← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وقد عبَّرَ الكاسانِيُّ عن المِلكِ التامِّ بالمِلكِ المُطلَقِ، فقالَ: ومنها المِلكُ المُطلَقُ، وهو أنْ يَكونَ مَملوكًا له رَقبةً ويَدًا، وهذا قَولُ أَصحابِنا الثَّلاثةِ. وقالَ زُفَرُ: اليَدُ ليسَت بشَرطٍ، وهو قَولُ الشافِعيِّ فلا تَجبُ الزَّكاةُ في المالِ الضِّمارِ عندَنا خِلافًا لهما (١). والمَفهومُ من قَولِ المالِكيةِ أنَّ المالَ الذي تَجبُ فيه زَكاةٌ يُشتَرطُ فيه أنْ يَكونَ مَملوكًا مِلكًا تامًّا والمِلكُ التامُّ عندَهم: مُركَّبٌ من أمرَينِ، هما: المِلكُ وتَمامُه، فلا زَكاةَ على غاصِبٍ ومُلتقِطٍ لعَدمِ المِلكِ، ولا على عبدٍ ومَدينٍ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ (٢). فالمَقصودُ بالمِلكِ التامِّ عندَهم أنْ يَكونَ الإِنسانُ صاحِبَ التَّصرُّفِ فيما ملَكَ. وأمَّا الشافِعيةُ فالمِلكُ التامُّ عندَهم لا يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المالِكُ قادرًا على التَّصرُّفِ فيه على الصَّحيحِ، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَملوكًا له كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه تَجبُ فيه الزَّكاةُ مع عَدمِ تَصرُّفِه فيه إلا بالقَبضِ (٣). وقالَ الحَنابِلةُ: المِلكُ التامُّ عبارةٌ عمَّا كانَ بيَدِه لم يَتعلَّقْ به حَقُّ غيرِه، يَتصرَّفُ فيه على حَسَبِ اختيارِه، وفَوائِدُه حاصِلةٌ له (٤).

стр. 1752

وأمَّا المِلكُ الناقِصُ فهو الذي اختلَّ فيه شَرطٌ من شُروطِ المِلكِ التامِّ عندَ كلِّ فَريقٍ كما سيَأتي ذلك مُفصَّلًا. ضابِطُ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ في نُصوصِ المَذاهبِ الأربَعةِ: ضابِطُ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ عندَ كلِّ مَذهبٍ. أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ: فالمِلكُ التامُّ عندَهم هو ما تَحقَّق فيه أَمرانِ: ١ - مِلكُ الرَّقبةِ، أي: أنْ يَكونَ صاحِبُه مالِكًا له. ٢ - أنْ يَكونَ المالُ في يَدِه. فإذا اجتمَعَت الرَّقبةُ واليَدُ وجَبَت الزَّكاةُ (١). والمِلكُ الناقِصُ عندَهم هو ما تحقَّق فيه واحِدٌ من اثنَينِ: ١ - مِلكُ الرَّقبةِ دونَ اليَدِ، كمِلكِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، والصَّداقِ قبلَ القَبضِ. ٢ - أو وجَدَ اليَدَ دونَ المِلكِ كمِلكِ المُكاتَبِ والمَدينِ. فلا تَجبُ فيه الزَّكاةُ إلا إذا اجتمَعَ الأَمرانِ: مِلكُ الرَّقبةِ واليَدِ، فإنِ اختَلَّ

стр. 1753

واحِدٌ منهما لم تَجِبِ الزَّكاةُ؛ لأنَّ المالَ إذا لم يَكنْ مَقدورًا الانتِفاعُ به في حَقِّ المالِكِ لا يَكونُ المالِكُ به غَنيًّا ولا زَكاةَ على غيرِ الغَنيِّ (١). فإذا كانَ المالُ مَملوكًا لِلإِنسانِ وكان تحتَ يَدِه يُمكِنُه أنْ يَتصرَّفَ فيه بأيِّ نَوعٍ من التَّصرُّفِ فهو المِلكُ التامُّ أو المُستقِرُّ في يَدِ الإِنسانِ. فأمَّا إنْ كانَ في يَدِه إلا أنَّه لا يأمَنُ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، أو كانَ في يَدِه إلا أنَّه في الحَقيقةِ ليسَ له كالمَدينِ، أو كانَ يَملِكُه حَقيقةً إلا أنَّه ليسَ في يَدِه كالمَبيعِ قَبلَ قَبضِه فلا تَجبُ في واحِدٍ منها الزَّكاةُ عندَ الحَنفيةِ؛ لأنَّه يُشتَرطُ المِلكُ التامُّ في وُجوبِ الزَّكاةِ، وهو ما اجتمَعَ فيه المِلكُ واليَدُ. ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ: ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ المالِكيةِ يَكونُ بأمرَينِ: ١ - أنْ يَكونَ مَملوكًا. ٢ - أنْ يَكونَ تامًّا بحيثُ يُمكِنُه التَّصرُّفُ فيه ونَماؤُه. فإذا اختلَّ واحِدٌ منهما فهو المِلكُ الناقِصُ. فالمِلكُ التامُّ عندَهم مُركَّبٌ من أمرَينِ، هما: المِلكُ وتَمامُه، فلا زَكاةَ على غاصِبٍ ومُلتقِطٍ ومُودَعٍ؛ لعَدمِ المِلكِ. ولا على عبدٍ ومَدينٍ؛ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ (٢).

стр. 1754

ثالثًا: مَذهبُ الشافِعيةِ: ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ الشافِعيةِ واحِدٌ فقط، وهو: أنْ يَكونَ مَملوكًا له. فلا يُشتَرطُ أنْ يَكونَ المالِكُ قادرًا على التَّصرُّفِ فيه على الصَّحيحِ، بل يَكفي أنْ يَكونَ مَملوكًا له كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه، تَجبُ فيه الزَّكاةُ مع عَدمِ تَصرُّفِه فيه إلا بالقَبضِ (١).

стр. 1755

رابِعًا: مَذهبُ الحَنابِلةِ: ضابِطُ المِلكِ التامِّ عندَ الحَنابِلةِ: ١ - أنْ يَكونَ المالُ بيَدِه. ٢ - ألَّا يَتعلَّقَ به حَقٌّ للغَيرِ. ٣ - أنْ يَكونَ حُرًّا في التَّصرُّفِ فيه. ٤ - أنْ تَكونَ فَوائدُه له. وضابِطُ المِلكِ الناقِصِ عندَ الحَنابِلةِ: أنْ يَختلَّ أحَدُ هذه الأُمورِ الأربَعةِ. فإذا كانَ المالُ مَملوكًا لِلإِنسانِ وكان تحتَ يَدِه يُمكِنُه أنْ يَتصرَّفَ فيه بأيِّ نَوعٍ من التَّصرُّفِ وأمِنَ هذا المالَ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، ولم يَتعلَّقْ به حَقٌّ للغَيرِ فهو المِلكُ التامُّ، أو المُستقِرُّ في يَدِ الإِنسانِ. فأمَّا إنْ كانَ في يَدِه إلا أنَّه لا يأمَنُ من الانفِساخِ كمالِ المُكاتَبِ، أو كانَ في يَدِه إلا أنَّه تَعلَّق به حَقٌّ للغَيرِ كالمَدينِ، أو كانَ يَملِكُه حَقيقةً إلا أنَّه ليسَ في يَدِه كالمَبيعِ قبلَ قَبضِه، فلا تَجبُ في واحِدٍ منها الزَّكاةُ (١).

стр. 1756

أبرزُ الأمثِلةِ على المِلكِ التامِّ والناقِصِ وتَعليلاتُهما الفِقهيَّةُ: أبرَزُ الأمثِلةِ في كلِّ مَذهبٍ على ضابِطِ المِلكِ التامِّ والمِلكِ الناقِصِ. أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ: قال الحَنفيةُ: لا تَجبُ الزَّكاةُ في: ١ - مالِ المُكاتَبِ؛ لأنَّه ليسَ بمالِكٍ من كلِّ وَجهٍ، بل يَدٌ فقط، فهو وإنْ كانَ مَملوكًا في يَدِه إلا أنَّه مِلكٌ لمَولاهُ حَقيقةً، ولم يُؤمَنْ من الانفِساخِ؛ لأنَّ مِلكَه دائِرٌ بينَه وبينَ سَيِّده، فإنْ أدَّى مالَ الكِتابةِ سلِمَ له، وإنْ عجَزَ سلِمَ لسَيِّده، فكما لا يَجبُ على السَّيِّدِ فيه شَيءٌ فكذا المُكاتَبُ لا يَجبُ عليه فيه شَيءٌ. ٢ - مَنْ عليه دَينٌ يُحيطُ بمالِه، فلا زَكاةَ عليه؛ لأنَّ مِلكَه فيه ناقِصٌ؛ لِاستِحقاقِه بالدَّينِ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ معه مالٌ في يَدِه- في الحَقيقةِ ليسَ له، وإنَّما لِلدائنِ وإنْ كانَ مالُه أكثَرَ من الدَّينِ زَكَّى الفاضِلَ إذا بلَغَ نِصابًا؛ لفَراغِه عن الحاجةِ. ٣ - المَبيعِ قبلَ قَبضِه، فهو -وإنْ كانَ مَملوكًا حَقيقةً- ليسَ في يَدِه فلا تَجبُ فيه الزَّكاةُ. ٤ - المالِ المَفقودِ. ٥ - الساقِطِ في بَحرٍ. ٦ - المَغصوبِ لا بيِّنةَ عليه. ٧ - المَدفونِ في بَرِّيةِ إذا خفِيَ على المالِكِ مَكانُه.

стр. 1757

فلا زَكاةَ عليه إذا عادَ إليه في واحِدةٍ مما ذُكرَ؛ لأنَّه -وإنْ كانَ مَملوكًا له رَقبةً- لا يَدَ له عليه (١).

стр. 1758

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1759

ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ: وقالَ المالِكيةُ: شَرطُ الزَّكاةِ في العَينِ وغيرِها أنْ يَكونَ المالُ مَملوكًا مِلكًا تامًّا، فلا زَكاةَ على: ١ - غاصِبٍ إذا لم يَكنْ عندَه وَفاءٌ بما يُعوِّضُه به وإلا زكَّاه. ٢ - ولا مُودَعٍ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ. ٣ - ولا مُلتقِطٍ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ وإنْ كانَ المالُ في أَيديهم حَقيقةً. ٤ - ولا على عبدِ لعَدمِ تَمامِ المِلكِ؛ لأنَّ للسَّيدِ أنْ يَنتزِعَه منه؛ لأنَّ فيه حَقًّا له. ٥ - ولا على السَّيدِ فيما بيَدِ عَبدِه؛ لأنَّ مَنْ ملَكَ أنْ يَملِكَ لا يُعدُّ مالِكًا.

стр. 1760

٦ - ولا على مَدينٍ لعَدمِ تَمامِه؛ لأنَّ لِأربابِ الدَّينِ انتِزاعًا منه؛ لأنَّ لهم فيه حَقًّا. ٧ - ولا في غَنيمةٍ قبلَ قَسمِها لعَدمِ قَرارِه. ٨ - ولا في عَينٍ مَغصوبةٍ، فلا زَكاةَ على رَبِّها لِعَجزِه عن تَنميَتِها، فإذا أخَذَها من الغاصِبِ فالمَشهورُ أنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ ساعةَ يَقبِضُها، ولو رَدَّها الغاصِبُ مع رِبحِها؛ لأنَّها حينَئذٍ كدَينِ القَرضِ؛ لأنَّه يُزكِّيه غيرُ المَدينِ إذا قبَضَه زَكاةً واحِدةً لِما مَضى من الأعَوامِ ويُزكِّيها الغاصِبُ إنْ كانَ عندَه ما يَجعَلُه فيها لِضَمانِه لها. ٩ - ولا زَكاةَ على مَدينٍ في مالِه العَينيِّ الحَوليِّ؛ لأنَّ الدَّينَ يُسقِطُ زَكاتَها، وسَواءٌ كانَ الدَّينُ عَينًا أو عَرضًا حالًّا أو مُؤجَّلًا لعَدمِ تَمامِ المِلكِ، وأمَّا المَعدِنُ والماشِيةُ والحَرثُ فإنَّ الزَّكاةَ في أَعيانِها فلا يُسقِطُها الدَّينُ. وتَجبُ عليه الزَّكاةُ فيما يَلي: ١ - في العَينِ المُودَعةِ إذا قبَضَها المالِكُ فيُزكِّيها لِما مَضى ولو لِأعوامٍ وإنْ غاب المُودَعُ بها، وهذا هو المَشهورُ، وفي قَولٍ: يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ إذا قبَضَها لعَدمِ التَّنميةِ، ورُويَ أنَّه يَستقبِلُ بها حَولًا بَعدَ قَبضِها. ٢ - وفي العَينِ إذا دفَعَها ربُّها لمَن يَتَّجِرُ فيها بغيرِ أجرٍ أو بأجرٍ بأنْ جعَلَ له في كلِّ يَومٍ أجرًا مَعلومًا، فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ فيها كلَّ عامٍ؛ لأنَّ تَحريكَه لها كتَحريكِ رَبِّها، فهو وَكيلٌ، فإذا كانَ رَبُّها مُديرًا قُوِّمَ ما بيَدِ العامِلِ من

стр. 1761

البِضاعةِ كلَّ عامٍ، وزَكَّاها مع مالِه، وإنْ غابَ، ولم يَعلَمْ قَدْرَها أخَّرَ زَكاتَها إلى حُضورِه فيُزكِّيها لِما مَضى، قالَ الخَرشيُّ: بلا خِلافٍ. ٣ - وفي العَينِ المَدفونةِ إذا ضَلَّ رَبُّها عنها ومَرَّ عليها أَعوامٌ ثم وجَدَها بعدُ فالأصَحُّ أنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ لا لكُلِّ عامٍ مَضى، ولا فَرقَ بينَ أنْ يَدفِنَها في الصَّحراءِ أو في غيرِها. ٤ - وفي العَينِ الضائِعةِ التي ضَلَّ رَبُّها عنها إذا وجَدَها رَبُّها فإنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ لا لِماضي الأَعوامِ، وهو المَشهورُ. ٥ - وكذا العَينُ المَدفوعةُ على أنَّ الرِّبحَ لِلعامِلِ بلا ضَمانٍ عليه فيما تلِفَ منها: يَعني أنَّ العَينَ إذا دفَعَها رَبُّها لمَن يَتَّجِرُ فيها والرِّبحُ كلُّه لِلعامِلِ ولا ضَمانَ عليه إنْ تلِفت ثم قبَضَها رَبُّها بعدَ أعوامٍ فإنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ، لا لِماضي الأَعوامِ على المَشهورِ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على تَحريكِها لِنَفسِه فأشبَهت اللُّقطةَ إلا أنْ يَكونَ مُديرًا فيُزكِّيَها مع مالِه كلَّ عامٍ إذا علِمَ أنَّها على حالِها ولا زَكاةَ على العامِلِ فيها، ولو كانَ عندَه وَفاءٌ بها؛ لأنَّها ليسَت له ولا في ضَمانِه. فإنْ كانَ على أنَّ الرِّبحَ لرَبِّها فيُزكِّيها ربُّها كلَّ عامٍ. وإنْ كانَ على الرِّبحِ بينَهما فيُزكِّيه رَبُّه إنْ أرادَ أو العامِلُ (١).

стр. 1762

ثالثًا: مَذهبُ الحَنابِلةِ: قال الحَنابِلةُ: يُشتَرطُ في وُجوبِ الزَّكاةِ تَمامُ المِلكِ في الجُملةِ؛ لأنَّ المِلكَ الناقِصَ ليسَ نِعمةً كامِلةً، وهي إنَّما تَجبُ في مُقابَلتِها؛ إذِ المِلكُ التامُّ عِبارةٌ عما كانَ بيَدِه لم يَتعلَّقْ به غَيرُه يَتصرَّفُ فيه على حسَبِ اختِيارِه وفوائِدُه حاصِلةٌ له فلا زَكاةَ عندَهم في: ١ - دَينِ الكِتابةِ لعَدمِ استِقرارِه؛ لأنَّه يَملِكُ تَعجيزَ نَفسِه ويَمتنِعُ من الأداءِ، ولهذا لا يَصحُّ ضَمانُها. ٢ - ولا زَكاةَ في السائِمةِ وغيرِها المَوقوفةِ على غيرِ مُعيَّنٍ كالمَساكينِ أو على مَسجدٍ ورِباطٍ ونَحوِهما كمَدرسةٍ؛ لعَدمِ مِلكِهم لها، كمالٍ مُوصى به في غيرِ وُجوهِ بِرٍّ، أي: خَيراتٍ من غَزوٍ ونَحوِه. ٣ - أو أَوصى بمالٍ في وُجوهِ البِرِّ أو ليَشتريَ بها ما يُوقَفُ فاتَّجرَ بها الوَصيُّ قبلَ صَرفِه فيما وَصَّى به فربِحَ المالَ فرِبحُه مع أصلِ المالِ يُصرِفُ فيما وَصَّى فيه لتَبعيَّةِ الرِّبحِ لِلأصلِ، ولا زَكاةَ فيهما لعَدمِ المالِكِ المُعيَّنِ، وإن خسِرَ المالَ ضمِنَ الوصيُّ النَّقصَ لمُخالَفتِه الإذْنَ. ٤ - ولا تَجبُ الزَّكاةُ في حِصَّةِ المُضارِبِ من الرِّبحِ قبلَ القِسمةِ، ولو مُلكَت بالظُّهورِ لعَدمِ استِقرارِها فلا يَنعقِدُ عليها الحَولُ قبلَ استِقرارِها بالقِسمةِ أو ما جَرى مَجراها. وتَجِبُ الزَّكاةُ فيما يلي: ١ - في سائِمةٍ مَوقوفةٍ على مُعيَّنٍ، كزَيدٍ أو عَمرٍو للعُمومِ، وكسائِرِ أملاكِه. وقالَ في «التلخيص»: الأشبَهُ أنَّه لا زَكاةَ، وقدَّمَه في «الكافي» لنَقصِه.

стр. 1763

٢ - وفي غَلةِ أرضٍ وغَلةِ شَجرٍ مَوقوفةٍ على مُعيَّنٍ إنْ بلَغَت الغَلةُ نِصابًا؛ لأنَّ الزَّرعَ والثَّمرَ ليسَا وَقفًا بدَليلِ بَيعِهما. ويُخرَجُ من غيرِ السائِمةِ كالزَّرعِ والثَّمرِ؛ لأنَّه مِلكُه بخِلافِ السائِمةِ فلا يُخرَجُ منها؛ لأنَّ الوَقفَ لا يَجوزُ نَقلُ المِلكِ فيه. فإنْ كانَ المَوقوفُ عليهم المُعيَّنونَ جَماعةً وبلَغَ نَصيبُ كلِّ واحِدٍ من غَلتِه، أي: المَوقوفِ من أرضٍ أو شَجرٍ، نِصابًا، وجَبَت الزَّكاةُ، وكذا لو بلَغَت حِصةُ بعضِهم نِصابًا وجَبَت عليه، وإنْ لم تَبلُغْ حِصةُ أحَدٍ منهم نِصابًا فلا زَكاةَ عليهم؛ لأنَّه لا أثَرَ للخُلطةِ في غيرِ الماشِيةِ. ٣ - ويُزكِّي رَبُّ المالِ حِصَّتَه من الرِّبحِ كالأصلِ لمِلكِه الرِّبحَ بظُهورِه وتَبعيَّتِه لِما له بخِلافِ المُضارِبِ، ولا يَجبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ حِصةِ المُضارِبِ من الرِّبحِ؛ لأنَّه غيرُ مالِكٍ لها. فلو دفَعَ حُرٌّ مُسلمٌ إلى رَجلٍ أَلفًا مُضارَبةً على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد ربِحَ المالُ ألفَينِ فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ أَلفينِ، رأسُ المالِ وحِصَّتُه من الرِّبحِ. ٤ - والمالُ المُوصَى به لِمُعيَّنٍ يُزكِّيه مَنْ حالَ الحَولُ وهو على مِلكِه سَواءٌ المُوصي والمُوصَى له. ولو وَصَّى بنَفعِ نِصابِ سائِمةٍ زَكَّاها مالِكُ الأصلِ كالمَوجودةِ (١).

стр. 1764

رابِعًا: مَذهبُ الشافِعيةِ: قالَ الشافِعيةُ: تَجبُ الزَّكاةُ على مَنْ يلي: مَنْ ضَلَّ مالُه. مَنْ غُصبَ مالُه. مَنْ سُرقَ مالُه وتَعذَّرَ انتِزاعُه. مَنْ أودَعه فجُحدَ. مَنْ وقَعَ في بَحرٍ. مَنْ أُسرَ وحِيلَ بينَه وبينَ ماشيَتِه، وسَواءٌ كانَ أَسيرًا عندَ كُفارٍ أو مُسلِمينَ. وكذا اللَّقطةُ في السَّنةِ الأُولى؛ لأنَّها باقيةٌ على مِلكِ مالِكِها. وكذا لو اشتَرى مالًا زَكويًّا فلم يَقبِضْه حتى مَضى حَولٌ في يَدِ البائِعِ فالمَذهبُ وُجوبُ الزَّكاةِ على المُشتَري لتَمامِ المِلكِ. وكذا لو رهَنَ ماشيةً أو غَيرَها من أَموالِ الزَّكاةِ وحالَ الحَولُ وجَبَت الزَّكاةُ لتَمامِ المِلكِ (١). قال الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فَصلٌ في اشتِراطِ المِلكِ التامِّ في الزَّكاةِ: لا تَجبُ فيما لا يَملِكُه مِلكًا تامًّا كالمالِ الذي في يَدِ مُكاتَبِه؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه، فهو كمالِ الأَجنبيِّ، ومالِ الماشيةِ المَوقوفةِ عليه، فإنَّه

стр. 1765

يُبنى على أنَّ المِلكَ في المَوقوفِ إلى مَنْ يَنتقِلُ بالوَقفِ، وفيه قَولانِ: أحدُهما يَنتقِلُ إلى اللهِ فلا تَجبُ زَكاتُه. والثاني: يَنتقِلُ إلى المَوقوفِ عليه، وفي زَكاتِه وَجهانِ: أحدُهما تَجبُ عليه؛ لأنَّه يَملِكُه مِلكًا تامًّا مُستقِرًّا فأشبَهَ غيرَ الوَقفِ، والثاني: لا تَجِبُ؛ لأنَّه مِلكٌ ضَعيفٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَملِكُ التَّصرُّفَ في رَقبَتِه فلم تَجِبِ الزَّكاةُ فيه، كالمُكاتَبِ وما في يَدِه (١). فصلٌ في المالِ المَغصوبِ والضالِّ: وأمَّا المالُ المَغصوبُ والضالُّ فلا تَلزمُه زَكاتُه قَبلَ أنْ يَرجِعَ إليه، فإنْ رجَعَ إليه مِنْ غيرِ نَماءٍ ففيه قَولانِ، قالَ في القَديمِ: لا تَجبُ؛ لأنَّه خرَجَ عن يَدِه وتَصرُّفِه فلم تَجبْ عليه زَكاتُه كالمالِ الذي في يَدِ مُكاتَبِه. وقالَ في الجَديِد: تَجبُ عليه؛ لأنَّه مالٌ له يَملِكُ المُطالَبةَ به، ويُجبَرُ على التَّسليمِ إليه، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ، كالمالِ الذي في يَدِ وَكيلِه، فإنْ رجَعَ إليه مع النَّماءِ ففيه طَريقانِ، قالَ أبو العَباسِ: تَلزمُه زَكاتُه قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما سقَطَت في أحدِ القَولَينِ لعَدمِ النَّماءِ، وقد حصَلَ له النَّماءُ فوجَب أنْ تَجِبَ. والصَّحيحُ أنَّه على القَولَينِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لم تَسقُطْ لعَدمِ النَّماءِ فإنَّ الذُّكورَ من الماشيةِ لا نَماءَ فيها، وتَجِبُ فيها الزَّكاةُ، وإنَّما سقَطَت لنُقصانِ المِلكِ بالخُروجِ عن يَدِه وتَصرُّفِه وبالرُّجوعِ لم يَعدْ ما فاتَ من اليَدِ والتَّصرُّفِ.

стр. 1766

وإنْ أُسرَ رَبُّ المالِ وحِيلَ بينَه وبينَ المالِ ففيه طَريقانِ، من أَصحابِنا مَنْ قالَ: هو كالمَغصوبِ؛ لأنَّ الحَيلولةَ مَوجودةٌ بينَه وبينَ المالِ، وفيه قَولانِ، ومنهم مَنْ قالَ: تَجبُ الزَّكاةُ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّه يَملِكُ بَيعَه ممَّن شاءَ فكانَ كالمُودَعِ. وإنْ وقَعَ الضالُّ بيَدِ مُلتقِطٍ وعرَّفَه حَولًا كامِلًا ولم يَختَرِ التَّملُّكَ وقُلنا إنَّه لا يَملِكُ حتى يَختارَ التَّملُّكَ على الصَّحيحِ من المَذهبِ ففيه طَريقانِ، مِنْ أَصحابِنا مَنْ قالَ: هو كما لو لم يَقعْ بيَدِ المُلتقِطِ فيَكونُ على قَولَينِ. ومنهم مَنْ قالَ: لا تَجبُ الزَّكاةُ قَولًا واحِدًا لأنَّ مِلكَه غيرُ مُستقِرٍّ بعدَ التَّعريفِ؛ لأنَّ المُلتقِطَ يَملِكُ أنْ يُزيلَه باختِيارِ التَّملُّكِ فصارَ كالمالِ الذي في يَدِ المُكاتَبِ. وإنْ كانَ له ماشيةٌ أو غَيرُها من أَموالِ الزَّكاةِ وعليه دَينٌ يَستغرِقُه أو يُنقِصُ المالَ عن النِّصابِ ففيه قَولانِ، قالَ في القَديمِ: لا تَجبُ الزَّكاةُ فيه؛ لأنَّ مِلكَه غيرُ مُستقِرٍّ؛ لأنَّه ربَّما أخَذَه الحاكِمُ بحَقِّ الغُرماءِ فيه. وقالَ في الجَديدِ: تَجبُ فيه الزَّكاةُ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَتعلَّقُ بالعَينِ، والدَّينُ يَتعلَّقُ بالذِّمةِ فلا يَمنَعُ أحدُهما الآخَرَ كالدَّينِ وأَرشِ الجِنايةِ. وإنْ حجَرَ عليه في المالِ ففيه ثَلاثُ طُرقٍ: أحدُها: إنْ كانَ المالُ ماشيةً وجَبَت فيه الزَّكاةُ؛ لأنَّه قد حصَلَ له النَّماءُ، وإنْ كانَ غيرَ الماشيةِ فعلى قَولَينِ كالمَغصوبِ.

стр. 1767

والثاني: أنَّه تَجبُ فيه الزَّكاةُ قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الحَجرَ لا يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ، كالحَجرِ على السَّفيهِ والمَجنونِ. والثالِثُ: وهو الصَّحيحُ أنَّه على قَولَينِ كالمَغصوبِ؛ لأنَّه حِيلَ بينَه وبينَه، فهو كالمَغصوبِ. وأمَّا القَولُ الأولُ: أنَّه قد حصَلَ له النَّماءُ في الماشيةِ فلا يَصحُّ؛ لأنَّه -وإن حصَلَ له النَّماءُ مَمنوعٌ من التَّصرُّفِ فيه ومَحولٌ دونَه. والقَولُ الثاني: لا يَصحُّ؛ لأنَّ حَجرَ السَّفيهِ والمَجنونِ لا يَمنَعُ التَّصرُّفَ لأنَّ وَليَّهما يَنوبُ عنهما في التَّصرُّفِ، وحَجرُ المُفلِسِ يَمنَعُ التَّصرُّفَ فافتَرَقا (١). فالشافِعيةُ كما هو ظاهِرٌ يرَونَ في الصَّحيحِ عندَهم أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في المالِ الذي يَملِكُه وإنْ كانَ لا يَملِكُ التَّصرُّفَ فيه في الحالِ، كالمَغصوبِ والمَحجورِ عليه والمأسورِ الذي حِيلَ بينَه وبينَ مالِه (٢). قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا ضَلَّ مالُه أو غُصبَ أو سُرقَ وتَعذَّرَ انتِزاعُه أو أودَعَه فجُحِدَ أو وقَعَ في بَحرٍ ففي وُجوبِ الزَّكاةِ أربَعُ حالاتٍ: أصَحُّها وأشهَرُها فيها قَولانِ أصَحُّهما وهو الجَديدُ: وُجوبُها، والقَديمُ: لا تَجبُ. والحالةُ الثانيةُ: القَطعُ بالوُجوبِ، وهو مَشهورٌ. والثالِثةُ: إنْ كانَ عادَ بنَمائِه وجَبَت وإلا فلا.

стр. 1768

والرابِعةُ: إنْ عادَ بنَمائِه وجَبَت وإلا ففيه القَولانِ، ودَليلُ الجَميعِ مَفهومٌ من كَلامِ المُصنِّفِ. ولو عادَ بعضُ النَّماءِ فهو كما لو لم يَعدْ شيءٌ منه، ومَعنى العَودِ بلا نَماءٍ أنْ يُتلِفَه الغاصِبُ ويَتعذَّرَ تَغريمُه، فأمَّا إنْ غرِمَ أو تلِفَ في يَدِه شَيءٌ كانَ تلِفَ في يَدِ المالِكِ أيضًا فهو كعَودِ النَّماءِ بعَينِه بالاتِّفاقِ، صرَّحَ به إمامُ الحَرمَينِ وآخَرونَ، ومَن قطَعَ بالوُجوبِ وعَدمِه تأوَّل النَّصَّ الآخَرَ. قال أَصحابُنا: والخِلافُ إنَّما هو في وُجوبِ إِخراجِ الزَّكاةِ بعدَ عَودِ المالِ إلى يَدِ المالِكِ هل يُخرِجُ عن المُدةِ الماضيةِ أو لا، ولا خِلافَ أنَّه لا يَجبُ الإخراجُ قبلَ عَودِ المالِ إلى يَدِه، وقد اتَّفقَ الأَصحابُ على التَّصريحِ بأنَّه لا خِلافَ فيه. قال أَصحابُنا: فلو تلِفَ المالُ بعدَ أَحوالٍ قبلَ عَودِه سقَطَت الزَّكاةُ على قَولِ الوُجوبِ؛ لأنَّه لم يَتمكَّنْ، والتَّلفُ قبلَ التَّمكُّنِ يُسقِطُها، واعلَمْ أنَّ الخِلافَ في الماشيةِ المَغصوبةِ هو فيما إذا كانَت سائِمةً في يَدِ المالِكِ والغاصِبِ جَميعًا، فإنْ عُلفَت في يَدِ أحدِهما ففيه خِلافٌ سَنذكرُه إنْ شاءَ اللهُ تعالَى قَريبًا في إسامةِ الغاصِبِ وعَلفِه هل يُؤثِّرانِ؟ قالَ أَصحابُنا: فإنْ قُلنا بالقَديمِ انقطَعَ الحَولُ بالغَصبِ والضَّلالِ ونَحوِه، فإذا عادَ المالُ استأنَف الحَولَ، وإنْ قُلنا بالجَديدِ لم يَنقطِعْ، قالَ أَصحابُنا: فلو كانَ له أربَعونَ شاةً فغُصبَت واحِدةٌ أو ضلَّتْ ثم عادَت إلى يَدِه فإنْ قُلنا: لا زَكاةَ في المَغصوبِ، استأنَف الحَولَ من حينِ عادَت سَواءٌ عادَتْ قبلَ تَمامِ الحَولِ أو بعدَه، وإنْ قُلنا: تَجبُ في المَغصوبِ بَنى إنْ وجَدَها قبلَ انقِضاءِ الحَولِ، وإنْ وجَدَها بعدَه زَكَّى الأربَعينَ، قالَ أَصحابُنا: وإذا أوجَبْنا الزَّكاةَ في الأَحوالِ الماضيةِ

стр. 1769

فشَرطُه ألَّا يَنقُصَ المالُ عن النِّصابِ بما يَجبُ للزَّكاةِ بأنْ يَكونَ في الماشيةِ وَقصٌ أو كانَ له مالٌ آخَرُ يَفي بقَدْرِ الزَّكاةِ (أمَّا) إذا كانَ المالُ نِصابًا فقط ومَضَت أَحوالٌ، قالَ الجُمهورُ: لا تَجبُ زَكاةُ ما زاد على الحَولِ الأولِ؛ لأنَّ قَولَ الوُجوبِ هو الجَديدُ، والجَديدُ يَقولُ بتَعلُّقِ الزَّكاةِ بالعَينِ، فيَنقُصُ النِّصابُ من السَّنةِ الثانيةِ فلا يَجبُ شَيءٌ إلا أنْ تتوالَدَ بحيث لا يَنقُصُ النِّصابُ، هذا قَولُ الجُمهورِ، ومنهم مَنْ أشارَ إلى خِلافٍ وهو يَتخرَّجُ من الطَّريقةِ الجازِمةِ بوُجوبِ الزَّكاةِ في المَغصوبِ واللهُ أعلمُ، قالَ أَصحابُنا ﵏: ولو دفَنَ مالَه في مَوضعٍ ثم نَسيَه ثم تَذكَّره بعدَ أَحوالٍ أو حَولٍ، فهو كما لو ضلَّ فيَكونُ على الخِلافِ السابِقِ، هذا هو المَشهورُ، وفيه طَريقةٌ أُخرى جازِمةٌ بالوُجوبِ ولا يَكونُ النِّسيانُ عُذرًا؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، حَكاه الرافِعيُّ، ولا فَرقَ عندَنا بينَ دَفنِه في دارِه وحِرزِه وغيرِ ذلك، واللهُ أعلمُ. المَسألةُ الثانيةُ: إذا أُسرَ رَبُّ المالِ وحِيلَ بينَه وبينَ ماشيَتِه فطَريقتانِ ذكَرَ المُصنِّفِ دَليلَهما وهما مَشهورانِ، أصَحُّهما عندَ الأَصحابِ القَطعُ بوُجوبِ الزَّكاةِ لنُفوذِ تَصرُّفِه. والثاني: أنَّه على الخِلافِ في المَغصوبِ، قالَ الماوَرديُّ والمَحامِليُّ وغيرُهما: هذا الطَّريقُ غَلَطٌ، قالَ أَصحابُنا: وسَواءٌ كانَ أسيرًا عندَ كُفارٍ أو مُسلِمينَ. الثالِثةُ: اللُّقطةُ في السَّنةِ الأُولى باقيةٌ على مِلكِ مالِكِها فلا زَكاةَ فيها على المُلتقِطِ، وفي وُجوبِها على المالِكِ الخِلافُ السابِقُ في المَغصوبِ والضالِّ، ثم إنْ لم يُعرِّفْها حَولًا فهكذا الحُكمُ في جَميعِ السِّنينَ، وإنْ عرَّفَها

стр. 1770

سَنةً بُنيَ حُكمُ الزَّكاةِ على أنَّ المُلتقِطَ هل يَملِكُ اللُّقطةَ بمُضيِّ سَنةِ التَّعريفِ أو باختيارِ التَّملُّكِ أو بالتَّصرُّفِ، وفيه خِلافٌ مَعروفٌ في بابِه، فإنْ قُلنا: يَملِكُ بانقِضائِها فلا زَكاةَ على المالِكِ، وفي وُجوبِها على المُلتقِطِ وَجهانِ، وإنْ قُلنا: يَملِكُ باختيارِ التَّملُّكِ، وهو المَذهبُ، نُظِرَ إنْ لم يَتملَّكْها فهي باقيةٌ على مِلكِ المالِكِ، وفي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه طَريقانِ، أصَحُّهما عندَ الأَصحابِ أنَّه على القَولَينِ كالسَّنةِ الأُولى. والثاني: لا زَكاةَ قَطعًا لِتَسلُّطِ المُلتقِطِ على تَملُّكِها، وأمَّا إذا تَملَّكها المُلتقِطُ فلا تَجبُ زَكاتُها على المالِكِ لِخُروجِها عن مِلكِه، ولكنَّه يَستحِقُّ قيمَتَها في ذِمَّةِ المُلتقِطِ، ففي وُجوبِ زَكاةِ القيمةِ عليه خِلافٌ من وَجهَينِ: أحدُهما: كَونُها دَينًا. والآخَرُ: كَونُها مالًا ضائِعًا، ثم المُلتقِطُ مَدينٌ بالقيمةِ، فإنْ لم يَملِكْ غَيرَها ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه الخِلافُ الذي سنذكُرُه إنْ شاء اللهُ تعالى: أنَّ الدَّينَ هل يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ أو لا؟ وإنْ ملَكَ غَيرَها شَيئًا يَفي بالزَّكاةِ فوَجهانِ مَشهورانِ: الصَّحيحُ باتِّفاقِ الأَصحابِ وُجوبُ الزَّكاةِ إذا مَضى عليه حَولٌ من حينِ ملَك اللُّقطةَ؛ لأنَّه مِلكٌ مَضى عليه حَولٌ في يَدِ مالِكِه، والثاني: لا تَجبُ لضَعفِه لتَوقُّعِ مَجيءِ المالِكِ، قالَ أَصحابُنا: هُما مَبنيَّانِ على أنَّ المالِكَ إذا ظفِرَ باللُّقطةِ بعدَ أنْ تَملَّكها المُلتقِطُ هل له الرُّجوعُ في عَينِها أو ليسَ له إلا القيمةُ؟ فيه وَجهانِ مَشهورانِ؟ فإنْ قُلنا: يَرجعُ في عَينِها فمِلكُ المُلتقِطِ ضَعيفٌ لعَدمِ استِقرارِه، فلا زَكاةَ وإلا وجَبَت، أمَّا إذا قُلنا: لا يَملِكُ المُلتقِطُ إلا بالتَّصرُّفِ فلم يَتصرَّفْ كما إذا لم يَتملَّكْ، وقُلنا: لا يَملِكُ إلا به، واللهُ أعلمُ.

стр. 1771

* (فَرعٌ): لو اشتَرى مالًا زَكويًّا فلم يَقبِضْه حتى مَضى حَولٌ في يَدِ البائِعِ فالمَذهبُ وُجوبُ الزَّكاةِ على المُشتَري، وبه قطَعَ الجُمهورُ لتَمامِ المِلكِ، وقيل: لا تَجبُ قَطعًا لضَعفِه وتَعرُّضِه للانفِساخِ ومَنعِ تَصرُّفِه، وقيلَ: فيه الخِلافُ في المَغصوبِ. * (فَرعٌ): لو رهَنَ ماشيةً أو غَيرَها من أَموالِ الزَّكاةِ وحالَ الحَولُ فطَريقتانِ: المَذهبُ وبه قطَعَ الجُمهورُ: وُجوبُ الزَّكاةِ لِتَمامِ المِلكِ، وقيلَ: فيه الخِلافُ في المَغصوبِ لِامتِناعِ التَّصرُّفِ، والذي قالَه الجُمهورُ تَفريعٌ على المَذهبِ، وهو أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ، وفيه الخِلافُ المَذكورُ في الفَصلِ بعدَه، وإذا أوجَبْنا الزَّكاةَ في المَرهونِ فمِن أينَ يُخرِجُها؟ فيه كَلامٌ يَأتي إنْ شاءَ اللهُ تعالَى في بابِ زَكاةِ الذَّهبِ والفِضةِ (١). بعضُ المَسائِلِ التي تَتعلَّقُ بالمِلكِ المُطلَقِ أو المِلكِ التامِّ: المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الدَّينِ: الدَّينُ يَنقسِمُ إلى قِسمَينِ: دَينٌ للمِلكِ على الآخَرينَ، ودَينٌ عليه لِلآخَرينَ. أمَّا الأولُ فإذا كانَ له دَينٌ عندَ الناسِ، فهذا لا يَخلو من حالَتَينِ: الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الدَّينُ عندَ مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له.

стр. 1772

الحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ على مُفلِسٍ أو مُعسِرٍ أو جاحِدٍ له أو غيرِ مَليءٍ. الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ الدَّينُ عندَ مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له: اختَلفَ الفُقهاءُ في الدَّينِ إذا كانَ على مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له هل تَجبُ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّه المالِكُ أو لا تَجبُ عليه وتَجبُ على المَدينِ؛ لأنَّه المُتصرِّفُ فيه والمُنتفِعُ به، أو لا تَجبُ على واحِدٍ منهما؛ لأنَّ المالِكَ يدُه ليسَت عليه، والمَدينَ -وإنْ كانَت يَدُه عليه- غيرُ مالِكٍ له. ثم إذا وجَبَت عليه هل تَجبُ لكلِّ عامٍ أو لِعامٍ واحِدٍ فقط بعدَ قَبضِها؟ في ذلك أربَعةُ أَقوالٍ للعُلماءِ: القَولُ الأولُ: أنَّ الدَّينَ إذا كانَ على مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له وجَبَ عليه الزَّكاةُ لما مَضى من السِّنينَ إذا قبَضَ المالَ، ولا يَجبُ عليه إِخراجُ الزَّكاةِ حتى يَقبِضَ الدَّينَ، فإذا قبَضَه وجَبَ عليه أنْ يُؤدِّيَ زَكاةَ ما مَضى من السِّنينَ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ، وهو قَولُ سَيِّدنا علِيٍّ ﵁ والثَّوريِّ والأَوزاعيِّ وأبي ثَورٍ وابنِ عبدِ البَرِّ من المالِكيةِ، واستدلُّوا على وُجوبِه عليه وأنَّه يُزكِّيه لِما مَضى؛ بأنَّه مَملوكٌ له يَقدِرُ على الانتِفاعِ به، فلزِمَته زَكاتُه كسائِرِ أَموالِه. واستدلُّوا على عَدمِ وُجوبِه حتى يَقبِضَه بما يلي: ١ - أنَّه دَينٌ ثابِتٌ في الذِّمةِ فلا يَلزمُه الإِخراجُ قبلَ قَبضِه كما لو كانَ على مُعسِرٍ.

стр. 1773

٢ - لأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ على طَريقِ المُواساةِ وليسَ من المُواساةِ أنْ يُخرِجَ زَكاةَ مالٍ لا يُنتفَعُ به، وأمَّا الوَديعةُ فهي بمَنزلةِ ما في يَدِه؛ لأنَّ المُستودَعَ نائِبٌ عنه في حِفظِه ويَدَه كيَدِه. قال الحَنفيةُ: إذا كانَ له دَينٌ على مُقرٍّ به فالزَّكاةُ واجِبةٌ فيه، ولا يَلزمُه إِخراجُها حتى يَقبِضَه. أمَّا الدَّليلُ على وُجوبِ الزَّكاةِ فأنَّه في ذِمةِ غيرِه بفِعلِه كما لو جعَلَه في يَدِ غيرِه بالوَديعةِ، فإذا وجَبَت الزَّكاةُ فكذلك الدَّينُ؛ ولأنَّه مِلكٌ له يَجوزُ تَصرُّفه فيه بالتَّمليكِ والبَراءةِ كالعَينِ. والدَّليلُ على أنَّه لا يَلزَمُه تَعجيلُ الأداءِ قبلَ القَبضِ: أنَّ الدَّينَ أنقَصَ العَينَ، بدِلالةِ أنَّه لو أَخرجَ زَكاةَ الدَّينِ عن العَينِ لا يَجوزُ؛ ولأنَّ الدَّينَ يَجوزُ تَصرُّفُه فيه مع مَنْ هو في ذِمتِه خاصَّةً، والعَينُ يَجوزُ تَصرُّفُه فيها من كلِّ وَجهٍ، وإذا كانَ ناقِصًا والزَّكاةُ تَجبُ فيه، بدِلالةِ أنَّه لو برِئَ سقَطَت، فإذا ألزَمْناه التَّعجيلَ ألزَمْناه الكامِلَ عن الناقِصِ، وهذا لا يَجبُ كما لا يَجبُ أنْ يُخرِجَ البِيضَ عن السُّودِ؛ ولأنَّه دَينٌ في الذِّمةِ لا يَجبُ تَعجيلُ زَكاتِه كالمُؤجَّلِ، وكما لو كانَ على مُعسِرٍ (١).

стр. 1774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1775

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1776

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ له دَينٌ على مَليءٍ قادِرٍ على وَفائِه باذِلٍ لِلدَّينِ مِنْ قَرضٍ أو دَينٍ من عُروضِ تِجارةٍ أو صَداقٍ أو مَبيعٍ لم يَقبِضْه فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ عليه؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يَتصرَّفَ فيه بالإِبراءِ والحَوالةِ إلا أنَّه لا يَلزمُه أنْ يُخرِجَها حتى يَقبِضَه فيُؤدِّيَ لِما مَضى؛ لأنَّه دَينٌ ثابِتٌ في الذِّمةِ يَلزمُه الإِخراجُ قبلَ قَبضِه كما لو كانَ على مُعسِرٍ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ على طَريقِ المُواساةِ، وليسَ من المُواساةِ أنْ يُخرِجَ زَكاةَ مالٍ لا يُنتفَعُ به. وسواءٌ قصَدَ ببَقائِه الفِرارَ من الزَّكاةِ أو لا، وإنَّما يُزكِّيه لِما مَضى؛ لأنَّه مَملوكٌ له يَقدِرُ على الانتِفاعِ به فلزِمَته زَكاتُه كسائِرِ أَموالِه (١). قال الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: كلُّ من كانَ له دَينٌ من قَرضٍ اقتَرضَه وأخرَجَه عَينًا من يَدِه أو مِنْ ثَمنِ سِلعةٍ كانَت عندَه لِلتِّجارةِ وهو غيرُ مُديرٍ فباعَها بدَينٍ فلا زَكاةَ عليه فيه حتى يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكاةً لحَولٍ واحِدٍ سواءٌ أقامَ حَولًا أو أحوالًا عندَ الذي هو عليه، وليسَ عليه أنْ يُخرِجَ زَكاتَه من غيرِه، وأحَبُّ إليَّ أنْ كانَ على مَليءٍ أنْ يُزكِّيَه لِحَولِه ولا يَجبُ ذلك عليه عندَ مالِكٍ قادرًا كانَ على أخذِه أو غيرَ قادِرٍ حتى يَقبِضَه، والذي أقولُ

стр. 1777

به إنْ كانَ على مَليءٍ قد حَلَّ أجَلُه فتَركَه ولم يَقبِضْه فعليه زَكاتُه، فإنْ كانَ وَديعةً وهو يَقدِرُ على أخذِه ففيه الزَّكاةُ، فإنْ ترَكَه على هذه الحالِ سِنينَ ثم قبَضَه فعليه زَكاةٌ لِما مَضى من الأَعوامِ (١). القَولُ الثاني: أنَّ مَنْ له دَينٌ على مَليءٍ مُقرٍّ به باذِلٍ له وجَبَ عليه الزَّكاةُ في الحالِ، وإنْ لم يَقبِضْه وهو مَذهبُ الشافِعيةِ في الجَديدِ وأحمدَ في رِوايةٍ، وهو مَرويٌّ عن عُمرَ وعُثمانَ وابنِ عُمرَ وجابِرٍ ﵃، و طاوسٍ والنَّخعيِّ و جابِرِ بنِ زَيدٍ والحَسنِ ومَيمونِ بنِ مِهرانَ و الزُّهريِّ وقَتادةَ وابنِ شُبرمةَ وحَمادِ بنِ أَبي سُليمانَ وإِسحاقَ وأبي عُبيدٍ القاسِمِ بنِ سَلامٍ، فيَجبُ عليه إِخراجُ الزَّكاةِ في الحالِ، وإنْ لم يَقبِضْه؛ لأنَّه قادِرٌ على أخذِه والتَّصرُّفِ فيه، فلزِمَه إِخراجُ زَكاتِه كالوَديعةِ (٢). فعن عُمرَ ﵁ أنَّه كانَ إذا خرَجَ العَطاءُ أخذَ الزَّكاةَ من شاهِدِ المالِ عن الغائِبِ والشاهِدِ (٣). وعن عبدِ المَلكِ بنِ أَبي بَكرٍ أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ قالَ: «إذا حلَّت الصَّدقةُ فاحسُبْ دَينَك وما عِندَك واجمَعْ ذلك كلَّه ثم زَكِّه» (٤).

стр. 1778

وعن ابنِ شِهابٍ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنَّ عُثمانَ كانَ يَقولُ: «إنَّ الصَّدقةَ تَجبُ في الدَّينِ الذي لو شِئتَ تَقاضَيتَه من صاحِبِه الذي هو على مَليءٍ تَدعُه حَياءً أو مُصانَعةً ففيه الصَّدقةُ» (١). وفي لَفظِ البَيهَقيِّ: عن السائِبِ بنِ يَزيدَ عن عُثمانَ بنِ عَفانَ ﵁ قالَ: «زَكِّه -يَعني الدَّينَ- إذا كانَ عندَ المُلآءِ» (٢). وعن نافِعٍ عن ابنِ عُمَر ﵄ قالَ: «كلُّ دَينٍ لك تَرجو أخْذَه فإنَّ عليكَ زَكاتَه كلَّما حالَ الحَولُ» (٣). وعن اللَّيثِ بنِ سَعدٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عَباسٍ وعبدَ اللهِ بنَ عُمرَ قالا: «مَنْ أسلَفَ مالًا فعليه زَكاتُه في كلِّ عامٍ إذا كانَ في ثِقةٍ» (٤). وعن عِكرِمةَ عن ابنِ عَباسٍ ﵁ «أنَّه سُئلَ عن زَكاةِ مالِ الغائِبِ فقالَ: أدِّ عن الغائِبِ من المالِ كما تُؤدِّي عن الشاهِدِ، فقالَ له الرَّجلُ: إذًا يَهلِكُ المالُ. فقالَ: هَلاكُ المالِ خَيرٌ من هَلاكِ الدِّينِ» (٥). وعن أَبي الزُّبَيرِ «أنَّه سمِعَ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ -وقيل له في دَينٍ لرَجلٍ على آخَرَ: أيُعطي زَكاتَه؟ قالَ: نَعم» (٦).

стр. 1779

وعن جابِرِ بنِ زَيدٍ قالَ: «أيَّ دَينٍ تَرجوه فإنَّه تُؤدَّى زَكاتُه» (١). وعن عُثمانَ بنِ الأسوَدِ «أنَّه سألَ مُجاهِدًا عن ذلك فقالَ: زَكِّ ما تَرى أنَّه يَخرُجُ» (٢). وعن يُونُسَ عن الحَسنِ ومُغيرةَ عن إِبراهيمَ أنَّهما كانَا يَقولانِ: «يُزكِّي من الدَّينِ ما كانَ في مَلاءةٍ» (٣). وعن مَيمونِ بنِ مِهرانَ قالَ: «إذا حلَّت عليك الزَّكاةُ فانظُرْ إلى كلِّ مالٍ لكَ وكلِّ دَينٍ في مَلأةٍ فاحسُبْه ثم ألقِ منه ما عليكَ من الدَّينِ ثم زَكِّ ما بقِيَ» (٤). قال أبو عُبيدٍ: وأمَّا الذي أَختارُه من هذا فالأخذُ بالأَحاديثِ العاليةِ التي ذكَرْناها عن عُمرَ وعُثمانَ وجابِرٍ وابنِ عُمرَ ثم بقَولِ التابِعين بعدَ ذلك: الحَسنِ وإِبراهيمَ وجابِرِ بنِ زَيدٍ ومُجاهِدٍ ومَيمونِ بنِ مِهرانَ أنَّه يُزكِّيه في كلِّ عامٍ مع مالِه الحاضِرِ إذا كانَ الدَّينُ على الأَملياءِ المَأمونينَ؛ لأنَّ هذا حينَئذٍ بمَنزِلةِ ما بيَدِه وفي بَيتِه، وإنَّما اختاروا، أو مَنْ اختار منهم تَزكيةَ الدَّينِ مع عَينِ المالِ؛ لأنَّ مَنْ ترَكَ ذلك حتى يَصيرَ إلى القَبضِ لم يَكدْ يَقفُ من زَكاةِ دَينِه على حَدٍّ، ولم يَقمْ بأَدائِها، وذلك أنَّ الدَّينَ ربما اقتَضاه رَبُّه مُتقطِّعًا كالدَّراهمِ الخَمسةِ والعَشَرةِ وأكثَرَ من ذلك وأقَلَّ فهو يَحتاجُ في كلِّ دِرهمٍ

стр. 1780

يَقتضيه فما فوقَ ذلك إلى مَعرِفةِ ما غابَ عنه من السِّنينَ والشُّهورِ والأيامِ، ثم يُخرِجُ مِنْ زَكاتِه بحِسابِ ما يُصيبُه وفي أقَلَّ من هذا ما تَكونُ المَلالةُ والتَّفريطُ، فلِهذا أَخذوا له بالاحتياطِ، فقالوا: يُزكِّيه مع جُملةِ مالِه في رأسِ الحَولِ، وهو عِندي وَجهُ الأمرِ، فإنْ أطلَقَ ذلك الوَجهَ الآخَرَ مُطيقٌ حتى لا يَشِذَّ عليه منه شَيءٌ واسِعٌ له إنْ شاءَ اللهُ، وهذا كلُّه في الدَّينِ المَرجُوِّ الذي يَكونُ على الثِّقاتِ (١). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا كانَ الدَّينُ لرَجلٍ غائِبٍ عنه فهو كما تَكونُ التِّجارةُ له غائبةً عنه، والوَديعةُ، وفي كلٍّ زَكاةٌ. قال: وإذا سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ في الحَولِ لم يَجزْ أنْ يَجعلَ زَكاةَ مالِه إلا في حَولٍ؛ لأنَّ المالَ لا يَعدو أنْ يَكونَ فيه زَكاةٌ، وألَّا يَكونَ إلا كما سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ ، أو ألَّا يَكونَ فيه زَكاةٌ، فيَكونَ كالمالِ المُستفادِ. قال الشافِعيُّ: وإذا كانَ لرَجلٍ على رَجلٍ دَينٌ فحالَ عليه حَولٌ ورَبُّ المالِ يَقدِرُ على أخذِه منه بحُضورِ رَبِّ الدَّينِ ومَلائِه، وأنَّه لا يَجحَدُه ولا يَضطَرُّه إلى عَدوى، فعليه أنْ يَأخذَه منه، أو زَكاتُه كما يَكونُ ذلك عليه في الوَديعةِ هكذا، وإنْ كانَ رَبُّ المالِ غائبًا، أو حاضِرًا لا يَقدرُ على أخذِه منه إلا بخَوفٍ، أو بفَلَسٍ له إنِ استَعدى عليه، وكان الذي عليه الدَّينُ غائِبًا حَسبَما احتُبِسَ عندَه حتى يُمكِنَه أنْ يَقبِضَه، فإذا قبَضَه أدَّى زَكاتَه لِما مَرَّ

стр. 1781

عليه من السِّنينَ لا يَسَعُه غيرُ ذلك، وهكذا الماشيةُ تَكونُ للرَّجلِ غائبةً لا يَقدِرُ عليها بنَفسِه ولا يَقدرُ له عليها، وهكذا الوَديعةُ والمالُ يَدفنُه فيَنسَى مَوضعَه لا يَختلِفُ في شَيءٍ. قال الشافِعيُّ: وإنْ كانَ المالُ الغائِبُ عنه في تِجارةٍ يَقدرُ وَكيلٌ له على قَبضِه حيثُ هو، قُوِّمَ حيثُ هو، وأُدِّيت زَكاتُه ولا يَسَعُه إلا ذلك، وهكذا المالُ المَدفونُ والدَّينُ، وكلَّما قلت: «لا يَسعُه إلا تأديةُ زَكاتِه بحَولِه وإمكانِه له»، فإنْ هلَك قبلَ أنْ يَصلَ إليه وبعدَ الحَولِ وقد أمكَنه فزَكاتُه عليه دَينٌ، وهكذا كلُّ مالٍ له يَعرِفُ مَوضِعَه ولا يَدفُعُ عنه، فكلَّما قلت له: «يُزكِّيه» لا يَلزمُه زَكاتُه قبلَ قَبضِه حتى يَقبِضَه فهلَكَ المالُ قبلَ أنْ يُمكِنَه قَبضُه فلا ضَمانَ عليه فيما مَضى من زَكاتِه؛ لأنَّ العَينَ التي فيها الزَّكاةُ هلَكَت قبلَ أنْ يُمكِنَه أنْ يُؤدِّيَها (١). وقالَ العَمرانيُّ ﵀: وإنْ كانَ له دَينٌ، فإنْ كانَ لَازمًا، فقالَ في الجَديدِ: تَجبُ فيه الزَّكاةُ. وهو الأصَحُّ؛ لأنَّه مالٌ يَقدِرُ على قَبضِه، فهو كالوَديعةِ. فإذا قُلنا بهذا: وعليه التَّفريعُ نَظرتَ في الدَّينِ: فإنْ كانَ حالًّا على مَليءٍ باذِلٍ له أيَّ وَقتٍ طُولِبَ به فهذا يَجبُ على مالِكِه إِخراجُ الزَّكاةِ عنه عندَ تَمامِ كلِّ حَولٍ إنْ كانَ نِصابًا؛ لأنَّ هذا كالمالِ المُودَعِ (٢).

стр. 1782

القَولُ الثالِثُ: أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ عليه إذا قبَضَ المالَ لِعامٍ واحِدٍ فقط، وإنْ مكَثَ عندَ المَدينِ أَعوامًا وهو مَذهبُ المالِكيةِ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ، ورُويَ ذلك عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وعَطاءِ بنِ أَبي رَباحٍ وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ وأبي الزِّنادِ وهي رِوايةٌ عن أحمدَ (١). قالوا: الزَّكاةُ تَجبُ عليه بعدَ قَبضِه عن سَنةٍ واحِدةٍ فقط، وإنْ أقامَ عندَ المَدينِ أَعوامًا من يَومِ مِلكِ الأصلِ، أو مِنْ يَومِ تَزكيتِه عندَما كانَ بيَدِه؛ لأنَّا لو أوجَبْنا عليه فيه الزَّكاةَ في كلِّ عامٍ، وهو بيَدِ غيرِه نَماؤُه له لَأدَّى ذلك إلى أنْ تَستهلِكَه الزَّكاةُ، ولِهذا الوَجهِ أبطَلنا الزَّكاةَ في أَموالِ القِنيةِ؛ لأنَّا لو أوجَبْنا فيها الزَّكاةَ لاستَهلَكتْها الزَّكاةُ، إنَّما هي على سَبيلِ المُواساةِ في الأَموالِ التي تُمكِنُ تَنميتُها فلا تُفِيتُها الزَّكاةُ في الأغلَبِ. ومَحلُّ تَزكيتِه لسَنةٍ فقط، إذا لم يُؤخِّرْه فِرارًا من الزَّكاةِ، فإنْ أخَّرَه فِرارًا من الزَّكاةِ زَكَّاه لكلِّ عامٍ مضى. قال الإمامُ مالِكٌ ﵀ في «مُوطَّئِه»: بابُ الزَّكاةِ في الدَّينِ: حدَّثَني يَحيى عن مالِكٍ عن ابنِ شِهابٍ عن السائِبِ بنِ يَزيدَ أنَّ عُثمانَ ابنَ عَفانَ كانَ يَقولُ: «هذا شَهرُ زَكاتِكم، فمَن كانَ عليه دَينٌ فليُؤدِّ دَينَه حتى تُحصَّلَ أَموالُكم فتُؤدوا منه الزَّكاةَ». وحدَّثَني عن مالِكٍ عن أيُّوبَ بنِ أَبي تَميمةَ السَّختيانِيِّ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كتَبَ في مالٍ قبَضَه بعضُ الوُلاةِ ظُلمًا يَأمرُ برَدِّه إلى أهلِه ويُؤخَذُ

стр. 1783

زَكاتُه لِما مَضى من السِّنينَ ثم عقَّبَ بعدَ ذلك بكِتابٍ ألَّا يُؤخَذَ منه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، فإنَّه كانَ ضِمارًا. وحدَّثَني عن مالِكٍ عن يَزيدَ بنِ خَصيفةَ أنَّه سألَ سُليمانَ بنَ يَسارٍ عن رَجلٍ له مالٌ وعليه دَينٌ مِثلُه، أعليه زَكاةٌ؟ فقالَ: لا. قال مالِكٌ: الأمْرُ الذي لا اختِلافَ فيه عندَنا في الدَّينِ أنَّ صاحِبَه لا يُزكِّيه حتى يَقبِضَه، وإنْ أقامَ عندَ الذي هو عليه سِنينَ ذواتِ عَددٍ ثم قبَضَه صاحِبُه لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، فإنْ قبَضَ منه شَيئًا لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ فإنَّه إنْ كانَ له مالٌ سِوى الذي قبَضَ تَجبُ فيه الزَّكاةُ، فإنَّه يُزكِّي مع ما قبَضَ من دَينِه ذلك (١). قال الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قد بيَّنَ مالِكٌ ﵀ مَذهبَه في الدَّينِ في هذا البابِ من مُوطَّئِه وأشارَ إلى الحُجةِ لمَذهبِه بعضَ الإِشارةِ، والدَّينُ عندَه والعُروضُ لغيرِ المُديرِ بابٌ واحِدٌ، ولم يَرَ في ذلك إلا زَكاةً واحِدةً لِما مَضى من الأَعوامِ تأسِّيًا بعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ في المالِ الضِّمارِ؛ لأنَّه قَضى أنَّه لا زَكاةَ فيه إلا لِعامٍ واحِدٍ، والدَّينُ الغائِبُ عندَه كالضِّمارِ؛ لأنَّ الأصلَ في الضِّمارِ ما غابَ عن صاحبِه، والعُروضُ عندَه لِمن لا يُديرُ، وعندَ بعضِ أَصحابِه لِمن يُديرُ إذا كانَ عليه حُكمُه حُكمُ الدَّينِ المَذكورِ. وليس لِهذا المَذهبِ في النَّظرِ كَبيرُ حَظٍّ إلا ما يُعارِضُه من النَّظرِ ما هو أَقوى منه.

стр. 1784

والذي عليه غَيرُه من الدَّينِ أنَّه إذا كانَ قادرًا على أخذِه فهو كالوَديعةِ يُزكِّيه لكلِّ عامٍ؛ لأنَّ تَركَه له وهو قادِرٌ على أخذِه كتَركِه له في بَيتِه، وما لم يَكنْ قادرًا على أخذِه فقد مَضى في هذا البابِ ما لِلعُلماءِ في ذلك، والاحتياطُ في هذا أَوْلى واللهُ المُوفِّقُ لِلصَّوابِ وهو حَسبي ونِعمَ الوَكيلُ (١). والمالِكيةُ وَضعوا أربَعةَ شُروطٍ لِزَكاتِه لِعامٍ واحِدٍ، وهي: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ أصلُ الدَّينِ عَينًا بيَدِ المالِكِ أو بيَدِ وَكيلِه ثم أسلَفَه للمَدينِ قَرضًا أو عُروضَ تِجارةٍ كانَت بيَدِه ثم باعَها بثَمنٍ لأجَلٍ مَعلومٍ. أمَّا إنْ كانَ أصلُ الدَّينِ عَطيَّةً بيَدِ مُعطيها كالهِبةِ أو الصَّداقِ بيَدِ الزَّوجِ أو الخُلعِ بيَدِ الزَّوجةِ فلا زَكاةَ فيه إلا بعدَ مُرورِ حَولٍ من قَبضِه. الشَّرطُ الثاني: أنْ يَقبِضَ الدَّينَ من المَدينِ: فإذا لم يَقبِضِ الدَّينَ منه فلا زَكاةَ عليه، قالَ مالِكٌ: الأمرُ الذي لا اختلافَ فيه عندَنا في الدَّينِ أنَّ صاحبَه لا يُزكِّيه حتى يَقبِضَه، وإنْ أقامَ عندَ الذي هو عليه سِنينَ ذواتَ عَددٍ ثم قبَضَه صاحِبُه لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ (٢). وممَّا يُؤيِّدُ ذلك أنَّ الدَّينَ ربَّما هلَكَ ولا يَدري صاحِبُه هل يَقتَضيه أو لا؟ فلا يُكلَّفُ أداءَ الزَّكاةِ عنه من مالِه، فربَّما هلَكَ قبلَ أنْ يَقبِضَه فيُؤدِّي الزَّكاةَ عما لم يَصرْ إليه.

стр. 1785

وقالَ الباجيُّ: ومما يبيِّن ما قالَه مالِكٌ ﵀ أنَّه لو كانَ له مالٌ غائِبٌ عنه في بَلدٍ نازحٍ وحال عليه الحَولُ فإنَّه لا يُكلَّفُ أداءَ الزَّكاةِ عنه مما بيَدِه؛ لأنَّه لا يَدري هل يَصلُ إليه أو لا؟ وإنْ كانَ في يَدِ وَكيلٍ أو مُبضِعٍ معه ويَدُه كيَدِه لَكانَ من ضَمانِه فبألَّا يُكلَّفَ أنْ يُخرِجَ ما بيَدِه من مالِه عن مالٍ هو بيَدِ غيرِه أو في ضَمانِه أَوْلى وأحرى (١). ولأنَّ المالَ الذي لم يَقبِضْه صاحِبُه لا يَكونُ قادرًا على تَنميتِه، والزَّكاةُ إنَّما شُرعَت في الأَموالِ التي تَنمو (٢). الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ الدَّينُ الذي قبَضَه عَينًا -ذَهبًا أو فِضةً- لا عَرضًا، فإذا كانَ عَرضًا لا يُزكِّيه إلا بعدَ بَيعِه. ووَجهُ ذلك أنَّ الزَّكاةَ المُتعلِّقةَ بالعَينِ إنَّما تَجري في المالِ على ما هو عليه يَومَ وُجوبِ الزَّكاةِ، وإنَّما تَجبُ الزَّكاةُ في الدَّينِ يَومَ قَبضِه، فإذا كانَ ذَهبًا فحُكمُه حُكمُ الذَّهبِ، وإنْ كانَ ورِقًا فحُكمُه حُكمُ الورِقِ ولو أخَذَ به عَرضًا لم يُزَكِّه إلا على حُكمِ العَرضِ. الشَّرطُ الرابِعُ: أنْ يَكونَ ما قبَضَه نِصابًا كامِلًا فإنْ قبَضَه على دُفعاتٍ وكانَت كلٌّ منها أقَلَّ من النِّصابِ، يُزكِّيه عندَ تَمامِ النِّصابِ، وإنْ كانَ ما قبَضَه أقَلَّ من نِصابٍ لكنْ كُمِّلَ من فائِدةٍ تم حَولُها عندَ قَبضِ الدَّينِ تَجبُ عليه الزَّكاةُ، كأنْ قبَضَ مئةَ دِرهَمٍ من الدَّينِ، وكان عندَه مِئةٌ أُخرى قد حالَ عليها الحَولُ فإنَّه تَجبُ عليه الزَّكاةُ.

стр. 1786

ودَليلُ هذا الشَّرطِ أنَّه لا يُزكِّي إذا قبَضَ أقَلَّ من النِّصابِ لجَوازِ ألَّا يَقبِضَ من دَينِه غَيرَه فنَكونَ قد أوجَبنا عليه الزَّكاةَ في أقَلَّ من النِّصابِ. فإنْ كانَ عندَه مالُ غيرِه قد حالَ عليه الحَولُ فزَكَّاه أو لم يُزكِّه بأنْ قد بلَغَ النِّصابَ أو كانَ أقَلَّ من النِّصابِ، وإذا أُضيفَ إلى ما قُبضَ من دَينِه فبلَغا النِّصابَ زكَّى ما قبَضَ من دَينِه؛ لأنَّه قد وجَدَ فيه سَببَ الحَولِ، وهو مُستنِدٌ إلى مالٍ قد حالَ عليه الحَولُ وبلَغَ النِّصابَ أو بلَغَ ما قبَضَ من الدَّينِ النِّصابَ فيَكونُ ما قبَضَ من دَينِه بمَنزِلةِ فائِدةٍ حالَ عليها الحَولُ، ثم قبَضَ الدَّينَ (١). قال الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: كلُّ مَنْ كانَ له دَينٌ من قَرضٍ اقتَرضَه وأخرَجَه عَينًا من يَدِه أو من ثَمنِ سِلعةٍ كانَت عندَه لِلتِّجارةِ وهو غيرُ مُديرٍ، فباعَها بدَينٍ فلا زَكاةَ عليه فيه حتى يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكَّاه لِحَولٍ واحِدٍ وسَواءٌ أَقامَ حَولًا أو أحوالًا عندَ الذي هو عليه، وليسَ عليه أنْ يُخرِجَ زَكاتَه من غيرِه، وأحَبُّ إلَيَّ إنْ كانَ على مَليءٍ أنْ يُزكِّيَه لِحَولِه، ولا يَجبُ ذلك عليه عندَ مالِكٍ، قادرًا كانَ على أخذِه أو غيرَ قادِرٍ حتى يَقبِضَه، والذي أَقولُ به: إنْ كانَ على مَليءٍ قد حَلَّ أجَلُه فتَرَكه ولم يَقبِضْه فعليه زَكاتُه، فإنْ كانَ وَديعةً وهو يَقدِرُ على أخذِه ففيه الزَّكاةُ، فإنْ ترَكَه على هذه الحالِ سِنينَ ثم قبَضَه زَكَّاه لِما مَضى من الأَعوامِ (٢).

стр. 1787

القَولُ الرابِعُ: وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ وابنِ حَزمٍ (١)، ورُوي ذلك عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنين وعِكرِمةَ وعَطاءٍ ﵃ أنَّه ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ مُطلَقًا إلا إذا قبَضَه فإنَّه يَستأنِفُ به حَولًا جَديدًا. فعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ مُحمدٍ عن أبِيه عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ ﵂: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٢). ومِن طَريقِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ عن سُفيانَ الثَّوريِّ عن أَبي الزِّنادِ عن عِكرِمةَ قالَ: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٣). ورَوى ابنُ أَبي شَيبةَ عن أَبي مُعاويةَ عن حَجَّاجٍ عن عَطاءٍ قالَ: «ليسَ على صاحِبِ الدَّينِ الذِي هوَ له ولَا الذِي هو عَليه زَكاةٌ» (٤).

стр. 1788

وذلك لأنَّه غيرُ نامٍ، فلم تَجبْ زَكاتُه كعُروضِ القِنيةِ. قال الشافِعيُّ في القَديم -فيما نقَله الزَّعفرانيُّ عنه-: «ولا أعلمُ في وُجوبِ الزَّكاةِ في الدَّينِ خَبرًا يَثبُتُ، وعِندي: أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في الدَّينِ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ عليه، ولا مُعيَّنٍ» (١). وجاء في «مَسائِلِ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ» في رِوايةِ ابنِه عبدِ اللهِ قالَ: سمِعتُ أَبي يَقولُ: وكان الشافِعيُّ يَقولُ: ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ (٢) (٣).

стр. 1789

سَببُ اختِلافِ الفُقهاءِ في زَكاةِ الدَّينِ: أقولُ -واللهُ تعالَى أعلمُ-: إن سَببَ الخِلافِ في زَكاةِ الدَّينِ أَمرانِ: الأولُ: أنَّه لا يُوجَدُ نَصٌّ صَريحٌ في القُرآنِ ولا في السُّنةِ، ولا يُوجَدُ إِجماعٌ يُوجِبُ أو يُسقِطُ الزَّكاةَ في الدَّينِ. قال الأَمينُ الشِّنقيطيُّ ﵀: ولا نَعلَمُ في زَكاةِ الدَّينِ نَصًّا من كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إِجماعٍ، ولا في كَونِ الدَّينِ مانِعًا من وُجوبِ الزَّكاةِ على المَدينِ إنْ كانَ يَستغرِقُ أو يُنقِصُ النِّصابَ، إلا آثارًا ورَدَت عن بعضِ السَّلفِ (١). الآخَرُ: أنَّ الآثارَ المَرويَّةَ عن السَّلفِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ مُتعارِضةٌ، وإذا تَعارَضت فلا يَكونُ بعضُها حُجةً على الآخَرِ. ومِن ثَم تَعدَّدَ النَّقلُ عندَ أَصحابِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الدَّينُ على مَدينٍ مُفلِسٍ أو جاحِدٍ له أو مُماطِلٍ أو غاصِبٍ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الدَّينَ إذا كانَ على مُفلِسٍ مُقِرٍّ به أو على جاحِدٍ أو على مُماطِلٍ لا يُخرِجُ زَكاتَه إلا إذا قبَضَه. ثم اختلَفوا إذا قبَضَه هل تَجبُ عليه زَكاتُه لِما مَضى من السِّنينَ عندَه أو لِعامٍ واحِدٍ فقط، أو لا تَجبُ مُطلَقًا، وإنَّما يستأنِفُ به حَولًا جَديدًا؟ على أَقوالٍ في هذا.

стр. 1790

القَولُ الأولُ: وهو قَولُ الشافِعيةِ في الأظهَرِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وزُفرَ من الحَنفيةِ وابنِ شَعبانَ من المالِكيةِ إلى أنَّه إذا قبَضَ الدَّينَ الذي على المُفلِسِ أو الجاحِدِ أو المُماطِلِ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يُزكِّيَه لِما مَضى من السِّنينَ بعدَ قَبضِه ورُجوعِ المالِ إليه؛ لأنَّ مِلكَه عليه تامٌّ فلزِمَته زَكاتُه، كما لو نسِيَ عندَ مَنْ أودَعه، أو كما إذا أُسرَ أو حُبسَ وحِيلَ بينَه وبينَ مالِه؛ ولأنَّه مالٌ يَملِكُ المُطالبةَ به، ويُجبَرُ على التَّسليمِ إليه وجَبَ فيه الزَّكاةُ كالمالِ الذي في يَدِ وَكيلِه (١). قال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ: إذا كانَ له دَينٌ على مَليءٍ مُوسِرٍ إلا أنَّه يُقرُّ به في الباطِنِ دونَ الظاهِرِ ولا بيِّنةَ له وجَبَت فيه الزَّكاةُ إذا حالَ عليه الحَولُ، لكنْ لا يَلزَمُ المالِكَ إِخراجُها إلا بعدَ أنْ يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكَّاه لِما مَضى. وكذا إذا كانَ الدَّينُ على مَليءٍ جاحِدٍ له في الظاهِرِ والباطِنِ، أو على مُقرٍّ مُعسِرٍ فيَلزَمُه أنْ يُزكِّيَه إذا قبَضَه لِما مَضى (٢). قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو جحَدَ مالَه أو غصَبَه أو غرِقَ فأَقامَ زمانًا ثم قدِرَ عليه فلا يَجوزُ فيه إلا واحِدٌ من قَولَينِ: ألَّا يَكونَ عليه زَكاةٌ حتى يَحولَ عليه الحَولُ مِنْ يَومِ قَبضِه؛ لأنَّه مَغلوبٌ عليه، أو أنْ يَكونَ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّ مِلكَه لم يَزلْ عنه لِما مَضى من السِّنينَ، فإنْ قبَضَ من ذلك ما في
следующие страницы →