وقالَ أبو حاتِمٍ الرَّازيُّ في بَهزِ بنِ حَكيمٍ: هو شَيخٌ يَكتبُ حَديثَه ولا يُحتَجُّ به.
وقالَ البَستيُّ: كانَ يُخطئُ كَثيرًا، فأمَّا الإمامُ أحمدُ وإِسحاقُ فهما يَحتجَّانِ به ويَرويانِ عنه، وترَكَه جَماعةٌ من أئمَّتِنا، ولَولا حَديثُه: «فإنَّا آخِذوها وشَطْرَ مالِه عَزمَةً من عَزَماتِ رَبِّنا» لَأدخَلناه في الثِّقاتِ، وهو ممَّن استُخيرَ اللهُ فيه فجُعلَ رِوايتُه لِهذا الحَديثِ مانِعةً من إِدخالِه في الثِّقاتِ. تمَّ كَلامُه.
وقد قالَ عليُّ بنُ المَدينيِّ: حَديثُ بَهزِ بنِ حَكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه صَحيحٌ.
وقالَ الإمامُ أحمدُ: بَهزُ بنُ حَكيمٍ عن أبِيه عن جَدِّه صَحيحٌ، وليسَ لمَن ردَّ هذا الحَديثَ حُجَّةٌ، ودَعوى نَسخِه دَعوى باطِلةٌ؛ إذ هي دَعوى ما لا دَليلَ عليه، وفي ثُبوتِ شَرعيَّةِ العُقوباتِ الماليَّةِ عِدةُ أَحاديثَ عن النَّبيِّ ﷺ لم يَثبُتْ نَسخُها بحُجةٍ وعمِلَ بها الخُلفاءُ بَعدَه، وأمَّا مُعارَضتُه بحَديثِ البَراءِ في قِصةِ ناقَتِه ففي غايةِ الضَّعفِ؛ فإنَّ العُقوبةَ إنَّما تَسوغُ إذا كانَ المعاقِبُ مُتعدِّيًا بمَنعِ واجِبٍ أو ارتِكابِ مَحظورٍ، وأمَّا ما تولَّدَ من غيرِ جِنايتِه وقَصدِه فلا يُسوِّغُ أَحدٌ عُقوبَته عليه، وقَولُ مَنْ حمَلَ ذلك على سَبيلِ الوَعيدِ دونَ الحَقيقةِ في غايةِ الفَسادِ يُنزَّه عن مِثلِه كَلامُ النَّبيِّ ﷺ ، وقَولُ مَنْ حمَلَه على أخذِ الشَّطرِ الباقي بعدَ التَّلفِ باطِلٌ لشدَّةِ مُنافَرتِه وبُعدِه عن مَفهومِ الكَلامِ، ولقَولِه ﷺ : «فإنَّا آخِذوها وشطْرَ مالِه».
стр. 1717
وقَولُ الحَربيِّ: إنَّه «وشُطرُ» بوَزنِ «شُغلُ» في غايةِ الفَسادِ ولا يَعرِفُه أحدٌ من أهلِ الحَديثِ، بل هو من التَّصحيفِ، وقَولُ ابنِ حبَّانَ: «لَولا حَديثُه هذا لَأدخَلناه في الثِّقاتِ» كَلامٌ ساقِطٌ جِدًّا؛ فإنَّه إذا لم يَكنْ لضَعفِه سَببٌ إلا رِوايتُه هذا الحَديثَ، وهذا الحَديثُ إنَّما رُدَّ لضَعفِه، كانَ هذا دَورًا باطِلًا، وليسَ في رِوايتِه لِهذا ما يُوجِبُ ضَعفَه؛ فإنَّه لم يُخالِفْ فيه الثِّقاتِ.
وهذا نَظيرُ رَدِّ مَنْ رَدَّ حَديثَ عبدِ المَلكِ بنِ أَبي سُلَيمانَ بحَديثِ جابِرٍ في شُفعةِ الجِوارِ، وضعَّفَه بكَونِه رَوى هذا الحَديثَ، وهذا غيرُ مُوجِبٍ للضَّعفِ بحالٍ، واللهُ أعلمُ (١).
وذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ الجَديدِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مانعَ الزَّكاةِ إذا أُخذَت منه قَهرًا لا يُؤخَذُ معها من مالِه شَيءٌ.
لِما رُوي مَرفوعًا: «ليسَ في المَالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ» (٢).
ولأنَّ العَربَ منَعَت الزَّكاةَ ولم يُنقَلْ أنَّ الصَّحابةَ ﵃ أخَذوا منهم زيادةً عليها.
وقد أَجابوا عن حَديثِ: «فإنَّا آخِذوها وشطْرَ مالِه» بأنَّه مَنسوخٌ، وأنَّه كانَ حينَ كانَت العُقوبةُ بالمالِ. لكنْ رَدَّ على ذلك النَّوويُّ وشَيخُ الإِسلامِ وابنُ القَيمِ (٣).
стр. 1718
قال النَّوويُّ ﵀: واتَّفقَ الأَصحابُ على أنَّ الصَّحيحَ أنَّه لا يُؤخَذُ، وأَجابوا هم والشافعيُّ والبَيهَقيُّ في «مَعرِفة السُّننِ والآثارِ» عن حَديثِ بَهزِ بنِ حَكيمٍ بأنَّه مَنسوخٌ، وأنَّه كانَ حينَ كانَت العُقوبةُ بالمالِ، كما ذكَرَه المُصنِّفُ، وهذا الجَوابُ ضَعيفٌ لوَجهَينِ.
أحدُهما: أنَّ ما ادَّعَوه من كَونِ العُقوبةِ كانَت بالأَموالِ في أوّلِ الإِسلامِ ليسَ بثابِتٍ ولا مَعروفٍ.
والثانِي: أنَّ النَّسخَ إنَّما يُصارُ إليه إذا عُلمَ التاريخُ، وليسَ هنا عِلمٌ بذلك، والجَوابُ الصَّحيحُ تَضعيفُ الحَديثِ، كما سبَقَ عن الشافِعيِّ ﵁، وأبي حاتِمٍ، واللهُ أعلمُ (١).
стр. 1719
قِتالُ المُمتنِعين عن أَداءِ الزَّكاةِ:
لم يَقِفِ الإِسلامُ عندَ عُقوبةِ مانِعِ الزَّكاةِ بالغَرامةِ الماليةِ، أو بغيرِها من العُقوباتِ التَّعزيريةِ، بل أوجَبَ سَلَّ السُّيوفِ وإِعلانَ الحَربِ على كلِّ فِئةٍ ذاتِ شَوكةٍ تَتمرَّدُ على أداءِ الزَّكاةِ، ولم يُبالِ في سَبيلِ ذلك بقَتلِ الأنفُسِ، وإراقةِ الدِّماءِ التي جاءَ لِصيانَتِها والمُحافظةِ عليها؛ لأنَّ الدَّمَ الذي يُراقُ من أجلِ الحَقِّ لم يَضعْ هَدرًا؛ فالنَّفسُ التي تُقتَلُ في سَبيلِ اللهِ وإقامةِ عَدلِه في الأرضِ لم تَمتْ ولن تَموتَ.
هذا إذا نظَرنا إلى أنفُسِ المُؤمِنينَ المقاتِلينَ مِنْ أجْلِ الحَقِّ، المُدافِعينَ عن شَرعِ اللهِ، أما أنفُسُ الآخَرينَ الذين عَصَوُا اللهَ ورَسولَه، وامتَنعوا من أداءِ حَقِّه، ولم يَرعَوا أَمانةَ ما استَخلَفهم فيه من مالِه، فقد أهدَروا هم بتصَرُّفِهم ما ثبَتَ لهم من الحُرمةِ، ونقَضوا -بسبَب سُلوكِهم- ما لأنفُسِهم وأَموالِهم من العِصمةِ.
وقِتالُ المُتمرِّدينَ المانِعينَ الزَّكاةَ قد ثبَتَ بالأَحاديثِ الصَّحيحةِ في ذلك وبإِجماعِ الصَّحابةِ ﵃.
فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «لمَّا تُوفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وكانَ أبو بَكرٍ ﵁ وكفَرَ من كفَرَ من العرَبِ، فقالَ عمرُ ﵁: كيفَ تُقاتِلُ الناسَ وقد قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أُمِرتُ أنْ أُقاتِلَ الناسَ حتى يَقُولوا لَا إِلهَ إلا اللهُ، فمَن قالَها فقَد عصَمَ منِّي مالَه ونَفسَه إلا بِحَقِّه وحِسابُه على اللَّهِ؟ فقالَ: واللهِ لأُقاتِلنَّ من فرَّقَ بينَ
стр. 1720
الصَّلاةِ والزَّكاةِ، فإنَّ الزَّكاةَ حَقُّ الْمالِ، واللهِ لو مَنَعونِي عَناقًا كَانوا يُؤدُّونَها إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ لَقاتَلْتُهم على مَنعِها، قالَ عمرُ ﵁: فوَاللَّهِ ما هو إلا أنْ قد شرَحَ اللهُ صَدرَ أَبي بَكرٍ ﵁ فعَرَفتُ أنَّه الحَقُّ» (١).
وهذا فيمن كانَ مُقِرًّا بوُجوبِها، لكنْ منَعَها بُخلًا أو تَأويلًا ولا يُحكَمُ بكُفرِه، ولذا فإنْ ماتَ في قِتالِه عليها ورِثَه المُسلِمونَ من أَقارِبه، وصُلِّي عليه، وفي رِوايةٍ عن الإِمامِ أحمدَ: يُحكمُ بكُفرِه، ولا يُورَثُ ولا يُصلَّى عليه؛ لِما رُوي أنَّ أبا بَكرٍ لمَّا قاتَل مانِعي الزَّكاةِ، وعضَّتهُم الحَربُ قالوا: نُؤدِّيها، قالَ: «لَا أقبَلُها حتى تَشْهَدوا أنَّ قَتْلانا في الجَنةِ وقَتْلاكُم في النَّارِ» (٢). ووافَقَه عُمرُ، ولم يُنقَلْ إِنكارُ ذلك عن أحدٍ من الصَّحابةِ؛ فدَلَّ على كُفرِهم.
وأمَّا مَنْ منَعَ الزَّكاة مُنكِرًا لوُجوبِها، فإنْ كانَ جاهِلًا ومِثلُه يَجهَلُ ذلك لحَداثةِ عَهدِه بالإِسلامِ، أو؛ لأنَّه نشَأَ بباديةٍ بَعيدةٍ عن الأَمصارِ أو نَحوِ ذلك، فإنَّه يُعرَّفُ وُجوبَها ولا يُحكَمُ بكُفرِه؛ لأنَّه مَعذورٌ.
وإنْ كانَ مُسلِمًا ناشئًا ببلادِ الإِسلامِ بينَ أهلِ العِلمِ يُحكَمُ بكُفرِه، ويَكونُ مُرتَدًّا، وتَجري عليه أَحكامُ المُرتَدِّ، لكَونِه أنكَرَ مَعلومًا من الدِّينِ بالضَّرورةِ (٣).
стр. 1721
قال النَّوويُّ ﵀: إذا منَعَ واحدٌ أو جَمعٌ الزَّكاةَ وامتَنعوا بالقِتالِ، وجَبَ على الإمامِ قِتالُهم … ، وثبَتَ في الصَّحيحَينِ من رِوايةِ أَبي هُريرةَ أنَّ الصَّحابةَ ﵃ اختلَفوا أوَّلًا في قِتالِ مانِعي الزَّكاةِ، ورَأى أبو بَكرٍ ﵁ قِتالَهم، واستَدلَّ عليهم فلمَّا ظهَرَت لهم الدَّلائِلُ وافَقوه فصارَ قِتالُهم مُجمَعًا عليه، وقد نقَلَ المُصنِّفُ في كِتابِه وغَيرُه من الأُصوليِّينَ الاتِّفاقَ على أنَّ الصَّحابةَ إذا اختلَفوا ثم أَجمَعوا على أحَدِ القَولَينِ قبلَ أنْ يَستقرَّ الخِلافُ كانَ ذلك إِجماعًا، ومَثَّلوه بقِصةِ خِلافِهم لِأبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ ثم إِجماعِهم واللهُ أعلمُ (١).
وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ الصَّحابةُ عليه، فقاتَلوا مانِعي الزَّكاة كما قاتَلوا أهلَ الرِّدَّةِ، وسمَّاهم بعضُهم أهلَ رِدَّةٍ على الاتِّساعِ؛ لأنَّهم ارتَدُّوا عن أَداءِ الزَّكاة، ومَعلومٌ مَشهورٌ عنهم أنَّهم قالوا: ما ترَكنا دِينَنا ولكنْ شَحَحنا على أَموالِنا، فكما جازَ قِتالُهم عندَ جَميعِ الصَّحابةِ على مَنعِهم الزَّكاةَ، وكانَ ذلك عندَهم في معنى قَولِه ﷺ : «إلا بحَقِّها» (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أَجمَعوا على قِتالِ مانِعي الزَّكاة (٣).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وقد اتَّفقَ الصَّحابةُ والأئِمَّةُ بعدَهم على قِتالِ مانِعي الزَّكاةِ وإنْ كانوا يُصلُّونَ الخَمسَ ويَصومونَ شَهرَ
стр. 1722
رَمضانَ، وهؤلاءِ لم يَكنْ لهم شُبهةٌ سائِغةٌ، فلِهذا كانوا مُرتدِّينَ وهم يُقاتَلونَ على مَنعِها، وإنْ أَقرُّوا بالوُجوبِ، كما أمَرَ اللهُ ، وقد حَكى عنهم أنَّهم قَالوا: إنَّ اللهَ أمَرَ نَبيَّه بأخذِ الزَّكاة بقَولِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وقد سقَطَت بمَوتِه (١).
وقالَ العَينيُّ ﵀: وأجمَعَ العُلماء على أنَّ مانِعَها تُؤخَذُ قَهرًا منه، وإنْ نصَبَ الحَربَ دونَها قُتلَ، كما فعَلَ أبو بَكرٍ ﵁، بأهلِ الرِّدةِ، ووافَقَ على ذلك جَميعُ الصَّحابةِ، ﵃ (٢).
стр. 1723
مَنْ تَجبُ في مالِه الزَّكاة:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّكاة تَجبُ على كلِّ مُسلمٍ بالِغٍ عاقِلٍ حُرٍّ عالِمٍ بكَونِ الزَّكاة فَريضةً، مالِكٍ للنِّصابِ مِلكًا تامًّا، وكان مُتمكِّننًا مِنْ أَداءِ الزَّكاة، وتمَّت الشُّروطُ في المالِ (١).
واختلَفوا فيما عَدا ذلِك كما يَلي:
أ- الزَّكاة في مالِ الصَّغيرِ والمَجنونِ:
اختَلفَ الفُقهاء في الصَّبيِّ والمَجنونِ هل يَجبُ في أَموالِهما الزَّكاةُ كالبالِغِ العاقِلِ أو لا تَجِبُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في مالِ كلٍّ من الصَّغيرِ والمَجنونِ ذَكرًا كانَ أو أُنثى، واستدلُّوا على ذلك بعِدةِ أَدلَّةٍ:
١ - استَندوا أولًا إلى عُمومِ النُّصوصِ من الآياتِ والأَحاديثِ الصَّحيحةِ التي دلَّت على وُجوبِ الزَّكاةِ في مالِ الأَغنياءِ وُجوبًا مُطلَقًا، ولم تَستَثنِ صَبيًّا أو مَجنونًا.
وذلك كَقولِه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
قالوا: فهذا عُمومٌ لكلِّ صَغيرٍ وكَبيرٍ وعاقِلٍ ومَجنونٍ؛ لأنَّهم كلَّهم مُحتاجون إلى طُهرةِ اللهِ تعالَى لهم وتَزكيتِه إيَّاهم، وكلُّهم من الذين آمنوا.
стр. 1724
ومِثلُ هذا: حَديثُ وَصيةِ مُعاذٍ حين أرسَله النَّبيُّ ﷺ إلى اليَمنِ وفيه: «فأَعلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقَةً في أَموالِهم تُؤخَذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائهِم» (١)، والصِّبيانُ والمَجانينُ تُردُّ فيهم الزَّكاةُ إذا كانوا فُقراءَ، فلتُوخَذْ منهم إذا كَانوا أَغنياءَ.
وهذا أيضًا عُمومٌ لكلِّ غَنيٍّ من المُسلِمينَ، وهذا يَدخُل فيه الصَّغيرُ والكَبيرُ إذا كَانوا أغنياءَ.
٢ - واستَدلُّوا ثانيًا بما رَواه الشافِعيُّ بإِسنادِه عن يُوسفَ بنِ ماهِكٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ابْتَغوا في مالِ اليَتيمِ لَا تَسْتَهلِكْه الصَّدقَةُ أو لَا تُذهِبْه الصَّدقَةُ، أو قالَ: في أَموالِ اليَتامَى، لَا تَأكُلْها أو لَا تُذهِبْها الزَّكاةُ أو الصَّدقَةُ، شَكَّ الشافِعيُّ رَحمَةُ اللَّهِ عليه بها جَميعًا» (٢). وإِسنادُه صَحيحٌ كما يَقولُ البَيهقيُّ والنَّوويُّ إلى يُوسفَ بنِ ماهِكٍ، وهو تابِعيٌّ لم يُدرِكِ النَّبيَّ ﷺ فحَديثُه مُرسَلٌ، ولكنَّ الشافِعيَّ عضَّدَ هذا المُرسَلَ بعُمومِ النُّصوصِ الأُخرى، وبما صَحَّ عن الصَّحابةِ من إِيجابِ الزَّكاةِ في مالِ اليَتيمِ (٣).
ورَوى الطَّبَرانِيُّ في الأوسَطِ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «اتَّجِرُوا في أَموالِ اليَتامَى لا تَأكُلْها الزَّكاةُ» (٤).
стр. 1725
ورَوى التِّرمذيُّ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ وَليَ يَتيمًا له مالٌ فليَتَّجرْ فيه ولا يَترُكْه حتى تَأكُلَه الصَّدقَةُ» (١)، وصَحَّ هذا مَوقوفًا عن عُمرَ ﵁.
فرَوى البَيهَقيُّ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ قالَ: «ابْتَغوا في أَموالِ اليَتامَى لَا تَأكُلْها الصَّدقَةُ»، قالَ البَيهَقيُّ: هذا إِسنادٌ صَحيحٌ وله شَواهِدُ عن عُمرَ ﵁ (٢) والمُرادُ بالصَّدقةِ: «الزَّكاةُ» كما في بعضِ الرِّواياتِ، ووَجهُ الاستِدلالِ أنَّه أمَرَ الأَوصياءَ على اليَتامى خاصَّةً والمُجتَمعَ الإِسلاميَّ عامَّةً: أنْ يَعمَلوا على تَنميةِ أَموالِ اليَتامى، وكذلك المَجانينُ بالتِّجارةِ وابتِغاءِ الرِّبحِ، وحذَّرَ من تَركِه دونَ تَثميرٍ ولا استِغلالٍ فتأكُلُه الصَّدقاتُ وتَستهلِكُه، ولا رَيبَ أنَّ الصَّدقةَ إنَّما تَأكلُه بإِخراجِها، وإِخراجُها لا يَجوزُ إلا إذا كانَت واجِبةً؛ لأنَّه لا يَجوزُ لِلوَليِّ أنْ يَتبَرعَ بمالِ الصَّغيرِ والمَجنونِ ويُنفِقَه في غيرِ واجِبٍ، فيَكونَ قُربانًا له بغيرِ التي هي أحسَنُ، وقد أمَرَ اللهُ بألَّا نَقرَبَ مالَ اليَتيمِ إلا بالتي هي أحسَنُ حتى يَبلُغَ أشُدَّه.
стр. 1726
٣ - واستندوا ثالثًا إلى ما صَحَّ عن الصَّحابةِ في هذه القَضيَّةِ، فقد رَوى أبو عُبيدٍ وابنُ المنذِرِ والبَيهَقيُّ وابنُ حَزمٍ إِيجابَ الزَّكاةِ في مالِ الصَّبيِّ عن عُمرَ وعلِيٍّ وعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ وعائِشةَ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵃، ولم يُعرَفْ لهم مُخالِفٌ من الصَّحابةِ ﵃ إلا رِوايةً ضَعيفةً عن ابنِ عباسٍ لا يُحتَجُّ بها (١).
٤ - واستَندوا رابعًا إلى المَعنى المَعقولِ الذي مِنْ أجلِه فُرضَت الزَّكاةُ، قالوا: إنَّ مَقصودَ الزَّكاةِ: سَدُّ حاجةِ الفُقراءِ من مالِ الأَغنياءِ، شُكرًا للهِ تعالَى وتَطهيرًا لِلمالِ، ومالُ الصَّبيِّ والمَجنونِ قابِلٌ لِأداءِ النَّفَقاتِ والغَراماتِ، فلا يَضيقُ عن الزَّكاةِ (٢).
قالوا: فإذا تَقرَّر هذا فإنَّ الوَليَّ يُخرِجُها عنهما من مالِهما؛ لأنَّها زَكاةٌ واجِبةٌ، فوجَبَ إِخراجُها كزَكاةِ البالِغِ العاقِلِ، والوَليُّ يَقومُ مَقامَه في أداءِ ما عليه؛ ولأنَّها حَقٌّ واجِبٌ على الصَّبيِّ والمَجنونِ، كانَ على الوَليِّ أَداؤُه عنهما، كنَفقةِ أَقاربِه، وتُعتبَرُ نيَّةُ الوَليِ في الإِخراجِ، كما تُعتبَرُ النِّيةُ من رَبِّ المالِ (٣).
فإنْ لم يُخرِجِ الوَليُّ الزَّكاةَ وجَبَ على الصَّبيِّ والمَجنونِ بعدَ البُلوغِ والإفاقةِ إخراجُ زَكاةِ ما مَضى؛ لأنَّ الحَقَّ تَوجَّهَ إلى مالِهما، لكنَّ الوَليَّ عَصى بالتَّأخيرِ، فلا يَسقطُ ما تَوجَّه إليهما (٤).
стр. 1727
وقالَ بعضُ المالِكيةِ: إنَّما يُؤمَرُ الوَليُّ بإِخراجِ الزَّكاةِ عن الصَّبيِّ إذا أمِنَ أنْ يُتعقَّبَ فِعلُه، وجُعلَ له ذلك، وإلا فلا … وإذا أَخرَجها أشهَدَ عليها، فإنْ لم يُشهِدْ فقد قالَ ابنُ حَبيبٍ: إنْ كانَ مَأمونًا صُدِّق (١).
وإذا خشِيَ الوَليُّ أنْ يُطالِبَه الصَّبيُّ بعدَ البُلوغِ، أو المَجنونُ بعدَ الإفاقةِ، بغَرامةِ ما دفَعَ من مالِهما بِناءً على مَذهبِ أبي حَنيفةَ ومَنْ وافَقه، فيَنبَغي -كما اقتَرحَ بعضُ المالِكيةِ- أنْ يُرفَعَ الأمرُ لِقاضٍ يَرى وُجوبَ الزَّكاةِ في مالِهما، حتى يَحكُمَ له بلُزومِ الزَّكاةِ لهما، فلا يَستطيعُ قاضٍ بذلك أنْ يَنقُضَ هذا الحُكمَ؛ لأنَّ الحُكمَ الأولَ رفَعَ الخِلافَ (٢).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ إلا أنَّه يَجبُ العُشرُ في زُروعِهما وثِمارِهما وزَكاةِ الفِطرِ عنهما.
واستدلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفعَ القَلمُ عَنْ ثَلاثةٍ: عَنْ النَّائمِ حَتى يَستَيقِظَ، وعَن الصَّبيِّ حَتى يَحتَلمَ، وعَن المَجنونِ حَتى يُفِيقَ» (٣)، ورَفعُ القَلمِ كِنايةٌ عن سُقوطِ التَّكليفِ؛ إذِ التَّكليفُ لمَن يَفهَمُ خِطابَ الشارِعِ، والصِّغَرُ والجُنونُ حائِلٌ دونَ ذلك.
стр. 1728
قال الكاسانِيُّ ﵀: لا سَبيلَ إلى الإيجابِ على الصَّبيِّ؛ لأنَّه مَرفوعٌ عنه القَلمُ بالحَديثِ؛ ولأنَّ إِيجابَ الزَّكاةِ إِيجابُ الفِعلِ على العاجِزِ عن الفِعلِ، وهو تَكليفُ ما ليسَ في الوُسعِ، ولا سَبيلَ إلى الإِيجابِ على الوَليِّ ليُؤدِّيَ من مالِ الصَّبيِّ؛ لأنَّ الوَليَّ مَنهيٌّ عن قُربانِ مالِه إلا على وَجهِ الأحسَنِ مع أنَّ اسمَ الصَّدقةِ يُطلَقُ على النَّفقةِ، قالَ ﷺ : «نَفقةُ الرَّجلِ على نَفسِه صَدقَةٌ، وعلَى عِيالِه صَدقَةٌ» (١)، وفي الحَديثِ ما يَدلُّ عليه أيِّ حَديثٍ: «ابتَغُوا في أَموالِ اليَتامَى حتى لَا تَأكُلَها الصَّدقَةُ»؛ لأنَّه أَضافَ الأكلَ إلى جَميعِ المالِ، والنَّفقةَ هي التي تَأكلُ الجَميعَ لا الزَّكاةُ، أو تُحمَلُ الصَّدقةُ والزَّكاةُ على صَدقةِ الفِطرِ؛ لأنَّها تُسمَّى زَكاةً (٢).
وقالوا: الزَّكاةُ عِبادةٌ مَحضةٌ كالصَّلاةِ، والعِبادةُ تَحتاجُ إلى نيَّةٍ، والصَّبيُّ والمَجنونُ لا تَتحقَّقُ منهما النِّيةُ، فلا تَجبُ عليهما العِبادةُ، ولا يُخاطَبانِ بها، وقد سقَطَت الصَّلاةُ عنهما لِفقدانِ النِّيةِ، فوجَبَ أنْ تَسقُطَ الزَّكاةُ بالعِلةِ نَفسِها (٣).
قال السَّرخسيُّ ﵀: وإذا ثبَتَ أنَّه عِبادةٌ فلا بدَّ فيه من نيَّةٍ وعَزيمةٍ ممن هي عليه عندَ الأَداءِ، ووِلايةُ الوَليِّ على الصَّبيِّ تَثبُتُ من غيرِ اختِيارِه
стр. 1729
شَرعًا، ومِثلُ هذه الوِلايةِ لا تَتأدَّى بها العِبادةُ بخِلافِ إذا وكَّلَ بالأَداءِ بعدَ البُلوغِ، فتلك نيابةٌ عن اختِيارٍ، وقد وُجِدت النِّيةُ والعَزيمةُ منه.
وبه فارقَ صَدقةَ الفِطرِ فإنَّ وُجوبَها لِمَعنى المُؤنةِ حتى تَجبَ على الغَيرِ بسَببِ الغَيرِ، وفيه حَقٌّ لِلأبِ، فإنَّا لو لم نُوجبْ في مالِه احتَجنا إلى الإِيجابِ على الأبِ، كما إذا لم يَكنْ للصَّبيِّ مالٌ بخِلافِ الزَّكاةِ، وبه فارقَ العُشرَ، فإنَّه مُؤنةُ الأرضِ الناميةِ كالخَراجِ (١).
ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣].
والتَّطهيرُ إنَّما يَكونُ من أَرجاسِ الذُّنوبِ، ولا ذَنبَ على الصَّبيِّ والمَجنونِ حتى يَحتاجا إلى تَطهيرٍ وتَزكيةٍ، فهُما إذَنْ خارجانِ عمَّن تُؤخَذُ منهم الزَّكاةُ.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم: هو اختِلافُهم في مَفهومِ الزَّكاةِ الشَّرعيَّةِ هل هي عِبادةٌ كالصَّلاةِ والصَّومِ، أو هي حَقٌّ واجِبٌ للفُقراءِ على الأَغنياءِ؟
فمَن قالَ: إنَّها عِبادةٌ اشتَرط البُلوغَ والعَقلَ.
ومَن قالَ: إنَّها حَقٌّ واجِبٌ للفُقراءِ والمَساكينِ في أَموالِ الأَغنياءِ لم يَعتبِرْ في ذلك بُلوغًا من غيرِه.
وأمَّا مَنْ فرَّقَ بينَ ما تُخرِجُه الأرضُ أو لا تُخرِجُه وبينَ الخَفيِّ والظاهِرِ فلا أعلمُ له مُستنَدًا في هذا الوَقتِ (٢).
стр. 1730
ب- الزَّكاةُ في مالِ الكافِرِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الكافِرَ الأَصليَّ لا تَجبُ عليه الزَّكاةُ، حَربيًّا كانَ أو ذِميًّا؛ لأنَّه حَقٌّ لم يَلتزِمْه فلم يَلزمْه (١)؛ ولأنَّها وجَبَت طُهرةً للمُزكِّي، والكافِرُ لا طُهرةَ له ما دامَ على كُفرِه؛ ولأنَّها فَرعٌ من الإِسلامِ، وهو مَفقودٌ، فلا يُطالَبُ بها وهو كافِرٌ، كما لا تَكونُ دَينًا في ذِمتِه، يُؤدِّيها إذا أسلَمَ (٢).
واستَدلَّ العُلماءُ على ذلك بحَديثِ ابن عَباسٍ ﵄ في الصَّحيحَيْن: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا بعَثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ قالَ له: «إنَّكَ تَأتِي قَومًا مِنْ أَهلِ الكِتابِ فَادْعُهم إلى شَهادَةِ أَنْ لَا إِلهَ إلا اللهُ وأنِّي رَسولُ اللَّهِ، فإِنْ هُمْ أَطاعُوا لذَلك فأَعلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم خَمسَ صَلَواتٍ في كلِّ يَومٍ وَلَيلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطاعُوا لذَلك فأَعلِمهُم أنَّ اللَّهَ افْتَرضَ عليهم صَدقَةً تُؤخَذُ من أَغنِيائِهم فَترَدُّ في فُقَرائِهم، فإنْ هُمْ أَطاعوا لذَلك فإِيَّاك وكَرائِمَ أَموالِهم، واتَّقِ دَعوَةَ المَظْلومِ فإنَّه ليسَ بَينَها وبَينَ اللَّهِ حِجابٌ» (٣).
فهذا الحَديثُ يَدلُّ على أنَّ المُطالبةَ بالفَرائضِ في الدُّنيا لا تَكونُ إلا بعدَ الإِسلامِ، وهذا قَدرٌ مُتفَقٌ عليه (٤).
стр. 1731
وهذا كلُّه في الكافِرِ الأصليِّ، أمَّا من فُتنَ وارتدَّ (والعياذُ باللهِ) فإنْ كانَت الزَّكاةُ قد وجَبَت عليه في حالِ إسلامِه فلا تَسقُطُ عنه بالرِّدَّةِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّه حَقٌّ ثبَتَ وُجوبُه فلم يَسقُطْ برِدَّتِه، كغَرامةِ المُتلَفاتِ والدَّينِ فيَأخذُه الإمامُ من مالِه كما يَأخذُ الزَّكاةَ من المُسلمِ المُمتنِعِ، فإنْ أسلَمَ بعدَ ذلك لم يَلزَمْه أَداؤُها.
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَسقُطُ بالرِّدَّةِ؛ لأنَّ مِنْ شَرطِها النِّيةَ كالصَّلاةِ، ونيَّةُ العِبادةِ وهو كافِرٌ غيرُ مُعتبَرةٍ، فتَسقُطُ بالرِّدَّةِ، كالصَّلاةِ، حتى ما كانَ منها زَكاةَ الخارجِ من الأرضِ.
وأمَّا إذا ارتَدَّ قُبيلَ تَمامِ الحَولِ على النِّصَابِ فلا يَثبُتُ الوُجوبُ عندَ الجُمهورِ من الحَنفيةِ والحَنابِلةِ والشافِعيةِ في قَولٍ؛ لأنَّ الإِسلامَ شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ، فعَدمُه في بعضِ الحَولِ يُسقِطُ الزَّكاةَ كالمِلكِ والنِّصابِ، فإن رجَعَ إلى الإِسلامِ قبلَ مُضيِّ الحَولِ استَأنفَ حَولًا.
والأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ أنَّ مِلْكَه لِمالِه مَوقوفٌ، فإنْ عادَ إلى الإِسلامِ تَبيَّنَ بَقاءُ مِلكِه فتَجِبُ فيه الزَّكاةُ، وإنْ لم يَرجِعْ إلى الإِسلامِ يُحكَمْ بزَوالِ مِلكِه، فلا تَجبُ عليه الزَّكاةُ، وعندَ الشافِعيةِ قَولٌ ثالِثٌ وهو أنَّه لا يَزولُ مِلكُه، فتَجِبُ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّه حَقٌّ التزَمه بالإِسلامِ، فلم يَسقُطْ عنه بالرِّدَّةِ كحُقوقِ الآدميِّينَ (١).
стр. 1732
ج- مَنْ لم يَعلَمْ بفَرضيَّةِ الزَّكاةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمن لم يَعلَمْ بفَرضيَّةِ الزَّكاةِ هل يُخرِجُها بعدَ العِلمِ أو لا؟
فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وزُفرُ من الحَنفيةِ إلى أنَّ العِلمَ بكَونِ الزَّكاةِ مَفروضةً ليسَ شَرطًا لوُجوبِها، فتَجبُ الزَّكاةُ على الحَربيِّ إذا أسلَمَ في دارِ الحَربِ وله سَوائمُ ولم يُهاجِرْ إلينا ومكَثَ هناك سِنينَ ولا عِلمَ له بالشَّريعةِ الإِسلاميَّةِ ويُخاطَبُ بأَدائِها إذا خرَجَ إلى دارِ الإِسلامِ.
وذهَبَ أبو حَنيفةَ وصاحباه أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ العِلمَ بكَونِ الزَّكاةِ فَريضةً شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ، فلا تَجبُ الزَّكاةُ على الحَربيِّ في الصُّورةِ المَذكورةِ (١).
د- مَنْ لم يَتمكَّنْ من أَداءِ الزَّكاةِ:
ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ التَّمكُّنَ من الأَداءِ شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ، فلو حالَ الحَولُ ثم تلِفَ المالُ قبلَ أنْ يَتمكَّنَ صاحِبُه من الأَداءِ فلا زَكاةَ عليه إذا لم يُفرِّطْ؛ لأنَّها تَجبُ على سَبيلِ المُواساةِ، فلا تَجبُ على وَجهٍ يَجبُ أَداؤُها مع عَدمِ المالِ، وفَقرِ مَنْ تَجبُ عليه.
ومعنى التَّفريطِ: أنْ يَتمكَّنَ من إِخراجِها فلم يُخرِجْها، وإنْ لم يَتمكَّنْ من إِخراجِها، فليسَ بمُفرِّطٍ، سواءٌ كانَ ذلك لعَدمِ المُستحَقِّ أو لبُعدِ المالِ
стр. 1733
عنه، أو لكَونِ الفَرضِ لم يُوجَدْ في المالِ، ويَحتاجُ إلى شِرائِه، فلم يَجدْ ما يَشتَري به، أو حدَثَ في طَلبِ الشِّراءِ نَحوُ ذلك، حتى إنَّ الإمامَ مالِكًا ﵀ قالَ: إنَّ المالِكَ لو أتلَفَ المالَ بعدَ الحَولِ قبلَ إمكانِ الأداءِ لا زَكاةَ عليه إذا لم يَقصِدِ الفِرارَ من الزَّكاةِ.
واحتجَ لِهذا القَولِ بأنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ يُشتَرطُ لوُجوبِها إمكانُ أَدائِها كالصَّلاةِ والصَّومِ.
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ التَّمكُّنَ من الأداءِ ليسَ شَرطًا لوُجوبِها، فلو هلَكَ المالُ بعدَ الحَولِ وقبلَ التَّمكُّنِ من الأداءِ لا تَسقُطُ الزَّكاةُ عنه؛ لأنَّه مالٌ وجَبَ في الذِّمةِ فلم يَسقُطْ بتَلفِ النِّصابِ كالدَّينِ.
واستَثنى الحَنابِلةُ من ذلك المُعشَّراتِ -وهي الحُبوبُ والثِّمارُ- إذا تلِفَت بآفةٍ سَماويَّةٍ لكَونِها لم تَدخُلْ تحتَ يَدِه، فهي كالدَّينِ الهالِكِ قبلَ قَبضِه، فإنْ بقِيَ بعدَ الجائِحةِ ما تَجبُ فيه الزَّكاةُ زَكَّاه.
أمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إنَّ التَّمكُّنَ من الأداءِ ليسَ شَرطًا، وقالوا: إنَّ الزَّكاةَ تَسقُطُ بتَلفِ المالِ بعدَ الحَولِ سَواءٌ أَتمكَّنَ من الأداءِ أم لا؛ لأنَّ وُجوبَ الزَّكاةِ على التَّراخي، وذلك لِإطلاقِ الأمرِ بالزَّكاةِ، ومُطلَقُ الأمرِ لا يَقتَضي الفَورَ؛ فيَجوزُ لِلمُكلَّفِ تَأخيرُه، وإنْ هلَكَ بعضُ النِّصابِ سقَطَ من الواجِبِ فيه بقَدْرِ ما هلَكَ منه؛ لتَعلُّقِها بالعَينِ لا بالذِّمةِ (١).
стр. 1734
شُروطُ المالِ الذي تَجبُ فيه الزَّكاةُ وأسبابُه:
يُشتَرطُ في المالِ الذي تَجبُ فيه الزَّكاةُ من حيثُ الجُملةُ شُروطٌ:
١ - كَونُه مَملوكًا لِمُعيَّنٍ.
٢ - كَونُ مَملوكيَّتِه مُطلَقةً (أي كَونُه مَملوكًا رَقبةً ويَدًا).
٣ - كَونُه ناميًا.
٤ - أنْ يَكونَ زائِدًا على الحاجاتِ الأصليَّةِ.
٥ - أنْ يَحولَ الحَولُ.
٦ - بُلوغُه نِصابًا، والنِّصابُ في كلِّ نَوعٍ من المالِ بحسَبِه.
٧ - أنْ يَسلَمَ مِنْ وُجودِ المانِعِ، والمانِعُ أنْ يَكونَ على المالِكِ دَينٌ يُنقِصُ النِّصابَ.
الشَّرطُ الأولُ: كَونُ المالِ مَملوكًا لِمُعيَّنٍ:
وفي ذلك مَسألتان:
المَسألةُ الأُولى: الزَّكاةُ في المالِ العامِّ (أَموالِ بَيتِ المالِ):
نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه لا تَجبُ الزَّكاةُ في مالِ الفَيءِ ولا في خُمسِ
стр. 1735
الغَنيمةِ، ولا في كلِّ ما كانَ تحتَ يَدِ الإمامِ؛ لأنَّه يَرجعُ إلى الصَّرفِ في مَصالحِ المُؤمِنينَ (١).
وهو أيضًا مَذهبُ الشافِعيةِ، فقد جاءَ في «حاشية الشَّرقاويِّ على تُحفةِ الطُّلابِ»: قَولُه: وتَعيَّنَ مالِكٌ، فلا زَكاةَ في بَيتِ المالِ، أي لعَدمِ تَعيُّنِ المالِكِ، ومِثلُه رِيعُ المَوقوفِ على جِهةٍ عامَّةٍ دونَ المَوقوفِ على جِهةٍ خاصَّةٍ؛ فتَجِبُ في رِيعِه لا في عَينِه، ومِن الأَولِ المَوقوفُ على إمامِ مَسجِدٍ أو مُؤذِّنِه؛ لأنَّه لم يُرَدْ به شَخصٌ مُعيَّنٌ، وإنَّما أُريدَ به كلُّ مَنْ اتَّصف بهذا الوَصفِ (٢).
وهو مُقتَضى مَذهبِ الحَنفيةِ كما سيَأتي تَفصيله في المَسألةِ التاليةِ، زَكاةِ العَينِ المَوقوفةِ.
المَسألةُ الثانيةُ: الزَّكاةُ في العَينِ المَوقوفةِ:
اشتَرطَ بعضُ الفُقهاءِ -كالحَنفيةِ- في المالِ الذي تَجبُ فيه الزَّكاةُ أنْ يَكونَ مَملوكًا لِمُعيَّنٍ، فما ليسَ له مالِكٌ مُعيَّنٌ لا زَكاةَ فيه.
وعليه اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ المالِ المَوقوفِ هل تَجبُ فيه الزَّكاةُ إذا بلَغ النِّصابَ وحالَ عليه الحَولُ أو لا؟
فالحَنفية قالوا: لا تَجبُ فيها الزَّكاةُ مُطلَقًا.
стр. 1736
والمالِكيةُ أوجَبوا فيها الزَّكاةَ سَواءٌ كانَت لمُعيَّنٍ أو غيرِ مُعيَّنٍ.
والشافِعيةُ والحَنابِلةُ فصَّلوا، فأوجَبوها على تَفصيلٍ عندَهم في المُعيَّنِ، ولم يُوجِبوها إذا كانَت وَقفًا على غيرِ مُعيَّنٍ.
قال الحَنفيةُ: من شُروطِ وُجوبِ الزَّكاةِ المِلكُ فلا تَجبُ الزَّكاةُ في سَوائمِ الوَقفِ والخَيلِ المُسبَّلةِ لعَدمِ المِلكِ، وهذا لأنَّ في الزَّكاةَ تَمليكًا، والتَّمليكُ في غيرِ المِلكِ لا يُتصوَّرُ (١).
وقالَ المالِكيةُ: تَجبُ الزَّكاةُ في المَوقوفِ، ولو على غيرِ مُعيَّنٍ كمساجِدَ، أو كالفُقراءِ أو بَني تَميمٍ؛ لأنَّ الوَقفَ -عندَهم- لا يُخرِجُه عن مِلكِ الواقِفِ.
فلو وقَفَ نُقودًا للسَّلفِ يَأخذُها المُحتاجُ ويَردُّ مِثلَها عندَ يَسارِه يُزكِّيها الواقِفُ؛ لأنَّها على مِلكِه، أو المُستَولي عليها -وهو الناظِرُ- منها فيُزكِّيها كلَّما مرَّ عليها حَولٌ من يَومِ مِلكِها، أو زَكَّاها إنْ كانَت نِصابًا، أو هي ولو بانضِمامِها لِمالِه إذ لم يُوقِفْ من مالِ الوَقفِ نِصابًا إذا وقَفَها لا يُسقِطُ زَكاتَها عليه منها كلَّ عامٍ؛ لبَقاءِ مِلكِ الواقِفِ تَقديرًا، وهذا إنْ لم يَتسلَّفها أحَدٌ، فإنْ تَسلَّفَها أحَدٌ زُكِّيت بعدَ قَبضِها منه لِعامٍ واحِدٍ، وإنْ مكَثت عندَه أَعوامًا.
ويُزكِّيها المُتسلِّفُ كلَّ عامٍ إنْ كانَ عندَه ما يَجعَلُه في الدَّينِ ويُزكِّي رِبحَها أيضًا إنِ اتَّجرَ فيها من يَومِ تَسلَّفها.
стр. 1737
فحاصِلُ ما ذُكرَ أنَّ العَينَ المَوقوفةَ للسَّلفِ إذا لم يَتسلَّفْها أحَدٌ وجَبَ على الناظِرِ أو الواقِفِ زَكاتُها كلَّ عامٍ إنْ مرَّ لها حَولٌ من يَومِ مِلكِها أو زُكِّيت وكانَت نِصابًا بذاتِها أو بانضِمامِها لِما لم يُوقَفْ، وأمَّا إذا تَسلَّفها أحَدٌ وجَبَت زَكاتُها لِعامٍ بعدَ قَبضِها كغيرِها من الدُّيونِ ويَجبُ على المُتسلِّفِ زَكاتُها أيضًا كلَّ عامٍ إنْ كانَ عندَه ما يُجعَلُ في مُقابَلتِها وإذا اتَّجرَ فيها فربِحَ زَكَّى رِبحَها إنْ مَضى حَولٌ من يَومِ تَسلُّفِها ولو رَدَّها قبلَ أنْ يتِمَّ لرِبحِها حَولٌ.
فلو مكَثَ المالُ عندَه نِصفَ عامٍ ثم ربِحَ فيه ورَدَّ الأصلَ ثم بقِيَ الرِّبحُ عندَه النِّصفَ الثانِيَ فإنَّه يُزكِّي عندَ انقِضاءِ النِّصفِ الثاني؛ لأنَّه يَصدقُ عليه حينَئذٍ أنَّه مَرَّ حَولٌ من يَومِ تَسلَّفَها.
والحاصِلُ أنَّ حَولَ رِبحِها من السَّلفِ على ما سبَقَ، ولو ردَّ الأصلَ قبلَ عامٍ، وهذا بخِلافِ رِبحِ القِراضِ إذا رَدَّ العامِلُ رأسَ المالِ قبلَ السَّنةِ، فإنَّه يَستقبِلُ به حَولًا من يَومِ المُفاصَلةِ.
وكذلك مَنْ وقَفَ حَبًّا لِيُزرَعَ كلَّ عامٍ في أرضٍ مَملوكةٍ لِلواقِفِ أو مُستأجَرةٍ أو مَواتٍ فإنَّه يُزكِّيه ويُفرِّقُ ما زادَ على القَدْرِ المَوقوفِ، وأمَّا المَوقوفُ فيَبقى ليُزرَعَ كلَّ سَنةٍ ويُزكِّي الحَبَّ والثَّمرَ الخارجَ، وزَكاتُه مِنْ عَينِه إنْ كانَ فيه نِصابٌ، ولو بالضَّمِّ لحَبِّ الواقِفِ إنْ وُجدَ وإلا فلا زَكاةَ فالنِّصابُ المَذكورُ وزَكاتُه على مِلكِ الواقِفِ.
وكذلك مَنْ وقَفَ حَيوانًا من الأَنعامِ ليُفرِّقَ لبَنَه أو صُوفَه أو ليُحمَلَ عليه أو يُركَبَ أو ليُفرَّقَ نَسلُه، فإنَّ الجَميعَ يُزكِّي على مِلكِ الواقِفِ إنْ كانَ فيها نِصابٌ ولو بالانضِمامِ لِمالِه، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ المَوقوفُ عليهم
стр. 1738
مُعيَّنين أو غيرَ مُعيَّنينَ، ويَقومُ الناظِرُ مَقامَ الواقِفِ إلا أنَّ الناظِرَ يُزكِّيها إذا بلَغَت نِصابًا، ولا يَتأتَّى الضَّمُّ لِمالِه؛ لأنَّه ليسَ مالِكًا.
وأمَّا الحَيوانُ الذي وُقفَ لتُفرَّقَ عَينُه فلا زَكاةَ فيه إذا كانَ الوَقفُ على غيرِ مُعيَّنينَ لا في جُملتِه ولا في أَبعاضِه لا على المالِكِ؛ لأنَّه خرَجَ عن مِلكِه؛ لأنَّه أَوصى بتَفرِقةِ أَعيانِه، ولا على المَساكينِ؛ لأنَّهم غير مُعيَّنينَ، وإنْ كانَ على مُعيَّنينَ فمَن بلَغَت حِصَّتُه نِصابًا زَكَّى لحَولٍ من يَومِ الوَقفِ، وإلا فلا، وإنْ وقَفَ الحَيوانَ لتُفرَّقَ أثمانُه فلا زَكاةَ، كانَ الوَقفُ على مُعيَّنينَ أو لا (١).
وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: في زَكاةِ الثِّمارِ المُحبَّسةِ والإبِلِ والأَذهابِ:
قال: وقالَ مالِكٌ: تُؤدَّى الزَّكاةُ عن الحَوائطِ المُحبَّسةِ للهِ في سَبيلِه وعن الحَوائطِ المُحبَّسةِ على قَومٍ بأَعيانِهم وبغيرِ أَعيانِهم.
قُلتُ لمالِكٍ: فرَجلٌ جعَلَ إبلًا له في سَبيلِ اللهِ يَحبِسُ رِقابَها ويَحمِلُ على نَسلِها أتُؤخَذُ منها الصَّدقةُ كما تُؤخَذُ من الإبِلِ التي ليسَت بصَدَقةٍ؟ قالَ: نَعم، فيها الصَّدقةُ.
فقُلتُ لمالِكٍ، أو قيلَ له: فلو أنَّ رَجلًا حبَسَ مِئةَ دينارٍ مَوقوفةً يُسلِفُها الناسَ ويَرُدُّونها على ذلك، جعَلَها حَبسًا هل تَرى فيها الزَّكاة؟ فقالَ: نَعم، أَرى فيها الزَّكاةَ.
стр. 1739
قُلتُ له: فلو أنَّ رَجلًا جعَلَ مِئةَ دِينارٍ في سَبيلِ اللهِ تُفرَّقُ أو على المَساكينِ، فحالَ عليها الحَولُ، هل تُؤخَذُ منها الزَّكاةُ؟ فقالَ: لا، هذه كلُّها تُفرَّقُ، وليسَت مِثلَ الأُولى، وكذلك الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ إذا كانَت في سَبيلِ اللهِ تُفرَّقُ أو تُباعُ فتُقسَمُ أثمانُها فيُدرِكُها الحَولُ قبلَ أنْ تُفرَّقَ فلا تُؤخَذُ منها زَكاةٌ؛ لأنَّها تُفرَّقُ ولا تُتركُ مُسَبَّلةً، وهو رَأيي في الإبلِ إذا أُمرَ أنْ تُباعَ ويُفرَّقَ ثَمنُها مِثلَما قالَ مالِكٌ في الدَّنانيرِ.
وعن ابنِ وَهبٍ عن ابنِ لَهيعةَ عن عُبيدِ اللهِ بنِ أَبي جَعفَرٍ أنَّه قالَ في النَّخلِ التي هي صَدقةٌ رِقابُها، إنَّ فيها الصَّدقةَ تُخرَصُ كلَّ عامٍ مع النَّخلِ. قالَ: وقالَ ذلك مالِكٌ وقد تَصدَّقَ عُمرُ بنُ الخَطابِ وغَيرُه من أَصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فالصَّدقةُ تُؤخَذُ من صَدقاتِهم (١).
وأمَّا الشافِعيةُ والحَنابِلةُ فيُفرِّقونَ بينَ المَوقوفِ على جِهةٍ عامَّةٍ فلا تَجبُ فيه الزَّكاةُ، وبينَ المَوقوفِ على مُعيَّنٍ فاختلَفوا فيه على قَولَينِ.
قالَ الشافِعيةُ: إذا كانَت الماشيةُ مَوقوفةً على جِهةٍ عامَّةٍ كالفُقراءِ أو المساجِدِ أو الغُزاةِ أو اليَتامى وشِبهِ ذلك فلا زَكاةَ فيها بلا خِلافٍ؛ لأنَّه ليسَ لها مالِكٌ مُعيَّنٌ.
وإنْ كانَت مَوقوفةً على مُعيَّنٍ، سَواءٌ كانَ واحِدًا أو جَماعةً، قالَ النَّوويُّ: فإنْ قُلنا بالأصَحِّ: إنَّ المِلكَ في رَقبةِ المَوقوفِ للهِ تَعالى فلا زَكاةَ بلا خِلافٍ، كالوَقفِ على جِهةٍ عامَّةٍ.
стр. 1740
وإنْ قُلنا بالضَّعيفِ: إنَّ المِلكَ في الرَّقبةِ للمَوقوفِ عليه ففي وُجوبِها عليه وَجهانِ:
أحدُهما: تَجبُ عليه؛ لأنَّه يَملِكُه مِلكًا تامًّا مُستقِرًّا فأشبَهَ غيرَ الوَقفِ.
والثاني: وهو أصَحُّهما: لا تَجبُ؛ لأنَّه مِلكٌ ضَعيفٌ بدَليلِ أنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ في رَقبتِه فلم تَجبِ الزَّكاةُ فيه كالمُكاتَبِ وما في يَدِه.
فإنْ قُلنا: تَجبُ فأخرَجها مِنْ مَوضعٍ آخَرَ أجزَأه، فإنْ أرادَ إِخراجَها من المَوقوفةِ نَفسِها فوَجهانِ، حَكاهُما صاحِبُ البَيانِ وغَيرُه، أصَحُّهما: لا يَجوزُ، وبه قطَعَ صاحِبُ العُدَّةِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيها بإِزالةِ المِلكِ، والثاني: يَجوزُ؛ لأنَّا جعَلناه كالمُطلَقِ في وُجوبِ الزَّكاةِ على هذا الوَجهِ.
قال صاحِبُ البَيانِ: ومُقتَضى المَذهبِ أنَّا إنْ قُلنا: تَتعلَّقُ الزَّكاةُ بالعَينِ جازَ الإِخراجُ منه، وإلا فلا، واللهُ أعلمُ.
فَرعٌ: الأَشجارُ المَوقوفةُ من نَخلٍ وعِنبٍ، قالَ أَصحابُنا: إنْ كانَت مَوقوفةً على جِهةٍ عامَّةٍ كالمَساجدِ والرُّبُطِ والمَدارسِ والقَناطرِ والفُقراءِ والمَساكينِ، ونَحوِ ذلك، فلا عُشرَ في ثِمارِها، وإنْ كانَت على مُعيَّنينَ وجَبَ العُشرُ في ثِمارِها إذا بلَغَت نِصابًا بلا خِلافٍ، ويُخرِجُها من الثَّمرةِ نَفسِها إنْ شاءَ؛ لأنَّه يَملِكُ الثَّمرةَ مِلكًا مُطلَقًا.
هكذا ذكَرَ أَصحابُنا المَسألةَ في جَميعِ طُرقِهم، وحَكى ابنُ المنذِرِ في الإِشرافِ عن الشافِعيِّ ومالِكٍ ﵄ إِيجابَ العُشرِ في الثِّمارِ المَوقوفةِ في سَبيلٍ أو على قَومٍ بأَعيانِهم.
стр. 1741
وعن طاوُسٍ ومَكحولٍ: لا زَكاةَ.
وعن أَبي عُبيدٍ وأحمدَ: إنْ كانَت على جِهةٍ لم تَجبْ، وإنْ كانَ على مُعيَّنٍ وجَبت، قالَ ابنُ المنذِرِ: وبه أقولُ.
قال صاحِبُ البَيانِ في بابِ زَكاةِ الزَّرعِ: قالَ الشَّيخُ أبو نَصرٍ: هذا الذي نقَلَه ابنُ المنذِرِ عن الشافِعيِّ ليسَ بمَعروفٍ عنه عندَ أَصحابِنا واللهُ أعلمُ.
قالَ أَصحابُنا: وهكذا حُكمُ الغَلَّةِ الحاصِلةِ في أرضٍ مَوقوفةٍ إنْ كانَت على مُعيَّنينَ وجَبَت زَكاتُها بلا خِلافٍ، وإنْ كانَت على جِهةٍ عامَّةٍ لم تَجبْ على المَذهبِ، وعلى رِوايةِ ابنِ المنذِرِ تَجِبُ، وفي المَسألةِ زيادةٌ سنُعيدُها إنْ شاءَ اللهُ تعالَى في المَسائلِ الزائِدةِ بعدَ بابِ زَكاةِ الزَّرعِ، واللهُ أعلمُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا زَكاةَ في مالٍ سَواءٌ كانَ سائِمةً أو غيرَ سائِمةٍ إذا كانَ مَوقوفًا على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو المَساجدِ أو المُجاهِدين أو اليَتامى، أو الرُّبُطِ أو المَدارِسِ أو غيرِ ذلك من أَبوابِ الخَيرِ مما لا يَتعيَّنُ له مالِكٌ، فلا زَكاةَ فيه لعَدمِ مِلكِهم لها، كمالٍ مُوصًى به في غيرِ وُجوهِ بِرٍّ من غَزوٍ ونَحوِه، أو مالٍ مُوصًى به يَشتَري به ما يُوقَفُ، فإنِ اتَّجرَ به وصَّى قبلَ مَصرِفِه فيما وَصَّى به فربِح المالُ فرِبحُه مع أصلِ المالِ يُصرَفُ فيما وصَّى
стр. 1742
فيه، لتَبعيَّةِ الرِّبحِ لِلأصلِ ولا زَكاةَ فيهما لعَدمِ المالِكِ المُعيَّنِ، وإنْ خسِرَ المالَ ضمِنَ الوَصيُّ النَّقصَ لِمُخالَفتِه إذَنْ.
وأمَّا المَوقوفُ على مُعيَّنٍ واحِدٍ كزَيدٍ أو عَمرٍو أو جَماعةٍ مُعيَّنين، مِثلَ المَوقوفِ على ذُريَّتِه أو على بَني فُلانٍ أو نَحوِ ذلك، فتَجبُ الزَّكاةُ فيه لعُمومِ الأَحاديثِ وكسائِرِ أَملاكِه على الصَّحيحِ من المَذهبِ؛ ولأنَّ المِلكَ يَنتقِلُ إلى المَوقوفِ عليه في الصَّحيحِ من المَذهبِ فأشبَهَت سائِرَ أَملاكِه.
وفي وَجهٍ آخَرَ أنَّه لا زَكاةَ، وقدَّمَه في «الكافي» لنَقصِه.
وتَجِبُ الزَّكاةُ في غَلةِ أرضٍ وغَلةِ شَجرٍ مَوقوفةٍ على مُعيَّنٍ إنْ بلَغَت الغَلةُ نِصابًا؛ لأنَّ الزَّرعَ والثَّمرَ ليسَ وَقفًا بدَليلِ بَيعِه.
ويُخرِجُ من غيرِ السائِمةِ كالزَّرعِ والثَّمرِ؛ لأنَّه مِلكُه بخِلافِ السائِمةِ، فلا يُخرِجُ منها؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ نَقلُ المِلكِ فيه.
فإنْ كانَ المَوقوفُ عليهم المُعيَّنونَ جَماعةً وبلَغَ نَصيبُ كلِّ واحِدٍ من غَلتِه من أرضٍ أو شَجرٍ نِصابًا وجَبَت الزَّكاةُ، وكذا لو بلَغَت حِصةُ بعضِهم نِصابًا وجَبَت عليه، وإنْ لم تَبلُغْ حِصَّةُ كلِّ واحِدٍ منهم نِصابًا فلا زَكاةَ عليهم؛ لأنَّه لا أثَرَ لِلخُلطةِ في غيرِ السائِمةِ (١).
стр. 1743
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: وإذا حصَلَ في يَدِ بعضِ أهلِ الوَقفِ خَمسةُ أوسُقٍ ففيه الزَّكاةُ، وإذا صارَ الوَقفُ لِلمَساكينِ فلا زَكاةَ فيه.
وجُملةُ ذلك أنَّ الوَقفَ إذا كانَ شَجرًا فأثمَرَ أو أرضًا فزُرِعت، وكان الوَقفُ على قَومٍ بأَعيانِهم فحصَل لِبعضِهم من الثَّمرةِ أو الحَبِّ نِصابٌ ففيه الزَّكاةُ، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، ورُوي عن طاوُسٍ ومَكحولٍ: لا زَكاةَ فيه؛ لأنَّ الأرضَ ليسَت مَملوكةً له، فلم تَجبْ عليهم زَكاةٌ في الخارجِ منها كالمَساكينِ.
ولنا: أنَّه استغَلَّ من أرضِه أو شَجرِه نِصابًا فلزِمَته زَكاتُه، كغَيرِ الوَقفِ يُحقِّقُه أنَّ الوَقفَ الأصلُ، والثَّمرةَ طَلقٌ، والمِلكَ فيها تامٌّ له التَّصرُّفُ فيها بجَميعِ التَّصرُّفاتِ، وتُورَثُ عنه فتَجبُ فيها الزَّكاةُ كالحاصِلةِ من أرضٍ مُستأجَرةٍ له، وقَولُهم: إنَّ الأرضَ غيرُ مَملوكةٍ له مَمنوعٌ، وإنْ سَلَّمنا ذلك فهو مالِكٌ لمَنفعتِها، ويَكفي ذلك في وُجوبِ الزَّكاةِ، بدَليلِ الأرضِ المُستأجَرةِ.
أمَّا المَساكينُ فلا زَكاةَ عليهم فيما يَحصُلُ في أَيديهم، سَواءٌ حصَلَ في يَدِ بعضِهم نِصابٌ من الحُبوبِ والثِّمارِ أو لم يَحصُلْ، ولا زَكاةَ عليهم قبلَ تَفريقِها، وإنْ بلَغَت نِصابًا؛ لأنَّ الوَقفَ على المَساكينِ لا يَتعيَّنُ لواحِدٍ منهم، بدَليلِ أنَّ كلَّ واحِدٍ منهم يَجوزُ حِرمانُه والدَّفعُ إلى غيرِه، وإنَّما ثبَتَ المِلكُ فيه بالدَّفعِ والقَبضِ لِما أُعطِيَه من غلَّتِه مِلكًا مُستأنَفًا، فلم تَجبْ عليه فيه زَكاةٌ، كالذي يَدفَعُ إليه من الزَّكاةِ، وكما لو وهَبَه أو اشتَراه.
стр. 1744
وفارَقَ الوَقفَ على قَومٍ بأَعيانِهم، فإنَّه يُعيَّنُ لِكلِّ واحِدٍ منهم حَقٌّ في نَفعِ الأرضِ وغَلَّتِها، ولِهذا يَجبُ إِعطاؤُه ولا يَجوزُ حِرمانُه (١).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: مَذهبُ أحمدَ أنَّ الوَقفَ إذا كانَ على جِهةٍ خاصَّةٍ كبَني فُلانٍ وجَبَت فيه الزَّكاةُ عندَه في عَينِه، فلو وقَفَ أربَعينَ شاةً على بَنى فُلانٍ وجَبَت الزَّكاةُ في عَينِها في المَنصوصِ عنه، وهو مَذهبُ مالِكٍ، قالَ في رِوايةٍ منها فيمَن وقَفَ أرضًا أو غَنمًا في سَبيلِ اللهِ: لا زَكاةَ عليه، ولا عُشرَ، هذا في السَّبيلِ، إنَّما يَكونُ ذلك إذا جعَلَه في قَرابَتِه، ولِهذا قالَ أَصحابُه: هذا يَدلُّ على مِلكِ المَوقوفِ عليه لرَقبةِ الوَقفِ، وجعَلوا ذلك إِحدى الروايَتَينِ عنه، وفي مَذهبِه قَولٌ آخَرُ أنَّه لا زَكاةَ في عَينِ الوَقفِ لقُصورِ ذلك، واختارَه القاضِي في (المُجرَّدِ) وابنُ عَقيلٍ وهو قَولُ أكثرِ أَصحابِ الشافِعيِّ.
وأمَّا ما وقَفَه على جِهةٍ عامَّةٍ، كالجِهادِ والفُقراءِ والمَساكينِ، فلا زَكاةَ فيه في مَذهبِه ومَذهبِ الشافِعيِّ، وأما مالِكٌ فيُوجِبُ فيه الزَّكاةَ (٢).
стр. 1745
الشَّرطُ الثاني: أنْ تَكونَ مِلكِيَّةُ المالِ مُطلَقةً:
تَعريفُ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ:
تَعريفُ المِلكِ:
المِلكُ في اللُّغةِ: مَصدَرُ ملَك، يُقالُ: ملَكَ الشَّيءَ إذا احتَواه قادرًا على الاستِبدادِ به. وملَّكَه تَمليكًا جعَلَه يَملِكُ، وتَملَّكَ الشَّيءَ تَملُّكًا: ملَكَه قَهرًا (١).
المِلكُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: عرَّفَه ابنُ الهُمامِ وغيرُه من الفُقهاءِ بأنَّه «قُدرةٌ يُثبِتُها الشارِعُ ابتِداءً على التَّصرُّفِ ابتِداءً إلا لِمانِعٍ»، فخرَجَ بالابتِداءِ قُدرةُ الوَكيلِ والوَصيِّ والمُتولِّي، وبقَولِنا إلا لمانِعٍ المَبيعُ المَنقولُ قبلَ القَبضِ، فإنْ عدَمَ القُدرةِ على بَيعِه لمانِعِ النَّهيِ (٢).
وقالَ الجُرجانيُّ ﵀: المِلكُ: اتِّصالٌ شَرعيٌّ بينَ الإِنسانِ وبينَ شَيءٍ يَكونُ مُطلَقًا لتَصرُّفِه فيه وحاجِزًا عن تَصرُّفِ غيرِه فيه.
فالشَّيءُ يَكونُ مَملوكًا ولا يَكونُ مَرقوقًا، ولكنْ لا يَكونُ مَرقوقًا إلا ويَكونُ مَملوكًا.
стр. 1746
والمِلكُ المُطلَقُ هو المُجرَّدُ عن بَيانِ سَببٍ مُعيَّنٍ بأنِ ادَّعى أنَّ هذا مِلكُه ولا يَزيدُ عليه، فإنْ قالَ: أنا اشتَريتُه أو ورِثتُه فلا يَكونُ دَعوى المِلكِ المُطلَقِ (١).
وقالَ الإمامُ السُّبكيُّ ﵀: قد أَشكَلت حَقيقةُ المِلكِ على طَوائفَ من النُّظارِ، وزَلَّ مَنْ قالَ منهم: «إنَّه التَّصرُّفُ»؛ لأنَّ المَحجورَ عليه يَملِكُ ولا يَتصرَّفُ، كما أنَّ الوَليَّ يَتصرَّفُ ولا يَملِكُ والمُختارُ في تَعريفِه: «أنَّه أمرٌ مَعنويٌّ، وإنْ شِئتَ فقُلْ: حُكمٌ شَرعيٌّ مُقدَّرٌ في عَينٍ أو مَنفَعةٍ يَقتَضي تَمكُّنَ مَنْ يُنسَبُ إليه انتِفاعُه به والعِوضُ عنه مِنْ حيثُ هو كذلك».
أما قَولُنا: «حُكمٌ شَرعيٌّ» فالإِجماعُ عليه؛ ولأنَّه تَبعٌ للأَسبابِ الشَّرعيَّةِ يَكونُ حُكمًا شَرعيًّا.
وأمَّا أنَّه مُقدَّرٌ فلأنَّه يَرجعُ إلى تَعلُّقِ إذْنِ الشَّرعِ، والتَّعلقُ عَدميٌّ ليسَ وَصفًا حَقيقيًّا؛ بل يُقدَّرُ في العَينِ أو المَنفعةِ عندَ تَحقُّقِ الأسبابِ المُقيِّدةِ للمِلكِ.
وقُلنا: وفي عَينٍ أو مَنفَعةٍ؛ لأنَّ المَنافعَ تُملَكُ كالأعيانِ ويُورَدُ عليها عَقدُ الإجارةِ.
وقَولُنا: يَقتَضي انتِفاعَه ليَخرُجَ تَصرُّفُ القُضاةِ والأَوصياءِ؛ فإنَّه في أَعيانٍ أو مَنافعَ لا يَقتَضي انتِفاعَهم؛ لأنَّهم لا يَتصرَّفونَ لانتِفاعِ أنفُسِهم، بل لانتِفاعِ المالِكينَ.
стр. 1747
وقَولُنا: «والعِوضُ عنه» يُخرِجُ الإِباحاتِ في الضِّيافاتِ؛ فإنَّ الضِّيافةَ مَأذونٌ فيها، ولا يَملِكُ عِوضًا عنها.
ويُخرِجُ أيضًا: الاختِصاصَ بالمَساجدِ والرُّبطِ ومَقاعدِ الأسواقِ؛ إذْ لا مِلكَ فيها مع التَّمكُّنِ من التَّصرُّفِ.
وقَولُنا: من حيثُ هو كذلك إِشارةٌ إلى أنَّه قد يَتخلَّفُ لمانِعٍ يَعرِضُ للمَحجورِ عليهم، لهم المِلكُ، وليسَ لهم التَّمكُّنُ من التَّصرُّفِ لأمرٍ خارجيٍّ؛ فالقَبولُ الذاتِيُّ حاصِلٌ؛ فلا يُنافِيه العارِضُ الخارجيُّ.
واعلَمْ أنَّ هذا مُختَصٌّ بالمِلكِ المُقيَّدِ، الذي لا يُطلَقُ عليه المِلكُ إلا تَوسُّعًا، وهو مِلكُ العِبادِ لِما يُنسَبُ إليهم، والمالِكُ في الحَقيقةِ هو اللهُ تَعالى.
وقد قالَ أئمَّتُنا: والعِبارةُ لِإمامِ الحَرمَينِ في الشامِلِ: لا يَتقرَّرُ في حَقِّ العِبادِ مِلكُ الرِّقابِ، وإنْ أُطلِقَ تَوسُّعًا، وتَجوُّزًا بعدَ أنْ ذكَرَ أنَّ المُرتَضى عندَه في مَعنى المِلكِ أنَّ المالِكَ لِلشَّيءِ، ومَن يَجوزُ له فِعلُه إذا كانَ مُقتدِرًا عليه، ويَندرِجُ في ذلك -على ما ذكَرَ- مِلكُ اللهِ، ومِلكُ البَشرِ، ذكَرَه في أثناءِ مَسألةِ خَلقِ الأَفعالِ (١).
وقالَ الإمامُ القَرافيُّ ﵀: الفَرقُ الثَّمانونَ والمِئةُ بينَ قاعِدةِ المِلكِ وقاعِدةِ التَّصرُّفِ:
اعلَمْ أنَّ المِلكَ أشكَلَ ضَبطُه على كَثيرٍ من الفُقهاءِ، فإنَّه عامٌّ يَترتَّبُ على أسبابٍ مُختلِفةٍ، هي: البَيعُ والهِبةُ والصَّدقةُ والإِرثُ، وغيرُ ذلك، فهو
стр. 1748
غَيرُها ولا يُمكِنُ أنْ يُقالَ: هو التَّصرُّفُ؛ لأنَّ المَحجورَ عليه يَملِكُ ولا يَتصرَّفُ، فهو حينَئذٍ غيرُ التَّصرُّفِ، فالتَّصرُّفُ والمِلكُ كلُّ واحِدٍ منهما أعَمُّ من الآخَرِ من وَجهٍ، وأخَصُّ من وَجهٍ، فقد يُوجَدُ التَّصرُّفُ بدونِ المِلكِ كالوَصيِّ والوَكيلِ والحاكِمِ وغَيرِهم، يَتصرَّفونَ ولا مِلكَ لهم، ويُوجَدُ المِلكُ بدونِ التَّصرُّفِ كالصِّبيانِ والمَجانينِ وغَيرِهم يَملِكونَ ولا يَتصرَّفونَ ويَجتمِعُ المِلكُ والتَّصرُّفُ في حَقِّ البالِغينَ الراشِدينَ النافِذينَ للكَلِمةِ كامِلي الأوصافِ، وهذا هو حَقيقةُ الأعَمِّ من وَجهٍ والأخَصِّ من وَجهٍ أنْ يَجتمِعا في صُورةٍ ويَنفرِدَ كلُّ واحِدٍ منهما بنَفسِه في صُورةٍ كالحَيوانِ والأبيضِ.
والعِبارةُ الكاشِفةُ عن حَقيقةِ المِلكِ أنَّه:
«حُكمٌ شَرعيٌّ يُقدَّرُ في العَينِ أو المَنفعةِ يَقتَضي تَمكينَ مَنْ يُضافُ إليه من انتِفاعِه بالمَملوكِ والعِوضِ عنه من حيثُ هو كذلك» (١).
стр. 1749
وعرَّفَه ابنُ الشاطِّ المالِكيُّ بقَولِه: «تَمكُّنُ الإِنسانِ شَرعًا بنَفسِه أو بنائِبِه من الانتِفاعِ بالعَينِ أو المَنفَعةِ، ومِن أخذِ العِوضِ عن العَينِ أو المَنفَعةِ (١).
هذا تَعريفُ المِلكِ لُغةً واصطِلاحًا.
стр. 1750
أمَّا المِلكُ التامُّ فيُعبَّرُ عنه بعِدةِ عِباراتٍ، منها:
١ - المِلكُ المُطلَقُ، كما هو تَعبيرُ الكاسانِيِّ الحَنفيِّ عنه (١).
٢ - استِقرارُ المِلكِ (٢).
٣ - تَمامُ المِلكِ (٣).
قد تعدَّدَت عباراتُ الفُقهاءِ في المَقصودِ بالمِلكِ التامِّ، هل هو المَملوكُ له رَقبةً ويَدًا فيُمكِنُه التَّصرُّفُ فيه كما هو قَولُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ، أم المَملوكُ له رَقبةً ولا يُشتَرطُ أنْ تَكونَ يَدُه عليه كما هو قَولُ زُفرَ والشافِعيةِ.
فقال الحَنفيةُ: المُرادُ بالمِلكِ التامِّ هو المَملوكُ رَقبةً ويَدًا، هكذا ذكَرَه ابنُ عابدِين (٤).
وقالَ الحَدَّاديُّ الحَنفيُّ في شَرحِه على «مُختَصر القُدوريِّ»: المِلكُ التامُّ هو ما اجتمَعَ فيه المِلكُ واليَدُ، وأمَّا إذا وجَدَ المِلكَ دونَ اليَدِ، كمِلكِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ والصَّداقِ قبلَ القَبضِ أو وجَدَ اليَدَ دونَ المِلكِ كمِلكِ المُكاتَبِ والمَدينِ لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ (٥)، وهو المَقصودُ بالمِلكِ الناقِصِ.
стр. 1751
وقد عبَّرَ الكاسانِيُّ عن المِلكِ التامِّ بالمِلكِ المُطلَقِ، فقالَ: ومنها المِلكُ المُطلَقُ، وهو أنْ يَكونَ مَملوكًا له رَقبةً ويَدًا، وهذا قَولُ أَصحابِنا الثَّلاثةِ.
وقالَ زُفَرُ: اليَدُ ليسَت بشَرطٍ، وهو قَولُ الشافِعيِّ فلا تَجبُ الزَّكاةُ في المالِ الضِّمارِ عندَنا خِلافًا لهما (١).
والمَفهومُ من قَولِ المالِكيةِ أنَّ المالَ الذي تَجبُ فيه زَكاةٌ يُشتَرطُ فيه أنْ يَكونَ مَملوكًا مِلكًا تامًّا والمِلكُ التامُّ عندَهم: مُركَّبٌ من أمرَينِ، هما: المِلكُ وتَمامُه، فلا زَكاةَ على غاصِبٍ ومُلتقِطٍ لعَدمِ المِلكِ، ولا على عبدٍ ومَدينٍ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ (٢).
فالمَقصودُ بالمِلكِ التامِّ عندَهم أنْ يَكونَ الإِنسانُ صاحِبَ التَّصرُّفِ فيما ملَكَ.
وأمَّا الشافِعيةُ فالمِلكُ التامُّ عندَهم لا يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المالِكُ قادرًا على التَّصرُّفِ فيه على الصَّحيحِ، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَملوكًا له كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه تَجبُ فيه الزَّكاةُ مع عَدمِ تَصرُّفِه فيه إلا بالقَبضِ (٣).
وقالَ الحَنابِلةُ: المِلكُ التامُّ عبارةٌ عمَّا كانَ بيَدِه لم يَتعلَّقْ به حَقُّ غيرِه، يَتصرَّفُ فيه على حَسَبِ اختيارِه، وفَوائِدُه حاصِلةٌ له (٤).
стр. 1752
وأمَّا المِلكُ الناقِصُ فهو الذي اختلَّ فيه شَرطٌ من شُروطِ المِلكِ التامِّ عندَ كلِّ فَريقٍ كما سيَأتي ذلك مُفصَّلًا.
ضابِطُ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ في نُصوصِ المَذاهبِ الأربَعةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ عندَ كلِّ مَذهبٍ.
أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ:
فالمِلكُ التامُّ عندَهم هو ما تَحقَّق فيه أَمرانِ:
١ - مِلكُ الرَّقبةِ، أي: أنْ يَكونَ صاحِبُه مالِكًا له.
٢ - أنْ يَكونَ المالُ في يَدِه.
فإذا اجتمَعَت الرَّقبةُ واليَدُ وجَبَت الزَّكاةُ (١).
والمِلكُ الناقِصُ عندَهم هو ما تحقَّق فيه واحِدٌ من اثنَينِ:
١ - مِلكُ الرَّقبةِ دونَ اليَدِ، كمِلكِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، والصَّداقِ قبلَ القَبضِ.
٢ - أو وجَدَ اليَدَ دونَ المِلكِ كمِلكِ المُكاتَبِ والمَدينِ.
فلا تَجبُ فيه الزَّكاةُ إلا إذا اجتمَعَ الأَمرانِ: مِلكُ الرَّقبةِ واليَدِ، فإنِ اختَلَّ
стр. 1753
واحِدٌ منهما لم تَجِبِ الزَّكاةُ؛ لأنَّ المالَ إذا لم يَكنْ مَقدورًا الانتِفاعُ به في حَقِّ المالِكِ لا يَكونُ المالِكُ به غَنيًّا ولا زَكاةَ على غيرِ الغَنيِّ (١).
فإذا كانَ المالُ مَملوكًا لِلإِنسانِ وكان تحتَ يَدِه يُمكِنُه أنْ يَتصرَّفَ فيه بأيِّ نَوعٍ من التَّصرُّفِ فهو المِلكُ التامُّ أو المُستقِرُّ في يَدِ الإِنسانِ.
فأمَّا إنْ كانَ في يَدِه إلا أنَّه لا يأمَنُ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، أو كانَ في يَدِه إلا أنَّه في الحَقيقةِ ليسَ له كالمَدينِ، أو كانَ يَملِكُه حَقيقةً إلا أنَّه ليسَ في يَدِه كالمَبيعِ قَبلَ قَبضِه فلا تَجبُ في واحِدٍ منها الزَّكاةُ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّه يُشتَرطُ المِلكُ التامُّ في وُجوبِ الزَّكاةِ، وهو ما اجتمَعَ فيه المِلكُ واليَدُ.
ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ المالِكيةِ يَكونُ بأمرَينِ:
١ - أنْ يَكونَ مَملوكًا.
٢ - أنْ يَكونَ تامًّا بحيثُ يُمكِنُه التَّصرُّفُ فيه ونَماؤُه.
فإذا اختلَّ واحِدٌ منهما فهو المِلكُ الناقِصُ.
فالمِلكُ التامُّ عندَهم مُركَّبٌ من أمرَينِ، هما: المِلكُ وتَمامُه، فلا زَكاةَ على غاصِبٍ ومُلتقِطٍ ومُودَعٍ؛ لعَدمِ المِلكِ.
ولا على عبدٍ ومَدينٍ؛ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ (٢).
стр. 1754
ثالثًا: مَذهبُ الشافِعيةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ الشافِعيةِ واحِدٌ فقط، وهو: أنْ يَكونَ مَملوكًا له.
فلا يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المالِكُ قادرًا على التَّصرُّفِ فيه على الصَّحيحِ، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَملوكًا له كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه، تَجبُ فيه الزَّكاةُ مع عَدمِ تَصرُّفِه فيه إلا بالقَبضِ (١).
стр. 1755
رابِعًا: مَذهبُ الحَنابِلةِ:
ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ الحَنابِلةِ:
١ - أنْ يَكونَ المالُ بيَدِه.
٢ - ألَّا يَتعلَّقَ به حَقٌّ للغَيرِ.
٣ - أنْ يَكونَ حُرًّا في التَّصرُّفِ فيه.
٤ - أنْ تَكونَ فَوائدُه له.
وضابِطُ المِلكِ الناقِصِ عندَ الحَنابِلةِ:
أنْ يَختلَّ أحَدُ هذه الأُمورِ الأربَعةِ.
فإذا كانَ المالُ مَملوكًا لِلإِنسانِ وكان تحتَ يَدِه يُمكِنُه أنْ يَتصرَّفَ فيه بأيِّ نَوعٍ من التَّصرُّفِ وأمِنَ هذا المالَ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، ولم يَتعلَّقْ به حَقٌّ للغَيرِ فهو المِلكُ التامُّ، أو المُستقِرُّ في يَدِ الإِنسانِ.
فأمَّا إنْ كانَ في يَدِه إلا أنَّه لا يأمَنُ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، أو كانَ في يَدِه إلا أنَّه تَعلَّق به حَقٌّ للغَيرِ كالمَدينِ، أو كانَ يَملِكُه حَقيقةً إلا أنَّه ليسَ في يَدِه كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه، فلا تَجبُ في واحِدٍ منها الزَّكاةُ (١).