بَرَكةُ المَوضِعِ المَنقولِ إليه، أو ليُدفَنَ بينَ أهلِه، أو لأجْلِ قُربِ زِيارةِ أهلِه، أو دَفنِ مَنْ أسلَمَ بمَقبَرةِ الكُفارِ، فيُتدارَكُ بإِخراجِه منها، ودَفنِه في مَقبَرةِ المسلِمينَ، فإنْ تَخلَّف شَرطٌ مِنْ هذه الشُّروطِ الثَّلاثةِ كانَ النَّقلُ حَرامًا (١).
دَفنُ الأَقارِبِ في مَقبَرةٍ واحِدةٍ:
صرَّحَ جُمهورُ الفُقهاءِ بأنَّه يُستحَبُّ جَمعُ الأَقاربِ المَوتَى في مَقبَرةٍ واحِدةٍ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا دُفنَ عُثمانُ بنُ مَظعونٍ: «وأَدفِنُ إليه مَنْ ماتَ مِنْ أَهْلِي» (٢)، ولأنَّ ذلك أسهَلُ لزيارَتِهم وأكثَرُ للتَّرحُّمِ عليهم (٣).
стр. 1682
الأحَقُّ بدَفنِ الميِّتِ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ الأَوْلى أنْ يَتولَّى الدَّفنَ الرِّجالُ، سَواءٌ كانَ الميِّتُ رَجلًا أو امرأةً، فأمَّا المَرأةُ فأَوْلى الناسِ بإِدخالِها قَبْرَها مَحارِمُها، وهو مَنْ كانَ يَحِلُّ له النَّظرُ إليها في حَياتِها، ولها السَّفرُ معه؛ لِما رَوى عبدُ الرَّحمنِ بنُ أَبي أبزَى قالَ: «ماتَتْ زَينَبُ بِنتُ جَحشٍ وكبَّرَ عليها عمرُ أربَعًا، ثُم سأَلَ أَزواجَ النَّبيِّ ﷺ مَنْ يُدخِلُها قَبرَها؟ فقُلنَ: مَنْ كانَ يَدخُلُ عليها في حَياتِها» (١).
ولأنَّ مَحارِمَها أَوْلى الناسِ بوِلايَتِها في الحَياةِ، فكذلك بعدَ المَوتِ.
فإذا كانَ زَوجُها حاضِرًا فكذلك عندَ أَبي حَنيفةَ وأحمدَ في رِوايةٍ -أي أنَّ مَحارِمَها أحَقُّ مِنْ زَوجِها-؛ لِما رُويَ أنَّه لمَّا تُوفِّيت امرأةُ عُمرَ ﵁ قالَ لِأهلِها: «أنتُم أحَقُّ بها»، ولأنَّ الزَّوجَ قد زالَت زَوجيَّتُه بمَوتِها ولأنَّ القَرابةَ باقيةٌ.
وذهَبَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ زَوجَها أحَقُّ بدَفنِها مِنْ مَحارمِها؛ لأنَّه أَوْلى بغُسلِها مِنْ وَليِّها، فكانَ أَوْلى بإدخالِها قَبْرَها، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لِعائِشةَ ﵂: «ما ضرَّكِ لو مِتِّ قَبلي فغسَّلتُكِ
стр. 1683
وكفَّنتُكِ ثُم صلَّيْتُ علَيك ودفَنتُكِ» (١).
ولأنَّ أبا بَكرٍ ﵁ أدخَلَ امرأتَه قبْرَها دونَ أَقاربِها، وأيُّهما قُدِّمَ فالآخَرُ بعدَه، فإنْ لَم يَكنْ واحِدٌ منهم -أي: مِنْ الزَّوجِ أو ذي رحِمٍ- فلا بأسَ للأجانِبِ أنْ يَضعوها في قبْرِها؛ لحَديثِ أنسٍ ﵁ قالَ: «شهِدْنا بِنتًا لرَسولِ اللَّهِ ﷺ ، قالَ ورَسولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ على القبْرِ، قالَ: فرَأَيتُ عَينَيْه تَدْمَعانِ، قالَ: فقالَ: هل منكُم رَجلٌ لَم يُقارِفِ اللَّيلَةَ؟ فقالَ أبو طَلحَةَ: أنا. قالَ: فَانزِلْ. قالَ: فنزَلَ في قبْرِها» (٢).
ثم يُقدَّمُ خَصيٌّ، ثم شَيخٌ ثم أفضَلُ دِينًا ومَعرِفةً ومَن بعُدَ عَهدُه بجِماعٍ أَوْلى ممَّن قرُبَ عَهدُه به.
وقد صرَّحَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ بأنَّ الأَوْلى بدَفنِ الرِّجالِ أَوْلاهم بغُسلِه والصَّلاةِ عليه (٣).
كَيفيَّةُ دَفنِ الميِّتِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ أوَّلًا على استِحبابِ أنْ يُضجَعَ الميِّتُ في قبْرِه على جَنبِه
стр. 1684
الأيمَنِ مُستقبِلَ القِبلةِ، فلو اضطَجعَ على جَنبِه الأيسَرِ مُستقبِلَ القِبلةِ جازَ، وكان خِلافَ الأَوْلى والأفضَلِ.
فإنْ لَم يُمكِنْ فعَلى ظَهرِه مُستَلقيًا، مُستقبِلَ القِبلةِ بحيثُ تَكونُ قَدَماه إلى القِبلةِ بحيثُ إذا جلَسَ كانَ مُستقبِلَ القِبلةِ بوَجهِه كما يَكونُ حالَ الاحتِضارِ، ويُرفعُ رَأسُه قَليلًا ليَصيرَ وَجهُه إلى القِبلةِ.
حتى إن جُمهورَ الفُقهاءِ المالِكيةَ والشافِعيةَ والحَنابِلةَ قالوا: يُنبَشُ ويُوجَّهُ، إلا أنْ يُخافَ أنْ يَتفسَّخَ فيُتركَ.
وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إنْ وُضعَ لغيرِ جِهةِ القِبلةِ فإنْ كانَ قبلَ إِهالةِ التُّرابِ عليه، وقد سرَّحوا اللَّبِنَ أَزالوا ذلك ووَجَّهوه إلى القِبلةِ؛ لأنَّه ليسَ بنَبشٍ، وإنْ أُهيلَ عليه التُّرابُ تُركَ ذلك؛ لأنَّ النَّبشَ حَرامٌ (١).
الدَّفنُ في التابُوتِ:
قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: أَجمَعوا على أنَّ الدَّفنَ في التابوتِ لا يُستحَبُّ لا للرِّجالِ ولا للنِّساءِ (٢).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ المُصنِّفُ والأَصحابُ: يُكرهُ أنْ يُدفَنَ الميِّتُ في تابوتٍ، إلا إذا كانَت الأرضُ رَخوةً أو نَديَّةً، قالوا: ولا تُنفَّذُ
стр. 1685
وَصيَّتُه به إلا في مِثلِ هذه الحالِ، قالوا: ويَكونُ التابوتُ مِنْ رأسِ المالِ، صرَّحَ به البَغويُّ وغَيرُه.
قال النَّوويُّ: وهذا الذي ذكَرْناه مِنْ كَراهةِ التابوتِ مَذهبُنا ومَذهبُ العُلماءِ كافَّةً، وأظُنُّه إِجماعًا، قالَ العَبدريُّ ﵀: لا أعلَمُ فيه خِلافًا، يَعني لا خِلافَ فيه بينَ المسلِمينَ كافَّةً واللهُ أعلَمُ (١).
إلا أنَّ الحَنفيةَ قد فَرَّقوا بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ فقالوا: لا بأسَ باتِّخاذِ التابوتِ لِلمرأةِ مُطلَقًا؛ لأنَّه أقرَبُ إلى السَّتْرِ والتحرُّزِ عن مَسِّها عندَ الوَضعِ في القَبْرِ (٢).
الدَّفنُ لَيلاً:
قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الدَّفنَ باللَّيلِ لا يُكرهُ، وأنَّه بالنَّهارِ أمكَنُ (٣).
وقالَ النَّوويُّ ﵀ في «شَرح مُسلمٍ»: وهذا مُجمَعٌ عليه، لكنَّ النَّهارَ أفضَلُ إذا لَم يَكنْ عُذرٌ (٤).
وذلك لِلأَحاديثِ المَشهورةِ في ذلك، منها حَديثُ ابنِ عباسٍ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مرَّ بقبْرٍ قد دُفنَ لَيلًا، فقالَ: متى دُفنَ هذا؟
стр. 1686
قالوا: البارِحةَ، قالَ: أفلَا آذَنتُمونِي؟ قالوا: دفَنَّاه في ظُلمَةِ اللَّيلِ، فكرِهْنا أَنْ نُوقِظَك، فَقامَ فصَفَفْنا خلفَه، قالَ ابنُ عَباسٍ: وأنا فيهِم، فصلَّى عليه» (١).
وعن عائِشةَ ﵂: «أنَّ أبا بَكرٍ ﵁ لَم يُتوَفَّ حتى أَمسَى مِنْ لَيلَةِ الثُّلاثاءِ وَدُفنَ قبلَ أَنْ يُصبِحَ» (٢).
وقد دُفنَت عائِشةُ وفاطِمةُ وغيرُهما مِنْ الصَّحابةِ ﵃ لَيلًا، ولَم يُنكِرْ ذلك أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ (٣).
الدَّفنُ في أَوقاتِ الكَراهةِ:
صرَّحَ الحَنابِلةُ بأنَّه يُكرهُ الدَّفنُ في أَوقاتِ النَّهيِ الثَّلاثةِ عندَ طُلوعِ الشَّمسِ، وعندَ غُروبِها، وعندَ قيامِها؛ لقَولِ عُقبةَ بنِ عامِرٍ ﵁ قالَ: «ثَلاثُ ساعاتٍ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَنْهَانا أَنْ نُصلِّيَ فيهنَّ أو أنْ نَقبُرَ فيهنَّ مَوْتانا، حينَ تَطلُعُ الشَّمسُ بازِغَةً حتى تَرتفِعَ، وحينَ يَقومُ قائِمُ الظَّهيرَةِ حتى تَميلَ الشَّمسُ، وحينَ تَضيَّفُ الشَّمسُ للغُروبِ حتى تَغرُبَ» (٤).
وصرَّحَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ بأنَّه لا يُكرهُ الدَّفنُ في الأَوقاتِ التي نُهيَ عن الصَّلاةِ فيها، وإنْ كانَ الدَّفنُ في غيرِها أفضَلَ، وذلك إذا لَم يَتحَرَّ.
стр. 1687
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الدَّفنُ في الأَوقاتِ التي نُهيَ عن الصَّلاةِ فيها -إذا لَم يَتحرَّه- ليسَ بمَكروهٍ عندَنا، نَصَّ عليه الشافِعيُّ في بابِ القيامِ للجنازةِ، واتَّفقَ عليه الأَصحابُ.
ونقَلَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ، والماوَرديُّ والشَّيخُ نَصرٌ المَقدسيُّ وغَيرُهم إِجماعَ العُلماءِ عليه.
وأجابَ الشَّيخُ أبو حامِدٍ والماوَرديُّ ونَصرٌ المَقدسيُّ وغَيرُهم على حَديثِ عُقبةَ بأنَّ الإِجماعَ دَلَّ على تَركِ ظاهِرِه في الدَّفنِ، وأجابَ القاضِي أبو الطَّيِّبِ والمُتولِّي وغيرُهما بأنَّ النَّهيَ عن تَحرِّي هذه الأَوقاتِ لِلدَّفنِ وقَصدِ ذلك، قالوا: وهذا مَكروهٌ، فأمَّا إذا لَم يَتحَرَّه فلا كَراهةَ (١).
سَترُ قَبرِ الميِّتِ بثَوبٍ عن أعيُنِ الناظِرينَ حتى يُدفَنَ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه إذا كانَ الميِّتُ امرأةً استُحِبَّ أنْ يُخمَّرَ قبْرُها بثَوبٍ؛ لأنَّ المَرأةَ عَورةٌ، ولا يُؤمَنُ أنْ يَبدوَ منها شَيءٌ، فيَراه الحاضِرونَ، ولأنَّ مَبنَى أمرِهِنَّ على السَّترِ.
أمَّا إذا كانَ الميِّتُ رَجلًا فقد ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُستحَبُّ، بل يُكرهُ سَتْرُ قبْرِه؛ لأنَّ كَشفَه أبعَدُ مِنْ التَّشبُّهِ بالنِّساءِ.
стр. 1688
وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُستحَبُّ أنْ يُسترَ قبْرُ الرَّجلِ كالمَرأةِ، ولأنَّه أستَرُ فربَّما ظهَرَ ما يُستَحبُّ إِخفاؤُه (١).
الدَّفنُ في اللَّحدِ أو الشَّقِّ:
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أَجمعَ المُسلِمونَ على أنَّ الدَّفنَ في اللَّحدِ وفي الشَّقِّ جائِزانِ، لكنْ إذا كانَت الأرضُ صُلبةً لا يَنهارُ تُرابُها فاللَّحدُ أفضَلُ، وإنْ كانَت رخْوةً تَنهارُ فالشَّقُّ أفضَلُ (٢).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اتَّفقوا على أنَّ السُّنةَ اللَّحدُ، وأنَّ الشَّقَّ ليسَ بسُنةٍ وإنْ كانَ جائِزًا.
لقَولِ سَعدِ بنِ أَبي وقَّاصٍ ﵁: «الحَدوا لي لَحْدًا، وانْصِبوا علَيَّ اللَّبِنَ نَصبًا، كما صُنعَ برَسولِ اللَّهِ ﷺ » (٣).
ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «اللَّحدُ لنا والشَّقُّ لغَيرِنا» (٤).
وصِفةُ اللَّحدِ: أنْ يَحفِرَ في حائِطِ القبْرِ في أسفَلِه إلى ناحيةِ القِبلةِ قَدرَ ما يُوضَعُ الميِّتُ فيه ويَستُرُه.
وصِفةُ الشَّقِّ: أنْ يَبنيَ مِنْ جانِبَيِ القبْرِ بلَبِنٍ أو حَجرٍ، ويَتركَ وَسَطَ
стр. 1689
القَبْرِ كأنَّه تابوتٌ، فيُرفعُ بحيثُ إذا جُعلَ فيه الميِّتُ وسُقِّفَ عليه لَم يُباشِرِ السَّقفَ الميِّتُ (١).
التَّسنيمُ والتَّسطيحُ في القَبرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ هل التَّسنيمُ السُّنةُ أو التَّسطيحُ؟ بعدَ اتِّفاقِهم على جَوازِ الكلِّ.
فقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأحمدُ: التَّسنيمُ السُّنةُ؛ لِما رَواه البُخاريُّ بإسنادِه عن سُفيانَ التَّمارِ قالَ: «رَأاتُ قبْرَ النَّبيِّ ﷺ مُسنَّمًا» (٢).
وهو أنْ يُجعَلَ تُرابُ القبْرِ مُرتفِعًا عليه كسَنامِ الجَملِ.
ولأنَّ التَّسطيحَ يُشبهُ أبنيةَ أهلِ الدُّنيا، وهو أشبَهُ بشِعارِ أهلِ البِدعِ؛ لأنَّ الرافِضةَ تَفعَلُه، فكانَ مَكروهًا.
وقالَ الشافِعيُّ: السُّنةُ التَّسطيحُ -أي: التَّربيعُ-؛ لِما رَواه القاسِمُ بنُ محمدٍ قالَ: دَخلتُ على عائِشةَ ﵂ فقُلتُ: «يا أُمَّهْ، اكْشِفي لي عن قبْرِ النَّبيِّ ﷺ وصاحِبَيْه ﵄، فكشَفَتْ لي عن ثَلاثَةِ قُبورٍ لَا مُشرِفَةٍ ولا لَاطئَةٍ، مَبطوحَةٍ ببَطْحاءِ العَرصَةِ الحَمْراءِ» (٣)(٤).
стр. 1690
الحامِلُ تَموتُ وفي بَطنِها وَلَدٌ حَيٌّ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الحامِلِ تَموتُ وفي بَطنِها وَلدٌ حيٌّ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ ومالِكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُشقُّ بَطنُها ويُخرَجُ الوَلدُ؛ لأنَّه استِبقاءُ حَيٍّ بإِتلافِ جُزءٍ مِنْ الميِّتِ، فأشبَهَ إذا اضطُرَّ إلى أكلِ جُزءٍ مِنْ الميِّتِ، ولأنَّ فيه إِحياءَ الآدميِّ بتَركِ تَعظيمِ الآدميِّ، وتَركُ التَّعظيمِ أهوَنُ مِنْ مُباشَرةِ سَببِ المَوتِ.
قال النَّوويُّ: قالَ بعضُ أَصحابِنا: بل يُعرَضُ على القَوابلِ: فإنْ قُلنَ: هذا الوَلدُ إذا أُخرِجَ لا يُرجَى حَياتُه، وهو أنْ يَكونَ له دونَ سِتةِ أشهُرٍ لَم يُشقَّ؛ لأنَّه لا مَعنى لانتِهاكِ حُرمَتِها فيما لا فائِدةَ فيه.
قال النَّوويُّ: وذكَرَ القاضِي حُسينٌ والفُورانِيُّ والمُتولِّي والبَغويُّ وغَيرُهم في الذي لا يُرجى حَياتُه وَجهَينِ:
أحدُهما: يُشَقُّ.
والآخَرُ: لا يُشَقُّ، قالَ البَغويُّ: وهو الأصَحُّ.
قال جُمهورُ الأَصحابِ: فإذا قُلنا: لا يُشقُّ، لَم تُدفَنْ حتى تَسكُنَ حَركةُ الجَنينِ ويُعلَمَ أنَّه قد ماتَ.
قال النَّوويُّ: ومُختصَرُ المَسألةِ: إنْ رُجيَ حياةُ الجَنينِ وجَبَ شَقُّ
стр. 1691
جَوفِها وإِخراجُه وإلا فثَلاثةُ أوجُهٍ.
أصَحُّها: لا تُشقُّ ولا تُدفَنُ حتى يَموتَ.
والثاني: تُشقُّ ويُخرَجُ.
والثالِثُ: يُثقَّلُ بَطنُها بشَيءٍ ليَموتَ، وهو غلَطٌ (١).
وذهَبَ الحَنابِلةُ والمالِكيةُ في المُعتمَدِ إلى أنَّ المَرأةَ إذا ماتَت وفي بَطنِها ولَدٌ يَتحرَّكُ، لا يُشقُّ بَطنُها، وتَسطو عليه القَوابلُ فيُخرِجْنه، أي يُدخِلنَ أيديهُنَّ في فَرجِها فيُخرِجن الولَدَ مِنْ مَخرَجِه، وإنْ لَم يُوجَدْ نِساءٌ لَم يَسطُ الرِّجالُ عليه، وتُتركُ أُمُّه حتى يُتيقَّنَ مَوتُه، ثم تُدفَنُ؛ لأنَّ الولَدَ لا يَعيشُ عادةً ولا يَتحقَّقُ أنَّه يَحيا، فلا يَجوزُ هَتكُ حُرمةٍ مُتيقَّنةٍ لأمرٍ مَوهومٍ، وقد قالَ ﷺ : «كَسرُ عَظمِ الميِّتِ ككَسرِ عَظمِ الحَيِّ» (٢).
ولأنَّ فيه مُثْلةً، وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن المُثْلةِ (٣).
وحَكى أبو الخَطابِ في الهِدايةِ ومَن بعدَه احتِمالًا بالشَّقِّ، إذا غلَبَ على الظَّنِّ أنَّ الولَدَ يَعيشُ؛ لأنَّ حِفظَ حُرمةِ الحَيِّ أَولى، وكما إذا خرَجَ
стр. 1692
بَعضُه حَيًّا، وتَعذَّرَ إِخراجُ بَقيَّتِه مِنْ غيرِ شَقٍّ فإنَّه يُشقُّ (١).
دَفنُ كافِرةٍ حامِلٍ مِنْ مُسلمٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في دَفنِ كافِرةٍ حامِلٍ مِنْ مُسلمٍ:
فذهَبَ الحَنفيةُ -وهو الأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ والمَذهبُ لدى الحَنابِلةِ، وهو قَولٌ عندَ المالِكيةِ- إلى أنَّ الأحوَطَ دَفنُها على حِدةٍ، ويُجعَلُ ظَهرُها إلى القِبلةِ؛ وعلى جَنبِها الأيسَرِ؛ ليَكونَ وَجهُ الجَنينِ إلى القِبلةِ على جانِبِه الأيمَنِ؛ لأنَّ وَجهَ الجَنينِ إلى ظَهرِها.
وعلَّلَ ذلك الحَنابِلةُ بأنَّها كافِرةٌ لا تُدفَنُ في مَقابرِ المسلِمينَ فيَتأذَّونَ بعَذابِها، ولا في مَقبَرةِ الكُفَّارِ؛ لأنَّ ولَدَها مُسلمٌ فيَتأذَّى بعَذابِهم، وتُدفَنُ مُنفرِدةً.
وقد رُويَ هذا عن وَاثِلةَ بنِ الأسقَعِ فقالَ: «امرَأةٌ نَصرانِيةٌ في بَطنِها ولَدٌ مِنْ مُسلمٍ، قالَ: تُدفَنُ في مَقبرَةٍ بينَ مَقابرِ المسلِمينَ والنَّصارى» (٢).
وفي قَولٍ آخَرَ لِلشافِعيَّةِ: تُدفَنُ في مَقابِرِ المسلِمينَ، وتَكونُ لِلوَلدِ بمَنزِلة صُندوقٍ مُودَعٍ فيه، ولِما رُويَ عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁: «أنَّ امرَأةً
стр. 1693
بالشَّامِ ماتَتْ وفي بَطنِها ولَدٌ مِنْ مُسلمٍ وهي نَصْرانِيةٌ، فأمَرَ عمرُ أَنْ تُدفَنَ مع المسلِمينَ مِنْ أَجلِ ولَدِها» (١).
وقيلَ: تُدفَنُ في مَقابرِ أهلِ دِينِها؛ لأنَّ الحَملَ لا حُكمَ له يُثبِتُ أَحكامَ الدُّنيا مِنْ غُسلِه والصَّلاةِ عليه وغيرِها، فلَم يَثبُتْ له شَيءٌ مِنْ أَحكامِ أَمواتِ المسلِمينَ فتَفرَّدَ بهذا الحُكمِ وَحدَه.
وهو المَذهبُ عندَ المالِكيةِ، وهناك وَجهٌ رابِعٌ مِنْ الشافِعيةِ بأنَّها تُدفَنُ على طَرفِ مَقابرِ المسلِمينَ، وهو قَولُ الآجُريِّ مِنْ الحَنابِلةِ.
واختَلفَ الصَّحابةُ في هذه المَسألةِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: قالَ بعضُهم: تُدفنُ في مَقابرِنا تَرجيحًا لِجانِبِ الوَلدِ، وقالَ بعضُهم: تُدفنُ في مَقابرِ المُشرِكينَ؛ لأنَّ الوَلدَ في حُكمِ جُزءٍ منها ما دامَ في بَطنِها.
وقالَ واثِلةُ: يُتَّخذُ لها مَقبَرةٌ على حِدةٍ، وهو ما أخَذَ به الجُمهورُ، كما سبَقَ.
وهو الأحوَطُ، كما ذكَرَه ابنُ عابدِين نَقلًا عن «الحِلية»، والظاهِرُ كما أفصَحَ به أنَّ المَسألةَ مُصوَّرةٌ فيما إذا نُفخَ فيه الرُّوحُ، وإلا دُفِنت في مَقابِرِ المُشرِكينَ (٢).
стр. 1694
دَفنُ مَيِّتٍ مَكانَ مَيِّتٍ آخَرَ:
صرَّحَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ بأنَّه لا يَجوزُ بل يَحرُمُ أنْ يُدفَنَ ميِّتٌ في مَوضعِ ميِّتٍ آخَرَ حتى يَبلَى الأوَّلُ، بحيثُ لا يَبقَى منه شَيءٌ لا لَحمٌ ولا عَظمٌ.
فإنْ لَم يَبقَ منه شَيءٌ، لا لَحمٌ ولا عَظمٌ، يَجوزُ نَبشُه والدَّفنُ فيه، ويَختلِفُ ذلك باختِلافِ البِقاعِ والبِلادِ والهَواءِ، وهو في البِلادِ الحارَّةِ أسرَعُ منه في البارِدةِ، وإنْ شَكَّ في أنَّه بلِيَ وصارَ تُرابًا رجَعَ فيه إلى أهلِ الخِبرةِ به، ثم إنْ وُجدَ فيه عِظامٌ لَم يَجزْ دَفنُ آخَرَ فيه إلا لِحاجةٍ، ككَثرةِ مَوتى بقَتلٍ أو غيرِه، فيَجوزُ دَفنُ اثنَينِ فأكثَرَ في قبْرٍ واحِدٍ للعُذرِ، ويُسنُّ أنْ يُحجَزَ بينَهما بتُرابٍ يَفصِلُ بينَهما، ولا يَكفي الكَفنُ.
إلا أنَّ الإمامَ الشافِعي ﵀ قالَ: فلو فرَغَ مِنْ القَبْرِ وظهَرَ فيه شَيءٌ مِنْ العِظامِ، لَم يَمتنِعْ أنْ يُجعَلَ في جَنبِ القبْرِ، ويُدفَنَ الثاني معه، وكذا لو دَعتِ الحاجَةُ إلى دَفنِ الثانِي مع العِظامِ دُفنَ معها» (١).
стр. 1695
دَفنِ اثنَيْن في قَبرٍ واحِدٍ:
ذهَب الجُمهورُ مِنْ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُدفَنَ رَجلانِ في قبْرٍ واحِدٍ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، فإنْ حصَلَت ضَرورةٌ، بأنْ كثُرَ القَتلى أو المَوتى في وَباءٍ أو هَدمٍ أو غَرقٍ أو غيرِ ذلك، وعسُرَ دَفنُ كلِّ واحِدٍ في قبْرٍ، يَجوزُ دَفنُ الاثنَينِ والثَّلاثةِ وأكثَرَ في قبْرٍ بحَسَبِ الضَّرورةِ.
لِما رَواه جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَجمَعُ بينَ الرَّجلَينِ مِنْ قَتلَى أُحدٍ في ثَوبٍ واحِدٍ، ثُم يَقولُ: أَيُّهم أَكثَرُ أَخذًا لِلقُرآنِ؟ فإذا أُشِيرَ له إلى أَحدِهما قدَّمَه في اللَّحدِ، وقالَ: أنا شَهِيدٌ على هَؤلاءِ يَومَ القِيامَةِ، وأمَرَ بدَفنِهم في دِمائِهم، ولَم يُغسَّلُوا، ولَم يُصلَّ عليهم» (١).
فإذا دُفنَ اثنانِ فأكثَرُ في قبْرٍ واحِدٍ يُقدَّمُ أفضَلُهم إلى القِبلةِ ويُجعَلُ بَينَهم حاجِزٌ مِنْ تُرابٍ عندَ الجُمهورِ، خِلافًا لِأشهَبَ مِنْ المالِكيةِ؛ حيثُ قالَ: لا يُجعَلُ بينَهما حاجِزٌ مِنْ التُّرابِ، وذلك لأنَّه لا مَعنى له إلا التَّضيقُ.
وأمَّا دَفنُ المَرأةِ مع الرَّجلِ في قَبرٍ واحِدٍ:
стр. 1696
فقد أَجازَه أيضًا الأئِمةُ الأربَعةُ، ولكنَّ مَحلَّ ذلك عندَ الضَّرورةِ لحَديثِ جابِرٍ المُتقدِّمِ ولِما رَوى واثِلةُ بنُ الأسقَعِ: «أنَّه كانَ إذا دفَنَ الرِّجالَ والنِّساءَ جَميعًا يَجعَلُ الرَّجلَ في القَبرِ ممَّا يَلي القِبلةَ، ويَجعَلُ المَرأةَ وَراءَه في القَبرِ» (١).
قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا أُحبُّ أنْ تُدفَنَ المَرأةُ مع الرَّجلِ على حالٍ، وإنْ كانَ ضَرورةً ولا سَبيلَ إلى غيرِها كانَ الرَّجلُ أمامَها وهي خَلفَه، ويُجعَلُ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ في القبْرِ حاجزٌ مِنْ تُرابٍ» (٢).
قال النَّفراويُّ: وما ذُكرَ مِنْ جَوازِ جَمعِ الأَمواتِ في قبْرٍ واحِدٍ للضَّرورةِ مَحلُّه إذا كانَ حصَلَ دَفنُهم في وَقتٍ واحِدٍ، وأمَّا لو أرَدنا دَفنَ ميِّتٍ على آخَرَ بعدَ تَمامِ دَفنِه يَحرُمُ؛ لأنَّ القبْرَ حَبسٌ، لا يُمشَى عليه ولا يُنبَشُ ما دامَ به إلا لِضَرورةٍ فلا يَحرُمُ (٣).
أخذُ الأُجرةِ على تَغسيلِ المَوتى وتَكفينِهم وحَملِهم:
اختَلفَ العُلماءُ هل يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ الميِّتِ وتَكفينِه وحَملِه أو لا يَجوزُ؟
стр. 1697
فذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ الميِّتِ؛ لأنَّه واجِبٌ. وقيلَ يَجوزُ.
ويَجوزُ على دَفنِ الميِّتِ.
وأمَّا على حَملِ الجنازةِ فالمَذهبُ أنَّه جائِزٌ على الإطلاقِ، وقيلَ: إنَّه إنْ كانَ يُوجَدُ غَيرُهم يَجوزُ، وإنْ كانَ لا يُوجَدُ غَيرُهم لا يَجوزُ؛ لأنَّ الحَملَ عليهم واجِبٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يَجوزُ الاستِئجارُ على غُسلِ الميِّتِ وحَملِه ودَفنِه ما لَم يَتعيَّنْ عليه، فإنْ تَعيَّنتْ عليه لعَدمِ وُجودِ غيرِه أو لعَدمِ قَبولِه فحينَئذٍ لا تَجوزُ الإجارةُ عليه، وهذا أصلٌ عندَهم في فُروضِ الكِفاياتِ أنَّه يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليها ما لَم تَتعيَّنْ عليه (٢).
وقالَ الشافِعيةُ: تَصحُّ الإجارةُ لِتَجهيزِ الميِّتِ وحَملِه ودَفنِه ولو تَعيَّنَ على الأجيرِ؛ لأنَّها عِبادةٌ لَم تَجبْ لَها نِيةٌ، ولأنَّه غيرُ مَقصودٍ بفِعلِه حتى يَقعَ عنه؛ لأنَّ مُؤنةَ ذلك في تَرِكتِه أَصالةً ثم في مالِ مَنْ تَلزَمُه نَفَقتُه، فإنْ لَم يَكنْ فعلى أَغنياءِ المسلِمينَ القيامُ بها، فلَم يُقصَدْ الأَجيرُ لفِعلِه حتى
стр. 1698
يَقعَ عنه ولا يَضُرُّ عُروضٌ تُعينُه عليه كالمُضطَرِّ فإنَّه يَتعيَّنُ إِطعامُه مع تَغريمِه البدَلَ (١).
وقالَ الحنابِلةُ في المَذهبِ: يُكرهُ أَخذُ أُجرةٍ على الغُسلِ والتَّكفينِ والحَملِ والدَّفنِ؛ لأنَّه قُربةٌ، إلا أنْ يَكونَ مُحتاجًا فيُعطَى مِنْ بَيتِ المالِ، فإنْ تَعذَّرَ أُعطيَ بقَدْرِ عَملِه.
وفي قَولٍ: يَحرُمُ أخذُ الأُجرةِ على غُسلِ الميِّتِ؛ لأنَّ ما يَختَصُّ فاعِلُه أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ القُربةِ لا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ عليه كالصَّلاةِ والصِّيامِ، وهذا منه، قالَ الرُّحيبانِيُّ: وهو اتِّجاهٌ حَسنٌ مُوافِقٌ للقَواعدِ (٢).
فالحَنفيةُ فرَّقوا بينَ الغُسلِ وبينَ الحَملِ والدَّفنِ، فلا يَجوزُ في الغُسلِ ويَجوزُ في الحَملِ والدَّفنِ على المَذهبِ عندَهم، والمالِكيةُ جَوَّزوا أخذَ الأُجرةِ ما لَم يَتعيَّنْ، والشافِعيةُ أَجازوا أخذَ الأُجرةِ مُطلَقًا، تَعيَّنَ أو لَم يَتعيَّنْ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ كَرِهوا أخذَ الأُجرةِ إلا أنْ يَكونَ مُحتاجًا.
وفي الاصطِلاحِ عرَّفَها الحَنفيةُ بأنَّها: تَمليكُ جُزءٍ مَخصوصٍ من مالٍ مَخصوصٍ لِشَخصٍ مَخصوصٍ للهِ تَعالى (١).
وعرَّفَها المالِكيةُ بأنَّها: إخراجُ جُزءٍ مَخصوصٍ من مالٍ مَخصوصٍ بلَغ نِصابًا لِمُستَحِقِّه.
والمُرادُ بالمالِ المَخصوصِ المُخرَجِ هو: الشاةُ من الأربَعينَ مَثلًا، أو العُشرُ أو نِصفُه أو رُبعُه مَثلًا.
والمُرادُ من المالِ المَخصوصِ: هو النَّعمُ والحَرثُ والنَّقدانِ وعُروضُ التِّجارةِ والمَعادنِ.
والمُرادُ بالنِّصابِ: القَدْرُ الذي إذا بلَغَه المالُ وجَبَت الزَّكاةُ فيه، وسُمِّي نِصابًا أخذًا له من النُّصبِ؛ لأنَّه كعَلامةٍ نُصِبت على وُجوبِ الزَّكاةِ.
والمُرادُ بالمُستحِقِّ: الأَصنافُ الثَّمانيةُ المَذكورونَ في الآيةِ الكَريمةِ (٢).
وعرَّفَها الشافِعيةُ والحَنابِلةُ بأنَّها: اسمٌ لأخْذِ شَيءٍ مَخصوصٍ، مِنْ مالٍ مَخصوصٍ، على أَوصافٍ مَخصوصةٍ، لطائِفةٍ مَخصوصةٍ (٣).
стр. 1702
وقيلَ: اسمٌ لقَدرٍ مَخصوصٍ، من مالٍ مَخصوصٍ، يَجبُ صَرفُه لِأَصنافٍ مَخصوصةٍ بشَرائطَ (١).
وتُطلَقُ الزَّكاةُ أيضًا على المالِ المُخرَجِ نَفسِه كما في قَولِهم: عزَلَ زَكاةَ مالِه، والساعِي يَقبِضُ الزَّكاةَ.
ويُقالُ: زَكَّى مالَه، أي: أخرَجَ زَكاتَه، والمُزكِّي: مَنْ يُخرِجُ عن مالِه الزَّكاةَ، والمُزكِّي أيضًا: مَنْ له وِلايةُ جَمعِ الزَّكاةِ (٢).
وتُطلَقُ الزَّكاةُ أيضًا على الصَّدقةِ الواجِبةِ والمَندوبةِ، والنَّفقةِ والحَقِّ والعَفوِ (٣).
الحُكمُ التَّكليفيُّ لِلزَّكاةِ:
الزَّكاةُ فَريضةٌ من فَرائضِ الإِسلامِ، ورُكنٌ من أَركانِه، وقد دَلَّ على فَرضيَّتِها ووُجوبِها الكِتابُ والسُّنةُ والإِجماعُ والمَعقولُ.
أمَّا الكِتابُ:
فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣].
وقَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى
стр. 1703
بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥].
فقد ألحَقَ الوَعيدَ الشَّديدَ بمَن كنَزَ الذَّهبَ والفِضةَ ولم يُنفِقْهما في سَبيلِ اللهِ ولا يَكونُ ذلك إلا بتَركِ الفَرضِ.
وأمَّا السُّنةُ:
فقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «بُنيَ الإِسلامُ على خَمسٍ، شَهادَةِ أنْ لَا إِلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللَّهِ وأقامَ الصَّلاةِ وإِيتاءِ الزَّكاةِ والحَجِّ وصَومِ رَمضانَ» (١).
وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يُرسِلُ السُّعاةَ ليَقبِضوا الصَّدقاتِ، وأرسَلَ مُعاذًا ﵁ إلى أهلِ اليَمنِ وقالَ له: «أَعْلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقَةً في أَموالِهم تُؤخَذُ من أَغنِيائِهم وتُرَدُّ على فُقَرائِهم» (٢).
ورُويَ عن أَبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «ما مِنْ صاحِبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لَا يُؤدِّي منها حَقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ صُفِّحَت له صَفائحُ من نارٍ فأُحمِيَ عليها في نَارِ جَهنَّمَ فيُكْوَى بها جَنبُه وجَبِينُه وظَهرُه، كلَّما برَدَت أُعِيدَت له في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ، حتى يُقضَى بينَ العِبادِ فيَرى سَبيلَه إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فَالإبلُ؟ قالَ: ولا صاحِبُ إبلٍ لَا يُؤدِّي منها حَقَّها، ومِن حَقِّها حلَبُها يَومَ
стр. 1704
وِرْدِها، إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ بُطحَ لها بِقاعٍ قَرقَرٍ أَوْفرَ ما كانَت، لَا يَفْقِدُ منها فَصِيلًا وَاحِدًا، تَطَؤُه بأَخْفافِها وتَعَضُّه بأَفْواهِها كلَّما مَرَّ عليه أُولَاها رُدَّ عليه أُخْراها في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ حتى يُقْضَى بينَ العِبادِ فيرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فالبَقرُ والغنَمُ، قالَ: ولا صَاحِبُ بَقرٍ ولا غنَمٍ لَا يُؤدِّي منها حَقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ بُطحَ لها بِقاعٍ قَرقَرٍ لَا يَفقِدُ منها شَيئًا ليسَ فيها عَقْصاءُ ولا جَلْحاءُ ولا عَضْباءُ تَنطَحُه بقُرونِها وتَطَؤُه بأَظْلافِها كلَّما مَرَّ عليه أُولَاها رُدَّ عليه أُخْراها في يَوْمٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ حتى يُقضَى بينَ العِبادِ فيَرى سَبيلَه إِمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فَالخَيلُ؟ قالَ: الخَيلُ ثَلاثةٌ، هي لرَجلٍ وِزْرٌ، وهي لرَجلٍ سِتْرٌ، وهي لرَجلٍ أَجْرٌ، فأمَّا التي هي له وِزرٌ فرَجلٌ ربَطَها رِياءً وفَخرًا ونِواءً على أَهلِ الإِسلامِ، فهي له وِزرٌ، وأمَّا التي هي له سِترٌ فرَجلٌ ربَطَها في سَبيلِ اللَّهِ ثُم لم يَنسَ حَقَّ اللَّهِ في ظُهورِها ولا رِقابِها فهي له سِترٌ، وأمَّا التي هي له أَجْرٌ فرَجلٌ ربَطَها في سَبيلِ اللَّهِ لأَهلِ الإِسلامِ ف مَرْجٍ ورَوضَةٍ، فما أكَلَت من ذلك المَرْجِ أو الرَّوضَةِ من شَيءٍ إلا كُتبَ له عدَدَ ما أكَلَت حسَناتٌ، وكُتبَ له عدَدَ أَرواثِها وأَبوالِها حسَناتٌ، ولا تَقْطَعُ طِوَلَها فَاسْتَنَّتْ شَرفًا أو شرَفَينِ إلا كتَبَ اللهُ له عدَدَ آثارِها وأَرواثِها حسَناتٍ، ولا مَرَّ بها صاحِبُها على نَهرٍ فشرِبَت منه ولا يُرِيدُ أنْ يَسْقِيَها إلا كتَبَ اللهُ له عدَدَ ما شرِبَت حسَناتٍ، قِيلَ: يا رَسولَ اللهِ: فالحمُرُ؟ قالَ: ما أُنْزِلَ علَيَّ في الحمُرِ شَيءٌ إلا هذه الْآيَةَ الفاذَّةَ
стр. 1705
الجامِعَةَ ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨]» (١). وغيرُ ذلك من الأَحاديثِ.
أمَّا الإِجماعُ:
فقد أجمَعت الأُمةُ على فَريضةِ الزَّكاةِ، وعلى أنَّها رُكنٌ من أَركانِه، وقد اتَّفقَ الصَّحابةُ ﵃ على قِتالِ مانِعيها.
فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «لمَّا تُوفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وكان أبو بَكرٍ ﵁ وكفَرَ مَنْ كفَرَ من العرَبِ، فقالَ عُمرُ ﵁: كيفَ تُقاتِلُ الناسَ وقد قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَقُولُوا: لَا إِلهَ إلا اللهُ، فمَن قالَها فقَدْ عصَمَ منِّي مَالَه ونَفْسَه إلا بحَقِّه، وحِسابُه على اللَّهِ؟ فقالَ: واللهِ لأُقاتِلنَّ مَنْ فرَّقَ بَينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ؛ فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ المالِ، واللهِ لو مَنعُونِي عَناقًا كَانُوا يُؤدُّونَها إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلْتُهم على مَنعِها، قالَ عُمرُ ﵁: فوَاللَّهِ ما هو إلا أَنْ قد شرَحَ اللهُ صَدرَ أَبي بَكرٍ ﵁ فعَرَفتُ أنَّه الحَقُّ» (٢).
قال الكاسانِيُّ ﵀: وأمَّا الإِجماعُ فلأنَّ الأُمَّةَ أجمَعت على فَرضيَّتِها (٣).
стр. 1706
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الزَّكاةُ فَرضٌ ورُكنٌ بإِجماعِ المسلِمينَ، وتَظاهَرت دَلائلُ الكِتابِ والسُّنةِ وإِجماعِ الأُمةِ على ذلك (١).
وقالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: قالَ ابنُ المنذِرِ: انعقَدَ الإِجماعُ على فَرضيَّةِ الزَّكاةِ، وهي الرُّكنُ الثالِثُ، قالَ ﷺ : «بُنيَ الإِسلامُ على خَمسٍ … »، وفيه قالَ: «وإِيتاءِ الزَّكاةِ»، وقالَ ابن بَطالٍ: فمَن جحَدَ واحِدةً من هذه الخَمسِ لا يَتمُّ إسلامُه، ألَا تَرى أنَّ أبا بَكرٍ، ﵁، قالَ: لأُقاتِلنَّ مَنْ فرَّقَ بينَ الصَّلاةِ والزَّكاةِ، وقالَ ابنُ الأثيرِ: مَنْ منَعَها مُنكِرًا وُجوبَها فقد كفَرَ، إلا أنْ يَكونَ حَديثَ عَهدٍ بالإِسلامِ، ولم يَعلمْ وُجوبَها.
وقالَ القُشَيريُّ: مَنْ جحَدَها كفَرَ، وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ مانِعَها تُؤخَذُ قَهرًا منه، وإنْ نصَبَ الحَربَ دونَها قُتلَ، كما فعَلَ أَبو بَكرٍ، ﵁، بأهلِ الرِّدَّةِ، ووافَقَ على ذلك جَميعُ الصَّحابةِ، ﵃ (٢).
وأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ:
أحدُها: أنَّ أَداءَ الزَّكاةِ من بابِ إعانةِ الضَّعيفِ وإغاثةِ اللَّهيفِ، وإِقدارِ العاجِزِ وتَقويتِه على أداءِ ما افترضَ اللهُ عليه من التَّوحيدِ والعِباداتِ، والوَسيلةُ إلى أداءِ المَفروضِ مَفروضةٌ.
والثاني: أنَّ الزَّكاةَ تُطهِّرُ نَفسَ المُؤدِّي عن أَنجاسِ الذُّنوبِ، وتُزكِّي أَخلاقَه بتَخلُّقِ الجُودِ والكَرمِ وتَركِ الشُّحِّ والضَّنِّ؛ إذِ الأنفُسُ مَجبولةٌ على
стр. 1707
الضَّنِّ بالمالِ فتتعَوَّدُ السَّماحةَ، وتَرْتاضُ لِأداءِ الأَماناتِ وإِيصالِ الحُقوقِ إلى مُستحقِّيها، وقد تَضمَّنَ ذلك كلَّه قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
والثالث: أنَّ اللهَ تعالَى قد أنعَمَ على الأَغنياءِ وفضَّلَهم بصُنوفِ النِّعمةِ والأَموالِ الفاضِلةِ عن الحَوائجِ الأَصليَّةِ، وخصَّهَم بها، فيَتنعَّمونَ ويَستمتِعونَ بلَذيذِ العَيشِ، وشُكرُ النِّعمةِ فَرضٌ عَقلًا وشَرعًا، وأَداءُ الزَّكاةِ إلى الفَقيرِ من بابِ شُكرِ النِّعمةِ، فكانَ فَرضًا (١).
أطوارُ فَريضةِ الزَّكاةِ:
إيتاءُ الزَّكاةِ كانَ مَشروعًا في مِللِ الأَنبياءِ السابِقينَ، قالَ اللهُ تعالَى في حَقِّ إِبراهيمَ وآله عليهم الصلاةُ والسلامُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وقد شُرعَ للمسلِمينَ إيتاءُ الصَّدقةِ للفُقراءِ، منذُ العَهدِ المَكيِّ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١١ - ١٦].
وبعضُ الآياتِ المَكيَّةِ جَعلَت للفُقراءِ في أَموالِ المُؤمِنينَ حقًّا مَعلومًا، كما في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾
стр. 1708
[المعارج: ٢٤، ٢٥].
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: اختُلِف في أوَّلِ وَقتِ فَرضِ الزَّكاةِ، فذهَبَ الأكثرُ إلى أنَّه وقَعَ بعدَ الهِجرةِ، فقيل: كانَ في السَّنةِ الثانيةِ قبلَ فَرضِ رَمضانَ، أشارَ إليه النَّوويُّ في بابِ السِّيرِ من «الرَّوضة»، وجزَمَ ابنُ الأثيرِ في «التاريخِ» بأنَّ ذلك كانَ في التاسِعةِ، وفيه نَظرٌ.
وادَّعى ابنُ خُزيمةَ في صَحيحِه أنَّ فَرْضَها كانَ قبلَ الهِجرةِ، واحتَجَّ بما أخرَجَه من حَديثِ أُمِّ سَلمةَ في قِصَّةِ هِجرتِهم إلى الحَبشةِ، وفيها أنَّ جَعفرَ بنَ أبي طالِبٍ قالَ للنَّجاشيِّ في جُملةِ ما أخبَرَه عن النَّبيِّ ﷺ : «ويَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ» انتَهى.
وفي استِدلالِه بذلك نَظرٌ؛ لأنَّ الصَّلواتِ الخَمسَ لم تَكنْ فُرضَت بعدُ ولا صيامُ رَمضانَ، فيُحتمَلُ أنْ تَكونَ مُراجَعةُ جَعفَرَ لم تَكنْ أولَ ما قدِمَ على النَّجاشيِّ، وإنَّما أخبَرَه بذلك بعدَ مُدةٍ قد وقَعَ فيها ما ذُكرَ من قِصةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وبلَغَ ذلك جَعفرًا، فقالَ: «يَأمرُنا»، بمَعنى يَأمرُ أُمتَه. وهو بَعيدٌ جدًّا، وأَولى ما حُملَ عليه حَديثُ أُمِّ سَلمةَ هذا -إنْ سلِمَ من قَدحٍ في إسنادِه- أنَّ المُرادَ بقَولِه: «يَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ» أي في الجُملةِ، ولا يَلزَمُ من ذلك أنْ يَكونَ المُرادُ بالصَّلواتِ الصلواتِ الخَمسَ، ولا بالصِّيامِ صِيامَ رَمضانَ، ولا بالزَّكاةِ هذه الزَّكاةَ المَخصوصةَ ذاتَ النِّصابِ والحَولِ، واللهُ أعلمُ.
ومما يَدلُّ على أنَّ فَرضَ الزَّكاةِ وقَعَ بعدَ الهِجرةِ اتِّفاقُهم على أنَّ صيامَ رَمضانَ إنَّما فُرِض بعدَ الهِجرةِ؛ لأنَّ الآيةَ الدالَّةَ على فَريضتِه مَدنيَّةٌ بلا خِلافٍ، وثبَتَ عندَ أحمدَ وابنِ خُزيمةَ وأيضًا عندَ النَّسائيِّ وابنِ ماجَه
стр. 1709
والحاكِمِ من حَديثِ قَيسِ بنِ سَعدِ بنِ عُبادةَ قالَ: «أمَرَنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ بصَدقَةِ الفِطرِ قبلَ أَنْ تُنزَلَ الزَّكاةُ، فلمَّا نزَلَت الزَّكاةُ لم يَأمرْنا ولم يَنهَنا ونحنُ نَفعَلُه» إسنادُه صَحيحٌ، رِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ إلا أَبا عمَّارٍ الراوِي له عن قَيسِ بنِ سَعدٍ، وهو كُوفِيٌّ اسمُه عَريبٌ، بالمُهملةِ المَفتوحةِ، ابنُ حُميدٍ، وقد وثَّقَه أحمدُ وابنُ مَعينٍ، وهو دالٌّ على أنَّ فَرضَ صَدقةِ الفِطرِ كانَ قبلَ فَرضِ الزَّكاةِ، فيَقتَضي وُقوعَها بعدَ فَرضِ رَمضانَ، وذلك بعدَ الهِجرةِ، وهو المَطلوبُ (١).
الحِكمةُ مِنْ تَشريعِ الزَّكاةِ وفَرضِها:
اعلَمْ أنَّ عُمدةَ ما رُوي في الزَّكاةِ مَصلَحتانِ:
مَصلحةٌ تَرجِعُ إلى تَهذيبِ النَّفسِ، وهي أنَّها أُحضرتِ الشُّحُّ، والشُّحُّ أقبَحُ الأَخلاقِ ضارٌّ بها في المَعادِ، ومَن كانَ شَحيحًا فإنَّه إذا ماتَ بقِي قَلبُه مُتعلِّقًا بالمالِ، وعُذِّبَ بذلك، ومَن تَمرَّنَ بالزَّكاةِ، وأَزالَ الشُّحَّ من نَفسِه كانَ ذلك نافِعًا له أنفَعَ الأَخلاقِ في المَعادِ بعدَ الأَخباتِ للهِ تعالى، وهو سَخاوةُ النَّفسِ، فكما أنَّ الأَخباتَ يُعِدُّ لِلنَّفسِ هَيئةَ التَّطلُّعِ إلى الجَبروتِ، فكذلك السَّخاوةُ تُعِدُّ لها البَراءةَ عن الهَيئاتِ الخَسيسةِ الدُّنيويةِ، وذلك لأنَّ أصلَ السَّخاوةِ قَهرُ المِلكيَّةِ البَهيميَّةِ، وأنْ تَكونَ المِلكيَّةُ هي الغالِبةَ، وتَكونَ البَهيميَّةُ مُنصَبغةً بصَبغِها أخذَتْ حُكمَها، ومِن المُنبِّهاتِ عليها بَذلُ المالِ مع الحاجةِ إليه، والعَفوُ عمَّن ظلَمَ، والصبْرُ عندَ الشَّدائدِ في الكَريهاتِ، بأنْ
стр. 1710
يَهونَ عليه ألَمُ الدُّنيا لِإيقانِه بالآخِرةِ، فأمَرَ النَّبيُّ ﷺ بكلِّ ذلك، وضبَطَ أعظَمَها، وهو بَذلُ المالِ بحُدودٍ، وقُرنَت بالصَّلاةِ والإِيمانِ في مَواضعَ كَثيرةٍ من القُرآنِ، وقالَ تعالَى عن أهلِ النارِ: ﴿لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥)﴾.
وأيضًا: فإنَّه إذا عَنَّت للمِسكينِ حاجةٌ شَديدةٌ، واقتَضى تَدبيرُ اللهِ أنْ يَسُدَّ خَلَّتَه بأنْ يُلهِمَ الإِنفاقَ عليه في قَلبِ رَجلٍ، فكانَ هو بذلك انبسَطَ قَلبُه لِلإلهامِ، وتحقَّقَ له بذلك انشِراحٌ رُوحانِيٌّ، وصارَ مُعَدًّا لرَحمةِ اللهِ تعالَى نافِعًا جدًّا في تَهذيبِ نَفسِه، والإِلهامُ الجُمليُّ المُتوجَّهُ إلى الناسِ في الشَّرائعِ تِلوَ الإِلهامِ التَّفصيليِّ في فَوائدِه، وأيضًا المِزاجُ السَّليمُ مَجبولٌ على رِقَّةِ الجِنسيَّةِ، وهذه خَصلةٌ عليها يَتوقَّفُ أكثَرُ الأَخلاقِ الراجِعةِ إلى حُسنِ المُعامَلةِ مع الناسِ، فمَن فقَدَها ففيه ثُلمةٌ يَجبُ عليه سَدُّها، وأيضًا فإنَّ الصَّدقاتِ تُكفِّرُ الخَطيئاتِ وتَزيدُ في البَركاتِ.
ومَصلَحةٌ تَرجعُ إلى المَدينةِ، وهي أنَّها تَجمَعُ لا مَحالةَ الضُّعفاءَ، وذَوي الحاجةِ، وتلك الحَوادثُ تَغدو على قَومٍ وتَروحُ على آخَرينَ، فلو لم تَكُنِ السُّنةُ بينَهم مُواساةَ الفُقراءِ وأهلِ الحاجاتِ لَهَلكوا وماتوا جُوعًا، وأيضًا فنِظامُ المَدينةِ يَتوقَّفُ على مالٍ يَكونُ به قِوامُ مَعيشةِ الحَفظةِ الذابِّينَ عنها والمُدبِّرينَ السائِسينَ لها، ولمَّا كانوا عامِلينَ للمَدينةِ عَملًا نافِعًا مَشغولينَ به عن اكتِسابِ كَفافِهم وجَبَ أنْ يَكونَ قِوامُ مَعيشَتِهم عليها، والإِنفاقاتُ المُشتَركةُ لا تَسهُلُ على بَعضِهم، أو لا يَقدِرُ عليها بعضُهم؛ فوجَبَ أنْ تَكونَ جِبايةُ الأَموالِ من الرَّعيَّةِ سُنةً.
стр. 1711
ولمَّا لم يَكنْ أسهَلَ ولا أوفَقَ بالمَصلحةِ من أنْ تُجعَلَ إحدى المَصلحَتينِ مَضمومةً بالأُخرى أدخَلَ الشَّرعُ إحداهُما في الأُخرى.
ثم مسَّت الحاجةُ إلى تَعيينِ مَقاديرِ الزَّكاةِ؛ إذ لولا التَّقديرُ لفرَّطَ المُفرِّطُ، ولَاعتَدى المُعتَدِى، ويَجِبُ أنْ تَكونَ غيرَ يَسيرةٍ، لا يَجدونَ بها بالًا، ولا تَنجَعُ مِنْ بُخلِهم، ولا ثَقيلةً يَعسُرُ عليهم أداؤُها، وإلى تَعيُّنِ المُدةِ التي نَجني فيها الزَّكَواتِ، ويَجِبُ ألَّا تَكونَ قَصيرةً يَسرُعُ دَوَرانُها، فتَعسُرَ إِقامتُها فيها، وألَّا تَكونَ طَويلةً لا تَنجَعُ مِنْ بُخلِهم ولا تَدِرُّ على المُحتاجينَ والحَفظةِ إلا بعدَ انتظارٍ شَديدٍ، ولا أوفَقَ بالمَصلحةِ من أن يَجعلَ القانونُ في الجِبايةِ ما اعتادَه الناسُ في جِبايةِ المُلوكِ العادِلةِ في رَعاياهم؛ لأنَّ التَّكليفَ بما اعتادَه العَرَبُ والعَجمُ وصارَ كالضَّروريِّ الذي لا يَجِدونَ في صُدورِهم حَرجًا منه، والمُسلَّمِ الذي أذهَبَت الأُلفةُ عنه الكُلفةَ أقرَبَ من إجابةِ القَومِ وأوفَقَ للرَّحمةِ بهم (١).
أَحكامُ مانِعِ الزَّكاةِ:
إثمُ مانِعِ الزَّكاةِ الأُخرويُّ: مَنْ منَعَ الزَّكاةَ فقد ارتكَبَ مُحرَّمًا، وهو كَبيرةٌ من الكَبائرِ، وقد ورَدَ في القُرآنِ الكَريمِ، وأنذَرَ الرَّسولُ الكَريمُ ﷺ مانِعي الزَّكاةِ بالعَذابِ الغَليظِ في الآخِرةِ، لِيُنبِّه بهذا الوَعيدِ القُلوبَ الغافِلةَ، ويُحرِّكَ النُّفوسَ الشَّحيحةَ إلى البَذلِ، ويَسوقَها بعَصا التَّرغيبِ والتَّرهيبِ إلى أداءِ الواجِبِ طَوعًا، وإلا سِيقتْ إليه بعَصا القانونِ وسَيفِ السُّلطانِ كَرهًا.
فقد رَوى البُخاريُّ عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ
стр. 1712
ﷺ : «مَنْ آتاهُ اللهُ مالًا فلم يُؤدِّ زَكاتَه مُثِّلَ له مالُه شُجاعًا أَقرَعَ له زَبِيبَتانِ يُطوَّقُه يَومَ القِيامَةِ، يَأخذُ بلِهزِمتَيه، يَعنِي بشِدْقَيه، يَقولُ: أنا مَالُكَ، أنا كَنزُك»، ثُم تَلَا النَّبيُّ ﷺ هذه الْآيَةَ: «﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]» (١).
الشُّجاعُ: الحَيةُ الذَّكرُ … والأقرَعُ الذي لا شَعرَ له، لكَثرةِ سُمِّه، وطُولِ عُمُرِه.
والزَّبيبتانِ: نُقطَتانِ سَوداوانِ فوقَ العَينَينِ، وهو أخبَثُ الحَيَّاتِ.
والشِّدْقُ: جانِبُ الفَمِ مِما تحتَ الخَدِّ.
وحَديثُ أَبي هُرَيرةَ السابِقُ: «ما مِنْ صاحِبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لَا يُؤدِّي منها حَقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ صُفِّحَت له صَفائحُ من نَارٍ فأُحمِيَ عليها في نَارِ جَهنَّمَ فَيُكوَى بها جَنبُه وجَبينُه وظَهْرُه، كلَّما برَدَت أُعِيدَتْ له في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسِينَ أَلفَ سَنةٍ، حتى يُقْضَى بينَ العِبادِ فيَرى سَبيلَه إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ … » الحَديثَ.
العُقوبةُ الدُّنيويةُ لمَن منَعَ الزَّكاةَ:
لم تَقفِ السُّنةُ النَّبويَّةُ عن حَدِّ الوَعيدِ بالعَذابِ الأُخرويِّ لمَن يَمنَعُ الزَّكاةَ، بل هدَّدَت بالعُقوبةِ الدُّنيويةِ -الشَّرعيةِ والقَدريةِ- كلَّ مَنْ يَبخَلُ بحَقِّ اللهِ وحَقِّ الفَقيرِ في مالِه.
стр. 1713
وفي العُقوبةِ القَدريةِ التي يَتولَّاها القَدَرُ الأًعلى، يَقولُ النَّبيُّ ﷺ : «ما منَعَ قَومٌ الزَّكاةَ إلا ابتَلاهُم اللهُ بالسِّنينَ» (١)، جَمعُ سَنةٍ، وهي المَجاعةُ والقَحطُ.
وفي حَديثٍ آخَرَ: «ولم يَمنَعوا زَكاةَ أَموالِهم إلا مُنِعوا القَطرَ من السَّماءِ، ولَولَا البَهائمُ لم يُمطَروا» (٢).
العُقوبةُ الشَّرعيَّةُ لِمانِعِ الزَّكاةِ:
من منَعَ الزَّكاةَ وهو في قَبضةِ الإمامِ تُؤخَذُ منه قَهرًا لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَشْهَدُوا أنْ لَا إِلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا رَسولُ اللَّهِ وَيُقيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤتُوا الزَّكاةَ، فإذا فعَلُوا ذلك عصَمُوا مِنِّي دِماءَهم وأَموالَهم إلا بِحقِّ الإِسلامِ وحِسابُهم على اللَّهِ» (٣).
ومِن حَقِّها الزَّكاةُ: قالَ أبو بَكرٍ ﵁ بمَحضرِ الصَّحابةِ ﵃: «الزَّكاةُ حَقُّ المالِ»، وقالَ: «واللهِ لو مَنَعونِي عِقالًا (٤) كَانوا يُؤدُّونَه إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ لقَاتَلتُهم على مَنعِه» (٥)، وأقرَّه الصَّحابةُ على ذلك.
стр. 1714
هل يُعاقَبُ بأخْذِ شَطرِ مالِه إذا منَع الزَّكاةَ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في مَنْ منَعَ الزَّكاةَ هل تُؤخَذُ منه الزَّكاةُ فقط، أو يُعاقَبُ ويُؤخَذُ منه شَطرُ مالِه؟
فذهَبَ الشافِعيُّ في القَديمِ والإمامُ أحمدَ في رِوايةٍ وإِسحاقُ بنُ راهَويْهِ وهو اختِيارُ أَبي بَكرِ بنِ عبدِ العَزيزِ وشَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وتِلميذِه ابنِ القَيمِ إلى أنَّ من منَعَ الزَّكاةَ يُؤخَذُ شَطرُ مالِه عُقوبةً له مع أخْذِ الزَّكاةِ منه.
لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «في كلِّ سائِمةِ إبلٍ في أَربَعينَ بِنتُ لَبونٍ، ولا يُفرَّقُ إبلٌ عن حِسابِها، من أَعْطاها مُؤتَجِرًا -قال ابنُ العَلاءِ (راوي الحَديثِ): مُؤتَجِرًا بها- فلَه أَجرُها، ومَن منَعَها فإِنَّا آخِذُوها وشطْرَ مالِه عَزمَةً من عزَماتِ ربِّنا ليسَ لِآلِ مُحمدٍ منها شَيءٌ» (١).
قال الحافِظُ شَمسُ الدِّينِ بنُ القَيمِ ﵀ في «حاشيةِ ابنِ القَيمِ على سُننِ أَبي داودَ»: «فإِنَّا آخِذُوها وشَطرَ مالِه» أكثَرُ العُلماءِ على أنَّ الغُلولَ في الصَّدقةِ والغَنيمةِ لا يُوجِبُ غَرامةً في المالِ، وقَالوا: كانَ هذا في أولِ الإِسلامِ ثم نُسخَ.
واستَدلَّ الشافِعيُّ على نَسخِه بحَديثِ البَراءِ بنِ عازِبٍ فيما أفسَدَت ناقَتُه فلم يُنقَلْ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه أضعَفَ الغُرمَ، بل نُقلَ فيها حُكمَه بالضَّمانِ فقط.
стр. 1715
وقالَ بعضُهم: يُشبِهُ أنْ يَكونَ هذا على سَبيلِ التَّوعُّدِ ليَنتَهيَ فاعِلُ ذلك.
وقالَ بعضُهم: إنَّ الحَقَّ يُستوفَى منه غيرَ مَتروكٍ عليه، وإنْ تلِفَ شَطرُ مالِه، كرَجلٍ كانَ له ألفُ شاةٍ فتلِفت حتى لم يَبقَ له إلا عِشرونَ؛ فإنَّه يُؤخَذُ منه عَشرُ شِياهٍ لصَدقةِ الألفِ، وهو شَطرُ مالِه الباقِي أو نِصفُه، وهو بَعيدٌ؛ لأنَّه لم يَقُلْ: إِنا آخِذوا شَطرَ مالِه.
وقالَ إِبراهيمُ الحَربيُّ: إنَّما هو وشَطرُ مالِه، أي: جُعلَ مالُه شَطرَينِ ويَتخيَّرُ عليه المُصدِّقُ فيَأخذُ الصَّدقةَ من خَيرِ النِّصفَينِ عُقوبةً لمَنعِه الزَّكاةَ، فأمَّا ما لا يَلزمُه فلا.
قال الخَطابيُّ: ولا أَعرفُ هذا الوَجهَ. هذا آخِرُ كَلامِه.
وقالَ بظاهِرِ الحَديثِ الأَوزاعيُّ، والإمامُ أحمدَ وإِسحاقُ بنُ راهَويْهِ على ما فُصِّلَ عنهم، وقالَ الشافِعيُّ في القَديمِ: مَنْ منَعَ زَكاةَ مالِه أُخِذت منه وأُخذَ شَطرُ مالِه عُقوبةً على مَنعِه، واستدَلَّ بهذا الحَديثِ وقالَ في الجَديدِ: لا يُؤخَذُ منه إلا الزَّكاةُ لا غَيرُ، وجعَلَ هذا الحَديثَ مَنسوخًا، وقالَ: كانَ ذلك حينَ كانَت العُقوباتُ في المالِ ثم نُسخَت، هذا آخِرُ كَلامِه.
ومَن قالَ: إنَّ بَهزَ بنَ حَكيمٍ ثِقةٌ احتاجَ إلى الاعتِذارِ عن هذا الحَديثِ بما تَقدَّمَ.
فأمَّا مَنْ قالَ: لا يُحتَجُّ بحَديثِه فلا يَحتاجُ إلى شَيءٍ من ذلك.
وقد قالَ الشافِعيُّ في بَهزٍ: ليسَ بحُجَّةٍ، فيُحتَملُ أنْ يَكونَ ظهَرَ له ذلك منه بعدَ اعتِذارِه عن الحَديثِ أو أَجابَ عنه على تَقديرِ الصِّحةِ.
стр. 1716
وقالَ أبو حاتِمٍ الرَّازيُّ في بَهزِ بنِ حَكيمٍ: هو شَيخٌ يَكتبُ حَديثَه ولا يُحتَجُّ به.
وقالَ البَستيُّ: كانَ يُخطئُ كَثيرًا، فأمَّا الإمامُ أحمدُ وإِسحاقُ فهما يَحتجَّانِ به ويَرويانِ عنه، وترَكَه جَماعةٌ من أئمَّتِنا، ولَولا حَديثُه: «فإنَّا آخِذوها وشَطْرَ مالِه عَزمَةً من عَزَماتِ رَبِّنا» لَأدخَلناه في الثِّقاتِ، وهو ممَّن استُخيرَ اللهُ فيه فجُعلَ رِوايتُه لِهذا الحَديثِ مانِعةً من إِدخالِه في الثِّقاتِ. تمَّ كَلامُه.
وقد قالَ عليُّ بنُ المَدينيِّ: حَديثُ بَهزِ بنِ حَكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه صَحيحٌ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ: بَهزُ بنُ حَكيمٍ عن أبِيه عن جَدِّه صَحيحٌ، وليسَ لمَن ردَّ هذا الحَديثَ حُجَّةٌ، ودَعوى نَسخِه دَعوى باطِلةٌ؛ إذ هي دَعوى ما لا دَليلَ عليه، وفي ثُبوتِ شَرعيَّةِ العُقوباتِ الماليَّةِ عِدةُ أَحاديثَ عن النَّبيِّ ﷺ لم يَثبُتْ نَسخُها بحُجةٍ وعمِلَ بها الخُلفاءُ بَعدَه، وأمَّا مُعارَضتُه بحَديثِ البَراءِ في قِصةِ ناقَتِه ففي غايةِ الضَّعفِ؛ فإنَّ العُقوبةَ إنَّما تَسوغُ إذا كانَ المعاقِبُ مُتعدِّيًا بمَنعِ واجِبٍ أو ارتِكابِ مَحظورٍ، وأمَّا ما تولَّدَ من غيرِ جِنايتِه وقَصدِه فلا يُسوِّغُ أَحدٌ عُقوبَته عليه، وقَولُ مَنْ حمَلَ ذلك على سَبيلِ الوَعيدِ دونَ الحَقيقةِ في غايةِ الفَسادِ يُنزَّه عن مِثلِه كَلامُ النَّبيِّ ﷺ ، وقَولُ مَنْ حمَلَه على أخذِ الشَّطرِ الباقي بعدَ التَّلفِ باطِلٌ لشدَّةِ مُنافَرتِه وبُعدِه عن مَفهومِ الكَلامِ، ولقَولِه ﷺ : «فإنَّا آخِذوها وشطْرَ مالِه».
стр. 1717
وقَولُ الحَربيِّ: إنَّه «وشُطرُ» بوَزنِ «شُغلُ» في غايةِ الفَسادِ ولا يَعرِفُه أحدٌ من أهلِ الحَديثِ، بل هو من التَّصحيفِ، وقَولُ ابنِ حبَّانَ: «لَولا حَديثُه هذا لَأدخَلناه في الثِّقاتِ» كَلامٌ ساقِطٌ جِدًّا؛ فإنَّه إذا لم يَكنْ لضَعفِه سَببٌ إلا رِوايتُه هذا الحَديثَ، وهذا الحَديثُ إنَّما رُدَّ لضَعفِه، كانَ هذا دَورًا باطِلًا، وليسَ في رِوايتِه لِهذا ما يُوجِبُ ضَعفَه؛ فإنَّه لم يُخالِفْ فيه الثِّقاتِ.
وهذا نَظيرُ رَدِّ مَنْ رَدَّ حَديثَ عبدِ المَلكِ بنِ أَبي سُلَيمانَ بحَديثِ جابِرٍ في شُفعةِ الجِوارِ، وضعَّفَه بكَونِه رَوى هذا الحَديثَ، وهذا غيرُ مُوجِبٍ للضَّعفِ بحالٍ، واللهُ أعلمُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ الجَديدِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مانعَ الزَّكاةِ إذا أُخذَت منه قَهرًا لا يُؤخَذُ معها من مالِه شَيءٌ.
لِما رُوي مَرفوعًا: «ليسَ في المَالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ» (٢).
ولأنَّ العَربَ منَعَت الزَّكاةَ ولم يُنقَلْ أنَّ الصَّحابةَ ﵃ أخَذوا منهم زيادةً عليها.
وقد أَجابوا عن حَديثِ: «فإنَّا آخِذوها وشطْرَ مالِه» بأنَّه مَنسوخٌ، وأنَّه كانَ حينَ كانَت العُقوبةُ بالمالِ. لكنْ رَدَّ على ذلك النَّوويُّ وشَيخُ الإِسلامِ وابنُ القَيمِ (٣).
стр. 1718
قال النَّوويُّ ﵀: واتَّفقَ الأَصحابُ على أنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا يُؤخَذُ، وأَجابوا هم والشافعيُّ والبَيهَقيُّ في «مَعرِفة السُّننِ والآثارِ» عن حَديثِ بَهزِ بنِ حَكيمٍ بأنَّه مَنسوخٌ، وأنَّه كانَ حينَ كانَت العُقوبةُ بالمالِ، كما ذكَرَه المُصنِّفُ، وهذا الجَوابُ ضَعيفٌ لوَجهَينِ.
أحدُهما: أنَّ ما ادَّعَوه من كَونِ العُقوبةِ كانَت بالأَموالِ في أوّلِ الإِسلامِ ليسَ بثابِتٍ ولا مَعروفٍ.
والثانِي: أنَّ النَّسخَ إنَّما يُصارُ إليه إذا عُلمَ التاريخُ، وليسَ هنا عِلمٌ بذلك، والجَوابُ الصَّحيحُ تَضعيفُ الحَديثِ، كما سبَقَ عن الشافِعيِّ ﵁، وأبي حاتِمٍ، واللهُ أعلمُ (١).
стр. 1719
قِتالُ المُمتنِعين عن أَداءِ الزَّكاةِ:
لم يَقِفِ الإِسلامُ عندَ عُقوبةِ مانِعِ الزَّكاةِ بالغَرامةِ الماليةِ، أو بغيرِها من العُقوباتِ التَّعزيريةِ، بل أوجَبَ سَلَّ السُّيوفِ وإِعلانَ الحَربِ على كلِّ فِئةٍ ذاتِ شَوكةٍ تَتمرَّدُ على أداءِ الزَّكاةِ، ولم يُبالِ في سَبيلِ ذلك بقَتلِ الأنفُسِ، وإراقةِ الدِّماءِ التي جاءَ لِصيانَتِها والمُحافظةِ عليها؛ لأنَّ الدَّمَ الذي يُراقُ من أجلِ الحَقِّ لم يَضعْ هَدرًا؛ فالنَّفسُ التي تُقتَلُ في سَبيلِ اللهِ وإقامةِ عَدلِه في الأرضِ لم تَمتْ ولن تَموتَ.
هذا إذا نظَرنا إلى أنفُسِ المُؤمِنينَ المقاتِلينَ مِنْ أجْلِ الحَقِّ، المُدافِعينَ عن شَرعِ اللهِ، أما أنفُسُ الآخَرينَ الذين عَصَوُا اللهَ ورَسولَه، وامتَنعوا من أداءِ حَقِّه، ولم يَرعَوا أَمانةَ ما استَخلَفهم فيه من مالِه، فقد أهدَروا هم بتصَرُّفِهم ما ثبَتَ لهم من الحُرمةِ، ونقَضوا -بسبَب سُلوكِهم- ما لأنفُسِهم وأَموالِهم من العِصمةِ.
وقِتالُ المُتمرِّدينَ المانِعينَ الزَّكاةَ قد ثبَتَ بالأَحاديثِ الصَّحيحةِ في ذلك وبإِجماعِ الصَّحابةِ ﵃.
فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «لمَّا تُوفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ أبو بَكرٍ ﵁ وكفَرَ من كفَرَ من العرَبِ، فقالَ عمرُ ﵁: كيفَ تُقاتِلُ الناسَ وقد قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَقُولوا لَا إِلهَ إلا اللهُ، فمَن قالَها فقَد عصَمَ منِّي مالَه ونَفسَه إلا بِحَقِّه وحِسابُه على اللَّهِ؟ فقالَ: واللهِ لأُقاتِلنَّ من فرَّقَ بينَ
стр. 1720
الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ الْمالِ، واللهِ لو مَنَعونِي عَناقًا كَانوا يُؤدُّونَها إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلْتُهم على مَنعِها، قالَ عمرُ ﵁: فوَاللَّهِ ما هو إلا أنْ قد شرَحَ اللهُ صَدرَ أَبي بَكرٍ ﵁ فعَرَفتُ أنَّه الحَقُّ» (١).
وهذا فيمن كانَ مُقِرًّا بوُجوبِها، لكنْ منَعَها بُخلًا أو تَأويلًا ولا يُحكَمُ بكُفرِه، ولذا فإنْ ماتَ في قِتالِه عليها ورِثَه المُسلِمونَ من أَقارِبه، وصُلِّي عليه، وفي رِوايةٍ عن الإِمامِ أحمدَ: يُحكمُ بكُفرِه، ولا يُورَثُ ولا يُصلَّى عليه؛ لِما رُوي أنَّ أبا بَكرٍ لمَّا قاتَل مانِعي الزَّكاةِ، وعضَّتهُم الحَربُ قالوا: نُؤدِّيها، قالَ: «لَا أقبَلُها حتى تَشْهَدوا أنَّ قَتْلانا في الجَنةِ وقَتْلاكُم في النَّارِ» (٢). ووافَقَه عُمرُ، ولم يُنقَلْ إِنكارُ ذلك عن أحدٍ من الصَّحابةِ؛ فدَلَّ على كُفرِهم.
وأمَّا مَنْ منَعَ الزَّكاة مُنكِرًا لوُجوبِها، فإنْ كانَ جاهِلًا ومِثلُه يَجهَلُ ذلك لحَداثةِ عَهدِه بالإِسلامِ، أو؛ لأنَّه نشَأَ بباديةٍ بَعيدةٍ عن الأَمصارِ أو نَحوِ ذلك، فإنَّه يُعرَّفُ وُجوبَها ولا يُحكَمُ بكُفرِه؛ لأنَّه مَعذورٌ.
وإنْ كانَ مُسلِمًا ناشئًا ببلادِ الإِسلامِ بينَ أهلِ العِلمِ يُحكَمُ بكُفرِه، ويَكونُ مُرتَدًّا، وتَجري عليه أَحكامُ المُرتَدِّ، لكَونِه أنكَرَ مَعلومًا من الدِّينِ بالضَّرورةِ (٣).