← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

أمَّا إذا دُفِنَ ووُورِيَ ولَم يُصلَّ عليه ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُصلَّى على القبْرِ ولا يُنبَشُ. وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّه يُنبَشُ ويُصلَّى عليه ما لَم يُخشَ تَغيُّرُه، وإلا صُلِّيَ على قبْرِه عندَ الحَنابِلةِ والمالِكيةِ ما عدا أشهَبَ، فإنَّه قالَ: لا يُصلَّى عليه (١). أَخذُ الأجرِ على تَغسيلِ الميِّتِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى جَوازِ أَخذِ الأُجرةِ على تَغسيلِ الميِّتِ وتَكفينِه وحَملِه ودَفنِه مع الكَراهةِ، إلا أنْ يَكونَ مُحتاجًا، فيُعطى مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ تَعذَّرَ أُعطيَ بقَدرِ عَملِه، والأفضَلُ له أنْ يَفعلَ ذلك مجَّانًا، فإنْ أخَذَ يَكونُ ذلك مِنْ تَرِكةِ الميِّتِ. وصرَّحَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ بأنَّه إنْ تَعيَّنَ عليه ولَم يُوجَدْ غَيرُه لا يَأخذُ الأُجرةَ على الطاعةِ، وذهَبَ بعضُهم إلى الجَوازِ. وفي قَولٍ للحَنابِلةِ: يَحرُمُ أخذُ الأُجرةِ على الغُسلِ (٢).

стр. 1612

الغُسلُ لمَن غسَّلَ ميِّتًا: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجبُ على مَنْ غسَّلَ ميِّتًا أنْ يَغتسِلَ، بل يُستحَبُّ له ذلك؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ غسَّلَ ميِّتًا فليَغتسِلْ، ومَن حمَلَه فليَتوضَّأْ» (١). وظاهِرُه يُفيدُ الوُجوبَ، وإنَّما قالوا بالاستِحبابِ لقَولِه ﷺ : «ليسَ عليكم في غُسلِ ميِّتِكم غُسلٌ إذا غسَّلتُموه؛ فإنَّ ميِّتَكُم ليسَ بنجَسٍ، فحَسبُكم أنْ تَغْسِلوا أيدِيَكم» (٢). وبقَولِ ابنِ عمرَ ﵄: «كُنَّا نُغسِّلُ الميِّتَ فمِنا مَنْ يَغتَسلُ، ومِنا مَنْ لَا يَغتَسلُ» (٣).

стр. 1613

وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ في رِوايةِ المِصريِّين عنه والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّه يَجبُ على مَنْ غسَّلَ ميِّتًا أنْ يَغتسِلَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ غسَّلَ ميِّتًا فليَغتَسلْ»، لكنَّ المَشهورَ الأولُ (١). حُكمُ التَّكفينِ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ تَكفينَ الميِّتِ فَرضُ كِفايةٍ؛ لِما رَوى ابنُ عَباسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الْبَسوا مِنْ ثِيابِكُم البَياضَ؛ فإِنَّها خَيرُ ثِيابِكم، وكَفِّنوا فيها مَوْتاكُم» (٢). ولِأمرِ النَّبيِّ ﷺ بذلك في حَديثِ المُحرِمِ الذي وقَصَتْه ناقَتُه، فعَن ابنِ عَباسٍ ﵄ «بينَما رَجلٌ واقِفٌ بعَرفَةَ إِذْ وقَعَ عن راحِلَتِه فوقَصَتْه، أو قالَ: فأَوقصَتْه، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «اغسِلوه بِماءٍ وسِدرٍ وكفِّنوه في ثَوبَينِ» وفي رِوَايةٍ: «في ثَوبَيْه» الحَديث (٣). ولِما رَوى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ خطَبَ يَوْمًا فذكَر

стр. 1614

رَجلًا مِنْ أَصحابِهِ قُبضَ، فكُفِّنَ في كفَنٍ غيرِ طائِلٍ، وقُبِرَ لَيلًا، فزجَرَ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يُقْبَرَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ حتى يُصَلَّى عليه، إلا أَنْ يُضْطَرَّ إِنسانٌ إلى ذلك، وقالَ ﷺ : «إذا كفَّنَ أحَدُكم أَخاه فليُحسِنْ كفَنَه» (١). وعن خبَّابِ بنِ الأَرتِّ قالَ: هاجَرْنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في سَبيلِ اللَّهِ نَبْتغِي وَجهَ اللَّهِ، فوجَبَ أَجرُنا على اللَّهِ، فمِنا مَنْ مَضى لَم يَأكلْ مِنْ أَجْرِه شَيئًا، منهم مُصعَبُ بنُ عُميرٍ، قُتلَ يومَ أُحدٍ، فلَم يُوجَدْ له شَيْءٌ يُكفَّنُ فيه إلا نَمِرةً، فكُنا إذا وضَعْناها على رَأسِه خرَجَتْ رِجلَاه، وإذا وضَعْناها على رِجلَيهِ خرَجَ رَأْسُه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «ضَعوها ممَّا يَلي رَأسَه -وفي رِوايةٍ: غطُّوا بها رَأسَه-، واجعَلُوا على رِجلَيه الإِذخِرَ»، وَمِنا مَنْ أَيْنعَتْ له ثمَرَتُه فهو يَهدِبُها (٢)، أي: يَجتَنيها (٣). صِفةُ الكَفنِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في صِفةِ الكَفنِ. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الكَفنَ ثلاثةُ أنواعٍ: ١ - كَفنُ السُّنةِ.

стр. 1615

٢ - كَفنُ الكِفايةِ. ٣ - كَفنُ الضَّرورةِ. فأمَّا كَفنُ السُّنةِ فهو أكمَلُها، فهو ثَلاثةُ أثوابٍ بِيضٍ مُجمَّرةٍ، قَميصٌ وإزارٌ ولِفافةٌ، وصِفتُه أنْ تُبسَطَ اللِّفافةُ، ثم الإِزارُ فوقَها، ثم يُقمَصَ وهو على المَنكِبِ إلى القَدمِ، ويُوضَعُ الإزارُ، وهو مِنْ القَرنِ إلى القَدمِ، ويُعطَفُ عليه مِنْ قبَلِ اليَسارِ ثم مِنْ قبَلِ اليَمينِ اعتِبارًا بحالِ الحياةِ، ثم اللِّفافةُ كذلك، وهو مِنْ القَرنِ إلى القَدمِ، واستَحبُّوا أنْ يَكونَ أحدُهما حبَرةً، والآخَرانِ أبيَضَينِ؛ لحَديثِ: «البَسوا مِنْ ثِيابِكُم البَياضَ؛ فإِنَّها خَيرُ ثِيابِكم، وكَفِّنوا فيها مَوتاكُم» (١). ولحَديثِ جابِرٍ ﵄ مَرفوعًا: «إذا تُوفِّيَ أحدُكم فوجَدَ شَيئًا فليُكفَّنْ في ثَوْبٍ حِبَرَةٍ» (٢). ويُستحَبُّ لِلمرأةِ خَمسةُ أثوابٍ. أمَّا كَفنُ الكِفايةِ: فهو ثَوبانِ: إزارٌ ولِفافةٌ؛ لقَولِ أَبي بَكرٍ ﵁: «اغْسِلُوا ثَوبيَّ هذَينِ وكفِّنونِي فيهِما» (٣)، ولأنَّ أدنى ما يَلبَسُه الرَّجلُ في حالِ

стр. 1616

الحَياةِ ثَوبانِ؛ لأنَّه يَجوزُ له أنْ يَخرُجَ فيهما، ويُصلِّيَ فيهما مِنْ غيرِ كَراهةٍ، فكذا يَجوزُ أنْ يُكفَّنَ فيهما مِنْ غيرِ كَراهةٍ. أمَّا كَفنُ الضَّرورةِ: فهو أنْ يَقتصِرَ على ثَوبٍ واحِدٍ إذا لَم يَجدْ غيرَه، قالَ الكاسانِيُّ: يُكرَهُ أنْ يُكفَّنَ في ثَوبٍ واحِدٍ؛ لأنَّ في حالةِ الحَياةِ تَجوزُ صَلاتُه في ثَوبٍ واحِدٍ مع الكَراهةِ، فكذا بعدَ المَوتِ يُكرَهُ أنْ يُكفَّنَ فيه إلا عندَ الضَّرورةِ بأنْ كانَ لا يُوجدُ غيرُه؛ لِما رُويَ «أنَّ مُصعَبَ بنَ عُميرٍ لمَّا استُشهِدَ كُفِّنَ في نَمِرةٍ». الحَديثَ (١). وكذا حَمزةُ لمَّا استُشهِدَ: كُفِّنَ في ثَوبٍ واحِدٍ لَم يُوجَدْ له غيرُه (٢). فدلَّ على الجَوازِ عندَ الضَّرورةِ (٣). وذهَبَ المالِكيةُ في أحَدِ القَولَينِ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ إلى أنَّ أقلَّ ما يُجزِئُ في كَفنِ الميِّتِ ثَوبٌ واحِدٌ يَعُمُّ البَدنَ، سَواءٌ كانَ رَجُلًا أو امرأةً؛ لِمَا رَوت أُمُّ عَطيَّةَ ﵂ قالَت: فلمَّا فَرَغْنا -يَعني مِنْ غُسلِ ابنةِ النَّبيِّ ﷺ أَلقَى إِليْنا حِقْوَه، فقالَ: «أَشْعِرْنَها إِيَّاه»، ولَم يَزدْ على ذلك (٤).

стр. 1617

ومعنى «أَشعِرنَها» أَلفِفْنَها فيه، ولأنَّ العَورةَ المُغلَّظةَ يُجزِئُ في سَتْرِها ثَوبٌ واحِدٌ، فكَفنُ الميِّتِ أوْلَى. وذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُجزِئُ ما يَستُرُ العَورةَ كالحَيِّ، قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وما كُفِّنَ فيه الميِّتُ أجزَأه، وإنَّما قُلنا ذلك لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كفَّنَ يَومَ أُحدٍ بعضَ القَتلى بنَمِرةٍ، فدَلَّ ذلك على أنَّه ليسَ فيه حَدٌّ لا يُقصَرُ عنه، وعلى أنَّه يُجزِئُ ما وارَى العَورةَ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: أمَّا الواجِبُ مِنْ كَفنِ المَرأةِ فهو ثَوبٌ يَستُرُ جَميعَ بَدنِها إلا وَجهَها وكَفَّيها (٢). ويُستحَبُّ الوِترُ في الكَفنِ: والأفضلُ عندَ المالِكيةِ أنْ يُكفَّنَ الرَّجلُ في خَمسةِ أَثوابٍ، وهي: القَميصُ والعِمامةُ والإزارُ ولِفافَتانِ، ويُكرَهُ أنْ يُزادَ للرَّجلِ عليها، ويُندَبُ عَذبةٌ قَدرَ ذِراعٍ تُجعَلُ على وَجهِ الرَّجلِ. والأفضلُ أنْ تُكفَّنَ المَرأةُ في سَبعةِ أثوابٍ، هي: دِرعٌ وخِمارٌ وإزارٌ وأربَعُ لَفائفَ. ونُدبَ خِمارٌ يُلفُّ على وَجهِها بَدلَ العِمامةِ للرَّجلِ (٣).

стр. 1618

والمُستحَبُّ عندَ الشافِعيةِ أنْ يُكفَّنَ الرَّجلُ في ثلاثةِ أثوابٍ، إزارٍ ولِفافَتيْن بِيضٍ، ليسَ فيها قَميصٌ ولا عِمامةٌ؛ لِما رَوت عائِشةُ ﵂ قالَت: «كُفِّنَ رَسولُ اللهِ ﷺ في ثَلاثَةِ أَثْوابٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ (١)، ليسَ فيها قَمِيصٌ ولا عِمامَةٌ» (٢). وسَواءٌ في هذا البالِغُ والصَّبيُّ، وإنْ كُفِّنَ في خَمسةِ أثوابٍ لَم يُكرَهْ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ ﵄ كانَ يُكفِّنُ أهلَه في خَمسةِ أثوابٍ فيها قَميصٌ وعِمامةٌ، ولأنَّ أكملَ ثيابِ الحَيِّ خَمسةٌ: قَميصانِ وسِروالٌ، وعِمامةٌ ورِداءٌ، وتُكرَهُ الزِّيادةُ على ذلك. وأمَّا المَرأةُ فإنَّها تُكفَّنُ عندَهم في خَمسةِ أثوابٍ: في إزارٍ، ودِرعٍ (قَميصٍ) وخِمارٍ ولِفافَتيْن؛ لِما رَوت لَيلى بِنْتُ قَانفٍ الثَّقفِيَّةُ قالَت: «كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّل أُمَّ كُلْثومٍ بِنتَ رَسولِ اللهِ ﷺ عندَ وَفاتِها، فكانَ أوَّلُ ما أَعْطانا رَسولُ اللهِ ﷺ الحِقاءَ، ثُم الدِّرعَ، ثُم الخِمارَ، ثُم المِلْحَفةَ، ثُم أُدرِجَتْ بَعدُ في الثَّوبِ الْآخَرِ» (٣)، ويُكرَهُ مُجاوَزةُ الخَمسةِ في الرَّجلِ والمَرأةِ (٤).

стр. 1619

وقالَ الحَنابِلةُ: الأفضَلُ أنْ يُكفَّنَ الرَّجلُ في ثَلاثةِ لَفائفَ بِيضٍ، يُبسَطُ بعضُها فوقَ بعضٍ، وتُكرَهُ الزِّيادةُ على ثَلاثةِ أَثوابٍ في الكَفنِ؛ لِما فيه مِنْ إضاعةِ المالِ، وقد نَهى عنه النَّبيُّ ﷺ . والأفضَلُ في كَفنِ المَرأةِ عندَهم خَمسةُ أَثوابٍ: إزارٌ وخِمارٌ وقَميصٌ ولِفافَتانِ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أكثَرُ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ يَرى أنْ تُكفَّنَ المَرأةُ في خَمسةِ أَثوابٍ، منهم الشَّعبيُّ وابنُ سِيرينَ والنَّخَعيُّ والأَوزاعيُّ والشافعيُّ وأحمدُ وإِسحاقُ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ (١). وإنَّما استُحِبَّ ذلك لأنَّ المَرأةَ تَزيدُ في حالِ حياتِها على الرَّجلِ في السَّترِ لِزيادةِ عَورَتِها على عَورَتِه، فكذلك بعدَ المَوتِ، ولَمَّا كانَت تَلبَسُ المَخيطَ في إحرامِها -وهو أكمَلُ أحوالِ الحَيِّ- استُحِبَّ إلباسُها إيَّاه بعدَ مَوتِها بخِلافِ الرَّجلِ (٢). كَيفيَّةُ تَكفينِ المُحرِمِ والمُحرِمةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ المُحرِمَ أو المُحرِمةَ إذا ماتا فإنَّهما يُكفَّنان كما يُكفَّنُ غيرُ المُحرِمِ والمُحرِمةِ، أي: يُغطَّى رأسُه ووَجهُه ويُطيَّبُ؛ لِما رُويَ عن عَطاءٍ عن ابنِ عباسٍ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ في المُحرِمِ يَموتُ: «خَمِّروهُم ولَا تُشبِّهُوهُم باليَهودِ» (٣).

стр. 1620

وما رُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا ماتَ الْإِنسانُ انقَطعَ عمَلُه إلا مِنْ ثَلاثٍ: صَدقَةٍ جارِيَةٍ، وعِلمٍ يُنتَفعُ بِهِ، ووَلَدٍ صالِحٍ يَدعُو له» (١). والإِحرامُ ليسَ مِنْ هذه الثَّلاثةِ؛ ولأنَّها عِبادةٌ لها إِحرامٌ وإحلالٌ، وأُبيحَ له التَّحلُّلُ فيها، فوجَبَ أنْ يَخرُجَ منها بالمَوتِ كالصَّومِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المُحرِمَ أو المُحرِمةَ إذا ماتا لَم يَنقطِعْ إِحرامُهما، فَيَحرُمُ تَطيبُهما وأَخذُ شَيءٍ مِنْ شَعرِهما أو أَظفارِهما، ويَحرُمُ سَترُ رأسِ الرَّجلِ وإلباسُه مَخيطًا، ويَحرُمُ سَترُ وَجهِ المُحرِمةِ؛ لِما رَوى ابنُ عَباسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ في المُحرِمِ الذي وَقصَتْه ناقَتُه فماتَ: «اغسِلُوه بِماءٍ وَسِدرٍ وكفِّنوه في ثَوبَيْه، ولا تَمَسُّوه بطِيبٍ ولا تُخمِّرُوا رَأسَه؛ فإنَّه يُبعَثُ يَومَ القِيامَةِ مُلبِّيًا» (٣). قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم -أي: الحَنفيةُ والمالِكيةُ مع الشافِعيةِ والحَنابِلةِ- مُعارَضةُ العُمومِ لِلخُصوصِ، فأمَّا الخُصوصُ: فهو حَديثُ ابنِ عَباسٍ السابِقِ ذِكرهُ، وأمَّا العُمومُ: فهو ما ورَدَ مِنْ الأمرِ بالغُسلِ مُطلَقًا، فمَن خَصَّ مِنْ الأَمواتِ المُحرِمَ بهذا الحَديثِ كتَخصيصِ الشُّهداءِ

стр. 1621

بقَتلَى أُحدٍ جعَلَ الحُكمَ منه ﷺ على الواحِدِ حُكمًا على الجَميعِ، وقالَ: لا يُغطَّى رأسُ المُحرِمِ ولا يَمَسُّ طيبًا. ومَن ذهَبَ مَذهبَ الجَمعِ لا مَذهبَ الاستِثناءِ والتَّخصيصِ قالَ: حَديثُ الأعرابيِّ الذي وَقَصتْه ناقَتهُ خاصٌّ به لا يَتعدَّى إلى غيرِه (١). تَكفينُ الشَّهيدِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الشَّهيدَ يُكفَّنُ في ثِيابِه، ويُنزَعُ عنه الحَديدُ والجُلودُ، حَكاه النَّوويُّ إِجماعًا (٢). لِما رَوى ابنُ عباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «أمَرَ بقَتلَى أُحدٍ أَنْ يُنزَعَ عَنهُم الحَديدُ والجُلودُ، وأَنْ يُدفَنوا في ثِيابِهم بدِمائِهم» (٣). وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُنزَعُ عنه مِنْ لِباسِه ما لَم يَكنْ مِنْ عامَّةِ لِباسِ الناسِ مِنْ الفِراءِ -الفَرْوِ- والحَشوِ والمِنطَقةِ والسِّلاحِ. وقالَ المالِكيةُ: إنَّ شَهيدَ المَعركةِ يُدفَنُ بثيابِه التي ماتَ فيها وُجوبًا إنْ كانَت مُباحةً، وإلا فلا، فلا يُنزَعُ عنه فَروٌ ولا خُفٌّ ولا مَحشُوٌّ؛ لعُمومِ

стр. 1622

قَولِه ﷺ : «ادفِنوهم بثيابِهم»، وهذا عامٌّ في الكلِّ، بل يُندَبُ ذلك إنْ قَلَّ ثَمَنُها، وخاتَمٌ قَلَّ ثَمنُه، ولكنْ لا يُدفَنُ بآلةِ حَربٍ قُتلَ وهي معه، كدِرعٍ وسِلاحٍ. واختلَفوا هل لِوَليِّه أنْ يَنزِعَ عنه ثيابَه ويُكفِّنَه بغيرِها؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِوَليِّه أنْ يَنزِعَ عنه ثيابَه ويُكفِّنَه في غيرِها، ولكنَّ تَركَه أفضَلُ. وذهَبَ المالِكيةُ وحَكاه ابنُ قُدامةَ عن أَبي حَنفيةَ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ إلى أنَّه لا يُنزَعُ عنه شَيءٌ، ولا يُخيَّرُ وَلِيُّه في ذلك (١).

стр. 1623

فصل في حَملِ الجنازةِ حُكمُ حَملِ الجنازةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ حَملَ الجنازةِ فَرضُ كِفايةٍ، وأنَّه ليسَ في حَملِها دَناءةٌ وسُقوطُ مُروءةٍ، بل هو بِرٌّ وطاعةٌ وإِكرامٌ للميِّتِ، وفعَلَه الصَّحابةُ والتابِعون ومَن بعدَهم مِنْ أهلِ الفَضلِ والعِلمِ (١). والأصلُ فيه قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إذا وُضعَت الجنازةُ وَاحْتمَلَها الرِّجالُ على أَعْناقِهمْ فَإِنْ كانَت صَالِحَةً قالَت: قدِّمونِي، وَإِنْ كانَت غيرَ صالِحةٍ قالَت: يا وَيْلَها أينَ يَذهَبونَ بها، يَسْمَعُ صَوْتَها كلُّ شَيءٍ إلا الإِنسانَ، ولَو سمِعَه صعِقَ» (٢). الإسراعُ بالجنازةِ: قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على استِجابِ الإسراعِ بالجنازةِ إلا أنْ يُخافَ مِنْ الإسراعِ انفِجارُ الميِّتِ أو تَغيُّرُه ونَحوُه؛ فَيُتأنَّى بها (٣).

стр. 1624

وذلك لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَسْرِعُوا بِالجنازةِ، فإِنْ تَكُ صالِحَةً فخَيرٌ تُقدِمونَها عليه، وَإِنْ تَكنْ غيرَ ذلك فشَرٌّ تَضَعونَه عن رِقابِكُم» (١). ولحَديثِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ جَوشَنٍ قالَ: «كُنْتُ في جنازةِ عبدِ الرَّحمنِ ابنِ سمُرَةَ، فجَعَلَ زِيادٌ ورِجالٌ مِنْ مَوالِيه يَمشونَ على أعقابِهم أمامَ السَّريرِ، ثم يَقولونَ رُويدًا بارَكَ اللهُ فيكم: فلَحِقَهم أبو بَكرةَ في بعضِ سِكَكِ المَدينةِ، فحمَلَ عليهم بالبَغلةِ، وشَدَّ عليهم بالسَّوطِ، وقالَ: خَلُّوا! والذي أكرَمَ وجَهَ أَبي القاسِمِ ﷺ لقد رأيتُنَا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ لنَكادُ أنْ نَرمُلَ بها رَمَلًا» (٢). تَشييعُ -اتِّباعُ- الجنازةِ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّه يُستحَبُّ لِلرِّجالِ اتِّباعُ الجنازةِ حتى تُدفَنَ، قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا مُجمَعٌ عليه؛ لِلأَحاديثِ الصَّحيحةِ فيه (٣)، وهي: ١ - ما رَواه البَراءُ بنُ عازِبٍ قالَ: «أمرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ بِاتِّبَاعِ الجَنائِزِ وَعِيادَةِ المَريضِ، وإِجابَةِ الدَّاعِي، ونَصرِ المَظْلومِ، وإِبْرارِ القَسمِ، ورَدِّ السَّلامِ، وَتَشْمِيتِ العاطِسِ» (٤). ٢ - ما رَواه أبو هُريرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «حَقُّ المُسلمِ على

стр. 1625

المُسلمِ خَمسٌ: رَدُّ السَّلامِ وَعِيادَةُ المَريضِ وَاتِّباعُ الجَنائِزِ وإِجابَةُ الدَّعْوةِ وتَشْمِيتُ العاطِسِ» (١). أمَّا عن اتِّباعِ النِّساءِ لِلجنازةِ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُكرَهُ لِلنِّساءِ أنْ يَتبَعْنَ الجنازةَ، وصرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ الكَراهةَ تَحريميَّةٌ، واستدَلَّ الجُمهورُ على ذلك بما رَوَت أُمُّ عَطيَّةَ ﵂ قالَت: «نُهِينا عنِ اتِّباعِ الجَنائِزِ ولَم يُعزَمْ علَيْنا» (٢)، وحمَلوا النَّهيَ على الكَراهةِ؛ لقَولِها: «ولَم يُعزَمْ عَلَيْنا». وقالَ الإمامُ مالِكٌ: لا بأسَ بأنْ تُشيِّعَ المَرأةُ جنازةَ وَلَدِها ووالِدِها وزَوجِها وأُختِها إذا كانَ ذلك مما يُعرَفُ أنَّه يَخرجُ مِثلُها على مِثلِه، وإنْ كانَت شابَّةً، ويُكرَهُ أنْ تَخرُجَ على غيرِ هؤلاء (٣). المَشيُ مع الجنازةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل الأفضَلُ المَشيُ أمامَ الجنازةِ أو خلفَها؟ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ المَشيَ أمامَ الجنازةِ أفضَلُ؛ لِما رَوى ابنُ عمرَ أنَّه قالَ: «رَأيتُ النَّبيَّ ﷺ

стр. 1626

وأَبا بَكرٍ وعمرَ يَمشونَ أمامَ الجنازةِ» (١)، ولأنَّه شَفيعٌ لِلميِّتِ، والشَّفيعُ يَتقدَّمُ على المَشفوعِ له. وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المَشيَ خلفَها أفضَلُ؛ لقَولِه ﷺ : «واتَّبِعُوا الجَنائِزَ»، ولا يُسمَّى المُقدَّمُ تابِعًا، بل مَتبوعًا. ولقَولِ علِيٍّ ﵁: «المَشيُ خلفَها أفضَلُ مِنْ المَشيِ أَمامَها، كفَضلِ المَكتوبَةِ على التَّطوُّعِ -وفي رِوايةٍ: كفَضْلِ صَلاةِ الرَّجلِ في جَماعَةٍ على صَلاتِهِ فَذًّا» (٢). وبما رُوِيَ عن ابنِ مَسعودٍ أنَّه كانَ يَقولُ: سأَلنا رَسولَ اللهِ ﷺ عن السَّيرِ في الجنازةِ، فقالَ: «الجنازةُ مَتْبُوعَةٌ وليسَت بِتابِعَةٍ، ليسَ مَعها مَنْ تَقدَّمَها» (٣). ثم اختلَفوا في الراكِبِ يَمشي مع الجنازةِ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ المَشيَ أفضَلُ؛ لأنَّه المَعهودُ عنه ﷺ ، ولَم يَرِدْ أنَّه رَكِب معها، بل قالَ ثَوبانُ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُتِيَ بِدابَّةٍ وهو مع الجنازةِ، فأَبى أَنْ يَركَبَها، فلمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدابَّةٍ فركِبَ، فقِيلَ له، فقالَ: «إِنَّ المَلائِكةَ

стр. 1627

كانَت تَمشِي فلَم أَكنْ لأَركَبَ وهُم يَمشونَ، فلمَّا ذَهَبوا رَكِبتُ» (١). أمَّا إنْ رَكِب فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الراكِبَ يَسيرُ خَلفَها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الراكِبُ يَسيرُ خَلفَ الجنازةِ» (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ السَّيرَ أمامَها أفضَلُ، سَواءٌ كانَ راكِبًا أو ماشِيًا (٣). رَفعُ الصَّوتِ عندَ اتِّباعِ الجَنائزِ: ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّه يُستحَبُّ خَفضُ الصَّوتِ في السَّيرِ بالجنازةِ ومعها، ويُستحَبُّ لهم ألَّا يَشتَغِلوا بشَيءٍ غيرِ الفِكرِ فيما هي لَاقيةٌ وصائِرةٌ إليه، وفي حاصِلِ الحَياةِ، وأنَّ هذا آخِرُها ولا بدَّ منه، وأنَّ هذا عاقِبةُ أهلِ الدُّنيا، ولْيَحذَرْ عما لا فائِدةَ فيه مِنْ الكَلامِ، فإنَّ هذا وَقتُ ذِكرٍ ومَوعِظةٍ، فتَقبُحُ فيه الغَفلةُ، فإنْ لَم يَذكُرِ اللهَ في نَفْسِه يَلزَمِ الصَّمتَ، ويُكرَهُ له رَفعُ الصَّوتِ بالذِّكرِ وقِراءةِ القُرآنِ وغيرِها عندَ اتِّباعِها؛ لقَولِ قَيسِ بنِ

стр. 1628

عبَّادٍ: «كان أَصحابُ النَّبيِّ ﷺ يَكرَهونَ رَفعَ الصَّوتِ عندَ ثَلاثةٍ: عندَ القِتالِ، وعندَ الجَنائِزِ، وعندَ الذِّكرِ» (١)، قيلَ: إنَّ هذه الكَراهةَ تَحريميَّةٌ، وقيلَ: تَركُ الأَوْلى ولا يُغتَرَّ أحَدٌ بكَثرةِ مَنْ يَفعَلُ ذلك. قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: «واعلَمْ أنَّ الصَّوابَ والمُختارَ وما كانَ عليه السَّلفُ السُّكوتُ في حالِ السَّيرِ مع الجنازةِ، فلا يُرفَعُ صَوتٌ بقِراءةٍ ولا بذِكرٍ ولا غيرِ ذلك، والحِكمةُ فيه ظاهِرةٌ، وهي أنَّه أسكَنُ لِخاطِرِه وأجمَعُ لِفِكرِه فيما يَتعلَّقُ بالجنازةِ، وهو المَطلوبُ في هذه الحالِ، فهذا هو الحَقُّ، ولا تَغتَرَّ بكَثرةِ مَنْ يُخالِفُه، فقد قالَ أبو عليٍّ الفُضيلُ بنُ عياضٍ ما مَعناه: «الزَمْ طَريقَ الهُدى ولا يَضُرَّكَ قِلَّةُ السالِكينَ، وإياكَ وطُرقَ الضَّلالةِ ولا تَغتَرَّ بكَثرةِ الهالِكينَ»، وقد رَوَينا في «سُنَن البَيهَقيِّ» ما يَقتَضي ما قُلتُه (يُشيرُ إلى قَولِ قَيسِ بنِ عبَّادٍ). وأمَّا ما يَفعَلُه الجَهلةُ مِنْ القِراءةِ على الجنازةِ بدِمَشقَ وغيرِها مِنْ القِراءةِ بالتَّمطيطِ وإخراجِ الكَلامِ عن مَواضعِه فحَرامٌ بإِجماعِ العُلماءِ، وقد أوضَحتُ قُبحَه وغِلظَ تَحريمِه وفِسقَ مَنْ يُمكَّنُ مِنْ إنكارِه فلَم يُنكِرْه في كِتابِ «آداب القِراءةِ» واللهُ المُستَعانُ (٢).

стр. 1629

وقالَ ابنُ عابدِين ﵀: إذا كانَ هذا في الدُّعاءِ والذِّكرِ فما ظَنُّكَ بالغِناءِ الحادِثِ في زَمانِنا الذي يُسمُّونَه وَجْدًا ومَحبَّةً؛ فإنَّه مَكروهٌ لا أصلَ له في الدِّين» (١). وقالَ المالِكيةُ: كُرهَ صِياحٌ خَلفَها مِثلَ: استَغفِروا لها، ونَحوِه؛ لأنَّه ليسَ مِنْ فِعلِ السَّلَفِ (٢). وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن رَفعِ الصَّوتِ في الجنازةِ؟ فأجابَ: الحَمدُ للهِ، لا يُستحَبُّ رَفعُ الصَّوتِ مع الجنازةِ لا بقِراءةٍ ولا ذِكرٍ ولا غيرِ ذلك، هذا مَذهبُ الأئِمةِ الأربَعةِ، وهو المَأثورُ عن السَّلفِ مِنْ الصَّحابةِ والتابِعينَ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا، بل قد رُوِي عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه نَهى أنْ يُتبَعَ بصَوتٍ أو نارٍ»، رَواه أبو داودَ (٣). وسمِعَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ رَجلًا يَقولُ في جنازةٍ: استَغفِروا لِأخيكم، فقالَ ابنُ عمرَ: «لا غفَرَ اللهُ لكَ بَعْدُ»، وقالَ قَيسُ بنُ عبَّادٍ: وهو مِنْ أكابِرِ التابِعينَ مِنْ أَصحابِ علِيِّ بنِ أَبي طالِبٍ ﵁: «كانوا يَستحِبُّونَ خَفضَ الصَّوتِ عندَ الجَنائِزِ».

стр. 1630

وقد اتَّفقَ أهلُ العِلمِ بالحَديثِ والآثارِ على أنَّ هذا لَم يَكنْ على عَهدِ القُرونِ الثلاثةِ المُفضَّلةِ (١). القيامُ لِلجنازةِ: أي: إذا مَرَّت الجنازةُ على مَنْ ليسَ معها فهل يَقومُ لها أو يَقعُدُ؟ ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهم أيضًا إلى أنَّه لا يُستحَبُّ لمَن مَرَّت به جنازةٌ أنْ يَقومَ لها، بل يُكرَه له ذلك؛ لِما رُويَ أنَّ علِيَّ بنَ أَبي طالِبٍ قالَ: «رَأيْنا رَسولَ اللَّهِ ﷺ قامَ، فقُمْنا، وقعَدَ فقَعَدْنا، يَعنِي في الجنازةِ» (٢). وقالوا: إنَّ أَحاديثَ القيامِ لها مَنسوخةٌ. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ القيامَ وعَدمَه سَواءٌ، فقالَ: إنْ قامَ لَم أعِبْه، وإنْ قعَد فلا بأسَ. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ عنه اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ إلى استِحبابِ القيامِ لمَن مَرَّت به جنازةٌ، وبه قالَ المُتولِّي والنَّوويُّ مِنْ الشافِعيةِ. قال النَّوويُّ ﵀: وخالَفَ صاحِبُ التَّتمَّةِ الجَماعةَ فقالَ: يُستحَبُّ لمَن مَرَّت به جنازةٌ أنْ يَقومَ لها، وإذا كانَ معها لا يَقعُدُ حتى تُوضَعَ، قالَ النَّوويُّ: وهذا الذي قالَه صاحِبُ التَّتمَّةِ هو المُختارُ، فقد صَحَّت الأَحاديثُ بالأمرِ بالقيامِ، ولَم يَثبُتْ في القُعودِ شَيءٌ إلا حَديثَ علِيٍّ، وهو ليسَ صَريحًا

стр. 1631

في النَّسخِ، بل ليسَ فيه نَسخٌ؛ لأنَّه مُحتمِلٌ القُعودَ لبَيانِ الجَوازِ واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ في «شَرح مُسلمٍ»: المَشهورُ في مَذهبِنا أنَّ القيامَ ليسَ مُستحَبًّا، وقالوا: هو مَنسوخٌ بحَديثِ علِيٍّ، واختارَ المُتولِّي مِنْ أَصحابِنا أنَّه مُستحَبٌّ، وهذا هو المُختارُ، فيَكونُ الأمرُ به للنَّدبِ، وبالقُعودِ بَيانًا للجَوازِ، ولا يَصلُحُ دَعوى النَّسخِ في مِثلِ هذا؛ لأنَّ النَّسخَ إنَّما يَكونُ إذا تَعذَّرَ الجَمعُ بينَ الأَحاديثِ، ولَم يَتعذَّرْ واللهُ أعلَمُ (٢). واستدَلُّوا على ذلك بأَحاديثَ، منها: ١ - عن عامِرِ بنِ رَبيعةَ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا رَأيْتُم الجنازةَ فقُومُوا لها حتى تُخلِّفَكُم أو تُوضَعَ» (٣). ٢ - عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: مرَّتْ جنازةٌ فقامَ لها رَسولُ اللَّهِ ﷺ وقُمْنا معه. فقُلْنا: يا رَسولَ اللَّهِ، إِنَّها يَهودِيَّةٌ. فقالَ: «إنَّ المَوتَ فزَعٌ، فإذا رَأَيْتم الجنازةَ فقُوموا» (٤). ٣ - أنَّ قَيسَ بنَ سَعدٍ وسَهلَ بنَ حُنَيفٍ كانا بِالقَادِسيَّةِ فمَرَّتْ بِهما جنازةٌ فقَاما، فقِيلَ لهُما: إِنَّها مِنْ أَهلِ الأرضِ، أي: جنازةُ كافِرةٍ مِنْ أهلِ تلك

стр. 1632

الأرضِ، فَقَالا: إِنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مرَّتْ به جنازةٌ فَقام. فقِيلَ: إنَّه يَهُودِيٌّ. فقالَ: «أَلَيْسَت نَفسًا؟!» (١). الجُلوسُ قبلَ وَضعِ الجنازةِ مِنْ على أَعناقِ الرِّجالِ: ذهَب الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والنَّوويُّ والمُتولِّي مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّه يُستحَبُّ لِمُتَّبِعي الجنازةِ ألَّا يَجلِسوا حتى تُوضعَ، ويُكرَهُ لهم أنْ يَقعُدوا قبلَ وَضعِ الجنازةِ مِنْ على أعناقِ الرِّجالِ؛ لأنَّهم أتباعُ الجنازةِ، والتَّبَعُ لا يَقعُدُ قبلَ قُعودِ الأصلِ، ولأنَّهم إنَّما حَضَروا تَعظيمًا لِلميِّتِ، وليسَ مِنْ التَّعظيمِ الجُلوسُ قبلَ الوَضعِ، واحتَجُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا اتَّبَعْتُمْ جنازةً فلا تَجْلِسُوا حتى تُوضَعَ» (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ هذا القيامَ مَنسوخٌ بحَديثِ عَلِيٍّ السابِقِ، وأنَّه لا يُستحَبُّ لمَن تَبِعَها أنْ يَستمِرَّ قائِمًا حتى تُوضَعَ، وقالَ بعضُ المالِكيةِ والشافِعيةِ: الأمرُ به سَعَةٌ، فمَن شاءَ قامَ، ومَن شاءَ قعَد (٣).

стр. 1633

فصل في صَلاةُ الجنازةِ حُكمُ صَلاةِ الجنازةِ: قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الصَّلاةُ على المَيِّتِ فَرضُ كِفايةٍ بلا خِلافٍ عندَنا، وهو إِجماعٌ، والمَرويُّ عن بعضِ المالِكيةِ -وهو أصبَغُ- أنَّه جعَلَها سُنةً، مَتروكٌ مَردودٌ عليه لا يُلتفَتُ إليه (١). ودَليلُ الإِجماعِ هذا ما رَواه زَيدُ بنُ خَالِدٍ الجُهَنيُّ: أنَّ رَجلًا مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ تُوفِّيَ يَومَ خَيبَرَ، فذَكَروا ذلك لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: «صَلُّوا على صاحِبِكم»، فتغَيَّرتْ وجُوهُ الناسِ لذَلِك، فقالَ: «إِنَّ صاحِبَكُم غلَّ في سَبيلِ اللَّهِ»، فَفتَّشْنا مَتاعَهُ فوَجَدْنا خَرزًا مِنْ خَرزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهمَينِ!» (٢).

стр. 1634

وعن أَبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : كانَ يُؤتَى بِالرَّجلِ المُتوَفَّى عليه الدَّينُ فيَسألُ: «هل ترَكَ لِدَينِه فَضلًا؟»، فَإِنْ حُدِّثَ أَنَّه ترَكَ وَفَاءً صلَّى، وَإِلَّا قالَ للمسلِمينَ: «صَلُّوا على صاحِبِكم» (١). صِفةُ صَلاةِ الجنازةِ: أ- التَّكبيرُ في صَلاةِ الجنازةِ: ذهَب فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ إلى أنَّ السُّنةَ في تَكبيراتِ الجنازةِ أربَعُ تَكبيراتٍ، لا يُزيدُ عليهِنَّ ولا يَنقُصُ. قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: التَّكبيراتُ الأربَعُ أَركانٌ لا تَصحُّ هذه الصَّلاةُ إلا بهِنَّ، وهذا مُجمَعٌ عليه، وقد كانَ لبعضِ الصَّحابةِ وغَيرِهم خِلافٌ في أنَّ التَّكبيرَ المَشروعَ خَمسٌ أو أربَعٌ أو غيرُ ذلك، ثم انقرَضَ ذلك الخِلافُ وأجمعَت الأُمةُ الآنَ على أنَّ صَلاةَ الجنازةِ أربَعُ تَكبيراتٍ بلا زِيادةٍ ولا نَقصٍ (٢). واستدلوا على ذلك بما يلي: ١ - عن أَبي هُريرةَ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَعى النَّجاشِيَّ

стр. 1635

في اليَومِ الذي ماتَ فيه وخرَجَ بهِم إلى المُصلَّى فصَفَّ بهِم وكبَّرَ عليه أربعَ تَكبِيراتٍ» (١). ٢ - عن ابنِ عَّباسٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «صَلَّى على قَبْرٍ بعدَما دُفنَ، فكبَّرَ عليه أربَعًا» (٢). ٣ - عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «السُّنةُ في الصَّلاةِ على الجنازةِ أَنْ يَقْرأَ في التَّكبيرَةِ الأُولَى بِأُمِّ القُرآنِ مُخافَتةً ثُم يُكبِّرَ ثَلاثًا، والتَّسْليمُ عندَ الْآخِرَةِ» (٣). ٤ - عن عبدِ اللهِ بن أَبي أوْفَى قالَ: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يُكبِّرُ أربَعًا» (٤). ثم اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا زادَ الإمامُ على أربَعِ تَكبيراتٍ: فقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا: هل يُتابِعُ الإمامُ على ما زادَ على الأربَعِ؟ فقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: لا يُتابَعُ. وعن أحمَدَ رِواياتِ: إحداهُنَّ: أنه يُتابَعُ في الخامِسةِ، واختارَها الخِرقيُّ، والأُخرى: كمَذهبِ الجَماعةِ، والثالِثةُ: يَتبَعُه إلى سَبعٍ (٥).

стр. 1636

ب- رَفعُ اليَدَيْن عندَ التَّكبيراتِ: قال ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ المُصلِّيَ يَرفعُ يَديْه في أولِ تَكبيرةٍ يُكبِّرُها، واختلَفوا في رَفعِ اليَديْن في سائِرِ التَّكبيراتِ (١). فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَرفَعُ يَدَيْه مع كلِّ تَكبيرةٍ؛ لِما رُويَ أنَّ ابنَ عمرَ: «كان يَرْفعُ يَديْه في كلِّ تَكْبِيرَةٍ على الجنازةِ» (٢). قال ابنُ المنذِرِ ﵀: بقَولِ ابنِ عمرَ أقولُ اتِّباعًا له، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا بيَّنَ رَفعَ اليَدَيْن في كلِّ تَكبيرةٍ يُكبِّرُها المَرءُ وهو قائِمٌ، وكانَت تَكبيراتُ العيدَيْن والجنائِزِ في مَوضِعِ القيامِ، ثبَت رَفعُ اليَدَيْن فيها، قياسًا على رَفعِ اليدَيْن في التَّكبيرِ في مَوضعِ القيامِ، ولمَّا أَجمَعوا -أنَّه تُرفعُ الأيدي في- (٣) أولِ تَكبيرةٍ واختلَفوا فيما سِواها، كانَ حُكمُ ما اختلَفوا فيه حُكمَ ما أجمَعواعليه (٤). وأمَّا الإمامُ مالِكٌ فاختَلفَ النَّقلُ عنه، فحَكى ابنُ وَهبٍ عنه أنَّه قالَ: يُعجِبُني أنْ يَرفعَ اليَديْن في التَّكبيراتِ الأربَعِ.

стр. 1637

وحَكى ابنُ نافِعٍ عنه أنَّه قالَ: استُحِبَّ أنْ يَرفعَ يَدَيْه في التَّكبيرةِ الأُولى، وحَكى ابنُ القاسِمِ أنَّه حضَرَه يُصلِّي على الجنازةِ، فما رأيتُه يَرفَعُ يَدَيْه في أولِ تَكبيرةٍ ولا غيرِها. والمَشهورُ عنه هو أنْ يَرفعَ يَدَيْه في الأُولى فقط، قالَ في «الشَّرح الصَّغير»: ونُدبَ رَفعُ اليَديْن حَذوَ المَنكِبَينِ بالأُولى، أي: عندَ التَّكبيرةِ الأُولى فقط. قالَ الصاويُّ: قولُه: «عندَ التَّكبيرةِ الأُولى فَقط» أي: وأمَّا في غيرِ أُولاه فخِلافُ الأَوْلى، هذا هو المَشهورُ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ عندَهم إلى أنَّه لا تُرفَعُ الأيدي إلا في التَّكبيرةِ الأُولى فَقط. قال السَّرخسيُّ: ولا تُرفَعُ الأيدي إلا في التَّكبيرةِ الأُولى، الإمامُ والقَومُ فيها سَواءٌ، وكَثيرٌ مِنْ أئمَّةِ بَلْخٍ اختاروا رَفعَ اليَدِ عندَ كلِّ تَكبيرةٍ فيها، وكان نُصَيرُ بنُ يَحيى ﵀ يَرفعُ تارةً ولا يَرفعُ تارةً، فمَنِ اختارَ الرَّفعَ قالَ: هذه تَكبيراتٌ يُؤتَى بها في قيامٍ مَسنونٍ، فتُرفعُ الأيدي عندَها كتَكبيراتِ العِيدِ وتَكبيرةِ القُنوتِ والفِقهُ فيما بيَّنَّا مِنْ الحاجةِ إلى إعلامِ مَنْ خَلفَه مِنْ أصَمَّ أو أعمَى.

стр. 1638

وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ قَولُه ﷺ : «لا تُرفَعُ الأَيدِي إلَّا فِي سَبعةِ مَواطنَ» (١)، وليسَ فيها صَلاةُ الجنازةِ. وعنِ ابنِ عمرَ ﵄ قالَ: «لَا تُرفَعُ الْأَيْدِي فيها إلَّا عندَ تَكْبِيرَةِ الِافْتِتاحِ». والمَعنى أنَّ كلَّ تَكبيرةٍ قائِمةٌ مَقامَ رَكعةٍ، فكما لا تُرفعُ الأيدي في سائِرِ الصَّلَواتِ عندَ كلِّ رَكعةٍ فكذلك ههنا (٢). ما يَقولُه بعدَ كلِّ تَكبيرةٍ: أ- دُعاءُ الاستِفتاح بعدَ التَّكبيرةِ الأُولى: ذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ مِنْ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في الصَّحيحِ عندَهما إلى أنَّه لا يُشرَعُ دُعاءُ الاستِفتاحِ في صَلاةِ الجنازةِ؛ لأنَّها مَبنيَّةٌ على التَّخفيفِ. أمَّا الحَنفيةُ؛ فقالَ الكاسانِيُّ: فإذا كبَّرَ الأُولى أثْنى على اللهِ تعالى، وهو أنْ يَقولَ: سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحَمدِكَ … إلى آخِرِه. وذكَرَ الطَّحاويُّ أنَّه لا استِفتاحَ فيه، ولكنَّ النَّقلَ والعادةَ أنَّهم يَستفتِحونَ بعدَ تَكبيرةِ الافتِتاحِ، كما يَستَفتِحونَ في سائِرِ الصَّلواتِ (٣).

стр. 1639

وإلى هذا ذهَبَ بعضُ الشافِعيةِ، وقد رُويَ ذلك عن الإمامِ أحمدَ، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا يُسنُّ الاستِفتاحُ، قالَ أبو داودَ: سَمِعتُ أحمَدَ يُسألُ عن الرَّجلِ يَستفتِحُ الصَّلاةَ على الجنازةِ بسُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحَمدِكَ؟ قالَ: ما سَمِعتُ، قالَ ابنُ المنذِرِ: كانَ الثَّوريُّ يَستحِبُّ أنْ يَستفتِحَ في صَلاةِ الجنازةِ، ولَم نَجِدْه في كُتُبِ سائِرِ أهلِ العِلمِ، وقد رُويَ عن أحمدَ مِثلُ قَولِ الثَّوريِّ؛ لأنَّ الاستِعاذةَ فيها مَشروعةٌ فسُنَّ فيها الاستِفتاحُ كسائِرِ الصَّلواتِ. ثم قالَ: ولنا أنَّ صَلاةَ الجنازةِ شُرعَ فيها التَّخفيفُ؛ ولهذا لا يُقرأُ فيها بعدَ الفاتِحةِ بشَيءٍ، وليسَ فيها رُكوعٌ ولا سُجودٌ، والتَّعوُّذُ سُنةٌ للقِراءةِ مُطلَقًا في الصَّلاةِ وغيرِها؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨] (١). ب- الاستِعاذةُ بعدَ التَّكبيرةِ الأُولى: ذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُسنُّ التَّعوُّذُ في صلاةِ الجنازةِ؛ لأنَّ التَّعوُّذَ سُنَّةُ القُرآنِ مُطلَقًا في الصَّلاةِ وغيرِها؛ لقَولِ اللهِ : ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ [النحل: ٩٨]. وبالقياسِ على غيرِها، ولأنَّه مُختصَرٌ لا تَطويلَ فيه، فأشبَهَ التأمينَ. وذهَبَ الشِّيرازيُّ وأكثَرُ العِراقيِّين مِنْ الشافِعيةِ إلى أنَّه لا يُستحَبُّ (٢).

стр. 1640

قِراءةُ الفاتِحةِ في صَلاةِ الجنازةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ قِراءةِ الفاتِحةِ في صَلاةِ الجنازةِ: فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى وُجوبِ قِراءةِ الفاتِحةِ فيها؛ لحَديثِ طَلحةَ بنِ عَوفٍ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ ابنِ عَباسٍ على جنازةٍ، فقرَأَ بِفاتِحَةِ الْكِتابِ [وَسُورَةٍ، وجهَرَ حتى أَسْمعَنا، فلمَّا فرَغَ أخَذْتُ بيَدِه فسَأَلتُه،] فقالَ: [إنَّما جَهرْتُ] لتَعلَموا أنَّها سُنةٌ [وحَقٌّ]» (١). ولِما رَوى أبو أُمامةَ بنُ سَهلٍ ﵁ أَنَّهُ أخبَرَه رَجلٌ مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ : «أَنَّ السُّنةَ في الصَّلَاةِ على الجنازةِ أنْ يَقْرأَ في التَّكبيرَةِ الأُولَى بأُمِّ القُرآنِ مُخافَتةً، ثُم يُكبِّرَ ثَلاثًا، والتَّسْليمُ عندَ الآخِرَةِ» (٢)، ثم إنَّ صَلاةَ الجنازةِ داخِلةٌ في عُمومِ قَولِه ﷺ : «لَا صَلاةَ لمَن لَم يَقْرَأْ بِفاتِحَةِ الْكِتَابِ» (٣)، ولأنَّها صَلاةٌ يَجبُ فيها القيامُ، فوَجَبت فيها القِراءةُ كسائِرِ الصَّلَواتِ.

стр. 1641

وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه لا يُسنُّ قِراءةُ الفاتِحةِ ولا شَيءٍ مِنْ القُرآنِ في صَلاةِ الجنازةِ، إنَّما يَحمَدُ اللهُ ويُثنِي عليه بعدَ التَّكبيرةِ الأُولى (١). قِراءةُ سُورةٍ بعدَ الفاتِحةِ: ذهَب الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يُستحَبُّ قِراءةُ سُورةٍ بعدَ الفاتِحةِ لأنَّها مَبنيَّةٌ على الحَذفِ والاختِصارِ. قال النَّوويُّ ﵀: وفي قِراءةِ السُّورةِ وَجهانِ، واتَّفَقوا على أنَّ الأصَحَّ أنَّه لا يُستحَبُّ، وبه قطَعَ جُمهورُ المُصنِّفين، ونقَلَ إمامُ الحرمَيْن إِجماعَ العُلماءِ عليه، ونقَلَه القاضِي أبو الطَّيِّب في المُجرَّدِ وآخَرونَ من أَصحابِنا عن الأَصحابِ مُطلَقًا. والآخَرُ: يُستحَبُّ سُورةٌ قَصيرةٌ، ويُستدَلُّ له بسِوى ما ذكَرَه المُصنِّفُ -وهو أنَّ كلَّ صَلاةٍ قرَأَ فيها الفاتِحةَ قَرَأَ فيها السَّورةَ كسائِرِ الصَّلَواتِ- بما رَواه أبو يَعلى المَوصِليُّ عن طَلحةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عَوفٍ قالَ: «صَلَّيْتُ خلفَ ابنِ عَباسٍ علَى جنازةٍ، فَقرَأَ بِفاتِحَةِ الكِتابِ وسُورَةٍ، فجهَرَ حَتى

стр. 1642

سَمِعْنا، فلَمَّا انْصَرَفَ أخَذْتُ بيَدِه، فَسأَلْتُه عَنْ ذلِك فقالَ: سُنةٌ وَحَقٌّ» إسنادُه صَحيحٌ، واللهُ أعلَمُ. اه (١). ما يَقولُ بعدَ التَّكبيرةِ الثانيةِ: ذهَب الفُقهاءُ إلى أنَّه إذا كبَّرَ للثانية يُستحَبُّ له أنْ يُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ لحَديثِ أَبي أُمامةَ أنَّ رَجلًا مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ أخبَرَه: «أَنَّ السُّنةَ في الصَّلاةِ على الجنازةِ أَنْ يُكبِّرَ الإِمَامُ ثُم يَقرَأَ بِفاتِحَةِ الكِتابِ بعدَ التَّكبيرَةِ الأُولَى سِرًّا في نَفسِه، ثُم يُصلِّيَ على النَّبيِّ ﷺ ويُخْلِصَ الدُّعاءَ للميِّتِ في التَّكْبِيرَاتِ، لَا يَقرَأُ في شَيءٍ مِنهُنَّ، ثُم يُسلِّمَ سِرًّا في نَفسِه» (٢)، إلا أنَّ الشافِعيةَ صرَّحوا بأنَّ الصَّلاةَ على النَّبيِّ ﷺ فَرضٌ فيها، وأقَلُّها: اللَّهمَّ صَلِّ على مُحمدٍ. وأمَّا صِفةُ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ فكصِفةِ الصَّلاةِ عليه في التَّشهُّدِ، والظاهِرُ أنَّها ليسَ لها صيغةٌ خاصَّةٌ، بل يُؤتَى فيها بصيغةٍ مِنْ الصِّيغِ الثابِتةِ في التَّشهُّدِ في الصَّلاةِ (٣). ما يَقولُه بعدَ التَّكبيرةِ الثالِثةِ: ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّه إذا كبَّرَ التَّكبيرةَ الثالِثةَ يَدعو لِلميِّتِ ولِنَفْسِه ولِوالِدَيْه ولِلمسلِمينَ، قالوا: ليسَ في الدُّعاءِ للميِّتِ شَيءٌ مُؤقَّتٌ، وإنَّما

стр. 1643

الواجِبُ أدنى دُعاءٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا صَلَّيتُم على الميِّتِ فأخلِصوا له الدُّعاءَ» (١). وهذا يَحصُلُ بأدنى دُعاءٍ، ولأنَّ المَقصودَ الشَّفاعةُ لِلميِّتِ والدُّعاءُ له، فيَجِبُ أقلُّ ذلك، قالَ الإمامُ أحمدُ: ليسَ على الميِّتِ دعاءٌ مُؤقَّتٌ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀ في «الكافي»: وليسَ في الدُّعاءِ للميِّتِ شَيءٌ مُؤقَّتٌ، قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «اجْتَهِدوا لأَخيكُم في الدُّعاءِ»، والاجتِهادُ إخلاصُ النِّيةِ له، لا الإكثارُ مِنْ غيرِ اعتِبارٍ؛ لأنَّ اللهَ لا يَقبَلُ الدُّعاءَ مِنْ قَلبٍ لاهٍ ولا ساهٍ، وقد دَعا النَّبيُّ ﷺ ودَعا أَصحابُه، ولم يَكنْ دُعاؤُه ولا دُعاؤُهم شَيئًا واحِدًا، كلٌّ يَدعو بما حَضَره وتَيسَّرَ له، إلخ (٣). إلا أنَّ الأَوْلى المَأثورَ عن النَّبيِّ ﷺ ، ومِنَ المَأثورِ عنه ﷺ أشياءُ، منها: ١ - عن عَوفِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ على جنازةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ وهو يَقولُ: «اللَّهمَّ اغفِرْ له وارحَمهُ وَعافِه

стр. 1644

واعفُ عنه وأَكْرِمْ نُزُلَه ووسِّعْ مُدْخَلَه واغْسِلْه بِالماءِ والثَّلْجِ والبرَدِ ونَقِّهِ مِنْ الخَطايا كما نَقَّيْتَ -وَفِي رِوايةٍ: كما يُنقَّى- الثَّوْبث الأبْيَضُ مِنْ الدَّنسِ، وأَبْدِلْهُ دارًا خَيرًا مِنْ دَارِهِ، وأَهْلًا خَيرًا مِنْ أَهْلِه، وزَوْجًا خَيرًا مِنْ زَوْجِه، وأَدْخِلْه الجَنةَ وأَعِذْه مِنْ عَذابِ القَبْرِ، أو مِنْ عَذابِ النَّارِ، قالَ: حتى تَمنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أنا ذلك الميِّتَ» (١). ٢ - عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: صلَّى ﷺ على جنازةٍ، فقالَ: «اللَّهمَّ اغْفِرْ لِحيِّنا وميِّتِنا وصَغِيرِنا وكَبيرِنا وذكَرْنا وأُنْثانا وشاهِدِنا وغائِبِنا، اللَّهمَّ مَنْ أَحيَيتَه مِنَّا فأَحْيِهِ على الإِيمَانِ، ومَن تَوفَّيتَه مِنا فَتوَفَّه على الإِسلامِ، اللَّهمَّ لَا تَحرِمْنا أَجرَه، ولا تُضلَّنا بعدَه» (٢). ٣ - عن واثِلةَ بنِ الأسقَعِ قالَ: صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ على رَجلٍ مِنْ المسلِمينَ، فأَسْمَعُه يَقولُ: «اللَّهمَّ إِنَّ فُلانَ بنَ فُلانٍ في ذِمتِكَ، وحَبلِ جِوارِك، فقِه مِنْ فِتنَةِ القَبْرِ وعَذابِ النَّارِ، وأنتَ أَهلُ الوَفاءِ والحَقِّ، فاغفِرْ له وارْحَمْه إِنَّك أنتَ الغَفورُ الرَّحيمُ» (٣). ٤ - عن يَزيدَ بنِ رُكانةَ بنِ المُطَّلبِ قالَ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ إِذَا صلَّى عَلى الميِّتِ كبَّرَ أربَعًا، ثُم قالَ: «اللَّهمَّ عَبدُك وَابنُ أَمتِكَ، احْتاجَ إِلى

стр. 1645

رَحمَتِك، وأَنتَ غَنِيٌّ عَنْ عَذابِه، فَإِنْ كانَ مُحسِنًا فَزِدْ فِي إِحْسانِه، وإِنْ كانَ مُسِيئًا فتَجاوَزْ عَنه، ثُم يَدْعُو بما شاءَ اللَّهُ أَنْ يَدعُوَ» (١). ما يَقولُه بعدَ التَّكبيرةِ الرابِعةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ في ظاهِرِ المَذهبِ إلى أنَّه ليسَ بعدَ التَّكبيرةِ الرابِعةِ دُعاءٌ سِوى السَّلامِ. قال السَّرخسيُّ: ظاهِرُ المَذهبِ ليسَ بعدَ التَّكبيرةِ الرابِعةِ دُعاءٌ سِوى السَّلامِ، وقد اختار بعضُ مَشايِخِنا ما يُختَمُ به سائِرُ الصَّلواتِ: «رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيا حَسنَةً وفي الآخِرَةِ حَسنَةً وَقِنا برَحمَتِك عَذابَ القَبْرِ وعَذابَ النَّارِ» (٢). وذهَبَ جُمهورُ المالِكيةِ إلى أنَّه لا يَدعو بعدَ التَّكبيرةِ الرابِعةِ بل يَثبُتُ، وقيلَ: له الدُّعاءُ إنْ أحَبَّ، وقالَ سحنُونٌ وخَليلٌ منهم: بل يَدعو وُجوبًا (٣). أمَّا الشافِعيةُ؛ فقالَ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا التَّكبيرةُ الرابِعةُ فلا يَجبُ بعدَها ذِكرٌ بالاتِّفاقِ، ولكن يُستَحبُّ أنْ يَقولَ ما نَصَّ عليه الشافِعيُّ ﵀ في كِتابِ البُوَيطيِّ قالَ: يَقولُ في الرابِعةِ: «اللَّهمَّ لَا تَحْرِمْنا أَجْرَه ولا تَفتِنَّا

стр. 1646

بعدَه»، وقالَ أبو علِيِّ بنُ أَبي هُريرةَ مِنْ أَصحابِنا: كانَ المُتقدِّمونَ يَقولونَ في الرابِعةِ: (رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ). قال: وليسَ ذلك بمَحكيٍّ عن الشافِعيِّ، فإنْ فعَلَه كانَ حسَنًا. قُلتُ: يَكفي: في حُسنِه ما قدَّمناه في حَديثِ أنسٍ في بابِ دُعاءِ الكَربِ واللهُ أعلَمُ. قُلتُ -أي: قالَ النَّوويُّ-: ويُحتَجُّ للدُّعاءِ في الرابِعةِ بما رَوَيناه في السُّننِ الكَبيرِ لِلبَيهَقيِّ عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي أوْفى ﵁: «أنَّه كبَّرَ على جنازةِ ابنةٍ له أربَعَ تَكبيراتٍ، فقامَ بعدَ الرابِعةِ كقَدْرِ ما بَينَ التَّكبرتَينِ يَستَغفِرُ لها ويَدعو، ثم قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَصنَعُ هكذا»، وفي رِوايةٍ: «كبَّرَ أربَعًا فمكَثَ ساعةً حتى ظَننَّا أنَّه سيُكبِّرُ خَمسًا، ثم سلَّمَ عن يَمينِه وعن شِمالِه فلمَّا انصَرَف قُلنا له: ما هذا؟ فقالَ: إنِّي لا أزيدُكم على ما رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَصنَعُ، أو هكذا صنَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١). أمَّا الحَنابِلةُ، فقالَ البُهوتيُّ ﵀: ويَقِفُ بعدَ التَّكبيرةِ الرابِعةِ قَليلًا لِما رَوى الجُوزَجانِيُّ عن زَيدِ بنِ أرقَمَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُكبِّرُ أربَعًا ثم يَقفُ ما شاءَ اللهُ، أحسَبُ أنَّ هذه الوَقفةَ ليُكبِّرَ آخِرُ الصُّفوفِ، ولا يَدعو، أي: لا يُشرَعُ بعدَها دُعاءٌ.

стр. 1647

نصَّ عليه واختارَه الخِرقيُّ وابنُ عَقيلٍ وغيرُهما، ونقَلَ جَماعةٌ: يَدعو فيها كالثالِثةِ، اختارَه أبو بَكرٍ والآجُريُّ والمَجدُ في شَرحِه؛ لأنَّ ابنَ أَبي أوْفَى فعَلَه وأخبَرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَه، قالَ أحمدُ: هو مِنْ أصلَحِ ما رُويَ، وقالَ: لا أعلَمُ شَيئًا يُخالِفُه. فيَقولُ: (ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسنةً وفي الآخِرةِ حَسنةً وقِنا عَذابَ النارِ)، واختارَه جَمعٌ. وحَكاه ابنُ الزاغونِيِّ عن الأكثَرِ. وصَحَّ أنَّ أنسًا كانَ لا يَدعو بدُعاءٍ إلا ختَمَه بهذا. واختارَ أبو بَكرٍ: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنا أَجْرَه، ولَا تَفْتِنا بعدَهُ، واغْفِرْ لَنا ولَه»؛ لأنَّه لَائِقٌ بالمحَلِّ (١). التَّسليمُ في صَلاةِ الجنازةِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في التَّسليمِ على الجنازةِ: فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيرِهم إلى أنَّ السُّنةَ أنْ يُسلِّمَ تَسليمةً واحِدةً عن يَمينِه؛ لِما رَواه أبو هُريرةَ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى على جنازةٍ، فكبَّرَ عليها أربَعًا، وسلَّمَ تَسليمةً واحِدةً» (٢).

стр. 1648

ولِما رَواه عَطاءُ بنُ السائِبِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سلَّمَ على الجنازةِ تَسليمةً واحِدةً» (١). وحَكاه ابنُ المنذِرِ عن علِيٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وواثِلةَ بنِ الأسقَعِ، وابنِ أَبي أوْفَى، وأبي هُريرةَ وأبي أُمامةَ سَهلِ بنِ حُنَيفٍ، وأنسٍ، وابنِ عَباسٍ، وابنِ عمرَ (٢). قال ابنُ المنذِرِ: ولأنَّه الذي عليه أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وهُم أعلَمُ بالسُّنةِ مِنْ غيرِهم، ولأنَّهم الذين حَضروا صَلاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ وحَفِظوا عنه ولَم يختلِفْ ممَّن رَوَينا ذلك عنه منهم على أنَّ التَّسليمَ تَسليمةٌ واحِدةٌ، وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَكونُ بتَسليمةٍ واحِدةٍ خارجًا مِنْ الصَّلاةِ (٣). وذهَبَ الحَنفيةُ (٤) وبعضُ الحَنابِلةِ إلى أنَّ السُّنةَ أنْ يُسلِّمَ تَسليمتَينِ؛

стр. 1649

لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: «ثَلاثُ خِلالٍ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَفعَلُهنَّ، ترَكَهنَّ الناسُ، إحْداهُنَّ التَّسليمُ على الجَنائِزِ، مِثلَ التَّسليمِ في الصَّلاةِ» (١). ولحَديثِ إِبراهيمَ الهَجَريِّ قالَ: «أمَّنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي أوْفَى على جنازةِ ابنَتِه، فمكَثَ ساعةً حتى ظَننَّا أنَّه سيُكبِّرُ خَمسًا، ثم سلَّمَ عن يَمينِه وعن شِمالِه فلمَّا انصَرفَ قُلنا له: ما هذا؟ فقالَ: إنِّي لا أَزيدُكم على ما رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَصنَعُ، أو هَكذا صنَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (٢). أمَّا الشافِعيُّ ﵀ فقد اختَلفَ النَّقلُ عنه، فقالَ النَّوويُّ ﵀: أمَّا صِفةُ السَّلامِ ففيها نصَّانِ للشافِعيِّ هنا: المَشهورُ أنَّه يُستحَبُّ تَسليمتانِ، قالَ الفُورانِيُّ: وهذا نَصُّه في الجامِعِ الكَبيرِ. وقالَ الشافِعيُّ: تَسليمةٌ واحِدةٌ يَبدأُ بها إلى يَمينِه ويَختِمُها مُلتفِتًا إلى يَسارِه فيُديرُ وَجهَه وهو فيها، هذا نَصُّه، وقيلَ: يأتي بها تِلقاءَ وَجهِه، وهو أشهَرُ (٣).

стр. 1650

ما يَفعَلُ المَسبوقُ في صَلاةِ الجنازةِ: إذا جاءَ رَجلٌ وقد كبَّرَ الإمامُ التَّكبيرةَ الأُولى ولَم يَكنْ حاضِرًا: فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنَّه يَنتظِرُ الإمامَ حتى إذا كبَّرَ الثانيةَ كبَّرَ معه، فإذا فرَغَ الإمامُ كبَّرَ المَسبوقُ التَّكبيرةَ التي فاتَتْه قبلَ أنْ تُرفَعَ الجنازةُ. وقالَ أبو يُوسفَ: يُكبِّرُ واحِدةً حينَ يَحضُرُ ولا يَنتظِرُ تَكبيرةَ الإمامِ النِّهائيةَ، وكذا إنْ جاءَ وقد كبَّرَ الإمامُ تَكبيرَتَينِ أوثَلاثًا. فإنْ لم يَنتظِرِ المَسبوقُ وكبَّرَ قبلَ تَكبيرةِ الإمامِ الثانيةِ أوالثالِثةِ أوالرابِعةِ لَم تَفسُدْ صَلاتُه عندَهما -أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ-، ولكنْ ما أدَّاه غيرُ مُعتبَرٍ، أي: لا يُعتَدُّ بتَكبيرَتِه هذه إنْ جاءَ وقد كبَّرَ الإمامُ أربَعًا ولَم يُسلِّمْ لَا يَدخُلْ معَه وقد فاتَته الصَّلاةُ عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ المُقتديَ -عندَهما- يَدخُلُ بتَكبيرةِ الإمامِ، فإذا فرَغَ الإمامُ مِنْ الرابِعةِ تَعذَّرَ عليه الدُّخولُ. والأصَحُّ الذي عليه الفَتوى: أنَّه يَدخُلُ في الصَّلاةِ ويُكبِّرُ واحِدةً، فإذا سلَّمَ الإمامُ قَضى ثَلاثَ تَكبيراتٍ، كما لو كانَ حاضِرًا خَلفَ الإمامِ ولَم يُكبِّرْ شَيئًا حتى كبَّرَ الإمامُ الرابِعةَ وهو قَولُ أَبي يُوسفَ، وهو مَرويٌّ عن مُحمدٍ أيضًا. ثم يُكبِّرُ ثَلاثًا قبلَ أنْ تُرفَعَ الجنازةُ مُتَتابِعًا لا دُعاءَ فيها، ولأنَّه لو قَضى الدُّعاءَ رُفعَ الميِّتُ، فيَفوتَ له التَّكبيرُ، وإذا رُفعَ الميِّتُ قُطعَ التَّكبيرُ؛ لأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ ولا ميِّتَ يُتصوَّرُ، ولو رُفِعتْ بالأيدي ولَم تُوضَعْ على الأَكتافِ ذكَرَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّه لا يأتِيَ بالتَّكبيرِ، وعن مُحمدٍ:
следующие страницы →