو أحرَقَه بالنارِ، وفي الجُملةِ كلُّ قَتلٍ يَتعلَّقُ به وُجوبُ القِصاصِ فالقَتيلُ شَهيدٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّه يُغسَّلُ؛ لأنَّ رُتبَتَه دونَ رُتبةِ الشَّهيدِ في المُعتَركِ، فأشبَهَ المَبطونَ، ولأنَّ هذا لا يَكثُرُ القَتلُ فيه، فلَم يَجزْ إلحاقُه بشَهيدِ المُعتَركِ.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم هو: هل المُوجِبُ لرَفعِ حُكمِ الغُسْلِ هو الشَّهادةُ مُطلَقًا أو الشَّهادةُ على أيدي الكُفارِ؟
فمَن رأى أنَّ سَببَ ذلك هو الشَّهادةُ مُطلَقًا قالَ: لا يُغسَّلُ كلُّ مَنْ نَصَّ عليه النَّبيُّ ﷺ أنَّه شَهيدٌ ممَّن قُتِل، ومَن رأى أنَّ سَببَ ذلك هو الشَّهادةُ مِنْ الكُفارِ قصَرَ ذلك عليهم (٢).
стр. 1604
تَغسيلُ المَبطونِ والمَطعونِ وصاحِبِ الهَدمِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشُّهداءَ الذين لَم يَموتوا بسَبَبِ حَربِ الكُفارِ -كالمَبطونِ والمَطعونِ والغَريقِ وصاحِبِ الهَدمِ والميِّتةِ في الطَّلْقِ وشِبهِهم- يُغسَّلونَ ويُصلَّى عليهم بغيرِ خِلافٍ، وأنَّ لَفظَ الشَّهادةِ الوارِدَ فيهم المُرادُ به أنَّهم شُهداءُ في ثَوابِ الآخِرةِ لا في تَركِ الغُسلِ والصَّلاةِ (١).
تَغسيلُ مَوتى المسلِمينَ عندَ اختلاطِهم بالكُفارِ والصَّلاةُ عليهم ودَفنُهم:
ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّه إذا اختَلطَ مَوتى المسلِمينَ بمَوتى المُشرِكينَ -كأنْ أصابَهم هَدمٌ أو حَريقٌ أو غَرَقٌ- ولَم يُميَّزوا، يُغسَّلونَ جَميعًا، سَواءٌ أكان المُسلِمونَ أكثَرَ أم أقَلَّ أم كانوا على السَّواءِ؛ لأنَّ غُسلَ المُسلِمِ واجِبٌ، وغُسلَ الكافِرِ جائِزٌ في الجُملةِ، فيُؤتَى بالجائِزِ في الجُملةِ لتَحصيلِ الواجِبِ.
أمَّا الصَّلاةُ عليهم فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ والحَنفيةِ في قَولٍ إلى أنَّهم يُصلَّى عليهم ويُنْوَى الصَّلاةُ على المسلِمينَ، وإنْ كانَ عَددُ الكُفارِ أكثَرَ، ولأنَّه إذا جازَ أنْ يَقصِدَ بصَلاتِه ودُعائِه الأكثَرَ جازَ قَصدُ الأقَلِّ، ويُدفَنونَ في مَقابِرِ المسلِمينَ.
стр. 1605
وذهَبَ الحَنفيةُ في القَولِ الآخَرِ -كما ذكَرَه القاضِي في شَرحِه «مُختصَر القُدوريِّ» - إلى أنَّه إنْ كانَت الغَلَبةُ لمَوتى الكُفارِ لا يُصلَّى عليهم، لكنْ يُغسَّلونَ ويُكفَّنونَ ويُدفَنونَ في مَقابِرِ المُشرِكينَ (١).
تَغسيلُ مَنْ لا يُدرَى حالُه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لو وُجدَ ميِّتٌ أو قَتيلٌ في دارِ الإِسلامِ، وكان عليه سِيما المسلِمينَ مِنْ الخِتانِ والثِّيابِ والخِضابِ وحَلقِ العانةِ فإنَّه يَجبُ غُسلُه والصَّلاةُ عليه وأنْ يُدفَنَ في مَقابرِ المسلِمينَ، سَواءٌ وُجدَ في دارِ الإِسلامِ أو في دار الحَربِ.
وأمَّا إذا لَم يَكنْ عليه ذلك -أي: سِيما مَنْ سِيَمِ المسلِمينَ- فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه إنْ وُجدَ في دارِ الإِسلامِ يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه ويُدفَنُ في مَقابرِ المسلِمينَ، وإنْ وُجدَ في دارِ الحَربِ لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه ولا يُدفَنُ في مَقابِرِ المسلِمينَ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ مَنْ كانَ في دارٍ فهو مِنْ أهلِها يَثبُتُ له حُكمُهم، ما لَم يَقمْ على خِلافِه دَليلٌ (٢).
стр. 1606
وصرَّحَ ابنُ القاسِمِ مِنْ المالِكيةِ بأنَّ الميِّتَ إنْ وُجدَ بفَلاةٍ لا يُدرَى أمُسلمٌ هو أم كافِرٌ، لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه، قالَ: وأَرى أنْ يُوارَى. قالَ: وكذلك لو وُجدَ في مَدينةٍ مِنْ المَدائنِ في زُقاقٍ ولا يُدرَى أمُسلمٌ هو أم كافِرٌ، قالَ ابنُ رُشدٍ: وإنْ كانَ مَختونًا فكذلك؛ لأنَّ اليَهودَ يَختَتِنونَ، وقالَ ابنُ حَبيبٍ: ومِن النَّصارى أيضًا مَنْ يَختتِنُ (١).
تَغسيلُ الجَنينِ إذا استَهَلَّ:
إذا خرَجَ المَولودُ حَيًّا، أو حصَلَ منه ما يَدلُّ على حَياتِه مِنْ بُكاءٍ أو تَحريكِ عُضوٍ أو طَرفٍ أو غيرِ ذلك، فإنَّه يُغسَّلُ بالإِجماعِ.
قال ابنُ المنذِرِ ﵀: أَجمعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الطِّفلَ إذا عُرفَت حَياتُه واستَهلَّ -أي: رفَع صَوتَه وصاحَ عندَ وِلادَتِه- يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه (٢).
وكذلك يَرى جُمهورُ الفُقهاءِ عَدمَ تَغسيلِ مَنْ لَم يَأتِ عليه أربَعةُ أشهُرٍ ولَم يَتبيَّنْ خَلقُه.
واختلَفوا في الطِّفلِ الذي وُلدَ لِأربَعةِ أشهُرٍ أو أكثَرَ، فالصَّحيحُ عندَ الحَنفيةِ والمَذهبُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّه يُغسَّلُ.
وذهَبَ الحَنفيةُ في رِوايةٍ و المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يُغسَّلُ، بل يُغسَّلُ دَمُه ويُلَفُّ في خِرقةٍ ويُدفَنُ.
стр. 1607
قال الدَّرديرُ ﵀: لا يُغسَّلُ سَقطٌ لَم يَستهِلَّ صارِخًا ولو تَحرَّكَ؛ إذِ الحَركةُ لا تَدُلُّ على الحَياةِ، ويُغسَّلُ دَمُ السَّقطِ، ويُلفُّ بخِرقةٍ، ويُوارَى وُجوبًا في التَّكفينِ والدَّفنِ (١).
أمَّا الصَّلاةُ عليه فإنْ كانَ له أربَعةُ أشهُرٍ ولَم يَتحرَّكْ لَم يُصلَّ عليه عندَ جُمهورِ العُلماءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ؛ لِما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «الطِّفلُ لَا يُصلَّى عليه ولا يَرثُ ولا يُورَثُ حتى يَسْتهِلَّ» (٢)، ولأنَّه لَم يَثبُتْ له حُكمُ الحياةِ، ولا يَرثُ ولا يُورَثُ، فلا يُصلَّى عليه، كمَن له أربَعةُ أشهُرٍ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّه يُصلَّى عليه لِما رُوِي المُغيرةُ بنُ شُعبةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «والسَّقطُ يُصلَّى عليه» (٣).
ولأنَّه نَسمةٌ نُفخَ فيه الرُّوحُ يُصلَّى عليه كالمُستهِلِّ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبَرَ في حديثِه الصادِقِ المَصدوقِ أنَّه يُنفخُ فيه الرُّوحُ لِأربعةِ أشهُرٍ (٤).
стр. 1608
تَغسيلُ جُزءٍ مِنْ بَدنِ الميِّتِ:
إذا بانَ مِنْ الميِّتَ شيءٌ وهو مَوجودٌ غُسِّلَ وجُعلَ معه في أكفانِه بلا خِلافٍ بين الفُقهاءِ؛ ولأنَّ في ذلك جَمعَ أجزاءِ الميِّتِ في مَوضعٍ واحِدٍ وهو أَوْلى مِنْ تَفريقِها.
أمَّا إذا لَم يُوجَدْ إلا بعضُ الميِّتِ ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إذا وُجدَ بعضُ الميِّتِ غُسِّلَ وصُلِّيَ عليه.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لِإجماعِ الصَّحابةِ قالَ أحمدُ: صلَّى أبو أَيوبَ على رَجلٍ، وصلَّى أبو عُبيدةَ على رُووسٍ بالشامِ، وقالَ الشافِعيُّ: ألقى طائِرٌ يدًا بمَكةَ مِنْ وَقعةِ الجَملِ فعُرفَتْ بالخاتَمِ، وكانَت يدَ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عتَّابِ بن أُسَيدٍ فصلَّى عليها أهلُ مَكةَ (١). وكان ذلك بمَحضَرٍ مِنْ الصَّحابةِ، ولَم نَعرِفْ مِنْ الصَّحابةِ مُخالِفًا في ذلك (٢).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وإنَّما نُصَلِّي عليه إذا تَيقَّنَّا مَوتَه، فأمَّا إذا قُطعَ عُضوٌ مِنْ حَيٍّ -كيَدِ سارِقٍ وجانٍ وغيرِ ذلك- لا يُصَلَّى عليه.
стр. 1609
وكذا لو شَكَكْنا في العُضوِ هل هو مُنفصِلٌ مِنْ حَيٍّ أو ميِّتٍ، لَم نُصلِّ عليه (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه إنْ وُجدَ أكثَرُ مِنْ نِصفِه غُسِّلَ وصُلِّي عليه، وإنْ وُجدَ النِّصفُ لا يُغسَّلُ ولا يُصلَّى عليه إلا إذا وُجدَ معه الرأسُ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّ الشَّرعَ ورَدَ بغُسلِ الميِّتِ، والميِّتُ اسمٌ لِكلِّه، ولو وُجدَ الأكثَرُ منه غُسِّل؛ لأنَّ لِلأكثَرِ حُكمَ الكُلِّ (٢).
غُسلُ الكافِرِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجبُ على المسلِمينَ غُسْلُ الكافِرِ، سَواءٌ كانَ ذِميًّا أو غيرَه؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أهلِ العِبادةِ ولا مِنْ أهلِ التطهُّرِ، ولأنَّ الغُسلَ وجَبَ كَرامةً وتَعظيمًا للميِّتِ، والكافِرُ ليسَ مِنْ أهلِ استِحقاقِ الكَرامةِ والتَّعظيمِ.
كما أنَّهم اتَّفقوا على أنَّه إذا كانَ الكافِرُ أجنبيًّا لا يُغسَّلُ.
واختلَفوا في الكافِرِ إنْ كانَ ذا رحِمٍ، فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يُغسَّلُ ولا يُقبَرُ، إلا أنْ يُخافَ ضَياعُه فيُوارَى.
стр. 1610
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا بأسَ بغُسلِ المُسلِمِ قَرابتَه مِنْ المُشرِكينَ ودَفنِهم.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ الخِلافِ: هل الغُسلُ مِنْ بابِ العِبادةِ أو مِنْ بابِ النَّظافةِ؟ فإنْ كانَت عِبادةً لَم يَجزْ غُسلُ الكافِرِ، وإنْ كانَت نَظافةً جازَ غُسلُه (١).
دَفنُ الميِّتِ مِنْ غيرِ غُسلٍ ولا صَلاةٍ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ الميِّتَ إذا دُفنَ ولَم يُغسَّلْ ولَم يُهَلْ عليه التُّرابُ أنَّه يُخرَجُ ويُغسَّلُ.
أمَّا إذا دُفنَ وانهالَ عليه التُّرابُ ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُنبَشُ ويُغسَّلُ -وكذلك إنْ دُفِن لغيرِ القِبلةِ، فإنَّه يُنبَشُ ويُغسَّلُ ويُوجَّهُ إليها- ما لَم يَتغيَّرْ ويُخفْ عليه أنْ يَتفسَّخَ؛ لأنَّه واجِبٌ مَقدورٌ على فِعلِه فوجَبَ فِعلُه، وإنْ خُشِي عليه الفَسادُ لَم يُنبَشْ؛ لأنَّه تَعذَّرَ فِعلُه فسقَط كسُقوطِ وُضوءِ الحَيِّ إذا تَعذَّرَ.
وقالوا: إنْ تَمكَّنوا مِنْ غُسلِه وتَوجيهِه ولَم يَفعَلوا أثِموا بلا خِلافٍ، وكان ممَّن يَجبُ غُسلُه.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يُنبَشُ بعدَ إهالةِ التُّرابِ عليه؛ لأنَّ النَّبشَ مُثلَةٌ، وقد نُهيَ عنها، ولِما فيه مِنْ هَتكِ حُرمةِ الميِّتِ.
стр. 1611
أمَّا إذا دُفِنَ ووُورِيَ ولَم يُصلَّ عليه ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُصلَّى على القبْرِ ولا يُنبَشُ.
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّه يُنبَشُ ويُصلَّى عليه ما لَم يُخشَ تَغيُّرُه، وإلا صُلِّيَ على قبْرِه عندَ الحَنابِلةِ والمالِكيةِ ما عدا أشهَبَ، فإنَّه قالَ: لا يُصلَّى عليه (١).
أَخذُ الأجرِ على تَغسيلِ الميِّتِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى جَوازِ أَخذِ الأُجرةِ على تَغسيلِ الميِّتِ وتَكفينِه وحَملِه ودَفنِه مع الكَراهةِ، إلا أنْ يَكونَ مُحتاجًا، فيُعطى مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ تَعذَّرَ أُعطيَ بقَدرِ عَملِه، والأفضَلُ له أنْ يَفعلَ ذلك مجَّانًا، فإنْ أخَذَ يَكونُ ذلك مِنْ تَرِكةِ الميِّتِ.
وصرَّحَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ بأنَّه إنْ تَعيَّنَ عليه ولَم يُوجَدْ غَيرُه لا يَأخذُ الأُجرةَ على الطاعةِ، وذهَبَ بعضُهم إلى الجَوازِ.
وفي قَولٍ للحَنابِلةِ: يَحرُمُ أخذُ الأُجرةِ على الغُسلِ (٢).
стр. 1612
الغُسلُ لمَن غسَّلَ ميِّتًا:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجبُ على مَنْ غسَّلَ ميِّتًا أنْ يَغتسِلَ، بل يُستحَبُّ له ذلك؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ غسَّلَ ميِّتًا فليَغتسِلْ، ومَن حمَلَه فليَتوضَّأْ» (١).
وظاهِرُه يُفيدُ الوُجوبَ، وإنَّما قالوا بالاستِحبابِ لقَولِه ﷺ : «ليسَ عليكم في غُسلِ ميِّتِكم غُسلٌ إذا غسَّلتُموه؛ فإنَّ ميِّتَكُم ليسَ بنجَسٍ، فحَسبُكم أنْ تَغْسِلوا أيدِيَكم» (٢).
وبقَولِ ابنِ عمرَ ﵄: «كُنَّا نُغسِّلُ الميِّتَ فمِنا مَنْ يَغتَسلُ، ومِنا مَنْ لَا يَغتَسلُ» (٣).
стр. 1613
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ في رِوايةِ المِصريِّين عنه والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّه يَجبُ على مَنْ غسَّلَ ميِّتًا أنْ يَغتسِلَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ غسَّلَ ميِّتًا فليَغتَسلْ»، لكنَّ المَشهورَ الأولُ (١).
حُكمُ التَّكفينِ:
أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ تَكفينَ الميِّتِ فَرضُ كِفايةٍ؛ لِما رَوى ابنُ عَباسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْبَسوا مِنْ ثِيابِكُم البَياضَ؛ فإِنَّها خَيرُ ثِيابِكم، وكَفِّنوا فيها مَوْتاكُم» (٢).
ولِأمرِ النَّبيِّ ﷺ بذلك في حَديثِ المُحرِمِ الذي وقَصَتْه ناقَتُه، فعَن ابنِ عَباسٍ ﵄ «بينَما رَجلٌ واقِفٌ بعَرفَةَ إِذْ وقَعَ عن راحِلَتِه فوقَصَتْه، أو قالَ: فأَوقصَتْه، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «اغسِلوه بِماءٍ وسِدرٍ وكفِّنوه في ثَوبَينِ» وفي رِوَايةٍ: «في ثَوبَيْه» الحَديث (٣).
ولِما رَوى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطَبَ يَوْمًا فذكَر
стр. 1614
رَجلًا مِنْ أَصحابِهِ قُبضَ، فكُفِّنَ في كفَنٍ غيرِ طائِلٍ، وقُبِرَ لَيلًا، فزجَرَ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حتى يُصَلَّى عليه، إلا أَنْ يُضْطَرَّ إِنسانٌ إلى ذلك، وقالَ ﷺ : «إذا كفَّنَ أحَدُكم أَخاه فليُحسِنْ كفَنَه» (١).
وعن خبَّابِ بنِ الأَرتِّ قالَ: هاجَرْنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في سَبيلِ اللَّهِ نَبْتغِي وَجهَ اللَّهِ، فوجَبَ أَجرُنا على اللَّهِ، فمِنا مَنْ مَضى لَم يَأكلْ مِنْ أَجْرِه شَيئًا، منهم مُصعَبُ بنُ عُميرٍ، قُتلَ يومَ أُحدٍ، فلَم يُوجَدْ له شَيْءٌ يُكفَّنُ فيه إلا نَمِرةً، فكُنا إذا وضَعْناها على رَأسِه خرَجَتْ رِجلَاه، وإذا وضَعْناها على رِجلَيهِ خرَجَ رَأْسُه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «ضَعوها ممَّا يَلي رَأسَه -وفي رِوايةٍ: غطُّوا بها رَأسَه-، واجعَلُوا على رِجلَيه الإِذخِرَ»، وَمِنا مَنْ أَيْنعَتْ له ثمَرَتُه فهو يَهدِبُها (٢)، أي: يَجتَنيها (٣).
صِفةُ الكَفنِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في صِفةِ الكَفنِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الكَفنَ ثلاثةُ أنواعٍ:
١ - كَفنُ السُّنةِ.
стр. 1615
٢ - كَفنُ الكِفايةِ.
٣ - كَفنُ الضَّرورةِ.
فأمَّا كَفنُ السُّنةِ فهو أكمَلُها، فهو ثَلاثةُ أثوابٍ بِيضٍ مُجمَّرةٍ، قَميصٌ وإزارٌ ولِفافةٌ، وصِفتُه أنْ تُبسَطَ اللِّفافةُ، ثم الإِزارُ فوقَها، ثم يُقمَصَ وهو على المَنكِبِ إلى القَدمِ، ويُوضَعُ الإزارُ، وهو مِنْ القَرنِ إلى القَدمِ، ويُعطَفُ عليه مِنْ قبَلِ اليَسارِ ثم مِنْ قبَلِ اليَمينِ اعتِبارًا بحالِ الحياةِ، ثم اللِّفافةُ كذلك، وهو مِنْ القَرنِ إلى القَدمِ، واستَحبُّوا أنْ يَكونَ أحدُهما حبَرةً، والآخَرانِ أبيَضَينِ؛ لحَديثِ: «البَسوا مِنْ ثِيابِكُم البَياضَ؛ فإِنَّها خَيرُ ثِيابِكم، وكَفِّنوا فيها مَوتاكُم» (١).
ولحَديثِ جابِرٍ ﵄ مَرفوعًا: «إذا تُوفِّيَ أحدُكم فوجَدَ شَيئًا فليُكفَّنْ في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ» (٢).
ويُستحَبُّ لِلمرأةِ خَمسةُ أثوابٍ.
أمَّا كَفنُ الكِفايةِ: فهو ثَوبانِ: إزارٌ ولِفافةٌ؛ لقَولِ أَبي بَكرٍ ﵁: «اغْسِلُوا ثَوبيَّ هذَينِ وكفِّنونِي فيهِما» (٣)، ولأنَّ أدنى ما يَلبَسُه الرَّجلُ في حالِ