← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1857

والقاضِي ابنُ كَجٍّ والغَزاليُّ من الشافِعيةِ (١) إلى أنَّه يَحرُمُ الاحتيالُ في نِهايةِ الحَولِ لِإسقاطِ الزَّكاةِ، وتَثبُتُ في ذمَّةِ المُحتالِ ولا تَسقُطُ عنه مع الحِيلةِ، فمَن كانَت عندَه ماشيةٌ فباعَها قبلَ الحَولِ بدَراهمَ فِرارًا من الزَّكاةِ، أو أَبدلَ النِّصابَ من غيرِ جِنسِه لِيَقطعَ الحَولَ ويَستأنِفَ حَولًا آخَرَ، أو أَتلفَ جُزءًا من النِّصابِ لتَسقُطَ عنه الزَّكاةُ، وجَبَت عليه الزَّكاةُ، سواءٌ كانَ المُبدَلُ ماشيةً أو غَيرَها من النِّصابِ، واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (١٧) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (١٨) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (١٩) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (٢٠)﴾ [القلم: ١٧ - ٢٠].

стр. 1858

وذاك أنَّ القَومَ أرادوا أنْ يَتعجَّلوا أخذَ ثِمارِها قبلَ عِلمِ المَساكينِ بها لِيَمنَعوهم الواجِبَ فيها، ألَا تَرى أنَّه تعالَى قالَ: ﴿فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (٢٣) أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ (٢٤)﴾ [القلم: ٢٣، ٢٤] فإذا كانَ الوَعيدُ عليه مُستحَقًّا كانَ فِعلُه مُحرَّمًا، وفِعلُ المُحرَّماتِ لا يَمنَعُ حُقوقَ اللهِ تعالَى الواجِباتِ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى عاقَبَهم بذلك لفِرارِهم من الصَّدقةِ؛ لأنَّهم لَمَّا قصَدوا قَصدًا فاسِدًا اقتضَت الحِكمةُ مُعاقَبتَهم بنَقيضِ قَصدِهم. ولأنَّ إِسقاطَ المالِ كاجتِلابِ المالِ، فلَمَّا كانَ اجتِلابُ المالِ لا يُحمَلُ بوَجهٍ مُحرَّمٍ، مِثلَ أنْ يَقتُلَ مُورِّثًا فلا يَرثَه، كذلك إِسقاطُ المالِ لا يَحصُلُ بوَجهٍ مُحرَّمٍ (١). لكنَّهم اشتَرطوا شُروطًا لِهذا: ١ - أنْ تَكونَ الحِيلةُ عندَ قُربِ الوُجوبِ، أمَّا لو فعَلَ ذلك عندَ أوَّلِ الحَولِ (٢) أو قبلَ نِهايةِ الحَولِ بشَهرٍ أو شَهرَيْن لم تَجبْ فيه الزَّكاةُ؛ لأنَّ ذلك ليسَ بمَظِنةٍ للفِرارِ حتى لو قامت القَرينةُ على هُروبِه من الزَّكاةِ إذا كانَ أكثَرَ من شَهرٍ عندَ المالِكيةِ (٣).

стр. 1859

٢ - أنْ يَقصِدَ بذلك الفِرارَ من الزَّكاةِ، فإنْ فعَلَ ذلك بدونِ قَصدٍ فلا تَجبُ الزَّكاةُ (١). ٣ - ألَّا يَكونَ أنفَقَ المالَ أو أتلَفَه لِحاجَتِه وإلا لَوجَبَ (٢). القَولُ الثاني: هو قَولُ الحَنفيةِ (٣) والشافِعيةِ في المَذهبِ (٤) والظاهِريَّةِ (٥)

стр. 1860

قالوا: مَنْ تَصرَّفَ في مالِه قبلَ حُلولِ الحَولِ ولو فِرارًا من الزَّكاةِ تَسقُطُ عنه الزَّكاةُ مع الكَراهةِ عندَ الشافِعيةِ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ، وعندَ الظاهِريَّةِ عاصٍ لِسوءِ نيَّتِه، وعندَ أَبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ لا يُكرَهُ (١). واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي: أنَّه فاتَ شَرطُ وُجوبِ الزَّكاةِ، وهو الحَولُ، فلا فَرقَ بينَ أنْ يَكونَ على وَجهٍ يُعذَرُ فيه أو لا (٢). ولأنَّا لو أوجَبنا عليه الزَّكاةَ لَأوجَبناها في مالٍ لم يَحُلْ عليه الحَولُ في مِلكِه فتَختَلَّ قاعِدةُ الزَّكاةِ (٣). ولأنَّه لو كانَ له مئَتا دِرهَمٍ فلمَّا كانَ قبلَ الحَولِ بيَومٍ تَصدَّقَ بدِرهَمٍ منها لم يُكرَهْ، ولو نَوى بتَصدُّقِه بالدِّرهمِ أنْ يَتمَّ الحَولُ وليسَ في مِلكِه نِصابٌ فلا يَلزَمْه الزَّكاةُ ولم تَضرَّه النِّيةُ؛ لأنَّ ذلك لا يَلزَمْه إلا بتَمامِ الحَولِ. ولأنَّ العُلماءَ أَجمَعوا على أنَّه يَجوزُ لِلإِنسانِ أنْ يَتصرَّفَ في مالِه قبلَ دُخولِ الحَولِ كيف شاءَ (٤).

стр. 1861

إلا أنَّ ابنَ حَجرٍ الهَيتَميَّ من الشافِعيةِ صرَّحَ بأنَّ هذا الحُكمَ يَكونُ في الظاهِرِ دونَ الباطِنِ، فإنَّ الزَّكاةَ تَسقُطُ في الظاهِرِ، وهو مُطالَبٌ بالزَّكاةِ فيما بينَه وبينَ اللهِ (١). ومثَّلَ الحَنفيةُ لذلك بأنْ يَتصدَّقَ بدِرهمٍ منه قبلَ تَمامِ الحَولِ أو يَهبَ النِّصابَ لابنِه الصَّغيرِ يَعني حتى يَكونَ النِّصابُ ناقِصًا في آخِرِ الحَولِ، أو يَهبَ تلك الدَّراهمَ لابنِه الصَّغيرِ قبلَ تَمامِ الحَولِ بيَومٍ أو يَهبَ الدَّراهمَ كلَّها له قبلَ تَمامِ الحَولِ ثم يَرجِعَ في هِبتِه بعدَ الحَولِ فلا تَجبُ الزَّكاةُ. وقد ذُكرَ أنَّ أبا يُوسفَ القاضِي ﵀ وهَبَ مالَه في آخِرِ الحَولِ لزَوجتِه ثم استوهَبَه منها بعدَ ذلك لتَسقُطَ عنه الزَّكاةُ، وذُكرَ ذلك لِلإمامِ أَبي حَنيفةَ ﵀ فقالَ: هذا مِنْ فِقهِه، وإنْ كانَ ذلك مَكروهًا عندَ الإمامِ ومُحمدٍ (٢).

стр. 1862

الشَّرطُ السادِسُ: أنْ يَبلُغَ المالُ نِصابًا: النِّصابُ هو مِقدارُ المالِ الذي لا تَجبُ الزَّكاةُ في أقَلَّ منه، وهو يَختلِفُ باختِلافِ أَجناسِ الأَموالِ الزَّكويَّةِ، فنِصابُ الإبِلِ خَمسٌ منها، ونِصابُ البَقرِ ثَلاثونَ، ونِصابُ الغَنمِ أربَعونَ، ونِصابُ الذَّهبِ عِشرونَ مِثقالًا، ونِصابُ الفِضةِ مئتا دِرهَمٍ، ونِصابُ عُروضِ التِّجارةِ مُقَدَّرٌ بنِصابِ الذَّهبِ أو الفِضةِ (١). ونِصابُ الزُّروعِ والثِّمارِ خَمسةُ أوسُقٍ. فإنَّ الإِسلامَ لم يُخرِجْ زَكاةً في أي قَدْرٍ من المالِ النامي وإنْ كانَ ضَئيلًا، بل اشتَرطَ أنْ يَبلُغَ المالُ مِقدارًا مُحدَّدًا يُسمَّى (النِّصابَ) في لُغةِ الفِقهِ، فقد جاءَت الأَحاديثُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ بإِعفاءِ ما دونَ الخَمسِ من الإبِلِ والأربَعينِ من الغَنمِ فليسَ فيهما زَكاةٌ، وكذلك ما دونَ مئتَيْ دِرهمٍ من النُّقودِ الفِضيَّةِ (الورِقِ) وما دونَ خَمسهِ أوسُقٍ من الحُبوبِ والثِّمارِ، كما سيَأتي إنْ شاء اللهُ مُفصَّلًا. واشتِراطُ النِّصابِ في مالِ الزَّكاةِ مُجمَعٌ عليه بينَ الفُقهاءِ في غيرِ الزُّروعِ والثِّمارِ، ثم اختلَفوا في الزُّروعِ والثِّمارِ كما سيَأتي إنْ شاءَ اللهُ. الحِكمةُ في اشتِراطِ النِّصابِ: قال الكاسانِيُّ ﵀: لا تَجبُ الزَّكاةُ فيما دونَ النِّصابِ؛ لأنَّها لا تَجبُ إلا على الغَنِيِّ والغِنَى لا يَحصُلُ إلا بالمالِ الفاضِلِ على الحاجةِ الأصليَّةِ، وما

стр. 1863

دونَ النِّصابِ لا يَفضُلُ على الحاجةِ الأصليَّةِ، فلا يَصيرُ الشَّخصُ غَنيًّا به؛ ولأنَّها وجَبَت شُكرًا لنِعمةِ المالِ، وما دونَ النِّصابِ لا يَكونُ نِعمةً مُوجِبةً لِلشُّكرِ لِلمالِ بل يَكونُ شُكرُه شُكرًا لنِعمةِ البَدنِ لِكَونِه من تَوابعِ نِعمةِ البَدنِ (١). الحِكمةُ من اشتِراطِ هذه المَقاديرِ: قال شَيخُ الإِسلامِ الدِّهلَويُّ في بَيانِ الحِكمةِ من هذه المَقاديرِ: إنَّما قُدِّرَ من الحَبِّ والتَّمرِ خَمسةُ أوسُقٍ (٦١٠ كغ)؛ لأنَّها تَكفي أقَلَّ أهلِ بَيتٍ إلى سَنةٍ، وذلك لأنَّ أقَلَّ البَيتِ الزَّوجُ والزَّوجةُ وثالِثٌ خادِمٌ أو ولَدٌ بينَهما، وما يُضاهِي ذلك من أقَلِّ البُيوتِ، وأغلَبُ قُوتِ الإِنسانِ رَطلٌ أو مُدٌّ من الطَّعامِ، فإذا أكَلَ كلُّ واحِدٍ من هؤلاءِ ذلك المِقدارَ كَفاهم لِسَنةٍ، وبَقيتْ بَقيَّةٌ لِنَوائبِهم أو إِدامِهم. وإنَّما قُدِّر من الورِقِ (الفِضةِ) خَمسُ أَوراقٍ؛ لأنَّها مِقدارٌ يَكفي أقَلَّ أهلِ بَيتٍ سَنةً كامِلةً إذا كانَت الأسعارُ مُوافِقةً في أكثَرِ الأَقطارِ، واستَقرِئْ عاداتِ البِلادِ المُعتدِلةِ في الرُّخصِ والغَلاءِ، وستَجدُ ذلك. وإنَّما قُدِّر من الإبِلِ خَمسةُ ذَودٍ، وجُعلَ زَكاتُه شاةً، وإنْ كانَ الأصلُ ألَّا تُؤخَذَ الزَّكاةُ إلا مِنْ جِنسِ المالِ وأنْ يُجعَلَ النِّصابُ عَددًا له بالٌ؛ لأنَّ الإبِلَ أعظَمُ المَواشي جُثَّةً وأكثَرُها فائِدةً: يُمكِنُ أنْ تُذبحَ، وتُركَبَ، وتُحلَبَ، ويُطلَبَ منها النَّسلُ، ويُستدفأَ بأَوبارِها وجُلودِها، وكان بعضُهم يَقتَني نَجائِبَ قَليلةً تَكفي كِفايةَ الصِّرمةَ، وكان البَعيرُ يُسَوَّى في ذلك الزَّمانِ بعَشرِ

стр. 1864

شِياهٍ وبثَماني شِياهٍ، واثنتَيْ عَشرةَ شاةً، كما ورَدَ في كَثيرٍ من الأَحاديثِ فجُعلَ خَمسُ ذَودٍ في حُكمِ أَدنى نِصابٍ من الغَنمِ، وجُعلَ فيها شاةٌ (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ثم قسَّمَ العُروضَ إلى قِسمَينِ: قِسمٍ أُعدَّ للتِّجارةِ ففيه الزَّكاةُ، وقِسمٍ أُعدَّ للقِنيةِ والاستِعمالِ فهو مَصروفٌ عن جِهةِ النَّماءِ فلا زَكاةَ فيه. ثم لمَّا كانَ حُصولُ النَّماءِ والرِّبحِ بالتِّجارةِ من أشَقِّ الأشياءِ وأكثَرِها مُعاناةً وعَملًا خفَّفها بأنْ جعَلَ فيها رُبعَ العُشرِ، ولَمَّا كانَ الرِّبحُ والنَّماءُ بالزُّروعِ والثِّمارِ التي تُسقى بالكُلفةِ أقَلَّ كُلفةً والعَملُ أيسَرَ، ولا يَكونُ في كلِّ السَّنةِ جعَلَه ضِعفَه، وهو نِصفُ العُشرِ، ولَمَّا كانَ التَّعبُ والعَملُ فيما يَشرَبُ بنَفسِه أقَلَّ والمُؤنةُ أيسَرَ جعَلَه ضِعفَ ذلك وهو العُشرُ، واكتَفى فيه بزَكاةِ عامِه خاصَّةً، فلو أقامَ عندَه بعدَ ذلك عِدَّةَ أَحوالٍ لغيرِ التِّجارةِ لم يَكنْ فيه زَكاةٌ؛ لأنَّه قد انقطَعَ نَماؤُه وزِيادتُه بخِلافِ الماشيةِ وبخِلافِ ما لو أُعدَّ لِلتِّجارةِ؛ فإنَّه عُرضةٌ لِلنَّماءِ، ثم لمَّا كانَ الرِّكازُ مالًا مَجموعًا مُحصَّلًا وكُلفةُ تَحصيلِه أقَلَّ من غيرِه ولم يَحتَجْ إلى أكثَرَ من استِخراجِه كانَ الواجِبُ فيه ضِعفَ ذلك، وهو الخُمسُ. فانظُرْ إلى تَناسُبِ هذه الشَّريعةِ الكامِلةِ التي بهرَ العُقولَ حُسنُها وكَمالُها وشهِدَت الفِطرُ بحِكمَتِها وأنَّه لم يَطرُقِ العالَمَ شَريعةٌ أفضَلُ منها ولو

стр. 1865

اجتمَعت عُقولُ العُقلاءِ وفِطرُ الأَلبَّاءِ واقتَرحَت شَيئًا يَكونُ أحسَنَ مُقتَرحًا لم يَصِلِ اقتِراحُها إلى ما جاءت به (١). الوَقتُ الذي يُعتبَرُ فيه وُجودُ النِّصابِ فيه: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ تَمامُ النِّصابِ في جَميعِ الحَولِ من أوَّلِه إلى آخِرِه، فلو نقَصَ في بَعضِه ولو يَسيرًا انقطَعَ الحَولُ فلم تَجِبِ الزَّكاةُ في آخِرِه، فإنْ بلَغَ نِصابًا زَكويًّا استأنَفَ حَولًا جَديدًا، أو لا يُشتَرطُ ذلك، والعِبرةُ بطَرفَيِ الحَولِ، فإذا نقَصَ النِّصابُ في أثناءِ الحَولِ لا يُؤثِّرُ وتَجِبُ الزَّكاةُ في آخِرِه؟ وهل عُروضُ التِّجارةِ لها الحُكمُ نَفسُه أو تَختلِفُ؟ ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ المُعتبَرَ طَرَفا الحَولِ فإذا وُجدَ النِّصابُ في أوَّلِه وآخِرِه ونقَصَ النِّصابُ في وسَطِه أو في أثنائِه، فإنَّ ذلك لا يُسقِطُ الزَّكاةَ حتى لو لم يَبقَ منه سوى دِرهمٍ، بشَرطِ أنْ يَستفيدَ مالًا قبلَ فَراغِ الحَولِ حتى يَكتمِلَ النِّصابُ، فإنِ انعدَمَ بالكُليَّةِ لم يَنعقِدِ الحَولُ إلا عندَ تَمامِ النِّصابِ، وسَواءٌ انعدَمَ لتَلفِه أو لخُروجِه عن أنْ يَكونَ مَحِلًّا للزَّكاةِ، كما لو كانَ عندَه نِصابُ سائِمةٍ فجعَلَها في الحَولِ مَعلوفةً. وسَواءٌ عندَهم في ذلك السَّوائمُ أو الذَّهبُ والفِضةُ أو مالُ التِّجارةِ. قالوا: لأنَّ كَمالَ النِّصابِ شَرطُ وُجوبِ الزَّكاةِ فيُعتبَرُ وُجودُه في أوَّلِ الحَولِ وآخِرِه لا غَيرُ؛ لأنَّ أوَّلَ الحَولِ وَقتُ انعِقادِ السَّببِ وآخِرَه وَقتُ ثُبوتِ

стр. 1866

الحُكمِ، فأمَّا وَسطُ الحَولِ فليسَ بوَقتِ انعِقادِ السَّببِ ولا وَقتِ ثُبوتِ الحُكمِ، فلا مَعنى لِاعتِبارِ كمالِ النِّصابِ فيه إلا أنَّه لا بدَّ من بَقاءِ شَيءٍ في النِّصابِ الذي انعقَدَ عليه الحَولُ ليَضمَّ المُستفادَ إليه فإذا هلَكَ كلُّه لم يُتصوَّرِ الضَّمُّ. فيُستأنَفُ له الحَولُ، بخِلافِ ما إذا جعَلَ السائِمةَ مَعلوفةً في خِلالِ الحَولِ؛ لأنَّه لَمَّا جعَلَها مَعلوفةً فقد أخرَجَها من أنْ تَكونَ مالَ الزَّكاةِ، فصارَ كما لو هلَكَت (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مِنْ شَرطِ وُجوبِ الزَّكاةِ وُجودَ النِّصابِ في جَميعِ الحَولِ من أوَّلِه إلى آخِرِه، فلو نقَصَ في بعضِه ولو يَسيرًا انقطَعَ الحَولُ فلم تَجبِ الزَّكاةُ في آخِرِه، كما لو كانَ عندَه أربَعونَ شاةً فماتَت في الحَولِ واحِدةٌ أو باعَها أو وهَبَها ثم وُلِدت واحِدةٌ أُخرى، انقطَعَ الحَولُ ويَستأنِفُ حَولًا آخَرَ، فإنْ كانَ المَوتُ والنِّتاجُ في لَحظةٍ واحِدةٍ لم يَنقطِعْ، كما لو تَقدَّمَ النِّتاجُ على المَوتِ، واحتَجُّوا على ذلك بعُمومِ حَديثِ: «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ» (٢). وفي قَولٍ عندَ الحَنابِلةِ: إذا وُجدَ النِّصابُ لحَولٍ كامِلٍ إلا أنَّه نقَصَ نَقصًا كساعةٍ أو ساعتَينِ وجَبَت الزَّكاةُ. ولو زالَ مِلكُ المالِكِ لِلنِّصابِ في الحَولِ ببَيعٍ أو غيرِه ثم عادَ بشِراءٍ أو غيرِه استأنَف الحَولَ لانقِطاعِ الحَولِ الأوَّلِ بما فعَله.

стр. 1867

ولا فَرقَ في ذلك عندَ الحَنابِلةِ بينَ عُروضِ التِّجارةِ وبَقيَّةِ الأَموالِ؛ لأنَّه مالٌ يُعتبَرُ له الحَولُ والنِّصابُ ووجَبَ اعتِبارُ كَمالِ النِّصابِ في جَميعِ الحَولِ كسائِرِ الأَموالِ التي يُعتبَرُ لها ذلك. أمَّا الشافِعيةُ فإنَّ عندَهم خِلافًا في نُقصانِ النِّصابِ في أثناءِ الحَولِ في عُروضِ التِّجارةِ. قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: النِّصابُ والحَولُ مُعتبَرانِ في زَكاةِ التِّجارةِ بلا خِلافٍ. لكنْ في وَقتِ اعتِبارِ النِّصابِ ثَلاثةُ أوجُهٍ، وسَمَّاها إمامُ الحَرمَينِ والغَزاليُّ أَقوالًا، والصَّحيحُ المَشهورُ: أنَّها أوْجُهٌ، لكنَّ الصَّحيحَ منها مَنصوصٌ، والآخَرانِ مُخرَّجانِ: أحدُهما: وهو الصَّحيحُ عندَ جَميعِ الأَصحابِ، وهو نَصُّه في «الأُمّ»: يُعتبَرُ في آخِرِ الحَولِ فقط؛ لأنَّه يَتعلَّقُ بالقِيمةِ، وتَقويمُ العَرضِ في كلِّ وَقتٍ يَشُقُّ، فاعتُبِرَ حالُ الوُجوبِ وهو آخِرُ الحَولِ، بخِلافِ سائِرِ الزَّكواتِ؛ لأنَّ نِصابَها من عَينِها فلا يَشُقُّ اعتِبارُه. والثاني: وبه قالَ أبو العَباسِ بنُ سُرَيجٍ: في جَميعِ الحَولِ من أوَّلِه إلى آخِرِه، ومتى نقَصَ النِّصابُ في لَحظةٍ منه انقطَعَ الحَولُ، قياسًا على زَكاةِ الماشيةِ والنَّقدِ. والثالِثُ: يُعتبَرُ النِّصابُ في أوَّلِ الحَولِ وآخِرِه دونَ ما بينَهما، فإذا كانَ

стр. 1868

نِصابًا في الطَّرفَينِ وجَبَت الزَّكاةُ ولا يَضُرُّ نَقصُه بينَهما، وهذا الوَجهُ حَكاه الشَّيخُ أبو حامِدٍ والمَحامِليُّ والماوَرديُّ والشاشيُّ عن ابنِ سُريجٍ. فإنْ قُلنا بالصَّحيحِ، فاشتَرَى عَرضًا للتِّجارةِ بشَيءٍ يَسيرٍ جدًّا انعقَدَ الحَولُ، فإذا بلَغَ نِصابًا في آخِرِ الحَولِ وجَبَت الزَّكاةُ. ولو كانَ عَرضُ التِّجارةِ دونَ النِّصابِ، فباعَه بسِلعةٍ أُخرى دونَ نِصابٍ في أثناءِ الحَولِ فالمَذهبُ ألَّا يَنقطِعَ الحَولُ (١). وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الشَّرطَ أنْ يَحولَ الحَولُ على مِلكِ النِّصابِ أو مِلكِ أصلِه، فالأولُ: كما لو كانَ يَملِكُ أربَعينَ شاةً تَمامَ الحَولِ. والثاني: كما لو ملَكَ عِشرينَ شاةً من أوَّلِ الحَولِ، فحمَلَت وولَدَت بذلك أربَعينَ قبلَ تَمامِ الحَولِ، فتَجِبُ الزَّكاةُ في النَّوعَينِ عندَ حَولِ الأصلِ. ومِثالُه أيضًا: أنْ يَكونَ عندَه دينارُ ذَهبٍ فيَشتريَ سِلعةً للتِّجارةِ فيَبيعَها بعِشرينَ دينارًا قبلَ تَمامِ الحَولِ، ففيها الزَّكاةُ عندَما يَحولُ الحَولُ على مِلكِه للدِّينارِ، والذي يُضَمُّ إلى أصلِه فيَتمُّ به النِّصابُ هو نِتاجُ السائِمةِ، ورِبحُ التِّجارةِ، بخِلافِ المالِ المُستَفادِ بطَريقٍ آخَرَ كالعَطيَّةِ والمِيراثِ، فإنَّه يَستقبِلُ بها حَولًا (٢).

стр. 1869

الشَّرطُ السابِعُ: الفَراغُ من الدَّينِ: وهذا الشَّرطُ مُعتبَرٌ من حيثُ الجُملةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ والشافِعي في القَديمِ، وعَبَّر بعضُهم بأنَّ الدَّينَ مانِعٌ من وُجوبِ الزَّكاةِ. فإنْ كانَ المالِكُ مَدِينًا بدَينٍ يَستغرِقُ نِصابَ الزَّكاةِ أو يُنقِصُه، فإنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ عليه فيه؛ لِمَا رَوى السائِبُ بنُ يَزيدَ قالَ: سَمِعتُ عُثمانَ بنَ عَفانَ يَقولُ: «هذا شَهرُ زَكاتِكُم، فمَن كانَ عليه دَينٌ فليُؤدِّ دَينَه حتى تَحصُلَ أَموالُكم فتُؤدُّونَ منها الزَّكاةَ» وفي رواية: «وزَكُّوا بَقيَّةَ أَموالِكم» (١). فإنَّه قالَ ذلك بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ فلم يُنكِروه، فدَلَّ على اتِّفاقِهم عليه؛ ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ لمُعاذٍ: «أَعلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخَذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» (٢)، فدَلَّ على أنَّها إنَّما تَجبُ على الأَغنياءِ ولا تُدفَعُ إلا إلى الفُقراءِ، وهذا ممَّن يَحِلُّ له أخذُ الزَّكاةِ؛ فيَكونُ فَقيرًا، فلا تَجبُ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّها لا تَجبُ إلا على الأَغنياءِ للخبَرِ. ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما وجَبَت؛ مُواساةً لِلفُقراءِ وشُكرًا لنِعمةِ الغِنى، والمَدينُ مُحتاجٌ إلى قَضاءِ دَينِه كحاجةِ الفَقيرِ أو أشَدَّ، وليسَ من الحِكمةِ تَعطيلُ

стр. 1870

حاجةِ المالِكِ لِحاجةِ غيرِه، ولا حصَلَ له من الغِنى ما يَقتَضي الشُّكرَ بالإِخراجِ (١). قالوا: ولا يُعتبَرُ الدَّينُ مانِعًا إلا إنِ استقَرَّ في الذِّمةِ قبلَ وُجوبِ الزَّكاةِ، فأمَّا إنْ وجَبَ بعدَ وُجوبِ الزَّكاةِ لا تَسقُطُ؛ لأنَّها وجَبَت في ذمَّتِه، فلا يُسقِطُها ما لحِقَه من الدَّينِ بعدَ ثُبوتِها. قال الحَدَّاديُّ ﵀: وهذا كلُّه إذا كانَ الدَّينُ في ذمَّتِه قبلَ وُجوبِ الزَّكاةِ، أمَّا إذا لحِقَه الدَّينُ بعدَ وُجوبِ الزَّكاةِ لا تَسقُطُ الزَّكاةُ؛ لأنَّها قد ثبَتَت في ذمَّتِه واستَقرَّت فلا يُسقِطُها ما لَحِقه من الدَّينِ بعدَ ثُبوتِها، قالَ الصَّيرَفيُّ ﵀: وأجمَعوا أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ وُجوبَ العُشرِ (٢). وذهَبَ الشافِعيُّ في الجَديدِ إلى أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ الزَّكاةَ أصلًا؛ لأنَّه حُرٌّ مُسلمٌ ملَكَ نِصابًا حَولًا فوجَبَت عليه الزَّكاةُ، كمَن لا دَينَ عليه (٣). الأَموالُ التي يَمنَعُ الدَّينُ زَكاتَها والتي لا تَمنَعُ: أمَّا الأَموالُ الباطِنةُ -وهي النُّقودُ وعُروضُ التِّجارةِ-؛ فإنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ الحَنفيةَ والمالِكيةَ والحَنابِلةَ والشافِعي في القَديمِ قالوا بأنَّ الدَّينَ

стр. 1871

يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ في الأَموالِ الباطِنةِ، ولو كانَ الدَّينُ من غيرِ جِنسِها كما صرَّحَ بذلك المالِكيةُ. وأمَّا الأَموالُ الظاهِرةُ -وهي السائِمةُ والثِّمارُ والحُبوبُ والمَعادِنُ- فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ وُجوبَ الزَّكاةِ فيها؛ لأنَّ المُصدِّقَ إذا جاءَ فوجَدَ إبِلًا أو بَقرًا أو غَنمًا لم يَسألْ: أيُّ شَيءٍ على صاحِبِها من الدَّينِ؟ وليسَ المالُ هكذا، والفَرقُ بينَ الأَموالِ الظاهِرةِ والباطِنةِ أنَّ تَعلُّقَ الزَّكاةِ بالظاهِرةِ آكَدُ لظُهورِها وتَعلُّقِ قُلوبِ الفُقراءِ بها. واستَثنَى الحَنابِلةُ على هذه الرِّوايةِ الدَّينَ الذي استَدانَه المُزكِّي لِلإنفاقِ على الزَّرعِ والثَّمرِ فإنَّه يُسقِطُه. وذهَبَ الحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّ الدَّينَ يَمنَعُ الزَّكاةَ في الأَموالِ الظاهِرةِ والباطِنةِ جَميعًا. وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الدَّينَ يَمنَعُ الزَّكاةَ في الأَموالِ الباطِنةِ وفي السَّوائمِ، أمَّا ما وجَبَت في الخارجِ من الأرضِ فلا يَمنَعُه الدَّينُ كما لا يَمنَعُ الخَراجَ، وذلك لأنَّ العُشرَ والخَراجَ مُؤنةُ الأرضِ، ولذا يَجِبانِ في الأرضِ المَوقوفةِ وأرضِ المُكاتَبِ، ولو لم تَجبْ فيها الزَّكاةُ. قال الحَدَّاديُّ ﵀: قالَ الصَّيرَفيُّ ﵀: وأجمَعوا أنَّ الدَّينَ لا يَمنَعُ وُجوبَ العُشرِ (١).

стр. 1872

القِسمُ الثاني: الأَصنافُ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ وأنصِبتُها ومَقاديرُ الزَّكاةِ في كلٍّ منها: أولاً: زَكاةُ الحَيوانِ: أجمَع الفُقهاءُ على أنَّ الإبلَ والبَقرَ والغَنمَ هي من الأَصنافِ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ، قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على وُجوبِ الصَّدقةِ في الإبلِ والبَقرِ والغَنمِ (١). أمَّا الخَيلُ ففيها خِلافٌ إذا لم تَكنْ لِلتِّجارةِ: فقال مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: لا زَكاةَ فيها بحالٍ إذا لم تَكنْ للتِّجارةِ؛ لقَولِه ﷺ : «ليسَ على المُسلمِ في عَبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» مُتَّفقٌ عليه، ولأبي داود: «ليسَ في الخَيلِ والرَّقيقِ زَكاةٌ إلا زَكاةَ الفِطرِ في الرَّقيقِ» (٢)؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوُجوبِ إلا بدَليلٍ، ولا دَليلَ فيها. وقالَ أبو حَنيفةَ: إذا كانَت سائِمةُ الخَيلِ ذُكورًا وإناثًا أو إناثًا ففيها الزَّكاةُ، فإذا كانَت ذُكورًا مُنفَردةً فلا زَكاةَ فيها؛ لأنَّها لا تَتناسَلُ، وصاحِبُ الجِنسِ الواجِبِ فيه منها الزَّكاةُ بالخيارِ إنْ شاءَ أعطَى عن كلِّ فَرسٍ دينارًا -أو عَشرةَ دَراهمَ- وإنْ شاءَ قوَّمَها -قَدرَ ثَمنِها- فأعطَى عن كلِّ مِئتَيْ دِرهَمٍ،

стр. 1873

خَمسةَ دَراهمَ، ويُعتبَرُ فيها الحَولُ والنِّصابُ بالقيمةِ من أوَّلِ الحَولِ إذا كانَ يُؤدِّي الدَّراهمَ عن القيمةِ، وإنْ كانَ يُؤدِّي بالعَددِ من غيرِ تَقويمٍ أدَّى عن كلِّ رَأسٍ -فَرسٍ- دينارًا إذا تَمَّ حَولُه. واحتُجَّ على ذلك بما رُويَ عن جابِرٍ ﵁ مَرفوعًا: «في كلِّ فَرسٍ سَائمَةٍ دِينارٌ أو عشَرَةُ دَراهِمَ» (١) وعنه رِوايةٌ أُخرى: أنَّ الخيارَ في ذلك لِلسَّاعي (٢). وأمَّا البِغالُ والحمُرُ وغَيرُها من أَصنافِ الحَيوانِ فليسَ فيها زَكاةٌ إذا لم تَكنْ للتِّجارةِ عندَهم جَميعًا. شُروطُ وُجوبِ الزَّكاةِ في الحَيَوانِ: يُشتَرطُ في وُجوبِ الزَّكاةِ في الماشيةِ تَمامُ الحَولِ، وبكَونِها نِصابًا فأكثَرَ، واستِقرارُ المِلكِ، بالإضافةِ إلى سائِرِ الشُّروطِ المُتقدِّمِ بَيانُها لوُجوبِ الزَّكاةِ في الأَموالِ عامَّةً على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ. ويُشتَرطُ هنا شَرطانِ آخَرانِ: الشَّرطُ الأولُ: السَّومُ: ومَعناه أنْ يَكونَ غِذاؤُها على الرَّعيِ من نَباتِ البَرِّ، فلو كانَت مَعلوفةً فقد اختلَفوا في ذلك.

стр. 1874

فذهَبَ الجُمهورُ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّها لا تَجبُ فيها زَكاةٌ؛ لأنَّ في المَعلوفةِ تَتراكَمُ المُؤنةُ، فيَنعدِمُ النَّماءُ من حيثُ المَعنى، إلا أنْ يُعِدَّها لِلتِّجارةِ فيَكونَ فيها زَكاةُ التِّجارةِ. وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ فيها مُطلَقًا سَواءٌ كانَت سائِمةً أو غيرَ سائِمةٍ. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم: مُعارَضةُ المُطلَقِ للمُقيَّدِ، ومُعارَضةُ القياسِ لعُمومِ اللَّفظِ. أمَّا المُطلَقُ: فقَولُه ﷺ : «في أَربَعينَ شَاةً شَاةٌ» (١). وأمَّا المُقيَّدُ: فقَولُه ﷺ : «في سَائمَةِ الغَنمِ الزَّكاةُ» (٢). فمَن غلَبَ المُطلَقَ على المُقيَّدِ قالَ: الزَّكاةُ في السائِمةِ وغَيرِ السائِمةِ، ومَن غلَبَ المُقيَّدَ قالَ: الزَّكاةُ في السائِمةِ منها فقط. ويُشبِهُ أنْ يُقالَ: إنَّ من سَببِ الخِلافِ في ذلك أيضًا مُعارَضةُ دَليلِ الخِطابِ للعُمومِ، وذلك أنَّ دَليلَ الخِطابِ في قَولِه ﷺ : «في سَائمَةِ الغَنمِ الزَّكاةُ»، يَقتَضي أنَّه لا زَكاةَ في غيرِ السائِمةِ، وعُمومَ قَولِه ﷺ : «في أَربَعينَ شاةً شاةٌ» يَقتَضي أنَّ السائِمةَ في هذا بمَنزِلةِ غيرِ السائِمةِ، لكنَّ العُمومَ أَقوى من دَليلِ الخِطابِ، كما أنَّ تَغليبَ المُقيَّدِ على المُطلَقِ أشهَرُ من تَغليبِ المُطلَقِ على المُقيَّدِ.

стр. 1875

وذهَبَ أبو مُحمدِ بنُ حَزمٍ إلى أنَّ المُطلَقَ يَقضي على المُقيَّدِ، وأنَّ في الغَنمِ السائِمةِ وغَيرِ السائِمةِ الزَّكاةَ، وكذلك في الإبلِ؛ لقَولِه ﷺ : «ليسَ فِيما دونَ خَمسِ ذَودٍ من الإبلِ صَدقةٌ» (١). وأنَّ البَقرَ: لمَّا لم يَثبُتْ فيها أثَرٌ وجَبَ أنْ يُتَمسَّكَ فيها بالإِجماعِ، وهو أنَّ الزَّكاةَ في السائِمةِ منها فقط؛ فتَكونَ التَّفرِقةُ بينَ البَقرِ وغيرِها قَولًا ثالِثًا. وأمَّا القياسُ المُعارِضُ لعُمومِ قَولِه ﷺ : «في أَربَعينَ شاةً شاةٌ» فهو أنَّ السائِمةَ هي التي المَقصودُ منها النَّماءُ والرِّبحُ، وهو أنَّ المَوجودَ فيها أكثَرُ من ذلك، والزَّكاةَ إنَّما هي فَضلاتٌ، والفَضلاتُ إنَّما تُوجَدُ أكثَرَ ذلك في الأَموالِ السائِمةِ، ولذلك اشتُرِطَ فيها الحَولُ، فمَن خصَّصَ لِهذا القياسِ ذلك العُمومَ لم يُوجِبِ الزَّكاةَ في غيرِ السائِمةِ، ومَن لم يُخصِّصْ ذلك، ورَأى أنَّ العُمومَ أَقوى أوجَبَ ذلك في الصِّنفَينِ جَميعًا، فهذا هو ما اختلَفوا فيه من الحَيوانِ الذي تَجبُ فيه الزَّكاةُ (٢). الشَّرطُ الثاني: ألَّا تَكونَ عامِلةً: العَوامِلُ: هي التي تُستخدَمُ في الحَرثِ أو الحَملِ، فالإبِلُ المُعدَّةُ للحَملِ والرُّكوبِ، والنَّواضِحُ، وبَقرُ الحَرثِ والسَّقيِ لا زَكاةَ فيها عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ؛ لحَديثِ: «وليسَ على (في)

стр. 1876

العَواملِ شَيءٌ» (١) ولحَديثِ بَهزِ بنِ حَكيمٍ: «في كلِّ سائمَةِ إبلٍ في أَربَعينَ بِنتُ لَبونٍ» (٢)، فقيَّدَه بالسائِمةِ، فدَلَّ على أنَّه لا زَكاةَ في غيرِها. وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ العَملَ لا يَمنعُ الزَّكاةَ في الماشيةِ لعُمومِ الأَحاديثِ في الإبلِ والبَقرِ: «في البَقرِ في كلِّ ثَلاثينَ تَبيعٌ وفي الأَربَعينَ مُسِنَّةٌ» (٣)، وحَديثِ: «في كلِّ خَمسِ ذَودٍ شَاةٌ» (٤) فلم يَخُصَّ عاملًا من غيرِ عامِلٍ.

стр. 1877

ولأنَّ استِعمالَ السائِمةِ زيادةُ رِفقٍ ومَنفعةٍ تَحصُلُ لِلمالِكِ فلا يَقتَضي ذلك مَنعَ الزَّكاةِ بل تَأكيدَ إِيجابِها (١).

стр. 1878

فصل في زَكاةِ الإبِلِ زَكاةُ الإبِلِ: المَقاديرُ الواجِبةُ في زَكاةِ الإبِلِ: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ النِّصابَ الأولَ في الإبِلِ خَمسٌ، وأنَّ في خَمسٍ منها شاةٌ، وفي عَشرٍ شاتَينِ وفي خَمسةَ عشَرَ ثَلاثُ شِياهٍ وفي عِشرينَ أربَعُ شياهٍ إلى أربَعٍ وعِشرينَ، فإذا بلَغَت خَمسًا وعِشرينَ ففيها ابنةُ مَخاضٍ إلى خَمسٍ وثَلاثينَ، فإذا بلَغَت سِتًّا وثَلاثينَ ففيها ابنةُ لَبونٍ، إلى خَمسٍ وأربَعينَ، فإذا بلَغَت سِتًّا وأربَعينَ ففيها جَذعةٌ إلى خَمسٍ وسَبعينَ، فإذا بلَغَت سِتًّا وسَبعينَ ففيها بِنتا لَبونٍ إلى تِسعينَ، فإذا بلَغَت إِحدى وتِسعينَ ففيها حِقَّتانِ إلى عِشرينَ ومِئةٍ، هذا هو القَدرُ المُجمَعُ عليه بينَ العُلماءِ (١). واختلَفوا فيما إذا زادَت على عِشرين ومِئةٍ واحِدةً على ما سيَأتي إنْ شاءَ اللهُ.

стр. 1879

المَقاديرُ المُتَّفقُ عليها يُبيِّنُها الجَدولُ الآتي: النِّصابُ من الإبِلِ … القَدْرُ الواجِبُ فيه من … إلى ١ … ٤ … ليسَ فيها شاةٌ .... الواجبُ هنا من الغَنمِ ٥ … ٩ … (١) فيها شاةٌ واحِدةٌ. ١٠ … ١٤ … (٢) فيها شاتانِ. ١٥ … ١٩ … (٣) فيها ثلاثُ شياهٍ. ٢٠ … ٢٤ … (٤) فيها أربعُ شياهٍ. ٢٥ … ٣٥ … فيها بِنتُ مَخاضٍ (هي أُنثى الإبِلِ التي تمَّت سَنةً وقد دخَلَت في الثانيةِ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أُمَّها لَحِقت بالمَخاضِ وهي الحَوامِلُ). ٣٦ … ٤٥ … فيها بِنتُ لَبونٍ (هي أُنثى الإبِلِ التي تمَّت سَنتَيْن وقد دخلَت في الثالِثةِ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّ أُمَّها وضَعت غَيرَها وصارَت ذاتَ لَبنٍ). ٤٦ … ٦٠ … فيها حِقَّةٌ (وهي أُنثى الإبِلِ التي تمَّتَ ثَلاثَ سِنينَ ودخَلَت في الرابِعةِ، سُمِّيت بذلك؛ لأنَّها استحَقَّت أنْ يَطرُقَها الفَحلُ).

стр. 1880

٦١ … ٧٥ … فيها جَذعةٌ (وهي أُنثى الإبِلِ التي أتَمَّت أربَعَ سِنينَ ودخَلت في الخامِسةِ). ٧٦ … ٩٠ … ٢ فيها بِنتا لَبونٍ. ٩١ … ١٢٠ … ٢ فيها حِقَّتانِ. على هذه الأَعدادِ والمَقاديرِ انعقَدَ إِجماعُ العُلماءِ. أمَّا ما زادَ على مِئةٍ وعِشرينَ فقد اختَلفَ العُلماءُ فيه: فقالَ أبو حَنيفةَ: يَستأنِفُ الفَريضةَ بعدَ العِشرينَ ومِئةٍ، ومَعنى الاستِئنافِ أنَّه لا يَجبُ فيما زادَ على مِئةٍ وعِشرينَ حتى تَبلُغَ الزِّيادةُ خَمسًا، فإذا بلَغَت الزِّيادةُ خَمسًا كانَ فيها شاةٌ مع الواجِبِ المُتقدِّمِ، وهو الحِقَّتانِ، الحِقَّتانِ لِلمِئةِ والعِشرين، والشاةُ لِلخَمسِ. فإذا بلَغَت ثَلاثينَ ومِئةً ففيها حِقَّتانِ وشاتانِ، فإذا كانَت خَمسًا وثَلاثينَ ومِئةً ففيها حِقَّتانِ وثَلاثُ شِياهٍ إلى أربَعينَ ومِئةٍ، ففيها حِقَّتانِ وأربَعُ شِياهٍ، فإذا بلَغَت مِئةً وخَمسًا وأربَعينَ ففيها حِقَّتانِ وابنةُ مَخاضٍ، الحِقَّتانِ لِلمِئةِ والعِشرينَ، وابنةُ المَخاضِ للخَمسِ والعِشرينَ كما كانَت في الفَرضِ الأولِ إلى خَمسينَ ومِئةٍ، فإذا بلَغتْها -أي: الخَمسينَ ومِئةٍ- ففيها ثَلاثُ حِقاقٍ، فإذا زادَت على الخَمسينَ ومِئةٍ استأنَف الفَريضةَ بعدَ ذلك فيَكونُ في كلِّ خَمسٍ شاةٌ مع ثَلاثِ حِقاقٍ إلى أنْ تَبلُغَ مِئتَينِ، فيَكونَ فيها أربَعُ حِقاقٍ ثم يَستأنِفَ الفَريضةَ أبدًا كما استأنَف في الخَمسينَ التي بعدَ المِئةِ والخَمسينَ.

стр. 1881

واستدَلَّ أبو حَنيفةَ على ذلك بحَديثِ عَمرِو بنِ حَزمٍ عن أَبيه عن جَدِّه مَرفوعًا، وفيه: «فإذا زادَتِ الإبلُ على مِئةٍ وعِشرينَ استُؤنِفَت الفَريضَةُ، فما كانَ أَقَلَّ من خَمسٍ وعِشرينَ ففِيها الغَنمُ في كلِّ خَمسِ ذَودٍ شَاةٌ» (١). وتَفصيلُ مَذهبِ أَبي حَنيفةَ ﵀ على ما زادَ على مِئةٍ وعِشرينَ على النَّحوِ الآتي في هذا الجَدولِ: عدد الإبِلِ … حِقَّة شاةٌ ١٢٥ … ٢ + ١ ١٣٠ … ٢ + ٢ ١٣٥ … ٢ + ٣ ١٤٠ … ٢ + ٤

стр. 1882

١٤٥ … ٢ + بِنتُ مَخاضٍ ١٥٠ … ٣ حِقاقٍ فقط ١٥٥ … ٣ + شاةٌ ١٦٠ … ٣ + شاتَانِ ١٦٥ … ٣ + ثَلاثُ شِياهٍ ١٧٠ … ٣ + ٤ شياهٍ ١٧٥ … ٣ + بِنتُ مَخاضٍ ١٨٦ … ٣ + بِنتُ مَخاضٍ ١٩٦ … ٤ حِقاقٍ فقط ٢٠٠ … ٤ حِقاقٍ أو ٥ بَناتِ لَبونٍ ثم استأنَفَ الفَريضةَ بعدَ المِئتَينِ: في كلِّ خَمسٍ شاةٌ، وعلى هذا القياسِ أبدًا كلَّما بلَغَت الزيادةُ خَمسينَ زادَ الفَرضُ حِقَّةً، ثم تُستأنَفُ التَّزكيةُ بالغَنمِ، ثم فيه بِنتُ لَبونٍ. وقالَ الشافِعيُّ وأحمدُ في أظهَرِ رِوايتَيْه: أنَّ زِيادةَ الواحِدةِ تُغيِّرُ الفَرضَ فيَكونُ في مِئةٍ وإِحدى وعِشرينَ ثَلاثُ بَناتِ لَبونٍ؛ لحَديثِ أنَسٍ في كِتابِ أَبي بَكرٍ، وفيه: «فإنْ زادَت على عِشرينَ ومِئةٍ ففي كلِّ أَربَعينَ بِنتُ لَبونٍ، وفي كلِّ خَمسينَ حِقَّةٌ» (١)، والواحِدةُ زيادةٌ، وقد جاءَ مُصرَّحًا به

стр. 1883

في حَديثِ ابنِ عُمرَ مَرفوعًا وفيه: «فإذا كانَت إِحدى وعِشرينَ ومِئةً ففيها ثَلاثُ بَناتِ لَبونٍ» (١). وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّه لا يَتغيَّرُ الفَرضُ إلا بزِيادةِ عَشرٍ، فلا شَيءَ في زيادَتِها حتى تَبلُغَ ثَلاثينَ ومِئةً؛ فتَكونَ الحِقَّتانِ في إِحدى وتِسعينَ إلى مِئةٍ وتِسعةٍ وعِشرينَ، فإذا صارَت مِئةً وثَلاثينَ ففيها حِقَّةٌ وبِنتا لَبونٍ، وهي اختيارُ عبدِ العزيزِ من أَصحابِه، وبهذا يَقولُ أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سَلامٍ ومُحمدُ بنُ إِسحاقَ. وعن مالِكٍ رِوايَتانِ كالرِّوايتَينِ عن أحمدَ سَواءٌ: إلا أنَّ أظهَرَهما عندَ أَصحابِه ما رَواه ابنُ القاسِمِ وابنُ عبدِ الحَكمِ وغيرُهما أنَّها إذا زادَت على عِشرينَ ومِئةٍ فالساعي بالخيارِ أنْ يأخُذَ ثَلاثَ بَناتِ لَبونٍ أو حِقَّتَيْن. والرِّوايةُ الأُخرى رَواها عبدُ المَلكِ بنُ عبدِ العَزيزِ عنه: أنَّه لا يَتغيَّرُ الفَرضُ إلا بزِيادةِ عَشرٍ حتى تَصيرَ ثَلاثينَ ومِئةً، فإذا صارَت كذلك أُخذَ من كُلِّ خَمسينَ حِقَّةٌ، ومن كلِّ ثَمانين بِنتا لَبونٍ (٢). وهذه الأَعدادُ والمَقاديرُ التي أَورَدناها قد جاءَت بها السُّنةُ العَمليَّةُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ .

стр. 1884

قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَدارُ نِصابِ زَكاةِ الماشيةِ على حَديثَيْ أنَسٍ وابنِ عُمرَ ﵄. فأمَّا حَديثُ أنَسٍ، فرَواه أنَسٌ: أنَّ أبا بَكرٍ الصِّديقَ ﵁، كتَبَ هذا الكِتابَ لمَّا وجَّهَه إلى البَحرَينِ: «بسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، هذه فَريضَةُ الصَّدقةِ التي فرَضَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على المُسلِمينَ، والتي أمَرَ اللهُ بها رَسولَه، فمَن سُئلَها من المُسلِمينَ على وَجهِها، فليُعطِها، ومَن سُئلَ فَوقَها فلا يُعْطِ: في أربَعٍ وَعِشرينَ من الإبلِ -فما دُونَها- من الغَنمِ من كلِّ خَمسٍ شَاةٌ، فإذا بلَغَت خَمسًا وَعِشرينَ إلى خَمسٍ وثَلاثينَ ففيها بِنتُ مَخاضٍ أُنثَى، فإذا بلَغَت سِتًّا وثَلاثينَ إلى خَمسٍ وأَربَعينَ ففيها بِنتُ لَبونٍ أُنثَى، فإذا بلَغَت سِتًّا وأَربَعينَ إلى سِتِّينَ ففيها حِقَّةٌ طرُوقَةُ الجَملِ، فإذا بلَغَت واحدَةً وسِتِّينَ إلى خَمسٍ وسَبعينَ ففيها جَذعَةٌ، فإذا بلَغَت يَعنِي سِتًّا وسَبعينَ إلى تِسعينَ ففيها بِنتَا لَبونٍ، فإذا بلَغَت إِحدَى وتِسعينَ إلى عِشرينَ ومِئةٍ ففيها حِقَّتانِ طَرُوقَتا الجَملِ، فإذا زادَت على عِشرينَ ومِئةٍ ففي كل أَربَعينَ بِنتُ لَبُونٍ، وفي كلِّ خَمسينَ حِقَّةٌ، ومَن لم يَكنْ معه إلا أَربَعٌ من الإبلِ فليسَ فيها صَدقةٌ إلا أَنْ يَشاءَ ربُّها، فإذا بلَغَت خَمسًا من الإبلِ ففيها شَاةٌ. وفي صَدقةِ الغَنمِ في سائمَتِها إذا كانَت أَربَعينَ إلى عِشرينَ ومِئةٍ شَاةٌ، فإذا زادَت على عِشرينَ ومِئةٍ إلى مِئتَينِ شاتانِ، فإذا زادَت على مِئتَينِ إلى ثَلاثِمئةٍ ففيها ثَلاثُ شِياهٍ، فإذا زادَت على ثَلاثِمئةٍ ففي كلِّ مِئةٍ شاةٌ، فإذا كانَت سائمَةُ الرَّجُلِ ناقِصَةً من أَربَعينَ شاةً واحدَةً فليسَ فيها صَدقةٌ إلا أنْ يَشاءَ ربُّها، وفي الرِّقَّةِ رُبعُ العُشرِ، فإِنْ لم تَكنْ إلا تِسعينَ ومِئةً فليسَ فيها شَيءٌ إلا أنْ يَشاءَ ربُّها».

стр. 1885

وفي هذا الكِتابِ: «ومَن بلَغَت صَدقتُه بِنتَ مَخاضٍ وليسَت عندَه، وعندَه بِنتُ لَبونٍ، فإنَّها تُقبَلُ منه، ويُعْطيهِ المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شَاتَينِ، فإنْ لم يَكنْ عندَه بِنتُ مَخاضٍ، على وَجهِها وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنه يُقبَلُ منه، وليسَ معه شَيءٌ. من بلَغَت عندَه من الإبلِ صَدقةُ الجَذعَةِ وليسَت عندَه جَذعَةٌ وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجعَلُ معَها شاتَينِ إن استَيسَرَتا له، أو عِشرينَ دِرهَمًا، ومَن بلَغَت عندَه صَدقةُ الحِقَّةِ وليسَت عندَه الحِقَّةُ وعندَه الجَذعَةُ فإنَّها تُقبَلُ منه الجَذعَةُ، ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهَمًا أو شاتَينِ، ومَن بلَغَت عندَه صَدقةُ الحِقَّةِ وليسَت عندَه إلا بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه بِنتُ لَبونٍ، ويُعطِي شاتَينِ أو عِشرينَ دِرهَمًا. ومَن بلَغَت صَدقتُه بِنتَ لَبونٍ وعندَه حِقَّةٌ، فإنَّها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهَمًا أو شَاتَينِ، ومَن بلَغَت صَدقتُه بِنتَ لَبونٍ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ مَخاضٍ فإنَّها تُقبَلُ منه بِنتُ مَخاضٍ، ويُعطِي معَها عِشرينَ دِرهَمًا أو شَاتَينِ، ولا يُخرَجُ في الصَّدقةِ هرِمَةٌ ولا ذَاتُ عَوارٍ، ولا تَيسٌ، إلا ما شاءَ المُصدِّقُ، ولا يُجمَعُ بين مُتفرِّقٍ، ولا يُفرَّقُ بينَ مُجتمِعٍ خَشيَةَ الصَّدقةِ، وما كانَ من خَلِيطَينِ فإنَّهما يَتراجَعانِ بينَهما بالسَّوِيةِ». قال النَّوويُّ ﵀: رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه مُفرَّقًا في كِتابِ الزَّكاةِ فجَمعتُه بحُروفِه (١).

стр. 1886

وأمَّا حَديثُ ابنِ عُمرَ فرَواه سُفيانُ بنُ حُسينٍ عن الزُّهريِّ عن سَالمٍ عن أبِيه: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كتَبَ كِتابَ الصَّدقةِ فلم يُخرِجْه إلى عُمالِه حتى قُبضَ، فقرَنَه بسَيفِه، فلمَّا قُبضَ عمِلَ به أبو بَكرٍ حتى قُبضَ، وَعمرُ حتى قُبضَ»، وكان فيه: «في خَمسٍ من الإبلِ شَاةٌ وفي عَشرٍ شاتانِ … » الحَديثُ (١)، وفيه نَحوُ ما في حَديثِ أنَسٍ.

стр. 1887

فصل في زَكاةِ البَقرِ زَكاةُ البَقرِ: البَقرُ نَوعٌ من الأَنعامِ التي امتَنَّ اللهُ بها على عِبادِه، وناطَ بها كَثيرًا من المَنافِعِ لِلبَشرِ، فهي تُتَّخذُ للدَّرِّ والنَّسلِ، وللحَرثِ والسَّقيِ، كما يُنتفَعُ بلُحومِها وجُلودِها إلى غيرِ ذلك من الفَوائدِ، التي تَختلِفُ من البُلدانِ والأَحوالِ. والجَواميسُ صِنفٌ من البَقرِ بالإِجماعِ، كما نقَلَه ابنُ المنذِرِ، فيُضمُّ بعضُها إلى بعضٍ، فقالَ: وأجمَعوا على أنَّ حُكمَ الجَواميسِ حُكمُ البَقرِ (١). والزَّكاةُ في البَقرِ واجِبةُ بالسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا السُّنةُ: فما رَواه البُخاريُّ في صَحيحِه عن أَبي ذَرٍّ ﵁ قالَ: «والذي نَفسِي بيَدِه، أو والذي لَا إِلهَ غيرُه -أو كما حلَفَ- ما مِنْ رَجلٍ تَكونُ له إبلٌ أو بَقرٌ أو غَنمٌ لَا يُؤدِّي حقَّها إلا أُتيَ بها يَومَ القِيامَةِ أَعظَمَ ما تَكونُ وأَسمَنَه تَطؤهُ بأَخفافِها وتَنطَحُه بقُرونِها، كلَّما جازَتْ أُخْراها رُدَّت عليه أُولَاها حتى يُقضَى بينَ الناسِ» (٢) والمُرادُ بالحَقِّ هنا الزَّكاةُ.

стр. 1888

أمَّا الإِجماعُ: فقد ثبَتَ -بيَقينٍ لا شَكَّ فيه- اتِّفاقُ جَميعِ المُسلِمينَ على وُجوبِ الزَّكاةِ في البَقرِ، نقَلَ الإِجماعَ على ذلك خَلائِقُ منهم ابنُ المنذِرِ وابنُ هُبيرةَ وابنُ قُدامةَ وأبو عُبيدٍ وغَيرُهم، لم يُخالِفْ في ذلك أحَدٌ في عَصرٍ من العُصورِ؛ لأنَّها أحَدُ أَصنافِ بَهيمةِ الأَنعامِ؛ فوجَبَت الزَّكاةُ في سائمَتِها كالإبلِ والغَنمِ (١)، وإنَّما وقَعَ الخِلافُ في تَحديدِ النِّصابِ ومِقدارِ الواجِبِ كما سيَأتي. نِصابُ البَقرِ وما يَجبُ فيها: اتَّفقَ الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ النِّصابَ الأولَ في البَقرِ ثَلاثونَ، وأنَّه إذا بلَغَها ففيها تَبيعٌ أو تَبعيةٌ (٢) فإذا بلَغَت أربَعينَ ففيها مُسِنَّةٌ (٣). واحتَجُّوا على ذلك بحَديثِ مُعاذٍ ﵁ قالَ: «بعَثَني النَّبيُّ ﷺ إلى اليَمنِ فأمَرَني أنْ آخُذَ من كلِّ ثَلاثِينَ بَقرَةً تَبيعًا أو تَبيعَةً، ومِن كلِّ أربَعينَ مُسنَّةً» (٤). ثم اختلَفوا: فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: ثم لا شَيءَ فيها سِوى مُسِنَّةٍ إلى تِسعٍ وخَمسينَ، فإذا بلَغَت سِتِّينَ ففيها تَبيعانِ إلى تِسعٍ وسِتِّينَ، فإذا بلَغَت سَبعينَ ففيها تَبيعٌ ومُسنَّةٌ، فإذا بلَغَت ثَمانينَ ففيها مُسنَّتانِ، وفي تِسعينَ

стр. 1889

ثَلاثةُ أتبِعةٍ، وفي مِئةٍ تَبيعانِ ومُسنَّةٌ، وعلى هذا أبدًا يَتغيَّرُ الفَرضُ في كلِّ عَشرٍ من تَبيعٍ إلى مُسِنَّةٍ. واختُلِفَ عن أَبي حَنيفةَ: فرُويَ عنه كمَذهبِ الجُمهورِ، وأمَّا صاحِباه أبو يُوسفَ ومُحمدٌ فعلى هذه الرِّوايةِ. وعنه رِوايةٌ أُخرى: لا شَيءَ فيما زادَ على الأربَعينَ سِوى مُسنَّةٍ إلى أنْ تَبلُغَ خَمسينَ، فيَكونَ فيها مُسنَّةٌ ورُبُعٌ. وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ، وهي أنْ تَجبَ في الزِّيادةِ على الأربَعينَ بحِسابِ ذلك إلى سِتِّينَ فيَكونَ في الواحِدِ رُبعُ عُشرِ مُسنَّةٍ، وفي الثلاثةِ ثَلاثةُ أرباعِ عُشرِ مُسنَّةٍ (١).

стр. 1890

جَدولُ نِصابِ البَقرِ على قَولِ الجُمهورِ على النَّحوِ الآتي: من إلى القَدرُ الواجِبُ إِخراجُه ١ ٢٩ ليسَ فيها زَكاةٌ ٣٠ ٣٩ تَبيعٌ أو تَبيعةٌ ٤٠ ٥٩ مُسنَّةٌ ٦٠ ٦٩ تَبيعانِ ٧٠ ٧٩ تَبيعٌ ومُسنَّةٌ ٨٠ ٨٩ مُسنَّتانِ ٩٠ ٩٩ ثَلاثةُ أتبِعةٍ ١٠٠ ١٠٩ تَبيعانِ ومُسنَّةٌ وإذا زاد العَددُ على ذلك يَكونُ في كلِّ ثَلاثينَ تَبيعٌ، أو تَبيعةٌ، وفي كلِّ أربَعينَ مُسنَّةٌ.

стр. 1891

فصل في زَكاةِ الغَنمِ زَكاةُ الغَنَمِ: وهي واجِبةٌ بالسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا بالسُّنةِ: فما رَواه أنَسُ بنُ مالِكٍ في كِتابِ أَبي بَكرٍ الذي ذكَرْناه مِنْ قَبلُ، وفيه: «وفي صَدقةِ الغَنمِ في سائمَتِها إذا كانَت أَربَعينَ إلى عِشرينَ ومِئةٍ شاةٌ، فإذا زادَت على عِشرينَ ومِئةٍ إلى مِئتَينِ شاتانِ، فإذا زادَت على مِئتَينِ إلى ثَلاثِمئةٍ ففيها ثَلاثُ شِياهٍ، فإذا زادَت على ثَلاثِمئةٍ (١) ففي كلِّ مِئةٍ شاةٌ، فإذا كانَت سائمَةُ الرَّجلِ ناقِصَةً من أَربَعينَ شاةً واحدَةً فليسَ فيها صَدقةٌ إلا أنْ يَشاءَ ربُّها … » (٢) ونَحوُ ذلك في حَديثِ ابنِ عمرَ. وأمَّا الإِجماعُ: فقد أجمَع العُلماءُ على وُجوبِ الزَّكاةِ في الغَنمِ، كما أَجمَعوا كذلك على أنَّ الغَنمَ تَشمَلُ الضَّأنَ والمَعزَ، فيُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، باعتِبارِهما صِنفَينِ لِنَوعٍ واحِدٍ (٣).

стр. 1892

نِصابُ الغَنمِ ومِقدارُ الواجِبِ فيه: أجمَع العُلماءُ على أنَّ أولَ النِّصابِ في الغَنمِ أربَعونَ، فإذا بلَغَتها ففيها شاةٌ، ثم لا شَيءَ في زيادَتِها إلى أنْ تَبلُغَ مِئةً وعِشرينَ، فإذا زادَت واحِدةً على المِئةِ والعِشرينَ ففيها شاتانِ إلى مِئتَينِ، فإذا زادَت على المِئتَينِ واحِدةً ففيها ثَلاثُ شِياهٍ إلى ثَلاثِمئةٍ، فإذا بلَغَت أربَعَمئةٍ ففيها أربَعُ شياهٍ، ثم في كلِّ مِئةٍ شاةٌ، وعلى هذا فالضَّأنُ والمَعزُ سَواءٌ (١) ودَليلُهم في ذلك حَديثُ أنَسٍ السابِقُ، وبَيانُه على الجَدولِ الآتي: عَددُ الغَنمِ … المُقدَّرُ الواجِبُ فيها من … إلى ١ … ٣٩ … لا زَكاةَ فيها ٤٠ … ١٢٠ … شاةٌ ١٢١ … ٢٠٠ … شاتانِ ٢٠١ … ٣٩٩ … ثَلاثُ شِياهٍ ٤٠٠ … ٤٩٩ … أربَعُ شياهٍ ٥٠٠ … ٥٩٩ … خَمسُ شِياهٍ وهكذا في كلِّ مِئةِ شاةٍ: شاةٌ.

стр. 1893

فصل في زَكاةِ الذَّهبِ والفِضةِ والعُملاتِ المَعدِنيَّةِ والوَرقيَّةِ ١ - زَكاةُ الذَّهبِ والفِضةِ: وُجوبُ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضةِ ثابِتٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥]. فنبَّهَت الآيتانِ بهذا الوَعيدِ الشَّديدِ على أنَّ في الذَّهبِ والفِضةِ حَقًّا للهِ تعالَى إِجمالًا. أمَّا السُّنةُ: فقد جاءَت ببَيانِ ما نَبَّه عليه القُرآنُ وتَأكيدِه: ففي صَحيحِ مُسلمٍ عن أَبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما مِنْ صَاحِبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لَا يُؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ صُفّحَت له صَفائحُ من نَارٍ فأُحمِيَ عليها في نارِ جَهنَّمَ فيُكوَى بها جَنبُه وجَبينُه وظَهرُه كلَّما برَدَت أُعيدَت له في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفِ سَنةٍ حتى يُقضَى بين

стр. 1894

العِبادِ فيَرى سَبيلَه إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ … » (١)، فكلُّ هذا الوَعيدِ لمَن لا يُؤدِّي حَقَّ الذَّهبِ والفِضةِ. وجاءَ في حَديثِ علِيٍّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فإذا كانَت لكَ مِئَتا دِرهَمٍ وحالَ عليها الحَولُ ففيها خَمسَةُ دَراهِمَ، وليسَ عليك شَيءٌ، يَعنِي في الذَّهبِ، حتى يَكُونَ لك عِشرونَ دِينارًا، فإذا كانَ لك عِشرونَ دِينارًا وحالَ عليها الحَولُ ففيها نِصفُ دِينارٍ» (٢). وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «وليسَ فيمَا دُونَ خَمسِ أَواقٍ من الورِقِ صَدقةٌ … » الحديث (٣). أمَّا الإِجماعُ: فقد أجمَعَ المُسلِمونَ في كلِّ العُصورِ على وُجوبِ الزَّكاةِ في النَّقدَينِ: الذَّهبِ والفِضةِ. نقَلَ ذلك ابنُ المنذِرِ وغيرُه (٤). مِقدارُ الواجِبِ في زَكاةِ النُّقودِ والذَّهبِ والفِضةِ: كما أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضةِ فقد أَجمَعوا على مِقدارِ الواجِبِ فيها. قال ابنُ قُدامةَ ﵀ (٥): لا نَعلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ في زَكاةِ

стр. 1895

الذَّهبِ والفِضةِ رُبعَ عُشرِهما (٢. ٥ بالمئةِ) وقد ثبَتَ ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وفي الرِّقَّةِ رُبعُ العُشرِ» (١). وقالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في مِئتَيْ دِرهَمٍ خَمسةُ دَراهِمَ (٢). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ أولَ النِّصابِ في أَجناسِ الأَثمانِ، وهي الذَّهبُ والفِضةُ مَضروبةً ومَكسورةً وتِبْرًا (٣) ونُقرةً (٤) عِشرونَ دِينارًا من الذَّهبِ، ومِئتا دِرهمٍ من الفِضةِ، فإذا بلَغَت الدَّراهمُ مِئتَيْ دِرهَمٍ، والذَّهبُ عِشرينَ دِينارًا، وحال عليه الحَولُ، ففيه رُبعُ عُشرِه (٥). ودَليلُهم في ذلك: ١ - ما رَواه ابنُ ماجَه والدَّارقُطنيُّ من حَديثِ ابنِ عُمرَ وعائِشةَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَأخذُ من كلِّ عِشرينَ دِينارًا فصاعِدًا نِصفَ دِينارٍ، ومِن الأَربَعينَ دِينارًا دِينارًا» (٦).
следующие страницы →