← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا الحَديثُ أصلٌ في أنَّ أَموالَ القِنيةِ لا زَكاةَ فيها (١). ولم يَفرِضِ النَّبيُّ ﷺ الزَّكاةَ إلا في الأَموالِ الناميةِ المُغِلَّةِ التي تَدِرُّ على صاحِبِها؛ لأنَّها شُرِعت للمُواساةِ، ولا تَكونُ المُواساةُ إلا فيما له نَماءٌ من الأَموالِ، فمِن ذلك ما يَنمو بنَفسِه كالماشيةِ والحَرثِ وما يَنمو بتَغيُّرِ عَينِه والتَّصرُّفِ فيه كالعَينِ -الذَّهبِ والفِضةِ- فلا يُشتَرطُ فيها النَّماءُ بالفِعلِ؛ لأنَّهما لِلنَّماءِ خِلقةٌ، فتَجبُ الزَّكاةُ فيهما، سَواءٌ نَوى التِّجارةَ أو لم يَنْوِ أصلًا، أو نَوى النَّفقةَ. ولم تَجبْ فيما لا يَقبلُ ذلك من المَساكِنِ والأَثاثِ والمُمتَلكاتِ التي هي لِلاستِعمالِ الخاصِّ؛ للحَديثِ السابِقِ. وفَقدُ النَّماءِ سَببٌ آخَرُ في عَدمِ وُجوبِ الزَّكاةِ في أَموالِ الضِّمارِ؛ لأنَّه لا نَماءَ إلا بالقُدرةِ على التَّصرُّفِ، ومالُ الضِّمارِ لا قُدرةَ عليه. من خِلالِ الاستِقراءِ والتَّتبُّعِ في كُتُبِ الفُقهاءِ في جَميعِ المَذاهبِ الفِقهيَّةِ لم نَرَ أحدًا من الفُقهاءِ علَّلَ وُجوبَ الزَّكاةِ بغيرِ النَّماءِ، والمَقصودُ بالنَّماءِ: أنْ يَكونَ المالُ ناميًا، أي: قابلًا لِلنَّماءِ حَقيقةً أو تَقديرًا، والأَموالُ الناميةُ حَقيقةً ثَلاثةُ أَصنافٍ: الماشيةُ المُتناسِلةُ السائِمةُ، والزُّروعُ، والتِّجارةُ. والقابِلةُ لِلنَّماءِ هي الدَّراهمُ والدَّنانيرُ (٢).

стр. 1822

وقد اختَلفَ العُلماءُ في النَّماءِ هل هو عِلةٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ أو شَرطٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ أو سَببٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ أو لا يَصلُحُ أنْ نُعلِّلَ الزَّكاةَ بعِلةٍ أصلًا؟ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى اعتِبارِ النَّماءِ في الأَموالِ الزَّكويةِ، ونقَلَ ابنُ عبدِ البَرِّ والكَمالُ بنُ الهُمامِ الإِجماعَ على ذلكَ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: «الأصلُ المُجتمَعُ عليه في الزَّكاةِ إنَّما هو في الأَموالِ الناميةِ» (١). والكَلامُ نَفسُه نقَلَه الزَّرقانِيُّ في شَرحِه للمُوطَّأِ فقالَ: «والأصلُ المُجمَعُ عليه في الزَّكاةِ إنَّما هو الأَموالُ الناميةُ أو المَطلوبُ فيها النَّماءُ بالتَّصرُّفِ» (٢). وقد نَصَّ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀ على الإِجماعِ على النَّماءِ التَّقديريِّ، حيثُ قالَ: «فالنَّماءُ التَّقديريُّ حاصِلٌ وهو المُعتبَرُ لِلإجماعِ على عَدمِ تَوقُّفِ الوُجوبِ على الحَقيقيِّ» (٣). ولكنَّهم اختلَفوا فيه هل هو شَرطُ وُجوبٍ لِلزَّكاةِ أو سَببٌ أو عِلةٌ؟ فصرَّحَ بكَونِه شَرطًا بعضُ العُلماءِ، وبعضُهم يَعتبِرُه ويُعلِّقُ على وُجودِه دَخولَ بعضِ الأَصنافِ في الزَّكاةِ، وعلى عَدمِه خُروجَها من الزَّكاةِ دونَ

стр. 1823

تَصريحٍ بكَونِه عِلةً أو غَيرَها، وبعضُهم يَجعلُه في بابْ أسبابِ وُجوبِ الزَّكاةِ كما سيَأتي بَيانُه بإذنِ اللهِ تعالى. القَولُ الأولُ: النَّماءُ شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النَّماءَ شَرطٌ من شُروطِ وُجوبِ الزَّكاةِ. قال الحَنفيةُ: إنَّ النَّماءَ شَرطٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ، فلا تَجبُ الزَّكاةُ في غيرِ المالِ النامِي. وَجهُ اشتِراطِه -أي: النَّماءِ- على ما قالَه ابنُ الهُمامِ ﵀: أن المَقصودَ من شَرعيَّةِ الزَّكاةِ -مع المَقصودِ الأصليِّ من الابتِلاءِ- هو مُواساةُ الفُقراءِ على وَجهٍ لا يَصِيرُ به المُزكِّي فَقيرًا، بأنْ يُعطيَ مِنْ فَضلِ مالِه قَليلًا من كَثيرٍ، والإيجابُ في المالِ الذي لا نَماءَ له أصلًا يُؤدِّي إلى خِلافِ ذلك عندَ تَكرُّرِ السِّنينَ خُصوصًا مع الحاجةِ إلى الإنفاقِ (١). قالوا: والنَّماءُ مُتحقَّقٌ في السَّوائمِ بالدَّرِّ والنَّسْلِ، وفي الأَموالِ المُعدَّةِ لِلتِّجارةِ، والأرضِ الزِّراعيَّةِ العُشريَّةِ، وسائِرِ الأَموالِ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ، ولا يُشتَرطُ تَحقُّقُ النَّماءِ بالفِعلِ بل تَكفي القُدرةُ على الاستِنماءِ بكَونِ المالِ في يَدِه أو يَدِ نائِبِه. قال الكاسانِيُّ ﵀: إنَّ مَعنى الزَّكاةِ -وهو النَّماءُ- لا يَحصُلُ إلا من المالِ النامي، ولَسنا نَعني به حَقيقةَ النَّماءِ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُعتبَرٍ، وإنَّما نَعني به كَونَ المالِ مُعَدًّا لِلاستِنماءِ بالتِّجارةِ أو بالإسامةِ (رَعيِ

стр. 1824

الحَيوانِ في الكَلأِ المُباحِ)؛ لأنَّ الإسامةَ سَببٌ لحُصولِ الدَّرِّ (اللَّبنِ) والنَّسلِ والسِّمَنِ، والتِّجارةَ سَببٌ لِحُصولِ الرِّبحِ؛ فيُقامُ السَّببُ مَقامَ المُسبَّبِ ويَتعلَّقُ الحُكمُ به، كالسَّفرِ مع المَشقَّةِ، والنِّكاحِ مع الوَطءِ، والنَّومِ مع الحَدثِ ونَحوِ ذلك (١). وبهذا الشَّرطِ خرَجَت الثِّيابُ التي لا تُرادُ لِلتِّجارةِ، سَواءٌ كانَ صاحِبُها مُحتاجًا إليها أو لا، وأثاثُ المَنزِلِ، والحَوانيتُ والعَقاراتُ -دُورُ السُّكنى- والكُتبُ لِأهلِها، أو غيرِ أهلِها، وآلاتُ المُحتَرفينَ، وخرَجَت الأَنعامُ التي لم تُعَدَّ لِلدَّرِّ والنَّسلِ، بل كانَت مُعدَّةً لِلحَرثِ أو الرُّكوبِ أو اللَّحمِ (٢). وقد ذكَرَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀ الحَنفيُّ شَرائطَ وُجوبِ الزَّكاةِ ثم قالَ: ومنها -أي: مِنْ شَرائطِ الوُجوبِ- كَونُ المالِ ناميًا؛ لأنَّ معنى الزَّكاةِ -وهو النَّماءُ- لا يَحصُلُ إلا من المالِ النامي، ولَسنا نَعني به حَقيقةَ النَّماءِ؛ لأنَّ ذلك غيرُ مُعتبَرٍ، وإنَّما نَعني به كَونَ المالِ مُعدًّا لِلاستِنماءِ بالتِّجارةِ أو بالإسامةِ؛ لأنَّ الإسامةَ سَببٌ لحُصولِ الدَّرِّ والنَّسلِ والسِّمنِ، والتِّجارةَ سَببٌ لحُصولِ الرِّبحِ، فيُقامُ السَّببُ مَقامَ المُسبَّبِ ويَتعلَّقُ الحُكمُ به، كالسَّفرِ مع المَشقَّةِ والنِّكاحِ مع الوَطءِ، والنَّومِ مع الحَدثِ، ونَحوِ ذلك، وإنْ شِئتَ قُلتَ: ومنها كَونُ المالِ فاضِلًا على الحاجةِ الأصليَّةِ؛ لأنَّ به يَتحقَّقُ الغِنى ومَعنى النِّعمةِ، وهو التَّنعُّمُ، وبه يَحصلُ الأداءُ عن طِيبِ

стр. 1825

النَّفسِ؛ إذِ المالُ المُحتاجُ إليه حاجةً أصليَّةً لا يَكونُ صاحِبُه غَنيًّا عنه، ولا يَكونُ نِعمةً؛ إذِ التَّنعُّمُ لا يَحصُلُ بالقَدرِ المُحتاجِ إليه حاجةً أصليَّةً؛ لأنَّه من ضَروراتِ حاجةِ البَقاءِ وقِوامِ البَدنِ، فكانَ شُكرُه شُكرَ نِعمةِ البَدنِ، ولا يَحصُلُ الأداءُ عن طِيبِ نَفسٍ، فلا يَقعُ الأداءُ بالجِهةِ المَأمورِ بها؛ لقَولِه ﷺ : «وأَدُّوا زَكاةَ أَموالِكُم طَيِّبةً بها أَنفسُكم» (١) فلا تَقعُ زَكاةً؛ إذ حَقيقةُ الحاجةِ أمرٌ باطِنٌ لا يُوقَفُ عليه، فلا يُعرَفُ الفَضلُ عن الحاجةِ، فيُقامُ دَليلُ الفَضلِ على الحاجةِ مَقامَه وهو الإِعدادُ لِلإسامةِ والتِّجارةِ، وهذا قَولُ عامَّةِ العُلَماءِ. وقالَ مالِكٌ: هذا ليسَ بشَرطٍ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وتَجِبُ الزَّكاةُ في كلِّ مالٍ، سَواءٌ كانَ ناميًا فاضِلًا على الحاجةِ الأصليَّةِ أو لا، كثيابِ البِذلةِ والمِهنةِ والعَلوفةِ والحَمولةِ والعَمولةِ من المَواشي وعَبيدِ الخِدمةِ والمَسكنِ والمَراكبِ وكِسوةِ الأهلِ وطَعامِهم وما يُتجمَّلُ به من آنيةٍ أو لُؤلُؤٍ أو فَرشٍ ومَتاعٍ لم يَنوِ به التِّجارةَ، ونَحوِ ذلك، واحتَجَّ بعُموماتِ الزَّكاةِ من غيرِ فَصلٍ بينَ مالٍ ومالٍ، نَحوَ قَولِه تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]. وقوله : ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥]. وقَولِه تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]. وغيرِ ذلك؛ ولأنَّها وجَبَت شُكرًا لنِعمةِ المالِ، ومَعنى النِّعمةِ في هذه الأَموالِ أتَمُّ وأقرَبُ؛ لأنَّه مُتعلِّقٌ بالبَقاءِ، فكانت أدْعى إلى الشُّكرِ.

стр. 1826

ولنا: أنَّ مَعنى النَّماءِ والفَضلِ على الحاجةِ الأصليَّةِ لا بدَّ منه لوُجوبِ الزَّكاةِ لِما ذكَرْنا من الدَّلائِلِ، ولا يَتحقَّقُ ذلك في هذه الأَموالِ، وبه تَبيَّنَ أنَّ المُرادَ من العُموماتِ الأَموالُ الناميةُ الفاضِلةُ على الحَوائجِ الأصليَّةِ، وقد خرَجَ الجَوابُ عن قَولِه إنَّها نِعمةٌ؛ لِما ذَكرنا أنَّ مَعنى النِّعمةِ فيها يَرجعُ إلى البَدنِ؛ لأنَّها تَدفَعُ الحاجةَ الضَّروريَّةَ، وهي حاجةُ دَفعِ الهَلاكِ عن البَدنِ، فكانَت تابِعةً لنِعمةِ البَدنِ فكانَ شُكرُها شُكرَ نِعمةِ البَدنِ، وهي العِباداتُ البَدنيَّةُ من الصَّلاةِ والصَّومِ وغيرِ ذلك. وقَولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] دَليلُنا؛ لأنَّ الزَّكاةَ عِبارةٌ عن النَّماءِ، وذلك من المالِ النامي على التَّفسيرِ الذي ذكَرْناه، وهو أنْ يَكونَ مُعدًّا لِلاستِنماءِ، وذلك بالإِعدادِ لِلإسامةِ في المَواشي والتِّجارةِ في أَموالِ التِّجارةِ، إلا أنَّ الإِعدادَ لِلتِّجارةِ في الأَثمانِ المُطلَقةِ من الذَّهبِ والفِضةِ ثابِتٌ بأصلِ الخِلقةِ؛ لأنَّها لا تَصلُحُ لِلانتِفاعِ بأَعيانِها في دَفعِ الحَوائجِ الأصليَّةِ، فلا حاجةَ إلى الإِعدادِ من العبدِ لِلتِّجارةِ بالنِّيةِ؛ إذِ النِّيةُ لِلتَّعيينِ وهي مُتعيَّنةٌ لِلتِّجارةِ بأصلِ الخِلقةِ، فلا حاجةَ إلى التَّعيينِ بالنِّيةِ، فتَجِبُ الزَّكاةُ فيها، نَوى التِّجارةَ أو لم يَنوِ أصلًا، أو نَوى النَّفَقةَ، وأمَّا فيما سِوى الأَثمانِ من العُروضِ فإنَّما يَكونُ الإِعدادُ فيها لِلتِّجارةِ بالنِّيةِ؛ لأنَّها كما تَصلُحُ لِلتِّجارةِ تَصلُحُ لِلانتِفاعِ بأَعيانِها، بلِ المَقصودُ الأصليُّ منها ذلك، فلا بدَّ من التَّعيينِ لِلتِّجارةِ، وذلك بالنِّيةِ، وكذا في المَواشي لا بدَّ فيها من نيَّةِ الإسامةِ؛ لأنَّها كما تَصلُحُ لِلدَّرِّ والنَّسلِ تَصلُحُ لِلحَملِ والرُّكوبِ واللَّحمِ، فلا بدَّ من النِّيةِ.

стр. 1827

ثم نيَّةُ التِّجارةِ والإسامةِ لا تُعتبَرُ ما لم تَتصِلْ بفِعلِ التِّجارةِ والإسامةِ؛ لأنَّ مُجرَّدَ النِّيةِ لا عِبرةَ به في الأَحكامِ (١). وقالَ الإمامُ النَّسَفيُّ ﵀: «وشَرطُ وُجوبِها العَقلُ والبُلوغُ والإِسلامُ والحرِّيةُ، ومِلكُ نِصابٍ حَوليٍّ فارِغٍ عن الدَّينِ وحاجَتِه الأصليَّةِ «نامٍ ولو تَقديرًا» وشَرطُ أَدائِها نيَّةٌ مُقارِنةٌ لِلأداءِ أو لعَزلِ ما وجَبَ أو تَصدَّقَ بكلِّه» (٢). وقالَ الإمامُ الزَّيلَعيُّ ﵀: وقَولُه: (نامٍ ولو تَقديرًا) أي: يُشتَرطُ لوُجوبِ الزَّكاةِ أنْ يَكونَ ناميًا حَقيقةً بالتَّوالُدِ والتَّناسُلِ وبالتِّجاراتِ، أو تَقديرًا بأنْ يَتمكَّن من الاستِنماءِ بكَونِ المالِ في يَدِه أو يَدِ نائِبِه؛ لِما ذكَرْنا أنَّ السَّببَ هو المالُ النامِي، فلا بدَّ منه تَحقيقًا أو تَقديرًا، فإنْ لم يَتمكَّنْ من الاستِنماءِ فلا زَكاةَ عليه لِفَقدِ شَرطِه، مِثلَ مالِ الضِّمارِ كالآبقِ والمَفقودِ والمَغصوبِ إذا لم يَكنْ عليه بَينةٌ، والمالِ الساقِطِ في البَحرِ والمَدفونِ في المَفازةِ إذا نَسيَ مَكانَه، والذي أخَذَه السُّلطانُ مُصادَرةً، والوَديعةِ إذا نسِيَ المُودَعُ وليسَ هو مِنْ مَعارِفِه والدَّينِ المَجحودِ إذا لم يَكنْ عليه بَينةٌ ثم صارَت له بعدَ سِنينَ بأنْ أقَرَّ عندَ الناسِ، وإنْ كانَ المُودَعُ من مَعارِفِه تَجبُ عليه زَكاةُ الماضي إذا تَذكَّرَ، وفي المَدفونِ في كَرْمٍ أو أَرضٍ اختِلافُ المَشايِخِ (٣).

стр. 1828

وقالَ ابنُ نَجيمٍ ﵀ في «النَّهرِ الفائِقِ»: قالَ في الشَّرحِ: (نامٍ) أي: زائِدٍ (ولو) كانَ النَّماءُ (تَقديرًا) بأنْ يَكونَ المالُ في يَدِه أو يَدِ نائِبٍ وهو متمكِّنٌ من الزِّيادةِ، فلا زَكاةَ في مالِ الضِّمارِ، وهو لُغةً: الغائِبُ الذي لا يُرجى، وشَرعًا: كلُّ مالٍ غيرِ مَقدورٍ الانتِفاعُ به مع قيامِ أصلِ المِلكِ، كذا في «البَدائع»، وذلك كالآبِقِ والمَفقودِ والدَّينِ المَجحودِ والمَغصوبِ الذي لا بيِّنةَ عليه، فإنْ كانَ ثمَّةَ بينهٌ فليسَ ضِمارًا إلا في غَصبِ السائِمةِ فلا زَكاةَ عليه، وإنْ كانَ الغاصِبُ مُقِرًّا، كذا في «الخانِية» (١). وقالَ في «البَحر الرائِق»: قَولُه: (ومِلكُ نِصابٍ حَوليٍّ فارِغٍ عن الدَّينِ وحَوائِجِه الأصليَّةِ نامٍ ولو تَقديرًا)؛ لأنَّه ﵊ قدَّرَ السَّببَ به، وقد جعَلَه المُصنِّفُ شَرطًا لِلوُجوبِ، مع قَولِهم: إنَّ سَببَها مِلكُ مالٍ مُعَدٍّ مُرصَدٍ للنَّماءِ والزِّيادةِ فاضِلٍ على الحاجةِ، كذا في المُحيطِ وغيرِه لِما أنَّ السَّببَ والشَّرطَ قد اشتَركا في أنَّ كلًّا منهما يُضافُ إليه الوُجودُ لا على وَجهِ التأثيرِ، فَخرجَ العِلَّة، ويَتميَّزُ السَّببُ عن الشَّرطِ بإضافةِ الوُجوبِ إليه أيضًا دونَ الشَّرطِ كما عُرفَ في الأُصولِ (٢). وقالَ الإمامُ البابَرتيُّ ﵀: النَّماءُ شَرطُ وُجوبِ الزَّكاةِ لا مَحالةَ (٣).

стр. 1829

وقَريبٌ مما قالَه الحَنفيةُ ما يُفهَمُ من كَلامِ الإمامِ الماوَرديِّ الشافِعيِّ ﵀ حيثُ قالَ: «الزَّكاةُ إنَّما تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزُّروعِ وتَسقُطُ في غيرِ الناميةِ كالآلةِ والعَقارِ» (١). وقالَ أيضًا: «إنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزُّرعِ وعُروضِ التِّجاراتِ دونَ ما ليسَ بنامٍ، كالدُّورِ والعَقاراتِ، فلَمَّا كانَ المَغصوبُ مَعدومَ النَّماءِ وجَب أنْ تَسقُطَ عنه الزَّكاةُ» (٢). وقالَ أيضًا: «ولأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ، وما ادُّخِر في الزُّروعِ والثِّمارِ مُنقطِعُ النَّماءِ مُعرَّضٌ لِلنَّفادِ والفَناءِ لم تَجبْ فيه الزَّكاةُ كالأثاثِ والقُماشِ» (٣). القَولُ الثاني: النَّماءُ سَببٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وليسَ شَرطًا ولا عِلةً، وهو قَولُ بعضِ الحَنفيةِ: قال الإمامُ الحَصكَفيُّ ﵀ في «الدُّرّ المُختار»: (وشَرطُ افتراضِها عَقلٌ وبُلوغٌ وإسلامٌ وحُريَّةٌ) والعِلمُ به ولو حُكمًا ككَونِه في دارِنا (وسَببُه) أي: سَببُ افتراضِها (مِلكُ نِصابٍ حَوليٍّ) نِسبةً للحَولِ لِحَولانِه عليه (تامٌّ) بالرَّفعِ صِفةُ «مِلكُ»، خرَجَ مالُ المُكاتَبِ … وكَفَّارةٌ (و) فارِغٌ (عن حاجَتِه الأصليَّةِ) … (نامٍ ولو تَقديرًا) بالقُدرةِ على الاستِنماءِ ولو بنائِبِه … ثم فرَّعَ

стр. 1830

على سَببِه بقَولِه: (فلا زَكاةَ على مُكاتَبٍ … وما أُخذَ مُصادَرةً) أي: ظُلمًا (ثم وصَل إليه بعدَ سِنينَ) لعَدمِ النُّموِّ (١). قال ابنُ عابدِين ﵀ في «حاشيَتِه»: مَطلَبٌ: الفَرقُ بينَ السَّببِ والشَّرطِ والعِلةِ: ثم اعلَمْ أنَّ هذا جعَلَه في الكَنزِ شَرطًا، واعتَرضَه في الدُّررِ بأنَّه سَببٌ، وأجابَ عنه في البَحرِ بأنَّه أطلَقَ على السَّببِ اسمَ الشَّرطِ لِاشتِراكِهما في أنَّ كلًّا منهما يُضافُ إليه الوُجودُ، لا على وَجهِ التأثيرِ، فَخرجَ العِلَّة، ويَتميَّزُ السَّببُ عن الشَّرطِ بإضافةِ الوُجوبِ إليه أيضًا دونَ الشَّرطِ، كما عُرفَ في الأُصولِ. أقولُ: ولا حاجةَ إلى ذلك؛ فقد ذُكرَ في «البَدائع» من الشُّروطِ المِلكُ المُطلَقُ. قالَ: وهو المِلكُ يَدًا ورَقبةً، وقالَ: إنَّ السَّببَ هو المالُ؛ لأنَّها وجَبَت شُكرًا لِنِعمةِ المالِ؛ لذا تُضافُ إليه، يُقالُ: زَكاةُ المالِ، والإضافةُ في مِثلِه لِلسَّبَبيةِ كصَلاةِ الظُّهرِ وصَومِ الشَّهرِ وحَجِّ البَيتِ. وعليه فمِلكُ النِّصابِ حيثُ جُعلَ شَرطًا، كما في عِبارةِ الكَنزِ يَكونُ مِنْ إِضافةِ المَصدرِ إلى مَفعولِه، وحيث جُعلَ سَببًا، كما في عِبارةِ المُصنِّفِ يَكونُ من إضافةِ الصِّفةِ إلى المَوصوفِ، أي: النِّصابِ المَملوكِ، وبه عُلمَ أنَّه لا يَصحُّ تَفسيرُ عِبارةِ الكَنزِ بهذا خِلافًا لِما فعَلَه في النَّهرِ لِئلَّا يَحتاجَ إلى الجَوابِ بما مَرَّ عن البَحرِ، وأنَّه لا يَصحُّ تَفسيرُ عِبارةِ المُصنِّفِ بما فسَّرْنا به عِبارةَ الكَنزِ، فافهَمْ (٢).

стр. 1831

ثم قالَ: قَولُه: (لِعَدمِ النُّموِّ) عِلَّةٌ لقَولِه: ولا في مالٍ مَفقودٍ، إلخ، أفادَ به من مُحتَرزاتِ قَولِه: نامٍ ولو تَقديرًا؛ لأنَّه غيرُ مُتمكِّنٍ من الزِّيادةِ لعَدمِ كَونِه في يَدِه أو يَدِ نائِبِه (١). وجاءَ في «دُرَر الحُكَّام شَرح غُرَر الأَحكام»: (وشَرطُ وُجوبِها العَقلُ والبُلوغُ)؛ إذ لا تَكليفَ بدونهما (والإِسلامُ)؛ لأنَّه شَرطٌ لصِحَّةِ العِباداتِ كلِّها (والحرِّيةُ)؛ لِيَتحقَّقَ التَّمليكُ؛ لأنَّ الرَّقيقَ لا يَملِكُ فيُملَكُ. (وسَببُه) أي: سَببُ وُجوبِها (المِلكُ التامُّ) بألَّا يَكونَ يَدًا فقط كما في مالِ المُكاتَبِ، فإنَّه مِلكُ المَولى حَقيقةً، وقد تَقرَّرَ في كُتبِ الأُصولِ أنَّ سَببَ وُجوبِها المِلكُ المَذكورُ، وإنْ عَدَّه في الكَنزِ شَرطًا لوُجوبِها (لنِصابٍ) اعتبَر النِّصابَ؛ لأنَّه ﷺ قدَّر السَّببَ به (فارغٍ عن الدَّينِ) المُرادُ به دَينٌ له مُطالِبٌ من جِهةِ العِبادِ، حتى لا يَمنَعَ دَينُ النَّذرِ والكَفَّارةِ ويَمنَعَ دَينُ الزَّكاةِ حالَ بَقاءِ النِّصابِ، وكذا بعدَ الاستِهلاكِ؛ لأنَّ الإمامَ يُطالِبُه في الأَموالِ الظاهِرةِ ونُوابُه في الأَموالِ الباطِنةِ وهُم المُلَّاكُ، فإنَّ الإمامَ كانَ يَأخذُها إلى زَمنِ عُثمانَ ﵁، وهو فوَّضَها إلى أَربابِها في الأَموالِ الباطِنةِ قَطعًا لِطَمعِ الظَّلمةِ فيها، فكانَ ذلك تَوكيلًا منه لِأربابها ولا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ الدَّينُ بطَريقِ الأَصالةِ أو الكَفالةِ، ذكَرَه الزَّيلَعيُّ وغَيرُه، وقد ضمَّ صَدرُ الشَّريعةِ الزَّكاةَ إلى النَّذرِ والكَفارةِ، وهو مُخالِفٌ للهِدايةِ وغيرِه، فكأنَّه سَهوٌ من الناسِخِ الأولِ (و) عن (الحاجةِ الأصليَّةِ) كدُورِ السُّكنى

стр. 1832

ونَحوِها، وسيأتي (نامٍ ولو تَقديرًا) النَّماءُ إمَّا تَحقيقيٌّ يَكونُ بالتَّوالُدِ والتَّناسُلِ والتِّجاراتِ، أو تَقديريٌّ يَكونُ بالتَّمكُّنِ من الاستِنماءِ أنْ يَكونَ في يَدِه أو يَدِ نائِبِه، فإذا فُقِد لم تَجبِ الزَّكاةُ … قال الشُّرنبُلاليُّ: (قَولُه: وإنْ عَدَّه -أي: المِلكَ التامَّ في الكَنزِ- شَرطًا) كذا انتقَدَه صاحِبُ البَحرِ، فقالَ: وقد جعَلَه المُصنِّفُ شَرطًا للوُجوبِ مع قَولِهم: إنَّ سَببَها مِلكُ مالٍ مُرصَدٍ لِلنَّماءِ والزِّيادةِ فاضِلٍ عن الحاجةِ، كما في المُحيطِ وغيرِه من أنَّ السَّببَ والشَّرطَ قد اشتَركا في أنَّ كلًّا منهما يُضافُ إليه الوُجوبُ، لا على وَجهِ التَّأثيرِ، فخرَجَ العِلةُ، ويَتميَّزُ السَّببُ عن الشَّرطِ بإضافةِ الوُجوبِ إليه أيضًا دونَ الشَّرطِ كما عُرفَ في الأُصولِ (١). القَولُ الثالِثُ: القَولُ بأنَّ النَّماءَ عِلةٌ: ذكَرَ بعضُ عُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ النَّماءَ بكَونِه عِلةً في بعضِ أَصنافِ الزَّكاةِ، ولم يُصرِّحوا بكَونِه عِلةً لكلِّ أَصنافِ الزَّكاةِ، وإنْ كانَ هذا مَفهومَ كَلامِهم. وعندَما تكلَّمَ ابنُ بَزيزةَ التُّونسيُّ المالِكيُّ عن مَسألةِ زَكاةِ الدَّينِ المَرجوِّ قالَ: «وأمَّا المَرجُوُّ من دُيونِه الحالَّةِ فلا يَخلو أنْ يَكونَ من بَيعٍ أو سَلفٍ، فإنْ كانَت من بَيعٍ، فقَولانِ: المَشهورُ احتِسابُها؛ لأنَّه من جُملةِ النَّماءِ الذي هو عِلةٌ في وُجوبِ الزَّكاةِ في محَلِّها المُخصَّصِ» (٢).

стр. 1833

وقالَ عُبيدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ البُخاريُّ الحَنفيُّ عندَما تكلَّمَ عن مَسألةِ زَكاةِ الذَّهبِ المَضروبِ (النُّقودِ): «مَعنى قَولِنا: إنَّ الثَّمنيَّةَ عِلةٌ لِلزَّكاةِ في المَضروبِ هو أنَّ كَونَ الذَّهبِ والفِضةِ خُلِقا ثَمنَينِ دَليلٌ على أنَّهما غيرُ مَصروفَينِ إلى الحاجةِ الأصليَّةِ، بل هُما من أَموالِ التِّجارةِ خِلقةً، فيَكونانِ من المالِ … فمَعنى كَونِ الثَّمنيَّةِ عِلَّةً لِلزَّكاةِ أنَّ الثَّمنيَّةَ من جُزئيَّاتِ كَونِ المالِ ناميًا، فتَكونُ عِلَّةً مُؤثِّرةً باعتِبارِ أنَّ الشارعَ اعتبَرَ جِنسَه في حُكمِ وُجوبِ الزَّكاةِ، فالعِلةُ في الحَقيقةِ النَّماءُ، لا الثَّمنيَّةُ (١). وأيضًا قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ الشافِعيُّ ﵀: أمَّا الماشيةُ فلِأنَّ عِلةَ الزَّكاةِ فيها النَّماءُ (٢). وقالَ أبو بَكرِ بنُ مُحمدٍ البَكريُّ الدِّمياطيُّ الشافِعيُّ ﵀ صاحِبُ كِتابِ «إعانة الطَّالِبينَ» في سياقِ كَلامِه كذلك عن زَكاةِ دَينِ الماشيةِ والزُّروعِ: «لأنَّ عِلةَ الزَّكاةِ في المُعشَّراتِ الزَّهوُ في مِلكِه ولم يُوجَدْ، وفي الماشيةِ السَّومُ والنَّماءُ، ولا سَومَ ولا نَماءَ فيما في الذِّمةِ، بخِلافِ النَّقدِ، فإنَّ عِلةَ الزَّكاةِ فيه النَّقديَّةُ، وهي حاصِلةٌ مُطلَقًا في المُعيَّنةِ وفيما في الذِّمةِ» (٣). والآنَ نَشرَعُ في نَقلِ كَلامِ كلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ عن النَّماءِ حيثُ ورَدَ ذِكرُه في كَلامِهم عن بعضِ أَبوابِ الزَّكاةِ:

стр. 1834

أولًا: أَقوالُ المالِكيةِ: قال القاضِي أبو مُحمدٍ عبدُ الوهَّابِ ﵀: «وهذا ما لا خِلافَ فيه أعلمُه أنَّ العُروضَ إذا لم يُرَدْ بها التِّجارةُ فلا زَكاةَ فيها. والأصلُ في ذلك أنَّ الزَّكاةَ إنَّما تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ، وهي العَينُ والحَرثُ والماشيةُ. وهذه الأَشياءُ قد سقَطَ النَّماءُ فيها، وليسَ في أَعيانِها الزَّكاةُ، فلا زَكاةَ فيها» (١). وقالَ أيضًا: المُعتبَر في وُجوبِ الزَّكاةِ هو النَّماءُ دونَ غيرِه؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ بوُجودِه وتَسقُطُ بعَدمِه، ويُبيِّنُ ذلك أنَّ الأَموالَ على ضَربَينِ: منها ما تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ كالذَّهبِ والفِضةِ، وضَربٌ آخَرُ لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ كالعُروضِ. ثم اتَّفقْنا على أنَّ ما لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا قُصدَ به التَّنمِّي وطَلبُ الفَضلِ وجَبَت الزَّكاةُ لطَلبِ النَّماءِ به، فوجَبَ أنْ يَكونَ ما يَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا عدَلَ به عن طَلبِ النَّماءِ على وَجهٍ مُباحٍ أنْ تَسقُطَ الزَّكاةُ فيه (٢). وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: إنَّ المُعتبَرَ في وُجوبِ الزَّكاةِ النَّماءُ دونَ غيرِه، فالزَّكاةُ تابِعةٌ له؛ لأنَّها تَجبُ بوُجودِه وتَسقُطُ بعَدمِه، يُبيِّنُ ذلك أنَّ الزَّكاةَ على ضَربَينِ: منها ما تَجبُ الزَّكاةُ في عَينِه، ومنها ما لا تَجبُ

стр. 1835

الزَّكاةُ في عَينِه كالعُروضِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ ما لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا قُصدَ به الثَّمنُ وطَلبُ الفَضلِ وجَبَت الزَّكاةُ فيه، فوجَبَ أنْ تَكونَ ما في عَينِه الزَّكاةُ إذا عُدلَ به عن طَلبِ النَّماءِ يُؤثِّرُ ذلك في سُقوطِ الزَّكاةِ عنه، ولا تَحتاجُ أنْ تَقولَ على وَجهٍ مُباحٍ؛ لأنَّ التأثيرَ إذا ثبَتَ لم يَبقَ إلا ما نَقولُه، وهذا يُمكِنُ أنْ يُستدَلَّ به على أنَّه من قياسِ العَكسِ، ويُمكِنُ أنْ يَكونَ استِدلالًا مُبتدأً (١). وجعَلَ الإمامُ الباجيُّ عَدمَ التَّمكُّنِ من تَنميةِ المالِ مانِعًا لِلزَّكاةِ كما المَغصوبِ، فقالَ في تَفسيرِه لمَعنى الزَّكاةِ: «ويَحتمِلُ وَجهًا آخَرَ وهو أنَّ إِخراجَ هذا الحَقِّ إنَّما يَجبُ في الأَموالِ المُعرَّضةِ لِلنَّماءِ، ولذلك لا يَجبُ في المُقتَنى لِما لم يَكنْ مُعرَّضًا لِلتَّنميةِ، ولذلك سقَطَت الزَّكاةُ في العَينِ إذا مُنعَ صاحِبُه من تَنميَتِه بالغَصبِ، فلمَّا كانَ مُختصًّا بالأَموالِ التي تُنمَّى قيلَ له واسِ من نَمائِه، وأخرِجْ زَكاةَ مالِكَ، بمَعنى أنَّه يُخرِجُ من نَمائِه» (٢). وذكَرَ الإمامُ الخِرشيُّ ﵀ أنَّ المانِعَ من وُجودِ الزَّكاةِ في القَرضِ هو عَدمُ نَمائِه، فقالَ: المَشهورُ أنَّ الدَّينَ النَّقدَ إذا كانَ غيرَ مَرجُوٍّ فإنَّه لا يُزكِّيه، وهو كالعَدمِ، وكذلك على المَشهورِ إذا كانَ قَرضًا لعَدمِ النَّماءِ فيه؛ لأنَّه خارِجٌ عن حُكمِ التِّجارةِ، ويُزكِّيه لِعامٍ واحِدٍ بعدَ قَبضِه ما لم يُؤخِّرْ قَبضَه فِرارًا من الزَّكاةِ كما مَرَّ في زَكاةِ الدَّينِ، ولَفظُ المُدوَّنةِ: ومَن حالَ الحَولُ

стр. 1836

على مالٍ عندَه فلم يُزكِّه حتى أقرَضَه ثم قبَضَه بعدَ سِنينَ زَكَّاه لِعامَينِ فأسقَطَ زَكاتَه عنه، وهو على المُقتَرِضِ، قالَ الباجيُّ: لا خِلافَ أنَّ القَرضَ لا زَكاةَ فيه. وهذا تَأويلٌ منه عليها، والدَّينُ إنَّما يَقومُ إذا كانَ لِلنَّماءِ وتأوَّلَها القاضِي عِياضٌ على تَقويمِ القَرضِ لعُمومِ قَولِها، والمُديرُ الذي لا يَكادُ يَجتمِعُ مالُه كلُّه عَينًا كالحنَّاطِ والبزَّازِ والذي يُجهِّزُ الأمتِعةَ إلى البُلدانِ يَجعلُ لنَفسِه في السَّنةِ شَهرًا يُقوِّمُ فيه عُروضَه التي لِلتِّجارةِ فيُزكِّي ذلك مع ما معه من عَينٍ وما له من دَينٍ يَرتَجي قَضاءَه وإليه أشارَ بقَولِه (١). وقالَ الإمامُ أبو الوَليدِ ابنُ رُشدٍ ﵀ في زَكاةِ المالِ المَدفونِ والوَديعةِ: ورَدَّ مالِكٌ في رِوايةِ علِيِّ بنِ زِيادٍ عنه في المَجموعةِ المالَ المَدفونَ إلى اللُّقطةِ، فلم يُوجِبِ الزَّكاةَ فيهما جَميعًا إلا لِعامٍ واحِدٍ، وهو أصَحُّ الأَقوالِ في النَّظرِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت في المالِ العَينِ، وإنْ لم يُحرِّكْه صاحِبُه ولا طلَبَ النَّماءَ فيه؛ لقُدرَتِه على ذلك، وهو ههنا غيرُ قادِرٍ على تَحريكِه وتَنميتِه في المَسألتَينِ جَميعًا، فوجَب أنْ تَسقُطَ عنه الزَّكاةُ فيهما، ولقد رَوى ابنُ نافِع عن مالِكٍ على طَردِ هذه العِلةِ أنَّ الوَديعةَ لا زَكاةَ على صاحبِها فيها حتى يَقبِضَها فيُزكِّيَها لِعامٍ واحِدٍ؛ إذ لا قُدرةَ له على تَنميتِها إلا بعدَ قَبضِها، وهو إِغراقٌ، إلا أنْ يَكونَ مَعنى ذلك أنَّ المُودِعَ غائِبٌ عنه، فيَكونَ لذلك وَجهٌ؛ فهَذه الرِّوايةُ تَدُلُّ على أنَّ عَدمَ القُدرةِ على تَنميةِ المالِ عِلةٌ صَحيحةٌ في إِسقاطِ الزَّكاةِ عنه (٢).

стр. 1837

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ الحَفيدُ ﵀: وذلك أنَّ الجُمهورَ على أنَّه لا زَكاةَ في الخَيلِ، فذهَبَ أبو حَنيفةَ إلى أنَّها إذا كانَت سائِمةً وقُصدَ بها النَّسلُ أنَّ فيها الزَّكاةَ، أعني: إذا كانَت ذُكرانًا وإناثًا. والسَّببُ في اختِلافِهم: مُعارَضةُ القياسِ لِلَّفظِ، وما يُظَنُّ من مُعارَضةِ اللَّفظِ لِلَّفظِ فيها. أمَّا اللَّفظُ الذي يَقتَضي أنَّه لا زَكاةَ فيها فقَولُه ﷺ : «ليسَ على المُسلمِ في عبْدِه ولا فرَسِه صَدقةٌ» (١)، وأمَّا القياسُ الذي عارَض هذا العُمومَ: فهو أنَّ الخَيلَ السائِمةَ حَيوانٌ مَقصودٌ به النَّماءُ والنَّسلُ، فأشبَهَ الإبلَ والبَقرَ (٢). قال الشَّيخُ الزَّرقانيُّ ﵀ في زَكاةِ عُروضِ الاحتِكارِ: تَنبيهٌ: قالَ ابنُ بَشيرٍ: وإنْ أقامَت عُروضُ الاحتِكارِ أَحوالًا لم تَجبْ عليه إلا زَكاةٌ واحِدةٌ؛ لأنَّ الزَّكاةَ كما يُفهَمُ من الشَّريعةِ مُتعلِّقةٌ بالنَّماءِ أو بالعِيرِ لا بالعُروضِ، فإذا أَقامَت أَحوالًا ثم بِيعَتْ لم يَحصُلْ فيها النَّماءُ إلا مَرةً واحِدةً فلا تَجبُ الزَّكاةُ إلا مَرةً واحِدةً ولا يَجوزُ أنْ يَتطوَّعَ بالإِخراجِ قبلَ البَيعِ فإنْ فعَلَ يُجزئُه، قَولانِ، والمَشهورُ عَدمُ الإِجزاءِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لم تَجبْ بعدُ، وكذلك القَولانِ عندَنا في إِخراجِ زَكاةِ الدَّينِ قبلَ قَبضِه، المَشهورُ المَنعُ لِما قُلناه (٣).

стр. 1838

وفي فَتوى عُمَرِ بنِ عبدِ العَزيزِ بزَكاةِ الدَّينِ لِماضي السِّنينَ قالَ الإمامُ خَليلٌ مُعللًا القَولَ: وفي المُوطَّأِ: أنَّ عُمرَ بنَ عبدِ العَزيزِ ﵁ أمَرَ بزَكاتِه لِماضي السِّنينَ، ثم رجَعَ فأمَر بزَكاتِه لِعامٍ واحِدٍ، وفَرقٌ في الشاذِّ بينَه وبينَ الدِّينِ؛ لأنَّ الدِّينَ إمَّا مع النَّماءِ كما في سِلَعِ التِّجارةِ، وإمَّا لأنَّه ترَكَ النَّماءَ فيه اختيارًا (١). وقالَ الإمامُ اللَّخميُّ ﵀: وتُزكَّى أَموالُ الصِّبيانِ والمَجانينِ، وهُم في ذلك كالبالِغِ العاقِلِ، وهو قَولُ مالِكٍ، فأمَّا ماشيَتُهم وحُروثُهم، فتُزكَّى؛ لأنَّ النَّماءَ فيها مَوجودٌ (٢). وقالَ الإمامُ النَّفراويُّ المالِكيُّ ﵀: (بابٌ في) بَيانِ (زَكاةِ الماشيةِ) وقَدرِ النِّصابِ، وهي في اصطِلاحِ الفُقهاءِ لا تُطلَقُ إلا على الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ، وهي التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ، فلا تَجبُ في خَيلٍ وبِغالٍ وحَميرٍ وإنَّما وجَبَت فيها دونَ غيرِها؛ لوُجودِ كَمالِ النَّماءِ فيها من لَبنٍ وصُوفٍ ونَسلٍ وغيرِ ذلك من أنواعِ الانتِفاعِ، بخِلافِ غيرِها من بَقيَّةِ أَنواعِ الحَيوانِ (٣). وأمَّا إِدخالُهم لِلنَّقدَينِ لإِمكانِ النَّماءِ بهما: قال الإمامُ ابنُ شاسٍ ﵀: ولا زَكاةَ في شَيءٍ من نَفائِسِ الأَموالِ سوى النَّقدَيْن، وهو مَنوطٌ بكَونِهما مُتهيئَينِ لِلنَّماءِ، فلو اتَّخذَ منهما حُلِيًّا

стр. 1839

فجَوهَرُهما يَقتَضي وُجوبَ الزَّكاةِ وصُورَتُهما تَقتَضي إِسقاطَها؛ إذْ صارَ بالصِّياغةِ كالعُروضِ (١). قال الإمامُ التَّنوخيُّ ﵀: (بعضُ حِكمِها وأَسرارِها): وقد عدَلَت الشَّريعةُ فيها بينَ أربابِ المالِ والمَساكينِ، فلم تُعلِّقْها بغيرِ النامي من المالِ. ولِهذا تَعلَّقت بثَلاثةِ أنواعٍ: النَّماءِ المَحضِ، وهو النَّباتُ والمَعدِنُ. وما يَنمو بطَبعِه، وهي الماشيةُ. وما هو مُعَدٌّ لِلنَّماءِ، وهو العَينُ؛ الذَّهبُ والفِضةُ. وأسقطَتْها من العُروضِ إلا أنْ يَقصِدَ بها التِّجارةَ فتَكونَ رِاجِعةً إلى حُكمِ العَينِ؛ لأنَّ نَماءَ هذا النَّوعِ يَصرِفُه في العُروضِ، ولا شَكَّ أنَّ ما هو نَماءٌ في نَفسِه لا يَفتقِرُ إلى ضَربِ الحَولِ بل تَجبُ الزَّكاةُ عندَ حُصولِه. وما يَنمو بطَبِعه أو بالتَّحريكِ لا يَحصُلُ فيه كَمالُ النَّماءِ المَقصودِ إلا بعدَ أنْ يَحولَ عليه الحَولُ، ولِهذا ضرَبَت الشَّريعةُ الأحوالَ لِلعَينِ والماشيةِ، وأوجَبَت زَكاةَ المَعدِنِ والنَّباتِ عندَ حُصولِها (٢). ثانيًا: أَقوالُ الشافِعيةِ: لم أجِدْ أحدًا من فُقهاءِ الشافِعيةِ نَصَّ على أنَّ النَّماءَ شَرطٌ لوُجوبِ الزَّكاةِ، وإنَّما قالوا: إنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في المالِ؛ لأنَّه نامٍ، وإذا نَفَوا وُجوبَ الزَّكاةِ عن شَيءٍ، قالوا: لا تَجبُ الزَّكاةُ في كذا، والسَّببُ أنَّه غيرُ نامٍ، أو لم يُعدَّ لِلنَّماءِ.

стр. 1840

قال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: «الزَّكاةُ إنَّما تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزُّروعِ وتَسقُطُ في غيرِ الناميةِ، كالآلةِ والعَقارِ» (١). وقالَ أيضًا: «إنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الأَموالِ الناميةِ كالمَواشي والزَّرعِ وعُروضِ التِّجاراتِ دونَ ما ليسَ بنامٍ، كالدُّورِ والعَقاراتِ (٢). وقالَ أيضًا: «ولأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في الأَموالِ الناميةِ، وما ادُّخِر في الزُّروعِ والثِّمارِ مُنقطِعُ النَّماءِ مُعرَّضٌ لِلنَّفادِ والفَناءِ، فلم تَجبْ فيه الزَّكاةُ كالأَثاثِ والقُماشِ» (٣). وقالَ الإمام الشِّيرازيُّ ﵀: فَصلٌ: «ولا تَجبُ الزَّكاةُ إلا في السائِمةِ من الإبلِ والبَقرِ والغَنمِ؛ لِما رُويَ أنَّ أبا بَكرٍ الصِّديقَ ﵁ كتَبَ كِتابَ الصَّدقةِ وفيه: «صَدقةُ الغَنمِ في سائِمتِها إذا كانَت أربَعينَ فيها الصَّدقةُ» (٤) ورَوى بَهزُ بنُ حَكيمٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «في الإبلِ السائِمةِ في كلِّ أربَعينَ بِنتُ لَبونٍ» (٥)؛ ولأنَّ العَواملَ والمَعلوفةَ لا تُقتَنى للنَّماءِ فلم تَجبْ فيها الزَّكاةُ كثِيابِ البَدنِ وأثاثِ الدارِ، وإنْ كانَ عِندَه سائِمةٌ فعلَفَها نُظرَت، فإنْ كانَ قَدرًا يَبقى الحَيوانُ دونَه لم يُؤثِّرْ؛ لأنَّ وُجودَه

стр. 1841

كعَدمِه، وإنْ كانَ قَدرًا لا يَبقى الحَيوانُ دونَه سقَطَت الزَّكاةُ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ تَكامُلُ النَّماءِ بالسَّومِ» (١). وقالَ أيضًا: فَصلٌ: وأمَّا المالُ المَغصوبُ والضالُّ فلا تَلزمُه زَكاتُه قبلَ أنْ يَرجِعَ إليه من غيرِ نَماءٍ، ففيه قَولانِ: قالَ في القَديمِ: لا تَجبُ؛ لأنَّه خرَجَ عن يَدِه وتَصرُّفِه فلم تَجبْ عليه زَكاتُه كالمالِ الذي في يَدِ مُكاتَبِه، وقالَ في الجَديدِ: تَجبُ عليه؛ لأنَّه مالٌ له يَملِكُ المُطالَبةَ به ويُجبَرُ على التَّسليمِ إليه، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ كالمالِ الذي في وَكيلِه، فإنْ رجَعَ إليه مع النَّماءِ ففيه طَريقانِ: قالَ أبو العَباسِ: تَلزَمُه زَكاتُه قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما سقَطَت في أحَدِ القَولَينِ لعَدمِ النَّماءِ، وقد حصَلَ له النَّماءُ فوجَبَ أنْ تَجبَ، والصَّحيحُ أنَّه على القَولَينِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لم تَسقُطْ لعَدمِ النَّماءِ، فإنَّ الذُّكورَ من الماشيةِ لا نَماءَ فيها، وتَجبُ فيها الزَّكاةُ، وإنَّما سقَطَت لنُقصانِ المِلكِ بالخُروجِ عن يَدِه» (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الزَّكاةُ إنَّما تَتكرَّرُ في الأَموالِ الناميةِ، وما ادُّخِرَ من زَرعٍ وثَمرٍ فهو مُنقطِعُ النَّماءِ مُتعرِّضٌ للنَّفادِ، فلم تَجبْ فيه زَكاةٌ كالأَثاثِ والماشيةِ؛ فإنَّها مُرصَدةٌ لِلنَّماءِ (٣). وقالَ الدَّميريُّ ﵀ في كَلامِه عن زَكاةِ المَواشي: (لا الخَيلُ والرَّقيقُ)؛ لِقولِه ﷺ : «ليس على المُسلمِ في عَبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» (٤)، وقَولِه

стр. 1842

ﷺ : «عَفَوتُ لكم عن صَدقةِ الخَيلِ والرَّقيقِ» (١)، مُتَّفقٌ عليهما؛ ولأنَّها تُقتَنى لِلزِّينةِ والاستِعمالِ لا النَّماءِ، فأشبَهَت العَقارَ (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ زَكريَّا الأنصاريُّ ﵀: لا زَكاةَ في العامِلةِ في حَرثٍ أو غيرِه ولو مُحرَّمًا، وإنْ سُمِّيتْ؛ لخبَرِ البَيهَقيِّ وغَيرِه، وصحَّحَ ابنُ القطَّانِ إسنادَه. ليسَ في البَقرِ العَوامِلِ شَيءٌ؛ ولأنَّها لا تُقتَنى لِلنَّماءِ بل لِلاستِعمالِ، كثِيابِ البَدنِ ومَتاعِ الدَّارِ، وذلك بأنْ يَستعمِلَها القَدرَ الذي لو علَفَها فيه سقَطَت الزَّكاةُ (٣). ثالثًا: قَولُ الحَنابِلةِ: عُلماءُ الحَنابِلةِ قالوا باعتبارِ النَّماءِ ولم يُصرِّحوا بكَونِها شَرطًا أو سَببًا أو عِلَّةً، فادخَلوا السائِمةَ لِوُجودِ النَّماءِ فيها. قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: «صِفةُ النَّماءِ مُعتبَرةٌ في الزَّكاةِ» (٤). وقالَ أيضًا ﵀: والفَرقُ بينَ ما اعتُبِر له الحَولُ وما لم يُعتبَرْ له، أنَّ ما اعتُبِر له الحَولُ مُرصَدٌ لِلنَّماءِ، فالماشيةُ مُرصَدةٌ لِلدَّرِّ والنَّسلِ، وعُروضُ التِّجارةِ مُرصَدةٌ لِلرِّبحِ، وكذا الأَثمانُ، فاعتُبِر له الحَولُ؛ لأنَّه مَظِنةُ النَّماءِ؛ ليَكونَ إِخراجُ الزَّكاةِ من الرِّبحِ، فإنَّه أسهَلُ وأيسَرُ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت

стр. 1843

مُواساةً، ولم نَعتبِرْ حَقيقةَ النَّماءِ لِكَثرةِ اختِلافِه وعَدمِ ضَبطِه؛ ولأنَّ ما اعتُبِرت مَظِنتُه لم يُلتفَتْ إلى حَقيقتِه، كالحُكمِ مع الأسبابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ في هذه الأَموالِ، فلا بدَّ لها مِنْ ضابِطٍ، كي لا يُفضيَ إلى تَعاقُبِ الوُجوبِ في الزَّمنِ الواحِدِ مَراتٍ فيَنفَدَ مالُ المالِكِ (١). وقالَ في «الكافي»: ولا زَكاةَ في الخَيلِ والبِغالِ والحَميرِ والرَّقيقِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ على المُسلِمِ في عبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» مُتفَقٌ عليه؛ ولأنَّه لا يُطلَبُ دَرُّها، ولا تُقتَنى في الغالِبِ إلا لِلزِّينةِ، والاستِعمالِ، لا لِلنَّماءِ، ولا زَكاةَ في الوُحوشِ لذلك، وعنه في بَقرِ الوَحشِ الزَّكاةُ لدُخولِها في اسمِ البَقرِ، والأولُ أَولى؛ لأنَّها لا تَدخُلُ في إطلاقِ اسمِ البَقرِ ولا تَجوزُ التَّضحيةُ بها، ولا تُقتَنى لِنَماءٍ ولا دَرٍّ، فأشبَهت الظِّباءَ. وما تولَّد بينَ الوَحشيِّ والأهليِّ، فقالَ أَصحابنا: فيه الزَّكاة تغليبًا لِلإيجابِ، والأَوْلى ألَّا تَجبَ؛ لأنَّها لا تُقتَنى لِلنَّماءِ والدَّرِّ، أشبَهت الوَحشيةَ؛ ولأنَّها لا تَدخُلُ في إِطلاقِ اسمِ البَقرِ والغَنمِ (٢). قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ كانَ مُباحًا كحِليةِ النِّساءِ المُعتادةِ من الذَّهبِ والفِضةِ، وخاتَمِ الرَّجلِ من الفِضةِ وحِليةِ سَيفِه وحَمائِلِه ومِنطَقتِه وجَوشَنِه وخَوذَتِه وخُفِّه ورانِه من الفِضةِ وكان مُعدًّا لِلتِّجارةِ

стр. 1844

أو نَفقةٍ أو كِراءِ بَيتٍ؛ ففيه الزَّكاةُ؛ لأنَّه مُعدٌّ لِلنَّماءِ، فهو كالمَضروبِ، وإنْ أُعدَّ لِلُّبسِ والعاريةِ فلا زَكاةَ فيه؛ لِما رَوى جابِرٌ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ليس في الحُليِّ زَكاةٌ»؛ ولأنَّه مَصروفٌ عن جِهةِ النَّماءِ إلى استِعمالِ مُباحٍ فلم تَجبْ فيه زَكاتُه كثِيابِ البِذلةِ. وحَكى ابنُ أَبي مُوسى عنه أنَّ فيه الزَّكاةَ لعُمومِ الأَخبارِ (١). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والفَرقُ بينَ ما اعتُبِر له الحَولُ وما لم يُعتبَرْ له، أنَّ ما اعتُبِر له الحَولُ مُرصَدٌ لِلنَّماءِ، فالماشيةُ مُرصَدةٌ للدَّرِّ والنَّسلِ، وعُروضُ التِّجارةِ مُرصَدةٌ لِلرِّبحِ، وكذا الأَثمانُ، فاعتُبِر له الحَولُ؛ فإنَّه مَظِنةُ النَّماءِ؛ ليَكونَ إِخراجُ الزَّكاةِ من الرِّبحِ؛ فإنَّه أسهَلُ وأيسَرُ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت مُواساةً، ولم نَعتبِرْ حَقيقةَ النَّماءِ لِكَثرةِ اختِلافِه، وعَدمِ ضَبطِه؛ ولأنَّ ما اعتُبِرت مَظِنتُه لم يُلتفَتْ إلى حَقيقتِه، كالحُكمِ مع الأسبابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ في هذه الأَموالِ، فلا بدَّ لها من ضابِطٍ، كي لا يُفضيَ إلى تَعاقُبِ الوُجوبِ في الزَّمنِ الواحِدِ مَرَّاتٍ، فيَنفَدَ مالُ المالِكِ. أمَّا الزُّروعُ والثِّمارُ، فهي نَماءٌ في نَفسِها، تَتكامَلُ عندَ إِخراجِ الزَّكاةِ منها، فتُؤخَذُ الزَّكاةُ منها حينَئذٍ، ثم تَعودُ في النَّقصِ لا في النَّماءِ؛ فلا تَجبُ فيها زَكاةٌ ثانيةٌ؛ لعَدمِ إِرصادِها لِلنَّماءِ، والخارِجُ من المَعدِنِ مُستفادٌ خارجٌ من الأرضِ، بمَنزلةِ الزَّرعِ والثَّمرِ، إلا أنَّه إنْ كانَ من جِنسِ الأَثمانِ، ففيه

стр. 1845

الزَّكاةُ عندَ كلِّ حَولٍ؛ لأنَّه مَظِنةٌ للنَّماءِ، من حيثُ إنَّ الأَثمانَ قِيمُ الأَموالِ، ورأسُ مالِ التِّجاراتِ، وبهذا تَحصُلُ المُضاربةُ والشَّركةُ، وهي مَخلوقةٌ لذلك، فكانَت بأصلِها وخِلقَتِها، كمالِ التِّجارةِ المُعدِّ لها (١). قال الإمامُ البُهوتيُّ وكذا الرُّحيبانيُّ: (و) الشَّرطُ الخامِسُ (ل) وُجوبِ زَكاةِ في (أَثمانٍ وماشيةٍ) وعُروضِ تِجارةٍ: مُضيُّ حَولٍ على نِصابٍ تامٍّ لحَديثِ «لا زَكاةَ في مالٍ حتى يَحولَ عليه الحَولُ» رِفقًا بالمالِكِ وليَتكامَلَ النَّماءُ فيُواسيَ منه؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ في هذه الأَموالِ فلا بدَّ لها من ضابِطٍ لِئلَّا يُفضيَ إلى تَعاقُبِ الوُجوبِ في الزَّمنِ المُتقارِبِ فيَفنَى المالُ. أمَّا الزَّرعُ والثَّمرُ والمَعدِنُ ونَحوُه فهي نَماءٌ في نَفسِها، تُؤخَذُ الزَّكاةُ منها عندَ وُجودِها ثم لا تَجبُ فيها زَكاةٌ ثانيةٌ لعَدمِ إِرصادِها لِلنَّماءِ إلا أنْ يَكونَ المَعدِنُ أَثمانًا، وقَولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] يَنفي اعتبارَ الحَولِ في الحُبوبِ ونَحوِها (ويُعفى فيه) أي: الحَولِ (عن نِصفِ يَومٍ) صحَّحَه في «تَصحيح الفُروعِ» (٢). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ثم قسَّمَ العُروضَ إلى قِسمَينِ: قِسمٌ أُعدَّ لِلتِّجارةِ، ففيه الزَّكاةُ، وقِسمٌ أُعدَّ للقِنيةِ والاستِعمالِ، فهو مَصروفٌ عن جِهةِ النَّماءِ فلا زَكاةَ فيه.

стр. 1846

ثم لَمَّا كانَ حُصولُ النَّماءِ والرِّبحِ بالتِّجارةِ من أشَقِّ الأَشياءِ وأكثَرِها مُعاناةً وعَملًا خَفَّفها بأنْ جعَل فيها رُبع العُشرِ، ولَمَّا كانَ الرِّبحُ والنَّماءُ بالزُّروعِ والثِّمارِ التي تُسقَى بالكُلفةِ أقَلَّ كُلفةً، والعَملُ أيسَرَ، ولا يَكونُ في كلِّ السَّنةِ جعَلَه ضِعفَه، وهو نِصفُ العُشرِ، ولمَّا كانَ التَّعبُ والعَملُ فيما يَشربُ بنَفسِه أقَلَّ والمُؤنةُ أيسَرَ جعَلَه ضِعفَ ذلك وهو العُشرُ، واكتَفى فيه بزَكاةِ عامِهِ خاصَّةً، فلو أَقامَ عندَه بعدَ ذلك عِدةَ أَحوالٍ لغيرِ التِّجارةِ لم يَكنْ فيه زَكاةٌ؛ لأنَّه قد انقطَع نَماؤُه وزيادتُه بخِلافِ الماشيةِ وبخِلافِ ما لو أُعدَّ للتِّجارةِ فإنَّه عُرضةٌ للنَّماءِ، ثم لمَّا كانَ الرِّكازُ مالًا مَجموعًا مُحصَّلًا وكُلفةُ تَحصيلِه أقَلَّ من غيرِه ولم يَحتَجْ إلى أكثَرَ من استِخراجِه كانَ الواجِبُ فيه ضِعفَ ذلك، وهو الخُمسُ. فانظُرْ إلى تَناسُبِ هذه الشَّريعةِ الكامِلةِ التي بهرَ العُقولَ حُسنُها وكَمالُها وشهِدت الفِطرُ بحِكمتِها، وأنَّه لم يَطرُقِ العالَمُ شَريعةً أفضَلَ منها، ولو اجتمَعَت عُقولُ العُقلاءِ وفِطرُ الأَلبَّاءِ واقتَرحَت شَيئًا يَكونُ أحسَنَ مُقتَرَحٍ لم يَصِلِ اقتِراحُها إلى ما جاءَت به (١).

стр. 1847

الشَّرط الرابِعُ: الزِّيادةُ على الحاجاتِ الأصليَّةِ: هذا الشَّرطُ أيضًا ذكَرَه الحَنفيةُ، وهو كَونُ المالِ فاضِلًا على الحاجاتِ الأصليَّةِ؛ لأنَّ به يَتحقَّقُ الغِنى ومَعنى النِّعمةِ، وهو التَّنعُّمُ، وبه يَحصُلُ الأداءُ

стр. 1848

عن طِيبِ النَّفسِ؛ إذ المالُ المُحتاجُ إليه حاجةً أصليَّةً لا يَكونُ صاحِبُه غَنيًّا عنه، ولا يَكونُ نِعمةً؛ إذ التَّنعُّمُ لا يَحصُلُ بالقَدرِ المُحتاجِ إليه حاجةً أصليَّةً؛ لأنَّه مِنْ ضَروراتِ حاجةِ البَقاءِ، وقِوامِ البَدنِ، فكانَ شُكرُه شُكرَ نِعمةِ البَدنِ، ولا يَحصُلُ الأداءُ عن طِيبِ نَفسٍ، فلا يَقعُ الأداءُ بالجِهةِ المَأمورِ بها لقَولِه ﷺ : «أَدُّوا زَكاةَ أَموالِكم طَيِّبةً بها أَنفسُكم» (١) فلا تَقعُ زَكاةً؛ إذ حَقيقةُ الحاجةِ أمرٌ باطِنٌ لا يُوقَفُ عليه، فلا يُعرَفُ الفَضلُ على الحاجةِ، فيُقامُ دَليلُ الفَضلِ على الحاجةِ مَقامَه (٢). وبِناءً على هذا الشَّرطِ قالوا: لا زَكاةَ في كُتبِ العِلمِ المُقتَناةِ لِأهلِها وغَيرِ أهلِها، ولو كانَت تُساوى نِصابًا، وكذا دارُ السُّكنى وأثاثُ المَنزِلِ، ودَوابُّ الرُّكوبِ ونَحوُ ذلك. قالوا: لأنَّ المَشغولَ بالحاجةِ الأصليَّةِ كالمَعدومِ. وقد فسَّرَ ابنُ مالِكٍ من الحَنفيةِ الحاجةَ الأصليَّةَ تَفسيرًا دَقيقًا، فقالَ: هي ما يَدفَعُ الهَلاكَ عن الإِنسانِ تَحقيقًا كالنَّفَقةِ ودُورِ السُّكنى وآلاتِ الحَربِ والثِّيابِ المُحتاجِ إليها لِدَفعِ الحَرِّ والبَردِ. أو تَقديرًا كالدَّينِ، فإنَّ المَدينَ يَحتاجُ إلى قَضائِه بما في يَدِه من النِّصابِ ليَدفعَ عن نَفسِه الحَبسَ الذي هو الهَلاكُ، وكآلاتِ الحِرفةِ وأثاثِ المَنزلِ ودَوابِّ الرُّكوبِ وكُتبِ العِلمِ لِأهلِها، فإنَّ الجَهلَ عندَهم كالهَلاكِ.

стр. 1849

فإذا كانَ له دَراهِمُ مُستحَقةٌ ليَصرِفَها إلى تلك الحَوائِجِ صارَت كالمَعدومةِ، كما أنَّ الماءَ المُستحَقَّ لِصَرفِه إلى العَطشِ كانَ كالمَعدومِ، وجازَ عندَه التَّيمُّمُ (١). فقد جعَلَ ابنُ مالِكٍ من هذا النَّوعِ أنْ يَكونَ لَديه نِصابُ دَراهمَ أمسَكَها بنِيَّةِ صَرفِها إلى الحاجةِ الأصليَّةِ، فلا زَكاةَ فيها إذا حالَ عليها الحَولُ، لكنِ اعتَرَضه ابنُ نَجيمٍ في «البَحر الرائِق» بأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ على النَّقدِ كيفَما أمسَكه لِلنَّماءِ أو لِلنَّفقةِ ونقَله عن «المِعراج والبَدائِع» فقالَ ﵀: فقد صرَّحَ بأنَّ من معه دَراهمُ وأمسَكها بنيَّةِ صَرفِها إلى حاجَتِه الأصليَّةِ لا تَجبُ الزَّكاةُ إذا حالَ الحَولُ وهي عندَه ويُخالِفُه ما في «مِعراج الدِّرايةِ» في فَصلِ زَكاةِ العُروضِ أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في النَّقدِ كيفَما أمسَكه لِلنَّماءِ أو لِلنَّفقةِ. وكذا في «البَدائِع» في بَحثِ النَّماءِ التَّقديريِّ (٢): ولم يَذكُرْ أيٌّ من أَصحابِ المَذاهبِ الأُخرى هذا الشَّرطَ مُستقِلًّا، ولَعلَّه لأنَّ الزَّكاةَ أوجبَها الشَّرعُ في أَجناسٍ مُعيَّنةٍ من المالِ إذا حالَ الحَولُ على نِصابٍ كامِلٍ منها، فإذا وُجدَ ذلك وجَبَت عليه الزَّكاةُ.

стр. 1850

الشَّرطُ الخامِسُ: الحَولُ: المُرادُ بالحَولِ أنْ يَمُرَّ على المِلْكِ في مِلكِ المالِكِ سَنةٌ كامِلةٌ قَمريَّةٌ اثنا عشَرَ شَهرًا عَربيًّا، وهذا الشَّرطُ إنَّما هو بالنِّسبةِ لِلأنعامِ والنُّقودِ والسِّلعِ التِّجاريَّةِ (وهو ما يُمكِنُ أنْ يَدخُلَ تحتَ اسمِ زَكاةِ رأسِ المالِ) أمَّا الزُّروعُ والثِّمارُ والمُستخرَجُ من المَعادنِ والكُنوزِ ونَحوِها فلا يُشتَرطُ لها حَولٌ، بل تَجبُ الزَّكاةُ في هذه الأَنواعِ، ولو لم يَحُلْ عليها الحَولُ. السِّرُّ في اعتبارِ الحَولِ لبعضِ الأَموالِ: والفَرقُ بينَ ما اعتُبِر له الحَولُ وما لم يُعتبَرْ له ما قالَه الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: إنَّ ما اعتُبِرَ له الحَولُ مُرصَدٌ لِلنَّماءِ، فالماشيُة مُرصَدةٌ لِلدَّرِّ -اللَّبنِ- والنَّسلِ، وعُروضُ التِّجارةِ مُرصَدةٌ للرِّبحِ، وكذا الأَثمانُ، فاعتُبِرَ له الحَولُ؛ لأنَّه مَظِنةُ النَّماءِ؛ ليَكونَ إِخراجُ الزَّكاةِ من الرِّبحِ، فإنَّه أيسَرُ وأسهَلُ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت مُواساةً. ولم تُعتبَرْ حَقيقةُ النَّماءِ؛ لِكَثرةِ اختِلافِه وعَدمِ ضَبطِه؛ ولأنَّ ما اعتُبِرت مَظِنتُه لم يُلتَفتْ إلى حَقيقتِه كالحِكَمِ مع الأَسبابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ في هذه الأَموالِ، فلا بدَّ لها من ضابِطٍ، كَيْلا يُفضيَ إلى تَعاقُبِ الوُجوبِ في الزَّمنِ الواحِدِ مَراتٍ، فيَنفَدَ مالُ المالِكِ. أمَّا الزُّروعُ والثِّمارُ فهي نَماءٌ في نَفسِها، تَتكامَلُ عندَ إِخراجِ الزَّكاةِ منها فتُؤخَذُ الزَّكاةُ منها حينَئذٍ، ثم تَعودُ في النَّقصِ لا في النَّماءِ، فلا تَجبُ فيها

стр. 1851

زَكاةٌ أُخرى؛ لعَدمِ إِرصادِها لِلنَّماءِ، والخارِجُ من المَعدِنِ مُستَفادٌ خارِجٌ من الأرضِ بمَنزلةِ الزَّرعِ والثَّمرةِ (١). الدَّليلُ على اشتِراطِ الحَولِ: قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا وَقتُ الزَّكاةِ فإنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ يَشتَرطونَ في وُجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضةِ والماشِيةِ الحَولَ؛ لثُبوتِ ذلك عن الخُلفاءِ الأربَعةِ، ولِانتِشارِه في الصَّحابةِ ﵃ ولِانتِشارِ العَملِ به، ولِاعتِقادِهم أنَّ مِثلَ هذا الانتِشارِ من غيرِ خِلافٍ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ إلا عن تَوقيفٍ. وقد رُوي مَرفوعًا من حَديثِ ابنِ عُمرَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ» (٢)، وهذا مُجمَعٌ عليه عندَ فُقهاءِ الأَمصارِ. وليس فيه في الصَّدرِ الأولِ خِلافٌ إلا ما رُوي عن ابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ وسَببُ الخِلافِ أنَّه لم يَردْ في ذلك حَديثٌ ثابِتٌ (٣). المالُ المُستفادُ في أثناءِ الحَولِ: المالُ المُستَفادُ هو الذي يَدخُلُ في مِلكيَّةِ الشَّخصِ بعدَ أنْ لم يَكنْ، فإنْ لم يَكنْ عندَ المُكلَّفِ مالٌ زَكويٌّ لم يَبلُغْ نِصابًا فلا زَكاةَ فيه، ولا يَنعقِدُ

стр. 1852

حَولُه، فإنْ تَمَّ عندَه نِصابٌ انعقَد الحَولُ من يَومِ تمَّ النِّصابُ وتَجبُ عليه زَكاتُه إنْ بقِيَ إلى تَمامِ الحَولِ. وإنْ كانَ عندَه نِصابٌ أو مما يُضَمُّ إليه، فله ثَلاثةُ أَقسامٍ: القِسمُ الأولُ: أنْ يَكونَ المالُ المُستفادُ من نَمائِه كرِبحِ مالِ التِّجارةِ ونِتاجِ السائِمةِ، فهذا يَجبُ ضَمُّه إلى ما عندَه من أصلِه، فيُعتبَرُ حَولُه بحَولِه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه تَبعٌ له من جِنسِه فأشبَهَ النَّماءَ المُتَّصِلَ، كزِيادةِ قِيمةِ عُروضِ التِّجارةِ (١). القِسمُ الثاني: أنْ يَكونَ المُستفادُ من غيرِ جِنسِ المالِ الذي عندَه، كأن يَكونَ مالُه إبِلًا فيَستفيدُ بَقرًا أو ذَهبًا أو فِضةً، فهذا النَّوعُ له حُكمُ نَفسِه، لا يُضَمُّ إلى ما عندَه في حَولٍ ولا نِصابٍ، بل إنْ كانَ نِصابًا استَقبَل حَولًا وزَكَّاه، وإلا فلا شَيءَ فيه، وهذا قَولُ جُمهورِ العُلماءِ من الأئمَّةِ الأربَعةِ وغَيرِهم من أئمَّةِ الفَتوى إلا خِلافًا شاذًّا أنَّه يُزكِّيه حين يَستفيدُه، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وجُمهورُ العُلماءِ على خِلافِ هذا القَولِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: على هذا جُمهورُ العُلماءِ، والخِلافُ في ذلك شُذوذٌ -أي: يُزكِّيه حينَ يَستفيدُه- ولم يُعرِّجْ عليه أحَدٌ من العُلماءِ، ولا قالَ به أحَدٌ من أئمَّةِ الفَتوى (٢).

стр. 1853

القِسمُ الثالِثُ: أنْ يَستفيدَ مالًا من جِنسِ نِصابٍ عندَه، قد انعَقدَ عليه حَولُ الزَّكاةِ بسَببٍ مُستقِلٍّ، وليسَ المُستفادَ من نَماءِ المالِ الأولِ، كانَ يَكونَ عندَه أربَعونَ من الغَنمِ مَضى عليها بعضُ الحَولِ فيَشتَريَ أو يَرِثَ أو يُوهبَ له مِئةٌ. أو كانَ عندَه عِشرونَ مِثقالًا ذَهبًا ملَكَها في أولِ المُحرَّمِ، ثم استَفادَ ألفَ مِثقالٍ في أولِ ذي الحِجَّةِ. فقد اختَلفَ العُلماءُ في ذلك هل يُضَمُّ إلى الأولِ في النِّصابِ دونَ الحَولِ فيُزكِّي الأولَ عندَ حَولِه، والثانِيَ عندَ حَولِه أو يُزكِّي جَميعَ المالِ في نِهايةِ حَولِ الأولِ؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُضَمُّ إلى الأولِ في النِّصابِ دونَ الحَولِ فيُزكِّي الأولَ عندَ حَولِه، أي: في أولِ مُحرَّمٍ كما في المِثالِ الثاني، ويُزكِّي الثانِيَ لِحَولِه، أي: في أولِ ذي الحِجَّةِ ولو كانَ الثاني أقَلَّ من نِصابٍ؛ لأنَّه بلَغَ بضَمِّه إلى الأولِ نِصابًا. واستدَلُّوا على ذلك بعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ» (١)، وبقَولِه ﷺ من حَديثِ ابنِ عمرَ: «مَنْ اسْتَفَادَ مَالًا فلا زَكاةَ عليه حتى يَحُولَ عليه الحَولُ عندَ رَبِّهِ» (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُضَمُّ كلَّ ما يَأتي في الحَولِ إلى النِّصابِ الذي عندَه فيُزكِّيها جميعًا عند تمامِ حَولِ الأولِ، قالوا: لأنَّه يُضَمُّ إلى جِنسِه في

стр. 1854

النِّصابِ، فوجَبَ ضَمُّه إليه في الحَولِ كالنِّتاجِ؛ ولأنَّ النِّصابَ سَببٌ والحَولُ شَرطٌ، فإذا ضُمَّ في النِّصابِ الذي هو سَببٌ فضَمُّه إليه في الحَولِ الذي هو شَرطٌ أَولى، وبَيانُ ذلك أنَّه لو كانَ عندَه مِئتا دِرهَمٍ مَضى عليها نِصفُ الحَولِ فوُهبَ له مِئةٌ أُخرى، فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ فيها إذا تَمَّ حَولُها بغيرِ خِلافٍ، ولولا المِئتانِ ما وجَبَ فيها شَيءٌ، فإذا ضُمَّت إلى المِئتَينِ في أصلِ الوُجوبِ فكذلك في وَقتِه؛ ولأنَّ إِفرادَه بالحَولِ يُفضي إلى تَشقيصِ الواجِبِ (تَجزِئَتِه) في السائِمةِ، واختِلافِ أَوقاتِ الواجِبِ، والحاجةِ إلى ضَبطِ مَواقيتِ التَّملُّكِ ومَعرِفةِ قَدرِ الواجِبِ في كُلِّ جُزءٍ ملَكَه، ووُجوبِ القَدرِ اليَسيرِ الذي لا يَتمكَّنُ من إخراجِه، ثم يَتقرَّرُ ذلك في كلِّ حَولٍ ووَقتٍ، فهذا حَرجٌ مَدفوعٌ بقَولِه تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وقياسًا على نِتاجِ السائِمةِ ورِبحِ التِّجارةِ، واستَثنَى أبو حَنيفةَ ما كانَ ثَمنَ مالٍ قد زُكِّي، فلا يُضَمُّ لِئلَّا يُؤدِّيَ إلى الثَّني (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى التَّفريقِ في ذلك بينَ السائِمةِ وبينَ النُّقودِ، فقالوا في السائِمةِ كقَولِ أَبي حَنيفةَ، قالوا: لأنَّ زَكاةَ السائِمةِ مَوكولةٌ إلى الساعي، فلو لم تُضَمَّ لَأدَّى ذلك إلى خُروجِه أكثَرَ من مَرَّةٍ، بخِلافِ الأَثمانِ فلا تُضَمُّ، فإنَّها مَوكولةٌ إلى أَربابِها (٢).

стр. 1855

الفِرارُ من الزَّكاةِ وهل يَضمَنُها مَنْ فَرَّ منها أو لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الاحتيالِ لِإسقاطِ الزَّكاةِ والفِرارِ منها، كمَن كانَت عندَه ماشيةٌ فباعَها قبلَ الحَولِ بدَراهمَ فِرارًا من الزَّكاةِ، أو أَبدلَ النِّصابَ من غيرِ جِنسِه لِيَقطعَ الحَولَ ويَستأنِفَ حَولًا آخَرَ، أو أتلَفَ جُزءًا من النِّصابِ لتَسقُطَ عنه الزَّكاةُ، أو وهَبَ مالَه عندَ رأسِ الحَولِ فِرارًا من الزَّكاةِ، أو تَصدَّقَ بدِرهَمٍ قبلَ الحَولِ لكَي يُنقِصَ النِّصابَ هل يَجوزُ ذلك وتَسقُطُ عنه الزَّكاةُ أو لا يَجوزُ له فِعلُ ذلك وتَجِبُ عليه الزَّكاةُ ولا تَسقُطُ؟ على قَولَينِ: القَولُ الأولُ: ذهَبَ المالِكيةُ (١) والحَنابِلةُ في المَذهبِ والأَوزاعيُّ وإِسحاقُ وأبو عُبيدٍ (٢) والبُخاريُّ (٣) والدَّارِميُّ والمَسعوديُّ وصاحِبُ الإبانةِ

стр. 1856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1857

والقاضِي ابنُ كَجٍّ والغَزاليُّ من الشافِعيةِ (١) إلى أنَّه يَحرُمُ الاحتيالُ في نِهايةِ الحَولِ لِإسقاطِ الزَّكاةِ، وتَثبُتُ في ذمَّةِ المُحتالِ ولا تَسقُطُ عنه مع الحِيلةِ، فمَن كانَت عندَه ماشيةٌ فباعَها قبلَ الحَولِ بدَراهمَ فِرارًا من الزَّكاةِ، أو أَبدلَ النِّصابَ من غيرِ جِنسِه لِيَقطعَ الحَولَ ويَستأنِفَ حَولًا آخَرَ، أو أَتلفَ جُزءًا من النِّصابِ لتَسقُطَ عنه الزَّكاةُ، وجَبَت عليه الزَّكاةُ، سواءٌ كانَ المُبدَلُ ماشيةً أو غَيرَها من النِّصابِ، واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠].

стр. 1858

وذاك أنَّ القَومَ أرادوا أنْ يَتعجَّلوا أخذَ ثِمارِها قبلَ عِلمِ المَساكينِ بها لِيَمنَعوهم الواجِبَ فيها، ألَا تَرى أنَّه تعالَى قالَ: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ [القلم: ٢٣، ٢٤] فإذا كانَ الوَعيدُ عليه مُستحَقًّا كانَ فِعلُه مُحرَّمًا، وفِعلُ المُحرَّماتِ لا يَمنَعُ حُقوقَ اللهِ تعالَى الواجِباتِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى عاقَبَهم بذلك لفِرارِهم من الصَّدقةِ؛ لأنَّهم لَمَّا قصَدوا قَصدًا فاسِدًا اقتضَت الحِكمةُ مُعاقَبتَهم بنَقيضِ قَصدِهم. ولأنَّ إِسقاطَ المالِ كاجتِلابِ المالِ، فلَمَّا كانَ اجتِلابُ المالِ لا يُحمَلُ بوَجهٍ مُحرَّمٍ، مِثلَ أنْ يَقتُلَ مُورِّثًا فلا يَرثَه، كذلك إِسقاطُ المالِ لا يَحصُلُ بوَجهٍ مُحرَّمٍ (١). لكنَّهم اشتَرطوا شُروطًا لِهذا: ١ - أنْ تَكونَ الحِيلةُ عندَ قُربِ الوُجوبِ، أمَّا لو فعَلَ ذلك عندَ أوَّلِ الحَولِ (٢) أو قبلَ نِهايةِ الحَولِ بشَهرٍ أو شَهرَيْن لم تَجبْ فيه الزَّكاةُ؛ لأنَّ ذلك ليسَ بمَظِنةٍ للفِرارِ حتى لو قامت القَرينةُ على هُروبِه من الزَّكاةِ إذا كانَ أكثَرَ من شَهرٍ عندَ المالِكيةِ (٣).

стр. 1859

٢ - أنْ يَقصِدَ بذلك الفِرارَ من الزَّكاةِ، فإنْ فعَلَ ذلك بدونِ قَصدٍ فلا تَجبُ الزَّكاةُ (١). ٣ - ألَّا يَكونَ أنفَقَ المالَ أو أتلَفَه لِحاجَتِه وإلا لَوجَبَ (٢). القَولُ الثاني: هو قَولُ الحَنفيةِ (٣) والشافِعيةِ في المَذهبِ (٤) والظاهِريَّةِ (٥)

стр. 1860

قالوا: مَنْ تَصرَّفَ في مالِه قبلَ حُلولِ الحَولِ ولو فِرارًا من الزَّكاةِ تَسقُطُ عنه الزَّكاةُ مع الكَراهةِ عندَ الشافِعيةِ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ، وعندَ الظاهِريَّةِ عاصٍ لِسوءِ نيَّتِه، وعندَ أَبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ لا يُكرَهُ (١). واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي: أنَّه فاتَ شَرطُ وُجوبِ الزَّكاةِ، وهو الحَولُ، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ على وَجهٍ يُعذَرُ فيه أو لا (٢). ولأنَّا لو أوجَبنا عليه الزَّكاةَ لَأوجَبناها في مالٍ لم يَحُلْ عليه الحَولُ في مِلكِه فتَختَلَّ قاعِدةُ الزَّكاةِ (٣). ولأنَّه لو كانَ له مئَتا دِرهَمٍ فلمَّا كانَ قبلَ الحَولِ بيَومٍ تَصدَّقَ بدِرهَمٍ منها لم يُكرَهْ، ولو نَوى بتَصدُّقِه بالدِّرهمِ أنْ يَتمَّ الحَولُ وليسَ في مِلكِه نِصابٌ فلا يَلزَمْه الزَّكاةُ ولم تَضرَّه النِّيةُ؛ لأنَّ ذلك لا يَلزَمْه إلا بتَمامِ الحَولِ. ولأنَّ العُلماءَ أَجمَعوا على أنَّه يَجوزُ لِلإِنسانِ أنْ يَتصرَّفَ في مالِه قبلَ دُخولِ الحَولِ كيف شاءَ (٤).
следующие страницы →