← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

وقَعَت في أحدِ جانبَيه نَجاسةٌ جازَ الوُضوءُ من الجانِبِ الآخَرِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ النَّجاسةَ لا تَصلُ إليه (١). واستدَلُّوا بما ورَدَ عن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا استَيقظَ أحدُكم من نَومِه فلا يَغمِسْ يَدَه في الإناءِ حتى يَغسلَها ثَلاثًا؛ فإنَّه لا يَدري أين باتَتْ يَدُه» (٢). قالوا: فلو كانَ ماءُ الإناءِ لا يُنجَّسُ بالغَمسِ لم يَكنْ للنَّهيِ -لوَهمِ النَّجاسةِ- مَعنًى، ومَعلومٌ أنَّ ماءَ الإناءِ إذا حرَّكَه آدَميٌّ من أحدِ طَرفَيْه سرَتِ الحَركةُ فيه إلى الطَّرفِ الآخَرِ. وكذا الأخبارُ مُستفيضةٌ بالأمرِ بغَسلِ الإناءِ من وُلوغِ الكَلبِ مع أنَّه لا يَتغيَّرُ لَونُه ولا طَعمُه ولا رِيحُه (٣). القَولُ الثاني: وهو مَذهبُ الإمامِ مالِكٍ، ويَرى أنَّه إنْ تغيَّرَ لَونُه أو طَعمُه أو ريحُه فهو قَليلٌ، وإنْ لم يَتغيرْ فهو كَثيرٌ (٤). القَولُ الثالِثُ: وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أنَّ الماءَ إذا بلَغَ قُلَّتينِ فهو كَثيرٌ، وإلا فهو قَليلٌ. واستدَلُّوا على هذا بما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ

стр. 212

سُئلَ عن الماءِ يَكونُ في الفَلاةِ من الأرضِ وما يَنوبُه من السِّباعِ والدَّوابِّ قالَ: فقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا كانَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَحملِ الخَبثَ» وفي رِوايةٍ: «لم يُنجسْه شَيءٌ» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وتَحديدُه بالقُلَّتينِ يَدلُّ على أنَّ ما دونَهما يُنجَّسُ، إذ لو استَوى حُكمُ القُلَّتينِ وما دونَهما لم يَكُنِ التَّحديدُ مُفيدًا (٢). وقالَ الشِّيرازيُّ ﵀: ولأنَّ القُلَّتينِ يُمكنُ حِفظُهما من النَّجاسةِ في الظُّروفِ، والكَثيرُ لا يُمكنُ حِفظُه من النَّجاسةِ فنَجعلُ القُلَّتينِ حَدًّا فاصِلًا بينَهما (٣). تَنبيهٌ: قالَ الحافِظُ ﵀: قَولُه: «لم يَحمِلِ الخَبَثَ» مَعناه: لم يُنجَّسْ بوُقوعِ النَّجاسةِ فيه، كما فُسرَ في الرِّوايةِ الأُخرى التي رَواها أبو داودَ وابنُ حِبانَ

стр. 213

وغيرُهما: «إذا بلَغَ الماءُ قُلَّتينِ لم يَتنجَّسْ»، والتَّقديرُ: لم يَقبلِ النَّجاسةَ، بل يَدفعُها عن نَفسِه، ولو كانَ المَعنى: أنَّه يَضعُفُ عن حَملِه لم يَكنْ للتَّقيُّدِ للقُلَّتينِ مَعنًى ما دونَهما أَولى بذلك، وقيلَ: مَعناه: لا يَقبلُ حُكمَ النَّجاسةِ كما في قَولِه تَعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] أي: لم يَقبَلوا حُكمَها (١). حُكمُ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ في حالَتَي الجَريان والرُّكودِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الماءِ المُختلِطِ بنَجسٍ في حالَتَي الجَريانِ والرُّكودِ: وفيما يَلي أَقوالُهم: أولًا: مَذهبُ الحَنفيةِ: فرَّقَ الحَنفيةُ بينَ كَونِ الماءِ جاريًا أو راكِدًا؛ فإنْ وقَعَ في الماءِ نَجاسةٌ وكانَ جاريًا وكانَت النَّجاسةُ غيرَ مَرئيةٍ، ولم يَتغيرْ أحَدُ أَوصافِ الماءِ: فهو طاهِرٌ عندَهم. يَقولُ الإمامُ الكاسانِيُّ الحَنفيُّ ﵀: فإنْ وقَعَ -أي: النَّجسُ- في الماءِ فإنْ كانَ جاريًا وكانَ النَّجسُ غيرَ مَرئيٍّ كالبَولِ والخَمرِ ونَحوِهما لا يُنجَّسُ ما لم يَتغيرْ لَونُه أو طَعمُه أو ريحُه، ويتوضَّأُ منه من أيِّ مَوضعٍ كانَ من الجانِبِ الذي وقَعَ فيه النَّجسُ، أو من جانِبٍ آخَرَ.

стр. 214

كذا ذكَرَه مُحمدٌ في كِتابِ الأشرِبةِ لو أنَّ رَجلًا صَبَّ خابيةً (١) من الخَمرِ في الفُراتِ، ورَجلًا آخَرَ أسفَلَ منه يَتوضَّأُ إنْ تغيَّرَ لَونُه أو طَعمُه أو ريحُه لا يَجوزُ، وإذا لم يَتغيرْ يَجوزُ. ثم قالَ: وعن أبي حَنيفةَ في الجاهِلِ بالَ في الماءِ الجارِي وهناك رَجلٌ أسفَلَ منه يَتوضَّأُ به؟ قالَ: لا بأسَ به، وهذا لأنَّ الماءَ الجارِي مما لا يَخلصُ بَعضُه إلى بَعضٍ، فالماءُ الذي يَتوضَّأُ به يَحتملُ أنَّه نَجسٌ ويَحتملُ أنَّه طاهِرٌ، والماءُ طاهِرٌ في الأصلِ، وإنْ كانَت النَّجاسةُ مَرئيةً كالجِيفةِ ونَحوِها؛ فإنْ كانَ جَميعُ الماءِ يَجري على الجِيفةِ لا يَجوزُ التَّوضُّؤُ من أسفَلِ الجِيفةِ؛ لأنَّه نَجسٌ بيَقينٍ، والنَّجسُ لا يَطهرُ بالجَريانِ. وإنْ كانَ أكثَرُه يَجري على الجِيفةِ فكذلك؛ لأنَّ العِبرةَ للغالِبِ. وإنْ كانَ أقَلُّه يَجري على الجِيفةِ، والأكثَرُ يَجري على الطاهِرِ يَجوزُ التَّوضُّؤُ به من أسفَلِ الجيفةِ؛ لأنَّ المَغلوبَ مُلحقٌ بالعَدمِ في أَحكامِ الشَّرعِ. وإنْ كانَ يَجري عليها النِّصفُ، أو دونَ النِّصفِ فالقياسُ أنَّه يَجوزُ التَّوضؤُ به؛ لأنَّ الماءَ كانَ طاهِرًا بيَقينٍ، فلا يُحكمُ بكَونِه نَجسًا بالشَّكِّ، وفي الاستِحسانِ لا يَجوزُ احتياطًا. ثم قالَ: واختَلفَ المَشايخُ في حَدِّ الجَريانِ. قال بَعضُهم: هو أنْ يَجريَ بالتِّبنِ والوَرقِ.

стр. 215

وقال بَعضُهم: إنْ كانَ بحيثُ لو وضَعَ رَجلٌ يَدَه في الماءِ عرَضًا لم يَنقطعْ جَريانُه فهو جارٍ، وإلا فلا. ورُويَ عن أبي يُوسفَ: إنْ كانَ بحالٍ لو اغتَرَفَ إِنسانٌ الماءَ بكَفَّيه لم يَنحسِرْ وَجهُ الأرضِ بالاغتِرافِ فهو جارٍ وإلا فلا. وقيلَ: ما يَعُدُّه الناسُ جاريًا فهو جارٍ، وما لا فلا، وهو أصَحُّ الأقاويلِ. وإنْ كانَ الماءُ راكِدًا وكانَ قَليلًا يُنجَّسُ وإنْ كانَ كَثيرًا لا يُنجَّسُ (١). وقد بيَّنتُ حَدَّ القَليلِ والكَثيرِ كما سبَقَ. ثانيًا: مَذهبُ المالِكيةِ: قالَ الدُّسوقيُّ: إنَّ الماءَ اليَسيرَ -وهو ما كانَ قَدرَ آنيةِ الوُضوءِ أو الغُسلِ فما دونَهما- إذا حلَّت فيه نَجاسةٌ قَليلةٌ كالقَطرةِ ولم تُغيِّرْه؛ فإنَّه يُكرهُ استِعمالُه في رَفعِ حَدثٍ أو في حُكمِ خَبثٍ ومُتوقِّفٌ على طَهورٍ كالطَّهارةِ المَسنونةِ والمُستحبةِ. وأمَّا استِعمالُه في العاداتِ فلا كَراهةَ فيه، فالكَراهةُ خاصَّةٌ بما يَتوقفُ على طَهورٍ. ثم قالَ: الحاصِلُ أنَّ الكَراهةَ مُقيَّدةٌ بقُيودٍ سَبعةٍ: أنْ يَكونَ الماءُ الذي حلَّت فيه النَّجاسةُ يَسيرًا، وأنْ تَكونَ النَّجاسةُ التي حلَّت فيه قَطرةً فما فوقَها، وألَّا تُغيِّرَه، وأنْ يُوجدَ غيرُه، وألَّا يَكونَ له مادةٌ كبِئرٍ، وألَّا يَكونَ

стр. 216

جاريًا، وأنْ يُرادَ استِعمالُه فيما يَتوقَّفُ على طَهورٍ كرَفعِ حَدثٍ وحُكمِ خَبثٍ وأوضيةٍ واغتِسالاتٍ مَندوبةٍ؛ فإنِ انتَفى قَيدٌ منها فلا كَراهةَ (١). وعلى هذا أنَّه إنْ كانَ الماءُ جاريًا وحلَّت به نَجاسةٌ ولكنْ لم تُغيِّرْه فلا يُكرهُ استِعمالُه. ثالثًا: مَذهبُ الشافِعيةِ: قالَ الشِّيرازيُّ ﵀ في «المُهذَّب»: إذا وقَعَت في الماءِ نَجاسةٌ لا يَخلو: إمَّا أنْ يَكونَ راكِدًا وإمَّا أنْ يَكونَ جاريًا، وإمَّا أنْ يَكونَ بَعضُه راكِدًا وبَعضُه جاريًا. أ- فإنْ كانَ راكِدًا: نُظرَت النَّجاسةُ: فإنْ كانَت نَجاسةً يُدركُها الطَّرفُ من خَمرٍ وبَولٍ أو مَيْتةٍ لها نَفسٌ سائِلةٌ نُظرَت: فإنْ تغيَّرَ أحدُ أَوصافِه من طَعمٍ أو لَونٍ أو رائِحةٍ فهو نَجسٌ؛ لقَولِه ﷺ : «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ، إلا ما غيَّرَ طَعمَه أو رِيحَه» (٢)، فنَصَّ على الطَّعمِ والرِّيحِ، وقِسْنا اللَّونَ عليهما؛ لأنَّه في مَعناهما. وإنْ تغيَّرَ بَعضُه بدونِ بَعضٍ نُجسَ الجَميعُ؛ لأنَّه ماءٌ واحِدٌ، فلا يَجوزُ أنْ يُنجَّسَ بَعضٌ دونَ بَعضٍ. وإنْ لم يَتغيَّرْ: نُظرَت: فإنْ كانَ الماءُ دونَ القُلَّتينِ فهو نَجسٌ، وإنْ كانَ قُلَّتينِ فصاعِدًا فهو طاهِرٌ لقَولِه ﷺ : «إذا كانَ الماءُ قُلَّتينِ لم

стр. 217

يَحمِلِ الخَبَثَ»، ولأنَّ ماءَ القُلَّتينِ يُمكنُ حِفظُه من النَّجاسةِ في الظُّروفِ، والكَثيرُ لا يُمكنُ حِفظُه من النَّجاسةِ فجُعلَت القُلَّتان حَدًّا فاصِلًا بينَهما. ثم قالَ: وإنْ كانَت النَّجاسةُ ممَّا لا يُدركُها الطَّرفُ ففيها ثَلاثُ حالاتٍ: من أَصحابِنا مَنْ قالَ: لا حُكمَ لها؛ لأنَّها لا يُمكنُ الاحتِرازُ منها، فهي كغُبارِ السِّرجِينِ. ومنهم مَنْ قالَ: حُكمُها حُكمُ سائِرِ النَّجاساتِ؛ لأنَّها نَجاسةٌ مُتيقَّنةٌ فهي كالنَّجاسةِ التي يُدركُها الطَّرفُ. ومنهم مَنْ قالَ: فيه قَولانِ: كما بيَّنَ حُكمَه إنْ كانَ جاريًا فقالَ: ب- وإنْ كانَ الماءُ جاريًا وفيه نَجاسةٌ جاريةٌ كالمَيتةِ الجِريةِ (١) المُتغيرةِ فالماءُ الذي قبلَها طاهِرٌ؛ لأنَّه لم يَصلْ إلى النَّجاسةِ فهو كالماءِ الذي يُصبُّ على النَّجاسةِ من إبريقٍ، والذي بعدَها طاهِرٌ أيضًا؛ لأنَّه لم تَصلْ إليه النَّجاسةُ، وأمَّا ما يُحيطُ بالنَّجاسةِ مِنْ فوقِها ومِن تحتِها وعن يمينِها وعن شمالِها؛ فإنْ كانَ قُلَّتينِ ولم يَتغيَّرْ فهو طاهِرٌ، وإنْ كانَ دونَهما فهو نَجسٌ كالراكِدِ. وقالَ أبو العَباسِ بنُ القاصِّ: فيه قَولٌ آخَرُ قاله في القَديمِ: أنَّه لا يُنجسُ الماءُ الجارِي إلا بالتَّغيرِ؛ لأنَّه ماءٌ ورَدَ على النَّجاسةِ فلم يُنجَّسْ من غيرِ تَغيُّرٍ، كالماءِ المُزالِ به النَّجاسةُ.

стр. 218

وإنْ كانَت النَّجاسةُ واقِفةً والماءُ يَجري عليها؛ فإنَّ ما قبلَها وما بعدَها طاهِرٌ، وما يَجري عليها إنْ كانَ قُلَّتينِ فهو طاهِرٌ، وإنْ كانَ دونَهما فهو نَجسٌ، وكذلك كلُّ ما يَجري عليها بعدَها فهو نَجسٌ، ولا يَطهُرُ شَيءٌ من ذلك حتى يَركُدَ في مَوضعٍ ويَبلغَ قُلَّتينِ. وإنْ كانَ بَعضُه جاريًا وبَعضُه راكِدًا: بأنْ يَكونَ في النَّهرِ مَوضعٌ مُنخفضٌ يَركُدُ فيه الماءُ والماءُ يَجري بجَنبِه والراكِدُ زائِلٌ عن سِمةِ الجَريِ: فوقَعَ في الراكِدِ نَجاسةٌ وهو دونَ القُلَّتينِ، فإنْ كانَ مع الجِريةِ التي يُحاذيها يَبلغُ قُلَّتينِ فهو طاهِرٌ. وإنْ لم يَبلغْ قُلَّتينِ فهو نَجسٌ، وتَتنجَّسُ كلُّ جِريةٍ بجَنبِها إلى أنْ يَجتمعَ في مَوضعٍ قُلَّتان فيَطهُرَ (١). رابِعًا: مَذهبُ الحَنابِلةِ: قالَ الحَنابِلةُ: إذا تغيَّرَ الماءُ بمُخالطةِ النَّجاسةِ فهو نَجسٌ. وإنْ لم يَتغيَّرْ وهو يَسيرٌ ففيه رِوايتانِ: الرِّوايةُ الأُولى: يُنجسُ، وهو المَذهبُ وعليه الأَصحابُ، وعُمومُ هذه الرِّوايةِ يَقتَضي النَّجاسةَ سَواءٌ أدرَكَها الطَّرفُ أو لا، وهو الصَّحيحُ، وهو المَذهبُ. والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يُنجسُ.

стр. 219

قالَ في «الإنصاف»: هذا الخِلافُ في الماءِ الراكِدِ، أمَّا الجارِي فعن أحمدَ أنَّه كالراكِدِ إنْ بلَغَ جَميعُه قُلَّتينِ رفَعَ النَّجاسةَ وإنْ لم تُغيِّرْه وإلا فلا. وهو المَذهبُ. قالَ في «الحاوي الصَّغير»: ولا يُنجسُ قَليلٌ جارٍ قبلَ تَغيُّرِه في أصَحِّ الرِوايَتينِ، وعن أحمدَ تُعتبَرُ جِريةً بنَفسِها، اختارَها القاضِي وأَصحابُه، وقالَ: هي المَذهبُ. قالَ الزَّركشيُّ: هي اختيارُ الأكثَرينَ (١). اختِلاطُ الأَواني واشتِباهُ ما فيها من الماءِ الطَّهورِ بالماءِ النَّجسِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اختلَطَت الأَواني اختِلاطَ مُجاورةٍ، وكانَ في بَعضِها ماءٌ طَهورٌ، وفي بَعضِها الآخَرِ ماءٌ نَجسٌ واشتَبَه الأمرُ على الشَّخصِ، ولا قُدرةَ له على إِيجادِ ماءٍ آخَرَ طَهورٍ غيرِ الذي في بَعضِها، هل يَجوزُ التَّطهُّرُ بها أو لا، على خَمسةِ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: يَجبُ عليه الاجتِهادُ والتَّحرِّي لمَعرفةِ الطَّهورِ منها، فإذا اجتَهدَ وغلَبَ على ظَنِّه طَهوريةُ أحدِهما بعَلامةٍ تَظهرُ جازَ له التَّطهرُ به، وإلا فلا، وهذا مَذهبُ جُمهورِ الشافِعيةِ، وهو قَولُ ابنِ المَوَّازِ وسُحنونٍ وابنِ العَربيِّ من المالِكيةِ.

стр. 220

قالَ النَّوويُّ ﵀: إذا اشتَبهَ ماءان طاهِرٌ ونَجسٌ … الصَّحيحُ المَنصوصُ الذي قطَعَ به الجُمهورُ وتظاهَرَت عليه نُصوصُ الشافِعيِّ ﵀: أنَّه لا يَجوزُ التَّطهُّرُ بواحِدٍ منهما إلا إذا اجتَهدَ وغلَبَ على ظَنِّه طَهارتُه بعَلامةٍ تَظهرُ، فإنْ ظَنَّه بغيرِ عَلامةٍ تَظهرُ لم تَجُزِ الطَّهارةُ به … وسَواءٌ عندَنا كانَ عَددُ الطاهِرِ أكثَرَ أو أقَلَّ حتى لو اشتَبَه إناءٌ طاهِرٌ بمِئةِ إناءٍ نَجسةٍ تَحرَّى فيها، وكذلك الأطعِمةُ والثِّيابُ، هذا مَذهبُنا وبمِثلِه قالَ بعضُ أَصحابِ مالِكٍ (١). واستدَلُّوا بقَولِه تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣] وهذا واجِدُ ماءٍ فلم يَجزِ التَّيممُ، ووجَبَ الاجتِهادُ، وبأنَّ التَّطهرَ شَرطٌ من شُروطِ صِحةِ الصَّلاةِ يُمكنُ التَّوصلُ إليه بالاجتهادِ، فوجَبَ قياسًا على القِبلةِ وعلى الاجتِهادِ في الأَحكامِ، وفي تَقويمِ المُتلَفاتِ وإنْ كانَ قد يَقعُ الخَطأُ (٢). القَولُ الثاني: يَجبُ عليه الاجتِهادُ والتَّحرِّي إذا كانَ عَددُ أَواني الماءِ الطَّهورِ أكثَرَ من عَددِ أَواني النَّجسِ، فإنْ كانَ عَددُ أَواني الماءِ الطَّهورِ مُساويًا لعَددِ أَواني النَّجسِ أو أقَلَّ لا يَجوزُ له التَّحرِّي، بل يَتيمَّمُ، وبهذا قالَ الحَنفيةُ، وهو قَولُ أبي علِيٍّ النَّجادِ من الحَنابِلةِ (٣).

стр. 221

القَولُ الثالِثُ: أنَّه لا يَجوزُ التَّحرِّي في المياهِ المُختلِطةِ عندَ الاشتِباهِ مُطلَقًا، بل يُتركُ الجَميعُ ويُتيمَّمُ، وهو أحدُ قَولَيْ سُحنونٍ من المالِكيةِ وبه قالَ أبو ثَورٍ والمُزنِيُّ من الشافِعيةِ وهو قَولُ الإمامِ أحمدَ وأكثَرِ أَصحابِه (١). واستدَلُّوا على ذلك بأنَّه إذا اجتَهدَ قد يَقعُ في النَّجسِ؛ ولأنَّه اشتَبَه طاهِرٌ بنَجسٍ فلم يَجزْ الاجتِهادُ كما لو اشتَبَه ماءٌ ببَولٍ (٢). ثم اختَلفَ هؤلاء فيما بينَهم: فقالَ أحمدُ في إحدَى الرِوايَتينِ: لا يَتيممُ حتى يُريقَ الماءَ لتَحقُّقِ عَدمِ الماءِ. والثانيةُ: يَجوزُ له التَّيممُ قبلَ ذلك. اختارَه أبو بَكرٍ. قالَ ابنُ قُدامةَ: هو الصَّحيحُ؛ لأنَّه غيرُ قادِرٍ على استِعمالِ الطاهِرِ. وقال سُحنونٌ وأبو ثَورٍ والمُزنِيُّ: يَتيممُ ويُصلي ولا إعادةَ، وإنْ لم يُرِقْه؛ لأنَّه كالمَعدومِ (٣). القَولُ الرابِعُ: يَتوضَّأُ بعَددِ النَّجسِ وزيادةِ إناءٍ، يَعني أنَّه يَتوضَّأُ من أحدِهما ثم يُصلِّي ثم يَتوضَّأُ من آخَرَ ويُصلِّي، يَفعلُ ذلك بعَددِ النَّجسِ وبزيادةِ واحِدٍ؛ فإنْ كانَت الأَواني خَمسةً والنَّجسُ منها اثنَين يَتوضَّأُ من ثَلاثةٍ منها ويُصلِّي بكلِّ وُضوءٍ صَلاةً، وإنْ كانَ النَّجسُ ثَلاثةً توضَّأَ من أربَعةٍ منها وصلَّى بكلِّ

стр. 222

وُضوءٍ صَلاةً، وإنْ كانَ النَّجسُ أربَعةً توضَّأَ منها جَميعًا وصَلَّى كذلك، وبهذا قالَ ابنُ الماجشونِ من المالِكيةِ وهو القَولُ الثاني لسُحنونٍ (١). قالوا: لأنَّ الشَّخصَ في هذه الحالةِ معه ماءٌ مُحقَّقُ الطَّهارةِ ولا سَبيلَ إلى تَيقُّنِ استِعمالِه إلا بالتَّوضُّؤِ والصَّلاةِ بعَددِ النَّجسِ وبزيادةِ إناءٍ، فلزِمَه ذلك. القَولُ الخامِسُ: يَجوزُ التَّطهرُ بأيِّهما شاءَ بلا اجتِهادٍ ولا ظَنٍّ، وهو وَجهٌ للشافِعيةِ واستدَلُّوا بأنَّ الأصلَ طَهارتُه. وضعَّفَ هذا الوَجهَ إمامُ الحَرمَين وغيرُه (٢). إذا اشتَبَه ماءٌ طَهورٌ بماءٍ قد بطَلَت طَهوريَّتُه: قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا اشتَبَه ماءٌ طَهورٌ بماءٍ قد بطَلَت طَهوريَّتُه توضَّأَ من كلِّ واحِدٍ منهما وُضوءًا كامِلًا، وصلَّى بالوُضوءَين صَلاةً واحِدةً، لا أعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه أمكَنَه أداءُ فَرضِه بيَقينٍ من غيرِ حَرجٍ فيه، فلزِمَه كما لو كانا طاهرَينِ ولم يَكفِه أحدُهما، وفارَقَ ما إذا كانَ نَجسًا، يُنجِّسُ أَعضاءَه يَقينًا، ولا يأمَنُ أنْ يَكونَ النَّجسُ هو الثانِيَ، فيَبقى نَجسًا، ولا تَصحُّ صَلاتُه، فإنِ احتاجَ إلى أحدِ الإِناءَيَن في الشُّربِ تَحرَّى فتوَضَّأ بالطَّهورِ عندَه، ويَتيممُ معه ليَحصلَ له اليَقينُ، واللهُ أعلَمُ (٣).

стр. 223

وُضوءُ الرَّجلِ بفَضلِ وُضوءِ المَرأةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ وُضوءِ الرَّجلِ بفَضلِ طَهورِ المَرأةِ هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ أنْ يَتوضَّأَ الرَّجلُ بفَضلِ وُضوءِ المَرأةِ وإنْ خلَتْ بالماءِ؛ لمَا رَواه مُسلمٌ في صَحيحِه: «أنَّ رَسولَ الله ﷺ كانَ يَغتسِلُ بفَضلِ مَيمونةَ» (١). وبقَولِ مَيمونةَ ﵂: اغتَسلتُ من جَفنةٍ ففضَلَت فيها فَضلةٌ، فجاءَ النَّبيُّ ﷺ يَغتسِلُ، فقُلتُ: إنِّي قد اغتسَلتُ منه، فقالَ: الماءُ ليسَ عليه جَنابةٌ (٢)، ولأنَّه ماءٌ طَهورٌ جازَ للمَرأةِ الوُضوءُ به، فجازَ للرَّجلِ كفَضلِ الرَّجلِ (٣). ولمَا رُوي عن ابنِ عُمرَ ﵁ كانَ يَقولُ: «كانَ الرِّجالُ والنِّساءُ يَتوضَّؤونَ في زَمانِ رَسولِ اللهِ ﷺ من الإناءِ الواحِدِ جَميعًا» (٤).

стр. 224

قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: في هذا الحَديثِ دَليلٌ واضِحٌ على إبطالِ قَولِ مَنْ قالَ: لا يُتوضَّأُ بفَضلِ المَرأةِ؛ لأنَّه مَعلومٌ إذا اغتَرَفا جَميعًا من إناءٍ واحِدٍ فكلُّ واحِدٍ منهما مُتوضِّئٌ بفَضلِ صاحِبِه (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يَتوضَّأَ بفَضلِ طَهورِ المَرأةِ إذا خلَتْ به المَرأةُ، أمَّا إذا كانا جَميعًا فلا بأسَ (٢). واستدَلُّوا على ذلك بما رَوى الحَكمُ بنُ عَمرٍو «أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أنْ يَتوضَّأَ الرَّجلُ بفَضلِ طَهورِ المَرأةِ» (٣). قالَ الحافِظُ في «الفَتحِ» (٤): تُحملُ أَحاديثُ النَّهيِ على ما تساقَطَ من الأَعضاءِ، والجَوازُ على ما بَقيَ من الماءِ، وبذلك جمَعَ الخَطابيُّ، أو يُحملُ النَّهيُ على التَّنزيهِ جَمعًا بينَ الأدِلةِ، واللهُ أعلَمُ. أمَّا وُضوءُ المَرأةِ بفَضلِ طَهورِ الرَّجلِ فهو جائِزٌ بالإِجماعِ: قالَ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا تَطهيرُ المَرأةِ بفَضلِ طَهورِ الرَّجلِ فجائِزٌ بالإِجماعِ (٥).

стр. 225

باب في الآنيةِ أولاً: التَّعريفُ: الآنيةُ جَمعُ إناءٍ: والإناءُ: الوِعاءُ، وهو كلُّ ظَرفٍ يُمكنُ أنْ يَستوعِبَ غيرَه. وجَمعُ الآنيةِ: أَوانٍ (١). ولا يَخرجُ استِعمالُ الفُقهاءِ لهذا اللَّفظِ عن الاستِعمالِ اللُّغويِّ. ثانيًا: أَحكامُ الآنيةِ من حيثُ استِعمالُها: النَّوعُ الأولُ: آنيةُ الذَّهبِ والفِضةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ استِعمالِ آنيةِ الذَّهبِ والفِضةِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: أجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ الأكلِ والشُّربِ في إناءِ الذَّهَبِ وإناءِ الفِضةِ على الرِّجالِ وعلى المَرأةِ، ولم يُخالِفْ في ذلك أحَدٌ من العُلماءِ إلا ما حَكاه أَصحابُنا العِراقيُّونَ أنَّ للشافِعيِّ قَولًا قَديمًا أنَّه يُكرهُ ولا يَحرمُ، وهذا النَّقلُ باطِلٌ … ومَردودٌ بالنَّصِّ والإِجماعِ … قال صاحِبُ «التَّقريبِ»: إنَّ سياقَ كَلامِ الشافِعيِّ في القَديمِ يَدلُّ على أنَّه أرادَ أنَّ

стр. 226

الذَّهبَ والفِضةَ اللَّذَين اتُّخذَ منهما الإناءُ ليسا حَرامًا، ولهذا لم تُحرَّمِ الحُليُّ على المَرأةِ. هذا كَلامُ صاحِبِ التَّقريبِ، وهو مِنْ مُتقدِّمي أَصحابِنا، وهو أتقَنُهم لنَقلِ نُصوصِ الشافِعيِّ، ولأنَّ الشافِعيَّ رجَعَ عن هذا القَديمِ، والصَّحيحُ عندَ أَصحابِنا وغيرِهم من الأُصوليِّين أنَّ المُجتهدَ إذا قالَ قَولًا ثم رجَعَ عنه لا يَبقى قَولًا له، ولا يُنسبُ إليه، قالوا: وإنَّما يُذكرُ القَديمُ، ويُنسبُ إلى الشافِعيِّ مَجازًا وباسمِ ما كانَ عليه، لا أنَّه قَولٌ له الآنَ فحاصِلُ ما ذكَرنا أنَّ الإِجماعَ مُنعقدٌ على تَحريمِ استِعمالِ إناءِ الذَّهبِ وإناءِ الفِضةِ في الأكلِ والشُّربِ والطَّهارةِ، والأكلِ بمِلعقةٍ من أحدِهما، والتَّجمُّرِ بمَجمَرةٍ منهما، وجَميعِ وُجوهِ الاستِعمالِ، ومنها المِكحلةُ والميلُ وطَرفُ الغاليةِ وغيرُ ذلك، سَواءٌ الإناءُ الصَّغيرُ والإناءُ الكَبيرُ، ويَستَوي في التَّحريمِ الرَّجلُ والمَرأةُ بلا خِلافٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا خِلافَ بينَ أَصحابِنا في أنَّ استِعمالَ آنيةِ الذَّهبِ والفِضةِ حَرامٌ، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ ولا أعلَمُ فيه خِلافًا (٢).

стр. 227

واستدَلُّوا على ذلك بما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «ولا تَشرَبوا في آنِيةِ الذَّهبِ والفِضَّةِ ولا تَأكُلوا في صِحافِها؛ فإنَّهَا لهم في الدُّنيا ولنا في الآخِرةِ» (١). وبقَولِه ﷺ : «الذي يَشرَبُ في آنِيةِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرجرُ في بَطنِه نارَ جَهنَّمَ» (٢). وعلى هذا إنْ تَوضَّأَ أو اغتسَلَ منها عصَى بالفِعلِ وصَحَّ وُضوؤُه وغُسلُه عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ وهو الصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ خِلافًا لأبي بَكرٍ من الحَنابِلةِ (٣). النَّوعُ الثاني: الآنيةُ المُفضَّضةُ والمُضبَّبةُ (٤) بالفِضةِ والذَّهبِ: ذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ (وهي إحدَى الرِوايَتينِ عن مُحمدِ بنِ الحَسنِ) إلى جَوازِ استِعمالِ الآنيةِ المُفضَّضةِ والمُضبَّبةِ بالفِضةِ ولو كانَت الفِضةُ كَثيرةً.

стр. 228

وذهَبَ أبو يُوسفَ (وهي الرِّوايةُ الثانيةُ عن مُحمدٍ) إلى أنَّه يُكرهُ استِعمالُه (١). وعندَ المالِكيةِ في المُفضَّضةِ قَولانِ: أحدُهما: بالمَنعِ، والآخَرُ: بالجَوازِ، واستَظهَرَ بَعضُهم بالجَوازِ. وأمَّا الآنيةُ المُضبَّبةُ فلا تَجوزُ. قالَ في «الشَّرح الصَّغير»: يَحرُمُ على المُكلفِ الذَّكرِ أو الأُنثى أنْ يُضبِّبَ الإناءَ الخَشبَ أو الفَخارَ كالصِّينيِّ بأحدِ النَّقدَين … وأمَّا الإناءُ إذا كانَ من نُحاسٍ أو حَديدٍ كالقُدورِ والصُّحونِ والمَباخرِ والقَماقمِ من ذلك، ومُوِّهت، أي: طُليَت بأحدِ النَّقدَين الذَّهبِ والفِضةِ ففيه قَولانِ بالجَوازِ والمَنعِ، واستَظهرَ بَعضُهم بالجَوازِ نَظرًا لباطِنِه، والطَّليُ تَبعٌ (٢). أمَّا الشافِعيةُ فقالَ في الرَّوضةِ: ولا يُكرهُ لو اتَّخذَ إناءً من حَديدٍ أو غيرِه، وموَّهَه بذَهبٍ أو فِضةٍ، إنْ كانَ يَحصلُ منه شَيءٌ، أي: يَجتمعُ منه شَيءٌ بالعَرضِ على النارِ، حرُمَ استِعمالُه، وإلا فوَجهانِ. قالَ النَّوويُّ: الأصَحُّ أنَّه لا يَحرمُ (٣).

стр. 229

أمَّا المُضبَّبُ بالفِضةِ فقالَ في «المَجموعِ»: قالَ الشافِعيُّ: «وأكرَهُ المُضبَّبَ بالفِضةِ، لئلَّا يَكونَ شارِبًا على فِضةٍ». وللأَصحابِ في المَسألةِ أربَعةُ أوجُهٍ: أحدُها: إنْ كانَ قَليلًا للحاجةِ لم يُكرهْ، وإنْ كانَ للزِّينةِ كُرهَ، وإنْ كانَ كَثيرًا حرُمَ، وإنْ كانَ للحاجةِ كُرهَ. والثاني: إنْ كانَ في مَوضعِ الاستِعمالِ كمَوضعِ فَمِ الشُّربِ حرُمَ، وإلا فلا. والثالِثُ: يُكرهُ ولا يَحرمُ بحالٍ. والرابِعُ: يَحرمُ بكلِّ حالٍ. وأصَحُّ هذه الأوجُهِ الأولُ، وهو الأشهَرُ عندَ العِراقيِّينَ وقطَعَ به كَثيرونَ (١). وعندَ الحَنابِلةِ قالَ في «المُغني»: فأمَّا المُضبَّبُ بالذَّهبِ والفِضةِ؛ فإنْ كانَ كَثيرًا فهو مُحرمٌ بكلِّ حالٍ ذَهبًا كانَ أو فِضةً؛ لأنَّ هذا فيه سَرفٌ وخُيلاءُ، فأشبَهَ الخالِصَ … إذا ثبَتَ هذا اختَلفَ أَصحابُنا، فقالَ أبو بَكرٍ: يُباحُ اليَسيرُ من الذَّهبِ والفِضةِ … وأكثَرُ أَصحابِنا على أنَّه لا يُباحُ اليَسيرُ من الذَّهبِ، ولا يُباحُ منه إلا ما دَعَت الضَّرورةُ، كأنفِ الذَّهبِ وما ربَطَ به أَسنانَه. أمَّا الفِضةُ فيُباحُ منها اليَسيرُ: «لمَا رُويَ أنَّ قَدحَ النَّبيِّ ﷺ انكَسرَ فاتَّخذَ مَكانَ الشَّعبِ سِلسلةً من فضَّةٍ» (٢).

стр. 230

ولأنَّ الحاجةَ تَدعو إليه، وليسَ فيه سَرفٌ ولا خُيلاءُ، فأشبَهَ الضَّبةَ من الصُّفرِ. قالَ القاضِي: ويُباحُ ذلك مع الحاجةِ وعَدمِها … وما لا يُستعملُ كالضَّبةِ يُباحُ. وقالَ أبو الخَطابِ: لا يُباحُ اليَسيرُ إلا لحاجةٍ. ثم قالَ: وتُكرهُ مُباشَرةُ مَوضعِ الفِضةِ بالاستِعمالِ، كيلا يَكونَ مُستعمِلًا لها (١). النَّوعُ الثالِثُ: الآنيةُ النَّفيسةُ من غيرِ الذَّهبِ والفِضةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والمالِكيةُ إلا في قَولٍ ضَعيفٍ جدًّا عندَهم كما يَقولُ الدَّرديرُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ عندَهم إلى جَوازِ استِعمالِ الأَواني من الجَواهرِ النَّفيسةِ كالياقوتِ والفَيروزجِ والعَقيقِ والزُّمرُّدِ والزَّبرجَدِ والبِلَّورِ والزُّجاجِ؛ لأنَّ الأصلَ الحِلُّ فيَبقى عليه (٢).

стр. 231

باب في الاستِنجاءِ وآدابُ التَّخلِّي الاستِنجاءُ: استِفعالٌ من نَجَوتُ الشَّجرةَ أي: قطَعتُها، فكأنَّه قطَعَ الأذى عنه. وقالَ ابنُ قُتيبةَ: هو مأخوذٌ من النَّجوةِ، وهي ما ارتفَعَ من الأرضِ؛ لأنَّه مَنْ أرادَ قَضاءَ الحاجةِ استتَرَ بها. وقد اختَلفَت عِباراتُ الفُقهاءِ في تَعريفِ الاستِنجاءِ اصطِلاحًا، وكلُّها تَلتَقي على أنَّ الاستِنجاءَ إِزالةُ ما يَخرجُ من السَّبيلَينِ من النَّجاسةِ، سَواءٌ بالغُسلِ أو بالمَسحِ بالحِجارةِ ونَحوِها عن مَوضعِ الخُروجِ وما قرُبَ منه. وليس غُسلُ الجَنابةِ عن البَدنِ أو عن الثَّوبِ استِنجاءً (١). حُكمُ الاستِنجاءِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الاستِنجاءِ هل هو واجِبٌ أو مُستحَبٌّ ويُكرهُ تَركُه؟

стр. 232

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ في رِوايةٍ وهو قَولُ المُزنِيِّ من أَصحابِ الشافِعيةِ إلى أنَّ الاستِنجاءَ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليسَ بواجِبٍ. واحتَجُّوا على ذلك بما رَواه أبو داودَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ استَجمَرَ فليُوتِرْ، مَنْ فعَلَ فقد أحسَنَ ومَن لا فلا حَرجَ» (١). قالوا: فنَفيُ الحَرجِ عمَّن ترَكَ الاستِجمارَ دَلَّ على أنَّه ليسَ بواجِبٍ، ولأنَّها نَجاسةٌ قَليلةٌ، والنَّجاسةُ القَليلةُ مَعفوٌّ عنها، لكنْ إذا تَجاوَزت النَّجاسةُ مَخرجَها وكانَت أكثَرَ من مِقدارِ الدِّرهمِ وجَبَ غَسلُها. ثم قالوا: لكنْ يُكرهُ له تَركُ الاستِنجاءِ لمُواظبةِ النَّبيِّ ﷺ عليه (٢). وقالَ القَرافِيُّ في «الذَّخيرة» بعدَ أنْ ذكَرَ أنَّ مَنْ ترَكَ الاستِنجاءَ وصلَّى بالنَّجاسةِ أعادَ الصَّلاةَ أبدًا إذا كانَ عالِمًا قادِرًا … قالَ: ولمالِكٍ ﵀ في «العَتبية»: لا إعادةَ عليه -ثم ذكَرَ الحَديثَ المُتقدِّمَ-، قالَ: والوِترُ يَتناولُ المَرةَ الواحِدةَ، فإذا نَفاها لم يَبقَ شَيءٌ، ولأنَّه مَحلٌّ تَعمُّ به البَلوى فيُعفى عنه، فهذا يَقتَضي أنَّ عندَ مالِكٍ قَولًا بعَدمِ الوُجوبِ (٣).

стр. 233

وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمدِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الاستِنجاءَ واجِبٌ إذا وُجدَ سَببُه، واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا ذهَبَ أحدُكم إلى الغائِطِ فليَذهَبْ معه بثَلاثةِ أَحجارٍ يَستَطيبُ بهِنَّ؛ فإنَّها تُجزِئُ عنه» (١). وقَولِه ﷺ : «لا يَستَنجِ أحدُكم بدُونِ ثَلاثةِ أَحجارٍ»، وفي لَفظٍ: «لقد نَهانا أنْ نَستنجِيَ بأقَلَّ مِنْ ثَلاثةِ أَحجارٍ» (٢). قالوا: فالحَديثُ الأولُ أمرٌ والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ، وقالَ: «فإنَّها تُجزئُ عنه»، والإجزاءُ إنَّما يُستعملُ في الواجِبِ، ونَهى عن الاقتِصارِ عن ثَلاثةِ أحجارٍ، والنَّهيُ يَقتَضي التَّحريمَ، وإذا حُرِّمَ تَركُ بعضِ النَّجاسةِ فجَميعُها أَولى (٣). حُكمُ الاستِنجاءِ من الرِّيحِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه ليسَ في الرِّيحِ استِنجاءٌ. قالَ الحَنفيةُ: لا يُسنُّ الاستِنجاءُ من الرِّيحِ؛ لأنَّ عَينَها طاهِرةٌ وإنَّما نقَضَت لانبِعاثِها عن مَوضعِ النَّجاسةِ؛ ولأنَّه بخُروجِ الرِّيحِ لا يَكونُ على

стр. 234

السَّبيلِ شَيءٌ، فلا يُسنُّ به بل هو بِدعةٌ (١)، وهذا يَقتَضي أنَّه عندَهم مُحرَّمٌ. وذهَبَ المالِكيةُ إلى كَراهيةِ الاستِنجاءِ من خُروجِ الرِّيحِ. قالَ الدَّرديرُ: ولا يَستَنجي من خُروجِ رِيحٍ، أي: يُكرهُ كما لا يُغسلُ منه الثَّوبُ. قالَ الدُّسوقيُّ: والنَّهيُ للكَراهةِ لا للتَّحريمِ (٢). وقالَ الحَطابُ ﵀: قالَ الباجيُّ: ما خرَجَ من السَّبيلَينِ من طاهِرٍ كالرِّيحِ لا استِنجاءَ فيه، وخُروجُ الحَصى والدُّودِ دونَ شَيءٍ إنْ أمكَنَ مع بُعدِه فعِندي أنَّه لا يَجبُ فيه الاستِنجاءُ؛ لأنَّه خارِجٌ طاهِرٌ كالرِّيحِ (٣). وقالَ القَليوبيُّ من الشافِعيةِ: الرِّيحُ لا يَجبُ فيه الاستِنجاءُ، بل يُكرهُ منه، وإنْ كانَ المَحلُّ رَطبًا؛ لأنَّه طاهِرٌ على الراجِحِ، بل يَحرمُ؛ لأنَّه عِبادةٌ فاسِدةٌ (٤). وقالَ في «كِفايةِ الأخيارِ»: لا يَجبُ الاستِنجاءُ من الرِّيحِ، بل قالَ الأَصحابُ: لا يُستحبُّ، بل قالَ الجُرجانِيُّ: مَكروهٌ، بل قالَ الشَّيخُ نَصرٌ: إنَّه

стр. 235

بِدعةٌ ويأثَمُ، قالَ النَّوويُّ في «شَرح المُهذَّب»: قَولُه: «بِدعةٌ» صَحيحٌ، وأمَّا الإثمُ … فلا، إلا أنْ يَعتقدَ وُجوبَه مع عِلمِه بعَدمِه، واللهُ أعلَمُ (١). أمَّا الحَنابِلةُ: فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ على مَنْ نامَ أو خرَجَت منه ريحٌ استِنجاءٌ، ولا نَعلمُ في هذا خِلافًا. قالَ أبو عبدِ اللهِ أحمدُ بنُ حَنبلٍ: ليسَ في الرِّيحِ استِنجاءٌ في كِتابِ اللهِ، ولا في سُنةِ رَسولِه، وإنَّما فيه الوُضوءُ. وعن زَيدِ بنِ أسلَمَ في قَولِه تَعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إذا قُمتُم من النَّومِ، ولم يأمُرْ بغيرِه، فدَلَّ على أنَّه لا يَجبُ، ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَرِدْ في الاستِنجاءِ ههنا نَصٌّ، ولا هو في مَعنى المَنصوصِ عليه؛ لأنَّ الاستِنجاءَ إنَّما شُرعَ لإِزالةِ النَّجاسةِ ولا نَجاسةَ ههنا (٢). الاستِنجاءُ بالماءِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على استِحبابِ الاستِنجاءِ بالماءِ لمَا رَوى أنَسُ بنُ مالِكٍ قالَ: «كان رَسولُ اللهِ ﷺ يَدخلُ الخَلاءَ، فأَحمِلُ أنا وغُلامٌ نَحوي إِداوةً من مَاءٍ وعَنَزةً، فيَستَنجي بالماءِ» (٣).

стр. 236

وعن عائِشةَ أنَّها قالَت: «مُرْنَ أَزواجَكُنَّ أنْ يَستَطيبُوا بالماءِ؛ فإنَّي أسْتَحيهم؛ فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَفعَلُه» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيه -أي: الحَديثِ الأولِ- جَوازُ الاستِنجاءِ بالماءِ واستِحبابُه ورُجحانُه على الاقتِصارِ على الحَجرِ، وقد اختَلفَ الناسُ في هذه المَسألةِ، فالذي عليه الجُمهورُ من السَّلفِ والخَلفِ، وأجمَعَ عليه أهلُ الفَتوى من أئِمةِ الأَمصارِ أنَّ الأفضَلَ أنْ يَجمعَ بينَ الماءِ والحَجرِ فيَستعملَ الحَجرَ أولًا لتَخفَّ النَّجاسةُ وتَقلَّ مُباشرتُها بيَدِه، ثم يَستعملَ الماءَ، فإنْ أرادَ الاقتِصارَ على أحدِهما جازَ الاقتِصارُ على أيِّهما شاءَ، سَواءٌ وجَدَ الآخَرَ أو لم يَجِدْه، فيَجوزُ الاقتِصارُ على الحَجرِ مع وُجودِ الماءِ، ويَجوزُ عَكسُه؛ فإنِ اقتصَرَ على أحدِهما فالماءُ أفضَلُ من الحَجرِ؛ لأنَّ الماءَ يُطهِّرُ المَحلَّ طَهارةً حَقيقيةً، وأمَّا الحَجرُ فلا يُطهِّرُه، وإنَّما يُخفِّفُ النَّجاسةَ (٢). الاستِنجاءُ بغيرِ الماءِ من المائِعاتِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الاستِنجاءِ بغيرِ الماءِ من المائِعاتِ هل يُجزئُ أو لا؟

стр. 237

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يُجزئُ الاستِنجاءُ بمائِعٍ من المائِعاتِ غيرِ الماءِ. وقالَ المالِكيةُ: بل يَحرمُ الاستِنجاءُ بمائِعٍ غيرِ الماءِ لنَشرِه النَّجاسةَ (١). وذهَبَ أبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ إلى جَوازِ الاستِنجاءِ بكلِّ مائِعٍ طاهِرٍ مُزيلٍ، كالخَلِّ وماءِ الوَردِ دونَ ما لا يُزيلُ كالزَّيتِ والدُّهنِ والسَّمنِ واللَّبنِ؛ لأنَّ المَقصودَ قد تَحقَّق وهو إِزالةُ النَّجاسةِ. قالَ ابنُ عابِدينَ: يُكرهُ الاستِنجاءُ بمائِعٍ غيرِ الماءِ، لمَا فيه من إضاعةِ المالِ بلا ضَرورةٍ (٢). الاستِنجاءُ باليَمينِ: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الاستِنجاءَ باليَمينِ مَنهيٌّ عنه، وذلك لحَديثِ أبي قَتادةَ ﵁ أنَّه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا يُمسِكَنَّ أحدُكم ذَكَرَه بيَمينِه وهو يَبولُ ولا يَتمسَّحْ من الخَلاءِ بيَمِينِه» (٣)، وفي صَحيحِ مُسلمٍ من حَديثِ سَلمانَ ﵁ وفيه: « … نَهانا -أي: النَّبيُّ ﷺ أنْ نَستَنجيَ باليَمينِ» (٤).

стр. 238

إلا أنَّهم اختَلَفوا هل النَّهيُ هنا للتَّحريمِ أو للكَراهةِ؟ فذهَبَ الجُمهورُ من الحَنفيةِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ إلى أنَّه للكَراهةِ؛ لأنَّه نَهيُ تَنزيهٍ وأدَبٍ. وذهَبَ ابنُ نَجيمٍ من الحَنفيةِ وبَعضُ الشافِعيةِ كالشِّيرازيِّ وسُليمٍ الرازيِّ والمُتولِّي، والشَّيخِ نَصرٍ المَقدسيِّ إلى حُرمةِ الاستِنجاءِ باليَمينِ. لكنْ قالَ الإمامُ النَّوويُّ: مُرادُ مَنْ قالَ منهم: لا يَجوزُ الاستِنجاءُ باليَمينِ، أي: لا يَكونُ مُباحًا مُستويَ الطَّرفَين في الفِعلِ والتَّركِ، بل هو مَكروهٌ راجِحُ التَّركِ (١). ومع القَولِ بالتَّحريمِ فمَن فعَلَه أساءَ وأجزأَه. وقال بعضُ الحَنابِلةِ وطائِفةٌ من الشافِعيةِ: لا يُجزئُ. قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: (أي: البُخاريِّ) بابُ النَّهيِ عن الاستِنجاءِ باليَمينِ، أي: باليَدِ اليُمني، وعبَّرَ بالنَّهيِ إشارةً إلى أنَّه لم يَظهرْ له هل هو للتَّحريمِ أو للتَّنزيهِ أو أنَّ القَرينةَ الصارِفةَ للنَّهيِ عن التَّحريمِ لم تَظهرْ له، وهي أنَّ ذلك أدَبٌ من الآدابِ وبكَونِه للتَّنزيهِ، قالَ الجُمهورُ: وذهَبَ أهلُ الظاهِرِ إلى أنَّه للتَّحريمِ، وفي كَلامِ جَماعةٍ من الشافِعيةِ ما يُشعِرُ

стр. 239

به لكنْ قالَ النَّوويُّ: مُرادُ مَنْ قالَ منهم: لا يَجوزُ الاستِنجاءُ باليَمينِ، أي: لا يَكونُ مُباحًا يَستوي طَرفاه، بل هو مَكروهٌ راجِحُ التَّركِ، ومع القَولِ بالتَّحريمِ فمَن فعَلَه أساءَ وأجزأَه، وقالَ أهلُ الظاهِرِ وبَعضُ الحَنابِلةِ: لا يُجزئُ. ومَحلُّ هذا الاختِلافِ حيثُ كانَت اليَدُ تُباشِرُ ذلك بآلةٍ غيرِها كالماءِ وغيرِه، أمَّا بغيرِ آلةٍ فحَرامٌ غيرُ مُجزئٍ بلا خِلافٍ، واليُسرى في ذلك كاليُمنى، واللهُ أعلَمُ (١). وقالَ المَناويُّ ﵀: والنَّهيُ عنه باليَمينِ للتَّنزيهِ، وتمسَّكَ أهلُ الظاهِرِ بظاهِرِه فجَعَلوه للتَّحريمِ. وفي كَلامِ بعضِ الشافِعيةِ ما يُوافقُه لكنَّه ضَعيفٌ، وعلى التَّحريمِ يُجزئُ، وقالَ الظاهِريةُ وبَعضُ الحَنابِلةِ: لا، ومَحلُّ الخِلافِ ما لم تُباشرِ اليَدُ الإِزالةَ بلا حائِلٍ، وإلا حرُمَ ولم يَجزِ اتِّفاقًا، واليُسرى في هذا مِثلُها (٢). وقالَ أيضًا: قَولُه: «ولا يَتمسَّحْ بيَمينِه» أي: لا يَستَنجِ بها، فيُكرهُ عندَ الجُمهورِ كما مَرَّ، أمَّا التَّمسحُ بها بأنْ يَجعلَها مَكانَ الحَجرِ فيُزيلَ بها النَّجاسةَ فحَرامٌ (٣).

стр. 240

استِقبالُ القِبلِة واستِدبارُها عندَ قَضاءِ الحاجةِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ عندَهم على أنَّه يَحرمُ استِقبالُ القِبلةِ واستِدبارُها عندَ قَضاءِ الحاجةِ إذا كانَ في الصَّحراءِ أو الفَضاءِ للأَحاديثِ الصَّحيحةِ في ذلك، إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَحرمُ أيضًا إذا كانَ في البُنيانِ أو يَجوزُ في البُنيانِ؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في إحدَى الرِّواياتِ عنه وبه قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ وابنُ العَربيِّ من المالِكيةِ وأبو ثَورٍ من الشافِعيةِ إلى عَدمِ جَوازِ استِقبالِ القِبلةِ واستِدبارِها عندَ قَضاءِ الحاجةِ سَواءٌ أكانَ هذا في الصَّحراءِ أو في البُنيانِ لمَا رَواه أبو أيُّوبَ الأَنصاريُّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أتَيتُم الغائِطَ فلا تَستقبِلوا القِبلةَ ولا تَستدبِروها، ولكنْ شَرِّقوا أو غَرِّبوا، قالَ أبو أيُّوبَ: فقدِمنا الشامَ فوَجَدنا مَراحيضَ بُنيَت قِبَلَ القِبلةِ فنَنحرِفُ ونَستغفِرُ اللهَ تَعالى» (١). وبما رَواه سَلمانُ الفارِسيُّ ﵁ أنَّه قالَ: « … لقد نَهانا -أي: النَّبيُّ ﷺ أنْ نَستقبلَ القِبلةَ لغائِطٍ أو بَولٍ» (٢). ولمَا رَواه أبو هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا جلَسَ أحدُكم على حاجَتِه فلا يَستقبلِ القِبلةَ ولا يَستدبِرْها» (٣).

стр. 241

قالوا: ولأنَّ المَنعَ لأجلِ تَعظيمِ القِبلةِ وهو مَوجودٌ في الصَّحراءِ والبُنيانِ فالجَوازُ في البُنيانِ إنْ كانَ لوُجودِ الحائِلِ فهو مَوجودٌ في الصَّحراءِ في البِلادِ النائيةِ؛ لأنَّ بينَها وبينَ الكَعبةِ جِبالًا وأَوديةً وغيرَ ذلك لا سيَّما عندَ مَنْ يَقولُ بكَرويةِ الأرضِ؛ فإنَّه لا مُوازاةَ إذْ ذاك بالكُليةِ. وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمدِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ استِقبالُ القِبلةِ واستِدبارُها في الصَّحراءِ عندَ قَضاءِ الحاجةِ ويَجوزُ ذلك في البُنيانِ. واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّه قالَ: «رَقِيتُ يَومًا على بَيتِ أُختِي حَفصةَ فرَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قاعِدًا لِحاجَتِه مُستَقبِلَ الشَّامِ مُستَدبِرَ القِبلةِ» (١). وبما رَواه أبو داودَ عن مَروانَ الأصفَرِ أنَّه قالَ: «رأيتُ ابنَ عُمرَ أناخَ راحِلتَه مُستقبِلَ القِبلةِ ثم جلَسَ يَبولُ إليها، فقُلتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ أليسَ قد نُهيَ عن هذا؟ قالَ: بَلى، إنَّما نُهي عن ذلك في الفَضاءِ، فإذا كانَ بينَك وبينَ القِبلةِ شَيءٌ يَسترُك فلا بأسَ» (٢). قالَ النَّوويُّ ﵀: هذه أَحاديثُ صَحيحةٌ مُصرِّحةٌ بالجَوازِ في البُنيانِ، وحَديثُ أبي أيُّوبَ وسَلمانَ وأبي هُرَيرةَ ورَدَت بالنَّهيِ، فيُحملُ على الصَّحراءِ، ليَجمعَ بينَ الأَحاديثِ، ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّه إذا أمكَنَ

стр. 242

الجَمعُ بينَ الأَحاديثِ لا يُصارُ إلى تَركِ بَعضِها، بل يَجبُ الجَمعُ بينَهما والعَملُ بجَميعِها، وقد أمكَنَ الجَمعُ كما ذكَرناه، فوجَبَ المَصيرُ إليه، وفرَّقوا بينَ الصَّحراءِ والبُنيانِ من حيثُ المَعنى، بأنَّه يَلحقُه المَشقةُ في البُنيانِ في تَكلُّفِه تَركَ القِبلةِ بخِلافِ الصَّحراءِ (١). وهناك ثَلاثُ رِواياتٍ أُخرى عن الإمامِ أحمدَ ذكَرَها في «الإنصاف»: الأُولى: أنَّه يَجوزُ الاستِقبالُ والاستِدبارُ في الصَّحراءِ والبُنيانِ جَميعًا. الثانيةُ: يَجوزُ الاستِدبارُ في الفَضاءِ والبُنيانِ ولا يَجوزُ الاستِقبالُ فيهما. وهو قَولٌ لأبي حَنيفةَ. الثالِثةُ: يَجوزُ الاستِدبارُ في البُنيانِ فقط (٢) وبه قالَ أبو يُوسفَ. وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّه يُكرهُ (تَحريمًا) للمَرأةِ إِمساكُ صَغيرٍ لبَولٍ أو غائِطٍ نَحوَ القِبلةِ؛ لأنَّه قد وُجدَ الفِعلُ من المَرأةِ (٣).

стр. 243

البَولُ قائِمًا: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ البَولِ قائِمًا هل يَجوزُ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ من الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ إلى كَراهةِ البَولِ قائِمًا لغيرِ عُذرٍ، وذلك لقَولِ عائِشةَ ﵂: «مَنْ حدَّثَكم أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ بالَ قَائِمًا فلا تُصدِّقُوه، ما كانَ يَبولُ إلا جَالِسًا» (١). وقالَ جابِرٌ ﵁: «نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَبُولَ الرَّجلُ قائِمًا» (٢) لكنَّه ضَعيفٌ جِدًّا. وفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ أنَّه لا يُكرهُ البَولُ قائِمًا ولو بلا عُذرٍ إنْ أمِنَ أنْ تُرى عَورتُه أو يُصيبَه البَولُ. فإنْ كانَ لعُذرٍ فليسَ بمَكروهٍ اتِّفاقًا، قالَ الشافِعيُّ: وليسَ خِلافَ الأَولى؛ لمَا ورَدَ عن حُذيفةَ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتَى سُباطةَ قَومٍ فبالَ قائِمًا» (٣). وقيلَ: السَّببُ في ذلك ما رُويَ عن الشافِعيِّ وأحمدَ أنَّ العَربَ كانَت تَستَشفي لوَجعِ الصُّلبِ بذلك، فلعلَّه كانَ به. وقيلَ: إنَّ ذلك كانَ لجُرحٍ في مأبَضِه وقد رَوى الحاكِمُ والبَيهَقيُّ من حَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «إنَّما بالَ رَسولُ اللهِ ﷺ قائِمًا

стр. 244

لجُرحٍ كانَ في مأبَضه» (١)، والمأبَضُ باطِنُ الرُّكبةِ، فكأنَّه لم يَتمكَّنْ لأجلِه من القُعودِ، لكنْ قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: ولو صَحَّ لكانَ فيه غِنًى … لكنْ ضعَّفَه الدارَقُطنيُّ والبَيهقيُّ، والأظهَرُ أنَّه فعَلَ ذلك لبَيانِ الجَوازِ، وكانَ أكثَرُ أَحوالِه البَولَ عن قُعودٍ، واللهُ أعلَمُ (٢). وفي قَولٍ عندَ الحَنفيةِ أنَّ البَولَ قائِمًا مَكروهٌ كَراهةَ تَحريمٍ لا تَنزيهٍ. أمَّا المالِكيةُ فقد فصَّلوا في ذلك فقالوا: إنْ كانَ المَكانُ رَخوًا طاهِرًا كالرَّملِ جازَ فيه القيامُ، والجُلوسُ أَولى؛ لأنَّه أستَرُ، وإنْ كانَ رَخوًا نَجسًا بالَ قائِمًا مَخافةَ أنْ تَتنجَّسَ ثيابُه، وإنْ كانَ صُلبًا نَجسًا تَنحَّى عنه إلى غيرِه، ولا يَبولُ فيه لا قائِمًا ولا جالِسًا، وإنْ كانَ صُلبًا طاهِرًا تعيَّنَ الجُلوسُ لئلَّا يَتطايَرَ عليه شَيءٌ من البَولِ، وقد نظَمَ ذلك الوانشريسيُّ بقَولِه (٣):

стр. 245

بالطَّاهرِ الصُّلبِ اجْلسِ وقُمْ برَخوٍ نَجسِ والنَّجسَ الصُّلبَ اجْتنِبْ واجلِسْ وقُمْ إنْ تَعكِسِ تَركُ التَّكلُّمِ بقُرآنٍ أو بذِكرٍ أو بغيرِه عندَ قَضاءِ الحاجةِ: أمَّا قِراءةُ القُرآنِ فاختَلفَ الفُقهاءُ فيها على قَولَينِ: الأولُ: أنَّها حَرامٌ، وهو المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ وقَولٌ للمالِكيةِ وبَعضِ الشافِعيةِ. والثاني: أنَّها مَكروهةٌ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ وقَولٌ للحَنابِلةِ، قالَ به المَجدُ وغيرُه. قالَ الجَملُ في «حاشيَتِه»: إنَّ الكَلامَ مَكروهٌ ولو بالقُرآنِ، خِلافًا للأذرَعيِّ، حيثُ قالَ بتَحريمِه (١). أمَّا ما عدا القُرآنَ: فقد نَصَّ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على كَراهيةِ التَّكلُّمِ في أثناءِ قَضاءِ الحاجةِ بذِكرٍ أو بغيرِه. قالَ الخَرشيُّ: وإنَّما طلَبَ السُّكوتَ وهو على قَضاءِ الحاجةِ؛ لأنَّ ذلك المَحلَّ مما يُطلبُ سَتْرُه وإِخفاؤُه والمُحادثةُ تَقتَضي عَدمَ ذلك (٢).

стр. 246

واحتَجُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَخرجُ الرَّجلانِ يَضرِبانِ الغائِطَ كاشفَينِ عن عَورتِهما يَتحدَّثانِ؛ فإنَّ اللهَ يَمقُتُ على ذلك» (١). وما رَواه المُهاجِرُ بنُ قُنفُذٍ ﵁ قالَ بأنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ وهو يَبولُ فسلَّمَ عليه فلم يَردَّ عليه حتى توَضَّأ ثم اعتذَرَ إليه فقالَ: «إنِّي كرِهتُ أنْ أذكُرَ اللهَ إلا على طُهرٍ» أو قالَ: «على طَهارةٍ» (٢). وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَجلًا مَرَّ ورَسولُ اللهِ ﷺ يَبولُ فسلَّمَ فلم يَردَّ عليه» (٣). ومن الأَذكارِ التي نَصُّوا عليها: أنَّه لا يَحمدُ اللهَ تَعالى إنْ عطَسَ، ولا يُشمِّتُ عاطِسًا، ولا يُجيبُ المُؤذِّنَ، ولا يَردُّ السَّلامَ ولا يُسبِّحُ، لكنْ قالَ البَغويُّ من الشافِعيةِ ونقَلَه عن الشَّعبيِّ والحَسنِ والنَّخعيِّ وابنِ المُباركِ: إنْ عطَسَ حمِدَ اللهَ في نَفسِه.

стр. 247

وقالَ البُجيرميُّ: فلو عطَسَ حمِدَ اللهَ بقَلبِه ويُثابُ عليه، وليسَ لنا ذِكرٌ يُثابُ عليه من غيرِ لَفظٍ إلا هذا. وقالَ في «الإنصاف»: وأمَّا حَمدُ العاطِسِ وإجابةُ المُؤذِّنِ فيَحمدُ ويُجيبُ بقَلبِه ويُكرهُ بلَفظِه على الصَّحيحِ من المَذهبِ وعليه الأَصحابُ وعنه يُكرهُ. قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: يُجيبُ المُؤذِّنَ في الخَلاءِ. وأمَّا رَدُّ السَّلامِ فيُكرهُ بلا خِلافٍ في المَذهبِ، نَصَّ عليه الإمامُ (١). وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ الكَراهةَ في حالِ قَضاءِ الحاجةِ سَواءٌ كانَت بَولًا أو غائِطًا وأنَّه يُكرهُ التَّكلمُ كذلك في مَوضعِ الخَلاءِ ولو في حالٍ غيرِ قَضاءِ الحاجةِ (٢). وقال كنُّونٌ في «حاشيتِه»: رَوى عِياضٌ جَوازَ ذِكرِ اللهِ في الكَنيفِ. قالَ القاضِي: وهو قَولُ مالِكٍ والنَّخعيِّ وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: إذا عطَسَ وهو يَبولُ فليَحمدِ اللهَ. وقالَ ابنُ رُشدٍ: والدَّليلُ لابنِ القاسِمِ من جِهةِ الأثَرِ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَذكرُ اللهَ على كل أَحيانِه» (٣). ومِن طَريقِ النَّظرِ أنَّ ذِكرَ اللهِ يَصعدُ إلى السَّماءِ فلا يَتعلقُ به مِنْ دَناءةِ المَحلِّ شَيءٌ فلا يَنبَغي أنْ يَمتنعَ عن ذِكرِ اللهِ على كلِّ حالٍ إلا بنَصٍّ ليسَ فيه احتِمالٌ (٤).

стр. 248

وقد صرَّحَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في كَراهةِ الكَلامِ باستِثناءِ حالةِ الضَّرورةِ. قالَ النَّوويُّ: كأنْ رَأى ضَريرًا يَقعُ في بِئرٍ، أو رَأى حَيةً أو غيرَها تَقصِدُ إِنسًا أو غيرَه من المُحرماتِ، فلا كَراهةَ في الكَلامِ في هذه المَواضعِ، بل يَجبُ في أكثَرِها. قالَ القَليوبيُّ: يَجبُ للضَّرورةِ ويُندبُ للحاجةِ (١). لكنْ هل من الكَلامِ النَّحنحةُ عندَ طَرقِ البابِ: قالَ الشَّبرامُلُّسيُّ من الشافِعيةِ: هل من الكَلامِ ما يَأتي به قَضاءُ الحاجةِ من التَّنحنحِ عندَ طَرقِ بابِ الخَلاءِ من الغيرِ ليَعلمَ هل فيه أحَدٌ أو لا؟ فيه نَظرٌ، والأقرَبُ أنَّ مِثلَ هذا لا يُسمَّى كَلامًا، وبتَقديرِه فهو للحاجةِ، وهي دَفعُ دُخولِ مَنْ يَطرقُ البابَ عليه لظَنِّه خُلوَّ المَحلِّ. وقالَ ابنُ عابِدينَ من الحَنفيةِ: ولا يَتنحنَحُ في مَوضعِ الخَلاءِ إلا لعُذرٍ كما لو خافَ دُخولَ أحَدٍ عليه (٢).

стр. 249

الذِّكرُ إذا كانَ مَكانُ الخَلاءِ هو مَكانَ الوُضوءِ: قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: لو توَضَّأ في الخَلاءِ لعُذرٍ هل يَأتي بالبَسملةِ ونَحوِها من أَدعيتِه مُراعاةً لسُنةِ الوُضوءِ؟ أو يَتركُها مُراعاةً للمَحلِّ؟ قالَ: الذي يَظهرُ الثاني وهو التَّركُ لتَصريحِهم بتَقديمِ النَّهيِ على الأمرِ (١). وعندَ المالِكيةِ يُكرهُ ذلك في الخَلاءِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا عطَسَ -أي: في أثناءِ قَضاءِ الحاجةِ- حمِدَ اللهَ بقَلبِه ولم يَتكلمْ، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: في رِوايةٍ أُخرى: أنَّه يَحمدُ اللهَ بلِسانِه (٣). قُلتُ: فعلى الرِّوايةِ التي ذكَرَها ابنُ عَقيلٍ يَجوزُ أنْ يَذكرَ اللهَ في الخَلاءِ، ولأنَّ التَّسميةَ في الوُضوءِ عندَهم واجِبةٌ، واللهُ أعلَمُ. قَضاءُ الحاجةِ في الماءِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه يُكرهُ قَضاءُ الحاجةِ في الماءِ، وأنَّ الكَراهةَ هنا تَحريميةٌ، وإنْ كانَ الماءُ راكِدًا؛ لحَديثِ جابِرٍ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ : «أنَّه نَهى أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ» (٤)، ولحَديثِ أبي

стр. 250

هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَبُلْ في الماءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجري ثم تَغتسِلْ منه» (١). وتَكونُ الكَراهةُ تَنزيهيةً إنْ كانَ الماءُ جاريًا. قالَ ابنُ عابِدينَ: والمَعنى فيه أنَّه يُقذِّرُه وربَّما أدَّى إلى تَنجُّسِه. وأمَّا الراكِدُ القَليلُ فيَحرمُ البَولُ فيه؛ لأنَّه يُنجِّسُه ويُتلِفُ ماليَّتَه ويُغري غيرَه باستِعمالِه، والتَّغوطُ في الماءِ أقبَحُ من البَولِ، وكذا لو بالَ في إناءٍ ثم صبَّه في الماءِ، أو بالَ بجِوارِ النَّهرِ فجَرى إليه فكلُّه مَذمومٌ قَبيحٌ مَنهيٌّ عنه (٢). وقالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ القاضِي عِياضٌ «من المالِكيةِ»: النَّهيُ الوارِدُ من الحَديثِ هو نَهيُ كَراهةٍ وإرشادٍ، وهو في القَليلِ أشَدُّ؛ لأنَّه يُفسدُه. وقيلَ: النَّهيُ للتَّحريمِ؛ لأنَّ الماءَ قد يَفسُدُ لتَكرُّرِ البائِلينَ ويَظنُّ المارُّ أنَّه قد تغيَّرَ من قَرارِه، ويُلحقُ بالبَولِ التَّغوطُ وصَبُّ النَّجاسةِ. وقالَ ابنُ ناجي في «شَرح المُدوَّنة»: الجارِي على أصلِ المَذهبِ أنَّ الكَراهةَ على التَّحريمِ في القَليلِ، إذْ قد يَتغيَّرُ فيُظنُّ أنَّه من قَرارِه (٣). وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: يُكرهُ البَولُ في الماءِ الراكِدِ قَليلًا كانَ أو كَثيرًا للحَديثِ.
следующие страницы →