← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

الشَّرطُ الرابِعُ: بُلوغُ النِّصابِ: ونِصابُ العُروضِ بالقيمةِ، ويُقوَّمُ بذَهبٍ أو فِضةٍ، فلا زَكاةَ فيما يَملِكُه الإِنسانُ من العُروضِ إنْ كانَت قيمَتُها أقَلَّ من نِصابِ الزَّكاةِ في الذَّهبِ أو الفِضةِ، ما لم يَكنْ عندَه من الذَّهبِ أو الفِضةِ نِصابٌ أو تَكمِلةُ نِصابٍ. واختَلفَ الفُقهاءُ فيما تَقومُ به عُروضُ التِّجارةِ بالذَّهبِ أو بالفِضةِ. فذهَبَ الحَنابِلةُ وأبو حَنيفةَ فى رِوايةٍ عنه، وعليه المَذهبُ إلى أنَّها تَقومُ بالأحَظِّ لِلفُقراءِ، أي أنَّه يَقومُ بأَوْفى القِيمَتينِ من الذَّهبِ والفِضةِ حتى إنَّها إذا بلَغَت بالتَّقويمِ بالفِضةِ نِصابًا ولم تَبلُغْ بالذَّهبِ قُوِّمتْ بما تَبلُغُ به النِّصابَ. قالوا: لأنَّ الذَّهبَ والفِضةَ وإنْ كانَ في الثَّمنيةِ والتَّقويمِ بها سَواءً، رَجَّحْنا أحَدَهما بمُرجِّحٍ وهو النَّظرُ لِلفُقراءِ، والأخذُ بالاحتِياطِ أَوْلى، ألا تَرى أنَّه لو كانَ التَّقويمُ بأحَدِهما يَتِمُّ النِّصابُ وبالآخَرِ لا، فإنَّه يُقوَّمُ بما يَتِمُّ به النِّصابُ نَظرًا للفُقَراءِ واحتِياطًا، كذا هذا. وقالَ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه: إنَّ المالِكَ يُخيَّرُ فيما يُقوَّمُ به؛ لأنَّ الثَّمنَينِ في تَقديرِ قِيَمِ الأَشياءِ بها سَواءٌ. ووَجهُ هذه الرِّوايةِ: أنَّ وُجوبَ الزَّكاةِ في عُروضِ التِّجارةِ باعتِبارِ مَاليَّتِها دونَ أَعيانِها، والتَّقويمُ لِمَعرِفةِ مِقدارِ الماليَّةِ، والنَّقدانِ في ذلك سِيَّانِ؛ فكانَ الخيارُ إلى صاحِبِ المالِ يُقوِّمُه بأيِّهما شاءَ. ألَا تَرى أنَّ في السَّوائمِ عندَ الكَثرةِ، وهي ما إذا بلَغَت مِئتَينِ، الخيارَ إلى صاحِبِ المالِ إنْ شاءَ أدَّى أربَعَ حِقاقٍ، وإنْ شاءَ خَمسَ بَناتِ لَبونٍ، فكذا هذا.

стр. 1927

قال الكاسانِيُّ ﵀: ومَشايخُنا حَمَلوا هذه الرِّوايةَ على ما إذا كانَ لا يَتفاوَتُ النَّفعُ في حَقِّ الفُقراءِ بالتَّقويمِ بأيِّها كان؛ جَمعًا بينَ الرِّوايتَينِ. وذهَبَ الشافِعيةُ وأبو يُوسفَ من الحَنفيةِ: إلى أنَّه يُقوِّمُها بما اشتَرى به من النَّقدَينِ؛ لأنَّ المُشتَرى بَدلٌ، وحُكمُ البَدلِ يُعتبَرُ بأصلِه، فإذا كانَ مُشتَرًى بأحَدِ النَّقدَينِ فتَقويمُه بما هو أصلُه أَوْلى، قالوا: وإنِ اشتَراها بعَرضٍ قوَمَّها بالنَّقدِ الأغلَبِ في البَلدِ. وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: يُقوِّمُها بالنَّقدِ الأغلَبِ في البَلدِ على كلِّ حالٍ كما في المَغصوبِ والمُستهلَكِ. ووَجهُ قَولِه: إنَّ التَّقويمَ في حَقِّ اللهِ تعالَى يُعتبَرُ بالتَّقويمِ في حَقِّ العِبادِ. ثم إذا وقَعَت الحاجةُ إلى تَقويمِ شَيءٍ من حُقوقِ العِبادِ كالمَغصوبِ والمُستهلَكِ يُقوَّمُ بالنَّقدِ الأغلَبِ في البَلدةِ كذا هذا (١). ولم أجِدْ عندَ المالِكيةِ تَعرُّضًا لِما تُقوَّمُ به السِّلعُ. الشَّرطُ الخامِسُ: الحَولُ: والمُرادُ أنْ يَحولَ الحَولُ على عُروضِ التِّجارةِ فما لم يَحلْ عليها الحَولُ لا زَكاةَ فيه، بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ (٢).

стр. 1928

الشَّرطُ السادِسُ: تَقويمُ السِّلعِ: يَرى المالِكيةُ أنَّ التاجِرَ إمَّا أنْ يَكونَ مُحتكِرًا أو مُديرًا، والمُحتكِرُ هو الذي يَرصُدُ بسِلَعِه الأَسواقَ وارتِفاعَ الأَسعارِ، والمُديرُ هو مَنْ يَبيعُ بالسِّعرِ الحاضِرِ ثم يُخلِفُه بغيرِه، وهكذا، كالبقَّالِ ونَحوِه. فالمُحتكِرُ يُشتَرطُ لوُجوبِ الزَّكاةِ عليه أنْ يَبيعَ بذَهبٍ أو فِضةٍ يَبلُغُ نِصابًا، ولو في مَرَّاتٍ، وبعدَ أنْ يُكمِلَ ما باعَ به نِصابًا يُزكِّيه ويُزكِّي ما باعَ به بعدَ ذلك، وإنْ قَلَّ، فلو أقامَ العَرضَ عندَه سِنينَ فلم يَبعْ ثم باعَه فليسَ عليه فيه إلا زَكاُة عامٍ واحِدٍ يُزكِّي هذا المالَ الذي قبَضَه. أمَّا المُديرُ: فلا زَكاةَ عليه حتى يَبيعَ بشَيءٍ ولو قَلَّ كدِرهمٍ، وعلى المُديرِ الذي باعَ ولو بدِرهمٍ أنْ يُقوِّمَ عُروضَ تِجارتِه آخِرَ كلِّ حَولٍ، ويُزكِّيَ القيمةَ كما يُزكِّي النَّقدَ. وإنَّما فرَّقَ الإمامُ مالِكٌ ﵀ بينَ المُديرِ والمُحتكِرِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ إنَّما شُرعَت في الأَموالِ الناميةِ، فلو زكَّى السِّلعةَ كلَّ عامٍ (وقد تَكونُ كاسِدةً) نقَصَت عن شِرائِها؛ فيَتضرَّرُ فإذا زُكِّيت عندَ البَيعِ فإن كانَت ربِحَت فالرِّبحُ كانَ كامِنًا فيها فيُخرِجُ زَكاتَه؛ ولأنَّه ليسَ على المالِكِ أنْ يُخرِجَ زَكاةَ مالٍ من مالٍ آخَرَ. وبهذا يَتبيَّنُ أنَّ تَقويمَ السِّلعِ عندَ المالِكيةِ هو للتاجِرِ المُديرِ خاصَّةً دونَ التاجِرِ المُحتكِرِ، وأنَّ المُحتكِرَ ليسَ عليه لكلِّ حَولٍ زَكاةٌ

стр. 1929

فيما احتكَرَه، بل يُزكِّيه لِعامٍ واحِدٍ عندَ بَيعِه وقَبضِ ثَمنِه (١). أمَّا عندَ جُمهورِ العُلماءِ أَبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمدَ: فلا يُفرِّقونَ بينَ المُحتكِرِ وغَيرِه، فتَجبُ عليه الزَّكاةُ لكلِّ حَولٍ. واستدَلُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا زَكاةَ في مَالٍ حتى يَحُولَ عليه الحَولُ». فإذا ثبَتَ هذا فإنَّ الزَّكاةَ تَجبُ فيه في كلِّ حَولٍ؛ لأنَّه مالٌ تَجبُ الزَّكاةُ فيه في الحَولِ الأولِ، ولم يَنقُصْ عن النِّصابِ ولم تَتبدَّلْ صِفتُه، فوجَبَت زَكاتُه في الحَولِ الثانِي، كما لو نقَصَ في أوَّلِه (٢). إخراجُ زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ هل تَكونُ نَقدًا أو من أعيانِ المالِ؟ ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ الأصلَ في زَكاةِ عُروضِ التِّجارةِ أنْ يُخرِجَها نَقدًا بنِسبةِ رُبعِ العُشرِ من قيمَتِها، فإنْ أَخرَجَ زَكاةَ القيمةِ من أحَدِ النَّقدَينِ أَجزَأه اتِّفاقًا. أمَّا إنْ أخرَجَ عُروضًا من العُروضِ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُجزِئُه ذلك أو لا؟ فذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُجزئُه أنْ يُخرجَ عُروضًا عن العُروضِ وإنَّما الواجِبُ عليه أنْ يُخرجَ الزَّكاةَ من قيمةِ

стр. 1930

العُروضِ؛ لأنَّ النِّصابَ مُعتبَرٌ بالقيمةِ، فكانَت الزَّكاةُ منها كالعَينِ في سائِرِ الأَموالِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ هنا تَزيدُ بزِيادةِ القيمةِ وتَنقُصُ بنُقصانِها ولا تَزيدُ بزِيادةِ العَرضِ ولا تَنْقُصُ بنُقصانِه (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ في قَولٍ قَديمٍ عنه وضعَّفَه النَّوويُّ إلى أنَّ المالِكَ بالخيارِ عندَ حَولانِ الحَولِ؛ إنْ شاءَ أخرَجَ رُبعَ عُشرِ العَينِ، وإنْ شاءَ أخرَجَ رُبعَ عُشرِ القيمةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَتعلَّقُ بها فيُخيَّرُ بينَهما. قال الكاسانِيُّ: وأمَّا صِفةُ الواجِبِ في أَموالِ التِّجارةِ: فالواجِبُ فيها رُبعُ عُشرِ العَينِ، وهو النِّصابُ في قَولِ أَصحابِنا. وقالَ بعضُ مَشايخِنا: هذا قَولُ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ. وأمَّا على قَولِ أَبي حَنيفةَ فالواجِبُ فيها أحَدُ شَيئَينِ، إمَّا العَينُ أو القيمةُ، فالمالِكُ بالخيارِ عندَ حَولانِ الحَولِ، إنْ شاءَ أخرَج رُبعَ عُشرِ العَينِ وإنْ شاءَ أخرَجَ رُبعَ عُشرِ القيمةِ، وبَنَوا على بعضِ مَسائِلِ الجامِعِ فيمَن كانَت له مِئتا قَفيزِ حِنطةٍ للتِّجارةِ قيمَتُها مِئتا دِرهمٍ فحال عليها الحَولُ فلم يُؤدِّ زَكاتَها حتى تَغيَّر سِعرُها إلى النُّقصانِ حتى صارَت قيمَتُها مِئةَ دِرهَمٍ أو إلى الزيادةِ حتى صارَت قيمَتُها أربَعَمئةِ دِرهمٍ على قَولِ أَبي حَنيفةَ إنْ أدَّى من عَينِها يُؤدِّي خَمسةَ أقفِزةٍ في الزِّيادةِ والنُّقصانِ جَميعًا؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّه الواجِبُ من الأصلِ، فإنْ أدَّى القيمةَ يُؤدِّي خَمسةَ دَراهمَ في الزِّيادةِ والنُّقصانِ جَميعًا؛ لأنَّه تَبيَّنَ أنَّها هي الواجِبةُ يَومَ الحَولِ.

стр. 1931

وعندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ إنْ أدَّى مِنْ عَينِها يُؤدِّي خَمسةَ أقفِزةٍ في الزِّيادةِ والنُّقصانِ جَميعًا، كما قالَ أبو حَنيفةَ، وإنْ أدَّى من القيمةِ يُؤدِّي في النُّقصانِ دِرهَمَيْن ونِصفًا وفي الزيادةِ عَشرةَ دَراهمَ؛ لأنَّ الواجِبَ الأصليَّ عندَهما هو رُبعُ عُشرِ العَينِ، وإنَّما له وِلايةُ النَّقلِ إلى القيمةِ يَومَ الأداءِ، فتُعتبَرُ قيمَتُها يَومَ الأداءِ، والصَّحيحُ أنَّ هذا مَذهبُ جَميعِ أَصحابِنا؛ لأنَّ المَذهبَ عندَهم أنَّه إذا هلَكَ النِّصابُ بعدَ الحَولِ تَسقُطُ الزَّكاةُ، سَواءٌ كانَ من السَّوائمِ أو من أَموالِ التِّجارةِ، ولو كانَ الواجِبُ أحدَهما غيرَ عَينٍ عندَ أَبي حَنيفةَ لتَعيَّنت القيمةُ عندَ هَلاكِ العَينِ على ما هو الأصلُ في التَّخييرِ بينَ شَيئَيْن إذا هلَكَ أحدُهما أنَّه يَتعيَّنُ الآخَرُ. وكذا لو وهَبَ النِّصابَ من الفَقيرِ ولم تَحضُرْه النيَّةُ أصلًا سقَطَت عنه الزَّكاةُ، ولو لم يَكنْ الواجِبُ في النِّصابِ عَينًا لَما سقَطَت، كما إذا وهَبَ منه غيرَ النِّصابِ، وكذا إذا باعَ نِصابَ الزَّكاةِ من السَّوائِمِ والساعِي حاضِرٌ إنْ شاءَ أخَذ من المُشتَري، وإنْ شاءَ أخَذَ من البائِعِ، ولولا أنَّ الواجِبَ رُبعُ عُشرِ العَينِ لَما ملَكَ الأخذَ من غيرِ المُشتَري فدَلَّ أنَّ مَذهبَ جَميعِ أَصحابِنا هذا، وهو أنَّ الواجِبَ رُبعُ عُشرِ العَينِ إلا عندَ أَبي حَنيفةَ، فالواجِبُ عندَ الحَولِ رُبعُ عُشرِ العَينِ من حيثُ إنَّه مالٌ لا من حيثُ إنَّه عَينٌ. وعندَهما الواجِبُ رُبعُ عُشرِ العَينِ من حيثُ الصُّورةُ والمَعنى جَميعًا لكنْ لمَن عليه حَقُّ النَّقلِ من العَينِ إلى القيمةِ وقتَ الأداءِ (١).

стр. 1932

وفي قَولٍ ثالِثٍ عندَ الشافِعيةِ قَديمٍ وضعَّفَه النَّوويُّ أيضًا أنَّه يَجبُ الإِخراجُ من العَرَض نَفْسِه ولا تُجزِئُ القيمةُ (١). وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عن تاجِرٍ: هل يَجوزُ أنْ يُخرِجَ من زَكاتِه الواجِبةِ عليه صِنفًا يَحتاجُ إليه؟ فأجاب: الحَمدُ للهِ، إذا أَعطاه دَراهمَ أجزَأَ بلا رَيبٍ. وأمَّا إذا أَعطاه القيمةَ، ففيه نِزاعٌ: هل يَجوزُ مُطلَقًا أو لا يَجوزُ مُطلَقًا، أو يَجوزُ في بعضِ الصُّورِ لِلحاجةِ أو المَصلحةِ الراجِحةِ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وهذا القَولُ أعدَلُ الأَقوالِ. فإنْ كانَ آخِذُ الزَّكاةِ يُريدُ أنْ يَشتريَ بها كِسوةً، فاشتَرى رَبُّ المالِ له بها كِسوةً وأَعطاه، فقد أحسَنَ إليه، وأمَّا إذا قوَّمَ هو الثِّيابَ التي عندَه وأَعطاه فقد يُقوِّمُها بأكثَرَ من السِّعرِ، وقد يَأخذُ الثِّيابَ مَنْ لا يَحتاجُ إليها، بل يَبيعُها فيُغرَّمُ أُجرةَ المُنادي، وربَّما خسِرَت فيَكونُ في ذلك ضَررٌ على الفُقراءِ. والأَصنافُ التي يُتَّجرُ فيها يَجوزُ أنْ يُخرَجَ عنها جَميعًا دَراهمُ بالقيمةِ، فإنْ لم يَكنْ عندَه دَراهمُ فأَعطى ثَمنَها بالقيمةِ، فالأظهَرُ أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه واسَى الفُقراءَ، فأَعطاهُم من جِنسِ مالِه (٢).

стр. 1933

رابِعًا: زَكاةُ الزُّروعِ والثِّمارِ: ثبَتَت فَرضيَّةُ الزَّكاةِ في الزُّروعِ والثِّمارِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ. أمَّا الكِتابُ: أ- فقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. والأمرُ بالإنفاقِ للوُجوبِ، وقد جعَلَه اللهُ تعالَى من مُقتَضى الإِيمانِ، والقُرآنُ كَثيرًا ما يُعبِّرُ عن الزَّكاةِ بالإِنفاقِ. قال الجَصاصُ ﵀: قَولُه تَعالى: ﴿أَنْفِقُوا﴾ المُرادُ به الصَّدقةُ، والدَّليلُ عليه قَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ يَعني: تَتصدَّقونَ، ولم يَختلِفِ السَّلفُ والخَلفُ أنَّ المُرادَ به الصَّدقةُ (١). ب- قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. قال الكاسانِيُّ ﵀: قالَ عامَّةُ أهلِ التَّأويلِ: إنَّ الحَقَّ المَذكورَ هو العُشرُ أو نِصفُ العُشرِ (٢). وأمَّا السُّنةُ فما يلي: أ- ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «فيمَا سَقَت السَّماءُ والعُيونُ أو كانَ عَثرِيًّا العُشرُ، وما سُقيَ بالنَّضحِ

стр. 1934

نِصفُ العُشرِ» (١)، والمُرادُ بالعَثريِّ: ما يَشرَبُ بعُروقِه من الأَرضِ من غيرِ سَقيٍ. ب- وعن جابِرٍ ﵁ أنَّه سمِعَ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «فيمَا سَقَت الأَنهارُ والغَيمُ العُشورُ، وفيمَا سُقيَ بالسَّانيَةِ نِصفُ العُشرِ» (٢). وغيرُ ذلك من الأَحاديثِ كما سيَأتي. وأمَّا الإِجماعُ: فقد أجمَعَت الأُمةُ على وُجوبِ العُشرِ أو نِصفِه فيما أَخرجَته الأرضُ في الجُملةِ، وإنِ اختلَفوا في التَّفاصيلِ (٣). الحاصِلاتُ الزِّراعيَّةُ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ: أجمَعَ العُلَماءُ على أنَّ في التَّمرِ (ثَمرِ النَّخلِ) والعِنبِ (ثَمرِ الكَرمِ) من الثِّمارِ، والقَمحِ والشَّعيرِ الزَّكاةَ إذا تمَّت شُروطُها، قالَه ابنُ المنذِرِ وابنُ عبدِ البَرِّ. قال ابنُ المنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الصَّدقةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ (٤).

стр. 1935

وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وأجمَعَ العُلماءُ كلُّهم من السَّلفِ والخَلفِ على أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ واختلَفوا فيما سِوى ذلك من الحُبوبِ (١). وقالَ أيضًا: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ فيما علِمْت أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ، وقالَت طائِفةٌ: لا زَكاةَ في غيرِها (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الصَّدقةَ واجِبةٌ في الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ، قالَه ابنُ المنذِرِ وابنُ عبدِ البَرِّ (٣). وإنَّما أَجمَعوا على ذلك لِما ورَدَ فيها من الأَحاديثِ. ثم اختَلفَ العُلماءُ فيما عَدا هذه الأَصنافِ الأربَعةِ: فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وزُفرُ إلى وُجوبِ الزَّكاةِ (العُشرِ أو نِصفِه) في كلِّ ما أخرَجَ اللهُ من الأرضِ، مما يُقصدُ بزراعَتِه نَماءُ الأرضِ من الثِّمارِ والحُبوبِ والخَضرواتِ والأَبازيرِ وغيرِها مما يُقصدُ به استِغلالُ الأرضِ، دونَ ما لا يُقصدُ به ذلك عادةً، كالحَطبِ والحَشيشِ والقَصبِ الفارِسيِّ (بخِلافِ قَصبِ السُّكرِ) والتِّبنِ وشَجرِ القُطنِ والباذِنجانِ وبَذرِ البِطيخِ والبُذورِ التي لِلأدويةِ كالحِلبةِ والشُّونيزِ، لكنْ لو قصَدَ بشَيءٍ من هذه الأنواعِ كلِّها أنْ يَشغَلَ أرضَه لِأجلِ الاستِنماءِ وجَبَت الزَّكاةُ، فالمَدارُ على القَصدِ.

стр. 1936

فلم يُشتَرطْ أنْ يَكونَ الخارِجُ من الأَقواتِ، ولا أنْ يَكونَ مما يَيبَسُ ويُدَّخرُ، ولا أنْ يَكونَ مما يُكالُ، ولا أنْ يَكونَ مَأكولًا. وحُجَّةُ أَبي حَنيفةَ ﵀ فيما ذهَبَ إليه: أولًا: عُمومُ قَولِه تَعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧] ولم يُفرِّقْ بينَ مُخرَجٍ ومُخرَجٍ. قال الفَخرُ الرازيُّ ﵀ في تَفسيرِ الآيةِ: ظاهِرُ الآيةِ يَدلُّ على وُجوبِ الزَّكاةِ في كلِّ ما تُنبِتُه الأرضُ على ما هو قَولُ أَبي حَنيفةَ، واستِدلالُه بهذه الآيةِ ظاهِرٌ جدًّا (١). ثانيًا: قَولُه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١]. وذلك بَعدَ ذِكرِ أنواعِ المَأكولاتِ من الجَناتِ -مَعروشاتٍ وغيرَ مَعروشاتٍ- والنَّخلِ والزَّرعِ، والزَّيتونِ والرُّمانِ، وأحَقُّ ما يُحمَلُ الحَقُّ عليه الخَضرواتُ؛ لأنَّها هي التي يَتيسَّرُ إِيتاءُ الحَقِّ منها يومَ القَطعِ، وأمَّا الحُبوبُ فيَتأخَّرُ الإِيتاءُ فيها إلى يَومِ التَّنقيةِ (٢). ثالثًا: قَولُه ﷺ : «فيمَا سَقَت السَّماءُ والعُيونُ أو كانَ عَثرِيًّا العُشرُ، وما سُقيَ بالنَّضحِ نِصفُ العُشرِ» (٣) من غيرِ فَصلٍ بينَ ما يَبقَى وما لا يَبقى وما يُؤكَلُ وما لا يُؤكَلُ وما يُقتاتُ وما لا يُقتاتُ؛ ولأنَّه يُقصدُ بزِراعَتِه نَماءُ الأرضِ واستِغلالُها فأشبَهَ الحَبَّ.

стр. 1937

وقد أيَّدَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ مَذهبَ أَبي حَنيفةَ هذا في «أَحكام القُرآنِ» (١) وفي شَرحِ التِّرمذيِّ قالَ ﵀: وأقوى المَذاهبِ في المَسألةِ مَذهبُ أَبي حَنيفةَ دَليلًا، وأحوَطُها للمَساكينِ، وأَولاها قيامًا بشُكرِ النِّعمةِ، وعليه يَدلُّ عُمومُ الآيةِ والحَديثِ (٢). وفي تَفسيرِ آيةِ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] أطالَ القَولَ في تَأييدِ مَذهبِ أَبي حَنيفةَ والرَّدِّ على المَذاهبِ الأُخرى. قال: أمَّا أبو حَنيفةَ فجعَلَ الآيةَ مِرآتَه، فأبصَرَ الحَقَّ فأَوجبَها في المَأكولِ قُوتًا كانَ أو غَيرَه، وبيَّنَ النَّبيُّ ﷺ ذلك في عُمومِ قَولِه: «وفِيما سَقَت السَّماءُ العُشرُ» … إلخ كَلامِه ﵀ (٣). وذهَبَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ صاحِبا أَبي حَنيفةَ إلى أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ إلا في الحُبوبِ وما له ثَمرةٌ باقيةٌ، وهي ما تبَقَّى عَينُه حَولًا من غيرِ تَكلُّفٍ ولا تَشميسٍ مما يُقتاتُ كالحِنطةِ والشَّعيرِ والذُّرةِ والدُّخنِ والأرُزِّ والجاورسِ والعَدسِ والماشِ واللُّوبيا -وهي الدُّخنُ- والحِمَّصِ والبُرَعيِّ والهِندِباءِ والتَّمرِ والزَّبيبِ وما أشبَهَ ذلك ممَّا يُقصدُ به الأكلُ وهو يَبقى سَنةً أو يُنتفَعُ به انتِفاعًا عامًّا كالزَّعفرانِ والعُصفُرِ والفُلفُلِ والكَمُّونِ والخَردلِ والكُزبَرةِ، ففيه العُشرُ وفي السِّمسِمِ العُشرُ، فإنْ عُصرَ قبلَ أنْ يُؤخذَ منه العُشرُ أُخذَ من

стр. 1938

دُهنُه ولم يُؤخذْ من الشُّجَيرةِ شَيءٌ، وكذا الزَّيتونُ على هذا، ويَجبُ العُشرُ في الجَوزِ واللَّوزِ والبَصلِ والثُّومِ في الصَّحيحِ، ولا عُشرَ في الأَدويةِ كالسَّعتَرِ والشُّونيزِ والحَلفِ والحِلبةِ، وقيلَ: يَجبُ في الشُّونيزِ العُشرُ وهو الحَبَّةُ السَّوداءُ، ولا شَيءَ في الخِطميِّ والوَسمةِ وبَزْرِه ولا في الأُشنانِ ولا فيما يَخرجُ من الخَشبِ كالقَطِرانِ والسُّلتِ والقَتِّ والصَّمغِ، ولا شَيءَ في بَزْرِ الباذِنجانِ والجَزرِ ولا في بَزرِ القِثَّاءِ والبِطيخِ والدُّبَّاءِ والخيارِ؛ لأنَّ هذه الأشياءَ لا تَصلُحُ إلا للزِّراعةِ دونَ الأكلِ، ولعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَيسَ في الخَضرَواتِ صَدقةٌ» (١) وهذا نَصٌّ (٢). وذهَبَ المالِكيةُ إلى التَّفريقِ بينَ الثِّمارِ والحُبوبِ، فأمَّا الثِّمارُ فلا يُؤخذُ منها زَكاةٌ إلا التَّمرَ والعِنبَ. وأمَّا الحُبوبُ فيُؤخَذُ من الحِنطةِ والشَّعيرِ والسُّلتِ والذُّرةِ والدُّخنِ والأرُزِّ والعَلَسِ ومن القَطانِيِّ السَّبعةِ الحِمَّصِ والفُولِ والعَدسِ واللُّوبيا والتُّرمُسِ والجُلبَّانِ والبَسيلةِ، وذَواتِ الزَّيتونِ الأربَعِ: الزَّيتونِ والسِّمسِمِ والقُرطُمِ وحَبِّ الفُجلِ فهي كلُّها عِشرونَ جِنسًا، لا يُؤخَذُ من شَيءٍ سِواها زَكاةٌ، فلا تَجبُ في جَوزٍ ولَوزٍ وكَتانٍ وبِرسيمٍ وحِلبةٍ وسَلجَمٍ وتِينٍ.

стр. 1939

ومَحلُّ عَدمِ وُجوبِ الزَّكاةِ فيما ذُكرَ وغيرِه ما لم تَكنْ من عُروضِ التِّجارةِ وإلا زُكِّيت (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في شَيءٍ من الزُّروعِ والثِّمارِ إلا ما كانَ قُوتًا، والقُوتُ: هو ما به يَعيشُ البَدنُ غالِبًا دونَ ما يُؤكَلُ تَنعُّمًا أو تَداويًا. فلا تَجبُ الزَّكاةُ في الثِّمارِ إلا في العِنبِ والتَّمرِ فقط دونَ غيرِها، فلا تَجبُ في التِّينِ والتُّفاحِ والسَّفرجلِ والرُّمانِ والخَوخِ والجَوزِ واللَّوزِ والمَوزِ وأَشباهِها وسائِرِ الثِّمارِ سِوى الرُّطبِ والعِنبِ؛ لأنَّ ثَمرَ النَّخلِ والكَرمِ (العِنبِ) تَعظُمُ مَنفَعتُهما؛ لأنَّهما من الأَقواتِ والأَموالِ المُدَّخَرةِ المُقتاتةِ فهي كالأَنعامِ في المَواشي، أمَّا الحُبوبُ فلا تَجبُ في شَيءٍ منها إلا فيما يُقتادُ ويُدَّخرُ كالحِنطةِ والشَّعيرِ والأرُزِّ والعدَسِ والذُّرةِ والحِمَّصِ والبَاقلَّاءِ وغيرِ ذلك ممَّا يُقتاتُ ويُدَّخَرُ، ولا زَكاةَ عندَهم في الخَضرَواتِ. قال النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: ويَخرُجُ عن المُقتاتِ الخَضرَواتُ، والقِثَّاءُ، والتُّرمُسُ، والسِّمسِمُ، والكَمُّونُ، والكَراويا، والكُزبَرةُ. قال البَندَنيجيُّ: ويُقالُ لها: الكُسبَرةُ أيضًا، وبَزرُ القُطنِ وبَزرُ الكَتانِ وبَزرُ الفُجلِ، وغيرُ ذلك مما يُشبِهُه فلا زَكاةَ في شَيءٍ من ذلك عندَنا بلا خِلافٍ (٢).

стр. 1940

واستدَلُّوا على ذلك بحَديثِ مُعاذِ بنِ جَبلٍ ﵁ وفيه: «فأمَّا القِثاءُ والبِطيخُ والرُّمانُ والقَصبُ والخَضراواتُ فعَفوٌ عَفا عنه رَسولُ اللَّهِ ﷺ » (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في كلِّ ما استَنبَته الآدميُّونَ من الحُبوبِ والثِّمارِ وكان مما يَجمَعُ وَصفَينِ: الكَيلَ واليُبسَ مع البَقاءِ (أي: إِمكانيةِ الادِّخارِ) وهذا يَشمَلُ أنواعًا سَبعةً: الأولُ: ما كانَ قُوتًا كالحِنطةِ والشَّعيرِ والأرُزِّ والذُّرةِ وَالدُّخنُ. الثاني: القُطنيَّاتُ كالفُولِ والعَدَسِ والماشِ والحِمَّصِ واللُّوبيا. الثالثُ: الأَبازيرُ، كالكُسبَرةِ، والكَمُّونِ، والكَراويا. الرابِعُ: البُذورُ كبَذرِ الخيارِ، وبَذرِ البِطيخِ، وبَذرِ القِثاءِ وغيرِها ممَّا يُؤكلُ أو لا يُؤكلُ كبَذرِ الكَتّانِ وبُذورِ القُطنِ وبُذورِ الرَّياحينِ. الخامِسُ: حَبُّ البُقولِ، كالرَّشادِ وحَبِّ الفُجلِ والقُرطُمِ، والتُّرمُسِ والحِلبةِ والخَردَلِ. السادِسُ: الثِّمارُ التي تُجفَّفُ وتُدَّخرُ كاللَّوزِ والفُستُقِ والبُندُقِ والزَّبيبِ.

стр. 1941

السابِعُ: ما لم يَكنْ حَبًّا ولا ثَمرًا لكنَّه يُكالُ ويُدَّخرُ كسَعتَرٍ وسُماقٍ أو ورَقِ شَجرٍ يُقصدُ كالسِّدرِ والخِطميِّ والآسِ. قالوا: ولا تَجبُ الزَّكاةُ فيما عدا ذلك كالخَضراواتِ كلِّها، وكثِمارِ التُّفاحِ والمِشمِشِ والتِّينِ والتُّوتِ والمَوزِ والرُّمانِ والبُرتُقالِ وبَقيَّةِ الفَواكِهِ، ولا في الجَوزِ، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ؛ لأنَّه مَعدودٌ، ولا تَجبُ في القَصبِ ولا في البُقولِ كالفُجلِ والبَصلِ والكُرَّاثِ ولا في نَحوِ القُطنِ والقُنَّبِ والكَتّانِ والعُصفُرِ والزَّعفَرانِ ونَحوِ جَريدِ النَّخلِ وخُوصِه ولِيفِه. واحتجَّ الحَنابِلةُ على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ فِيما دُونَ خَمسةِ أَوساقٍ من تَمرٍ ولا حَبٍّ صَدقةٌ» (١)، فدَلَّ على اعتبارِ الكَيلِ، وأمَّا الادِّخارُ؛ فلأنَّ غيرَ المُدخَرِ لا تَكمُلُ فيه النِّعمةُ لعَدمِ النَّفعِ به مآلًا. وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ -ورُوي ذلك عن الحَسنِ وابنِ سِيرينَ والشَّعبيِّ، وقالَ به من الكُوفيِّينَ ابنُ أَبي لَيلى وسُفيانُ الثَّوريُّ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وابنُ المُبارَكِ ويَحيَى بنُ آدَمَ وإليه ذهَبَ أبو عُبيدٍ-: إلى أنَّه لا زَكاةَ في شَيءٍ غيرِ هذه الأَجناسِ الأربَعةِ -الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ-؛ لأنَّ ما عدا هذا لا نَصَّ فيه ولا إِجماعَ، ولا هو في مَعنى المَنصوصِ عليه ولا المُجمَعِ عليه فيَبقَى على الأصلِ؛ ولأنَّها أغلَبُ الأَقواتِ، ولا يُساويها في هذا المَعنى وفي كَثرةِ نَفعِها شَيءٌ غَيرُها فلا يُقاسُ عليها شَيءٌ (٢).

стр. 1942

واحتَجُّوا أيضًا بما رَواه ابنُ أَبي شَيبةَ عن عَمْرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّهِ عنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «العُشرُ في التَّمرِ والزَّبيبِ والحِنطَةِ والشَّعيرِ» (١). وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن عَمْرِو بنِ عُثمانَ عن موسى بنِ طَلحةَ «أنَّ مُعاذًا لمَّا قدِمَ اليَمنَ لم يَأخذِ الزَّكاةَ إلَّا من الحِنطةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ» (٢). حدَّثَنا وَكيعٌ عن طَلحةَ بنِ يَحيَى عن أَبي بُردةَ عن أَبي موسى الأشعَريِّ «أنَّهُ لم يَأخذْها إلاَّ من الحِنطَةِ والشَّعيرِ والتَّمرِ والزَّبيبِ» (٣). ومِثلُ هذا يَبعُدُ أنْ يَكونَ رَأيًا منه، وقد رُويَ ذلك عن أَبي موسى عن النَّبيِّ ﷺ مَرفوعًا (٤). واحتجُّوا -ما عدا أبا حَنيفةَ- على انتِفاءِ الزَّكاةِ في الخُضرِ والفَواكهِ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ في الخَضرَواتِ صَدقةٌ» (٥). وعلى انتِفائِها في نَحوِ الرُّمانِ والتُّفاحِ من الثِّمارِ بما ورَدَ أنَّ سُفيانَ بنَ عبدِ اللهِ الثَّقفيَّ -وكان عامِلًا لِعمرَ على الطائِفِ- كانَ قِبَلَه حِيطانٌ فيها من الفِرسِكِ (الخَوخِ) والرُّمانِ ما هو أكثَرُ من غَلةِ الكُرومِ (العِنبِ) أَضعافًا،

стр. 1943

فكتَبَ يَستأمِرُ في العُشرِ فكتَبَ إليه عُمرُ أنْ ليسَ عليها عُشرٌ، وقالَ: هي من العُفاةِ كلُّها وليسَ فيها عُشرٌ (١). لا يُشتَرطُ الحَولُ في زَكاةِ الزُّروعِ والثِّمارِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يُشتَرطُ الحَولُ في زَكاةِ الزُّروعِ والثِّمارِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] وإنَّما لم يُعتبَرِ الحَولُ؛ لأنَّه يَكمُلُ نَماؤُه باستِحصادِه لا ببَقائِه؛ لأنَّ الخارِجَ نَماءٌ في ذاتِه، فوجَبَت فيه الزَّكاة فَورًا، كالمَعدِنِ، بخِلافِ سائِرِ الأَموالِ الزَّكويةِ، فإنَّما اشتُرطَ فيها الحَولُ ليُمكِنَ فيه الاستِثمارُ (٢). النِّصابُ في زَكاةِ الزُّروعِ والثِّمارِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الزُّروعِ والثِّمارِ هل يُشتَرطُ أنْ تَبلُغَ النِّصابَ حتى تَجبَ فيها الزَّكاةُ أو أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في قَليلِها وكَثيرِها، ولا يُشتَرطُ لها النِّصابُ؟ فذهَبَ جُمهورُ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ وغَيرُهم من العُلماءِ إلى أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ في شَيءٍ من الزُّروعِ والثِّمارِ حتى تَبلُغَ نِصابًا، وهو خَمسةُ أوسُقٍ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ فيمَا دُونَ خَمسةِ أَوسُقٍ صَدقةٌ» (٣)؛ لأنَّه مالٌ تَجبُ فيه الصَّدقةُ، فلم تَجبْ في يَسيرِه كسائرِ الأَموالِ الزَّكويَّةِ.

стр. 1944

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ النِّصابُ لزَكاةِ الزُّروعِ والثِّمارِ، بل هي واجِبةٌ في القَليلِ والكَثيرِ ما لم يَكنْ أقَلَّ من نِصفِ صاعٍ؛ لعُمومِ قَولِه ﷺ : «فيمَا سَقَت السَّماءُ العُشرُ» (١). قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم: مُعارَضةُ العُمومِ للخُصوصِ، أمَّا العُمومُ فقَولُه ﵊: «فيمَا سَقَت السَّماءُ العُشرُ وفيمَا سُقيَ بالنَّضحِ نِصفُ العُشرِ» (٢). وأمَّا الخُصوصُ فقَولُه ﷺ : «ليسَ فيمَا دُونَ خَمسةِ أَوسُقٍ صَدقةٌ»، والحَديثانِ ثابِتانِ، فمَن رَأى أنَّ الخُصوصَ يُبنَى على العُمومِ قالَ: لا بدَّ من النِّصابِ وهو المَشهورُ، ومَن رَأى أنَّ العُمومَ والخُصوصَ مُتعارِضان إذا جُهلَ المُتقدِّمُ فيهما والمُتأخِّرُ؛ إذ كانَ قد يُنسَخُ الخُصوصُ بالعُمومِ عندَه، ويُنسَخُ العُمومُ بالخُصوصِ؛ إذ كلُّ ما وجَبَ العَملُ به جازَ نَسخُه، والنَّسخُ قد يَكونُ للبعضِ وقد يَكونُ للكلِّ، ومَن رجَّحَ العُمومَ قالَ: لا نِصابَ، ولكِنَّ حَملَ الجُمهورِ عندِي الخُصوصَ على العُمومِ هو من بابِ تَرجيحِ الخُصوصِ على العُمومِ في الجُزءِ الذي تَعارَضا فيه، فإنَّ العُمومَ فيه ظاهِرٌ والخُصوصَ فيه نَصٌ، فتأمَّلْ هذا؛ فإنَّه السَّببُ الذي صيَّرَ الجُمهورَ إلى أنْ يَقولوا: بُني العامُّ على الخاصِّ وعلى الحَقيقةِ ليسَ بُنيانًا؛ فإنَّ التَّعارُضَ بينَهما مَوجودٌ، إلا أنْ يَكونَ الخُصوصُ مُتَّصِلًا بالعُمومِ فيَكونَ استِثناءً.

стр. 1945

واحتِجاجُ أَبي حَنيفةَ في النِّصابِ بهذا العُمومِ فيه ضَعفٌ، فإنَّ الحَديثَ إنَّما خُرِّجَ مُخرَجَ تَبيِينِ القَدرِ الواجِبِ منه (١). وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: يَجبُ العَملُ بكِلا الحَديثَينِ، ولا يَجوزُ مُعارَضةُ أحَدِهما بالآخَر، وإلغاءُ أحدِهما بالكُلِّيةِ؛ فإنَّ طاعةَ الرَّسولِ فَرضٌ في هذا وفي هذا، ولا تَعارُضَ بينَهما بحَمدِ اللهِ تَعالى، بوَجهٍ من الوُجوهِ؛ فإنَّ قَولَه: «فيمَا سَقَت السَّماءُ العُشرُ»، إنَّما أُريدَ به التَّمييزُ بينَ ما يَجبُ فيه العُشرُ وما يَجبُ فيه نِصفُه، فذِكرُ النَّوعَينِ مُفرَّقًا بينَهما في مِقدارِ الواجِبِ. وأمَّا مِقدارُ النِّصابِ؛ فسكَتَ عنه في هذا الحَديثِ، وبيَّنَه نَصًّا في الحَديثِ الآخَرِ، فكيفَ يَجوزُ العُدولُ عن النَّصِّ الصَّحيحِ الصَّريحِ المُحكمِ -الذي لا يَحتمِلُ غيرَ ما أُوِّل عليه ألبَتَّةَ- إلى المُجمَلِ المُتشابِهِ الذي غايَتُه أنْ يُتعلَّق فيه بعُمومٍ، لم يَقصِدوا بَيانَه بالخاصِّ المُحكمِ المُبيَّنِ، كبَيانِ سائِرِ العُموماتِ بما يَخُصُّها من النُّصوصِ؟ (٢) النِّصابُ فيما لا يُكالُ: ما ذُكرَ من النِّصابِ «الأوسُقُ الخَمسةُ» إنَّما هو في المَكيلاتِ من الحاصِلاتِ الزِّراعيَّةِ، أمَّا ما لا يُقدَّرُ بالكَيلِ كالقُطنِ والزَّعفَرانِ فقد اختلَفوا في تَقديرِ نِصابِه.

стр. 1946

قال أبو يُوسفَ ﵀: يُعتبَرُ فيه القيمةُ، وهو أنْ يَبلُغَ قيمةُ الخارجِ من قُطنٍ وغَيرِه خَمسةَ أوسُقٍ من أَدنى ما يُكالُ من الحُبوبِ -كالشَّعيرِ مَثلًا- وإنَّما قالَ ذلك؛ لأنَّ الأصلَ هو اعتبارُ الوَسقِ؛ لأنَّ النَّصَّ ورَدَ به غيرَ أنَّه إنْ أمكَنَ اعتِبارُه صُورةً ومَعنًى اعتُبِر، وإنْ لم يُمكِنْ يَجبُ اعتِبارُه مَعنًى، وهو قيمةُ المَوسوقِ (١)، واعتِبارُ الأَدنى لحَظِّ الفُقراءِ. وعلى هذا تَجبُ زَكاةُ القُطنِ إذا كانَ ثَمنُ الخارِجِ منه يُساوى ثَمنَ خَمسينَ كَيلةً من الشَّعيرِ باعتِبارِه أرخَصَ الحُبوبِ الآنَ. وقالَ مُحمدٌ ﵀: يُعتبَرُ خَمسةُ أَمثالٍ من أَعلى ما يُقدَّرُ به ذلك الشَّيءُ؛ لأنَّ التَّقديرَ بالوَسقِ في المَكيلاتِ لم يَكنْ إلا لأنَّ الوَسقَ أعلى ما يُقدَّرُ به في بابِه (٢). وعلى هذا إذا كانَ القُطنُ يُقدَّرُ بالقَناطيرِ في عَصرِنا فنِصابُه خَمسةُ قَناطيرَ، وهكذا. وقالَ الحَنابِلةُ: إنَّ ما لا يُكالُ يُقدَّرُ بالوَزنِ، ولِهذا قُدِّرَ نِصابُ الزَّعفَرانِ والقُطنِ وما أُلحقَ بهما من المَوزوناتِ بألفٍ وسِتِّمئةِ رَطلٍ بالعِراقيِّ (٣)؛ لأنَّه ليسَ بمَكيلٍ؛ فيَقومُ وَزنُه مَقامَ كَيلِه (٤).

стр. 1947

نِصابُ ما له قِشرٌ وما يَنقصُ كَيلُه باليُبسِ: يَرى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أنَّ النِّصابَ (الأوسَق الخَمسةَ) إنَّما يُعتبَرُ بعدَ الجَفافِ في الثِّمارِ، أي بعدَ أنْ يَصيرَ الرُّطبُ تَمرًا والعِنبُ زَبيبًا وبعدَ التَّصفيةِ والتَّنقيةِ في الحُبوبِ. فلو كانَ عندَه عَشرةُ أوسُقٍ من العِنبِ لا يَجيءُ منها بعدَ الجَفافِ خَمسةُ أوسُقٍ من الزَّبيبِ فليسَ عليه فيها زَكاةٌ، وذلك لأنَّ الجَفافَ هو وقتُ وُجوبِ الإِخراجِ، فاعتُبِرَ النِّصابُ بحالِ الثِّمارِ وقتَ الوُجوبِ، والمُرادُ بتَصفيةِ الحَبِّ فَصلُه من التِّبنِ ومن القِشرِ الذي لا يُؤكَلُ معه. وهذا إذا كانَ الحَبُّ يَيبَسُ ويُدَّخرُ، أمَّا إنْ كانَ مما لا يَصلُحُ ادِّخارُه إلا في قِشرِه الذي لا يُؤكَلُ معه كالعَلسِ وهو حَبٌّ شَبيهٌ بالحِنطةِ، والأرُزِّ في بعضِ البِلادِ؛ إذْ يُخزِّنونَه بقِشرِه. فذهَبَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ نِصابَه عَشرةُ أوسُقٍ إنْ تُركَ في قِشرِه اعتبارًا لقِشرِه الذي تمَّ ادِّخارُه فيه أصلَحُ له (١). أمَّا المالِكيةُ فقالوا: يُحسَبُ على المالِكِ من النِّصابِ الشَّرعيِّ قِشرُ الأرُزِّ والعَلسِ الذي يُخزَّنانِ به، كقِشرِ الشَّعيرِ، فلو كانَ الأرُزُّ مَقشورًا أربَعةَ أوسُقٍ وبقِشرِه خَمسةَ أوسُقٍ زُكِّي، وإنْ كانَ أقَلَّ فلا زَكاةَ فيه.

стр. 1948

وله أنْ يُخرِجَ عن الواجِبِ مَقشورًا أو غيرَ مَقشورٍ. وأمَّا القِشرُ الذي لا يُخزَنُ الحَبُّ به كقِشرِ الفُولِ والحِمَّصِ والعدَسِ الأَعلى فيُحتسَبُ فيه الزَّكاةُ مُقدَّرَ الجَفافِ، أي مَفروضَ الجَفافِ (١). مَنْ تَلزمُه الزَّكاةُ في حالِ اختِلافِ مالِكِ الغَلةِ عن مالِكِ الأرضِ: إنْ كانَ مالِكُ الزَّرعِ عندَ وُجوبِ الزَّكاةِ فيه هو مالِكَ الأرضِ، فالأمرُ واضِحٌ، فتَلزمُه الزَّكاةُ. أمَّا إنْ كانَ مالِكُ الزَّرعِ غيرَ مالِكِ الأرضِ فلذلك صُورٌ: أ- الأرضُ المُستعارةُ والمُستأجَرةُ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا استأجَرَ إِنسانٌ أرضًا أو استَعارَها هل تَكونُ الزَّكاةُ عليه أو على مالِكِ الأرضِ؟ وهل يَختلِفُ الحُكمُ بينَ ما إذا كانَ مُستأجِرًا أو مُستَعيرًا أو لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ العُشرَ على المُؤجِّرِ -المالِكِ- بِناءً على أصلٍ عندَه: أنَّ العُشرَ حَقُّ الأرضِ الناميةِ لا حَقُّ الزَّرعِ، والأرضُ هنا أرضُ المالِكِ؛ ولأنَّ العُشرَ من مُؤنةِ الأرضِ، فأشبَهَ الخَراجَ. ولأنَّ الأرضَ كما تُستَنمى بالزِّراعةِ تُستَنمى بالإِجارةِ؛ فكانَت الأُجرةُ مَقصودةً كالثَّمرِ، فكانَ النَّماءُ له مَعنًى مع تَمتُّعِه بنِعمةِ المِلكِ فكانَ أَولى بالإِيجابِ عليه.

стр. 1949

وأمَّا إذا استَعارَها وزرَعَها فيَجبُ العُشرُ على المُستعيرِ إذا كانَ المُستعيرُ مُسلِمًا، فإنْ كانَ ذِميًّا فهو على رَبِّ الأرضِ؛ لأنَّ المُستعيرَ قامَ مَقامَ المالِكِ في الاستِنماءِ فيَقومُ مَقامَه في العُشرِ بخِلافِ المُؤجِّرِ؛ لأنَّه حصَلَ له عِوضُ مَنافِعِ أرضِه (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ العُشرَ على المُستعيرِ والمُستأجِرِ؛ لأنَّ العُشرَ حَقُّ الزَّرعِ لا حَقُّ الأرضِ، والمالِكَ لم يَخرُجْ له حَبٌّ ولا ثَمرٌ، فكيفَ يُزكِّي زَرعًا لا يَملِكُه بل هو لغيرِه؟! ولأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فخاطَبَ أَصحابَ الزَّرعِ بأداءِ الزَّكاةِ؛ ولأنَّه عُشرٌ وجَبَ على الزَّرعِ لِأجلِه؛ فكانَ على صاحِبِ الزَّرعِ؛ ولأنَّه حَقٌّ يُصرَفُ في الأَصنافِ المُسمَّاةِ في الصَّدقاتِ؛ فكانَ المُخاطَبُ به المالِكَ دونَ غيرِه، كزَكاةِ المالِ؛ ولأنَّه حُرٌّ مُسلمٌ خرَجَ له نِصابُ زَرعٍ تَجبُ في جِنسِه الزَّكاةُ، فوجَبَ أنْ يَلزمَه العُشرُ فيه، كما لو كانَت الأرضُ مِلكًا لغيرِه (٢).

стр. 1950

سَببُ الاختِلافِ: قال ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم: هل العُشرُ حَقُّ الأرضِ أو حَقُّ الزَّرعِ أو حَقُّ مَجموعِهما؟ إلا أنَّه لم يَقلْ أحَدٌ إنَّه حَقٌّ لمَجموعِهما، وهو في الحَقيقةِ حَقُّ مَجموعِهما، فلَمَّا كانَ عندَهم أنَّه حَقٌّ لِأحدِ الأمرَينِ اختلَفوا في أيِّهما هو أَولى أنْ يُنسَبَ إلى المَوضعِ الذي فيه الاتِّفاقُ، وهو كَونُ الزَّرعِ والأرضِ لِمالِكٍ واحِدٍ، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّه للشَّيءِ الذي تَجبُ فيه الزَّكاةُ، وهو الحَبُّ. وذهَبَ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه للشَّيءِ الذي هو أصلُ الوُجوبِ وهو الأرضُ (١). ب- الأرضُ التي تُستغَلُّ بالمُزارعةِ أو المُساقاةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الثَّمرِ المُساقَى عليه، أو الزَّرعِ، هل تَكونُ على العامِلِ أو على مالِكِ الشَّجرِ أو عليهما، فتَخرُجُ من مَجموعِ الثَّمرةِ إذا بلَغَت نِصابًا؟ وهل يَصحُّ اشتِراطُها على واحِدٍ منهما أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ على المُفتَى به عندَهم -خِلافًا لِأبي حَنيفةَ- والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الزَّكاةَ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ على المالِكِ والعامِلِ على قَدرِ حِصَصِهما؛ لأنَّ العُشرَ يَجبُ في الخارجِ، والخارجَ بينَهما، فيَجبُ العُشرُ عليهما، فتُخرَجُ أوَّلًا ثم يَقتسِمان البَقيَّةَ وإنْ كانَ هناك تَفصيلٌ في كلِّ مَذهبٍ.

стр. 1951

قال المالِكية: يَجبُ إِخراجُ زَكاةِ الحائِطِ (البُستانِ) المُساقَى عليه من جُملةِ الثَّمرةِ إنْ بلَغَت نِصابًا، وهي خَمسةُ أوسُقٍ، أو كانَ لرَبِّ الحائِطِ ما إنْ ضمَّه إليها من حائِطٍ آخَرَ بلَغَت نِصابًا، ثم يَقتسِمانِ ما بَقي، ولو كانَ العامِلُ ممَّن لا تَجبُ عليه الزَّكاةُ كالذِّميِّ. وتَسقُطُ الزَّكاةُ إن كانَ رَبُّ الحائِطِ ممَّن لا تَجبُ عليه الزَّكاةُ، بأنْ كانَ كافِرًا، وإنْ كانَ العامِلُ ممَّن تَجبُ عليه الزَّكاةُ؛ لأنَّه أَجيرٌ. فإنْ لم يَكنْ رَبُّه من أهلِها أو لم يَبلُغِ الثَّمرُ أو الزَّرعُ ولو مع مالِه من غيرِها نِصابًا لم تَجبْ عليه ولا تَجبُ على العامِلِ في حِصتِه، ولو كانَت نِصابًا، ولو كانَ مِنْ أهلِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه أَجيرٌ. ولا بأسَ أنْ تُشتَرطَ الزَّكاةُ على أحَدِهما فيها على الآخَرِ على المَشهورِ، بأنْ تُخرَجَ من حِصةِ أحَدِهما؛ لأنَّه يَرجعُ إلى جُزءٍ مَعلومٍ ساقَى عليه، فإنْ لم يَشتَرطا شَيئًا فشأنُ الزَّكاةِ أنْ يُبدأَ بها ثم يَقتسِمانِ ما بقِيَ. وقيلَ: لا يَصحُّ اشتِراطُها على واحِدٍ منهما، وقيلَ: يَجوزُ اشتِراطُه على العامِلِ فقط، وقيلَ: على رَبِّ الحائِطِ فقط (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّها تَجبُ على كلِّ واحِدةٍ منهما في حِصتِه إذا بلَغَت نِصابًا، فإنْ لم تَبلُغِ النِّصابَ إلا بجَمعِهما

стр. 1952

لم تَجبْ؛ لأنَّ الخُلطةَ لا تُؤثِّرُ في غيرِ المَواشي على أحَدِ القَولَينِ عندَهما. وإنْ كانَت حِصةُ أحَدِهما تَبلُغُ نِصابًا دونَ الآخَرِ فعلى مَنْ بلَغَت حِصتُه نِصابًا الزَّكاةُ دونَ الآخَرِ يُخرِجُها بعدَ المُقاسَمةِ، إلا أنْ يَكونَ لمَن لم تَبلُغْ حِصتُه نِصابًا ما يُتمُّ به النِّصابَ من مَواضعَ أُخرى فتَجبُ عليهما جَميعًا الزَّكاةُ، وكذلك إنْ كانَ لأحدِهما ثَمرٌ من جِنسِ حِصتِه يَبلُغان بمَجموعِهما نِصابًا فعليه الزَّكاةُ في حِصتِه. قال ابنُ قُدامةَ: وإنْ كانَ أحَدُ الشَّريكَينِ ممَّن لا زَكاةَ عليه كالمُكاتَبِ والذِّميِّ فعلى الآخَرِ زَكاةُ حِصتِه إنْ بلَغَت نِصابًا، وبهذا كلِّه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ، وقالَ اللَّيثُ: إنْ كانَ شَريكُه نَصرانيًّا أعلَمَه أنَّ الزَّكاة مُؤدَّاةٌ في الحائِطِ، ثم يُقاسِمُه بعدَ الزَّكاةِ ما بَقيَ. ولنا: أنَّ النَّصرانِيَّ لا زَكاةَ عليه، فلا يُخرِجُ من حِصتِه شَيئًا كما لو انفَردَ بها، وقد رَوى أبو داودَ في السُّننِ عن عائِشةَ ﵂ قالَت: «كان النَّبيُّ ﷺ يَبعَثُ عبدَ اللهِ بنَ رَواحَةَ فيَخرُصُ النَّخلَ حينَ يَطيبُ قبلَ أنْ يُؤكَلَ منه، ثم يُخيِّرُ يَهودَ يَأخذُونَه بذلك الخَرصِ أو يَدفَعونَه إليهم بذلك الخَرصِ لكَيْ تُحْصى الزَّكاةُ قَبلَ أنْ تُؤكَلَ الثِّمارُ وتُفرَّقَ» (١)، قالَ جابِرٌ: «خرَصَها ابنُ رَواحَةَ أَربَعينَ أَلفَ وَسقٍ، وزعَمَ أنَّ اليَهودَ لمَّا خيَّرَهم ابنُ رَواحَةَ أخَذُوا الثَّمرَ وعليهم عِشرونَ أَلفَ وَسقٍ» (٢) (٣).

стр. 1953

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ العُشرَ يَجبُ في المُزارَعةِ على رَبِّ الأرضِ؛ لأنَّ المُزارَعةَ فاسِدةٌ عندَه، فالخارِجُ له إمَّا أنْ يَكونَ تَحقيقًا أو يَكونَ تَقديرًا؛ لأنَّ البَذرَ إنْ كانَ من قِبَلِه فجَميعُ الخارِجِ له وللمُزارَعِ أجرُ مِثلِ عَملِه، وإنْ كانَ من قِبَلِ الزارِعِ فالخارِجُ له ولرَبِّ الأرضِ أجرُ مِثلِ أرضِه الذي هو بمَنزلةِ الخارجِ، إلا أنَّ عُشرَ حِصتِه في عَينِ الخارجِ وعُشرَ حِصةِ المُزارعِ في ذمَّةِ ربِّ الأرضِ يَكونُ دَينًا في ذمَّتِه. وفائِدةُ ذلك السُّقوطُ بالهَلاكِ إذا نِيطَ بالعَينِ، وعَدمِه إذا نِيطَ بالذِّمةِ. وعندَ أَبي يُوسفَ ومُحمدٍ العُشرُ يَجبُ عليهما بالحِصصِ؛ لأنَّ المُزارَعةَ جائِزةٌ عندَهما، والعُشرُ يَجبُ في الخارجِ، والخارجُ بينَهما، فيَجبُ العُشرُ عليهما كما تقدَّم. وهذا كلُّه في العُشرِ، أمَّا الخَراجُ فعلى رَبِّ الأرضِ إِجماعًا (١). قَدرُ المَأخوذِ في زَكاةِ الزُّروعِ والثِّمارِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ العُشرَ إنَّما يَجبُ فيما سُقيَ بعُروقِه، وهو الذي يُغرَسُ في أرضٍ ماؤُها قَريبٌ من وَجهِها تَصلُ إليه عُروقُ الشَّجرِ فيَستَغني عن سَقيٍ، وكذلك ما كانَت عُروقُه تَصلُ إلى نَهرٍ أو ساقيةٍ، وكذا ما يَشربُ من ماءٍ يَنصَبُّ إليه من جَبلٍ. ويَجبُ نِصفُ العُشرِ فيما سُقيَ بالمُؤنِ، سَواءٌ سَقتْه النَّواضحُ أو سُقيَ بالدَّوالي أو السَّوانِي أو الدَّواليبِ، وهي التي تُديرُها البَقرُ، أو الناعُورةِ وهي

стр. 1954

التي يُديرُها الماءُ بنَفسِه، أو غيرِ ذلك، وكذا لو مَدَّ من النَّهرِ ساقيةً إلى أرضِه، فإذا بلَغَها الماءُ احتاجَ إلى رَفعِه بالغَرفِ أو بآلةٍ. والضابِطُ لذلك أنْ يَحتاجَ في رَفعِ الماءِ إلى وَجهِ الأرضِ إلى آلةٍ أو عَملٍ، وهذا كلُّه لا خِلافَ فيه بينَ عُلماءِ المسلِمينَ (١). والأصلُ في ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «فيمَا سَقَت السَّماءُ والعُيونُ أو كانَ عَثرِيًّا العُشرُ، وما سُقيَ بالنَّضحِ نِصفُ العُشرِ» رَواه البُخاريُّ (٢)، قالَ أبو عُبيدٍ: العَثريُّ: ما تَسقِيه السَّماءُ وتُسمِّيه العامَّةُ العَديَ. وقالَ القاضِي: هو الماءُ المُستنقَعُ في بِركةٍ أو نَحوِها يُصبُّ إليه ماءُ المَطرِ في سَواقي تُشَقُّ له، فإذا اجتَمعَ سُقيَ منه، واشتِقاقُه من العاثورِ وهي الساقيةُ التي يَجري فيها الماءُ؛ لأنَّها يَعثُرُ بها مَنْ يَمُرُّ بها، وفي رِوايةٍ لمُسلمٍ (٣): «وفيمَا سُقيَ بالسَّانِيةِ نِصفُ العُشرِ»، والسَّوانِي هي النَّواضِحُ، وهي الإبلُ يُستَقى بها لشُربِ الأرضِ. وعن مُعاذٍ ﵁ قالَ: «بعَثَني رَسولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمنِ وأمَرَني أَنْ آخُذَ ممَّا سَقَت السَّماءُ وما سُقيَ بَعلًا العُشرَ، وما سُقيَ بالدَّوالِي نِصفَ العُشرِ» (٤).

стр. 1955

قال أبو عُبيدٍ: البَعلُ: ما شرِبَ بعُروقِه من غيرِ سَقيٍ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وفي الجُملةِ كلُّ ما سُقيَ بكُلفةٍ ومُؤنةٍ من دَاليةٍ أو سانيةٍ أو دُولابٍ أو ناعورةٍ أو غيرِ ذلك ففيه نِصفُ العُشرِ، وما سُقيَ بغيرِ مُؤنةٍ فيه العُشرُ؛ لِما رَويْنا من الخبَرِ؛ ولأنَّ للكُلفةِ تأثيرًا في إِسقاطِ الزَّكاةِ جُملةً، بدَليلِ المَعلوفةِ، فبأنْ يُؤثِّرَ في تَخفيفِها أَولى؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تَجبُ في المالِ النامي وللكُلفةِ تأثيرٌ في تَعليلِ النَّماءِ، فأثَّرت في تَقليلِ الواجِبِ فيها. ولا يُؤثِّرُ حَفرُ الأَنهارِ والسَّواقي في نُقصانِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ المُؤنةَ تَقلُّ؛ لأنَّها تَكونُ من جُملةِ إِحياءِ الأرضِ، ولا تَتكرَّرُ كلَّ عامٍ، وكذلك لا يُؤثِّرُ احتياجُها إلى ساقٍ يَسقيها ويُحوِّلُ الماءَ في نَواحِيها؛ لأنَّ ذلك لا بدَّ منه في كلِّ سَقيٍ بكُلفَةٍ، فهو زيادةٌ على المُؤنةِ في التَّنقيصِ يَجري مَجرى حَرثِ الأرضِ وتَحسينِها (١). ما سُقيَ بعضَ العامِ بكُلفةٍ وبعضَ العامِ بغيرِ كُلفةٍ: إذا سُقيَ بعضَ العامِ بكُلفةٍ وبعضَ العامِ بغيرِ كُلفةٍ فهذا لا يَخلو من حالاتٍ: الحالةُ الأُولى: أنْ يُسقى الزَّرعُ نِصفَ السَّنةِ بكُلفةٍ ونِصفَها بغيرِ كُلفةٍ ففيه ثَلاثةُ أرباعِ العُشرِ، وهذا قَولُ مالِكٍ والشافِعيِّ وأَصحابِ الرأيِ، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لو وُجدَ في جَميعِ السَّنةِ لأوجَبَ مُقتَضاه، فإذا وُجدَ في نِصفِها أوجَب نِصفَه (٢).

стр. 1956

لكنَّ المُعتمَد عندَ الحَنفيةِ أنَّه لو استَويا في السَّقيِ يَجبُ نِصفُ العُشرِ؛ لأنَّه وقَعَ الشَّكُّ في الزيادةِ على النِّصفِ فلا تَجبُ الزيادةُ بالشَّكِّ. وفي قَولٍ عندَهم: يَجبُ ثَلاثةُ أَرباعِ العُشرِ كقَولِ الجُمهورِ. الحالةُ الثانيةُ: أنْ يُسقى بأحَدِهما أكثَرَ من الآخَرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو سُقيَ بأحَدِهما أكثَرَ من الآخَرِ هل يُعتبَرُ بأكثَرِهما أو يُعتبَرُ كلٌّ منهما بقِسطِه؟ فقال الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُعتبَرُ أكثَرُهما ويَسقُطُ حُكمُ الأقَلِّ؛ لأنَّ الحُكمَ لِلأغلَبِ؛ فإنَّ اعتبارَ مِقدارِ السَّقيِ، وعَدَدِ مَرَّاتِه، وقَدرِ ما يُشرَبُ في كلِّ سَقيِه يُشَقُّ ويَتعذَّرُ، فكانَ الحُكمُ لِلأغلَبِ منها كالسَّومِ في الماشيةِ. وقالَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ والمالِكيةُ في قَولٍ وابنُ حامِدٍ من الحَنابِلةِ: يُعتبَرُ كلٌّ منهما بقِسطِه؛ لأنَّهما لو كانا نِصفَينِ أُخذَ بالحِصَّةِ، فكذلك إذا كانَ أحدُهما أكثَرَ. وعلى هذا القَولِ إذا كانَ ثُلثا السَّقي بماءِ السَّماءِ، والثُّلثُ بالنَّضحِ وجَبَ خَمسةُ أَسداسِ العُشرِ (١).

стр. 1957

الحالةُ الثالِثةُ: إذا جُهلَ مِقدارُ السَّقيِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إنْ جُهلَ مِقدارُ السَّقيِ فلم يُعلَمْ هل سُقيَ سَيحًا أكثَرَ أو بمُؤنةٍ أكثَرَ. فقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَجبُ العُشرُ احتياطيًّا؛ لأنَّ الأصلَ وُجوبُ العُشرِ، وإنَّما يَسقطُ بوُجوبِ الكُلفةِ، فما لم يَتحقَّقِ المُسقِطُ يَبقَ على الأصلِ؛ ولأنَّ الأصلَ عَدمُ الكُلفةِ في الأكثَرِ، فلا يَثبُتُ وُجودُها مع الشَّكِّ فيه (١). أمَّا الشافِعيةُ؛ فقالَ النَّوويُّ ﵀: ولو سُقيَ بماءِ السماءِ والنَّضحِ جَميعًا وجُهلَ المِقدارُ مِنْ كلِّ واحِدٍ منهما، أو عُلمَ أنَّ أحَدَهما أكثَرُ وجُهلَ أيُّهما هو، وجَبَ ثَلاثةُ أرباعِ العُشرِ، هذا هو المَذهبُ وبه قطَعَ المُصنِّفُ وجَماهيرُ الأَصحابِ ونقَلوه عن ابنِ سُريجٍ وأطبَقوا عليه (٢). ما يُطرحُ من الخارجِ قبلَ أخذِ العُشرِ: ذهَبَ الحَنفيةُ ومالِكٌ والشافِعيُّ (٣) إلى أنَّ العُشرَ أو نِصفَه على التَّفصيلِ المُتقدِّمِ يُؤخَذُ من كلِّ الخارجِ، فلا يُطرَحُ منه البَذرُ الذي بذَرَه ولا أُجرةُ العُمَّالِ ولا أُجرةُ الحافِظِ والسَّقيِ ونَحوِ ذلك، بل يَجبُ العُشرُ أو نِصفُ

стр. 1958

العُشرِ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «فيمَا سَقَت السَّماءُ والعُيونُ أو كانَ عَثرِيًّا العُشرُ، وما سُقيَ بالنَّضحِ نِصفُ العُشرِ» (١) فأوجَبَ العُشرَ أو نِصفَ العُشرِ مُطلَقًا عن احتِسابِ هذه المُؤنِ؛ ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أوجَبَ الحَقَّ على التَّفاوُتِ لتَفاوُتِ المُؤنِ، ولو رُفعَت المُؤنُ لارتفَعَ التَّفاوُتُ (٢). وعن الإمامِ أحمدَ رِوايتانِ: قالَ في إحداهُما: مَنْ استَدانَ ما أنفَقَ على زَرعِه، واستَدانَ ما أنفَقَ على أهلِه، احتَسبَ ما أنفَقَ على زَرعِه دونَ ما أنفَقَ على أهلِه؛ لأنَّه مِنْ مُؤنةِ الزَّرعِ وهو قَولُ ابنِ عَباسٍ. والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّ الدَّينَ كلَّه يَمنَعُ الزَّكاةَ، وهو قَولُ ابنِ عمرَ. قال الإمامُ أحمدُ: مَنْ استَدانَ ما أنفَقَ على زَرعِه واستَدانَ ما أنفَقَ على أهلِه، احتَسبَ ما أنفَقَ على زَرعِه دونَ ما أنفَقَ على أهلِه؛ لأنَّه مُؤنةُ الزَّرعِ، وبهذا قالَ ابنُ عَباسٍ، وقالَ عبدُ اللهِ بنُ عمرَ: «يُحتسَبُ بالدَّينَينِ جَميعًا ثم يُخرِجُ مما بَعدَهما» أي: يُخرِجُ ما استَدانَ أو أنفَقَ على ثَمرَتِه وأهلِه ويُزكِّي ما بقِيَ، وحُكيَ عن أحمدَ أنَّ الدَّينَ كلَّه يَمنَعُ الزَّكاةَ في الأَموالِ الظاهِرةِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فعَلى هذه الرِّوايةِ يُحسَبُ كلُّ دَينٍ عليه ثم يُخرَجُ العُشرُ مما بقِيَ إنْ بلَغَ نِصابًا، وإنْ لم يَبلُغْ نِصابًا فلا عُشرَ فيه، وذلك

стр. 1959

لأنَّ هذا الواجِبَ زَكاةٌ، فمنَعَ الدَّينُ وُجوبَها كزَكاةِ الأَموالِ الباطِنةِ، ولأنَّه دَينٌ فمنَعَ وُجوبَ العُشرِ كالخَراجِ، وما أنفَقَه على زَرعِه، والفَرقُ بينَهما على الرِّوايةِ الأُولى أنَّ ما كانَ من مُؤنةِ الزَّرعِ فالحاصِلُ في مُقابَلتِه يَجبُ صَرفُه إلى غيرِه، فكأنَّه لم يَحصُلْ (١). وشَبيهٌ بمُؤنةِ الزَّرعِ عندَ الحَنابِلةِ خَراجُ الأرضِ؛ فإنَّه يُؤخَذُ من الغَلةِ قبلَ احتِسابِ الزَّكاةِ فيها. أمَّا المالِكيةُ فقد تَعرَّضَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ في «شَرح التِّرمذيِّ» لِهذه المَسألةِ فقالَ ﵀: اختَلفَ قَولُ عُلمائِنا هل تُحَطُّ المُؤنةُ من المالِ المُزكَّى، وحينَئذٍ تَجبُ الزَّكاةُ -أي في الصافِي- أو تَكونُ مُؤنةُ المالِ وخِدمتُه -حتى يَصيرَ حاصِلًا- في حِصةِ رَبِّ المالِ وتُؤخذُ الزَّكاةُ من الرأسِ؟ أي: من إِجماليِّ الحاصِلِ؟ فذهَبَ إلى أنَّ الصَّحيحَ أنْ تُحطَّ وتُرفعَ من الحاصِلِ. فقالَ: الصَّحيحُ أنَّها مَحسوبةٌ، وأنَّ الباقيَ هو الذي يُؤخذُ عُشرُه، ولِذلك قالَ النَّبيُّ ﷺ : «دَعُوا الثُّلثَ أو الرُّبعَ» (٢)، وهو قَدرُ

стр. 1960

المُؤنةِ، فالثُّلثُ أو الرُّبعُ يُعادِلُ قَدرَ المُؤنةِ تَقريبًا، فإذا حسَبَ ما يَأكلُه رَطبًا، وما يُنفِقُه من المُؤنةِ تَخلَّصَ الباقي ثَلاثةَ أَرباعٍ، أو ثُلثَينِ، ثم قالَ: ولقد جَرَّبناه فوَجَدناه كذلك في الأغلَبِ وبما يَأكلُ رَطبًا ويَحتسِبُ المُؤنةَ يَتخلَّصُ الباقي ثَلاثةَ أَرباعٍ أو ثَلاثينَ، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 1961

فصل في زَكاةُ العَسلِ والمُنتَجاتِ الحَيوانيَّةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في العَسلِ هل يَجبُ فيه زَكاةٌ كما وجَبَت فيما أخرَجَ اللهُ من الأرضِ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّ العَسلَ تُؤخَذُ منه الزَّكاةُ. قالَ الأثرَمُ: سُئلَ أبو عبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ بنَ حَنبَلٍ- أنتَ تَذهبُ إلى أنَّ في العَسلِ زَكاةً؟ قالَ: نَعم أَذهبُ إلى أنَّ في العَسلِ زَكاةَ العُشرِ، فقد أخذَ عُمرُ منهم الزَّكاةَ. قُلتُ: ذلك على أنهم تَطوَّعوا به؟ قالَ: بل أخَذَه منهم (١). واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: أ- ما رواه عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه أخَذَ من العَسلِ العُشرَ» (٢). ورَوى أبو داودَ عن عَمْرِو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ قالَ: «جاءَ هِلالٌ أحَدُ بَني مُتْعانَ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ بعُشورِ نَحلٍ له وكان سأَلَه أنْ يَحمِيَ له وادِيًا يُقالُ له (سَلبَة) فحَمى له رَسولُ اللَّهِ ﷺ ذلك الوادِيَ فلما وُلِّيَ عُمرُ بن الخَطابِ ﵁ كتَبَ سُفيانُ بنُ وَهبٍ إلى عُمرَ ابن الخَطابِ يَسأَلُه عن ذلك فكتَبَ عُمرُ ﵁: إنْ أدَّى إليك ما كانَ

стр. 1962

يُؤدِّي إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ من عُشورِ نَحلِه فَاحمِ له سَلبةَ وإِلَّا فإنَّما هو ذُبابُ غَيثٍ يَأكلُه من يَشاءُ» (١). ب- عن سُلَيمانَ بن مُوسى عن أَبي سَيارَةَ المُتَعيِّ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ لي نَحلًا. قالَ: «أدِّ العُشرَ» قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، احْمِها لي، فحَماها لي (٢). ج- عن سَعْدِ بن أَبي ذُبابٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعمَلَه على قَومِه وأنَّه قالَ لهم: «أدُّوا العُشرَ في العَسلِ. وأَتى به عُمرُ فقبَضَه فباعَه ثُم جعَلَه في صَدقاتِ المُسلِمينَ» وفي رِوايةٍ أنَّه قدِمَ على قَومِه فقالَ: «في العَسلِ زَكاةٌ، فإنَّه لا خَيرَ في مالٍ لا يُزكَّى. قالَ: قالوا: فكَم تَرى؟ قُلت: العُشرُ. فأخَذَ منهم العُشرَ. فقدِمَ به على عُمرَ وأَخبَرَه بمَا فيه. قالَ: فأخَذَه عُمرُ وجعَلَه في صَدقاتِ المُسلِمينَ» (٣). د- عن ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «في العَسلِ في كلِّ عشَرَةِ أَزْقاقٍ زِقٌّ» (٤).

стр. 1963

قالوا: ويُؤيِّدُ ذلك من الاعتِبارِ والقِياسِ أنَّ العَسلَ يَتولَّدُ مِنْ نُورِ الشَّجرِ والزَّهرِ، ويُكالُ ويُدَّخرُ، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ كالحَبِّ والتَّمرِ؛ ولأنَّ الكُلفةَ فيه دونَ الكُلفةِ في الزُّروعِ والثِّمارِ (١). ثم ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ أَمرانِ: الأولُ: ألَّا يَكونَ النَّحلُ في أرضٍ خَراجيَّةٍ؛ لأنَّ الخَراجيَّةَ يُؤخَذُ منها الخَراجُ، ولا يَجتمِعُ عندَهم عُشرٌ وخَراجٌ؛ لأنَّ أرضَ الخَراجِ قد وجَبَ على مالِكِها الخَراجُ لِأجلِ نَمائِها وزَرعِها، فلم يَجبْ فيها حَقٌّ آخَرُ لِأجلِها، وأرضُ العُشرِ لم يَجبْ في ذمَّتِه حَقٌّ عنها؛ فلذلك وجَبَ الحَقُّ فيما يَكونُ منها. الثاني: إنْ كانَ النَّحلُ في أرضِ مَفازةٍ أو جَبلٍ غيرِ مَملوكٍ فلا زَكاةَ فيه إلا إنْ حفِظَه الإمامُ من اللُّصوصِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ، وقالَ أبو يُوسفَ: لا زَكاةَ إلا إنْ كانَت الأرضُ مَملوكةً (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العَسلَ لا زَكاةَ فيه، واحتجُّوا على ذلك بأمرَينِ: الأولُ: ما قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: ليسَ في وُجوبِ الصَّدقةِ فيه خبَرٌ يَثبُتُ ولا إِجماعٌ؛ فلا زَكاةَ فيه.

стр. 1964

الثاني: أنَّه مائِعٌ وخارِجٌ من حَيوانٍ، فأشبَهَ اللَّبنَ، واللَّبنُ لا زَكاةَ فيه بالإِجماعِ (١). نِصابُ العَسلِ: اتَّفقَ المُوجِبون لزَكاةِ العَسلِ على أنَّ الواجِبَ فيه العُشرُ للآثارِ التي ذكَرْناها، وقياسًا على الزَّرعِ والثَّمرِ. ثم اختلَفوا: هل يُعتبَرُ فيه نِصابٌ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ: يَجبُ في قَليلِه وكَثيرِه بِناءً على أصلِه في الحُبوبِ والثِّمارِ. وعن أَبي يُوسفَ أنَّه اعتبَرَ نِصابَه أنْ يَبلُغَ قيمةَ خَمسةِ أوسُقٍ من أَدْنى ما يُكالُ، كالشَّعِيرِ، فإنْ بلَغها وجَب فيه العُشرُ، وإلا فلا، بِناءً على أصلِه من اعتبارِ قيمةِ الأوسُقِ فيما يُكالُ. وعن مُحمدٍ رِواياتٌ: من خَمسةِ أَفراقٍ إلى خَمسةِ أَمنانٍ إلى خَمسِ قِرَبٍ (بِناءً على أصلِه من اعتِبارِ خَمسةِ أَمثالٍ من أعلى ما يُقدَّرُ به) وقُدِّر الفَرقُ بسِتَّةٍ وثَلاثينَ رَطلًا، والمَنُّ رَطلانِ، والقِربةُ مِئةُ رَطلٍ (٢). وقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: نِصابُه عَشرةُ أَفراقٍ. ثم اختَلفَ أَصحابُه في الفَرقِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ، أحدُهما: أنَّه سِتونَ رَطلًا.

стр. 1965

والثاني: أنَّه سِتةٌ وثَلاثونَ رَطلًا. والثالِثُ: سِتَّةَ عشَرَ رَطلًا. وهو ظاهِرُ كَلامِ الإمامِ أحمدَ؛ فيَكونُ النِّصابُ مِئةً وسِتِّينَ رَطلًا بالبَغداديِّ، ومِئةً وأربَعةً وأربَعينَ بالمِصريِّ (١). أمَّا ما عدا العَسلَ فقد نَصَّ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ على أنَّه لا زَكاةَ في الحَريرِ ودُودةِ القَزِّ. وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: لأنَّه ليسَ بمَنصوصٍ ولا في مَعنى المَنصوصِ. وأضاف صاحِبُ «مَطالِب أُولي النُّهى» الصُّوفَ والشَّعرَ واللَّبنَ، وذكَرَ الشافِعيُّ مما لا زَكاةَ فيه أيضًا المِسكَ ونَحوَه من الطِّيبِ (٢).
следующие страницы →