← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

بعدَه»، وقالَ أبو علِيِّ بنُ أَبي هُريرةَ مِنْ أَصحابِنا: كانَ المُتقدِّمونَ يَقولونَ في الرابِعةِ: (رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ). قال: وليسَ ذلك بمَحكيٍّ عن الشافِعيِّ، فإنْ فعَلَه كانَ حسَنًا. قُلتُ: يَكفي: في حُسنِه ما قدَّمناه في حَديثِ أنسٍ في بابِ دُعاءِ الكَربِ واللهُ أعلَمُ. قُلتُ -أي: قالَ النَّوويُّ-: ويُحتَجُّ للدُّعاءِ في الرابِعةِ بما رَوَيناه في السُّننِ الكَبيرِ لِلبَيهَقيِّ عن عبدِ اللهِ بنِ أَبي أوْفى ﵁: «أنَّه كبَّرَ على جنازةِ ابنةٍ له أربَعَ تَكبيراتٍ، فقامَ بعدَ الرابِعةِ كقَدْرِ ما بَينَ التَّكبرتَينِ يَستَغفِرُ لها ويَدعو، ثم قالَ: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَصنَعُ هكذا»، وفي رِوايةٍ: «كبَّرَ أربَعًا فمكَثَ ساعةً حتى ظَننَّا أنَّه سيُكبِّرُ خَمسًا، ثم سلَّمَ عن يَمينِه وعن شِمالِه فلمَّا انصَرَف قُلنا له: ما هذا؟ فقالَ: إنِّي لا أزيدُكم على ما رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَصنَعُ، أو هكذا صنَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١). أمَّا الحَنابِلةُ، فقالَ البُهوتيُّ ﵀: ويَقِفُ بعدَ التَّكبيرةِ الرابِعةِ قَليلًا لِما رَوى الجُوزَجانِيُّ عن زَيدِ بنِ أرقَمَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُكبِّرُ أربَعًا ثم يَقفُ ما شاءَ اللهُ، أحسَبُ أنَّ هذه الوَقفةَ ليُكبِّرَ آخِرُ الصُّفوفِ، ولا يَدعو، أي: لا يُشرَعُ بعدَها دُعاءٌ.

стр. 1647

نصَّ عليه واختارَه الخِرقيُّ وابنُ عَقيلٍ وغيرُهما، ونقَلَ جَماعةٌ: يَدعو فيها كالثالِثةِ، اختارَه أبو بَكرٍ والآجُريُّ والمَجدُ في شَرحِه؛ لأنَّ ابنَ أَبي أوْفَى فعَلَه وأخبَرَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَه، قالَ أحمدُ: هو مِنْ أصلَحِ ما رُويَ، وقالَ: لا أعلَمُ شَيئًا يُخالِفُه. فيَقولُ: (ربَّنا آتِنا في الدُّنيا حَسنةً وفي الآخِرةِ حَسنةً وقِنا عَذابَ النارِ)، واختارَه جَمعٌ. وحَكاه ابنُ الزاغونِيِّ عن الأكثَرِ. وصَحَّ أنَّ أنسًا كانَ لا يَدعو بدُعاءٍ إلا ختَمَه بهذا. واختارَ أبو بَكرٍ: «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنا أَجْرَه، ولَا تَفْتِنا بعدَهُ، واغْفِرْ لَنا ولَه»؛ لأنَّه لَائِقٌ بالمحَلِّ (١). التَّسليمُ في صَلاةِ الجنازةِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في التَّسليمِ على الجنازةِ: فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ مِنْ أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ وغَيرِهم إلى أنَّ السُّنةَ أنْ يُسلِّمَ تَسليمةً واحِدةً عن يَمينِه؛ لِما رَواه أبو هُريرةَ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى على جنازةٍ، فكبَّرَ عليها أربَعًا، وسلَّمَ تَسليمةً واحِدةً» (٢).

стр. 1648

ولِما رَواه عَطاءُ بنُ السائِبِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سلَّمَ على الجنازةِ تَسليمةً واحِدةً» (١). وحَكاه ابنُ المنذِرِ عن علِيٍّ، وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، وواثِلةَ بنِ الأسقَعِ، وابنِ أَبي أوْفَى، وأبي هُريرةَ وأبي أُمامةَ سَهلِ بنِ حُنَيفٍ، وأنسٍ، وابنِ عَباسٍ، وابنِ عمرَ (٢). قال ابنُ المنذِرِ: ولأنَّه الذي عليه أَصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وهُم أعلَمُ بالسُّنةِ مِنْ غيرِهم، ولأنَّهم الذين حَضروا صَلاةَ رَسولِ اللهِ ﷺ وحَفِظوا عنه ولَم يختلِفْ ممَّن رَوَينا ذلك عنه منهم على أنَّ التَّسليمَ تَسليمةٌ واحِدةٌ، وقد أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَكونُ بتَسليمةٍ واحِدةٍ خارجًا مِنْ الصَّلاةِ (٣). وذهَبَ الحَنفيةُ (٤) وبعضُ الحَنابِلةِ إلى أنَّ السُّنةَ أنْ يُسلِّمَ تَسليمتَينِ؛

стр. 1649

لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ أنَّه قالَ: «ثَلاثُ خِلالٍ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَفعَلُهنَّ، ترَكَهنَّ الناسُ، إحْداهُنَّ التَّسليمُ على الجَنائِزِ، مِثلَ التَّسليمِ في الصَّلاةِ» (١). ولحَديثِ إِبراهيمَ الهَجَريِّ قالَ: «أمَّنا عبدُ اللهِ بنُ أَبي أوْفَى على جنازةِ ابنَتِه، فمكَثَ ساعةً حتى ظَننَّا أنَّه سيُكبِّرُ خَمسًا، ثم سلَّمَ عن يَمينِه وعن شِمالِه فلمَّا انصَرفَ قُلنا له: ما هذا؟ فقالَ: إنِّي لا أَزيدُكم على ما رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَصنَعُ، أو هَكذا صنَعَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (٢). أمَّا الشافِعيُّ ﵀ فقد اختَلفَ النَّقلُ عنه، فقالَ النَّوويُّ ﵀: أمَّا صِفةُ السَّلامِ ففيها نصَّانِ للشافِعيِّ هنا: المَشهورُ أنَّه يُستحَبُّ تَسليمتانِ، قالَ الفُورانِيُّ: وهذا نَصُّه في الجامِعِ الكَبيرِ. وقالَ الشافِعيُّ: تَسليمةٌ واحِدةٌ يَبدأُ بها إلى يَمينِه ويَختِمُها مُلتفِتًا إلى يَسارِه فيُديرُ وَجهَه وهو فيها، هذا نَصُّه، وقيلَ: يأتي بها تِلقاءَ وَجهِه، وهو أشهَرُ (٣).

стр. 1650

ما يَفعَلُ المَسبوقُ في صَلاةِ الجنازةِ: إذا جاءَ رَجلٌ وقد كبَّرَ الإمامُ التَّكبيرةَ الأُولى ولَم يَكنْ حاضِرًا: فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ إلى أنَّه يَنتظِرُ الإمامَ حتى إذا كبَّرَ الثانيةَ كبَّرَ معه، فإذا فرَغَ الإمامُ كبَّرَ المَسبوقُ التَّكبيرةَ التي فاتَتْه قبلَ أنْ تُرفَعَ الجنازةُ. وقالَ أبو يُوسفَ: يُكبِّرُ واحِدةً حينَ يَحضُرُ ولا يَنتظِرُ تَكبيرةَ الإمامِ النِّهائيةَ، وكذا إنْ جاءَ وقد كبَّرَ الإمامُ تَكبيرَتَينِ أوثَلاثًا. فإنْ لم يَنتظِرِ المَسبوقُ وكبَّرَ قبلَ تَكبيرةِ الإمامِ الثانيةِ أوالثالِثةِ أوالرابِعةِ لَم تَفسُدْ صَلاتُه عندَهما -أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ-، ولكنْ ما أدَّاه غيرُ مُعتبَرٍ، أي: لا يُعتَدُّ بتَكبيرَتِه هذه إنْ جاءَ وقد كبَّرَ الإمامُ أربَعًا ولَم يُسلِّمْ لَا يَدخُلْ معَه وقد فاتَته الصَّلاةُ عندَ أَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ المُقتديَ -عندَهما- يَدخُلُ بتَكبيرةِ الإمامِ، فإذا فرَغَ الإمامُ مِنْ الرابِعةِ تَعذَّرَ عليه الدُّخولُ. والأصَحُّ الذي عليه الفَتوى: أنَّه يَدخُلُ في الصَّلاةِ ويُكبِّرُ واحِدةً، فإذا سلَّمَ الإمامُ قَضى ثَلاثَ تَكبيراتٍ، كما لو كانَ حاضِرًا خَلفَ الإمامِ ولَم يُكبِّرْ شَيئًا حتى كبَّرَ الإمامُ الرابِعةَ وهو قَولُ أَبي يُوسفَ، وهو مَرويٌّ عن مُحمدٍ أيضًا. ثم يُكبِّرُ ثَلاثًا قبلَ أنْ تُرفَعَ الجنازةُ مُتَتابِعًا لا دُعاءَ فيها، ولأنَّه لو قَضى الدُّعاءَ رُفعَ الميِّتُ، فيَفوتَ له التَّكبيرُ، وإذا رُفعَ الميِّتُ قُطعَ التَّكبيرُ؛ لأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ ولا ميِّتَ يُتصوَّرُ، ولو رُفِعتْ بالأيدي ولَم تُوضَعْ على الأَكتافِ ذكَرَ في ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّه لا يأتِيَ بالتَّكبيرِ، وعن مُحمدٍ:

стр. 1651

إنْ كانَت إلى الأرضِ أقرَبَ يُكبِّرُ، وإلا فلا، وهو الذي يَنبَغي أنْ يُعوَّلَ عليه، كما في الشُّرنبُلاليَّةِ. وهذا الخِلافُ فيما إذا كانَ غائِبًا ثم حضَرَ، أمَّا إذا كانَ حاضِرًا مع الإمامِ فتغافَلَ ولَم يُكبِّرْ مع الإمامِ أو تَشاغَلَ بالنِّيةِ فأخَّرَ التَّكبيرَ فإنَّه يُكبِّرُ ولا يَنتظِرُ تَكبيرةَ الإمامِ الثانيةِ في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ مَنْ كانَ خلفَ الإمامَ فهو في حُكمِ المُدرِك لِتَكبيرةِ الافتِتاحِ، ألَا تَرى أنَّ في تَكبيرةِ الافتِتاحِ يُكبِّرونَ بعدَ الإمامِ، ويَقَعُ ذلك أداءً لا قَضاءً، فيأتي بها حين حَضرَته النِّيةُ بخِلافِ المَسبوقِ؛ فإنَّه غيرُ مُدرِكٍ لِتَكبيرةِ الافتِتاحِ (١). وقالَ المالِكيةُ: إذا سبَقَ المَأمومُ بالتَّكبيرِ فإنَّه لا يُكبِّرُ بل يَنتظِرُ الإمامَ حتى يُكبِّرَ فيُكبِّرَ معه، ولا يُكبِّرُ حالَ اشتِغالِ المُصلِّينَ بالدُّعاءِ، فإنْ كبَّرَ صَحَّت صَلاتُه، ولكنْ لا تُحتَسبُ تَكبيرَتُه هذه، سَواءٌ انتَظَرَ أو لَم يَنتظِرْ، وإنْ سلَّمَ الإمامُ قَضى المَأمومُ ما فاتَه مِنْ التَّكبيرِ، سَواءٌ رُفعَت الجنازةُ فَورًا أو بَقيَت، إلا أنَّه إذا بَقيَت الجنازةُ دَعا عقِبَ كلِّ تَكبيرةٍ يَقضيها، وإنْ رُفعَت فَورًا وَالَى التَّكبيرَ ولا يَدعو لِئلَّا يَكونَ مُصلِّيًا على غائِبٍ، وهي مَكروهةٌ عندَهم. أمَّا إذا كانَ الإمامُ ومَن معه قد فرَغوا مِنْ التَّكبيرةِ الرابِعةِ فلا يَدخلُ المَسبوقُ معه على الصَّحيحِ؛ لأنَّه في حُكمِ التَّشهُّدِ، فلو دخَلَ معه يَكونُ مُكرِّرًا الصَّلاةَ على الميِّتِ، وتَكرارُها مَكروهٌ عندَهم (٢).

стр. 1652

وقالَ الشافِعيةُ: إذا أَدركَ المَسبوقُ الإمامَ وقد سبَقَه ببَعضِ الصَّلاةِ، فإنَّه يُكبِّرُ في الحالِ ويَدخلُ معه في الصَّلاةِ، ولا يَنتظِرُ تَكبيرةَ الإمامِ المُستقبَليَّةَ؛ لقَولِه ﷺ : «ما أَدرَكتُم فصَلُّوا، وما فاتَكُم فاقْضُوا» (١). فإذا كبَّرَ شرَعَ في قِراءةِ الفاتِحةِ، ثم يُراعي في بَقيَّةِ التَّكبيراتِ تَرتيبَ نَفسِه، لا ما يَقولُه الإمامُ؛ لأنَّه يُمكِنُه أنْ يأتِيَ بما يَقتَضيه تَرتيبُ الصَّلاةِ مع المُتابَعةِ، فإذا سلَّمَ أتى بما بقِيَ مِنْ التَّكبيراتِ نَسَقًا مِنْ غيرِ دُعاءٍ في أحَدِ القَولَينِ؛ لأنَّ الجنازةَ تُرفَعُ قبلَ أنْ يَفرُغَ فلا مَعنى للدُّعاءِ بعدَ غَيبةِ الميِّتِ، ويَدعو للميِّتِ ثم يُكبِّرُ ويُسلِّمُ في القَولِ الثانِي؛ لأنَّ غَيبةَ الميِّتِ لا تَمنَعُ مِنْ فِعلِ الصَّلاةِ، قالَ النَّوويُّ: وهذا أصَحُّهما (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: مَنْ سُبقَ ببَعضِ الصَّلاةِ كبَّرَ ودخَلَ مع الإمامِ حيثُ أدرَكَه، ولو بَينَ تَكبيرتَينِ نَدبًا كالصَّلاةِ، أو كانَ إِدراكُه بعدَ التَّكبيرةِ الرابِعةِ قبلَ السَّلامِ، فيُكبِّرُ لِلإحرامِ معه ويَقضي ثلاثَ تَكبيراتٍ استِحبابًا، فإنْ سلَّمَ ولَم يَقضِ فلا بأسَ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ ﵄ قالَ: «لا يَقضِ»، ولأنَّها تَكبيراتٌ مُتواليةٌ حالَ القيامِ فلَم يَجبْ قَضاءُ ما فاتَ منها، كتَكبيراتِ العِيدِ. ويَقضي مَسبوقٌ ما فاتَه قبلَ دُخولِه مع الإمامِ على صِفتِه؛ لأنَّ القَضاءَ يَحكي الأداءَ كسائِرِ الصَّلواتِ ويَكونُ قَضاؤُه بعدَ سَلامِ الإمامِ كالمَسبوقِ

стр. 1653

في الصَّلاةِ، فإنْ أدرَكَه المَسبوقُ في الدُّعاءِ تابَعَه فيه، أي: الدُّعاءِ، فإذا سلَّمَ الإمامُ كبَّرَ وقرَأَ الفاتِحةَ بعدَ التَّعوُّذِ والبَسمَلةِ، ثم كبَّرَ وصلَّى على النَّبيِّ ﷺ ثم كبَّرَ وسلَّمَ؛ لِما تَقدَّم أنَّ المَقضيَّ أولُ صَلاتِه فيأتِي فيه بحسَبِ ذلك؛ لِعُموم قَولِه ﷺ : «وما فاتَكُمْ فاقْضُوا» (١). وإنَّما يَظهَرُ إذا كانَ الدُّعاءُ بعدَ الرابِعةِ أو بعدَ الثالِثةِ، لكنَّه لَم يأتِ بها لنَومٍ أو سَهوٍ أو نَحوِه، وإلا لزِمَ عليه الزِّيادةُ على أربَعٍ وتَركُها أفضَلُ. فإنْ كانَ أدركَه في الدُّعاءِ وكبَّرَ الأَخيرةَ معه فإذا سلَّمَ الإمامُ كبَّرَ وقرَأَ الفاتِحةَ ثم كبَّرَ وصلَّى عليه ثم سلَّمَ مِنْ غيرِ تَكبيرٍ؛ لأنَّ الأربعَ تمَّت. فإنْ خشِيَ المَسبوقُ رَفعَها -أي: الجنازةِ- تابَعَ بَينَ التَّكبيرِ مِنْ غيرِ ذِكرٍ ولا دُعاءٍ، رُفعَت الجنازةُ أو لا. فإذا سلَّمَ المَسبوقُ ولَم يَقضِ ما فاتَه صَحَّت صَلاتُه عندَهم (٢)، خِلافًا لجُمهورِ الفُقهاءِ أَبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وأبي الخَطابِ مِنْ الحَنابِلةِ. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: واتَّفقَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ على أنَّه يَقضي ما فاتَه مِنْ التَّكبيرِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ يَرى أنْ يَدعوَ بَينَ التَّكبيرِ المَقضيِّ، ومالِكًا والشافِعي يَرَيانِ أنْ يَقضيَه نَسَقًا، وإنَّما اتَّفَقوا على القَضاءِ؛ لعُمومِ قَولِه

стр. 1654

ﷺ : «ما أَدرَكتُم فصَلُّوا، وما فاتَكُم فأتِمُّوا»، فمَن رَأى أنَّ هذا العُمومَ يَتناوَلُ التَّكبيرَ والدُّعاءَ قالَ: يَقضي التَّكبيرَ وما فاتَه مِنْ الدُّعاءِ، ومَن أخرَجَ الدُّعاءَ مِنْ ذلك إذا كانَ غيرَ مُؤقَّتٍ قالَ: يَقضي التَّكبيرَ فَقط؛ إذْ كانَ هو المُؤقَّتَ، فكانَ تَخصيصُ الدُّعاءِ مِنْ ذلك العُمومِ هو مِنْ بابِ تَخصيصِ العامِّ بالقياسِ، فأبو حَنيفةَ أخَذَ بالعُمومِ وهؤلاء بالخُصوصِ (١). مَوقِفُ الإمامِ مِنْ الجنازةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في مَوقِفِ الإمامِ مِنْ الميِّتِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى: فقالَ أبو حَنيفةَ: يَقومُ بحِذاءِ الصَّدرِ منهما جَميعًا. وقالَ مالِكٌ: يَقفُ مِنْ الرَّجلِ عندَ وسَطِه، ومِن المَرأةِ عندَ مَنكَبِها، واختَلفَ أَصحابُ الشافِعيِّ في الرَّجلِ على وَجهَينِ: أحدُهما: قالَ النَّوويُّ (٢): الصَّحيحُ باتِّفاقِ المُصنِّفين أنَّه يَقفُ عندَ رَأسِه، والآخَرُ: عندَ صَدرِه، وفي المَرأةِ يَقفُ عندَ عَجيزَتِها قَولًا واحِدًا بلا خِلافٍ. وقالَ الإمامُ أحمدُ: يَقفُ الإمامُ عندَ صَدرِ الرَّجلِ ووسَطِ المَرأةِ. وفي قَولٍ: يَقفُ عندَ رأسِ الرَّجلِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا قَولُ مَنْ قالَ: يَقفُ عندَ رأسِ الرَّجُلِ فغَيرُ مُخالِفٍ لقَولِ مَنْ قالَ بالوُقوفِ عندَ الصَّدرِ؛ لأنَّهما مُتقارِبانِ، فالواقِفُ عندَ أحَدِهما واقِفٌ عندَ الآخَرِ (٣).

стр. 1655

قال ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافُ الآثارِ في هذا البابِ، وذلك أنَّه خرَجَ البُخاريُّ ومُسلمٌ مِنْ حَديثِ سمُرَةَ بنِ جُندُبٍ قالَ: «صَلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ ﷺ وصلَّى على أُمِّ كَعْبٍ ماتَتْ وهى نُفَساءُ، فقامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ للصَّلَاةِ عليها وَسَطَها» (١). وخرَّجَ أبو داودَ مِنْ حَديثِ نافِعٍ أَبي غَالِبٍ قالَ: «صَلَّيْتُ مع أَنَسِ بنِ مَالِكٍ على جنازةِ رَجلٍ، فَقامَ حِيالَ رَأسِه، ثُم جاؤُوا بجنازةِ امرَأةٍ مِنْ قُرَيشٍ فَقالوا: يا أَبا حَمزَةَ، صَلِّ عليها، فَقام حِيالَ وسَطِ السَّرِيرِ، فقالَ له العَلاءُ بنُ زِيَادٍ: هكذَا رَأيتَ النَّبيَّ ﷺ قامَ على الجنازةِ مُقامَكَ منها ومِن الرَّجلِ مُقامَكَ منه؟ قالَ: نَعم، فلمَّا فرَغَ قالَ: احْفَظُوا» (٢). فاختَلفَ الناسُ في المَفهومِ مِنْ هذه الأَفعالِ، فمنهم مَنْ رَأى أنَّ قيامَه على أحَدِ هذه الأَوضاعِ أنَّه شَرعٌ، وأنَّه يَدلُّ على التَّحديدِ، وهؤلاء انقَسَموا قِسمَينِ: فمنهم مَنْ أخَذَ بحَديثِ سمُرةَ بنِ جُندُبٍ لِلاتِّفاقِ على صِحَّتِه، فقالَ: المَرأةُ في ذلك والرَّجلُ سَواءٌ؛ لأنَّ الأصلَ أنَّ حُكمَهما واحِدٌ إلا أنْ يَثبُتَ في ذلك فارِقٌ شَرعيٌّ.

стр. 1656

ومنهم مَنْ صحَّحَ حَديثَ نافِعٍ أَبي غالِبٍ وقالَ: فيه زِيادةٌ على حَديثِ سمُرةَ بنِ جُندُبٍ فيَجبُ المَصيرُ إليها، وليسَ بينَهما تَعارُضٌ أصلًا. وأمَّا مَذهبُ ابنِ القاسِمِ وأبي حَنيفةَ فلا أعلَمُ له مِنْ جِهةِ السَّمعِ في ذلك مُستَندًا إلا ما رُويَ عن ابنِ مَسعودٍ في ذلك (١). الصَّلاةُ على جَنائِزَ مُجتَمِعةٍ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه إذا اجتمَع جَنائِزُ رِجالٍ ونِساءٍ وصِبيانٍ فإنَّه يُقدَّمُ الرِّجالُ مما يَلي الإمامَ، ثم الصِّبيانُ ثم النِّساءُ؛ لأنَّهم هكذا يَصطفُّونَ خلفَ الإمامِ في حالِ الحَياةِ، ثم إنَّ الرِّجالَ يَكونونَ أقرَبَ إلى الإمامِ مِنْ النِّساءِ، فكذا بعدَ المَوتِ. ولِما رَوى نافِعٌ عنِ ابنِ عمرَ: «أنَّه صلَّى على تِسعِ جَنائِزَ جَميعًا، فجعَلَ الرِّجالَ يَلونَ الإِمامَ، والنِّساءَ يَلينَ القِبلَةَ، فصَفَّهنَّ صَفًّا واحِدًا ووُضعَتْ جنازةُ أُمِّ كُلْثومٍ بِنتِ علِيٍّ امْرَأةِ عمرَ بنِ الخَطابِ وابنٍ لها يُقالُ له زَيْدٌ، وُضِعَا جَميعًا وَالْإِمَامُ يَومَئذٍ سَعِيدُ بنُ العاصِ، وفي الناسِ ابنُ عمرَ وأبو هُريرةَ وأبو سَعيدٍ وأبو قَتادَةَ، فوُضعَ الغُلامُ ممَّا يَلِي الإِمامَ، فقالَ رَجلٌ: فأَنكرْتُ ذلك، فنَظرْتُ إلى ابنِ عَباسٍ وأَبي هُريرةَ وأَبِي سَعِيدٍ وأَبِي قَتادَةَ، فقُلتُ: ما هذا؟ قالوا: هي السُّنةُ» (٢).

стр. 1657

ثم إنَّهم اتَّفقوا على أنَّه يَجوزُ أنْ يُصليَ عليهم مُجتَمِعينَ أو فُرادَى، ثُمَّ اختَلفُوا أيُّهُما أفضَلُ: فقال الحَنفيةُ: فالإمامُ إنْ شاءَ صلَّى على كلِّ واحِدةٍ على حِدةٍ، وإنْ شاءَ صلَّى على الكلِّ دُفعةً واحِدةً بالنِّيةِ على الجَميعِ، كذا في «مَعارج الدِّرايةِ» و «البَدائع»، وفي «الدُّرّ»: إفرادُ الصَّلاةِ على كلِّ واحِدةٍ أَولى مِنْ الجَمعِ؛ لأنَّ الجَمعَ مُختلَفٌ فيه، فإذا أفرَدَ يُصلِّي أوَّلًا على أفضَلِهم، ثم يُصلِّي على الذي يَليه في الفَضلِ إنْ لَم يَسبِقْه غَيرُه، ولا يُصلِّي على الأسبَقِ أوَّلًا، ولو كانَ مَفضولًا (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإفرادَ أفضَلُ. قال النَّوويُّ: واتَّفقوا على أنَّ الأفضَلَ أنْ يُفرِدَ كلَّ واحِدٍ منهم بصَلاةٍ، إلا صاحِبَ «التَّتمَّة» فجزَمَ بأنه الأفضَلُ أنْ يُصلِّيَ عليهم دُفعةً واحِدةً، قالَ: لأنَّ فيه تَعجيلَ الدَّفنِ، وهو مَأمورٌ به. والمَذهبُ الأولُ؛ لأنَّه أكثَرُ عَملًا وأرْجى لِلقَبولِ، وليسَ هو تَأخيرًا كَثيرًا، وسَواءٌ فيما ذكَرْناه الذُّكورُ والإناثُ (٢). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ في «الإنصافِ»: جَمعُ المَوتى في الصَّلاةِ أفضَلُ مِنْ الصَّلاةِ عليهم مُنفَرِدينَ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ، نَصَّ عليه، وقيلَ

стр. 1658

عَكسُه، قالَ في المَذهبِ: إذا اجتَمَعت جَنائِزُ رِجالٍ ونِساءٍ فإنْ أمِنَ التَّغيُّرَ عليهم فالأفضَلُ أنْ يُصلِّيَ على كلِّ جنازةٍ وَحدَها، فإنْ خِيفَ عليهم التَّغيُّرُ وأمكَنَ أنْ يُجعلَ لكُلِّ واحِدٍ إمامٌ فُعِل ذلك، وإنْ لَم يُمكِنْ ذلك صلَّى عليهم صَلاةً واحِدةً. انتهي. ووجَّهَ في «الفُروع» احتِمالًا بالتَّسويةِ. اه (١). أمَّا المالِكيةُ فقالَ في «التاج والإكليل»: قالَ مالِكٌ وابنُ القاسِمِ: إذا اجتَمعَت جنائِزُ لَم يَنبَغِ للإمامِ أنْ يُصلِّيَ على بعضِها ويُؤخِّرَ بعضَها (٢). فهذا ظاهِرٌ في أنَّ الأفضَلَ أنْ يُصلِّيَ عليهم دُفعةً واحِدةً. الصَّلاةُ على الجنازةِ في المَسجدِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَلاةِ الجنازةِ في المَسجدِ: فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ وبعضُ المالِكيةِ إلى جَوازِ صَلاةِ الجنازةِ في المَسجِدِ إذا لَم يَخفْ تَلويثَه؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالَت: «لمَّا تُوفِّيَ سَعدُ بنُ أَبي وقَّاصٍ أَرسَلَ أَزْواجُ النَّبيِّ ﷺ أَنْ يَمرُّوا بجنازتِه في المَسجدِ فَيُصلِّينَ عليه، ففعَلُوا، فوُقفَ به على حُجرِهِنَّ يُصلِّينَ عليه، أُخرِجَ به مِنْ بَابِ الجَنائِزِ الذي كانَ إلى المَقاعدِ، فبَلغَهنَّ أنَّ الناسَ عَابوا ذلك، وقَالُوا: [هذه بِدعةٌ]، ما كانَت الجَنائِزُ يُدخَلُ بها المَسجِدَ، فبلَغَ ذلك عائشةَ فقالَت: ما أَسرَعَ الناسَ إلى أَنْ يَعِيبُوا ما لَا عِلمَ لَهم به، عَابوا علَينا أنْ يُمرَّ

стр. 1659

بجنازةٍ في المَسجدِ، وما صلَّى رَسولُ اللَّهِ ﷺ على سُهيلِ بنِ بَيضاءَ [وأَخيه] إلا في جَوفِ المَسجدِ» (١). قال أبو عَمرِو بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: فقد صحَّحَ ابنُ حَنبَلٍ السُّنةَ في الصَّلاةِ على الجَنائزِ في المَسجدِ، وقالَ بذلك، وهو قَولُ الشافِعيِّ وجُمهورِ أهلِ العِلمِ، وهي السُّنةُ المَعمولُ بها في الخَليفتَينِ بعدَ رَسولِ اللهِ ﷺ ، صلَّى عمرُ على أَبي بَكرٍ الصِّديقِ في المَسجدِ، وصلَّى صُهَيبٌ على عمرَ في المَسجدِ بمَحضرِ كِبارِ الصَّحابةِ وصَدرِ السَّلَفِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وما أعلَمُ مَنْ يُنْكِرُ ذلك إلا ابنَ أَبي ذِئبٍ. ثم قالَ: ورُوِيت كَراهةُ ذلك عن ابنِ عَباسٍ مِنْ وُجوهٍ لا تَصحُّ ولا تَثبُتُ، وعن بعضِ أَصحابِ مالِكٍ، ورَواه عن مالِكٍ، وقد رُويَ عنه جَوازُ ذلك مِنْ رِوايةِ أهلِ المَدينةِ وغَيرِهم، وقد قالَ في المُعتكِفِ: لا يَخرجُ إلى جنازةٍ، فإنِ اتَّصلَتِ الصُّفوفُ به في المَسجدِ فلا يُصلِّي عليها مع الناسِ. وقالَ عبدُ المَلكِ بنُ حَبيبٍ: إذا كانَ مُصلَّى الجَنائِزِ قَريبًا مِنْ المَسجدِ أو لاصِقًا به مِثلَ مُصلَّى الجَنائزِ بالمَدينةِ فإنَّه لاصِقٌ بالمَسجدِ مِنْ ناحيةِ الشَّرقِ فلا بأسَ أنْ تُوضعَ الجَنائزُ في المُصلَّى خارِجًا مِنْ المَسجدِ وتَمتَدَّ الصُّفوفُ بالناسِ في المَسجدِ، وكذلك قالَ مالِكٌ. قال: وقالَ مالِكٌ: لا يُعجِبُني أنْ يُصلَّى على أحَدٍ في المَسجدِ، قالَ مالِكٌ: ولو فعَلَ ذلك فاعِلٌ ما كانَ ضَيِّقًا ولا مَكروهًا؛ فقد صلَّى رَسولُ اللهِ

стр. 1660

ﷺ على سُهَيلِ بنِ بَيضاءَ في المَسجدِ وصلَّى عمرُ على أَبي بَكرٍ في المَسجدِ وصلَّى صُهَيبٌ على عُمرَ في المَسجدِ. وكذلك قالَ عبدُ المَلكِ ومُطرِّفٌ، فإنْ قيلَ: إنَّ الناسَ الذين أنكَروا على عائِشةَ أنْ يَمرَّ عليها سَعدُ بنُ أَبي وقَّاصٍ في المَسجدِ هُمْ الصَّحابةُ وكِبارُ التابِعينَ لا مَحالةَ، قيلَ لهم: ما رَأتْ عائِشةُ إِنكارَهم، ورَأت الحُجةَ في رَسولِ اللهِ ﷺ إذْ هو الأُسوةُ الحَسنةُ والقُدوةُ، وأين المَذهبُ والرَّغبةُ مِنْ سُنتِه ﷺ ، ولَم يأتِ عنه ما يُخالِفُها مِنْ وَجهٍ مَعروفٍ، ولو لَم تَكُنْ في هذا البابِ سُنةٌ ما وَجَب أنْ تُمنَع عن ذلك؛ لأنَّ الأصلَ الإباحةُ، حتى يَرِدَ المَنعُ والحَظرُ، فكيف وفي إنكارِ ذلك جَهلُ السُّنةِ والعَملِ الأولِ القَديمِ بالمَدينةِ (١). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى كَراهةِ الصَّلاةِ على الجنازةِ في المَسجدِ الذي تُقامُ فيه الجَماعةُ سَواءٌ كانَ الميِّتُ والقَومُ في المَسجدِ، أو الميِّتُ في المَسجدِ، والإمامُ والقَومُ في خارجِ المَسجدِ، وذلك لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ صلَّى على جنازةٍ في الْمَسْجِدِ فليسَ له شَيْءٌ» (٢).

стр. 1661

قالَ في «الفَتاوى الهِنديَّة»: ولا تُكرَهُ بعُذرِ المَطرِ ونَحوِه، هكذا في الكافي، وتُكرَهُ في الشارِعِ وأَراضي الناسِ، كذا في المُضمَراتِ، أمَّا المَسجِدُ الذي بُنيَ لأجلِ صَلاةِ الجنازةِ فلا تُكرَهُ فيه (١). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على جَوازِ الصَّلاةِ على الميِّتِ في المَسجدِ مع الكَراهةِ عندَ أَبي حَنفيةَ ومالِكٍ، وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ: مِنْ غيرِ كَراهيةٍ (٢). الصَّلاةُ على القَبرِ لمَن فاتَتْه الصَّلاةُ على الجَنائِزِ: قال ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفوا في الصَّلاةِ على القبْرِ لمَن فاتَتْه الصَّلاةُ على الجنازةِ، فقالَ مالِكٌ: لا يُصلِّي على القبْرِ، وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يُصلِّي على القبْرِ إلا الوَليُّ فَقط، إذا فاتَتْه الصَّلاةُ على الجَنائزِ وكان الذي صلَّى عليها غيرُ وَليِّها. وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ وداودُ وجَماعةٌ: يُصلِّي على القبْرِ مَنْ فاتَتْه الصَّلاةُ على الجنازةِ؛ واتَّفقَ القائِلون بإجازةِ الصَّلاةِ على القبْرِ على أنَّ مِنْ شَرطِ ذلك حُدوثُ الدَّفنِ، وهؤلاء اختلَفوا في هذه المُدةِ، وأكثَرُها شَهرٌ.

стр. 1662

وسَببُ اختِلافِهم: مُعارضةُ العَملِ لِلأثرِ: أمَّا مُخالَفةُ العَملِ: فإنَّ ابنَ القاسِمِ قالَ: قُلتُ لمالكٍ: فالحَديثُ الذي جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه صلَّى على قبْرِ امرأةٍ؟ (١)، قالَ: قد جاءَ هذا الحَديثُ وليسَ عليه العَملُ، والصَّلاةُ على القبْرِ ثابِتةٌ باتِّفاقٍ مِنْ أَصحابِ الحَديثِ. قال أحمدُ بنُ حَنبلٍ: رُوِيتِ الصَّلاةُ على القبْرِ عن النَّبيِّ ﷺ مِنْ طُرقٍ سِتةٍ كلُّها حِسانٌ، وزادَ بعضُ المُحدِّثينَ ثَلاثةَ طُرقٍ، فذلك تِسعةٌ. وأمَّا البُخاريُّ ومُسلمٌ فرَويا ذلك مِنْ طَريقِ أَبي هُريرةَ، وأمَّا مالِكٌ فخرَّجَه مُرسَلًا عن أَبي أُمامةَ بنِ سُهَيلٍ. وقد رَوى ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ مِثلَ قَولِ الشافِعيِّ، وأمَّا أبو حَنيفةَ فإنَّه جَرى في ذلك على عادَتِه فيما أحسَبُ، أعني: مِنْ رَدِّ أَخبارِ الآحادِ التي تَعمُّ بها البَلْوى، إذا لم تَنتشِرْ، ولا انتشَرَ العَملُ بها، وذلك أنَّ عَدمَ الانتِشارِ إذا كانَ خَبرًا شأنُه شأنُ الانتشارِ قَرينةٌ تُوهِنُ الخبَرَ وتُخرِجُه عن غَلبةِ الظَّنِّ بصِدقِه إلى الشَّكِّ فيه، أو إلى غَلبةِ الظَّنِّ في كَذِبِه أو نَسخِه. قال القاضِي ابنُ رُشدٍ: وقد تَكلَّمنا في كِتابِنا هذا في وَجهِ الاستِدلالِ بالعَملِ، وفي هذا النَّوعِ مِنْ الاستِدلالِ الذي يُسمِّيه الحَنفيةُ عُمومَ البَلوى، وقُلنا: إنَّها مِنْ جِنسٍ واحِدٍ (٢).

стр. 1663

الصَّلاةُ على الجنازةِ في المَقبَرةِ: اختَلفَ العُلماءُ في ذلك على قَولَينِ: القَولُ الأولُ: يُكرهُ ذلك، وهو قَولُ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ في إِحدى الروايتَينِ عنه؛ لِما رَوى أنسُ بنُ مالِكٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أَنْ يُصلَّى على الجَنائِزِ بينَ القُبورِ» (١). ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الأَرضُ كلُّها مَسجدٌ إلَّا المَقبرَةَ وَالحَمامَ» (٢). ولأنَّه ليسَ بمَوضعٍ للصَّلاةِ غيرَ صَلاةِ الجنازةِ، فكُرهَت فيه صَلاةُ الجنازةِ كالحَمامِ. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى عنه إلى أنَّه لا بأسَ بها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ صلَّى على قبْرٍ وهو في المَقبَرةِ. قال ابنُ المنذِرِ ﵀: ذكَرَ نافِعٌ مَولى ابنِ عمرَ أنَّهم صَلَّوا على عائِشةَ وأُمِّ سَلمةَ وَسطَ قُبورِ البَقيعِ، والإمامُ يَومَ صلَّى على عائِشةَ أبو هُريرةَ، وحضَرَ ذلك ابنُ عُمرَ، وكان عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ يَفعَلُ ذلك.

стр. 1664

قال ابنُ المنذِرِ: واختُلِف عن مالِكٍ في هذه المَسألةِ، فحَكى ابنُ القاسِم عنه أنَّه قالَ: لا بأسَ بذلك، وحُكيَ عن أَبي مُصعبٍ عنه أنَّه قالَ: لا أُحبُّ الصَّلاةَ في المَقابرِ. قال ابنُ المنذِرِ: والذي عليه الأكثَرُ مِنْ أهلِ العِلمِ كَراهيةُ الصَّلاةِ في المَقبَرةِ؛ لحَديثِ أَبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «الأَرضُ كلُّها مَسجدٌ إلَّا المَقبرَةَ والحَمامَ» (١). وفي حَديثِ ابنِ عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «اجعَلُوا في بُيوتِكُم مِنْ صَلاتِكُم ولا تتَّخِذُوها قُبورًا» (٢) أبيَنُ البَيانِ على أنَّ الصَّلاةَ في المَقبَرةِ غيرُ جائِزةٍ (٣). مَنْ أحَقُّ بالصَّلاةِ على الميِّتِ؟ قال الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا فيمَن أحَقُّ بالإمامةِ على الميِّتِ؟ فقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ في القَديمِ مِنْ قَولَيْه: الوالي أحَقُّ ثم الوَليُّ. قال أبو حَنيفةَ: والأَوْلى للوَليِّ إذا كانَ حاضِرًا، ولَم يَكنْ الوَليُّ حاضِرًا أنْ يُقدَّمَ إمامُ الحَيِّ ولا يُجبَرُ عليه.

стр. 1665

وقالَ الشافِعيُّ في الجَديدِ مِنْ قَولَيه: الوَليُّ أحَقُّ مِنْ الوَالي. وقالَ الإمامُ أحمدُ: الأَوْلى الوَصيُّ -أي: الذي أَوصى به الميِّتُ- ثم الوَالي ثم الوَليُّ (١). الصَّلاةُ على الغائِبِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الغائِبِ بالنِّيةِ. فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ الصَّلاةِ على الميِّتِ الغائِبِ عن البَلدِ سَواءٌ كانَ في جِهةِ القِبلةِ أو في غيرِها، ولكنَّ المُصلِّيَ يَستقبِلُ القِبلةَ، ولا فَرقَ بينَ أنْ تَكونَ المَسافةُ بينَ البَلدَينِ قَريبةً أو بَعيدةً على الصَّحيحِ عندَهما، خِلافًا لشَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ حين قالَ: لا بدَّ أنْ يَكونَ الغائِبُ مُنفصِلًا عن البَلَد بما يُعدُّ الذَّهابُ إليه نَوعَ سَفرٍ. واستَدلُّوا على ذلك بما رَواه أبو هُريرةَ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَعى لِلناسِ وهو بالمَدينةِ النَّجاشيَّ صاحِبَ الحَبشةِ في اليَومِ الذي ماتَ فيه، قالَ: إنَّ أخًا لَكم قد ماتَ -وفي رِوايةٍ: ماتَ اليَومَ عبد صالِحٌ بغيرِ أرضِكم- فقُوموا فصلُّوا عليه، قالوا: ومَنْ هو؟ قالَ: النَّجاشيُّ، قالَ: استَغفِروا لِأخيكم، قالَ فخرَجَ بهم إلى المُصلَّى -وفي رِوايةٍ: البَقيعِ- ثم

стр. 1666

تَقدَّمَ فصَفُّوا خَلفَه صَفَّينِ، قالَ: فصَفَفنا خَلفَه كما يُصَفُّ على الميِّتِ، وصلَّينا عليه كما يُصَلَّى على الميِّتِ، وما تَحسَبُ الجنازةَ إلا مَوضوعةً بينَ يدَيْه، قالَ: فأمَّنا وصلَّى عليه، وكبَّرَ عليه أربَعَ تَكبيراتٍ» (١). وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى عَدمِ جَوازِ الصَّلاةِ على الغائِبِ، وأنَّ ذلك مَكروهٌ، كما يَنُصُّ المالِكيةُ؛ لأنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ صَلاةِ الجنازةِ أنْ يَكونَ الميِّتُ حاضِرًا ومَوضوعًا أمامَ المُصلِّي، وأنْ يَكونَ للقِبلةِ، وهذه الشُّروطُ لا تَتوافرُ في الميِّتِ الغائِبِ؛ ولأنَّه قد تُوفِّيَ خَلقٌ كَثيرونَ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ مِنْ أعَزِّهم القُرَّاءُ، ولَم يُنقَلْ عنه أنَّه صلَّى عليهم، مع حِرصِه على ذلك، حتى قالَ: «لَا يَموتَنَّ أحَدٌ مِنْكُم إلا آذَنتُمونِي به، فإنَّ صَلاتِي عليه له رَحمَةٌ» (٢). قالوا: وأمَّا صَلاتُه ﷺ على النَّجاشيِّ فتلك خُصوصيَّةٌ مِنْ خُصوصياتِه ﷺ (٣).

стр. 1667

أمَّا شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيمِ فقد فَرَّقا في ذلك: فقال شَيخُ الإِسلامِ وابنُ القَيمِ -رحمهما الله-: ولَم يَكنْ مِنْ هَديِه ﷺ الصَّلاةُ على كلِّ ميِّتٍ غائِبٍ، فقد ماتَ خَلقٌ كَثيرٌ مِنْ المسلِمينَ وهُم غُيَّبٌ فلَم يُصلِّ عليهم، وصَحَّ عنه ﷺ أنَّه صلَّى على النَّجاشيِّ صَلاتَه على الميِّتِ فاختَلفَ الناسُ في ذلك على ثَلاثِ طُرُق: إِحداها: أنَّ هذا تَشريعٌ منه وسُنةٌ للأُمةِ الصَّلاةُ على كلِّ غائِبٍ، وهذا قَولُ الشافِعيِّ وأحمدَ في إحدى الرِّوايتَينِ عنه. وقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: هذا خاصٌّ به، وليسَ ذلك لغيرِه. قال أَصحابُهما: ومِن الجائِزِ أنْ يَكونَ رُفعَ له سَريرُه فصلَّى عليه وهو يَرى صَلاتَه على الحاضِرِ المُشاهَدِ، وإنْ كانَ على مَسافةٍ مِنْ البُعدِ والصَّحابةُ -وإنْ لَم يَروْه- هُمْ تابِعون للنَّبيِّ ﷺ في الصَّلاةِ. قالوا: ويَدُلُّ على هذا أنَّه لَم يُنقَلْ عنه أنَّه كانَ يُصلِّي على كلِّ الغائِبِين غيرِه، وتَركُه سُنةٌ كما أنَّ فِعلَه سُنةٌ، ولا سَبيلَ لِأحدٍ بعدَه أنْ يُعايِنَ سَريرَ الميِّتِ مِنْ المَسافةِ البَعيدةِ ويُرفَعَ له حتى يُصلِّيَ عليه، فعُلمَ أنَّ ذلك مَخصوصٌ به ﷺ . وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ: الصَّوابُ أنَّ الغائِبَ إنْ ماتَ ببَلدٍ لَم يُصلَّ عليه فيه صُليَ عليه صَلاةُ الغائِبِ، كما صلَّى النَّبيُّ ﷺ على النَّجاشيِّ؛ لأنَّه ماتَ بينَ الكُفارِ ولَم يُصلَّ عليه، وإنْ صُلِّيَ عليه حيثُ ماتَ لَم يُصلِّ عليه صَلاةَ الغائِبِ؛ لأنَّ الفَرضَ قد سقَطَ بصَلاةِ المسلِمينَ عليه،

стр. 1668

والنَّبيُّ ﷺ صلَّى على الغائِبِ وترَكَه، وفِعلُه وتَركُه سُنةٌ، وهذا له مَوضِعٌ وهذا له مَوضِعٌ، واللهُ أعلَمُ. والأَقوالُ الثَّلاثةُ في مَذهبِ أحمدَ، وأصَحُّها هذا التَّفصيلُ، والمَشهورُ عندَ أَصحابِه الصَّلاةُ عليه مُطلَقًا (١). وإلى هذا التَّفصيلِ ذهَبَ بعضُ المُحقِّقين مِنْ الشافِعيةِ كالخَطابيِّ والرُّويانِيِّ رحِمَهما اللهُ (٢). صَلاةُ الجنازةِ في أَوقاتِ النَّهيِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الجنازةِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ، وعندَ الزَّوالِ وعندَ غُروبِ الشَّمسِ. فذهَبَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه تُكرهُ الصَّلاةُ على الميِّتِ في هذه الأَوقاتِ؛ لحَديثِ عُقبةَ بنِ عامِرٍ قالَ: «ثَلاثُ ساعاتٍ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهانا أنْ نُصلِّيَ فِيهنَّ أو أَنْ نَقبُرَ فِيهنَّ مَوْتانا: حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بازِغَةً حتى تَرتَفعَ، وحينَ يَقُومُ قائِمُ الظَّهيرَةِ حتى تَمِيلَ الشَّمسُ، وحينَ تَضيَّفُ الشَّمسُ للغُروبِ حتى تَغرُبَ» (٣). ومَعنى «تَضيَّفُ»: أي تَجنَحُ وتَميلُ للغُروبِ مِنْ قَولِك: تَضيَّفتُ فُلانًا، إذا مِلتُ إليه، وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ الكَراهةَ ههنا تَحريميَّةٌ، ولا تُكرهُ في غيرِها مِنْ الأَوقاتِ.

стр. 1669

قال ابنُ المُبارَكِ: مَعنى «نَقبُرَ فيهن مَوتانا»: يَعني الصَّلاةَ على الجنازةِ (١). وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ: تَجوزُ الصَّلاةُ في كلِّ الأَوقاتِ، ولا تُكرهُ في أَوقاتِ النَّهيِ؛ لأنَّها صَلاةٌ ذاتُ سَببٍ. قال النَّوويُّ: قالَ أَصحابُنا: لكنْ يُكرهُ أنْ يَتحرَّى صَلاتَها في هذه الأَوقاتِ، بخِلافِ ما إذا حصَلَ ذلك اتِّفاقًا (٢). أمَّا الإمامُ مالِكٌ فقالَ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ عنه: لا بأسَ بالصَّلاةِ على الجَنائِزِ بعدَ العَصرِ ما لَم تَصفَرَّ الشَّمسُ، فإذا اصفَرَّت لَم يُصلَّ عليها إلا أنْ يَكونَ يَخافُ تَغيُّرَها، فإنْ خِيفَ ذلك صُلِّيَ عليها. قال: ولا بأسَ بالصَّلاةِ على الجَنائزِ بعدَ الصُّبحِ ما لَم يُسفِرْ، فإذا أسفَرَ فلا تُصلُّوا إلا أنْ يَخافوا عليها.

стр. 1670

وقد ذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ عن مالِكٍ أنَّ الصَّلاةَ على الجنازةِ جائِزةٌ في ساعاتِ اللَّيلِ والنَّهارِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ وعندَ غُروبِها في كلِّ وَقتٍ، كما قالَ الشافِعيُّ (١). مَنْ يُصلَّى عليه ومَن لا يُصلَّى عليه: أ- الشَّهيدُ: اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ الصَّلاةِ على الشَّهيدِ: فذهَبَ الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى أنَّه لا يُصلَّى على الشَّهيدِ المَقتولِ في المَعركةِ؛ لِما رَوى جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَجمَعُ بينَ الرَّجلَينِ مِنْ قَتلَى أُحدٍ في ثَوبٍ واحِدٍ، ثُم يَقولُ: أَيُّهم أَكثَرُ أَخذًا لِلقُرآنِ؟ فإذا أُشِيرَ له إلى أَحدٍ قدَّمَه في اللَّحدِ، وقالَ: أنا شَهِيدٌ على هَؤلاءِ يَومَ القِيامَةِ، وأمَرَ بِدَفنِهم بدِمَائهِم، ولَم يُصلِّ عليهم، ولَم يُغسَّلُوا» (٢). ولأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ شَفاعةٌ له، ودُعاءٌ لتَمحيصِ ذُنوبِه، والشَّهيدُ قد تَطهَّرَ بصِفةِ الشَّهادةِ مِنْ دَنسِ الذُّنوبِ فاستَغنى عن ذلك، كما استَغنى عن الغُسْلِ، ولأنَّ اللهَ وصَفَ الشُّهداءَ بأنَّهم أَحياءٌ في كِتابِه، والصَّلاةُ على الميِّتِ لا على الحَيِّ (٣).

стр. 1671

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُصلَّى عليه؛ لِما رَوى عُقبةُ بنُ عامِرٍ الجُهنيُّ: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ خرَجَ يَوْمًا فصلَّى على أَهْلِ أُحدٍ صَلاتَه على الميِّتِ بعدَ ثمانِي سِنينَ كالمُودِّعِ لِلأَحْياءِ والأَمواتِ» (١). ولِما رَواه شَدَّادُ بنُ الهادِ: «أنَّ رَجلًا مِنْ الأَعْرابِ جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ فآمَنَ به واتَّبعَه، ثُم قالَ: أُهاجِرُ معَك، فأَوْصى به النَّبيُّ ﷺ بعضَ أَصحابِه، فلمَّا كانَت غَزوةٌ غنِمَ النَّبيُّ ﷺ سَبيًا، فقسَمَ وقسَمَ له فَأَعْطَى أَصحابَهُ ما قَسَمَ له، وكان يَرْعَى ظَهرَهُم، فلمَّا جاءَ دفَعُوه إليه، فقالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسْمٌ قسَمَه لكَ النَّبيُّ ﷺ ، فأخَذَه فجاءَ به إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: ما هذا؟ قالَ: قسَمْتُه لكَ. قالَ: ما على هذا اتَّبَعتُك، ولكنِّي اتَّبَعتُك على أنْ أُرمَى إلى ههنا، وأَشارَ إلى حَلقِه، بسَهمٍ، فأَموتَ فأَدخُلَ الجَنةَ، فقالَ: إنْ تَصدُقِ اللَّهَ يَصدُقْكَ، فلَبِثوا قَلِيلًا ثُم نهَضُوا في قِتالِ العَدوِّ، فأتَى به النَّبيَّ ﷺ يُحمَلُ قد أَصابَه سَهمٌ حيثُ أَشارَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ أَهو هو؟ قالوا: نَعم. قالَ: صدَقَ اللَّهَ فصدَقَه، ثُم كفَّنَه النَّبيُّ ﷺ في جُبَّةِ النَّبيِّ ﷺ ، ثُم قدَّمَه

стр. 1672

فصَلَّى عليه، فكانَ فِيما ظهَرَ مِنْ صَلاتِه: اللَّهمَّ هذا عَبدُك، خرَجَ مُهاجِرًا في سَبيلِك، فقُتِلَ شَهِيدًا، أنا شَهِيدٌ على ذلك» (١). ولِما رَوى عبدُ اللهِ بنُ الزُّبيرِ: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ يَومَ أُحدٍ بحَمْزةَ فسُجِّيَ ببُردِه ثُم صلَّى عليه فكبَّرَ تِسعَ تَكْبيراتٍ، ثُم أَتى بِالقَتلَى يُصفُّونَ ويُصلَّى عليهم وعلَيه معَهم» (٢). قالوا: ولأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ لِإظهارِ كَرامَتِه، ولِهذا اختُصَّ بها المُسلِمونَ دونَ الكَفَرةِ، والشَّهيدُ أَوْلى بالكَرامةِ. قال الكاسانِيُّ ﵀: وما ذُكرَ مِنْ حُصولِ الطَّهارةِ بالشَّهادةِ، فالعَبدُ وإنْ جَلَّ قَدْرُه لا يَستَغني عن الدُّعاءِ. ألَا تَرى أنَّهم صَلَّوا على رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا شَكَّ أنَّ دَرَجتَه فوقَ دَرجةِ الشُّهداءِ، وإنَّما وصَفَهم بالحَياةِ في حَقِّ أَحكامِ الآخِرةِ، ألَا تَرى إلى قَولِه : ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فأمَّا في حَقِّ أَحكامِ الدُّنيا فالشَّهيدُ ميِّتٌ يُقسَّمُ مالُه، وتُنكَحُ امرأتُه بعدَ انقِضاءِ العدَّةِ، ووُجوبُ الصَّلاةِ عليه مِنْ أَحكامِ الدُّنيا، فكانَ ميِّتًا فيه، فيُصلَّى عليه، واللهُ أعلَمُ بالصَّوابِ، وإليه المَرجعُ والمآبُ (٣).

стр. 1673

ب- الصَّلاةُ على مَنْ قتَلَ نَفسَه والغالِّ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ قاتِلَ نَفسِه والغالَّ يُصلِّي عليهما المُسلِمونَ عدا إمامِهم؛ لأنَّه ميِّتٌ مِنْ أهلِ الإِسلامِ ماتَ في غيرِ مُعتَركٍ، كمَن ماتَ حَتفَ أنْفِه، ولأنَّ أَحدًا لا تَتأتَّى له مَحضُ الطاعاتِ، ولا يَخلُصُ مِنْ المَعاصي، فلو مَنَعنا الصَّلاةَ على مُرتكِبِ الكَبيرةِ أو مُقتَرفِ مَعصيةٍ لَأدَّى ذلك إلى ألَّا يُصلَّى على أكثَرِ الناسِ مِنْ المسلِمينَ، ولأنَّ الصَّلاةَ على الميِّتِ إنَّما هي دُعاءٌ، وطَلبُ الرَّحمةِ والمَغفرةِ، وما أحوَجَ أهلَ المِلَّةِ إلى الدُّعاءِ والاستِغفارِ لهذا الميِّتِ. ثم اختلَفوا هل يُصلِّي الإمامُ على هذَيْن؟ فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: يُصلِّي عليهما أيضًا. وقالَ مالِكٌ: مَنْ قتَلَ نَفسَه، أو قُتلَ في حَدٍّ، فإنَّ الإمامَ لا يُصلِّي عليه؛ لِما رَواه مُسلمٌ عن جابِرِ بنِ سمُرةَ: «أُتيَ النَّبيُّ ﷺ برَجلٍ قتَلَ نَفسَه بِمَشاقصَ فلَم يُصلِّ عليه» (١). ولِما رَوى أبو بَرزَةَ الأَسلَميُّ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ لَم يُصلِّ على مَاعِزِ بنِ مَالِكٍ، ولَم يَنْه عنِ الصَّلاةِ عليه» (٢)، ولأنَّ في امتِناعِ الإمامِ مِنْ

стр. 1674

الصَّلاةِ ضَربًا مِنْ إلحاقِ النَّقصِ بهم؛ لأنَّ صَلاةَ الإمامِ وأهلِ الفَضلِ شَرفٌ لهم، ورَغبةٌ في دُعائِه واستِغفارِه، فكانَ في مَنعِ ذلك رَدعٌ لِأمثالِهم؛ ليُقلِعوا عمَّا هُمْ عليه. وقالَ الإمامُ أحمدُ: لا يُصلَّى على الغالِّ، ولا على قاتِلِ نَفسِه؛ لِما رُويَ أنَّ زَيدَ بنَ خَالِدٍ الجُهنيَّ ﵁ قالَ: «إنَّ رَجلًا مِنْ المسلِمينَ تُوفِّيَ بخَيبَرَ، وإنَّه ذُكرَ لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقالَ: صَلُّوا على صاحِبِكُم، قالَ: فتغيَّرَت وجُوهُ القَومِ لذَلِك، فلمَّا رَأى الذي بهِم قالَ: إنَّ صاحِبَكُم غَلَّ في سَبيلِ اللَّهِ، ففَتَّشنا مَتاعَه فوَجَدْنا فيه خرَزًا مِنْ خرَزِ اليَهودِ ما يُساوي دِرهمَينِ» (١). أمَّا تَركُ الإمامِ مَنْ قتَلَ نَفسَه فلِحديثِ جابِرٍ السابِقِ (٢). الصَّلاةُ على مَنْ قُتلَ مِنْ أَهلِ البَغيِ (٣) وقُطَّاعِ الطَّريقِ (٤): اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن قُتلَ مِنْ أَهلِ البَغيِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ: فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: يُغسَّلونَ ويُصلَّى عليهم.

стр. 1675

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يُغسَّلونَ ولا يُصلَّى عليهم؛ إهانةً لهم وزَجرًا لغيرِهم عن فِعلِهم، وذلك إذا قُتِلوا في أثناءِ حَربِهم. أمَّا إذا قُتِلوا بعدَ استِيلاءِ السُّلطةِ الحاكِمةِ عليهم فإنَّهم يُغسَّلون ويُصلَّى عليهم؛ لأنَّ قَتلَهم حينَئذٍ لِكَسرِ شَوكَتِهم، فهو في حُكمِ الحَدِّ فيَعودُ نَفعُه على الجَماعةِ. قال الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وليسَ تَركُ الصَّلاةِ على هؤلاء -عندَ أَبي حَنيفةَ- مما له مُناسَبةٌ بتَركِ الصَّلاةِ على الشُّهداءِ؛ فإنَّ ذلك لتَشريفِهم، وهؤلاء تُركَت الصَّلاةُ عليهم عُقوبةً لهم، وزَجرًا لأمثالهم (١). الصَّلاةُ على مَنْ قُتلَ في حَدٍّ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ قُتلَ في حَدٍّ مِنْ حُدودِ اللهِ كحَدِّ الزِّنا أو قِصاصٍ فإنَّه يُغسَّلُ ويُصلَّى عليه؛ لأنَّه بذَلَ نَفسَه لإيفاءِ حَقٍّ مُستحَقٍّ عليه، ولأنَّه لَم يُقتلْ ظُلمًا. ولحَديثِ عِمرانَ بنِ حُصينٍ ﵁ قالَ: «إنَّ امْرأَةً مِنْ جُهينَةَ أتَتْ نَبيَّ اللَّهِ ﷺ وهي حُبلَى مِنْ الزِّنا فقالَت: يا نَبيَّ اللَّهِ، أصَبْتُ حَدًّا فأَقِمْه علَيَّ، فدَعا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وَلِيَّها، فقالَ: أَحسِنْ إِلَيها، فإذا وضَعَت فأْتِني بها، ففَعَل، فأمَرَ بها نَبيُّ اللَّهِ ﷺ فشُكَّت عليها ثِيابُها

стр. 1676

ثُم أمَرَ بها فرُجِمَت، ثُم صلَّى عليها، فقالَ له عمرُ: تُصلِّي عليها يا نَبيَّ اللَّهِ وقد زَنَت؟ فقالَ: لقد تابَتْ تَوبَةً لو قُسمَت بينَ سَبعِينَ مِنْ أَهلِ المَدينَةِ لَوسِعَتْهُم، وهَلْ وجَدْتَ تَوْبةً أَفضَلَ مِنْ أَنْ جادَتْ بنَفْسِها للَّهِ تعالَى» (١). قال الإمامُ أحمدُ ﵀: مَنِ استقبَلَ قِبلتَنا وصلَّى بصَلاتِنا نُصلِّي عليه ونَدفِنُه، ويُصلَّى على وَلدِ الزِّنا والزانِيةِ، والذي يُقادُ منه بالقِصاصِ أو يُقتَلُ في حَدٍّ، وسُئلَ عمَّن لا يُعطي زَكاةَ مالِه؟ فقالَ: يُصلَّى عليه، ما يُعلَمُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ترَكَ الصَّلاةَ على أحَدٍ إلا على قاتِلِ نَفْسِه والغالِّ (٢). وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: لا يُصلِّي الإمامُ على مَنْ قُتلَ في حَدٍّ، وتُصلِّي عليه الرَّعيةُ؛ لأنَّ أبا بَرزةَ الأسلَميَّ قالَ: «إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ لَم يُصلِّ على ماعِزِ بنِ مالكٍ، ولَم يَنهَ عنِ الصَّلاةِ عليه» (٣).

стр. 1677

فصل في دَفنِ الميِّتِ الدَّفنُ في اللُّغةِ: بمَعنى المُواراةِ والسَّتْرِ. يُقالُ: دُفِن فُلانٌ: وُورِيَ، ودفَنَ سِرَّه: أي كتَمَه (١). وفي الاصطِلاحِ: مُوارةُ الميِّتِ في التُّرابِ (٢). حُكمُ الدَّفنِ: قال ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ دَفنَ الميِّتِ لَازِمٌ واجِبٌ على الناسِ، لا يَسعُهم تَركُه عندَ الإمكانِ، ومَن قامَ به منهم سقَطَ فَرضُ ذلك على سائِرِ المسلِمينَ (٣). نَقلُ الميِّتِ مِنْ مَكانٍ إلى آخَرَ قبلَ الدَّفنِ وبعدَه: إذا ماتَ إِنسانٌ في بَلدٍ وأرادوا أنْ يَنقُلوه إلى بَلدٍ آخَرَ بعدَ دَفنِه فقد صرَّحَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ بحُرمةِ ذلك مُطلَقًا، قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ

стр. 1678

﵀: اتَّفقت كَلِمةُ المَشايخِ في امرأةٍ دُفِن ابنُها وهي غائِبةٌ في غيرِ بَلدِها فلَم تَصبِرْ وأرادت نَقلَه، أنَّه لا يَسعُها ذلك، فتَجويزُ بعضِ المُتأخِّرينَ لا يُلتَفَت إليه. وأمَّا نَقلُ يَعقوبَ ويُوسفَ ﵉ مِنْ مِصرَ إلى الشامِ لِيَكونا مع آبائهما الكِرامِ فهو شَرعُ مَنْ قبلَنا ولَم يَتوافرْ فيه شُروطُ كَونِه شَرعًا لنا (١). أمَّا إذا أرادوا أنْ يَنقُلوه مِنْ بَلدٍ إلى آخَرَ قبلَ الدَّفنِ: فذهَبَ بعضُ الحَنفيةِ إلى جَوازِه مُطلَقًا، سَواءٌ بَعُدتِ المَسافةُ أو قَصُرَت، وقالَ بعضُهم: إلى ما دونَ مَسافةِ السَّفرِ. وقالَ السَّرخسيُّ ﵀: يُكرَهُ إلا أنْ يَكونَ قَدرَ مِيلٍ أو مِيلَينِ؛ لأنَّ مَقابِرَ البَلدِ ربَّما بلَغَت هذه المَسافةَ فيُكرهُ فيما زادَ (٢). أمَّا مَذهبُ الشافِعيةِ فيما إذا نُقلَ قبلَ الدَّفنِ فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه يَحرُمُ، كما جزَمَ به النَّوويُّ، حيثُ قالَ ﵀: نَقلُ الميِّتِ مِنْ بَلدٍ إلى بَلدٍ قبلَ دَفنِه، قالَ صاحِبُ الحاوي: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «لا أُحِبُّه إلا أنْ يَكونَ بقُربِ مَكةَ أو المَدينةِ، أو بيتِ المَقدِسِ، فيَختارَ أنْ يُنقَلَ إليها لفَضلِ الدَّفنِ فيها».

стр. 1679

وقالَ البَغويُّ والشَّيخُ أبو نَصرٍ البَندَنيجيُّ مِنْ العِراقيِّين: يُكرهُ نَقلُه. وقالَ القاضِي حُسينٌ والدارِميُّ والمُتولِّي: يَحرُمُ نَقلُه، قالَ القاضِي حُسينٌ والمُتولِّي: ولو أَوصى بنَقلِه لَم تُنفَّذْ وَصيَّتُه، وهذا هو الأصَحُّ؛ لأنَّ الشَّرعَ أمَرَ بتَعجيلِ دَفنِه، وفي نَقلِه تأخيرُه، وفيه أيضًا انتِهاكُه مِنْ وُجوهٍ، وتَعرُّضُه للتَّغيُّرِ ولغيرِ ذلك، وقد صَحَّ عن جابِرٍ ﵁ قالَ: «كُنَّا حمَلنا القَتلَى يَومَ أُحدٍ لنَدفِنَهُم، فجاءَ مُنادِي النَّبيِّ ﷺ فقالَ: إِنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَأمرُكُم أنْ تَدْفِنوا القَتلَى في مَضاجعِهم، فرَدَدناهُم» (١) رَواه أبو داودَ والتِّرمذيُّ والنِّسائيُّ بأَسانيدَ صَحيحةٍ، قالَ التِّرمذيُّ: حَديثٌ حَسنٌ صَحيحٌ. اه (٢). أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ البُهوتيُّ ﵀ منهم: ولا بأسَ بتَحويلِ الميِّتِ ونَقلِه إلى مَكانٍ آخَرَ بَعيدًا لِغَرضٍ صَحيحٍ، كبُقعةٍ شَريفةٍ، ومُجاورةِ صالِحٍ مع أمنِ التَّغيُّرِ؛ لِما في مُوطَّأِ مالِكٍ: أنَّه سمِع غيرَ واحِدٍ يَقولُ: «إنَّ سَعدَ بنَ أَبي وقَّاصٍ وسَعيدَ بنَ زَيدٍ مَاتا بالعَقيقِ فحُمِلا إلَى المَدينَةِ وَدُفِنا بها» (٣). وقالَ سُفيانُ بنُ عُيَنيةَ: «ماتَ ابنُ عُمرَ ههنا، وأوصَى ألَّا يُدفَنَ ههنا،

стр. 1680

وأنْ يُدفَنَ بسَرِفَ»، ذكَرَه ابنُ المنذِرِ. إلا الشَّهيدَ إذا دُفنَ بمَصرَعِه، فلا يُنقَلُ منه، ودَفنُه به سُنةٌ حتى ولو نُقلَ مِنْ مَصرعِه رُدَّ إليه، قالَ أحمدُ: أمَّا القَتلى فعلى حَديثِ جابِرٍ ﵁ أنَّه ﷺ قالَ: «ادْفِنُوا القَتلَى في مَصارعِهم». ويَجوزُ نَبشُه، أي: الميِّتِ، لغَرضٍ صَحيحٍ، كتَحسينِ كفَنِه؛ لحَديثِ جابِرٍ: «أتى النَّبيُّ ﷺ عبدَ اللَّهِ بنَ أَبي بعدَما دُفنَ، فأَخْرجَه فنَفَث فيه مِنْ رِيقِه، وأَلبَسَه قَميصَه» أخرَجَه الشَّيخانِ، ويَجوزُ نَقلُه لبُقعةٍ خَيرٍ مِنْ بُقعَتِه لنَبشِه، لِإفرادِه عمَّن دُفنَ معه؛ لقَولِ جابِرٍ: «دُفنَ مع أَبي رَجلٌ فلَم تَطبْ نَفسِي حتى أَخرَجْتُه فجعَلْتُه في قَبْرٍ على حِدَةٍ» وفي رِوايةٍ: «كانَ أَبي أوَّلَ قَتيلٍ -يَعني يَومَ أُحدٍ- ودُفنَ معه آخَرُ في قَبْرٍ، ثُم لَم تَطبْ نَفسِي أَنْ أَترُكَه مع الآخَرِ فَاستَخرَجتُه بعدَ سِتةِ أَشهُرٍ فإذا هو كيَومِ وَضَعتُه هُنيَّةً غيرَ أُذنِه» رَواهُما البُخاريُّ (١). أمَّا المالِكيةُ فيَجوزُ عندَهم نَقلُ الميِّتِ قبلَ الدَّفنِ وكذا بعدَه مِنْ مَكانٍ إلى آخَرَ بشُروطٍ، هي: - ألَّا يَنفجِرَ حالَ نَقلِه. - ألَّا تُنتَهَك حُرمتُه. - أنْ يَكونَ لِمَصلَحةٍ: كانَ يُخافَ عليه أنْ يَأكلَه البَحرُ، أو تُرجى

стр. 1681

بَرَكةُ المَوضِعِ المَنقولِ إليه، أو ليُدفَنَ بينَ أهلِه، أو لأجْلِ قُربِ زِيارةِ أهلِه، أو دَفنِ مَنْ أسلَمَ بمَقبَرةِ الكُفارِ، فيُتدارَكُ بإِخراجِه منها، ودَفنِه في مَقبَرةِ المسلِمينَ، فإنْ تَخلَّف شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ الثَّلاثةِ كانَ النَّقلُ حَرامًا (١). دَفنُ الأَقارِبِ في مَقبَرةٍ واحِدةٍ: صرَّحَ جُمهورُ الفُقهاءِ بأنَّه يُستحَبُّ جَمعُ الأَقاربِ المَوتَى في مَقبَرةٍ واحِدةٍ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا دُفنَ عُثمانُ بنُ مَظعونٍ: «وأَدفِنُ إليه مَنْ ماتَ مِنْ أَهْلِي» (٢)، ولأنَّ ذلك أسهَلُ لزيارَتِهم وأكثَرُ للتَّرحُّمِ عليهم (٣).

стр. 1682

الأحَقُّ بدَفنِ الميِّتِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ الأَوْلى أنْ يَتولَّى الدَّفنَ الرِّجالُ، سَواءٌ كانَ الميِّتُ رَجلًا أو امرأةً، فأمَّا المَرأةُ فأَوْلى الناسِ بإِدخالِها قَبْرَها مَحارِمُها، وهو مَنْ كانَ يَحِلُّ له النَّظرُ إليها في حَياتِها، ولها السَّفرُ معه؛ لِما رَوى عبدُ الرَّحمنِ بنُ أَبي أبزَى قالَ: «ماتَتْ زَينَبُ بِنتُ جَحشٍ وكبَّرَ عليها عمرُ أربَعًا، ثُم سأَلَ أَزواجَ النَّبيِّ ﷺ مَنْ يُدخِلُها قَبرَها؟ فقُلنَ: مَنْ كانَ يَدخُلُ عليها في حَياتِها» (١). ولأنَّ مَحارِمَها أَوْلى الناسِ بوِلايَتِها في الحَياةِ، فكذلك بعدَ المَوتِ. فإذا كانَ زَوجُها حاضِرًا فكذلك عندَ أَبي حَنيفةَ وأحمدَ في رِوايةٍ -أي أنَّ مَحارِمَها أحَقُّ مِنْ زَوجِها-؛ لِما رُويَ أنَّه لمَّا تُوفِّيت امرأةُ عُمرَ ﵁ قالَ لِأهلِها: «أنتُم أحَقُّ بها»، ولأنَّ الزَّوجَ قد زالَت زَوجيَّتُه بمَوتِها ولأنَّ القَرابةَ باقيةٌ. وذهَبَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ زَوجَها أحَقُّ بدَفنِها مِنْ مَحارمِها؛ لأنَّه أَوْلى بغُسلِها مِنْ وَليِّها، فكانَ أَوْلى بإدخالِها قَبْرَها، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لِعائِشةَ ﵂: «ما ضرَّكِ لو مِتِّ قَبلي فغسَّلتُكِ

стр. 1683

وكفَّنتُكِ ثُم صلَّيْتُ علَيك ودفَنتُكِ» (١). ولأنَّ أبا بَكرٍ ﵁ أدخَلَ امرأتَه قبْرَها دونَ أَقاربِها، وأيُّهما قُدِّمَ فالآخَرُ بعدَه، فإنْ لَم يَكنْ واحِدٌ منهم -أي: مِنْ الزَّوجِ أو ذي رحِمٍ- فلا بأسَ للأجانِبِ أنْ يَضعوها في قبْرِها؛ لحَديثِ أنسٍ ﵁ قالَ: «شهِدْنا بِنتًا لرَسولِ اللَّهِ ﷺ ، قالَ ورَسولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ على القبْرِ، قالَ: فرَأَيتُ عَينَيْه تَدْمَعانِ، قالَ: فقالَ: هل منكُم رَجلٌ لَم يُقارِفِ اللَّيلَةَ؟ فقالَ أبو طَلحَةَ: أنا. قالَ: فَانزِلْ. قالَ: فنزَلَ في قبْرِها» (٢). ثم يُقدَّمُ خَصيٌّ، ثم شَيخٌ ثم أفضَلُ دِينًا ومَعرِفةً ومَن بعُدَ عَهدُه بجِماعٍ أَوْلى ممَّن قرُبَ عَهدُه به. وقد صرَّحَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ بأنَّ الأَوْلى بدَفنِ الرِّجالِ أَوْلاهم بغُسلِه والصَّلاةِ عليه (٣). كَيفيَّةُ دَفنِ الميِّتِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ أوَّلًا على استِحبابِ أنْ يُضجَعَ الميِّتُ في قبْرِه على جَنبِه

стр. 1684

الأيمَنِ مُستقبِلَ القِبلةِ، فلو اضطَجعَ على جَنبِه الأيسَرِ مُستقبِلَ القِبلةِ جازَ، وكان خِلافَ الأَوْلى والأفضَلِ. فإنْ لَم يُمكِنْ فعَلى ظَهرِه مُستَلقيًا، مُستقبِلَ القِبلةِ بحيثُ تَكونُ قَدَماه إلى القِبلةِ بحيثُ إذا جلَسَ كانَ مُستقبِلَ القِبلةِ بوَجهِه كما يَكونُ حالَ الاحتِضارِ، ويُرفعُ رَأسُه قَليلًا ليَصيرَ وَجهُه إلى القِبلةِ. حتى إن جُمهورَ الفُقهاءِ المالِكيةَ والشافِعيةَ والحَنابِلةَ قالوا: يُنبَشُ ويُوجَّهُ، إلا أنْ يُخافَ أنْ يَتفسَّخَ فيُتركَ. وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إنْ وُضعَ لغيرِ جِهةِ القِبلةِ فإنْ كانَ قبلَ إِهالةِ التُّرابِ عليه، وقد سرَّحوا اللَّبِنَ أَزالوا ذلك ووَجَّهوه إلى القِبلةِ؛ لأنَّه ليسَ بنَبشٍ، وإنْ أُهيلَ عليه التُّرابُ تُركَ ذلك؛ لأنَّ النَّبشَ حَرامٌ (١). الدَّفنُ في التابُوتِ: قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: أَجمَعوا على أنَّ الدَّفنَ في التابوتِ لا يُستحَبُّ لا للرِّجالِ ولا للنِّساءِ (٢). وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ المُصنِّفُ والأَصحابُ: يُكرهُ أنْ يُدفَنَ الميِّتُ في تابوتٍ، إلا إذا كانَت الأرضُ رَخوةً أو نَديَّةً، قالوا: ولا تُنفَّذُ

стр. 1685

وَصيَّتُه به إلا في مِثلِ هذه الحالِ، قالوا: ويَكونُ التابوتُ مِنْ رأسِ المالِ، صرَّحَ به البَغويُّ وغَيرُه. قال النَّوويُّ: وهذا الذي ذكَرْناه مِنْ كَراهةِ التابوتِ مَذهبُنا ومَذهبُ العُلماءِ كافَّةً، وأظُنُّه إِجماعًا، قالَ العَبدريُّ ﵀: لا أعلَمُ فيه خِلافًا، يَعني لا خِلافَ فيه بينَ المسلِمينَ كافَّةً واللهُ أعلَمُ (١). إلا أنَّ الحَنفيةَ قد فَرَّقوا بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ فقالوا: لا بأسَ باتِّخاذِ التابوتِ لِلمرأةِ مُطلَقًا؛ لأنَّه أقرَبُ إلى السَّتْرِ والتحرُّزِ عن مَسِّها عندَ الوَضعِ في القَبْرِ (٢). الدَّفنُ لَيلاً: قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الدَّفنَ باللَّيلِ لا يُكرهُ، وأنَّه بالنَّهارِ أمكَنُ (٣). وقالَ النَّوويُّ ﵀ في «شَرح مُسلمٍ»: وهذا مُجمَعٌ عليه، لكنَّ النَّهارَ أفضَلُ إذا لَم يَكنْ عُذرٌ (٤). وذلك لِلأَحاديثِ المَشهورةِ في ذلك، منها حَديثُ ابنِ عباسٍ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مرَّ بقبْرٍ قد دُفنَ لَيلًا، فقالَ: متى دُفنَ هذا؟
следующие страницы →