← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

ودَليلُ هذا الشَّرطِ أنَّه لا يُزكِّي إذا قبَضَ أقَلَّ من النِّصابِ لجَوازِ ألَّا يَقبِضَ من دَينِه غَيرَه فنَكونَ قد أوجَبنا عليه الزَّكاةَ في أقَلَّ من النِّصابِ. فإنْ كانَ عندَه مالُ غيرِه قد حالَ عليه الحَولُ فزَكَّاه أو لم يُزكِّه بأنْ قد بلَغَ النِّصابَ أو كانَ أقَلَّ من النِّصابِ، وإذا أُضيفَ إلى ما قُبضَ من دَينِه فبلَغا النِّصابَ زكَّى ما قبَضَ من دَينِه؛ لأنَّه قد وجَدَ فيه سَببَ الحَولِ، وهو مُستنِدٌ إلى مالٍ قد حالَ عليه الحَولُ وبلَغَ النِّصابَ أو بلَغَ ما قبَضَ من الدَّينِ النِّصابَ فيَكونُ ما قبَضَ من دَينِه بمَنزِلةِ فائِدةٍ حالَ عليها الحَولُ، ثم قبَضَ الدَّينَ (١). قال الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: كلُّ مَنْ كانَ له دَينٌ من قَرضٍ اقتَرضَه وأخرَجَه عَينًا من يَدِه أو من ثَمنِ سِلعةٍ كانَت عندَه لِلتِّجارةِ وهو غيرُ مُديرٍ، فباعَها بدَينٍ فلا زَكاةَ عليه فيه حتى يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكَّاه لِحَولٍ واحِدٍ وسَواءٌ أَقامَ حَولًا أو أحوالًا عندَ الذي هو عليه، وليسَ عليه أنْ يُخرِجَ زَكاتَه من غيرِه، وأحَبُّ إلَيَّ إنْ كانَ على مَليءٍ أنْ يُزكِّيَه لِحَولِه، ولا يَجبُ ذلك عليه عندَ مالِكٍ، قادرًا كانَ على أخذِه أو غيرَ قادِرٍ حتى يَقبِضَه، والذي أَقولُ به: إنْ كانَ على مَليءٍ قد حَلَّ أجَلُه فتَرَكه ولم يَقبِضْه فعليه زَكاتُه، فإنْ كانَ وَديعةً وهو يَقدِرُ على أخذِه ففيه الزَّكاةُ، فإنْ ترَكَه على هذه الحالِ سِنينَ ثم قبَضَه زَكَّاه لِما مَضى من الأَعوامِ (٢).

стр. 1787

القَولُ الرابِعُ: وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ وابنِ حَزمٍ (١)، ورُوي ذلك عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنين وعِكرِمةَ وعَطاءٍ ﵃ أنَّه ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ مُطلَقًا إلا إذا قبَضَه فإنَّه يَستأنِفُ به حَولًا جَديدًا. فعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ مُحمدٍ عن أبِيه عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ ﵂: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٢). ومِن طَريقِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ عن سُفيانَ الثَّوريِّ عن أَبي الزِّنادِ عن عِكرِمةَ قالَ: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٣). ورَوى ابنُ أَبي شَيبةَ عن أَبي مُعاويةَ عن حَجَّاجٍ عن عَطاءٍ قالَ: «ليسَ على صاحِبِ الدَّينِ الذِي هوَ له ولَا الذِي هو عَليه زَكاةٌ» (٤).

стр. 1788

وذلك لأنَّه غيرُ نامٍ، فلم تَجبْ زَكاتُه كعُروضِ القِنيةِ. قال الشافِعيُّ في القَديم -فيما نقَله الزَّعفرانيُّ عنه-: «ولا أعلمُ في وُجوبِ الزَّكاةِ في الدَّينِ خَبرًا يَثبُتُ، وعِندي: أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في الدَّينِ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ عليه، ولا مُعيَّنٍ» (١). وجاء في «مَسائِلِ أحمدَ بنِ حَنبَلٍ» في رِوايةِ ابنِه عبدِ اللهِ قالَ: سمِعتُ أَبي يَقولُ: وكان الشافِعيُّ يَقولُ: ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ (٢) (٣).

стр. 1789

سَببُ اختِلافِ الفُقهاءِ في زَكاةِ الدَّينِ: أقولُ -واللهُ تعالَى أعلمُ-: إن سَببَ الخِلافِ في زَكاةِ الدَّينِ أَمرانِ: الأولُ: أنَّه لا يُوجَدُ نَصٌّ صَريحٌ في القُرآنِ ولا في السُّنةِ، ولا يُوجَدُ إِجماعٌ يُوجِبُ أو يُسقِطُ الزَّكاةَ في الدَّينِ. قال الأَمينُ الشِّنقيطيُّ ﵀: ولا نَعلَمُ في زَكاةِ الدَّينِ نَصًّا من كِتابٍ، ولا سُنَّةٍ، ولا إِجماعٍ، ولا في كَونِ الدَّينِ مانِعًا من وُجوبِ الزَّكاةِ على المَدينِ إنْ كانَ يَستغرِقُ أو يُنقِصُ النِّصابَ، إلا آثارًا ورَدَت عن بعضِ السَّلفِ (١). الآخَرُ: أنَّ الآثارَ المَرويَّةَ عن السَّلفِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ مُتعارِضةٌ، وإذا تَعارَضت فلا يَكونُ بعضُها حُجةً على الآخَرِ. ومِن ثَم تَعدَّدَ النَّقلُ عندَ أَصحابِ المَذاهِبِ الفِقهيَّةِ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ الدَّينُ على مَدينٍ مُفلِسٍ أو جاحِدٍ له أو مُماطِلٍ أو غاصِبٍ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الدَّينَ إذا كانَ على مُفلِسٍ مُقِرٍّ به أو على جاحِدٍ أو على مُماطِلٍ لا يُخرِجُ زَكاتَه إلا إذا قبَضَه. ثم اختلَفوا إذا قبَضَه هل تَجبُ عليه زَكاتُه لِما مَضى من السِّنينَ عندَه أو لِعامٍ واحِدٍ فقط، أو لا تَجبُ مُطلَقًا، وإنَّما يستأنِفُ به حَولًا جَديدًا؟ على أَقوالٍ في هذا.

стр. 1790

القَولُ الأولُ: وهو قَولُ الشافِعيةِ في الأظهَرِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وزُفرَ من الحَنفيةِ وابنِ شَعبانَ من المالِكيةِ إلى أنَّه إذا قبَضَ الدَّينَ الذي على المُفلِسِ أو الجاحِدِ أو المُماطِلِ فإنَّه يَجبُ عليه أنْ يُزكِّيَه لِما مَضى من السِّنينَ بعدَ قَبضِه ورُجوعِ المالِ إليه؛ لأنَّ مِلكَه عليه تامٌّ فلزِمَته زَكاتُه، كما لو نسِيَ عندَ مَنْ أودَعه، أو كما إذا أُسرَ أو حُبسَ وحِيلَ بينَه وبينَ مالِه؛ ولأنَّه مالٌ يَملِكُ المُطالبةَ به، ويُجبَرُ على التَّسليمِ إليه وجَبَ فيه الزَّكاةُ كالمالِ الذي في يَدِ وَكيلِه (١). قال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ: إذا كانَ له دَينٌ على مَليءٍ مُوسِرٍ إلا أنَّه يُقرُّ به في الباطِنِ دونَ الظاهِرِ ولا بيِّنةَ له وجَبَت فيه الزَّكاةُ إذا حالَ عليه الحَولُ، لكنْ لا يَلزَمُ المالِكَ إِخراجُها إلا بعدَ أنْ يَقبِضَه، فإذا قبَضَه زَكَّاه لِما مَضى. وكذا إذا كانَ الدَّينُ على مَليءٍ جاحِدٍ له في الظاهِرِ والباطِنِ، أو على مُقرٍّ مُعسِرٍ فيَلزَمُه أنْ يُزكِّيَه إذا قبَضَه لِما مَضى (٢). قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولو جحَدَ مالَه أو غصَبَه أو غرِقَ فأَقامَ زمانًا ثم قدِرَ عليه فلا يَجوزُ فيه إلا واحِدٌ من قَولَينِ: ألَّا يَكونَ عليه زَكاةٌ حتى يَحولَ عليه الحَولُ مِنْ يَومِ قَبضِه؛ لأنَّه مَغلوبٌ عليه، أو أنْ يَكونَ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّ مِلكَه لم يَزلْ عنه لِما مَضى من السِّنينَ، فإنْ قبَضَ من ذلك ما في

стр. 1791

مِثلِه الزَّكاةُ زَكَّاه لِما مَضى، وإنْ لم يَكنْ في مِثلِه زَكاةٌ فكانَ له مالٌ ضَمَّه إليه وإلا حسَبَه، فإذا قبَضَ ما إذا جُمعَ إليه ثبَتَ فيه الزَّكاةُ زكَّى لِما مَضى (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا ضَلَّ مالُه أو غُصبَ أو سُرقَ وتَعذَّرَ انتِزاعُه أو أودَعَه فجُحدَ أو وقَعَ في بَحرٍ ففي وُجوبِ الزَّكاةِ أربَعُ حَالاتٍ: أصَحُّها وأشهَرُها فيه قَولانِ، أصَحُّهما وهو الجَديدُ: وُجوبُها، والقَديمُ: لا تَجبُ. والحالةُ الثانيةُ: القَطعُ بالوُجوبِ، وهو مَشهورٌ. والثالِثةُ: إنْ كانَ عادَ بنَمائِه وجَبَت، وإلا فلا. والرابعةُ: إنْ عادَ بنَمائِه وجَبَت وإلا ففيه القَولانِ، ودَليلُ الجَميعِ مَفهومٌ من كَلامِ المُصنِّفِ، ولو عادَ بعضُ النَّماءِ فهو كما لو لم يَعدْ شَيءٌ منه، ومعنى العَودِ بلا نَماءٍ أنْ يُتلِفَه الغاصِبُ ويَتعذَّرَ تَغريمُه، فأمَّا إنْ غرِمَ أو تلِفَ في يَدِه شَيءٌ كانَ يَتلفُ في يَدِ المالِكِ أيضًا فهو كعَودِ النَّماءِ بعَينِه بالاتِّفاقِ، صرَّحَ به إمامُ الحَرمَينِ وآخَرونَ، ومَن قطَعَ بالوُجوبِ وعَدمِه تأوَّل النَّصَّ الآخَرَ. قال أَصحابُنا: والخِلافُ إنَّما هو في وُجوبِ إِخراجِ الزَّكاةِ بعدَ عَودِ المالِ إلى يَدِ المالِكِ هل يَخرجُ عن المُدةِ الماضيةِ أو لا، ولا خِلافَ في أنَّه لا يَجبُ الإِخراجُ قبلَ عَودِ المالِ إلى يَدِه، وقد اتَّفقَ الأَصحابُ على التَّصريحِ بأنَّه لا خِلافَ فيه.

стр. 1792

قال أَصحابُنا: فلو تلِفَ المالُ بعدَ أَحوالٍ قبلَ عَودِه سقَطَت الزَّكاةُ على قَولِ الوُجوبِ؛ لأنَّه لم يَتمكَّنْ، والتَّلفُ قبلَ التَّمكُّنِ يُسقِطُها، واعلَمْ أنَّ الخِلافَ في الماشيةِ المَغصوبةِ هو فيما إذا كانَت سائِمةً في يَدِ المالِكِ والغاصِبِ جَميعًا، فإنْ تَلِفت في يَدِ أحدِهما ففيه خِلافٌ سنَذكُرُه إنْ شاء اللهُ تعالَى قَريبًا في أولِ الغَصبِ، وتَلفُه هل يُؤثِّرُ؟ إنْ قالَ أَصحابُنا فإنْ قُلنا بالقَديمِ انقطَعَ الحَولُ بالغَصبِ والضَّلالِ ونَحوِه، فإذا عادَ المالُ استأنَفَ الحَولَ، وإنْ قُلنا بالجَديدِ لم يَنقطِعْ، قالَ أَصحابُنا: فلو كانَ له أربَعونَ شاةً فغُصِبت واحِدةٌ أو ضَلَّت ثم عادَت إلى يَدِه فإنْ قُلنا لا زَكاةَ في المَغصوبِ استأنَف الحَولَ من حينِ عادَت؛، سَواءٌ عادَت قبلَ تَمامِ الحَولِ أو بعدَه، وإنْ قُلنا: تَجبُ في المَغصوبِ بَنى إنْ وجَدَها قبلَ انقِضاءِ الحَولِ، وإنْ وجَدَها بعدَه زكَّى الأربَعينَ، قالَ أَصحابُنا: وإذا أوجَبنا الزَّكاةَ في الأَحوالِ الماضيةِ فشَرطُه ألَّا يَنقُصَ المالُ عن النِّصابِ بما يَجبُ للزَّكاةِ بأنْ يَكونَ في الماشيةِ وَقصٌ أو كانَ له مالٌ آخَرُ يَفي بقَدرِ الزَّكاةِ، أمَّا إذا كانَ المالُ نِصابًا فقط، ومَضَت أَحوالٌ فقالَ الجُمهورُ: لا تَجبُ زَكاةُ ما زادَ على الحَولِ الأولِ؛ لأنَّ قَولَ الوُجوبِ هو الجَديدُ، والجَديدُ يَقولُ بتَعلُّقِ الزَّكاةِ بالعَينِ، فيَنقُصُ النِّصابُ من السَّنةِ الثانيةِ، فلا يَجبُ شَيءٌ إلا أنْ تَتوالَد بحيثُ لا يَنقُصُ النِّصابُ هذا قَولُ الجُمهورِ، ومنهم من أَشار إلى خِلافٍ وهو يَتخرَّجُ من الطَّريقةِ الجازِمةِ بوُجوبِ الزَّكاةِ في المَغصوبِ، واللهُ أعلمُ، قالَ أَصحابُنا ﵏: ولو دفَنَ مالَه في مَوضعٍ تم نسِيَه ثم تذكَّرَه بعدَ أَحوالٍ أو حَولٍ فهو كما لو ضَلَّ فيَكونُ على الخِلافِ السابِقِ، هذا هو المَشهورُ، وفيه

стр. 1793

طَريقٌ آخَرُ جازِمةٌ بالوُجوبِ ولا يَكونُ النِّسيانُ عُذرًا؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، حَكاه الرافِعيُّ، ولا فَرقَ عندَنا بينَ دَفنِه في دارِه وحِرزِه وغيرِ ذلك، واللهُ أعلمُ. المَسألةُ الثانيةُ: إذا أُسرَ رَبُّ المالِ وحِيلَ بينَه وبينَ ماشيَتِه فطَريقانِ، ذكَرَ المُصنِّفُ دَليلَهما وهُما مَشهورانِ: أصَحُّهما عند الأَصحاب: القَطعُ بوُجوبِ الزَّكاةِ لِنُفوذِ تَصرُّفِه. والثاني: أنَّه على الخِلافِ في المَغصوبِ، قالَ الماوَرديُّ والمَحامِليُّ وغيرُهما: هذا الطَّريقُ غَلطٌ، قالَ أَصحابُنا: وسَواءٌ كانَ أسيرًا عندَ كُفارٍ أو عندَ مُسلِمينَ. المَسألةُ الثالثةُ: اللُّقَطةُ في السَّنةِ الأُولى باقيةٌ على مِلكِ مالِكِها، فلا زَكاةَ فيها على المُلتقِطِ، وفي وُجوبِها على المالِكِ الخِلافُ السابِقُ في المَغصوبِ والضالِّ، ثم إنْ لم يُعرِّفْها حَولًا فهكذا الحُكمُ في جَميعِ السِّنينَ، وإنْ عرَّفَها سَنةً بُني حُكمُ الزَّكاةِ على أنَّ المُلتقِطَ هل يَملِكُ اللُّقَطةَ بمُضيِّ سَنةِ التَّعريفِ أو باختِيارِ التَّملُّكِ أو بالتَّصرُّفِ، وفيه خِلافٌ مَعروفٌ في بابِه، فإنْ قُلنا: يَملِكُ بانقِضائِها فلا زَكاةَ على المالِكِ، وفي وُجوبِها على المُلتقِطِ وَجهانِ، وإنْ قُلنا: يَملِكُ باختيارِ التَّملُّكِ، وهو المَذهبُ، نُظرَ إنْ لم يَتملَّكْها فهي باقيةٌ على مِلكِ المالِكِ، وفي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه طَريقانِ، أصَحُّهما عندَ الأَصحابِ: أنَّه على القَولَينِ كالسَّنةِ الأُولى. والثاني: لا زَكاةَ قَطعًا لِتَسلُّطِ المُلتقِطِ على تَملُّكِها، وأمَّا إذا تَملَّكها المُلتقِطُ فلا تَجبُ زَكاتُها على المالِكِ لخُروجِها عن مِلكِه، ولكنَّه يَستحِقُّ قيمَتَها في ذِمةِ المُلتقِطِ، ففي وُجوبِ زَكاةِ القيمةِ عليه خِلافٌ مِنْ وَجهَينِ:

стр. 1794

أحدُهما: كَونُها دَينًا. والآخَرُ: كَونُها مالًا ضائِعًا، ثم المُلتقِطُ مَدينٌ بالقيمةِ فإنْ لم يَملِكْ غَيرَها ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه الخِلافُ الذي سنَذكُرُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى، أنَّ الدَّينِ هل يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ أو لا، وإنْ ملَكَ غَيرَها شَيئًا يَفي بالزَّكاةِ فوَجهانِ مَشهورانِ، الصَّحيحُ باتِّفاقِ الأَصحابِ وُجوبُ الزَّكاةِ إذا مَضى عليه حَولٌ من حينِ ملَكَ اللُّقطةَ؛ لأنَّه مِلكٌ مَضى عليه حَولٌ في يَدِ مالِكِه، والثاني: لا تَجبُ لِضَعفِه لتَوقُّعِ مَجيءِ المالِكِ، قالَ أَصحابُنا: هما مَبنيَّانِ على أنَّ المالِكَ إذا ظفِرَ باللُّقطةِ بعدَ أنْ تَملَّكَها المُلتقِطُ هل له الرُّجوعُ في عَينِها أو ليسَ له إلا القِيمةُ، فيه وَجهانِ مَشهورانِ؟ فإنْ قُلنا: يَرجعُ في عَينِها فمِلكُ المُلتقِطِ ضَعيفٌ لعَدمِ استِقرارِه، فلا زَكاةَ، وإلا وجَبَت، أمَّا إذا قُلنا: لا يَملِكُ المُلتقِطُ إلا بالتَّصرُّفِ فلم يَتصرَّفْ كما إذا لم يَتملَّكْ، وقُلنا: لا يَملِكُ إلا به، واللهُ أعلمُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: تَجبُ الزَّكاةُ في دَينٍ على غيرِ مَليءٍ، وهو المُعسِرُ، ودَينٍ على مُماطِلٍ، وفي دَينٍ مُؤجَّلٍ، وفي مَجحودٍ ببَينةٍ، أو لا لصِحَّةِ الحَوالةِ به، والإبراءِ منه، فيُزكِّي ذلك إذا قبَضَه لِما مَضى من السِّنينَ، رَواه أبو عُبيدةَ عن علِيٍّ وابنِ عَباسٍ للعُمومِ كسائِرِ مالِه. وتَجبُ الزَّكاةُ أيضًا في مَغصوبٍ في جَميعِ الحَولِ أو في بَعضِه بيَدِ الغاصِبِ أو مَنْ انتَقلَ إليه من الغاصِبِ وكذا لو كانَ تالِفًا؛ لأنَّه مالٌ يَجوزُ

стр. 1795

التَّصرُّفُ فيه بالإِبراءِ منه والحَوالةِ به، وعليه أشبَهَ الدَّينَ على المَليءِ فيُزكِّيه مالِكُه إذا قبَضَه لِما مَضى من السِّنينَ ويَرجعُ المَغصوبُ منه على الغاصِبِ بالزَّكاةِ زَمنَ غَصبِه كتلَفِ المَغصوبِ بيَدِ الغاصبِ فإنَّه يَضمَنُه، فكذا نَقصُه، وتَجبُ الزَّكاةُ في مالٍ ضائِعٍ، كلُقَطةٍ، فزَكاةُ حَولِ التَّعريفِ على رَبِّها، أي: اللُّقَطةُ إذا وجَدَها، وزَكاةُ ما بعدَ حَولِ التَّعريفِ على مُلتقِطٍ؛ لِدُخولِ اللُّقطةِ في مِلكِه بمُضيِّ حَولِ التَّعريفِ بشَرطِه، كالإرثِ، فتَصيرُ كسائِرِ أَموالِه. وتَجِبُ الزَّكاةُ أيضًا في مَسروقٍ ومَدفونٍ ومَنسيٍّ في دارِه أو غيرِها، أو مالٍ مَعروفٍ له لكن جهِلَ عندَ مَنْ هو، وفي مَوروثٍ ولو جهِلَه أو عندَ مَنْ هو، ومَرهونٍ ويُخرِجُها الراهِنُ من المَرهونِ إن أذِنَ له المُرتهِنُ، أو لم يَكنْ له مالٌ يُؤدِّي منه الزَّكاةَ غيرُ المَرهونِ كأَرشِ جِنايةِ العبدِ المَرهونِ على دِينِه وإلا بأنْ كانَ للمُرتهَنِ مالٌ يُؤدِّي منه الزَّكاةَ غيرُ الرَّهنِ فإنَّه يُؤدِّيها مِنْ غيرِه لتَعلُّقِ حَقِّ المُرتهَنِ به. وتَجبُ في مَبيعٍ ولو كانَ في خيارٍ، ولو قبلَ قَبضِ المُشتَري إيَّاه، وسَواءٌ كانَ دَينًا أو عَينًا؛ لأنَّ زَكاةَ الدَّينِ على مَنْ هو له لا على مَنْ هو عليه (١). القَولُ الثاني: أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في المالِ الذي على الجاحِدِ له، أو على المَليءِ المُماطِلِ، وكذا المُعسِرُ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في

стр. 1796

قَولٍ، والحَنابِلةِ في رِوايةٍ وابنِ عبدِ البَرِّ وغَيرِه من المالِكيةِ وابنِ حَزمٍ، وهذا في الجُملةِ. قال الحَنفيةُ: لا تَجبُ الزَّكاةُ في المالِ الضِّمارِ، وتَفسيرُ مالِ الضِّمارِ هو: كلُّ مالٍ غيرِ مَقدورٍ الانتِفاعُ به مع قيامِ أصلِ المِلكِ، ولكنْ زالَ عن يَدِه زَوالًا يُرجَى عَودُه في الأغلَبِ، كالعبدِ الآبِقِ والضالِّ، والمالِ المَفقودِ، والمالِ الساقِطِ في البَحرِ، والمالِ الذي أخذَه السُّلطانُ مُصادَرةً، والدَّينِ المَجحودِ إذا لم يَكنْ للمالِكِ بَينةٌ وحالَ الحَولُ ثم صارَ له بَينةٌ بأنْ أقَرَّ عندَ الناسِ، والمالِ المَدفونِ في الصَّحراءِ إذا خفِيَ على المالِكِ مَكانُه، فإنْ كانَ مَدفونًا في البَيتِ تَجبُ فيه الزَّكاةُ بالإِجماعِ. لِما رُويَ عن علِيٍّ ﵁ مَوقوفًا عليه ومَرفوعًا إلى رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «لا زَكاةَ في مالِ الضِّمارِ» (١). وهو المالُ الذي لا يُنتفَعُ به مع قيامِ المِلكِ مَأخوذٌ من البَعيرِ الضامِرِ الذي لا يُنتفَعُ به لِشِدَّةِ هُزالِه مع كَونِه حَيًّا، وهذه الأَموالُ غيرُ مُنتفَعٍ بها في حَقِّ المالِكِ لعَدمِ وُصولِ يَدِه إليها، فكانَت ضِمارًا؛ ولأنَّ المالَ إذا لم يَكنْ مَقدورًا الانتِفاعُ به في حَقِّ المالِكِ لا يَكونُ المالِكُ به غَنيًّا ولا زَكاةَ على غيرِ الغَنيِّ بالحَديثِ. ولأنَّ السَّببَ هو المالُ النامي، ولا نَماءَ إلا بالقُدرةِ على التَّصرُّفِ، ولا قُدرةَ عليه.

стр. 1797

وتَجبُ في الدَّينِ المُقَرِّ به إذا كانَ المُقِرُّ مَليئًا فهو مُمكِنٌ الوُصولُ إليه. وأمَّا الدَّينُ المَجحودُ فإنْ لم يَكنْ له بَينةٌ فلا زَكاةَ فيه، وإنْ كانَ له بَينةٌ اختَلفَ المَشايخُ فيه، قالَ بعضُهم: تَجبُ الزَّكاةُ فيه؛ لأنَّه يُمكِنُ الوُصولُ إليه بالبَينةِ، فإذا لم يُقِمِ البَينةَ فقد ضَيَّع القُدرةَ فلم يُعذَرْ. وقالَ بعضُهم: لا تَجِبُ؛ لأنَّ الشاهِدَ قد يَفسُقُ إلا إذا كانَ القاضِي عالِمًا بالدَّينِ؛ لأنَّه يَقضي بعِلمِه فكانَ مَقدورًا الانتِفاعُ به. وإنْ كانَ المَدينُ يُقِرُّ في السِّرِّ ويَجحَدُ في العَلانيةِ فلا زَكاةَ فيه، كذا رُويَ عن أَبي يُوسفَ؛ لأنَّه لا يُنتفَعُ بإِقرارِه في السِّرِّ، فكانَ بمَنزِلةِ الجاحِدِ سِرًّا وعَلانيةً. وإنْ كانَ المَدينُ مُقِرًّا بالدَّينِ لكنَّه مُفلِسٌ فإنْ لم يَكنْ مَقضيًّا عليه بالإِفلاسِ تَجبُ الزَّكاةُ فيه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّ المُفلِسَ قادِرٌ على الكَسبِ والاستِقراضِ مع أنَّ الإِفلاسَ مُحتمَلُ الزَّوالِ ساعةً فساعةً؛ إذ المالُ غادٍ ورائِحٌ، وإنْ كانَ مَقضيًّا عليه بالإِفلاسِ فكذلك في قَولِ أَبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ. وقالَ مُحمدٌ: لا زَكاةَ فيه، فمُحمدٌ مَرَّ على أصلِه؛ لأنَّ التَّفليسَ عندَه يَتحقَّقُ وأنَّه يُوجِبُ زيادةَ عَجزٍ؛ لأنَّه يَسُدُّ عليه بابَ التَّصرُّفِ؛ لأنَّ الناسَ لا يُعامِلونَه بخِلافِ الذي لم يُقضَ عليه بالإِفلاسِ، وأبو حَنيفةَ مَرَّ على أصلِه؛ لأنَّ الإِفلاسَ عندَه لا يَتحقَّقُ في حالِ الحياةِ، والقَضاءُ به باطِلٌ، وأبو يُوسفَ وإنْ كانَ يَرى التَّفليسَ فإنَّ المُفلِسَ قادِرٌ في الجُملةِ بواسِطةِ الاكتِسابِ،

стр. 1798

فصارَ الدَّينُ مَقدورًا الانتِفاعُ به في الجُملةِ، فكانَ أثَرُ التَّفليسِ في تأخيرِ المُطالَبةِ إلى وَقتِ اليَسارِ، فكانَ كالدَّينِ المُؤجَّلِ، فتَجبُ الزَّكاةُ فيه. ولو دُفعَ إلى إِنسانٍ وَديعةُ ثم نسِيَ المُودِعُ فإنْ كانَ المَدفوعُ إليه مِنْ مَعارِفه فعليه الزَّكاةُ لِما مَضى إذا تَذكَّرَ؛ لأنَّ نِسيانَ المَعروفِ نادِرٌ، فكانَ طَريقُ الوُصولِ قائِمًا، وإنْ كانَ ممَّن لا يَعرِفُه فلا زَكاةَ عليه فيما مَضى؛ لتَعذُّرِ الوُصولِ إليه (١). قال أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: أمَّا القياسُ فإنْ كلُّ ما استقَرَّ في ذمَّةِ غيرِ المالِكِ فهذا لا زَكاةَ على مالِكِه فيه، وكذلك الغَريمُ الجاحِدُ للدَّينِ وكلُّ ذي ذمَّةٍ؛ فإنَّه لا يَلزَمُ صاحِبَ المالِ أنْ يُزكِّيَ على ما في ذمَّةِ غيرِه غاصبًا كانَ له أو غيرَ غاصِبٍ. وأمَّا ما كانَ مَدفونًا في مَوضعٍ يُصيبُه صاحِبُه أو غيرَ مَدفونٍ وليسَ في ذمَّةِ أحَدٍ أو كانَ لُقطةً فالواجِبُ عندِي على رَبِّه أنْ يُزكِّيَه إذا وجَدَه لِما مَضى من السِّنينَ فإنَّه على مِلكِه، وليسَ في ذمَّةِ غيرِه إلا أنْ يَكونَ المُلتقِطُ قد استَهلَكه وصارَ في ذمَّتِه. وهذا قَولُ سحنُونٍ ومُحمدِ بنِ مَسلَمةَ والمُغيرةِ ورِوايةٌ عن ابنِ القاسِمِ (٢).

стр. 1799

القَولُ الثالِثُ: أنَّ الدَّينَ إذا كانَ على مَدينٍ مُفلِسٍ أو جاحِدٍ له أو مُماطِلٍ أو غاصِبٍ فإنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ عليه إذا قبَضَ المالَ لِعامٍ واحِدٍ فقط، وإنْ مكَثَ عندَ المَدينِ أعوامًا، وهو مَذهبُ المالِكيةِ في المَشهورِ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وعَطاءٍ والحَسنِ والأَوزاعيِّ وأحمدَ في رِوايةٍ (١). قال المالِكيةُ: المالُ الضائِعُ ونَحوُه كالمَغصوبِ والمَسروقِ والمَدفونِ في صَحراءَ أو غيرِها إذا ضَلَّ صاحِبُه عنه أو كانَ بمحَلٍّ لا يُحاطُ به فلا زَكاةَ على رَبِّها لعَجزِه عن تَنميتِها، فإذا أخَذَها من الغاصِبِ أو المَسروقِ أو وجَدها فالمَشهورُ أنَّه يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ ساعةَ يَقبِضُها، يُريدُ ولو رَدَّها الغاصِبُ مع رِبحِها؛ لأنَّها حينَئذٍ كدَينِ القَرضِ؛ لأنَّه يُزكِّيه غيرُ المَدينِ إذا قبَضَه زَكاةً واحِدةً لِما مَضى من الأَعوامِ (٢). قال الإمامُ مالِكٌ ﵀ في «مُوَطَّئِه»: بابُ الزَّكاةِ في الدَّينِ: وحدَّثَني عن مالِكٍ عن أيُّوبَ بنِ أَبي تَميمةَ السِّختيانِيِّ أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ كتَبَ في مالٍ قبَضَه بعضُ الوُلاةِ ظُلمًا يَأمرُ برَدِّه إلى أهلِه ويُؤخَذُ زَكاتُه لِما مَضى من السِّنينَ، ثم عقَّبَ بعدَ ذلك بكِتابٍ: ألَّا يُؤخَذَ منه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ فإنَّه كانَ ضِمارًا. قال مالِكٌ: الأمْرُ الذي لا اختِلافَ فيه عِندَنا في الدَّينِ أنَّ صاحِبَه لا يُزكِّيه حتى يَقبِضَه، وإنْ أقامَ عندَ الذي هو عليه سِنينَ ذواتَ عَددٍ ثم قبَضَه

стр. 1800

صاحِبُه لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، فإنْ قبَضَ منه شَيئًا لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ، فإنَّه إنْ كانَ له مالٌ سِوى الذي قبَضَ تَجبُ فيه الزَّكاةُ، فإنَّه يُزكِّي مع ما قبَضَ مِنْ دَينِه ذلك (١). قال الإمامُ أبو عُمرَ بنُ عبدِ البَرِّ ﵀: الضِّمارُ الغائِبُ عن صاحِبِه الذي لا يَقدِرُ على أخذِه أو لا يَعرِفُ مَوضعَه ولا يَرجوه. واختَلفَ العُلماءُ في زَكاةِ المالِ الطارئِ وهو الضِّمارُ، فقالَ مالِكٌ وآخِرُ قَولِ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ: إنَّه ليسَ عليه فيه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ إذا وجَدَه أو قدِرَ عليه أو قبَضَه. قال أبو عمرَ: أمَّا مالِكٌ ﵀ فإنَّه أوجَبَ فيه زَكاةً واحِدةً، قياسًا على مَذهبِه في الدَّينِ وفي العَرضِ لِلتِّجارةِ إذا لم يَكنْ صاحِبُه مُديرًا. وقد قالَ كقَولِ مالِكٍ في ذلك عَطاءٌ والحَسنُ وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ والأَوزاعيُّ، كلُّ هؤلاء يَقولونَ: ليسَ عليه فيه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ (٢). القَولُ الرابعُ: وهو قَولُ ابنِ حَزمٍ والشافِعيِّ في القَديمِ ورِوايةٌ عن مالِكٍ، ورُوي ذلك عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمِنينَ وعِكرِمةَ وعَطاءٍ ﵃ أنَّه ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ مُطلَقًا إلا إذا قبَضَه، فإنَّه يَستأنِفُ به حَولًا جديدًا. فعن عبدِ الرَّحمنِ بنِ القاسِمِ بنِ مُحمدٍ عن أبيه عن عائِشةَ أُمِّ المُؤمنينَ: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (٣).

стр. 1801

ومن طَريقِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ مَهديٍّ عن سُفيانَ الثَّوريِّ عن أَبي الزِّنادِ عن عِكرِمةَ قالَ: «ليسَ في الدَّينِ زَكاةٌ» (١). ورَوى ابنُ أَبي شَيبةَ عن أَبي مُعاويةَ عن حجَّاجٍ عن عَطاءٍ قالَ: «ليسَ على صاحِبِ الدَّينِ الذي هو له ولا الذِي هو عليه زَكاةٌ» (٢). وذلك؛ لأنَّه غيرُ نامٍ، فلم تَجبْ زَكاتُه، كعُروضِ القِنيةِ (٣). قال الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأمَّا المالُ الهالكُ، وهو المَجحودُ المَغصوبُ والمَدفونُ في صَحراءَ، والضائِعُ في مَفازةٍ أو غيرِها ونَحوُ ذلك، مما قد كانَ يئِسَ منه صاحِبُه ثم وجَدَه بعدَ سِنينَ فإنَّه يُزكِّيه لكُلِّ سَنةٍ، وقد قيل: لا زَكاةَ عليه فيه لِما مَضى، وإنْ زكَّاه لِعامٍ واحِدٍ فحَسنٌ، كلُّ ذلك

стр. 1802

صَحيحٌ عن مالِكٍ وقد رُويَ عن ابنِ القاسِمِ وأشهَبَ وسحنُونٍ أنَّه يُزكِّيه لِما مَضى من السِّنينَ، إلا أنَّهم يُفرِّقونَ بينَ المَضمونِ في ذلك وغَيرِ المَضمونِ، فيُوجِبونَ الزَّكاةَ في الغُصوباتِ إذا رجَعَت لِعامٍ واحِدٍ، والأَماناتِ، وما ليسَ بمَضمونٍ على أحَدٍ يُزكِّي لِما مَضى من السِّنينَ، وهذا أعدَلُ أَقاويلِ المَذهبِ (١). المسألةُ الثانيةُ: الدَّينُ المُؤجَّلُ: ذهَبَ الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ عندَهم إلى أنَّ الدَّينَ المُؤجَّلَ بمَنزِلةِ الدَّينِ على المُعسِرِ؛ لأنَّ صاحبَه غيرُ مُتمكِّنٍ مِنْ قَبضِه في الحالِ، فيَكونُ على الخِلافِ السابِقِ في الدَّينِ على المُعسِرِ. وفي مُقابِلِ الأظهَرِ عندَ الشافِعيةِ: أنَّه يَجبُ دَفعُ زَكاتِه عندَ الحَولِ ولو لم يَقبِضْه (٢). ولم أجِدْ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ تَفريقًا بينَ المُؤجَّلِ والحالِّ. المسألَةُ الثالِثةُ: زَكاةُ مالِ المُضارَبةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن يُخرِجُ زَكاةَ مالِ المُضارَبةِ، ومتى يَخرجُ على أَقوالٍ، على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ، وهو على التَّفصيلِ الآتي. قال الحَنفيةُ: يُزكِّي المُضارِبُ نَصيبَه من الرِّبحِ إذا حالَ الحَولُ وعندَه نِصابٌ، وظهَرَ الرِّبحُ؛ فإنِ اشتَرى جاريةً قيمَتُها أَلفانِ ورأسُ المالِ ألفٌ، زكَّى خَمسَمئةٍ إذا حالَ الحَولُ، ويُزكِّي رَبُّ المالِ أَلفَينِ وخَمسَمئةٍ.

стр. 1803

وللمُضارِبِ أنْ يُطالِبَ رَبَّ المالِ بالقِسمةِ حتى يَحصُلَ له نَصيبُه من الرِّبحِ مُميَّزًا مِنْ مِلكِه صَحيحَ المِلكِ يَلزَمُه فيه الزَّكاةُ (١). وقالَ المالِكيةُ: القِراضُ إمَّا أنْ يَكونَ حاضِرًا في بَلدِ ربِّ المالِ أو غائِبًا عنه. ١ - القِراضُ الحاضِرُ ببَلدِ رَبِّ المالِ حَقيقةً أو حُكمًا (كأنْ كانَ المالُ في غيرِ بَلدِ رَبِّه لكنْ يَعلَمُ رَبُّه بحالِه): فيُزكِّيه رَبُّه زَكاةَ إدارةٍ، واختلَفوا متى يُزكِّيه على ثَلاثةِ أَقوالٍ: الأولُ: ما رجَّحَه خَليلٌ والدَّرديرُ، وقيلَ: هو ظاهِرُ المَذهبِ أنَّه يُزكِّيه كلَّ عامٍ من غيرِ مالِ القِراضِ لِئلَّا يَنقُصَ على العامِلِ، والرِّبحُ يَجبُرُه، وهو ضَررٌ على العامِلِ إلا أنْ يَرضى بذلك بشَرطِ أنْ يُديرَه العامِلُ، سَواءٌ كانَ رَبُّه مُديرًا أو مُحتكِرًا. والثانِي: وهو المُعتمَدُ: لا يُزكِّيه إلا بعدَ المُفاصَلةِ، ويُزكِّي حينَئذٍ للسِّنينَ الماضيةِ كلِّها كالغائِبِ. والثالِثُ: أنَّه لا يُزكِّي إلا بعدَ المُفاصَلةِ، ولكنْ لسَنةٍ واحِدةٍ كالدَّينِ. ٢ - القِراضُ الغائِبُ عن بَلدِ رَبِّه ولا يُعلَمُ حالُه: فلا يُزكِّيه رَبُّه ولو غابَ عنه سِنينَ حتى يَحضُرَ، إلا أنْ يَأمرَ العامِلُ أنْ يُزكِّيَه في حالِ غيابِه في كلِّ عامٍ ويَحسُبُ الزَّكاةَ على رَبِّه من رأسِ المالِ؛ فإذا لم يُزكِّه العامِلُ في هذه السِّنينَ زَكَّاه رَبُّه بعدَ حُضورِه عن جَميعِ سِني الغيابِ مُبتَدِئًا بسَنةِ

стр. 1804

الحُضورِ أوَّلًا، فيَحسُبُ ما عليه من زَكاةٍ في هذه السَّنةِ الأَخيرةِ ثم يُخرِجُ بِمقدارِها عن كلٍّ من السِّنينَ السابِقةِ بعدَ تَنزيلِ ما يُؤخَذُ من المالِ زَكاةً، هذا إذا كانَ القِراضُ في كلٍّ من السِّنينَ السابِقةِ مُساويًا للسَّنةِ الأَخيرةِ، أو زَائدًا عليها، أمَّا إنْ كانَ أقلَّ زَكَّاه بقَدرِه بعدَ تَنزيلِ ما أخذَ زَكاةً. ومثالُ ذلك: مَنْ عندَه واحِدٌ وعِشرونَ دِينارًا فغابَ بها العامِلُ خَمسَ سَنواتٍ، ثم وجَدَها بعدَ الحُضورِ كما هي، فعندَ ذلك يَبدأُ بالعامِ الأولِ، والذي بعدَه ولا يُزكِّي الثالِثَ؛ لأنَّه قد نقَصَ عن النِّصابِ. أمَّا إنْ كانَ رَبُّ القِراضِ أو العاملُ أو هُما معًا مُحتَكرَينِ فيُزكِّيه رَبُّه بعدَ قبَضِه بعامٍ واحِدٍ ولو قامَ عندَ العامِلِ أَعوامًا. وأمَّا الماشيةُ فحُكمُها أنْ تُعجَّلَ زَكاتُها حضَرَت أو غابَت، وسَواءٌ احتكَرَها العامِلُ أو أَدارَها، ومِثلُ الماشيةِ الحَرثُ، وتُحسَبُ الزَّكاةُ على رَبِّ المالِ، فلا تُجبَرُ بالرِّبحِ كالخَسارةِ. وأمَّا العامِلُ فيُزكِّي حِصتَه من الرِّبحِ -ولو كانَت أقلَّ من النِّصابِ- لسَنةٍ واحِدةٍ بعدَ قَبضِها، ولو أقامَ القِراضُ بيَدِه سِنينَ، وسواءٌ كانَ العامِلُ ورَبُّ القِراضِ مُديرَينِ أو مُحتكِرَينِ أو مُختلِفينِ، وذلك بشُروطٍ خَمسةٍ، وهي: ١ - إنْ قامَ القِراضُ بيَدِه حَولًا فأكثَرَ من يَومِ بدَأَ الاتِّجارُ به، أمَّا إنْ كانَ بَقاؤُه أقلَّ من ذلك فلا زَكاةَ عليه. ٢ - وكان العامِلُ ورَبُّ المالِ حُرَّينِ.

стр. 1805

٣ - أنْ يَكونا مُسلِمينَ. ٤ - أنْ يَكونا بلا دَينٍ عليهما. ٥ - أنْ يَكونَ رأسُ المالِ مع الرِّبحِ نِصابًا فأكثَرَ، أو كانَ رأسُ المالِ مع الرِّبحِ أقَلَّ من نِصابٍ، ولكن عندَ رَبِّه ما يُكمِلُه؛ لأنَّ زَكاتَه تابِعةٌ لزَكاةِ رَبِّ المالِ. فإنْ كانَ رأسُ المالِ عَشَرةَ دَنانيرَ ودفَعَها رَبُّها لِلعامِلِ على أنْ يَكونَ لرَبِّها جُزءٌ من مِئةِ جُزءٍ من الرِّبحِ فربِحَ المالُ مِئةً، فإنَّ رَبَّه لا يُزكِّي؛ لأنَّ مَجموعَ رأسِ المالِ وحِصتَه من الرِّبحِ أحَدَ عشَرَ، وكذلك العامِلُ لا يُزكِّي، بل يَستقبِلُ بما خَصَّه، وهو تِسعةٌ وتِسعونَ حَولًا من وَقتِ قَبضِه (١). وقالَ الشافِعيةُ: إذا دفَعَ إلى رَجُلٍ ألفَ دِرهَمٍ قِراضًا على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد صارَت ألفَينِ بُنِيت على أنَّ المُضارِبَ متى يَملِكُ الرِّبحَ، وفيه قَولانِ: أحدُهما: يَملِكُه بالمُقاسَمةِ، وهو الأظهَرُ في المَذهبِ، فعلى هذا تَكونُ زَكاةُ الجَميعِ على رَبِّ المالِ؛ فإنْ أَخرجَها من عَينِ المالِ فمِن أين تُحسَبُ؟ فيه ثَلاثةُ أوجُهٍ:

стр. 1806

أحدُها: أنَّه يُحسَبُ من الرِّبحِ؛ لأنَّها مِنْ مُؤنِ المالِ فتُحتسَبُ من الرِّبحِ؛ كأُجرةِ النقَّالِ، والوزَّانِ، والكيَّالِ. والثانِي: تُحتسَبُ من رأسِ المالِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ دَينٌ عليه في الذِّمةِ في أحَدِ القَولَينِ؛ فإذا قَضاه من المالِ حُسبَ من رأسِ المالِ كسائِرِ الدُّيونِ. والثالِثُ: أنَّها تُحسَبُ من رأسِ المالِ والرِّبحِ جَميعًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في رأسِ المالِ والرِّبحِ، فحسَبَ المُخرَجِ منهما. مِثالُه: رأسُ المالِ مِئتانِ، والرِّبحُ مِئةٌ، فثُلثا المُخرَجِ من رأسِ المالِ وثُلثُه من الرِّبحِ. والثانِي وهو مُقابِلُ الأظهَرِ: وهو أنَّه يَملِكُ الرِّبحَ بالظُّهورِ، فعلى هذا يَجبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفٍ وخَمسِمئةٍ، وإِخراجُها على ما ذكَرْناه بلا خِلافٍ، ولا يَلزمُه زَكاةُ حِصةِ العامِلِ بلا خِلافٍ. ثم إنْ أرادَ إِخراجَ الزَّكاةِ من مالِ القِراضِ من أين يُحسَبُ؟ فيه الأوجُهُ الثَّلاثةُ. هذا حُكمُ المالِكِ. أما العامِلُ على هذا القَولِ فهل يَلزمُه زَكاةُ نَصيبِه من الرِّبحِ؟ فيه ثَلاثُ حالاتٍ: أصَحُّها: تَجبُ على العامِلِ زَكاةُ خَمسِمئةٍ؛ لأنَّه مالِكٌ قادِرٌ على الفَسخِ والمُقاسَمةِ في كلِّ وَقتٍ، والتَّصرُّفِ بعدَ القِسمةِ في نَصيبِه، فلزِمَه الزَّكاةُ. غيرَ أنَّه لا يَلزمُه إِخراجُها؛ لأنَّه لا يَدري هل يسلمُ له أم لا، فلَم يَلزَمْه إِخراجُ زَكاتِه كالمالِ الغائبِ؛ فإنْ أخرَجَ زَكاتَه من غيرِ المالِ جازَ، وإنْ أرادَ إِخراجَه من المالِ ففيه وَجهانِ:

стр. 1807

أحدُهما: ليسَ له ذلك، ولِلمالِكِ مَنعُه؛ لأنَّ الرِّبحَ وِقايةٌ لِرأسِ المالِ، فلَعلَّه يَخسَرُ فلا يُخرِجُ منه الزَّكاةَ. والآخَرُ: أنَّ له ذلك بغيرِ إذنِ المالِكِ؛ لأنَّهما دخَلا على حُكمِ الإِسلامِ ووُجوبِ الزَّكاةِ. وبهذا كلِّه إذا كانَ المالِكُ والعامِلُ من أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ جَميعًا، فأمَّا إذا كانَ المالِكُ من أهلِها دونَ العامِلِ، وقلنا: الجَميعُ لِلمالِكِ ما لم يُقسِّمْ، فعليه زَكاةُ الجَميعِ. وإنْ قُلنا بالقَولِ الآخَرِ فعليه زَكاةُ رأسِ المالِ ونَصيبِه من الرِّبحِ، ولا يَكمُلُ نَصيبُه إذا لم يَبلُغْ نِصابًا بنَصيبِ العامِلِ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ أهلِ الزَّكاةِ، فلا تَصحُّ خُلطَتُه. وأمَّا إذا كانَ العامِلُ من أهلِ وُجوبِ الزَّكاةِ دونَ المالِكِ؛ فإنْ قُلنا: كلُّه لِلمالِكِ قبلَ القِسمةِ فلا زَكاةَ، وإنْ قلُنا: لِلعاملِ حِصَّتُه من الرِّبحِ، ففي وُجوبِ الزَّكاةِ عليه الخِلافُ السابِقُ، فإنْ أوجَبناها فذلك إذا بلَغَت حِصَّتُه نِصابًا، أو كانَ له ما يَتِمُّ به نِصابٌ، ولا تَثبُتُ الخُلطةُ. وليسَ له إِخراجُ الزَّكاةِ من غيرِ المالِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّ المالِكَ لم يَدخُلْ في العَقدِ على إِخراجِ زَكاةٍ من المالِ. والطَّريقُ الثاني: أنَّه على قَولِ المَغصوبِ والمَجحودِ؛ لأنَّه غيرُ مُتمكِّنٍ في الحالِ من كَمالِ التَّصرُّفِ. والثالثُ: القَطعُ بعَدمِ الزَّكاةِ عليه لِضَعفِ مِلكِه وعَدمِ استِقرارِه لِاحتِمالِ الخُسرانِ فأشبَهَ المُكاتَبَ.

стр. 1808

قال النَّوويُّ ﵀: فحصَلَ أنَّ المَذهبَ الإِيجابُ على العامِلِ، وفي ابتِداءِ حَولِه في نَصيبِه خَمسةُ أوْجُهٍ: أصَحُّها: المَنصوصُ من حينِ الظُّهورِ؛ لأنَّه مِلكٌ من حينِئذٍ. الثاني: من حينِ يَقومُ المالُ على المالِكِ لِأجلِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه لا يَتحقَّقُ الرِّبحُ إلا بذلك. والثالِثُ: من حينِ المُقاسَمةِ؛ لأنَّه لا يَستقِرُّ مِلكُه إلا من حينِئذٍ، وهذا غَلطٌ، وإنْ كانَ مَشهورًا؛ لأنَّ حاصِلَه أنَّ العامِلَ لا زَكاةَ في نَصيبِه؛ لأنَّه بعدَ المُقاسَمةِ ليسَ بعامِلٍ، بل مالِكٌ مِلكًا مُستقِرًّا كاملَ التَّصرُّفِ فيه، والتَّفريعُ على أنَّه يَملِكُ بالظُّهورِ. فالقَولُ بأنَّه لا يَكونُ حَولُه إلا مِنْ المُقاسَمةِ رُجوعٌ إلى أنَّه لا زَكاةَ عليه قبلَ القِسمةِ. والوَجهُ الرابعُ: حَولُه حَولُ رأسِ المالِ، وهذا أيضًا غَلطٌ صَريحٌ؛ لأنَّه حينَئذٍ لم يَكنْ مالِكًا، فكيف يَبني مِلكَه وحَولَه على حَولِ غيرِه، ولا خِلافَ في أنَّ حَولَ الإِنسانِ لا يَبني على حَولِ غيرِه إلا الوارثَ على قَولٍ ضَعيفٍ؛ لكَونِه قائمًا مَقامَ المُورِّثِ. الخامِسُ: أنَّه من حينِ اشتَرى العامِلُ السِّلعةَ، وهو غَلطٌ. قال النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: ثم إذا تَمَّ حَولُ العامِلِ ونَصيبُه لا يَبلُغُ نِصابًا لكنَّه مع جُملةِ المالِ يَبلُغُ نِصابًا؛ فإنْ أثبَتْنا الخُلطةَ في النَّقدَينِ فعليه الزَّكاةُ، وإلا فلا، إلا أنْ يَكونَ له من جِنسِه ما يَكمُلُ به النِّصابُ، وهذا إذا لم نقُلِ ابتِداءُ الحَولِ من المُقاسَمةِ، فإنْ جعَلْناه منها سقَطَ اعتِبارُ الخُلطةِ.

стр. 1809

قال أَصحابُنا: وإذا أوجَبْنا الزَّكاةَ على العامِلِ لم يَلزمْه إِخراجُها قبلَ القِسمةِ. وهذا هو المَذهبُ، وبه قطَعَ المُصنِّفُ وسائِرُ العِراقيِّين والجُمهورُ؛ فإذا اقتسَمنا زَكَّى ما مَضى، وفيه وَجهٌ أنَّه يَلزمُه الإِخراجُ في الحالِ؛ لِتَمكُّنِه من القِسمةِ … والصَّوابُ الأولُ؛ لأنَّ المالَ ليسَ في يَدِه ولا تَصرُّفِه، فلا يَكونُ أكبَرَ من المالِ الغائِبِ الذي تَجري سَلامتُه ويُخافُ تَلفُه (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا زَكاةَ في حِصةِ مُضارِبٍ من رِبحٍ قبلَ قِسمةٍ، ولو قُلنا إنَّه يَملِكُ حِصتَه بالظُّهورِ لعَدمِ استِقرارِه؛ لأنَّه وِقايةٌ لِرأسِ المالِ فمِلكُه ناقِصٌ ويُزكِّي رَبُّ المالِ حِصتَه من الرِّبحِ نَصًّا كالأصلِ تَبعًا له لِمِلكِه الرِّبحَ بظُهورِه وتَبعيَّتِه لِمالِه، ولا يَجبُ على رَبِّ المالِ زَكاةُ حِصةِ المُضارِبِ من الرِّبحِ؛ لأنَّه غيرُ مالِكٍ لها، فلو دفَعَ حُرٌّ مُسلمٌ إلى رَجلٍ ألفًا مُضارَبةً على أنَّ الرِّبحَ بينَهما نِصفانِ فحالَ الحَولُ وقد ربِحَ المالَ ألفَينِ فعلى رَبِّ المالِ زَكاةُ ألفَينِ: رأسِ المالِ وحِصتِه من الرِّبحِ، وإذا أَداها -أي: زَكاةَ مالِ المُضاربةِ- رَبُّه من غيرِ مالِ المُضارَبةِ فرأسُ المالِ باقٍ؛ لأنَّه لم يَطرأْ عليه ما يَنقُصُه وإنْ أدَّى زَكاتَه منه تُحسَبُ زَكاتُه من أصلِ المالِ، ومِن قَدرِ حِصتِه، أي: رَبِّ المالِ، من الرِّبحِ، فيَنقُصُ رُبعُ عُشرِ رأسِ المالِ مع رُبعِ عُشرِ حِصةِ رَبِّ المالِ من الرِّبحِ ولا تُحسَبُ كلُّها من رأسِ المالِ وَحدَه ولا من الرِّبحِ وَحدَه. فيَكونُ خَمسةً وعِشرين، فيَصيرُ رأسُ المالِ تِسعَمئةٍ وخَمسةٍ وسَبعينَ. وليسَ لِعامِلٍ إِخراجُ زَكاةٍ تَلزَمُ رَبَّ المالِ بلا إذْنِه نَصًّا فيَضمَنُها؛ لأنَّه ليسَ وَليًّا له ولا وَكيلًا عنه فيها.

стр. 1810

ويَصحُّ شَرطُ كلٍّ منهما -أي: رَبِّ المالِ والعامِلِ- زَكاةَ حِصتِه من الرِّبحِ على الآخَرِ؛ لأنَّه بمَنزِلةِ شَرطِه لنَفسِه نِصفَ الرِّبحِ وثُمنَ عُشرِه مَثلًا. ولا يَصحُّ شَرطُ زَكاةِ رأسِ المالِ أو زَكاةِ بَعضِه من الرِّبحِ؛ لأنَّه قد يُحيطُ بالرِّبحِ كشَرطِ دَراهِمَ مَعلومةٍ (١). المسألةُ الرابِعةُ: زَكاةُ العَينِ المُودَعةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الوَديعةَ تَجبُ فيها الزَّكاةُ، وإنِ اختلَفوا هل يُزكِّيها كلَّ عامٍ أو لا يُزكِّيها إلا بعدَ قَبضِها لِما مَضى من السِّنينَ، والجُمهورُ يَرَونَ أنَّه يُزكِّيها كلَّ عامٍ. قال الحَنفيةُ: الوَديعةُ تَجبُ فيها الزَّكاةُ، ولو دُفعَ إلى إِنسانٍ وَديعةٌ ثم نسِيَ المُودِعُ فإنْ كانَ المَدفوعُ إليه من مَعارفِه فعليه الزَّكاةُ لِما مَضى إذا تذكَّر؛ لأنَّ نِسيانَ المَعروفِ نادِرٌ، فكانَ طَريقُ الوُصولِ قائمًا، ولتَفريضِه بالنِّسيانِ في غيرِ مَحَلِّه، وإنْ كانَ دفَعَها إلى غيرِ مَعارِفِه وهُم الأجانبُ ونسِيَها فلا زَكاةَ عليه فيما مَضى لتَعذُّرِ الوُصولِ إليه (٢). وقالَ المالِكيةُ: الأَموالُ المُودَعةُ إذا مكَثَت أَعوامًا عندَ المُودَعِ فإنَّها تُزكَّى لِما مَضى من السِّنينَ بعدَ قَبضِها والعِلةُ في ذلك تَظهَرُ من بيانِ الفَرقِ

стр. 1811

بينَ العَينِ المَغصوبةِ والضائِعةِ والعَينِ المُودَعةِ، وهو أنَّ المَغصوبَ والضائِعَ زالَ مِنْ يَدِ صاحِبِه قَهرًا إلى يَدِ غيرِه، فأصبحَ بذلك عاجِزًا عن تَنميتِه فلم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ، بخِلافِ المُودَعِ، فإنَّ صاحِبَه أخرَجَه من يَدِه وجعَلَه في يَدِ الأمينِ بمَحضِ اختِيارِه، فليسَ هو عاجِزًا عن تَنميتِه، بل قادِرٌ عليها، فلهذا وجَبَت عليه زَكاتُه لكلِّ عامٍ. واستَظهرَ ابنُ عاشورَ أنَّ المالِكَ يُزكِّيها كلَّ عامٍ وَقتَ الوُجوبِ من عندِه. وفي قَولٍ: يُزكِّيها لِعامٍ واحِدٍ إذا قبَضَها لعَدمِ التَّنميةِ، ورُويَ أنَّه يَستقبِلُ بها حَولًا بعدَ قَبضِها (١). وقالَ الشافِعيةُ: تَجبُ الزَّكاةُ في الوَديعةِ عندَ تَمامِ كلِّ حَولٍ إنْ كانَت نِصابًا أو تُضَمُّ إلى ما عندَه إذا كانَ من جِنسِها (٢). قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإذا كانَ الدَّينُ لرَجلٍ غائِبٍ عنه فهو كما تَكونُ التِّجارةُ له غائِبةً عنه، والوَديعةُ، وفي كلٍّ زَكاةٌ. قال: وإذا سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ في الحَولِ لم يَجزْ أنْ يَجعَلَ زَكاةَ مالِه إلا في حَولٍ؛ لأنَّ المالَ لا يَعدُو أنْ يَكونَ فيه زَكاةٌ، وألَّا يَكونَ إلا كما سَنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ أو لا يَكونَ فيه زَكاةٌ فيَكونَ كالمالِ المُستَفادِ.

стр. 1812

قال الشافِعيُّ: وإذا كانَ لرَجلٍ على رَجلٍ دَينٌ فحالَ عليه حَولٌ ورَبُّ المالِ يَقدِرُ على أخذِه منه بحُضورِ رَبِّ الدَّينِ ومَلائِه وأنَّه لا يَجحَدُه ولا يَضطَرُّه إلى عَدوى فعليه أنْ يَأخذَه منه أو زَكاتَه، كما يَكونُ ذلك عليه في الوَديعةِ هكذا، وإنْ كانَ رَبُّ المالِ غائبًا، أو حاضرًا لا يَقدِرُ على أخذِه منه إلا بخَوفٍ أو بفَلَسٍ له إنِ استَعدى عليه، وكان الذي عليه الدَّينُ غائبًا حُسبَ ما احتبَسَ عندَه حتى يُمكِنَه أنْ يَقبِضَه، فإذا قبَضَه أدَّى زَكاتَه لِما مَرَّ عليه من السِّنينَ لا يَسعُه غيرُ ذلك، وهكذا الماشيةُ تَكونُ للرَّجلِ غائبةً لا يَقدِرُ عليها بنَفسِه، ولا يُقدَرُ له عليها، وهكذا الوَديعةُ والمالُ يَدفِنُه فيَنسَى مَوضعَه لا يَختلِفُ في شَيءٍ (١). وقالَ العَمرانيُّ ﵀: فإنْ كانَ الدَّينُ حالًّا على مَليءٍ باذِلٍ له -أي: وقتَ طُولِبَ به- فهذا يَجبُ على مالِكِه إِخراجُ الزَّكاةِ عنه عندَ تَمامِ كلِّ حَولٍ إنْ كانَ نِصابًا؛ لأنَّ هذا كالمالِ المُودَعِ (٢). وقالَ الحَنابِلةُ: تَجبُ الزَّكاةُ في مالٍ مُودَعٍ بشَرطِه كغيرِه؛ لأنَّها بمَنزِلةِ ما في يَدِه؛ لأنَّ المُستودَعَ نائِبٌ عنه في حِفظِه ويَدُه كيَدِه، وليسَ للمُودَعِ إِخراجُ الزَّكاةِ منه بغيرِ إذْنِ مالِكِها؛ لأنَّه افتِياتٌ عليه (٣).

стр. 1813

المسألةُ الخامِسةُ: زَكاةُ صَداقِ المَرأةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ زَكاةِ صَداقِ المَرأةِ هل يَجبُ عليها أنْ تُزكِّيَه كلَّ عامٍ أو لا يَجبُ عليها زَكاتُه لِما مَضى وتُزكِّيه إذا قبَضَته وحالَ عليه حَولٌ في يَدِها. فذهَبَ الصاحبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ عليها زَكاةُ صَداقِها. إلا أنَّه يَجبُ عليها أنْ تُخرِجَه كلَّ عامٍ عندَ الشافِعيةِ وإنْ لم تَقبِضْه، وعندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ والحَنابِلةِ إذا قبَضَته تُخرِجُ لِما مَضى من الأَعوامِ. قال الإِمامُ النَّوويُّ ﵀: اتَّفقت نُصوصُ الشافِعيِّ ﵁ والأَصحابِ ﵏ على أنَّ المَرأةَ يَلزَمُها زَكاةُ الصَّداقِ إذا حالَ عليه الحَولُ، ويَلزمُها الإِخراجُ عن جَميعِه في آخِرِ الحَولِ بلا خِلافٍ، وإنْ كانَ قبلَ الدُّخولِ، ولا يُؤثِّرُ كَونُه مُعرَّضًا للسُّقوطِ بالفَسخِ برِدَّةٍ أو غيرِها أو عن نِصفِه بالطَّلاقِ (١). وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: تَجبُ الزَّكاةُ على المَرأةِ في صَداقِها؛ لأنَّه مِلكُها مِلكًا مُطلَقًا رَقبةً ويَدًا لتَمكُّنِها من القَبضِ بقَبضِ بَدلِه وهو العَينُ فتَجبُ فيه الزَّكاةُ كسائِرِ الأَعيانِ المَملوكةِ مِلكًا مُطلَقًا إلا أنَّها لا تُخاطَبُ بالأداءِ لِلحالِ؛ لأنَّه ليسَ في يَدِها حَقيقةً، فإذا حصَلَ في يَدِها تُخاطَبُ بأَداءِ الزَّكاةِ قَدرَ المَقبوضِ قلَّ المَقبوضُ أو كثُرَ كما في المالِ العَينِ إذا كانَ زائِدًا على النِّصابِ (٢).

стр. 1814

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قالَ: والمَرأةُ إذا قبَضَت صَداقَها زَكَّته لِما مَضى. وجُملةُ ذلك أنَّ الصَّداقَ في الذِّمةِ دَينٌ لِلمرأةِ حُكمُه حُكمُ الدُّيونِ على ما مَضى إنْ كانَ على مَليءٍ به، فالزَّكاةُ واجِبةٌ فيه إذا قبَضَته أدَّت لِما مَضى، وإنْ كانَ على مُعسِرٍ أو جاحِدٍ فعلى الرِّوايتَينِ، واختارَ الخِرقيُّ وُجوبَ الزَّكاةِ فيه، ولا فَرقَ بينَ ما قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه؛ لأنَّه دَينٌ في الذِّمةِ، فهو كثَمنِ مَبيعِها، فإنْ سقَطَ نِصفُه بطَلاقِها قبلَ الدُّخولِ وأخَذَت النِّصفَ فعليها زَكاةُ ما قبَضَته دونَ ما لم تَقبِضْه؛ لأنَّه دَينٌ لم تُعوَّضْ عنه، ولم تَقبِضْه فأشبَهَ ما تَعذَّر قَبضُه لفَلسٍ أو جَحدٍ، وكذلك لو سقَطَ كلُّ الصَّداقِ قبلَ قَبضِه لانفِساخِ النِّكاحِ بأمرٍ مِنْ جِهَتِها فليسَ عليه زَكاتُه لِما ذكَرْنا، وكذلك القَولُ في كلِّ دَينٍ يَسقطُ قبلَ قَبضِه من غيرِ إِسقاطِ صاحِبِه، أو يئِسَ صاحِبُه من استِيفائِه، والمالِ الضالِّ إذا يئِسَ منه فلا زَكاةَ على صاحِبِه؛ فإنَّ الزَّكاةَ مُواساةٌ؛ فلا تَلزَمُ المُواساةُ إلا مما حصَلَ له. وإنْ كانَ الصَّداقُ نِصابًا فحالَ عليه الحَولُ ثم سقَطَ نِصفُه وقبَضَت النِّصفُ فعليها زَكاةُ النِّصفِ المَقبوضِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ وجَبَت فيه ثم سقَطَت من نِصفِه لمَعنًى اختُصَّ به فاختُصَّ السُّقوطُ به. وإنْ مَضى عليه حَولٌ قبلَ قَبضِه ثم قبَضَتْه كلَّه زَكَّته لذلك الحَولِ، وإن مضَت عليه أحوالٌ قبلَ قَبضِه ثم قبَضَته زَكَّته لِما مَضى كلَّه ما لم يَنقُصْ عنه النِّصابُ.

стр. 1815

وقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَجبُ عليها الزَّكاةُ ما لم تَقبِضْه؛ لأنَّه بَدلٌ عمَّا ليسَ بمالٍ فلا تَجبُ الزَّكاةُ فيه قبلَ قَبضِه كدَينِ الكِتابةِ. ولنا: أنَّه دَينٌ يَستحِقُّ قَبضَه ويُجبَرُ على أَدائِه، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ، كثَمنِ المَبيعِ يُفارِقُ دَينَ الكِتابةِ، فإنَّه لا يَستحِقُّ قَبضَه، وللمُكاتَبِ الامتِناعُ مِنْ أَدائِه، ولا يَصحُّ قياسُهم عليه، فإنَّه عِوضٌ عن مالٍ. فَصلٌ: فإنْ قبَضَت صَداقَها قبلَ الدُّخولِ ومَضى عليه حَولٌ فزَكَّته ثم طَلَّقها الزَّوجُ قبلَ الدُّخولِ رجَعَ فيها بنِصفِه، وكانَت الزَّكاةُ من النِّصفِ الباقي لها. وقالَ الشافِعيُّ في أحَدِ أَقوالِه: يَرجعُ الزَّوجُ بنِصفِ المَوجودِ ونِصفِ قيمةِ المُخرَجِ؛ لأنَّه لو تلِفَ كلُّه رجَعَ عليها بنِصفِ قيمَتِه، فكذلك إذا تلِفَ بعضُه. ولنا: قَولُ اللهِ تعالَى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]؛ ولأنَّه يُمكِنُه الرُّجوعُ في العَينِ، فلم يَكنْ له الرُّجوعُ إلى القيمةِ، كما لو لم يَتلَفْ منه شَيءٌ ويَخرُجُ على هذا ما لو تلِفَ كلُّه فإنَّه ما أمكَنَه الرُّجوعُ في العَينِ. وإنْ طلَّقَها بعدَ الحَولِ وقبلَ الإِخراجِ لم يَكنْ له الإِخراجُ من النِّصابِ؛ لأنَّ حَقَّ الزَّوجِ تعلَّق به على وَجهِ الشَّركةِ والزَّكاةَ لم تَتعلَّقْ به على وَجهِ الشَّركةِ، لكنْ تَخرُجُ الزَّكاةُ من غيرِه أو يَقسِمانه ثم تُخرَجُ الزَّكاةُ مِنْ حِصَّتِها، فإنْ طلَّقَها قبلَ الحَولِ ملَك النِّصفَ مَشاعًا، وكان حُكمُ ذلك كما لو باعَ نِصفَه قبلَ الحَولِ مَشاعًا، وقد بيَّنا حُكمَه. فَصلٌ: فإنْ كانَ الصَّداقُ دَينًا فأبرَأتِ الزَّوجَ منه بعدَ مُضيِّ الحَولِ ففيه رِوايَتان:

стр. 1816

إحداهُما: عليها الزَّكاةُ؛ لأنَّها تَصرَّفَت فيه فأشبَهَ ما لو قبضَتْه. والرِّوايةُ الأُخرى: زَكاتُه على الزَّوجِ؛ لأنَّه ملَكَ ما ملَكَ عليه، فكأنَّه لم يَزُلْ مِلكُه عنه، والأولُ أصَحُّ، وما ذكَرْنا لِهذه الرِّوايةِ لا يَصحُّ؛ لأنَّ الزَّوجَ لم يَملِكْ شَيئًا وإنَّما سقَطَ الدَّينُ عنه، ثم لو ملَكَ في الحالِ لم يَقتَضِ هذا وُجوبَ زَكاةِ ما مَضى. ويُحتمَلُ ألَّا تَجبَ الزَّكاةُ على واحِدٍ منهما لِما ذكَرْنا في الزَّوجِ والمَرأةِ لم تَقبِضِ الدَّينَ فلم تَلزمْها زَكاتُه كما لو سقَطَ بغيرِ إِسقاطِها، وهذا إذا كانَ الدَّينُ مما تَجبُ فيه الزَّكاةُ إذا قبَضَه، فأمَّا إنْ كانَ مما لا زَكاةَ فيه فلا زَكاةَ عليها بحالٍ. وكلُّ دَينٍ على إِنسانٍ أبرَأَه صاحِبُه منه بعدَ مُضيِّ الحَولِ عليه فحُكمُه حُكمُ الصَّداقِ فيما ذكَرْنا. قال أحمَدُ: إذا وهَبَت المَرأةُ مَهرَها لِزَوجِها وقد مَضى له عَشرُ سِنينَ فإنَّ زَكاتَه على المَرأةِ؛ لأنَّ المالَ كانَ لها، وإذا وهَبَ رَجلٌ لرَجلٍ مالًا فحالَ الحَولُ ثم ارتَجعَه الواهِبُ فليسَ له أنْ يَرتجِعَه، فإنِ ارتجَعَه فالزَّكاةُ على الذي كانَ عندَه. وقالَ في رَجلٍ باعَ شَريكُه نَصيبَه من دارِه فلم يُعطِه شَيئًا، فلمَّا كانَ بعدَ سَنةٍ قالَ: ليسَ عندِي دَراهِمُ، فأقِلْني، فأقالَه، قالَ: عليه أنْ يُزكِّيَ؛ لأنَّه قد ملَكَه حَولًا (١).

стр. 1817

وذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجبُ على المَرأةِ زَكاةُ صَداقِها إلا إذا قبَضَته وحالَ عليه الحَولُ. قال المالِكيةُ: لا يَجبُ على المَرأةِ زَكاةُ صَداقِها حتى تَقبِضَه ويَحولَ عليه حَولٌ مِنْ قَبضِه، وسَواءٌ كانَ المَهرُ مُعجَّلًا أو مُؤجَّلًا، ولو فعَلَت ذلك فِرارًا من الزَّكاةِ (١). وقالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀: الدَّينُ الذي وجَبَ بَدَلًا عما ليسَ بمالٍ أصلًا كالمَهرِ لِلمرأةِ على الزَّوجِ وبَدلِ الخُلعِ لِلزَّوجِ على المَرأةِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ أنَّه لا تَجبُ الزَّكاةُ فيه، ولا زَكاةَ فيه ما لم يُقبَضْ كلُّه ويَحُلْ عليه الحَولُ بعدَ القَبضِ (٢). وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن صَداقِ المَرأةِ على زَوجِها تَمُرُّ عليه السِّنونُ المُتواليةُ لا يُمكِنُها مُطالَبتُه به لِئلَّا يَقعَ بينَهما فُرقةٌ، ثم إنَّها تُعوَّضُ عن صَداقِها بعَقارٍ أو يَدفَعُ إليها الصَّداقَ بعدَ مُدةٍ من السِّنينَ فهل تَجبُ زَكاةُ السِّنينَ الماضيةِ أو إلى أنْ يَحولَ الحَولُ من حينِ قبَضَت الصَّداقَ؟

стр. 1818

فأجابَ: الحَمدُ للهِ، هذه المَسألةُ فيها للعُلماءِ أَقوالٌ: قيلَ: يَجبُ تَزكيةُ السِّنينَ الماضيةِ، سَواءٌ كانَ الزَّوجُ مُوسِرًا أو مُعسِرًا، كأحَدِ القَولَينِ في مَذهبِ الشافِعيِّ وأحمدَ وقد نصَرَه طائِفةٌ من أَصحابِهما. وقيلَ: يَجبُ مع يَسارِه وتَمكُّنِها من قَبضِها دونَ ما إذا لم يُمكِنْ تَمكينُه من القَبضِ كالقَولِ الآخَرِ في مَذهبِهما. وقيل: تَجبُ لسَنةٍ واحِدةٍ كقَولِ مالِكٍ وقَولٍ في مَذهبِ أحمدَ. وقيلَ: لا تَجبُ بحالٍ كقَولِ أبي حَنيفةَ وقولٍ في مَذهبِ أحمدَ. وأضعَفُ الأَقوالِ مَنْ يُوجِبُها للسِّنينَ الماضيةِ حتى مع العَجزِ عن قَبضِه، فإنَّ هذا القَولَ باطِلٌ، فأمَّا أنْ يَجِبَ لهم ما يَأخذُونَه مع أنَّه لم يَحصُلْ له شَيءٌ فهذا مُمتنِعٌ في الشَّريعةِ، ثم إذا طالَ الزَّمانُ كانَت الزَّكاةُ أكثَرَ من المالِ، ثم إذا نقَصَ النِّصابُ. وقيلَ: إنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في عَينِ النِّصابِ لم يُعلَمِ الواجِبُ إلا بحِسابٍ طَويلٍ يَمتنِعُ إِتيانُ الشَّريعةِ به. وأقرَبُ الأَقوالِ قَولُ مَنْ لا يُوجِبُ فيه شَيئًا بحالٍ حتى يَحولَ عليه الحَولُ أو يُوجِبُ فيه زَكاةً واحِدةً عندَ القَبضِ، فهذا القَولُ له وَجهٌ، وهذا وَجهٌ، وهذا قَولُ أَبي حَنيفةَ، وهذا قَولُ مالِكٍ، وكِلاهما قيلَ به في مَذهبِ أحمدَ، واللهُ أعلمُ (١).

стр. 1819

المسألة السادسةُ: الزَّكاةُ في مالِ الأسيرِ والمسجونِ ونَحوهما: إذا أُسرَ رَبُّ المالِ أو سُجنَ وحِيلَ بينَه وبينَ التَّصرُّفِ في مالِه والانتِفاعِ به، هل تَجبُ في مالِه الزَّكاةُ أو لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةُ إلى وُجوبِ الزَّكاةِ عليه؛ لأنَّ تَصرُّفَه في مالِه نافِذٌ، يَصحُّ بَيعُه ممَّن شاءَ وهِبَتُه وتَوكيلُه فيه، وسَواءٌ كانَ أسيرًا أو مَسجونًا عندَ كُفارٍ أو مُسلِمينَ (١). وأمَّا عندَ المالِكيةِ فإنَّ كَونَ الرَّجلِ مَفقودًا أو أسيرًا يُسقِطُ الزَّكاةَ في حَقِّه من أَموالِه الباطِنةِ؛ لأنَّه بذلك يَكونُ مَغلوبًا على عَدمِ التَّنميةِ، فيَكونُ مالُه حينَئذٍ كالمالِ الضائِعِ، ولذا يُزكِّيها إذا أُطلِقَ لسَنةٍ واحِدةٍ كالأَموالِ الضائِعةِ. وفي قَولِ الجهوريِّ والزَّرقانِيِّ: لا زَكاةَ عليه فيها أصلًا. وفي قَولِ البَنانِيِّ: لا تَسقُطُ الزَّكاةُ عن الأَسيرِ والمَفقودِ، بل تَجبُ الزَّكاةُ عليهما كلَّ عامٍ، لكنْ لا يَجبُ الإِخراجُ من مالِهما، بل يَتوقَّفُ مَخافةَ حُدوثِ المَوتِ. أمَّا المالُ الظاهِرُ فقد اتَّفقَت كَلمةُ المالِكيةِ على أنَّ الفَقدَ والأسرَ لا يُسقِطانِ زَكاتَه؛ لأنَّهما مَحمولانِ على الحَياةِ، ويَجوزُ أخذُ الزَّكاةِ من مالِهما الظاهِرِ وتُجزِئُ، ولا يَضُرُّ عَدمُ النِّيةِ؛ لأنَّ نيَّةَ المُخرِجِ تَقومُ مَقامَ نيَّتِه (٢). ولم أجِدْ لِلحَنفيةِ في ذلك كَلامًا.

стр. 1820

الشَّرطُ الثالِثُ: النَّماءُ: تَعريفُ النَّماءِ: النَّماءُ في اللُّغةِ بالمَدِّ: الزِّيادةُ، والقَصرُ بالهَمزِ خَطأٌ، يُقالُ: نَما المالُ يَنمي نَماءً ويَنمُو نُموًّا، وأَنماهُ اللَّهُ، كذا في «المُغرِبِ». والنَّماء في الشَّرعِ: نَوعانِ: حَقيقيٌّ وتَقديريٌّ: فالحَقيقيُّ: الزِّيادةُ بالتَّوالُدِ والتَّناسُلِ والتِّجاراتِ. والتَّقديريُّ: تَمكُّنُه من الزِّيادةِ بكَونِ المالِ في يَدِه أو يَدِ نائِبه (١). وهو أنْ يَكونَ المالُ الذي تُؤخَذُ منه الزَّكاةُ ناميًا بالفِعلِ، أو قابِلًا للنَّماءِ، ومَعنى النَّماءِ بلُغةِ العَصرِ: أنْ يَكونَ مِنْ شأنِه أنْ يَدِرَّ على صاحِبِه رِبحًا وفائِدةً، أي: دَخلًا أو غَلةً أو إِيرادًا، أو يَكونَ هو نَفسُه نَماءً، أي: فَضلًا وزيادةً وإِيرادًا جَديدًا، وهذا ما قَرَّره فُقهاءُ الإِسلامِ وبَيَّنوا حِكمَته بوُضوحٍ ودِقَّةٍ. دَليلُ مَشروعيَّةِ النَّماءِ: أخَذَ الفُقهاءُ شَرطَ النَّماءِ أو تَعليلَ الزَّكاةِ بالنَّماءِ من سُنةِ الرَّسولِ ﷺ القَوليَّةِ والعَمليَّةِ التي أيَّدَها عَملُ خُلفائِه وأَصحابِه، فلم يُوجِبِ النَّبيُّ ﷺ الزَّكاةَ في الأَموالِ المُقتناةِ لِلاستِعمالِ الشَّخصيِّ كما في الحَديثِ الصَّحيحِ: «ليسَ على المُسلمِ في عَبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» (٢).

стр. 1821

قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا الحَديثُ أصلٌ في أنَّ أَموالَ القِنيةِ لا زَكاةَ فيها (١). ولم يَفرِضِ النَّبيُّ ﷺ الزَّكاةَ إلا في الأَموالِ الناميةِ المُغِلَّةِ التي تَدِرُّ على صاحِبِها؛ لأنَّها شُرِعت للمُواساةِ، ولا تَكونُ المُواساةُ إلا فيما له نَماءٌ من الأَموالِ، فمِن ذلك ما يَنمو بنَفسِه كالماشيةِ والحَرثِ وما يَنمو بتَغيُّرِ عَينِه والتَّصرُّفِ فيه كالعَينِ -الذَّهبِ والفِضةِ- فلا يُشتَرطُ فيها النَّماءُ بالفِعلِ؛ لأنَّهما لِلنَّماءِ خِلقةٌ، فتَجبُ الزَّكاةُ فيهما، سَواءٌ نَوى التِّجارةَ أو لم يَنْوِ أصلًا، أو نَوى النَّفقةَ. ولم تَجبْ فيما لا يَقبلُ ذلك من المَساكِنِ والأَثاثِ والمُمتَلكاتِ التي هي لِلاستِعمالِ الخاصِّ؛ للحَديثِ السابِقِ. وفَقدُ النَّماءِ سَببٌ آخَرُ في عَدمِ وُجوبِ الزَّكاةِ في أَموالِ الضِّمارِ؛ لأنَّه لا نَماءَ إلا بالقُدرةِ على التَّصرُّفِ، ومالُ الضِّمارِ لا قُدرةَ عليه. من خِلالِ الاستِقراءِ والتَّتبُّعِ في كُتُبِ الفُقهاءِ في جَميعِ المَذاهبِ الفِقهيَّةِ لم نَرَ أحدًا من الفُقهاءِ علَّلَ وُجوبَ الزَّكاةِ بغيرِ النَّماءِ، والمَقصودُ بالنَّماءِ: أنْ يَكونَ المالُ ناميًا، أي: قابلًا لِلنَّماءِ حَقيقةً أو تَقديرًا، والأَموالُ الناميةُ حَقيقةً ثَلاثةُ أَصنافٍ: الماشيةُ المُتناسِلةُ السائِمةُ، والزُّروعُ، والتِّجارةُ. والقابِلةُ لِلنَّماءِ هي الدَّراهمُ والدَّنانيرُ (٢).

стр. 1822

وقد اختَلفَ العُلماءُ في النَّماءِ هل هو عِلةٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ أو شَرطٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ أو سَببٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ أو لا يَصلُحُ أنْ نُعلِّلَ الزَّكاةَ بعِلةٍ أصلًا؟ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى اعتِبارِ النَّماءِ في الأَموالِ الزَّكويةِ، ونقَلَ ابنُ عبدِ البَرِّ والكَمالُ بنُ الهُمامِ الإِجماعَ على ذلكَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: «الأصلُ المُجتمَعُ عليه في الزَّكاةِ إنَّما هو في الأَموالِ الناميةِ» (١). والكَلامُ نَفسُه نقَلَه الزَّرقانِيُّ في شَرحِه للمُوطَّأِ فقالَ: «والأصلُ المُجمَعُ عليه في الزَّكاةِ إنَّما هو الأَموالُ الناميةُ أو المَطلوبُ فيها النَّماءُ بالتَّصرُّفِ» (٢). وقد نَصَّ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀ على الإِجماعِ على النَّماءِ التَّقديريِّ، حيثُ قالَ: «فالنَّماءُ التَّقديريُّ حاصِلٌ وهو المُعتبَرُ لِلإجماعِ على عَدمِ تَوقُّفِ الوُجوبِ على الحَقيقيِّ» (٣). ولكنَّهم اختلَفوا فيه هل هو شَرطُ وُجوبٍ لِلزَّكاةِ أو سَببٌ أو عِلةٌ؟ فصرَّحَ بكَونِه شَرطًا بعضُ العُلماءِ، وبعضُهم يَعتبِرُه ويُعلِّقُ على وُجودِه دَخولَ بعضِ الأَصنافِ في الزَّكاةِ، وعلى عَدمِه خُروجَها من الزَّكاةِ دونَ

стр. 1823

تَصريحٍ بكَونِه عِلةً أو غَيرَها، وبعضُهم يَجعلُه في بابْ أسبابِ وُجوبِ الزَّكاةِ كما سيَأتي بَيانُه بإذنِ اللهِ تعالى. القَولُ الأولُ: النَّماءُ شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النَّماءَ شَرطٌ من شُروطِ وُجوبِ الزَّكاةِ. قال الحَنفيةُ: إنَّ النَّماءَ شَرطٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ، فلا تَجبُ الزَّكاةُ في غيرِ المالِ النامِي. وَجهُ اشتِراطِه -أي: النَّماءِ- على ما قالَه ابنُ الهُمامِ ﵀: أن المَقصودَ من شَرعيَّةِ الزَّكاةِ -مع المَقصودِ الأصليِّ من الابتِلاءِ- هو مُواساةُ الفُقراءِ على وَجهٍ لا يَصِيرُ به المُزكِّي فَقيرًا، بأنْ يُعطيَ مِنْ فَضلِ مالِه قَليلًا من كَثيرٍ، والإيجابُ في المالِ الذي لا نَماءَ له أصلًا يُؤدِّي إلى خِلافِ ذلك عندَ تَكرُّرِ السِّنينَ خُصوصًا مع الحاجةِ إلى الإنفاقِ (١). قالوا: والنَّماءُ مُتحقَّقٌ في السَّوائمِ بالدَّرِّ والنَّسْلِ، وفي الأَموالِ المُعدَّةِ لِلتِّجارةِ، والأرضِ الزِّراعيَّةِ العُشريَّةِ، وسائِرِ الأَموالِ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ، ولا يُشتَرطُ تَحقُّقُ النَّماءِ بالفِعلِ بل تَكفي القُدرةُ على الاستِنماءِ بكَونِ المالِ في يَدِه أو يَدِ نائِبِه. قال الكاسانِيُّ ﵀: إنَّ مَعنى الزَّكاةِ -وهو النَّماءُ- لا يَحصُلُ إلا من المالِ النامي، ولَسنا نَعني به حَقيقةَ النَّماءِ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُعتبَرٍ، وإنَّما نَعني به كَونَ المالِ مُعَدًّا لِلاستِنماءِ بالتِّجارةِ أو بالإسامةِ (رَعيِ

стр. 1824

الحَيوانِ في الكَلأِ المُباحِ)؛ لأنَّ الإسامةَ سَببٌ لحُصولِ الدَّرِّ (اللَّبنِ) والنَّسلِ والسِّمَنِ، والتِّجارةَ سَببٌ لِحُصولِ الرِّبحِ؛ فيُقامُ السَّببُ مَقامَ المُسبَّبِ ويَتعلَّقُ الحُكمُ به، كالسَّفرِ مع المَشقَّةِ، والنِّكاحِ مع الوَطءِ، والنَّومِ مع الحَدثِ ونَحوِ ذلك (١). وبهذا الشَّرطِ خرَجَت الثِّيابُ التي لا تُرادُ لِلتِّجارةِ، سَواءٌ كانَ صاحِبُها مُحتاجًا إليها أو لا، وأثاثُ المَنزِلِ، والحَوانيتُ والعَقاراتُ -دُورُ السُّكنى- والكُتبُ لِأهلِها، أو غيرِ أهلِها، وآلاتُ المُحتَرفينَ، وخرَجَت الأَنعامُ التي لم تُعَدَّ لِلدَّرِّ والنَّسلِ، بل كانَت مُعدَّةً لِلحَرثِ أو الرُّكوبِ أو اللَّحمِ (٢). وقد ذكَرَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀ الحَنفيُّ شَرائطَ وُجوبِ الزَّكاةِ ثم قالَ: ومنها -أي: مِنْ شَرائطِ الوُجوبِ- كَونُ المالِ ناميًا؛ لأنَّ معنى الزَّكاةِ -وهو النَّماءُ- لا يَحصُلُ إلا من المالِ النامي، ولَسنا نَعني به حَقيقةَ النَّماءِ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُعتبَرٍ، وإنَّما نَعني به كَونَ المالِ مُعدًّا لِلاستِنماءِ بالتِّجارةِ أو بالإسامةِ؛ لأنَّ الإسامةَ سَببٌ لحُصولِ الدَّرِّ والنَّسلِ والسِّمنِ، والتِّجارةَ سَببٌ لحُصولِ الرِّبحِ، فيُقامُ السَّببُ مَقامَ المُسبَّبِ ويَتعلَّقُ الحُكمُ به، كالسَّفرِ مع المَشقَّةِ والنِّكاحِ مع الوَطءِ، والنَّومِ مع الحَدثِ، ونَحوِ ذلك، وإنْ شِئتَ قُلتَ: ومنها كَونُ المالِ فاضِلًا على الحاجةِ الأصليَّةِ؛ لأنَّ به يَتحقَّقُ الغِنى ومَعنى النِّعمةِ، وهو التَّنعُّمُ، وبه يَحصلُ الأداءُ عن طِيبِ

стр. 1825

النَّفسِ؛ إذِ المالُ المُحتاجُ إليه حاجةً أصليَّةً لا يَكونُ صاحِبُه غَنيًّا عنه، ولا يَكونُ نِعمةً؛ إذِ التَّنعُّمُ لا يَحصُلُ بالقَدرِ المُحتاجِ إليه حاجةً أصليَّةً؛ لأنَّه من ضَروراتِ حاجةِ البَقاءِ وقِوامِ البَدنِ، فكانَ شُكرُه شُكرَ نِعمةِ البَدنِ، ولا يَحصُلُ الأداءُ عن طِيبِ نَفسٍ، فلا يَقعُ الأداءُ بالجِهةِ المَأمورِ بها؛ لقَولِه ﷺ : «وأَدُّوا زَكاةَ أَموالِكُم طَيِّبةً بها أَنفسُكم» (١) فلا تَقعُ زَكاةً؛ إذ حَقيقةُ الحاجةِ أمرٌ باطِنٌ لا يُوقَفُ عليه، فلا يُعرَفُ الفَضلُ عن الحاجةِ، فيُقامُ دَليلُ الفَضلِ على الحاجةِ مَقامَه وهو الإِعدادُ لِلإسامةِ والتِّجارةِ، وهذا قَولُ عامَّةِ العُلَماءِ. وقالَ مالِكٌ: هذا ليسَ بشَرطٍ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وتَجِبُ الزَّكاةُ في كلِّ مالٍ، سَواءٌ كانَ ناميًا فاضِلًا على الحاجةِ الأصليَّةِ أو لا، كثيابِ البِذلةِ والمِهنةِ والعَلوفةِ والحَمولةِ والعَمولةِ من المَواشي وعَبيدِ الخِدمةِ والمَسكنِ والمَراكبِ وكِسوةِ الأهلِ وطَعامِهم وما يُتجمَّلُ به من آنيةٍ أو لُؤلُؤٍ أو فَرشٍ ومَتاعٍ لم يَنوِ به التِّجارةَ، ونَحوِ ذلك، واحتَجَّ بعُموماتِ الزَّكاةِ من غيرِ فَصلٍ بينَ مالٍ ومالٍ، نَحوَ قَولِه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله : ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. وقَولِه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وغيرِ ذلك؛ ولأنَّها وجَبَت شُكرًا لنِعمةِ المالِ، ومَعنى النِّعمةِ في هذه الأَموالِ أتَمُّ وأقرَبُ؛ لأنَّه مُتعلِّقٌ بالبَقاءِ، فكانت أدْعى إلى الشُّكرِ.
следующие страницы →