← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

فصل في زَكاةِ الغَنمِ زَكاةُ الغَنَمِ: وهي واجِبةٌ بالسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا بالسُّنةِ: فما رَواه أنَسُ بنُ مالِكٍ في كِتابِ أَبي بَكرٍ الذي ذكَرْناه مِنْ قَبلُ، وفيه: «وفي صَدقةِ الغَنمِ في سائمَتِها إذا كانَت أَربَعينَ إلى عِشرينَ ومِئةٍ شاةٌ، فإذا زادَت على عِشرينَ ومِئةٍ إلى مِئتَينِ شاتانِ، فإذا زادَت على مِئتَينِ إلى ثَلاثِمئةٍ ففيها ثَلاثُ شِياهٍ، فإذا زادَت على ثَلاثِمئةٍ (١) ففي كلِّ مِئةٍ شاةٌ، فإذا كانَت سائمَةُ الرَّجلِ ناقِصَةً من أَربَعينَ شاةً واحدَةً فليسَ فيها صَدقةٌ إلا أنْ يَشاءَ ربُّها … » (٢) ونَحوُ ذلك في حَديثِ ابنِ عمرَ. وأمَّا الإِجماعُ: فقد أجمَع العُلماءُ على وُجوبِ الزَّكاةِ في الغَنمِ، كما أَجمَعوا كذلك على أنَّ الغَنمَ تَشمَلُ الضَّأنَ والمَعزَ، فيُضَمُّ بعضُها إلى بعضٍ، باعتِبارِهما صِنفَينِ لِنَوعٍ واحِدٍ (٣).

стр. 1892

نِصابُ الغَنمِ ومِقدارُ الواجِبِ فيه: أجمَع العُلماءُ على أنَّ أولَ النِّصابِ في الغَنمِ أربَعونَ، فإذا بلَغَتها ففيها شاةٌ، ثم لا شَيءَ في زيادَتِها إلى أنْ تَبلُغَ مِئةً وعِشرينَ، فإذا زادَت واحِدةً على المِئةِ والعِشرينَ ففيها شاتانِ إلى مِئتَينِ، فإذا زادَت على المِئتَينِ واحِدةً ففيها ثَلاثُ شِياهٍ إلى ثَلاثِمئةٍ، فإذا بلَغَت أربَعَمئةٍ ففيها أربَعُ شياهٍ، ثم في كلِّ مِئةٍ شاةٌ، وعلى هذا فالضَّأنُ والمَعزُ سَواءٌ (١) ودَليلُهم في ذلك حَديثُ أنَسٍ السابِقُ، وبَيانُه على الجَدولِ الآتي: عَددُ الغَنمِ … المُقدَّرُ الواجِبُ فيها من … إلى ١ … ٣٩ … لا زَكاةَ فيها ٤٠ … ١٢٠ … شاةٌ ١٢١ … ٢٠٠ … شاتانِ ٢٠١ … ٣٩٩ … ثَلاثُ شِياهٍ ٤٠٠ … ٤٩٩ … أربَعُ شياهٍ ٥٠٠ … ٥٩٩ … خَمسُ شِياهٍ وهكذا في كلِّ مِئةِ شاةٍ: شاةٌ.

стр. 1893

فصل في زَكاةِ الذَّهبِ والفِضةِ والعُملاتِ المَعدِنيَّةِ والوَرقيَّةِ ١ - زَكاةُ الذَّهبِ والفِضةِ: وُجوبُ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضةِ ثابِتٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾ [التوبة: ٣٤، ٣٥]. فنبَّهَت الآيتانِ بهذا الوَعيدِ الشَّديدِ على أنَّ في الذَّهبِ والفِضةِ حَقًّا للهِ تعالَى إِجمالًا. أمَّا السُّنةُ: فقد جاءَت ببَيانِ ما نَبَّه عليه القُرآنُ وتَأكيدِه: ففي صَحيحِ مُسلمٍ عن أَبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ما مِنْ صَاحِبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لَا يُؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ صُفّحَت له صَفائحُ من نَارٍ فأُحمِيَ عليها في نارِ جَهنَّمَ فيُكوَى بها جَنبُه وجَبينُه وظَهرُه كلَّما برَدَت أُعيدَت له في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفِ سَنةٍ حتى يُقضَى بين

стр. 1894

العِبادِ فيَرى سَبيلَه إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ … » (١)، فكلُّ هذا الوَعيدِ لمَن لا يُؤدِّي حَقَّ الذَّهبِ والفِضةِ. وجاءَ في حَديثِ علِيٍّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فإذا كانَت لكَ مِئَتا دِرهَمٍ وحالَ عليها الحَولُ ففيها خَمسَةُ دَراهِمَ، وليسَ عليك شَيءٌ، يَعنِي في الذَّهبِ، حتى يَكُونَ لك عِشرونَ دِينارًا، فإذا كانَ لك عِشرونَ دِينارًا وحالَ عليها الحَولُ ففيها نِصفُ دِينارٍ» (٢). وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «وليسَ فيمَا دُونَ خَمسِ أَواقٍ من الورِقِ صَدقةٌ … » الحديث (٣). أمَّا الإِجماعُ: فقد أجمَعَ المُسلِمونَ في كلِّ العُصورِ على وُجوبِ الزَّكاةِ في النَّقدَينِ: الذَّهبِ والفِضةِ. نقَلَ ذلك ابنُ المنذِرِ وغيرُه (٤). مِقدارُ الواجِبِ في زَكاةِ النُّقودِ والذَّهبِ والفِضةِ: كما أجمَعَ العُلماءُ على وُجوبِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ والفِضةِ فقد أَجمَعوا على مِقدارِ الواجِبِ فيها. قال ابنُ قُدامةَ ﵀ (٥): لا نَعلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ في زَكاةِ

стр. 1895

الذَّهبِ والفِضةِ رُبعَ عُشرِهما (٢. ٥ بالمئةِ) وقد ثبَتَ ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وفي الرِّقَّةِ رُبعُ العُشرِ» (١). وقالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في مِئتَيْ دِرهَمٍ خَمسةُ دَراهِمَ (٢). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ أولَ النِّصابِ في أَجناسِ الأَثمانِ، وهي الذَّهبُ والفِضةُ مَضروبةً ومَكسورةً وتِبْرًا (٣) ونُقرةً (٤) عِشرونَ دِينارًا من الذَّهبِ، ومِئتا دِرهمٍ من الفِضةِ، فإذا بلَغَت الدَّراهمُ مِئتَيْ دِرهَمٍ، والذَّهبُ عِشرينَ دِينارًا، وحال عليه الحَولُ، ففيه رُبعُ عُشرِه (٥). ودَليلُهم في ذلك: ١ - ما رَواه ابنُ ماجَه والدَّارقُطنيُّ من حَديثِ ابنِ عُمرَ وعائِشةَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَأخذُ من كلِّ عِشرينَ دِينارًا فصاعِدًا نِصفَ دِينارٍ، ومِن الأَربَعينَ دِينارًا دِينارًا» (٦).

стр. 1896

٢ - ما رَواه عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه ﵁ مَرفوعًا: «ليسَ في أقَلَّ من عِشرينَ مِثقالًا من الذَّهبِ ولَا في أقَلَّ من مِئتَيْ دِرهَمٍ صَدقةٌ» (١). إذا زادَ على النِّصابِ (الوَقصُ): اختَلفَ الفُقهاءُ في زِيادةِ النِّصابِ فيهما، وهو الوَقصُ. فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ زيادَتُها بالحِسابِ، وإنْ قلَّت الزِّيادةُ، وألَّا وَقصَ في الذَّهبِ والفِضةِ، فلو كانَ عندَه (٢١٠) دَراهمَ ففي المِئتَيْن خَمسةُ دَراهمَ، وفي الزائِدِ بحِسابِه، وهو في المِثالِ رُبعُ دِرهمٍ. لِما ورَدَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا كانَت لك مِئَتا دِرهَمٍ وحالَ عليها الحَولُ ففيها خَمسَةُ دَراهِمَ، وليسَ عليك شَيءٌ، يَعنِي في الذَّهبِ، حتى يَكُونَ لك عِشرونَ دِينارًا، فإذا كانَ لك عِشرونَ دِينارًا وحالَ عليها الحَولُ ففيها نِصفُ دِينارٍ، فما زادَ فبحِسابِ ذلك» (٢). ولأنَّ الوَقصَ في السائِمةِ لتَجنُّبِ التَّشقيصِ ولا يَضرُّ في النَّقدَينِ (٣).

стр. 1897

وقالَ أبو حَنيفةَ: إنَّ الزائِدَ على النِّصابِ عَفوٌ لا شَيءَ فيه حتى يَبلُغَ خُمسَ نِصابٍ، فإذا بلَغَ الزائِدُ في الفِضةِ أربَعينَ دِرهمًا يَكونُ فيها دِرهمٌ، ثم لا شَيءَ في الزائِدِ حتى تَبلُغَ أربَعينَ دِرهمًا وهكذا، وكذا في الذَّهبِ لا شَيءَ في الزائِدِ على العِشرينَ مِثقالًا حتى يَبلُغَ أربَعةَ مَثاقيلَ. قال الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو زادَ على نِصابِ الفِضةِ شَيءٌ فلا شَيءَ في الزِّيادةِ حتى تَبلُغَ أربَعينَ فيَجبَ فيها دِرهَمٌ في قَولِ أَبي حَنيفةَ، وعلى هذا أبدًا في كلِّ أربَعينَ دِرهمٌ. وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ والشافِعيُّ: تَجبُ الزَّكاةُ في الزِّيادةِ بحِسابِ ذلك، قلَّت أو كثُرَت حتى لو كانَت الزِّيادُة دِرهمًا، يَجبُ فيه جُزءٌ من الأربَعينَ جُزءًا من دِرهمٍ، والمَسألةُ مُختلِفةٌ بينَ الصَّحابةِ ﵃: رُوي عن عُمرَ ﵁ مِثلُ قَولِ أَبي حَنيفةَ، ورُوي عن علِيٍّ وابنِ عُمرَ ﵄ مِثلُ قَولِهم. ولا خِلافَ في السَّوائمِ أنَّه لا شَيءَ في الزَّوائِدِ منها على النِّصابِ حتى تَبلُغَ نِصابًا. احتَجُّوا بما رُوي عن علِيٍّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «وما زادَ على المِئتَينِ فبحِسابِ ذلك»، وهذا نَصٌّ في البابِ؛ ولأنَّ شَرطَ النِّصابِ ثبَتَ مَعدولًا به عن القياسِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ عُرفَ وُجوبُها شُكرًا لنِعمةِ المالِ، ومَعنى النِّعمةِ يُوجَدُ في القَليلِ والكَثيرِ، وإنَّما عرَفْنا اشتِراطَه بالنَّصِّ وأنَّه ورَدَ في أصلِ النِّصابِ فبقِيَ الأمرُ في الزِّيادةِ على أصلِ القِياسِ، إلا أنَّ

стр. 1898

الزِّيادةَ في السَّوائمِ لا تُعتبَرُ ما لم تَبلُغْ نِصابًا دَفعًا لضَررِ الشَّركةِ؛ إذِ الشَّركةُ في الأَعيانِ عَيبٌ، وهذا المَعنى لم يُوجَدْ ههنا. ولأبي حَنيفةَ ما رُوي عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ في كِتابِ عَمرِو بنِ حَزمٍ: «فإذا بلَغَت مئتَينِ ففيها خَمسةُ دَراهِمَ، وفي كلِّ أربَعينَ دِرهمٌ، وليسَ فيما دونَ الأربَعينَ صَدقةٌ» (١). ورُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ لِمُعاذٍ حين وجَّهَه إلى اليَمنِ: «لا تَأخذْ من الكُسورِ شَيئًا، فإذا كانَ الورِقُ مِئتَيْ دِرهَمٍ فخُذْ منها خَمسةَ دَراهمَ، ولا تَأخذْ مما زادَ شَيئًا حتى يَبلُغَ أربَعينَ دِرهمًا فتَأخذَ منها دِرهمًا» (٢). ولأنَّ الأصلَ أنْ يَكونَ بعدَ كلِّ نِصابٍ عَفوٌ نَظرًا لأَربابِ الأَموالِ، كما في السَّوائمِ؛ ولأنَّ في اعتِبارِ الكُسورِ حَرجًا وهو مَدفوعٌ. وحَديثُ علِيٍّ ﵁ لم يَرفَعْه أحَدٌ من الثِّقاتِ، بل شَكُّوا في قَولِه: «وما زادَ على المِئتَينِ فبحِسابِ ذلك» أنَّ ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ أو قَولُ علِيٍّ. فإنْ كانَ قَولَ النَّبيِّ ﷺ يَكونُ حُجةً، وإنْ كانَ قَولَ علِيٍّ ﵁ لا يَكونُ حُجةً؛ لأنَّ المَسألةَ مُختلِفةٌ بينَ الصَّحابةِ ﵃، فلا يُحتَجُّ بقَولِ بعضٍ على بعضٍ، وبه تبيَّنَ أنَّه لا يَصلُحُ مُعارِضًا لِما رَويْنا وما

стр. 1899

ذكَروا من شُكرِ النِّعمةِ، فالجَوابُ منه ما ذكَرْنا فيما تقدَّمَ؛ لأنَّ مَعنى النِّعمةِ هو التَّنعُّمُ، ولا يَحصُلُ بما دونَ النِّصابِ ثم يَبطُلُ بالسَّوائمِ مع أنَّه قياسٌ في مُقابَلةِ النَّصِّ، وهو باطِلٌ واللهُ أعلَمُ (١). ضَمُّ الذَّهبِ إلى الفِضةِ في تَكميلِ النِّصابِ، وضَمُّ عُروضِ التِّجارةِ إليها: اختَلفَ العُلماءُ في ذلك على قَولَينِ. فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ، الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في إِحدى الرِّوايتَينِ إلى أنَّ الذَّهبَ والفِضةَ يُضمُّ أحدُهما إلى الآخَرِ في تَكميلِ النِّصابِ، فلو كانَ عندَه خَمسةَ عشَرَ مِثقالًا من الذَّهبِ، ومِئةٌ وخَمسونَ دِرهمًا من الفِضةِ فعليه الزَّكاةُ فيهما، وكذا إنْ كانَ عندَه من أحَدِهما نِصابٌ، ومن الآخَرِ مالٌ يَبلُغُ النِّصابَ يُزكَّيانِ جَميعًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَسُدُّ مَسَدَّ الآخَرِ ويَنوبُ مَنابَه، مِنْ كَونِه ثَمنًا لِلأشياءِ، وقيمًا للمُتلَفاتِ؛ فكانَ مِلكُ أحَدِهما كمِلكِ الآخَرِ، فجَرى مَجرى من ملَكَ أَنواعًا من الذَّهبِ، من جَيِّدٍ ورَديءٍ وتبْرٍ ومَصُوغٍ؛ ولأنَّ وُجوبَ زَكاتِهما رُبعُ العُشرِ في كلِّ حالٍ؛ ولأنَّه إذا كانَ معه مِئةُ دِرهَمٍ وعَرضٌ للتِّجارةِ يُساوي مِئةَ دِرهمٍ فإنَّه يَضمُّه إلى الدَّراهمِ ويُزكِّي الجَميعَ، أو يَكونُ كقيمةِ العَرضِ فيَجبُ ضَمُّه إلى ما عندَه من الورِقِ ويُزكِّي الجَميعَ. والمَعنى فيه قيامُ الذَّهبِ مَقامَ قيمةِ العُروضِ؛ ولأنَّ مَقاصدَهما وزَكاتَهما مُتفِقةٌ، فهما كنَوعَيِ الجِنسِ الواحِدِ.

стр. 1900

وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّه لا تَجبُ في أحَدِ الجِنسَينِ الذَّهبِ والفِضةِ زَكاةٌ حتى يَكتمِلَ وَحدَه نِصابًا حتى لو ملَكَ مِئتَينِ إلا دِرهمًا وعِشرينَ مِثقالًا إلا نِصفًا، أو غَيرَه، فلا زَكاةَ في واحِدٍ منهما؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ فيما دُونَ خَمسةِ أَواقٍ صَدقةٌ» (١)؛ ولأنَّهما مالان يَختلِفُ نِصابُهما، فلا يُضَمُّ أحدُهما إلى الآخَرِ كأَجناسِ الماشيةِ. ثم إنَّ القائِلينَ بالضَّمِّ اختلَفوا: هل يُضمُّ الذَّهبُ إلى الورِقِ، ويُكمِلُ النِّصابَ بالأَجزاءِ أو بالقيمةِ؟ فذهَبَ مالِكٌ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ وأحمدَ في رِوايةٍ إلى أنَّ الضَّمَّ يَكونُ بالأَجزاءِ، فلو كانَ عندَه خَمسةَ عشَرَ مِثقالًا ذَهبًا وخَمسونَ دِرهمًا فِضةً لوجَبَت الزَّكاةُ؛ لأنَّ الأولَ ثلاثةُ أرباعِ نِصابٍ والآخَرَ ربعُ نِصابٍ، فيَكملُ منها نِصابٌ، وكذا لو كانَ عندَه ثُلثُ نِصابٍ من أحَدِهما، وثُلثانِ من الآخَرِ، ونَحوُ ذلك. وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُضَمُّ أحدُهما إلى الآخَرِ بالتَّقويمِ في أحدِهما بالآخَرِ بما هو أحَظُّ للفُقراءِ، أي: يُضمُّ الأكثَرُ إلى الأقَلِّ. فلو كانَ عندَه نِصفُ نِصابِ فِضَّةٍ -مِئةُ دِرهمٍ- ورُبعُ نِصابِ ذَهبٍ -خَمسةُ دَنانيرَ- قيمَتُها مِئةُ دِرهمٍ، فعليه الزَّكاةُ؛ لأنَّ الضَّمَّ للمُجانَسةِ بينَ الذَّهبِ والفِضةِ، وهي تَتحقَّقُ باعتِبارِ القِيمةِ دونَ الصُّورةِ فيُضمُّ بها.

стр. 1901

أمَّا العُروضُ فتُضَمُّ قيمَتُها إلى الذَّهبِ أو الفِضةِ ويُكمَلُ بها نِصابُ كلٍّ منهما. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا. وقالَ الخَطابيُّ ﵀: ولا أعلمُ عامَّتَهم اختلَفوا فيه، وذلك؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تَجبُ في قيمَتِها، فتَقومُ بكلِّ واحِدٍ منهما، فتُضمُّ إلى كلِّ واحِدٍ منهما (١) وفي هذا المَعنى العُملةُ النَّقديَّةُ المُتداوَلةُ. زَكاةُ الأوراقِ النَّقديَّةِ: إنَّ مما لا شَكَّ فيه أنَّ الزَّكاةَ في الأوراقِ النَّقديَّةِ واجِبةٌ، نَظرًا لأنَّها عامَّةُ أَموالِ الناسِ، ورُؤوسُ أَموالِ التِّجاراتِ والشَّركاتِ، وأغلَبُ المُدخَراتِ، فلو قِيلَ بعَدمِ الزَّكاةِ فيها لَأدَّى إلى ضَياعِ الفُقراءِ والمَساكينِ. وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ [الذاريات: ١٩] ولا سيما أنَّها أصبَحت عُملةً نَقديَّةً مُتواضَعًا عليها في جَميعِ أَنحاءِ العالَمِ، ويَنبَغي تَقديرُ النِّصابِ فيها بالذَّهبِ أو الفِضةِ (٢).

стр. 1902

زَكاةُ المَوادِّ الثَّمينةِ الأُخرى غيرِ الذَّهبِ والفِضةِ: قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا زَكاةَ فيما سِوى الذَّهبِ والفِضةِ، من الجَواهرِ كالياقوتِ والفَيروزِ واللُّؤلؤِ والمَرجانِ والزُّمرُّدِ والزَّبَرجدِ والحَديدِ والصُّفرِ وسائِرِ النُّحاسِ والزُّجاجِ، وإنْ حسُنَت صِناعتُها وكثُرَت قيمَتُها، ولا زَكاةَ أيضًا في المِسكِ والعَنبَرِ، قالَ الشافِعيُّ ﵁ في «المُختصَر»: «ولا في حِليةِ بَحرٍ». قال أَصحابُنا: مَعناه: كلُّ ما يُستَخرَجُ منه فلا زَكاةَ فيه، ولا خِلافَ في شَيءٍ من هذا عندَنا، وبه قالَ جَماهيرُ العُلماءِ من السَّلفِ وغيرُهم. وحَكى ابنُ المنذِرِ وغيرُه عن الحَسنِ البَصريِّ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والزُّهريِّ وأبي يُوسفَ وإِسحاقَ بنِ راهوَيهِ أنَّهم قالوا: يَجبُ الخُمسُ في العَنبَرِ. قالَ الزُّهريُّ: وكذلك اللُّؤلؤُ، وحَكى أَصحابُنا عن عبدِ اللهِ بنِ الحَسنِ العَنبريِّ أنَّه قالَ: يَجبُ الخُمسُ في كلِّ ما يَخرجُ من البَحرِ سِوى السَّمكِ. وحَكى العَنبريُّ عن أحمدَ رِوايتَينِ: إحداهُما: كمَذهبِ الجَماهيرِ. والأُخرى: أنَّه أوجَبَ الزَّكاةَ في كلِّ ما ذكَرْنا إذا بلَغَت قيمَتُه نِصابًا، حتى في المِسكِ والسَّمكِ. ودَليلُنا: الأصلُ أنَّه لا زَكاةَ إلا فيما ثبَتَ الشَّرعُ فيه، وصحَّ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قالَ: «ليسَ في العَنبرِ زَكاةٌ إنَّما هو شَيءٌ دسَرَه البَحرُ»،

стр. 1903

وهو بدالٍ وسينٍ مُهمَلتينِ مَفتوحتَينِ: أي قذَفَه، ودفَعَه، فهذا الذي ذكَرْناه هو المُعتمَدُ في دَليلِ المَسألةِ. وأمَّا الحَديثُ المَرويُّ عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ : «لَا زَكاةَ في حَجرٍ»، فضَعيفٌ جِدًّا، رَواه البَيهَقيُّ وبيَّن ضَعفَه (١).

стр. 1904

فصل في زَكاةِ الحُلِيِّ زَكاةُ الحُلِيِّ: اختَلفَ العُلماءُ في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحةِ إذا كانَت مما يُلبَسُ ويُعارُ بعدَ إِجماعِهم على أنَّه يَجوزُ للنِّساءِ لُبسُ أَنواعِ الحُلِيِّ من الذَّهبِ والفِضةِ جَميعًا، كالطَّوقِ والعِقدِ والخاتَمِ والسِّوارِ والخَلخالِ والتَّعاويذِ والدَّمالجِ والقَرائدِ والمَخانقِ وكلِّ ما يُتَّخذُ في العُنقِ وغَيرِه وكلِّ ما يَعتَدنَ لُبسَه، ولا خِلافَ في شَيءٍ من هذا (١). إلا أنَّهم اختلَفوا في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحةِ إذا كانَت مما يُلبَسُ ويُعارُ على قَولَينِ: القَولُ الأولُ: وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةِ في المَذهبِ وأبي عُبيدٍ، وهو مَرويٌّ عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ وابنِ عُمرَ وأنَسٍ وعائِشةَ وأسماءَ بِنتِ أَبي بَكرٍ ﵃ وغَيرِهم: أنَّه لا يَجبُ في الحُلِيِّ المُباحةِ زَكاةٌ.

стр. 1905

أدلَّةُ هذا القَولِ: أولًا: أنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّممِ من التَّكاليفِ ما لم يَردْ بها دَليلٌ شَرعيٌّ صَحيحٌ، ولم يُوجَدْ هذا الدَّليلُ في زَكاةِ الحُلِيِّ، لا من نَصٍّ ولا من قِياسٍ على المَنصوصِ. ثانيًا: أنَّ الزَّكاةَ إنَّما تَجبُ في المالِ النامِي أو المُعدِّ لِلنَّماءِ، والحُلِيُّ ليسَت منهما؛ لأنَّها خَرجتْ عن النَّماءِ بصِناعتِها حُلِيًّا تُلبَسُ وتُستعمَلُ ويُنتفَعُ بها، فلا زَكاةَ فيها، كما في العَواملِ من الإبلِ والبَقرِ فقد خرَجَت باستِعمالِها في السَّقيِ والحَرثِ عن النَّماءِ، وسقَطَت عنها الزَّكاةُ. وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: إنَّ المُعتبَرَ في وُجوبِ الزَّكاةِ النَّماءُ دونَ غيرِه، فالزَّكاةُ تابِعةٌ له؛ لأنَّها تَجبُ بوُجودِه وتَسقُطُ بعَدمِه، يبيِّن ذلك أنَّ الزَّكاةَ على ضَربَينِ: منها ما تَجبُ الزَّكاةُ في عَينِه، ومنها ما لا تَجبُ الزَّكاةُ في عَينِه كالعُروضِ، ثم قد ثبَتَ أنَّ ما لا تَجبُ في عَينِه الزَّكاةُ إذا قُصدَ به الثَّمنُ وطُلبَ الفَضلُ وجَبَت الزَّكاةُ فيه، فوجَبَ أنْ تَكونَ ما في عَينِه الزَّكاةُ، إذا عُدلَ به عن طَلبِ النَّماءِ يُؤثِّرُ ذلك في سُقوطِ الزَّكاةِ عنه، ولا تَحتاجُ أنْ تَقولَ على وَجهٍ مُباحٍ؛ لأنَّ التأثيرَ إذا ثبَتَ لم يَبقَ إلا ما نَقولُه، وهذا يُمكنُ أنْ يُستدَلَّ به على أنَّه من قياسِ العَكسِ، ويُمكِنُ أنْ يَكونَ استِدلالًا مُبتَدأً (١).

стр. 1906

ثالثًا: يُؤيِّدُ هذا الاستِدلالَ ما صَحَّ عن عِدَّةٍ من الصَّحابةِ ﵃ من عَدمِ وُجوبِ الزَّكاةِ فيه. ١ - فعن نافِعٍ أنَّ ابنَ عمرَ ﵄: «كان يُحلِّي بَناتِه وجَواريَه الذَّهبَ ثُم لَا يُخرِجُ منه الزَّكاةَ» (١). ٢ - وعن ابنِ عُمرَ ﵄: «ليسَ في الحُليِّ زَكاةٌ» (٢). ٣ - وعن عَمرِو بن دِينَارٍ قالَ: «سَمِعتُ رَجلًا يَسألُ جابِرَ بن عبدِ اللَّهِ ﵁ عن الحُلِيِّ أَفِيه زَكاةٌ؟ فقالَ: جَابِرٌ: لَا. فقالَ: وإِنْ كانَ يَبلغُ أَلفَ دِينارٍ؟ فقالَ جَابِرٌ: كَثيرٌ»، وفي رِوايةٍ قالَ: «يُعارُ ويُلبسُ» (٣). ٤ - عن أَسْمَاءَ ﵂: «أنَّها كانَت لَا تُزكِّي الحُلِيَّ» (٤). ٥ - وما رَواه مالِكٌ في المُوطَّأِ عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ: «أنَّ عائشةَ زَوجَ النَّبيِّ ﷺ كانَت تَلِي بَناتِ أَخِيها يَتامَى في حِجرِها لهنَّ الحُلِيُّ فَلا تُخرِجُ من حُليِّهنَّ الزَّكاةُ» (٥).

стр. 1907

قال أبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: وهذا مَذهبٌ ظاهِرٌ بينَ الصَّحابةِ، وأعلَمُ الناسِ به عائِشةُ ﵂، فإنَّها زَوجُ النَّبيِّ ﷺ ، ومَن لا يَخفى عليها أمرُه في ذلك. وكذلك عبدُ اللهِ بنُ عمرَ، فإنَّ أُختَه حَفصةَ كانَت زَوجَ النَّبيِّ ﷺ ، وأمرُ حُليِّها لا يَخْفَى على النَّبيِّ ﷺ ، ولا يَخفى عليها حُكمُه فيها (١). وما يَدلُّ على انتِشارِ هذا بينَ الصَّحابةِ والتابِعينَ ما قالَه يَحيى بنُ سَعِيدٍ قالَ: سأَلتُ عَمرَةَ عن زَكاةِ الحُلِيِّ، فقالَت: «ما رَأيتُ أَحدًا يُزكِّيهِ» (٢). وعن الحَسنِ قالَ: لا نَعلَمُ أحدًا من الخُلفاءِ قالَ: «في الحُلِيِّ زَكاةٌ» (٣). رابِعًا: قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «يا مَعشرَ النِّساءِ، تَصدَّقنَ ولَو من حُليِّكنَّ» (٤). قال ابنُ العَربيِّ ﵀: هذا الحَديثُ يُوجِبُ بظاهِره أنَّه لا زَكاةَ في الحُلِيِّ بقَولِه لِلنِّساءِ: «تَصدَّقنَ ولو من حُليِّكنَّ»، ولو كانَت الصَّدقةُ فيها واجِبةً لَما ضرَبَ المَثلَ بها في صَدقةِ التَّطوُّعِ (٥). يَعني أنَّه لا يَحسُنُ أنْ يُقالَ للرِّجالِ: تَصدَّقوا ولو من الإبلِ السائِمةِ،

стр. 1908

أو تَصدَّقوا ولو مما أخرَجَت الأرضُ من القَمحِ، أو ممَّا أثمَرت النَّخيلُ من التَّمرِ، ما دامَت الصَّدقةُ في هذه الأَشياءِ لَازمةً ومَفروضةً، إنَّما يُقالُ مَثلًا: تَصدَّقْ ولو مِنْ لَبنِ بَقرَتِك، تَصدَّقْ ولو من طَعامِكم وزادِك، ونَحوُ ذلك مما لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ المَفروضةُ (١). الَقولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في مُقابِلِ الأصَحِّ، والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى وُجوبِ الزَّكاةِ في الحُليِّ المُباحةِ إذا بلَغَت نِصابًا، وحالَ عليها الحَولُ، سَواءٌ كانَ الحَلْيُ مَلبوسًا أو مُدَّخرًا أو مُعَدًّا لِلتِّجارةِ. أدِلَّةُ هذا القَولِ: ١ - العُموماتُ الوارِدةُ في القُرآنِ الكَريمِ، كقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤)﴾ [التوبة: ٣٤] ألحَقَ الوَعيدَ الشَّديدَ بكَنزِ الذَّهبِ والفِضةِ وتَركِ إنفاقِهما في سَبيلِ اللهِ من غيرِ فَصلٍ بينَ الحُليِّ وغيرِها، وكلُّ مالٍ لم تُؤدَّ زَكاتُه فهو كَنزٌ، فكانَ تاركًا أداءَ الزَّكاةِ منه كانِزًا، فيَدخلُ تحتَ الوَعيدِ ولا يَلحَقُ الوَعيدُ إلا بتَركِ الواجِبِ. ولأنَّ الحُليَّ مالٌ فاضِلٌ على الحاجةِ الأصليَّةِ؛ إذِ الإِعدادُ للتَّجمُّلِ والتَّزيُّنِ دَليلُ الفَضلِ على الحاجةِ الأصليَّةِ، فكانَ نِعمةً لحُصولِ التَّنعُّمِ به؛ فيَلزَمُه شُكرُها بإِخراجِ جُزءٍ منها لِلفُقراءِ (٢).

стр. 1909

٢ - لعُمومِ قَولِه ﷺ : «في الرِّقَّةِ رُبعُ العُشرِ» (١)، وقَولِه: «ليسَ فيما دُونَ خَمسةِ أَواقٍ صَدقةٌ» (٢)، مَفهومُه أنَّ فيها صَدقةً إذا بلَغَت خَمسَ أَواقٍ. ولعُمومِ قَولِه ﷺ في زَكاةِ الذَّهبِ: «ما من صاحِبِ ذَهبٍ ولا فِضةٍ لَا يُؤدِّي منها حقَّها إلا إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ صُفِّحَت له صَفائحُ من نارٍ فأُحمِيَ عليها في نارِ جَهنَّمَ فيُكوَى بها جَنبُه وجَبينُه وظَهرُه، كلَّما برَدَت أُعيدَت له في يَومٍ كانَ مِقدارُه خَمسينَ أَلفَ سَنةٍ حتى يُقضَى بينَ العِبادِ فيَرى سَبيلَه إمَّا إلى الجَنةِ وإمَّا إلى النَّارِ» (٣). ٣ - استدلُّوا أيضًا بما ورَدَ من الأَحاديثِ في زَكاةِ الحُليِّ خاصَّةً، والوَعيدِ لمَن لم يُخرِجْها: أ- بحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه: «أنَّ امرَأةً (٤) أَتتْ رَسولَ اللَّهِ ﷺ ومعَها ابنَةٌ لها، وفي يَدِ ابنَتِها مَسَكَتانِ غَليظَتانِ من ذَهبٍ، فقالَ لها: أتُعْطينَ زَكاةَ هذا؟ قالَت: لَا، قالَ: أيسُرُّكِ أنْ يُسوِّرَك اللهُ بهِما يَومَ القِيامَةِ سِوارَينِ من نارٍ؟ قالَ: فخلَعَتهُما فألقَتْهُما إلى النَّبيِّ ﷺ وقالَت: هُما للَّهِ ولرَسولِه» (٥).

стр. 1910

ب- عن عبدِ اللَّهِ بنِ شَدَّادِ بنِ الهادِ أَنَّهُ قالَ: «دخَلْنا على عائشةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ فقالَت: دخَلَ علَيَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ فرَأى في يدَيَّ فتَخاتٍ من ورِقٍ، فقالَ: ما هذا يا عائشةُ؟ فقُلتُ: صنَعتُهنَّ أتَزيَّنُ لك يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ: أتُؤدِّينَ زَكاتَهُنَّ؟ قُلتُ: لَا، أو ما شاءَ اللهُ، قالَ: هو حَسبُكِ من النَّارِ» (١). ج- ما رَواه أبو داودَ وغَيرُه عن أُمِّ سَلمةَ قالَت: «كُنْتُ أَلبَسُ أَوْضاحًا من ذَهبٍ فقُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، أَكَنْزٌ هو؟ فقالَ: ما بلَغَ أَنْ تُؤدَّى زَكاتُه فزُكِّيَ فليسَ بكَنزٍ» (٢)، (والأَوضاحُ: نَوعٌ من الحُلِيِّ). ٤ - الآثارُ الوارِدةُ عن بعضِ الصَّحابةِ مِثلَ: أ- أثرِ ابنِ مَسعودٍ: «أنَّه سأَلَته امرَأةٌ عن حُلِيٍّ لها أفيه زَكاةٌ؟ قالَ: إذا بلَغَ مِئتيْ دِرهَمٍ فزَكِّيه، قالَت: إنَّ في حِجْرِي أَيْتامًا، فأَدفَعُه إليهم؟ قالَ: نَعم» (٣). ب- أثرِ عمرَ: أنَّه كتَبَ إلَى أَبي مُوسَى «أَنِ اؤمُرْ مَنْ قِبَلَك من نِساءِ المُسلِمينَ أَنْ يَتصدَّقنَ من حُليِّهِنَّ [وفي رِوايةٍ: أنْ يُزكِّينَ] ولَا يَجعَلْنَ الهَديَّةَ والزِّيادَةَ تَعارُضًا بينَهنَّ» (٤).

стр. 1911

وهذا الخِلافُ بينَ العُلماءِ إنَّما هو في زَكاةِ الحُلِيِّ المُباحةِ. أمَّا الحُلِيُّ المُتخذةُ من ذَهبٍ أو فِضةٍ إنْ كانَ استِعمالُه مُحرَّمًا أو مَكروهًا مِثلَ أوانِي الذَّهبِ والفِضةِ والمِعلاقِ والمَجامرِ منهما وغيرِ ذلك فإنَّه تَجبُ فيه الزَّكاةُ بإِجماعِ المسلِمينَ، حَكاه النَّوويُّ وغيرُه (١).

стр. 1912

فصل في زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ التِّجارةُ: تَقليبُ المالِ بالبَيعِ والشِّراءِ لغَرضِ تَحصيلِ الرِّبحِ (١)، والعَرْضُ بسُكونِ الرَّاءِ، هو كلُّ ما سِوى النَّقدَينِ. قال الجَوهريُّ: العَرضُ المَتاعُ، وكلُّ شَيءٍ فهو عَرضٌ سِوى الدَّراهمِ والدَّنانيرِ فإنَّهما عَينٌ. وقالَ أبو عُبيدٍ: العُروضُ: الأمتِعةُ التي لا يَدخلُها كَيلٌ ولا وَزنٌ ولا يَكونُ حَيوانًا ولا عَقارًا، تَقولُ: اشتَريتُ المَتاعَ بعَرضٍ، أي: بمَتاعٍ مِثلِه. أمَّا العَرضُ بفَتحَتَينِ فهو شامِلٌ لكلِّ أنواعِ المالِ قَلَّ أو كثُرَ. قال أبو عُبيدٍ: جَميعُ مَتاعِ الدُّنيا عرَضٌ (٢)، وفي الحَديثِ: «ليس الغِنى عن كَثرَةِ العرَضِ» (٣). وعُروضُ التِّجارةِ جَمعُ عرْضٍ، بسُكونِ الراءِ، وهي في اصطِلاحِ

стр. 1913

الفُقهاءِ كلُّ ما أُعِدَّ لِلتِّجارةِ كائِنةً ما كانت، سَواءٌ مِنْ جِنسٍ تَجبُ فيه زَكاةُ العَينِ، كالإبلِ والبَقرِ والغَنمِ، أو لا، كالثِّيابِ والحَميرِ والبِغالِ (١). حُكْمُ الزَّكاةِ في عُروضِ التِّجارةِ: الزَّكاةُ في عُروضِ التِّجارةِ واجِبةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فالدَّليلُ الأولُ قَولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾. قال أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: وقد رُوي عن جَماعةٍ من السَّلفِ في قَولِه تَعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ أنَّه من التِّجاراتِ، منهم الحَسنُ ومُجاهِدٌ. وعُمومُ هذه الآيةِ يُوجِبُ الصَّدقةَ في سائِرِ الأَموالِ؛ لأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يَنتَظِمُها (٢). وقالَ أبو بَكرِ بنُ العَربيِّ ﵀: قَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قالَ عُلماؤُنا: قَولُه تَعالى: ﴿مَا كَسَبْتُمْ﴾ يَعني التِّجارةَ، ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ يَعني النَّباتَ. وتَحقيقُ هذا الاكتِسابِ على قِسمَينِ: منها ما يَكونُ من بَطنِ الأرضِ، وهو النَّباتاتُ كلُّها، ومنها ما يَكونُ من المُحاولةِ على الأرضِ، كالتِّجارةِ

стр. 1914

والنِّتاجِ والمُغاوَرةِ في بِلادِ العَدوِّ، والاصطيادِ؛ فأمرَ اللهُ تعالَى الأَغنياءَ من عِبادِه بأنْ يُؤتُوا الفُقراءَ مما آتاهم على الوَجهِ الذي فعَلَه رَسولُ اللهِ ﷺ (١). وقالَ الإمامُ الرَّازيُّ ﵀: ظاهِرُ الآيةِ يَدلُّ على وُجوبِ الزَّكاةِ في كلِّ مالٍ يَكتسِبُه الإِنسانُ، فيَدخُلُ فيه زَكاةُ التِّجارةِ، وزَكاةُ الذَّهبِ والفِضةِ، وزَكاةُ النَّعمِ؛ لأنَّ ذلك مما يُوصَفُ بأنَّه مُكتسَبٌ (٢). وقد بوَّبَ الإمامُ البُخاريُّ ﵀ في «صَحيحِه»: (بابُ صَدقةِ الكَسبِ والتِّجارةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآيةَ: إلى قَولِه: ﴿حَمِيدٌ﴾. قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: هكذا أورَدَ هذه التَّرجمةَ مُقتصِرًا على الآيةِ بغيرِ حَديثٍ، وكأنَّه أشار إلى ما رَواه شُعبةُ عن الحَكمِ عن مُجاهِدٍ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قالَ: من التِّجارةِ الحَلالِ (٣). الدَّليلُ الثاني: قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. قال الماوَرديُّ ﵀: والدِّلالةُ على وُجوبِ زَكاةِ التِّجارةِ قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، ﴿فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤]، وأَموالُ التِّجارةِ أعَمُّ الأَموالِ فكانَت أَولى بالإِيجابِ (٤).

стр. 1915

وقالَ ابنُ العَربيِّ ﵀: قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ عامٌّ في كلِّ مالٍ على اختِلافِ أَصنافِه وتَبايُنِ أَسمائِه واختِلافِ أغراضِه، فمَن أَرادَ أنْ يَخُصَّه بشَيءٍ فعليه الدَّليلُ (١). وقالَ أبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀ بعدَما ذكَرَ الآيةَ: وهذا عامٌّ فيُحمَلُ على عُمومِه إلا ما خَصَّه الدَّليلُ (٢). وقالَ الزَّركَشيُّ ﵀: والأصلُ في وُجوبِ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ (٣). وقالَ القُرطبيُّ ﵀: قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ مُطلَقٌ غيرُ مُقيَّدٍ بشَرطٍ في المَأخوذِ والمَأخوذِ منه، ولا تَبيينِ مِقدارِ المَأخوذِ ولا المَأخوذِ منه، وإنَّما بَيانُ ذلك في السُّنةِ والإِجماعِ، حسَبَ ما نَذكرُه فتُؤخَذُ الزَّكاةُ من جَميعِ الأَموالِ (٤). أمَّا السُّنةُ: فالدَّليلُ على وُجوبِ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ منها ما يَأتي: ١ - عن سمُرةَ بنِ جُندُبٍ ﵁ قالَ: بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ من سمُرةَ بنِ جُندُبٍ إلى بنِيه، سَلامٌ عليكم: «أمَّا بَعدُ؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَأمرُنا أَنْ نُخرِجَ الصَّدقةَ من الذي نُعِدُّ للبَيعِ» (٥).

стр. 1916

قال المُلَّا علِيٌّ القاري ﵀: وفيه دِلالةٌ ظاهِرةٌ بوُجوبِ زَكاةِ التِّجارةِ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: من الحُجةِ في إِيجابِ الصَّدقةِ في عُروضِ التِّجارةِ مع ما تَقدَّمَ من عَملِ العُمرَينِ ﵄ حَديثُ سمُرةَ بنِ جُندُبٍ عن النَّبيِّ ﷺ ذكَرَه أبو داودَ وغَيرُه بالإِسنادِ الحَسنِ عن سمُرةَ (٢). ٢ - عن أَبي ذَرٍّ ﵁ قالَ: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «في الإبلِ صَدقتُها وفي البَقرِ صَدقتُها وفي الغَنمِ صَدقتُها وفي البَزِّ صَدقتُه» (٣). ووَجهُ الدِّلالةِ منه: أنَّ البَزَّ هي الثِّيابُ أو مَتاعُ البَيتِ من الثِّيابِ ونَحوِها، كما في القاموسِ، فهو يَشمَلُ الأقمِشةَ. قال الماوَرديُّ ﵀: ومَعلومٌ أنَّ البَزَّ لا تَجبُ فيه زَكاةُ العَينِ فثبَتَ أنَّ الواجِبَ فيه زَكاةُ التِّجارةِ (٤). ٣ - عن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: أمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بالصَّدقةِ فقِيلَ: منَعَ ابنُ جَميلٍ وخَالدُ بنُ الوَليدِ وعَباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ، فقالَ النَّبيُّ

стр. 1917

ﷺ : «ما يَنقِمُ ابنُ جَمِيلٍ إلا أنَّه كانَ فَقِيرًا فأغْناهُ اللهُ ورَسولُه، وأمَّا خَالِدٌ فإنَّكُم تَظلِمونَ خَالِدًا، قد احْتَبسَ إِدراعَه وأَعتُدَه في سَبيلِ اللَّهِ، وأمَّا العَباسُ بنُ عبدِ الْمُطَّلبِ فعمُّ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فهي عليه صَدقةٌ وَمِثلُها معَها» (١). قال القاضِي عِياضٌ ﵀: وقيلَ: إنَّما طُولِبَ خالِدٌ بأَثمانِ الأدرُعِ والأَعتُدِ إذ كانَت للتِّجارةِ فأعلَمَهم ﷺ ، أنَّه لا زَكاةَ فيها؛ إذ قد حبَسَها (ففيه على هذا: إِثباتُ زَكاةِ التِّجارةِ، وهو قَولُ عامَّةِ العُلماءِ، خِلافًا لبعضِ المُتأخِّرينَ، وقد حَكى ابنُ المنذِرِ فيه الإِجماعَ) (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أهلُ اللُّغةِ: الأَعتادُ آلاتُ الحَربِ من السِّلاحِ والدَّوابِّ وغيرِها، والواحِدُ عَتادٌ، (بفَتحِ العَينِ) ويُجمَعُ أَعتادًا وأعتِدةً. ومَعنى الحَديثِ: أنَّهم طلَبوا من خالِدٍ زَكاةَ أَعتادِه ظَنًّا منهم أنَّها للتِّجارةِ، وأنَّ الزَّكاةَ فيها واجِبةٌ، فقالَ لهم: لا زَكاةَ لكم علَيَّ، فقالوا لِلنَّبيِّ ﷺ : إنَّ خالِدًا منَعَ الزَّكاةَ، فأخبَرَهم بأنَّهم يَظلِمونَه؛ لأنَّه حبَسَها ووقَفَها في سَبيلِ اللهِ قبلَ الحَولِ عليها، فلا زَكاةَ فيها. ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ المُرادُ: لو وجَبَت عليه زَكاةٌ لَأعْطاها ولم يَشِحَّ بها؛

стр. 1918

لأنَّه قد وقَفَ أَموالَه للهِ تعالَى مُتبَرِّعًا، فكيف يَشِحُّ بواجِبٍ؟ واستنبَطَ بعضُهم من هذا وُجوبَ زَكاةِ التِّجارةِ، وبه قالَ جُمهورُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ خِلافًا لِداودَ (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ورُويَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : بعَثَ عُمرَ ابنَ الخَطابِ مُصدِّقًا فرجَعَ شاكِيًا من خالدِ بنِ الوَليدِ، والعَباسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ وابنِ جَميلٍ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : أمَّا خالِدٌ فقد ظلَمتُموه؛ لأنَّه حبَسَ أدرُعَه وأعتُدَه في سَبيلِ اللهِ، والأعتُدُ: الخَيلُ، ومَعلومٌ أنَّ الأدرُعَ والخَيلَ لا تَجبُ فيها زَكاةُ العَينِ، فثبَتَ أنَّ الذي وجَبَ فيها زَكاةُ التِّجارةِ (٢). قال الطَّيبيُّ ﵀: وفيه دَليلٌ أيضًا على وُجوبِ الزَّكاةِ في أَموالِ التِّجارةِ، وإلا لَمَا اعتَذرَ النَّبيُّ عندَ مُطالَبةِ زَكاةِ مالِ التِّجارةِ على خالدٍ بهذا القَولِ. وقالَ: (قَولُه: قد احتسَبَها في سَبيلِ اللهِ) أنَّه احتسَبَها في سَبيلِ اللهِ وقصَدَ بإِعدادِها الجِهادَ دونَ التِّجارةِ، فلا زَكاةَ فيها؛ وأنتم تَظلِمونَه بأنْ تَعدُّوها من عُروضِ التِّجارةِ، فتَطلبوا الزَّكاةَ منها (٣).

стр. 1919

وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: واستدَلَّ به البُخاريُّ أيضًا على إِخراجِ العُروضِ في الزَّكاةِ، ووَجهُ ذلك أنَّهم ظَنُّوا أنَّها للتِّجارةِ؛ فطالَبوه بزَكاةِ قيمَتِها (١). وهناك أَحاديثُ أُخرى عامَّةٌ تُطالِبُ بالزَّكاةِ في سائِرِ الأَموالِ من غيرِ فَصلٍ بينَ مالٍ ومالٍ. أمَّا الإِجماعُ: فنقَلَ كَثيرٌ من أهلِ العِلمِ الإِجماعَ على وُجوبِ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ. ١ - قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ في العُروضِ التي يُرادُ بها التِّجارةُ الزَّكاةَ إذا حالَ عليها الحَولُ (٢). ٢ - قالَ أبو عُبيدٍ ﵀: فعلى هذا أَموالُ التِّجارةِ عندَنا، وعليه أجمَعَ المُسلِمونَ أنَّ الزَّكاةَ فَرضٌ واجِبٌ فيها، وأمَّا القَولُ الآخَرُ فليسَ من مَذاهبِ أهلِ العِلمِ عندَنا (٣). ٣ - قالَ ابنُ القَطَّانِ ﵀: وأَجمعَ أهلُ العِلمِ أنَّ في العُروضِ التي تُدارُ للتِّجارةِ الزَّكاةَ إذا حالَ عليها الحَولُ (٤).

стр. 1920

٤ - وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: الأئِمَّةُ الأربَعةُ وسائِرُ الأُمَّةِ -إلا مَنْ شَذَّ- مُتَّفِقونَ على وُجوبِها في عُروضِ التِّجارةِ (١). وممَّن نقَلَ الإِجماعَ أيضًا البَغَويُّ (٢) وابنُ عبدِ البَرِّ (٣) والطَّحاويُّ (٤) وأبو الوَليدِ الباجيُّ (٥) والزَّرقانِيُّ (٦) وابنُ هُبيرةَ (٧) وغَيرُهم.

стр. 1921

شُروطُ وُجوبِ الزَّكاةِ في العُروضِ: الشَّرطُ الأولُ: ألَّا يَكونَ لزَكاتِها سَببٌ آخَرُ غيرُ كَونِها عُروضًا للتِّجارةِ: السَّوائمُ التي للتِّجارةِ: لو كانَت لدَيْه سَوائمُ للتِّجارةِ بلَغَت نِصابًا فلا تَجتمِعُ زكاتان إِجماعًا؛ لحَديثِ: «لا ثِنَى في الصَّدقةِ» (١)، أي: لا تُؤخَذُ في السَّنةِ مرَّتَينِ، بل يَكونُ فيها زَكاةُ العَينِ عندَ المالِكيةِ والشافِعيِّ في الجَديدِ؛ لأنَّ زَكاةَ العَينِ أقوى؛ لأنَّها مُجمَعٌ عليها؛ ولأنَّها يُعرَفُ نِصابُها قَطعًا بالعَددِ والكَيلِ بخِلافِ التِّجارةِ فإنَّها تُعرَفُ ظَنًّا. كأنْ كانَ عندَه خَمْسٌ من الإبِلِ للتِّجارةِ ففيها شاةٌ، ولا تُعتبَرُ القيمةُ، فإنْ كانَت أقَلَّ من خَمسٍ فإنَّها تُقوَّمُ، فإنْ بلَغَت نِصابًا من الأَثمانِ وجَبَت فيها زَكاةُ القيمةِ. وذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّها تُزكَّى زَكاةَ التِّجارةِ؛ لأنَّها أحَظُّ لِلمَساكينِ؛ لأنَّها تَجبُ فيما زادَ بالحِسابِ؛ ولأنَّ الزائِدَ على النِّصابِ قد وُجدَ سَببُ وُجوبِ زَكاتِه، فيَجبُ كما لو لم يَبلغْ بالسَّومِ نِصابًا. لكنْ قالَ الحَنابِلةُ: إنْ بلَغَت عندَه نِصابَ سائِمةٍ ولم تَبلُغْ قيمَتُه نِصابًا من الأَثمانِ فلا تَسقُطُ الزَّكاةُ، بل تَجبُ زَكاةُ السائِمةِ، كمَن عندَه خَمسٌ من الإبِلِ لِلتِّجارةِ لم تَبلُغْ قيمَتُها مئتَيْ دِرهَمٍ، ففيها شاةٌ (٢).

стр. 1922

الشَّرطُ الثاني: تَملُّكُ العَرضَ بمُعاوَضةٍ: يُشتَرطُ أنْ يَكونَ قد تَملَّكَ العَرضَ بمُعاوَضةٍ كشِراءٍ بنَقدٍ أو عَرضٍ أو بدَينٍ حالٍّ أو مُؤجَّلٍ. وهذا مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ ومُحمدٍ، فلو ملَكَه بِإرثٍ أو هِبةٍ أو احتِطابٍ أو استِردادٍ بعَيبٍ واستِغلالِ أرضِه بالزِّراعةِ أو نَحوِ ذلك فلا زَكاةَ فيه. قالوا: لأنَّ التِّجارةَ كَسبُ المالِ ببَدَلٍ هو مالٌ، وقَبولُ الهِبةِ مَثلًا اكتِسابٌ بغيرِ بَدلٍ أصلًا. وعندَ الشافِعيةِ في مُقابِلِ الأصَحِّ أنَّ المَهرَ وعِوضَ الخُلعِ لا يُزكَّيانِ زَكاةَ التِّجارةِ. وقالَ الحَنابِلةُ وأبو يُوسفَ: الشَّرطُ أنْ يَكونَ مِلكَه بفِعلِه، سَواءٌ كانَ بمُعاوضةٍ أو غيرِها من أَفعالِه كالاحتِطابِ وقَبولِ الهِبةِ، فإنْ دخَلَ في مِلكِه بغيرِ فِعلِه كالمَوروثِ، أو مُضيِّ حَولِ التَّعريفِ في اللُّقطةِ فلا زَكاةَ فيه. وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ لا يُعتبَرُ أنْ يَملِكَ العَرضَ بفِعلِه ولا أنْ يَكونَ في مُقابِلِه عِوضٍ، بل أيِّ عَرضٍ نَواه لِلتِّجارةِ كانَ لها (١)؛ لحَديثِ سمُرةَ بنِ جُندُبٍ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَأمرُنا أنْ نُخرِجَ الصَّدقةَ من الذي نُعِدُّ للبَيعِ» (٢).

стр. 1923

الشَّرطُ الثالِثُ: نِيةُ التِّجارةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشتَرطُ في زَكاةِ مالِ التِّجارةِ أنْ يَكونَ نَوى عندَ شِرائِه أو تَملُّكِه أنَّه للتِّجارةِ، فليسَ كلُّ ما يَشتَريه الإِنسانُ من أَشياءَ وأمتِعةٍ وعُروضٍ يَكونُ مالَ تِجارةٍ، فقد يَشتَري ثيابًا لِلبسِها أو أثاثًا لبَيتِه أو دابَّةً أو سيارةً للرُّكوبِ فلا يُسمَّى شيءٌ من ذلك تِجارةً إلا بقَصدِ بَيعِه والرِّبحِ منه. فالإِعدادُ لِلتِّجارةِ يَتضمَّنُ عُنصُرَينِ: عَملًا ونِيةً، فالعَملُ هو البَيعُ والشِّراءُ، والنِّيةُ هي قَصدُ الرِّبحِ، فلا يَكفي في التِّجارةِ أحَدُ العُنصرَينِ دونَ الآخَرِ، لا يَكفي مُجرَّدُ النِّيةِ والرَّغبةِ في الرِّبِحِ دونَ مُمارَسةِ التِّجارةِ بالفِعلِ (١) ولا تَكفي المُمارَسةُ بغيرِ النِّيةِ والقَصدِ. والنِّيةُ المُعتبَرةُ هي ما كانَت مُقارِنةً لدُخولِه في مِلكِه؛ لأنَّ التِّجارةَ عَملٌ فيَحتاجُ إلى النِّيةِ مع العَملِ، فلو ملَكَه للقِنيةِ، ثم نَواه للتِّجارةِ لم يَصِرْ لها، ولو ملَكَه للتِّجارةِ ثم نَواه للقِنيةِ وألَّا يَكونَ للتِّجارةِ صارَ للقِنيةِ، وخرَجَ عن أنْ يَكونَ مَحلًّا للزَّكاةِ، ولو عادَ فنَواه للتِّجارِة؛ لأنَّ تَركَ التِّجارةِ من قَبيلِ التُّروكِ والتَّركَ يُكتَفى فيه بالنِّيةِ كالصَّومِ. قال أبو الوَليدِ الباجيُّ: الأَموالُ على ضَربَينِ: أحدُهما: مالٌ أصلُه التِّجارةُ كالذَّهبِ والفِضةِ، فهذا على حُكمِ التِّجارةِ حتى يَنتقِلَ عنه.

стр. 1924

ومالٌ أصلُه القِنيةِ كالعُروضِ والثِّيابِ وسائِرِ الحَيوانِ والأطعِمةِ فهذا على حُكمِ القِنيةِ حتى يَنتقِلَ عنه، فما كانَ أصلُه التِّجارةُ لم يَنتقِلْ إلى القِنيةِ إلا بالنِّيةِ والعَملِ، والعَملُ المُؤثِّرُ في ذلك أنَّ الصِّياغةَ وما كانَ أصلُه القِنيةَ لم يَنتقِلْ إلى التِّجارةِ إلا بالنِّيةِ والعَملِ، والعَملُ المُؤثِّرُ في ذلك الابتِياعُ، فمَن اشتَرى عَرضًا ولم يَنوِ به تِجارةً فهو على القِنيةِ حتى يُوجَدَ منه نِيةُ التِّجارةِ. ومَن ورِثَ عَرضًا يَنوي به التِّجارةَ فهو على القِنيةِ؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه عَملٌ يَنقُله إلى التِّجارةِ، فإذا ابتاعَه للتِّجارةِ فقد اجتَمعَ فيه النِّيةُ والعَملُ، فثبَتَ له حُكمُ التِّجارةِ لِما قدَّمْناه (١). وقالَ ابنُ القَطَّانِ ﵀ في «الإِقناع في مَسائِلِ الإِجماعِ»: وأَجمعَ الحَنفيُّونَ والمالِكيُّونَ والشافِعيُّونَ وغَيرُهم على أنَّ مَنْ اشتَرى سِلعًا للقِنيةِ ثم نَوى بها التِّجارةَ فلا زَكاةَ فيها (٢). أي: لا زَكاةَ فيها بمُجرَّدِ النِّيةِ، بل يَلزَمُ مع النِّيةِ العَملُ مِنْ بَيعٍ. قال الدُّسوقيُّ: ولأنَّ النِّيةَ سَببٌ ضَعيفٌ تُنقَلُ إلى الأصلِ، ولا تُنقَلُ عنه، والأصلُ في العُروضِ القِنيةُ. وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: لَما لم تَكُنِ العُروضُ للتِّجارةِ خِلقةً لا تَصيرُ لها إلا بقَصدِها فيه.

стр. 1925

وقالَ المالِكيةُ: ولو قرَنَ بنيَّةِ التِّجارةِ نيَّةَ استِغلالِ العَرضِ بأنْ يَنويَ عندَ شِرائِه أنْ يَكريَه وإنْ وجَدَ رِبحًا باعَه، ففيه الزَّكاةُ على المُرجَّحِ عندَهم، وكذا لو نَوى مع التِّجارةِ القِنيةَ بأنْ يَنويَ الانتِفاعَ بالشَّيءِ كرُكوبِ الدابَّةِ أو سُكنى المَنزِلِ ثم إنْ وجَدَ رِبحًا باعَه. قالوا: فإنْ ملَكَه للقِنيةِ فقط، أو لِلغلَّةِ فقط، أو لهما، أو بلا نيَّةٍ أصلًا فلا زَكاةَ عليه. وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إنِ اشتَرى شَيئًا لِلقِنيةِ كدابَّةٍ ليَركبَها ناويًا أنَّه إنْ وجَدَ رِبحًا باعَها، لم يَعدْ ذلك مالَ تِجارةٍ، بخِلافِ ما لو كانَ يَشتَري دَوابَّ ليُتاجِرَ فيها ويَربَحَ منها، فإذا ركِبَ دابَّةً منها واستعمَلها لنَفسِه حتى يَجدَ الرِّبحَ المَطلوبَ فيها فيَبيعَها، فإنَّ استِعمالَه لها لا يُخرِجُها عن التِّجارةِ؛ إذِ العِبرةُ في النيَّةِ بما هو الأصلُ، فما كانَ الأصلُ فيه الاقتِناءَ والاستِعمالَ الشَّخصيَّ لم يَجعلْه للتِّجارةِ مُجرَّدُ رَغبتِه في البَيعِ إذا وجَدَ رِبحًا، وما كانَ الأصلُ فيه الاتِّجارَ والبَيعَ، لم يُخرِجْه عن التِّجارةِ طُروءُ استِعمالِه. أمَّا إذا نَوى تَحويلَ عَرضٍ تِجاريٍّ مُعيَّنٍ إلى استِعمالِه الشَّخصيِّ فتَكفي هذه النيَّةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ لإِخراجِه من مالِ التِّجارةِ، وإِدخالِه في المُقتَنياتِ الشَّخصيةِ غيرِ الناميةِ (١).

стр. 1926

الشَّرطُ الرابِعُ: بُلوغُ النِّصابِ: ونِصابُ العُروضِ بالقيمةِ، ويُقوَّمُ بذَهبٍ أو فِضةٍ، فلا زَكاةَ فيما يَملِكُه الإِنسانُ من العُروضِ إنْ كانَت قيمَتُها أقَلَّ من نِصابِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ أو الفِضةِ، ما لم يَكنْ عندَه من الذَّهبِ أو الفِضةِ نِصابٌ أو تَكمِلةُ نِصابٍ. واختَلفَ الفُقهاءُ فيما تَقومُ به عُروضُ التِّجارةِ بالذَّهبِ أو بالفِضةِ. فذهَبَ الحَنابِلةُ وأبو حَنيفةَ فى رِوايةٍ عنه، وعليه المَذهبُ إلى أنَّها تَقومُ بالأحَظِّ لِلفُقراءِ، أي أنَّه يَقومُ بأَوْفى القِيمَتينِ من الذَّهبِ والفِضةِ حتى إنَّها إذا بلَغَت بالتَّقويمِ بالفِضةِ نِصابًا ولم تَبلُغْ بالذَّهبِ قُوِّمتْ بما تَبلُغُ به النِّصابَ. قالوا: لأنَّ الذَّهبَ والفِضةَ وإنْ كانَ في الثَّمنيةِ والتَّقويمِ بها سَواءً، رَجَّحْنا أحَدَهما بمُرجِّحٍ وهو النَّظرُ لِلفُقراءِ، والأخذُ بالاحتِياطِ أَوْلى، ألا تَرى أنَّه لو كانَ التَّقويمُ بأحَدِهما يَتِمُّ النِّصابُ وبالآخَرِ لا، فإنَّه يُقوَّمُ بما يَتِمُّ به النِّصابُ نَظرًا للفُقَراءِ واحتِياطًا، كذا هذا. وقالَ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه: إنَّ المالِكَ يُخيَّرُ فيما يُقوَّمُ به؛ لأنَّ الثَّمنَينِ في تَقديرِ قِيَمِ الأَشياءِ بها سَواءٌ. ووَجهُ هذه الرِّوايةِ: أنَّ وُجوبَ الزَّكاةِ في عُروضِ التِّجارةِ باعتِبارِ مَاليَّتِها دونَ أَعيانِها، والتَّقويمُ لِمَعرِفةِ مِقدارِ الماليَّةِ، والنَّقدانِ في ذلك سِيَّانِ؛ فكانَ الخيارُ إلى صاحِبِ المالِ يُقوِّمُه بأيِّهما شاءَ. ألَا تَرى أنَّ في السَّوائمِ عندَ الكَثرةِ، وهي ما إذا بلَغَت مِئتَينِ، الخيارَ إلى صاحِبِ المالِ إنْ شاءَ أدَّى أربَعَ حِقاقٍ، وإنْ شاءَ خَمسَ بَناتِ لَبونٍ، فكذا هذا.

стр. 1927

قال الكاسانِيُّ ﵀: ومَشايخُنا حَمَلوا هذه الرِّوايةَ على ما إذا كانَ لا يَتفاوَتُ النَّفعُ في حَقِّ الفُقراءِ بالتَّقويمِ بأيِّها كان؛ جَمعًا بينَ الرِّوايتَينِ. وذهَبَ الشافِعيةُ وأبو يُوسفَ من الحَنفيةِ: إلى أنَّه يُقوِّمُها بما اشتَرى به من النَّقدَينِ؛ لأنَّ المُشتَرى بَدلٌ، وحُكمُ البَدلِ يُعتبَرُ بأصلِه، فإذا كانَ مُشتَرًى بأحَدِ النَّقدَينِ فتَقويمُه بما هو أصلُه أَوْلى، قالوا: وإنِ اشتَراها بعَرضٍ قوَمَّها بالنَّقدِ الأغلَبِ في البَلدِ. وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: يُقوِّمُها بالنَّقدِ الأغلَبِ في البَلدِ على كلِّ حالٍ كما في المَغصوبِ والمُستهلَكِ. ووَجهُ قَولِه: إنَّ التَّقويمَ في حَقِّ اللهِ تعالَى يُعتبَرُ بالتَّقويمِ في حَقِّ العِبادِ. ثم إذا وقَعَت الحاجةُ إلى تَقويمِ شَيءٍ من حُقوقِ العِبادِ كالمَغصوبِ والمُستهلَكِ يُقوَّمُ بالنَّقدِ الأغلَبِ في البَلدةِ كذا هذا (١). ولم أجِدْ عندَ المالِكيةِ تَعرُّضًا لِما تُقوَّمُ به السِّلعُ. الشَّرطُ الخامِسُ: الحَولُ: والمُرادُ أنْ يَحولَ الحَولُ على عُروضِ التِّجارةِ فما لم يَحلْ عليها الحَولُ لا زَكاةَ فيه، بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ (٢).

стр. 1928

الشَّرطُ السادِسُ: تَقويمُ السِّلعِ: يَرى المالِكيةُ أنَّ التاجِرَ إمَّا أنْ يَكونَ مُحتكِرًا أو مُديرًا، والمُحتكِرُ هو الذي يَرصُدُ بسِلَعِه الأَسواقَ وارتِفاعَ الأَسعارِ، والمُديرُ هو مَنْ يَبيعُ بالسِّعرِ الحاضِرِ ثم يُخلِفُه بغيرِه، وهكذا، كالبقَّالِ ونَحوِه. فالمُحتكِرُ يُشتَرطُ لوُجوبِ الزَّكاةِ عليه أنْ يَبيعَ بذَهبٍ أو فِضةٍ يَبلُغُ نِصابًا، ولو في مَرَّاتٍ، وبعدَ أنْ يُكمِلَ ما باعَ به نِصابًا يُزكِّيه ويُزكِّي ما باعَ به بعدَ ذلك، وإنْ قَلَّ، فلو أقامَ العَرضَ عندَه سِنينَ فلم يَبعْ ثم باعَه فليسَ عليه فيه إلا زَكاُة عامٍ واحِدٍ يُزكِّي هذا المالَ الذي قبَضَه. أمَّا المُديرُ: فلا زَكاةَ عليه حتى يَبيعَ بشَيءٍ ولو قَلَّ كدِرهمٍ، وعلى المُديرِ الذي باعَ ولو بدِرهمٍ أنْ يُقوِّمَ عُروضَ تِجارتِه آخِرَ كلِّ حَولٍ، ويُزكِّيَ القيمةَ كما يُزكِّي النَّقدَ. وإنَّما فرَّقَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ بينَ المُديرِ والمُحتكِرِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما شُرعَت في الأَموالِ الناميةِ، فلو زكَّى السِّلعةَ كلَّ عامٍ (وقد تَكونُ كاسِدةً) نقَصَت عن شِرائِها؛ فيَتضرَّرُ فإذا زُكِّيت عندَ البَيعِ فإن كانَت ربِحَت فالرِّبحُ كانَ كامِنًا فيها فيُخرِجُ زَكاتَه؛ ولأنَّه ليسَ على المالِكِ أنْ يُخرِجَ زَكاةَ مالٍ من مالٍ آخَرَ. وبهذا يَتبيَّنُ أنَّ تَقويمَ السِّلعِ عندَ المالِكيةِ هو للتاجِرِ المُديرِ خاصَّةً دونَ التاجِرِ المُحتكِرِ، وأنَّ المُحتكِرَ ليسَ عليه لكلِّ حَولٍ زَكاةٌ

стр. 1929

فيما احتكَرَه، بل يُزكِّيه لِعامٍ واحِدٍ عندَ بَيعِه وقَبضِ ثَمنِه (١). أمَّا عندَ جُمهورِ العُلماءِ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ: فلا يُفرِّقونَ بينَ المُحتكِرِ وغَيرِه، فتَجبُ عليه الزَّكاةُ لكلِّ حَولٍ. واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ». فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ فيه في كلِّ حَولٍ؛ لأنَّه مالٌ تَجبُ الزَّكاةُ فيه في الحَولِ الأولِ، ولم يَنقُصْ عن النِّصابِ ولم تَتبدَّلْ صِفتُه، فوجَبَت زَكاتُه في الحَولِ الثانِي، كما لو نقَصَ في أوَّلِه (٢). إخراجُ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ هل تَكونُ نَقدًا أو من أعيانِ المالِ؟ ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ الأصلَ في زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ أنْ يُخرِجَها نَقدًا بنِسبةِ رُبعِ العُشرِ من قيمَتِها، فإنْ أَخرَجَ زَكاةَ القيمةِ من أحَدِ النَّقدَينِ أَجزَأه اتِّفاقًا. أمَّا إنْ أخرَجَ عُروضًا من العُروضِ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُجزِئُه ذلك أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزئُه أنْ يُخرجَ عُروضًا عن العُروضِ وإنَّما الواجِبُ عليه أنْ يُخرجَ الزَّكاةَ من قيمةِ

стр. 1930

العُروضِ؛ لأنَّ النِّصابَ مُعتبَرٌ بالقيمةِ، فكانَت الزَّكاةُ منها كالعَينِ في سائِرِ الأَموالِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ هنا تَزيدُ بزِيادةِ القيمةِ وتَنقُصُ بنُقصانِها ولا تَزيدُ بزِيادةِ العَرضِ ولا تَنْقُصُ بنُقصانِه (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في قَولٍ قَديمٍ عنه وضعَّفَه النَّوويُّ إلى أنَّ المالِكَ بالخيارِ عندَ حَولانِ الحَولِ؛ إنْ شاءَ أخرَجَ رُبعَ عُشرِ العَينِ، وإنْ شاءَ أخرَجَ رُبعَ عُشرِ القيمةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَتعلَّقُ بها فيُخيَّرُ بينَهما. قال الكاسانِيُّ: وأمَّا صِفةُ الواجِبِ في أَموالِ التِّجارةِ: فالواجِبُ فيها رُبعُ عُشرِ العَينِ، وهو النِّصابُ في قَولِ أَصحابِنا. وقالَ بعضُ مَشايخِنا: هذا قَولُ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ. وأمَّا على قَولِ أَبي حَنيفةَ فالواجِبُ فيها أحَدُ شَيئَينِ، إمَّا العَينُ أو القيمةُ، فالمالِكُ بالخيارِ عندَ حَولانِ الحَولِ، إنْ شاءَ أخرَج رُبعَ عُشرِ العَينِ وإنْ شاءَ أخرَجَ رُبعَ عُشرِ القيمةِ، وبَنَوا على بعضِ مَسائِلِ الجامِعِ فيمَن كانَت له مِئتا قَفيزِ حِنطةٍ للتِّجارةِ قيمَتُها مِئتا دِرهمٍ فحال عليها الحَولُ فلم يُؤدِّ زَكاتَها حتى تَغيَّر سِعرُها إلى النُّقصانِ حتى صارَت قيمَتُها مِئةَ دِرهَمٍ أو إلى الزيادةِ حتى صارَت قيمَتُها أربَعَمئةِ دِرهمٍ على قَولِ أَبي حَنيفةَ إنْ أدَّى من عَينِها يُؤدِّي خَمسةَ أقفِزةٍ في الزِّيادةِ والنُّقصانِ جَميعًا؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّه الواجِبُ من الأصلِ، فإنْ أدَّى القيمةَ يُؤدِّي خَمسةَ دَراهمَ في الزِّيادةِ والنُّقصانِ جَميعًا؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّها هي الواجِبةُ يَومَ الحَولِ.
следующие страницы →