← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.

стр. 1961

فصل في زَكاةُ العَسلِ والمُنتَجاتِ الحَيوانيَّةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في العَسلِ هل يَجبُ فيه زَكاةٌ كما وجَبَت فيما أخرَجَ اللهُ من الأرضِ أو لا؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّ العَسلَ تُؤخَذُ منه الزَّكاةُ. قالَ الأثرَمُ: سُئلَ أبو عبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ بنَ حَنبَلٍ- أنتَ تَذهبُ إلى أنَّ في العَسلِ زَكاةً؟ قالَ: نَعم أَذهبُ إلى أنَّ في العَسلِ زَكاةَ العُشرِ، فقد أخذَ عُمرُ منهم الزَّكاةَ. قُلتُ: ذلك على أنهم تَطوَّعوا به؟ قالَ: بل أخَذَه منهم (١). واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: أ- ما رواه عَمرُو بنُ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه أخَذَ من العَسلِ العُشرَ» (٢). ورَوى أبو داودَ عن عَمْرِو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّهِ قالَ: «جاءَ هِلالٌ أحَدُ بَني مُتْعانَ إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ بعُشورِ نَحلٍ له وكان سأَلَه أنْ يَحمِيَ له وادِيًا يُقالُ له (سَلبَة) فحَمى له رَسولُ اللَّهِ ﷺ ذلك الوادِيَ فلما وُلِّيَ عُمرُ بن الخَطابِ ﵁ كتَبَ سُفيانُ بنُ وَهبٍ إلى عُمرَ ابن الخَطابِ يَسأَلُه عن ذلك فكتَبَ عُمرُ ﵁: إنْ أدَّى إليك ما كانَ

стр. 1962

يُؤدِّي إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ من عُشورِ نَحلِه فَاحمِ له سَلبةَ وإِلَّا فإنَّما هو ذُبابُ غَيثٍ يَأكلُه من يَشاءُ» (١). ب- عن سُلَيمانَ بن مُوسى عن أَبي سَيارَةَ المُتَعيِّ قالَ: قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ إنَّ لي نَحلًا. قالَ: «أدِّ العُشرَ» قُلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، احْمِها لي، فحَماها لي (٢). ج- عن سَعْدِ بن أَبي ذُبابٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعمَلَه على قَومِه وأنَّه قالَ لهم: «أدُّوا العُشرَ في العَسلِ. وأَتى به عُمرُ فقبَضَه فباعَه ثُم جعَلَه في صَدقاتِ المُسلِمينَ» وفي رِوايةٍ أنَّه قدِمَ على قَومِه فقالَ: «في العَسلِ زَكاةٌ، فإنَّه لا خَيرَ في مالٍ لا يُزكَّى. قالَ: قالوا: فكَم تَرى؟ قُلت: العُشرُ. فأخَذَ منهم العُشرَ. فقدِمَ به على عُمرَ وأَخبَرَه بمَا فيه. قالَ: فأخَذَه عُمرُ وجعَلَه في صَدقاتِ المُسلِمينَ» (٣). د- عن ابنِ عُمرَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «في العَسلِ في كلِّ عشَرَةِ أَزْقاقٍ زِقٌّ» (٤).

стр. 1963

قالوا: ويُؤيِّدُ ذلك من الاعتِبارِ والقِياسِ أنَّ العَسلَ يَتولَّدُ مِنْ نُورِ الشَّجرِ والزَّهرِ، ويُكالُ ويُدَّخرُ، فوجَبَت فيه الزَّكاةُ كالحَبِّ والتَّمرِ؛ ولأنَّ الكُلفةَ فيه دونَ الكُلفةِ في الزُّروعِ والثِّمارِ (١). ثم ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه يُشتَرطُ أَمرانِ: الأولُ: ألَّا يَكونَ النَّحلُ في أرضٍ خَراجيَّةٍ؛ لأنَّ الخَراجيَّةَ يُؤخَذُ منها الخَراجُ، ولا يَجتمِعُ عندَهم عُشرٌ وخَراجٌ؛ لأنَّ أرضَ الخَراجِ قد وجَبَ على مالِكِها الخَراجُ لِأجلِ نَمائِها وزَرعِها، فلم يَجبْ فيها حَقٌّ آخَرُ لِأجلِها، وأرضُ العُشرِ لم يَجبْ في ذمَّتِه حَقٌّ عنها؛ فلذلك وجَبَ الحَقُّ فيما يَكونُ منها. الثاني: إنْ كانَ النَّحلُ في أرضِ مَفازةٍ أو جَبلٍ غيرِ مَملوكٍ فلا زَكاةَ فيه إلا إنْ حفِظَه الإمامُ من اللُّصوصِ وقُطَّاعِ الطَّريقِ، وقالَ أبو يُوسفَ: لا زَكاةَ إلا إنْ كانَت الأرضُ مَملوكةً (٢). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ العَسلَ لا زَكاةَ فيه، واحتجُّوا على ذلك بأمرَينِ: الأولُ: ما قالَ ابنُ المنذِرِ ﵀: ليسَ في وُجوبِ الصَّدقةِ فيه خبَرٌ يَثبُتُ ولا إِجماعٌ؛ فلا زَكاةَ فيه.

стр. 1964

الثاني: أنَّه مائِعٌ وخارِجٌ من حَيوانٍ، فأشبَهَ اللَّبنَ، واللَّبنُ لا زَكاةَ فيه بالإِجماعِ (١). نِصابُ العَسلِ: اتَّفقَ المُوجِبون لزَكاةِ العَسلِ على أنَّ الواجِبَ فيه العُشرُ للآثارِ التي ذكَرْناها، وقياسًا على الزَّرعِ والثَّمرِ. ثم اختلَفوا: هل يُعتبَرُ فيه نِصابٌ؟ فقالَ أبو حَنيفةَ: يَجبُ في قَليلِه وكَثيرِه بِناءً على أصلِه في الحُبوبِ والثِّمارِ. وعن أَبي يُوسفَ أنَّه اعتبَرَ نِصابَه أنْ يَبلُغَ قيمةَ خَمسةِ أوسُقٍ من أَدْنى ما يُكالُ، كالشَّعِيرِ، فإنْ بلَغها وجَب فيه العُشرُ، وإلا فلا، بِناءً على أصلِه من اعتبارِ قيمةِ الأوسُقِ فيما يُكالُ. وعن مُحمدٍ رِواياتٌ: من خَمسةِ أَفراقٍ إلى خَمسةِ أَمنانٍ إلى خَمسِ قِرَبٍ (بِناءً على أصلِه من اعتِبارِ خَمسةِ أَمثالٍ من أعلى ما يُقدَّرُ به) وقُدِّر الفَرقُ بسِتَّةٍ وثَلاثينَ رَطلًا، والمَنُّ رَطلانِ، والقِربةُ مِئةُ رَطلٍ (٢). وقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: نِصابُه عَشرةُ أَفراقٍ. ثم اختَلفَ أَصحابُه في الفَرقِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ، أحدُهما: أنَّه سِتونَ رَطلًا.

стр. 1965

والثاني: أنَّه سِتةٌ وثَلاثونَ رَطلًا. والثالِثُ: سِتَّةَ عشَرَ رَطلًا. وهو ظاهِرُ كَلامِ الإمامِ أحمدَ؛ فيَكونُ النِّصابُ مِئةً وسِتِّينَ رَطلًا بالبَغداديِّ، ومِئةً وأربَعةً وأربَعينَ بالمِصريِّ (١). أمَّا ما عدا العَسلَ فقد نَصَّ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ على أنَّه لا زَكاةَ في الحَريرِ ودُودةِ القَزِّ. وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: لأنَّه ليسَ بمَنصوصٍ ولا في مَعنى المَنصوصِ. وأضاف صاحِبُ «مَطالِب أُولي النُّهى» الصُّوفَ والشَّعرَ واللَّبنَ، وذكَرَ الشافِعيُّ مما لا زَكاةَ فيه أيضًا المِسكَ ونَحوَه من الطِّيبِ (٢).

стр. 1966

فصل في زَكاةِ المَعدِنِ والرِّكازِ زَكاةُ المَعدِنِ والرِّكازِ: المَعدِنُ لُغةً: مَكانُ كلِّ شَيءٍ فيه أَصلُه ومَركَزُه، ومَوضعُ استِخراجِ الجَوهَرِ من ذَهبٍ ونَحوِه (١). وفي الاصطِلاحِ: وأصلُ المَعدِنِ المَكانُ بقَيدِ الاستِقرارِ فيه، ثم اشتَهِرَ في الأَجزاءِ المُستقِرَّةِ التي ركَّبَها اللهُ تعالَى في الأرضِ يَومَ خلَقَ الأرضَ حتى صار الانتِقالُ من اللَّفظِ إليه ابتِداءً بلا قَرينةٍ (٢). وذكَرَ ابنُ قُدامةَ ﵀ تَعريفًا دَقيقًا للمَعدِنِ فقالَ: هو كلُّ ما خرَجَ من الأرضِ مما يُخلَقُ فيها من غيرِها مما له قيمةٌ. وإنَّما قالَ: «ما خرَجَ من الأرضِ» احتِرازًا مما خرَجَ من البَحرِ، وقالَ: «مما يُخلَقُ فيها» احتِرازًا من الكَنزِ الذي يُوضَعُ فيها بفِعلِ البَشرِ لا بخَلقِ اللهِ . وقالَ: «مِنْ غيرِها» احتِرازًا من الطِّينِ والتُّرابِ؛

стр. 1967

لأنَّه من الأرضِ. وقَولُه: «ممَّا له قيمةٌ» (١) ليُمكِنَ أنْ يَكونَ مما لا تَتعلَّقُ به الحُقوقُ. وقد مَثَّل له بالذَّهبِ والفِضةِ والرَّصاصِ والحَديدِ واليَاقوتِ والزَّبرجَدِ والعَقيقِ والكُحلِ، وكذلك المَعادِنُ الجَاريةُ، كالقارِ والنِّفطِ والكِبريتِ ونَحوِ ذلك (٢). الكَنْزُ: من مَعاني الكَنزِ: المالُ المَدفونُ تحتَ الأرضِ، وجَمعُه كُنوزٌ، مِثلَ فِلْسٍ وفُلوسٍ. ومن مَعانِيه الادِّخارُ، يُقالُ: كَنَزتُ التَّمرَ في وِعائِه أكنِزُه (٣). وفي الاصطِلاحِ: هو المالُ الذي دفَنَه بَنو آدمَ في الأرضِ (٤). والفَرقُ بينَ المَعدِنِ والكَنزِ أنَّ المَعدِنَ: هو ما خلَقَه اللهُ تعالَى في الأرضِ، والكَنزُ: هو المالُ المَدفونُ بفِعلِ الناسِ.

стр. 1968

الرِّكازُ: الرِّكازُ لُغةً: هو دَفينُ أهلِ الجاهليَّةِ، كأنَّه ركَزَ في الأرضِ، مِنْ ركَزَ يَركُزُ رَكزًا بمَعنى: ثبَت واستقَرَّ، أو من ركَزَ إذا خفِيَ، قالَ: ركَزتُ الرُّمحَ إذا أخفَيتُ أصلَه (١). وفي الاصطِلاحِ: هو ما وُجدَ مَدفونًا من عَهدِ الجاهليَّةِ، وبهذا قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ. وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إنَّ الرِّكازَ مالٌ مَركوزٌ تحتَ أرضٍ أعَمُّ من كَونِ رَاكِزِه الخالِقَ أو المَخلوقَ فيَشمَلُ عندَهم المَعدِنَ والكَنزَ، فالرِّكازُ اسمٌ لهما جَمعيًا (٢). أنواعُ المَعادِنِ: قسَّم الحَنفيةُ وبعضُ الحَنابِلةِ المَعادِنَ إلى ثَلاثةِ أَنواعٍ، وذلك من ناحيةِ جِنسِها، فقالوا: مُنطبِعٌ بالنارِ ومائِعٌ وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائِعٍ: أ- أمَّا المُنطبِعُ فكالذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ والصُّفرِ وغيرِها، وهذا النَّوعُ يَقبَلُ الطَّرقَ والسَّحبَ، فتُعمَلُ منه صَفائحُ وأَسلاكٌ ونَحوُها.

стр. 1969

ب- والمائِعُ كالقيرِ والنِّفطِ. ج- وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائِعٍ كالنَّورةِ والجِصِّ والجَواهِرِ والياقوتِ واللُّؤلؤِ والفَيروزِ والكُحلِ، وهذا النَّوعُ لا يَقبَلُ الطَّرقَ والسَّحبَ؛ لأنَّه صُلبٌ (١). وقسَّمَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ المعادِنَ من ناحيةِ استِخراجِها إلى قِسمَينِ: أ - المَعدِنُ الظاهِرُ: وهو ما خرَجَ بلا عِلاجٍ وإنَّما العِلاجُ من تَحصيلِه كنِفطٍ وكِبريتٍ. ب - والمَعدِنُ الباطِنيُّ: هو ما لا يَخرجُ إلا بعِلاجٍ، كذَهبٍ وفِضةٍ وحَديدٍ ونُحاسٍ (٢). الأَحكامُ المُختلِفةُ للمَعادِنِ: مِلكيَّةُ المَعادِنِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مِلكيَّةِ المَعادِنِ. فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا وُجدَ مَعدِنُ ذَهبٍ أو فِضةٍ أو حَديدٍ أو صُفرٍ أو رَصاصٍ أو نُحاسٍ ونَحوِ ذلك في أرضِ خَراجٍ أو عُشرٍ أُخذَ منه الخُمسُ وباقيه لِواجِدِه، وكذا إذا وُجدَ في الصَّحراءِ التي ليسَت بعُشريَّةٍ ولا خَراجيَّةٍ.

стр. 1970

وأمَّا المائِعُ كالنِّفطِ والقارِ ونَحوِ ذلك وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائِعٍ كالنَّورةِ والجِصِّ، وكذلك الجَواهرُ كالياقوتِ والبِلَّورِ ونَحوِ ذلك فلا شَيءَ فيها، وكلُّها لواجِدِها. قالوا: لأنَّ الجِصَّ والنَّورةَ ونَحوَها من أَجزاءِ الأرضِ، فكانَ كالتُّرابِ. والياقوتُ والفُصوصُ من جِنسِ الحِجارةِ إلا أنَّها أَحجارٌ مُضيئةٌ ولا خُمسَ في الحَجرِ. وأمَّا المائِعُ كالقِيرِ والنِّفطِ؛ فلأنَّه ماءٌ، وأنَّه مما لا يُقصدُ بالاسِتيلاءِ. ولو وجَدَ في دارِه مَعدِنًا فليسَ فيه شَيءٌ عندَ أَبي حَنيفةَ، وقالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: فيه الخُمسُ، والباقي لِواجدِه. وإنْ وُجدَ في أرضِه فعن أَبي حَنيفةَ فيه رِوايتانِ: رِوايةُ الأصلِ: لا يَجِبُ. ورِوايةُ الجامِعِ الصَّغيرِ: يَجِبُ. ولو وجَدَ مُسلمٌ مَعدِنًا في دارِ الحَربِ في أرضٍ غيرِ مَملوكةٍ لأحَدٍ فهو للواجِدِ، ولا خُمسَ فيه، ولو وجَدَه في مِلكِ بعضِهم فإنْ دخَلَ عليهم بأَمانٍ رَدَّه عليهم: ولو لم يَردَّ وأخرَجَه إلى دارِ الإِسلامِ يَكونُ مِلكًا له، إلا أنَّه لا يَطيبُ له، وسَبيلُه التَّصدقُ به. وإنْ دخَلَ بغيرِ أَمانٍ يَكونُ له من غيرِ خُمسٍ (١).

стр. 1971

وقالوا: ليسَ لِلإمامِ أنْ يَقطعَ ما لا غِنى لِلمسلِمينَ عنه من المَعادنِ الظاهِرةِ، وهي ما كانَ جَوهرُها الذي أودَعه اللهُ في جَواهرِ الأرضِ بارِزًا كمَعادِنِ المِلحِ والكُحلِ والقارِ والنِّفطِ، فلو أقطَعَ هذه المَعادنَ الظاهِرةَ لم يَكنْ لأَقطاعِها حُكمٌ، بل المُقطَعُ وغَيرُه سَواءٌ، فلو منَعَهم المُقطِعُ كانَ بمَنعِه مُتعدِّيًا، وكان لِما أخَذَه مالِكًا؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بالمَنعِ لا بالأخذِ، وكُفَّ عن المَنعِ وصُرِف عن مُداوَمةِ العَملِ لِئلَّا يَشتبهَ أَقطاعُه بالصِّحةِ أو يَصيرَ منه في حُكمِ الأَملاكِ المُستقِرَّةِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ المَعادِنَ أمرُها لِلإمامِ يَتصرَّفُ فيها بما يَرى أنَّه المَصلَحةُ، وليسَت بتَبعِ الأرضِ التي هي فيها، مَملوكةً كانَت أو غيرَ مَملوكةٍ، ولِلإمامِ أنْ يُقطِعَها لمَن يَعمَلُ فيها بوَجهِ الاجتِهادِ حَياةَ المُقطِعِ له أو مُدةً ما من الزَّمانِ من غيرِ أنْ يَملكَ أصلَها ويَأخذَ منها الزَّكاةَ على كلِّ حالٍ على ما جاءَ عن النَّبيِّ ﷺ من أنَّه: «أَقطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ مَعادِنَ القَبلِيَّةِ وهي من ناحِيةِ الفَرعِ، فتلك المَعادِنُ لَا يُؤخَذُ منها إلا الزَّكاةُ إلى اليَومِ» (٢). إلا أنْ تَكونَ في أرضِ قَومٍ صالَحوا عليها، فيَكونوا أحَقَّ بها يُعامَلونَ فيها كيف شاؤُوا، فإنْ أسلَموا رجَعَ أمرُها إلى الإمامِ، هذا ما يَراه ابنُ القاسِمِ، ورِوايَتُه عن مالِكٍ ووِجهةُ هذا القَولِ أنَّ المَعادِنَ التي في جَوفِ الأرضِ أقدَمُ من مالِكِ المالِكينَ لها، فلم يُجعَلْ ذلك مِلكًا لهم بمِلكِ الأرضِ؛ إذْ هو ظاهِرُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّ الْأَرْضَ

стр. 1972

لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٨]. فوجَبَ بنَحوِ هذا الظاهِرِ أنْ يَكونَ ما في جَوفِ الأرضِ من المَعادِنِ فَيئًا لجَميعِ المسلِمينَ بمَنزِلةِ ما لم يُوجَفْ عليه بخَيلٍ ولا رِكابٍ (١). وقالَ المالِكيةُ في قَولٍ آخَرَ: إنَّها تَتبَعُ لِلأرضِ التي هي فيها، فإنْ كانَت في أرضٍ حُرَّةٍ أو في أرضِ العَنوةِ أو في الفَيافي التي هي غيرُ مُمتلَكةٍ كانَ أمرُها إلى الإمامِ يُقطِعُها لمَن يَعمَلُ فيها، أو يُعامِلُ الناسَ على العَملِ فيها لجَماعةِ المسلِمينَ على ما يَجوزُ له، ويَأخذُ منها الزَّكاةَ على كلِّ حالٍ. وإنْ كانَت في أرضٍ مُمتلَكةٍ فهي مِلكٌ لِصاحبِ الأرضِ يَعمَلُ فيها ما يَعمَلُ ذو الِملكِ في مِلكِه. وإنْ كانَت في أرضِ الصُّلحِ كانَ أهلُ الصُّلحِ أحَقَّ بها، إلا أنْ يُسلِموا فتَكونَ لهم. هذا ما قالَه سحنُونٌ، ومِثلُه لمالِكٍ في كِتابِ ابنِ المَوازِ؛ لأنَّه لمَّا كانَ الذَّهبُ والفِضةُ ثابتَينِ في الأرضِ كانا لِصاحِبِ الأرضِ بمَنزِلةِ ما نبَتَ فيها من الحَشيشِ والشَّجرِ (٢). وقالَ الشافِعيةُ: المَعدِنُ نَوعانِ: ظاهِرٌ وباطِنٌ، فالظاهِرُ هو ما خرَجَ، أي: برَز جَوهَرُه بلا عِلاجٍ، أي عَملٍ، وإنَّما العَملُ والسَّعيُ في تَحصيلِه، وقد يَسهُلُ، وقد لا يَسهُلُ، كنِفطٍ، وكِبريتٍ، وقارٍ، وبِرامٍ (٣)، وأَحجارِ رَحًى،

стр. 1973

وأَحجارِ نَورةٍ، ومَدَرٍ، وجِصٍّ، ومِلحٍ مائِيٍّ، وكذا جَبليٌّ إنْ لم يُحوِجْ إلى حَفرٍ وتَعبٍ لا يُملَكُ بالإِحياءِ، ولا يَثبُتُ فيه اختِصاصٌ بتَحجُّرٍ ولا اقتِطاعٍ من سُلطانٍ؛ لأنَّ هذه الأُمورَ مُشتركةٌ بينَ الناسِ مُسلمِهم وكافِرِهم، كالماءِ والكَلأِ، «ولأنَّ الأَبيَضَ بنَ حمَّالٍ سأَلَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُقطِعَه مِلحَ مَأرِبَ، فأَرادَ أنْ يُقطِعَه، أو قالَ (الراوي) أقْطَعَه إيَّاهُ، فقالَ له رَجلٌ: إنَّهُ كَالماءِ العَدِّ (أي العَذبِ) قالَ: فَلا إذَنْ» (١). ولا فَرقَ بينَ أَقطاعِ التَّمليكِ وأَقطاعِ الإرفاقِ، خِلافًا للزَّركَشيِّ الذي قيَّدَ المَنعَ بالأولِ. والمَعدِنُ الباطِنُ، هو ما لا يَخرجُ -أي لا يَظهَرُ جَوهَرُه- إلا بعِلاجٍ كذَهبٍ، وفِضةٍ، وحَديدٍ، ورَصاصٍ، ونُحاسٍ، وفَيروزٍ، ويَاقوتٍ، وعَقيقٍ، وسائِرِ الجَواهِرِ المَبثوثةِ في طَبقاتِ الأرضِ، ولا يُملَكُ بالحَفرِ والعَملِ في مَواتٍ بقَصدِ التَّملُّكِ في الأظهَرِ، كالمَعدِنِ الظاهِرِ. والثاني: يُملَكُ بذلك إذا قُصدَ التَّملُّكُ كالمَواتِ. ومن أَحيا مَواتًا فظهَرَ فيها مَعدِنٌ كذَهبٍ ملَكَه جَزمًا؛ لأنَّه بالإِحياءِ ملَك الأرضَ بجَميعِ أَجزائِها، ومِن أَجزائِها المَعدِنُ، فإذا كانَ عالِمًا بأنَّ في البُقعةِ المُحياةِ مَعدِنًا فاتَّخَذَ عليه دارًا ففيه طَريقانِ: أحدُهما: أنَّ الراجِحَ عَدمُ تَملُّكِه لِفَسادِ القَصدِ وهو المُعتمَدُ. والطَّريقُ الثانِي: القَطعُ بأنَّه يَملِكُه.

стр. 1974

وإذا كانَ المَعدِنُ الذي وُجدَ فيما أَحياه ظاهِرًا فلا يَملِكُه بالإِحياءِ إنْ عَلِمه لظُهورِه من حيثُ إنَّه لا يَحتاجُ إلى عِلاجٍ، أمَّا إذا لم يَكنْ يَعلمُه فإنَّه يَملِكُه وهو المُعتمَدُ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: إنَّ المَعادِنَ الجامِدةَ كالذَّهبِ والفِضةِ والرَّصاصِ والكُحلِ وسائِرِ الجَواهِرِ كالياقوتِ والزُّمرُّدِ ونَحوِها، فتُملَّكُ بمِلكِ الأرضِ التي هي فيها؛ لأنَّها جُزءٌ من أَجزاءِ الأرضِ، فهي كالتُّرابِ والأَحجارِ الثابِتةِ، فقد رُوي: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أقطَعَ بلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ أرضَ كذا من مَكانِ كذا، وما كانَ فيها من جَبلٍ أو مَعدِنٍ. قالَ: فباعَ بَنو بِلالٍ من عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ أرضًا، فخرَجَ فيها مَعدِنانِ، فقالوا: إنَّما بِعناكَ أرضَ حَرثٍ ولم نَبِعْك المَعدِنَ، وجاؤوا بكِتابِ القَطيعةِ التي قطَعَها رَسولُ اللهِ ﷺ لِأبيهم في جَريدةٍ، قالَ: فجعَلَ عُمرُ يَمسَحُها على عَينَيه وقالَ لقيِّمِه: انظُرْ ما استَخرَجتَ منها وما أنفَقتَ عليها فقاضِهم بالنَّفقةِ ورَدَ عليهم الفَضلَ» (٢)، فعلى هذا ما يَجِدُه في مِلكٍ أو في مَواتٍ فهو أحَقُّ به. وإنْ سبَقَ اثنانِ إلى مَعدِنٍ في مَواتٍ فالسابِقُ أَوْلى به ما دامَ يَعملُ فإذا ترَكه جازَ لغيرِه العَملُ فيه وما يَجدُه في مَملوكٍ يَعرفُ مالِكَه فهو لمالِكِ المَكانِ.

стр. 1975

أمَّا المَعادِنُ الجاريةُ كالقارِ والنِّفطِ والكِبريتِ ونَحوِ ذلك فهي مُباحةٌ على كلِّ حالٍ، وهو أحَقُّ به لقَولِه ﷺ : «من سبَقَ إلى ما لم يَسبِقْ إليه مُسلمٌ فهُو له» وفي رِوايةٍ: «فهُو أَحقُّ به» (١)؛ ولأنَّه لو سبَقَ إلى المُباحِ الذي لا يَملِكُ أرضَه فهو أحَقُّ به، فهنا أَولى، إلا أنَّه يُكرَهُ له دُخولُ مِلكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، وهل يَملِكُه؟ على رِوايتَينِ: أصَحُّهما: لا يَملِكُه لقَولِه ﷺ : «الناسُ شُرَكاءُ في ثَلاثٍ: الماءِ، والكَلأِ، والنَّارِ» (٢)؛ ولأنَّها ليسَت من أَجزاءِ الأرضِ، فلم يَملِكْها بمِلكِ الأرضِ كالكَنزِ. والثانية: يَملِكُها؛ لأنَّها خارِجةٌ من أرضِه، أشبَهَ المَعادِنَ الجامِدةَ والزُّروعَ (٣). حَوَلانُ الحَولِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في أظهَرِ قَولَيْه إلى أنَّه لا يُعتبَرُ الحَولُ في زَكاةِ المَعدِنِ؛ لأنَّه مالٌ مُستَفادٌ من الأرضِ، فلا يُعتبَرُ في وُجوبِ حَقِّه حَولٌ كالزُّروعِ والثِّمارِ؛ ولأنَّ الحَولَ إنَّما يُعتبَرُ في غيرِ هذا لِتَكميلِ النَّماءِ، وهذا يَتكامَلُ نَماؤُه دُفعةً واحِدةً، فلا يُعتبَرُ له حَولٌ كالزُّروعِ، وإنَّما يَجبُ وقتَ تَناوُلِه (٤).

стр. 1976

قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: المَعدِنُ بمَنزِلةِ الزَّرعِ يُؤخَذُ منه مِثلُ ما يُؤخذُ من الزَّرعِ يُؤخذُ منه إذا خرَجَ من المَعدِنِ من يَومِه ذلك ولا يَنتظِرُ به الحَولَ كما يُؤخَذُ من الزَّرعِ إذا حصَدَ العُشرَ، ولا يَنتظِرُ أنْ يَحولَ عليه الحَولُ (١). وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ في «البُوَيطيّ»: لا يَجبُ حتى يَحولَ عليه الحَولُ؛ لأنَّه زَكاةُ مالٍ تَتكرَّرُ فيه الزَّكاةُ؛ فاعتُبِر فيه الحَولُ كسائِرِ الزَّكواتِ (٢). الواجِبُ في المَعدِنِ وبأيِّ شَيءٍ يَتعلَّقُ: ذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الواجِبَ في المَعدِنِ الخُمسُ، ويَتعلَّقُ بكلِّ ما يَنطبِعُ كالذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ والرَّصاصِ والنُّحاسِ الصُّفرِ، سَواءٌ أخرَجه حُرٌّ أو عبد أو ذِميٌّ أو صَبيٌّ أو امرَأةٌ وما بقِيَ فلِلآخِذِ، وسَواءٌ وُجدَ في أرضٍ عُشريَّةٍ أو خَراجيَّةٍ. وأمَّا المَعدِنُ المائِعُ كالقيرِ والنِّفطِ، وما ليسَ بمُنطبِعٍ ولا مائِعٍ كالنَّورةِ، والجِصِّ، والجَواهرِ، واليَواقيتِ، فلا شَيءَ فيها؛ لأنَّ الجِصَّ والنَّورةَ ونَحوَها من أَجزاءِ الأرضِ؛ فكانَ كالتُّرابِ، واليَاقوتُ والفُصوصُ من جِنسِ الأَحجارِ إلا أنَّها أَحجارٌ مُضيئةٌ ولا خُمسَ في الحَجرِ (٣).

стр. 1977

وقالَ المالِكيةُ: تَجبُ -تَتعلَّقُ- في المَعدِنِ من ذَهبٍ أو فِضةٍ دونَ غيرِها الزَّكاةُ؛ لأنَّ غيرَ الذَّهبِ والفِضةِ من المَعادِنِ ليسَت من الأَموالِ المُزكَّاةِ، فلم يَجبْ فيها حَقُّ المَعدِنِ، والأصلُ عَدمُ الوُجوبِ، وقد ثبَتَت في الذَّهبِ والفِضةِ بالإِجماعِ؛ فلا تَجبُ فيما سِواه إلا بدَليلٍ صَريحٍ. أمَّا القَدرُ الواجِبُ فيه فعن مالِكٍ فيه رِوايتانِ: إِحداهُما: فيه رُبعُ العُشرِ؛ «لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَقطَعَ بِلالَ بنَ الحارِثِ المُزنِيَّ مَعادِنَ القَبليَّةِ وَهِيَ من نَاحِيَةِ الفَرعِ، فتِلكَ المَعادِنُ لَا يُؤخَذُ منها إلا الزَّكاةُ إلَى اليَومِ» (١)؛ ولأنَّه مُستَفادٌ من الأرضِ بكُلفةٍ ومُؤنةٍ فوجَبَ فيه الزَّكاةُ، لا الخُمسُ كالزَّرعِ. والرِّوايةُ الثانيةُ عنه وهي المَذهبُ: إنْ أَصابَها مُجتمِعةً من غيرِ تَعبٍ ومُعالَجةٍ وجَبَ فيه الخُمسُ، وإنْ أَصابَها مُتفرِّقةً بتَعبٍ ومُؤنةٍ فرُبعُ العُشرِ؛ لأنَّه حَقٌّ يَتعلَّقُ بالمُستَفادِ من الأرضِ، فاختَلفَ قَدرُه باختِلافِ المُؤنِ كزَكاةِ الزُّروعِ (٢). وأمَّا الشافِعيةُ فهُم كالمالِكيةِ في أنَّه لا تَجبُ إلا في الذَّهبِ والفِضةِ دونَ غيرِها، إلا أنَّ الشافِعيةَ اختلَفوا في قَدرِ الواجِبِ في المَعدِنِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:

стр. 1978

الصَّحيحُ منها: أنَّه يَجبُ رُبعُ العُشرِ. قالَ الماوَرديُّ: هو نَصُّه في «الأُمّ» و «الإِملاء» و «القَديم» قالَ الشِّيرازيُّ: لأنَّا قد بيَّنا أنَّه زَكاةٌ، وزَكاةُ الذَّهبِ والفِضةِ رُبعُ العُشرِ. وقيلَ: يَجبُ فيه الخُمسُ؛ لأنَّه مالٌ تَجبُ الزَّكاةُ فيه بالوُجودِ، فتَقدَّرَت زَكاتُه بالخُمسِ كالرِّكازِ. والقَولُ الثالِثُ: إنْ أَصابَه من غيرِ تَعبٍ وجَبَ فيه الخُمسُ، وإنْ أصابَه بتَعبٍ وجَب فيه رُبعُ العُشرِ؛ لأنَّه حَقٌّ يَتعلَّقُ بالمُستَفادِ من الأرضِ؛ فاختَلفَ قَدرُه باختِلافِ المُؤنِ كزَكاةِ الزَّرعِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: تَجبُ الزَّكاةُ في المَعدِنِ الذي يَخرجُ من الأرضِ ممَّا يَنطبِعُ كالذَّهبِ والفِضةِ والحَديدِ، ومما لا يَنطبِعُ كالدُّرِّ والفَيروزَجِ والياقوتِ والقيرِ والنَّورةِ ونَحوِ ذلك؛ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٦٧]؛ ولأنَّه مَعدِنٌ فتَعلَّقت الزَّكاةُ بالخارِجِ منه كالأَثمانِ؛ ولأنَّه مالٌ لو غنِمه وجَب عليه خُمسُه، فإذا أخرَجَه من مَعدِنٍ وجَبَت فيه الزَّكاةُ كالذَّهبِ. والواجِبُ في المَعدِنِ عندَهم رُبعُ العُشرِ، وصِفتُه أنَّه زَكاةٌ؛ لحَديثِ بِلالِ بنِ الحارِثِ المُزنِيِّ السابِقِ؛ ولأنَّه حَقٌّ يَحرُمُ على أَغنياءِ ذوي القُربى، فكانَ زَكاةً كالواجِبِ (٢).

стр. 1979

اعتِبارُ النِّصابِ في المَعدِنِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى اعتِبارِ النِّصابِ في المَعدِنِ وهو ما يَبلُغُ من الذَّهبِ عِشرينَ مِثقالًا، ومن الفِضةِ مِئتَيْ دِرهمٍ، أو قيمةَ ذلك من غيرِهما. لِعُمومِ قَولِه ﷺ : «ليسَ فيمَا دُونَ خَمسةِ أَواقٍ صَدقةٌ» (١)، وقَولِه ﷺ : «ليسَ فِي تِسعينَ وَمِئةٍ شَيءٌ» (٢) وقَولِه ﷺ : «ليس عليكم في الذَّهبِ شَيءٌ حتى يَبلُغَ عِشرينَ مِثقالًا» (٣)؛ ولأنَّ المَعدِنَ ليسَ برِكازٍ، وهو مُفارِقٌ له من حيثُ إنَّ الرِّكازَ مالُ كافِرٍ أُخذَ في الإِسلامِ أشبَهَ الغَنيمةَ، وهذا إنَّما وجَبَ مُواساةً وشُكرًا لنِعمةِ الغِنى فاعتُبِر له النِّصابُ كسائِرِ الزَّكواتِ، وإنَّما لم يُعتبَرِ الحَولُ لحُصولِه دُفعةً واحِدةً، فأشبَهَ الزَّرعَ والثِّمارَ (٤). قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: أَرى -واللهُ أعلمُ- ألَّا يُؤخَذَ من المَعادِنِ مما يُخرَجُ منها شَيءٌ حتى يَبلُغَ ما يُخرَجُ منها قَدرَ عِشرينَ دِينارًا عَينًا أو مِئتَيْ دِرهمٍ، فإذا بلَغَ ذلك ففيه الزَّكاةُ مَكانَه، وما زادَ على ذلك أُخذَ

стр. 1980

بحِسابِ ذلك ما دامَ في المَعدِنِ نَيلٌ، فإذا انقطَعَ عِرقُه ثم جاءَ بعدَ ذلك نَيلٌ فهو مِثلُ الأولِ يُبتدَأُ فيه الزَّكاةُ كما ابتُدئَت في الأولِ (١). وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه يَجبُ الخُمسُ في قَليلِه وكَثيرِه من غيرِ اعتِبارِ نِصابٍ؛ لأنَّه يَعتبِرُه من الرِّكازِ، وفي الرِّكازِ الخُمسُ كما قالَ ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ» (٢)؛ ولأنَّه لا يُعتبَرُ له حَولٌ، فلا يُعتبَرُ له نِصابٌ كالرِّكازِ (٣). مَصرِفُ زَكاةِ المَعدِنِ: أي: الفِئاتُ التي تُصرَفُ إليها زَكاةُ المَعدِنِ، وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك: فقالَ الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀: مَصرِفُه مَصرِفُ الفَيءِ إنْ وجَدَه في أرضِ الخِراجِ أو العُشرِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ» (٤) وهو مِنْ الرَّكزِ، فأُطلِق على المَعدِنِ، وأمَّا إذا وجَدَه في دارِه فهو له، وليسَ فيه شَيءٌ؛ لأنَّه من أَجزاءِ الأرضِ مُركَّبٌ فيها، ولا مُؤنةَ في سائِرِ أَجزاءِ الدَّارِ فكذا في هذا الجُزءِ؛ لأنَّ الجُزءَ لا يُخالِفُ الجُملةَ، بخِلافِ الكَنزِ؛ لأنَّه غيرُ مُركَّبٍ فيها. وذهَبَ إلى أنَّ هذا الخُمسَ يُصرَفُ مَصرِفَ الغَنيمةِ؛ لأنَّ هذه الأَشياءَ كانَت في أَيدي الكَفرةِ فحَوَتها أيدينا غَلبةً فكانَت غَنيمةً.

стр. 1981

وذهَبَ الإِمامانِ مالِكٌ وأحمدُ إلى أنَّ مَصرِفَه مَصرِفُ الزَّكاةِ. واختَلفَ في ذلك مَذهبُ الشافِعيِّ فقيلَ: مَصرِفُ الزَّكواتِ مُطلَقًا، وهو الصَّحيحُ من المَذهبِ. وقيلَ: إنْ أوجَبْنا الخُمسَ فمَصرِفُه كالفَيءِ، وإنْ أوجَبْنا العُشرَ؛ فمَصرِفُه كالزَّكاةِ (١). ما يَجبُ في مَعادِنِ البَحرِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُستخرَجُ من البَحرِ من الجَواهرِ الكَريمةِ كاللُّؤلؤِ والمَرجانِ، ومن الطِّيبِ كالعَنبرِ. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجبُ في مَعادِنِ البَحرِ شَيءٌ؛ لِما رُوي عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قالَ: «ليسَ في العَنبَرِ زَكاةٌ إنَّما هو شَيءٌ دَسرَه البَحرُ» (٢) (أي لفَظه وأَلقاه). وكذلك رُوي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّه قالَ: «ليسَ العَنبَرُ بغَنيمَةٍ، هو لِلذي وجَدَه (أو أخَذَه)» (٣).

стр. 1982

قالوا: فهذا صَريحٌ في أنَّ العَنبَرَ لا شَيءَ فيه، والعَنبَرُ مُستخرَجٌ من البَحرِ، فكذلك غيرُه من مَعادِنِ البَحرِ لا شَيءَ فيه؛ إذْ لا فَرقَ بينَ مَعدِنٍ وآخَرَ من مَعادِنِ البَحرِ؛ ولأنَّ العَنبَرَ كانَ يُخرَجُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ وخُلفائِه فلم يأتِ فيه سُنةٌ عنه ولا عنهم من وَجهٍ صَحيحٍ. ولأنَّ الأصلَ عَدمُ وُجوبِ شَيءٍ فيه ما لم يَردْ به نَصٌّ؛ ولأنَّه عَفوٌ قياسًا على العَفوِ من صَدقةِ الخَيلِ. وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ وأبو يُوسفَ من الحَنفيةِ إلى وُجوبِ الخُمسِ في اللُّؤلؤِ والعَنبرِ وكلِّ حِليةٍ تَخرُجُ من البَحرِ؛ لِما رُوي عن يَعلى بنِ أُمَيةَ: «أنَّه كتَبَ إلى عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ يَسألُه عن عَنبَرٍ وُجدَ على الساحِلِ، فكتَبَ إليه في جَوابِه أنَّه مالُ اللهِ يُؤتيه مَنْ يَشاءُ، وفيه الخُمسُ»؛ ولأنَّه نَماءٌ يَتكامَلُ عاجِلًا فاقتَضى أنَّه يَجبُ فيه الخُمسُ كالرِّكازِ؛ ولأنَّ الأَموالَ المُستفادَةَ نَوعانِ: من بَرٍّ وبَحرٍ، فلمَّا وجَبَت زَكاةُ ما استُفيدَ من البَرِّ اقتَضى أنْ تَجِبَ زَكاةُ ما استُفيدَ من البَحرِ (١). أمَّا السَّمكُ فقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فلا شَيءَ فيه بحالٍ في قَولِ أهلِ العِلمِ كافَّةً إلا شَيئًا يُروى عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ رَواه أبو عُبيدٍ عنه وقالَ: ليسَ الناسُ على هذا، ولا نَعلَمُ أَحدًا يَعمَلُ به، وقد رُوي ذلك عن أحمدَ أيضًا، والصَّحيحُ: أنَّ هذا لا شَيءَ فيه؛ لأنَّه صَيدٌ، فلم يَجبْ فيه زَكاةٌ، كصَيدِ

стр. 1983

البَرِّ؛ ولأنَّه لا نَصَّ فيه ولا إِجماعَ على الوُجوبِ فيه، ولا يَصحُّ قياسُه على ما فيه الزَّكاةُ، فلا وَجهَ لِإيجابِها فيه (١). أَحكامُ الرِّكازِ: الرِّكازُ كما قُلنا: هو ما وُجدَ مَدفونًا من عَهدِ الجاهليَّةِ، وبهذا قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ. وأمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إنَّ الرِّكازَ مالٌ مَركوزٌ تحتَ أرضٍ أعَمُّ من كَونِ راكِزِه الخالِقَ أو المَخلوقَ فيَشمَلُ عندَهم المَعدِنَ والكَنزَ، فالرِّكازُ اسمٌ لهما جَميعًا (٢). الواجِبُ في الرِّكازِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على وُجوبِ الخُمسِ في الرِّكازِ لقَولِه ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ» (٣)، وهذا يَتناوَلُ دَفنَ الجاهليَّةِ من الذَّهبِ والفِضةِ سَواءٌ كانَ مَضروبًا أو غَيرَه. قال ابنُ المنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الخُمسَ يَجبُ في رِكازِ الذَّهبِ والفِضةِ (٤).

стр. 1984

واختلَفوا في غيرِ النَّقدَينِ الذَّهبِ والفِضةِ من دَفينِ الجاهِليةِ هل فيه الخُمسُ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّ الرِّكازَ يَتناوَلُ كلَّ ما كانَ مالًا مَدفونًا على اختِلافِ أَنواعِه، كالحَديدِ والنُّحاسِ والرَّصاصِ والصُّفرِ والرُّخامِ والأعمِدةِ والآنيةِ والعُروضِ والمِسكِ وغيرِ ذلك. واستدَلُّوا على ذلك بعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ» إذًا الحَديثُ لا يَخُصُّ مَدفونًا دونَ غيرِه، بل هو عامٌّ في جَميعِ ما دفَنَه أهلُ الجاهِليَّةِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ ومالِكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجبُ الخُمسُ إلا في الأَثمانِ (الذَّهبِ والفِضةِ) خاصَّةً دونَ غيرِهما من الأَموالِ والمَعادِنِ؛ لأنَّ الرِّكازَ مالٌ مُستَفادٌ من الأرضِ فاختَصَّ بما تَجبُ فيه الزَّكاةُ قَدرًا ونَوعًا (٢). النِّصابُ في الرِّكازِ: اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُشتَرطُ في الرِّكازِ أنْ يَبلُغَ نِصابًا حتى يَجبَ فيه الخُمسُ أو لا يُشتَرطُ ويَجبُ الخُمسُ في قَليلِه وكَثيرِه؟

стр. 1985

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّه لا يُشتَرطُ النِّصابُ في الرِّكازِ، بل يَجبُ الخُمسُ في قَليلِه وكَثيرِه؛ لعُمومِ قَولِه ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ»، فلَمَّا لم يُحدِّد في ذلك نِصابًا وجَبَ أنْ يَكونَ في قَليلِه وكَثيرِه؛ ولأنَّه مالٌ مَخموسٌ لا يُعتبَرُ فيه النِّصابُ فأشبَهَ الغَنيمةَ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى اشتِراطِ النِّصابِ في الرِّكازِ بِناءً على أنَّ الخُمسَ المَأخوذَ من الرِّكازِ زَكاةٌ. لقَولِه ﷺ : «ليسَ فيما دونَ مِئتَيْ دِرهَمٍ شَيءٌ، وليسَ فيما دونَ عِشرينَ مِثقالًا من الذَّهبِ شَيءٌ». ولم يُفرِّقْ بينَ الرِّكازِ وغَيرِه؛ ولأنَّه حَقٌّ مَصروفٌ إلى أهلِ الصَّدقاتِ، فاعتُبِر فيه النِّصابُ، كسائِرِ الزَّكَواتِ. وأمَّا الخَبرُ الأولُ: فهو عامٌّ، وهذا خاصٌّ، والخاصُّ يُقدَّمُ على العامِّ. فعلى هذا: إذا وُجدَ دونَ النِّصابِ من الذَّهبِ أو الفِضةِ، فإنْ لم يَكنْ معه شَيءٌ من جِنسِه، لم يَجبْ عليه شَيءٌ (٢).

стр. 1986

الحَولُ في الرِّكازِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يُشتَرطُ الحَولُ في الرِّكازِ؛ لأنَّ الحَولَ يُعتبَرُ لتَكامُلِ النَّماءِ، وهذا لا يَتوجَّهُ في الرِّكازِ، ونقَلَ الإِجماعَ في ذلك الماوَرديُّ وابنُ هُبيرةَ. قال الإِمامُ ابنُ هُبيرةَ: واتَّفَقوا على أنَّه لا يُعتبَرُ فيه -أي: الرِّكازِ- الحَولُ (١). وقالَ الإمامُ العَمرانيُّ ﵀: ولا يُعتبَرُ الحَولُ فيما يُؤخَذُ من الرِّكازِ، قَولًا واحِدًا، وهو قَولُ جَميعِ العُلماءِ؛ لأنَّه مُستَفادٌ من الأرضِ، فلا يُعتبَرُ فيه الحَولُ، كالحُبوبِ والثِّمارِ (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا الحَولُ فغَيرُ مُعتبَرٍ في الرِّكازِ، وهو إِجماعُ أهلِ الفَتوى (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الحَولُ فلا يُشتَرطُ فيه بلا خِلافٍ. ونقَلَ الماوَرديُّ فيه الإِجماعَ (٤).

стр. 1987

مَواضعُ الرِّكازِ: أولًا: في دارِ الإِسلامِ: أ- أنْ يَجِدَه في مَواتٍ أو ما لا يُعلَمُ له مالِكٌ من مُسلمٍ أو ذي عَهدٍ مِثلَ الأرضِ التي يُوجَدُ فيها آثارُ المِلكِ كالأبنيةِ القَديمةِ والتُّلولِ وجُدرانِ الجاهِليَّةِ وقُبورِهم فهذا فيه الخُمسُ بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو وجَدَه في هذه الأرضِ على وَجهِها أو في طَريقٍ غيرِ مَسلوكٍ أو قَريةٍ خَرابٍ: فهو كذلك في الحُكمِ لِما رَوى عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبِيه عن جَدِّه قالَ: سُئلَ رَسولُ اللهِ ﷺ عن اللُّقطَةِ؟ فقالَ: «ما كانَ في طَريقٍ مَأتِيٍّ أو في قَريَةٍ عامرَةٍ فعرِّفْها سَنةً، فإنْ جاءَ صاحِبُها وإلَّا فلَك، وما لم يَكنْ في طَريقٍ مَأْتِيٍّ ولا في قَريَةٍ عامِرَةٍ ففيه وفي الرِّكازِ الخُمسُ» (١) (٢). ومعنى طَريقٍ مَأتِيٍّ: مَملوكةٍ قَديمةٍ سُمِّيت بذلك لِإتيانِ الناسِ إليها، ورُوي في طَريقٍ مأتِيٍّ، سُمِّيت بذلك لِإتيانِ الناسِ إليها (٣). ب- أنْ يَجدَ الرِّكازَ في شارِعٍ وطَريقٍ مَسلوكٍ أو قَريةٍ عامِرةٍ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو وجَدَ رِكازًا في شارِعٍ أو طَريقٍ مَسلوكٍ أو قَريةٍ عامِرةٍ هل يُعتبَرُ لُقَطةً أو رِكازًا؟

стр. 1988

فقال الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: هو لُقَطةٌ لقَولِه ﷺ : «ما كانَ منها في طَريقٍ مَيتاءَ، فعرَّفَها حَولًا كامِلًا، فإنْ جاءَ صاحِبُها، وإلا فهِي لك، وما كانَ منها في خَرابٍ ففيها وفي الرِّكازِ الخُمسُ». وقالَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ: هو رِكازٌ (١). ج- أنْ يَجدَ الرِّكازَ في مِلكِه: المِلكُ إمَّا أنْ يَكونَ قد أَحياه أو انتَقلَ إليه. ١ - أنْ يَكونَ مالِكُه هو الذي أَحياه، فإذا وُجدَ فيه رِكازٌ فهو له، وعليه أنْ يُخمِّسَه بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ. ٢ - أنْ يَجدَ الرِّكازَ في مِلكِه المنتَقِلِ إليه إذا انتَقلَ المِلكُ إليه ووُجدَ فيه رِكازٌ فلا يَخلو من حالتَينِ: الحالةُ الأُولى: إذا انتَقلَ المِلكُ عن طَريقِ الإرثِ ووجَدَ فيه رِكازًا فلا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّه لوَرثَتِه. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ انتَقلَت الدارُ بالمِيراثِ، حُكمَ بأنَّه مِيراثٌ، فإنِ اتَّفقَ الوَرثةُ على أنَّه لم يَكنْ لمَوروثِهم، فهو لِأولِ مالِكٍ، فإنْ لم يُعرَفْ أولُ مالِكٍ، فهو كالمالِ الضائِعِ الذي لا يُعرَفُ له مالِكٌ. والأولُ أصَحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تَعالى؛ لأنَّ الرِّكازَ لا يُملَكُ بمِلكِ الدارِ؛ لأنَّه ليسَ من أَجزائِها، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها، فيَنزِلُ مَنزِلةَ المُباحاتِ من الحَشيشِ والحَطبِ والصَّيدِ

стр. 1989

يَجِدُه في أرضِ غيرِه فيَأخذُه فيَكونُ أحَقَّ به، لكنْ إنِ ادَّعى المالِكُ الذي انتَقلَ المِلكُ عنه أنَّه له فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ يَدَه كانَت عليه لِكَونِها على مَحلِّه وإنْ لم يَدعْه فهو لِواجِدِه (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: من ملَكَ دارًا فوجَدَ فيها رِكازًا فهو له إنِ ادَّعاه؛ لأنَّ يدَه عليه، وإنْ لم يَدَّعِه، فهو لمَن ملَكَ الدارَ عنه، فإنْ كانَ قد ملَكَها بمِيراثٍ، فهو مِلكٌ لجَميعِ الوَرثةِ على فَرائضِ اللهِ تعالَى له منه بقَدرِ إرْثِه إنِ ادَّعاه، وإنْ أنكَره فهو لمَن بقِيَ من وَرثَتِه إنِ ادَّعَوْه، وإنْ أنكَروه فهو لمَن ملَكَ المَوروثُ الدارَ عنه، إنْ كانَ باقيًا، أو لوَرثتِه إنْ كانَ ميِّتًا، فإنْ أنكَروه فهو لمَن ملَكوا الدارَ عنه، هكذا أبدًا، وإنْ كانَ قد ملَكَها بابتِياعٍ فهو لِلبائِعِ، إنِ ادَّعاه، وإنْ أنكَرَه فهو لمَن ابتاعَ البائِعُ الدارَ عنه، إنِ ادَّعاه ثم كذلك أبدًا (٢). الحالةُ الثانيةُ: إذا انتَقلَ إليه ببَيعٍ أو هِبةٍ ووجَدَ فيه رِكازًا فقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن يَكونُ له الرِّكازُ. فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لِلمالِكِ الأولِ أو لِوارِثِه إنْ كانَ حَيًّا؛ لأنَّه كانَت يَدُه على الدارِ، فكانَت على ما فيها، وليسَ جَهلُ البائِعِ به ههنا مما يَسقطُ مِلكَه عنه، وإنَّما يَدخُلُ المُشتَري في الشِّراءِ على المُعتادِ، فجَهلُ الأولِ والثاني مُختلِفٌ؛ فجَهلُ الأولِ لا يُزيلُ مِلكَه، ويُوجِبُ له مِلكَ ما في بَطنِها، وإنْ لم

стр. 1990

يَقصِدْه، وجَهلُ المُشتَري لا يُوجِبُ له شِراءَ ما لم يَقصِدْه، ولا يَسقطُ مِلكُ الأولِ؛ لأنَّه لم يَقصِدْ بَيعَه (١). قال ابنُ عابدِين ﵀: وذلك لِما في «البَحر» من أنَّ الكَنزَ مُودَعٌ في الأرضِ، فلَمَّا ملَكَها الأولُ ملَكَ ما فيها، ولا يَخرجُ ما فيها عن مِلكِه ببَيعِها كالسَّمكةِ في جَوفِها دُرَّةٌ (٢). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ وأبو يُوسفَ من الحَنفيةِ وابنُ القاسِمِ من المالِكيةِ إلى أنَّ الباقيَ بعدَ الخُمسِ لِلمالِكِ الأخيرِ الذي وجَدَه، وهو المُشتَري، فإنَّ ما في داخِلها بمَنزِلةِ ما في خارِجها؛ ولأنَّه مالُ كافِرٍ مَظهورٍ عليه في الإِسلامِ، فكانَ لمَن ظهَرَ عليه كالغَنائمِ؛ ولأنَّ الرِّكازَ لا يُملَكُ بمِلكِ الأرضِ؛ لأنَّه مُودَعٌ فيها، وإنَّما يُملَكُ بالظُّهورِ عليه، وهذا قد ظهَرَ عليه فوجَبَ أنْ يَملِكَه. وقد صحَّحَ ابنُ قُدامةَ ﵀ هذه الرِّوايةَ فقالَ: وهذا الأصَحُّ إنْ شاءَ اللهُ تعالى؛ لأنَّ الرِّكازَ لا يُملَكُ إلا بمِلكِ الدارِ؛ لأنَّه ليسَ من أَجزائِها، وإنَّما هو مُودَعٌ فيها فيَنزِلُ مَنزِلةَ المُباحاتِ من الحَشيشِ والحَطبِ والصَّيدِ يَجدُه في أرضِ غيرِه، فيَأخذُه فيَكونُ أحَقَّ به (٣).

стр. 1991

د- أنْ يَجدَ الرِّكازَ في مِلكِ غيرِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في الإِنسانِ إذا وجَدَ الرِّكازَ في مِلكِ غيرِه هل يَملكُه أو يَكونُ لِمالكِ الأرضِ؟ فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ ومالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الرِّكازَ المَوجودَ في دارٍ أو أرضٍ مَملوكةٍ يَكونُ لِصاحِبِ الدارِ أو الأرضِ كالمُستأجِرِ أرضًا أو بَيتًا يَجدُ رِكازًا فيها فيَكونُ لصاحِبِ الأرضِ أو الدارِ (١). وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ وأبو يُوسفَ من الحَنفيةِ ومُطرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ وابنُ نافِعٍ وأصبَغُ من المالِكيةِ والحَسنُ بنُ صالِحٍ وأبو ثَورٍ إلى أنَّه لِواجدِه؛ لأنَّ الإمامَ أحمدَ قالَ في مَسألةِ مَنْ استَأجرَ أجيرًا ليَحفِرَ له في دارِه فأصابَ في الدارِ كَنزًا فهو لِلأجيرِ. نقَلَ ذلك عنه مُحمدُ بنُ يَحيى الكَحالُ قالَ القاضِي: وهو الصَّحيحُ، قالَ ابنُ قُدامةَ: وهذا يَدلُّ على أنَّ الرِّكازَ لواجِدِه، وهو قَولُ الحَسنِ بنِ صالِحٍ وأبي ثَورٍ واستَحسَنه أبو يُوسفَ، وذلك لأنَّ الكَنزَ لا يُملَكُ بمِلكِ الدَّارِ فيَكونُ لمَن وجَدَه، لكنْ إنِ ادَّعاه المالِكُ فالقَولُ قَولُه؛ لأنَّ يَدَه عليه بكَونِها على محَلِّه، وإنْ لم يَدعِه فهو لواجِدِه. وإنِ استَأجرَ حَفارًا ليَحفِرَ له طَلبًا لكَنزٍ يَجدُه فوجَدَه فلا شَيءَ لِلأجيرِ، ويَكونُ الواجِدُ له هو المُستأجِرَ؛ لأنَّه استَأجرَه لذلك فأشبَهَ ما لو استَأجرَه ليَحتشَّ له أو يَصطادَ، فإنَّ الحاصِلَ من ذلك للمُستَأجِرِ دونَ الأجيرِ، وإنِ

стр. 1992

استَأجرَه لأمْرٍ غيرِ طَلبِ الرِّكازِ فالواجِدُ له هو الأجيرُ، وهكذا قالَ الأَوزاعيُّ: إذا استأجَرتُ أجيرًا ليَحفِرَ لي في دارِي فوجَدَ كَنزًا فهو له، وإنْ قُلتُ استأجَرتُك لتَحفِرَ لي ههنا رَجاءَ أنْ أجِدَ كَنزًا فسمَّيتُ له فله أجرُه ولي ما يُوجَدُ. فَصلٌ: وإنِ اكتَرى دارًا فوجَدَ فيها رِكازًا فهو لواجِدِه في أحَدِ الوَجهَينِ والآخَرُ هو للمالِكِ بِناءً على الرِّوايتَينِ فيمَن وجَدَ رِكازًا في مِلكٍ انتَقلَ إليه، وإنِ اختلَفا فقالَ كلُّ واحِدٍ منهما هذا لي فعلى وَجهَينِ: أحدُهما القَولُ قَولُ المالِكِ؛ لأنَّ الدَّفنَ تابِعٌ لِلأرضِ، والثانِي القَولُ قَولُ المُكتَري؛ لأنَّ هذا مُودَعٌ في الأرضِ وليسَ منها، فكانَ القَولُ قَولَ من يَدُه عليها كالقِماشِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ ملَكَ استَأجرَ دارًا من رَجلٍ فوجَدَ فيها رِكازًا فادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّها له، فالقَولُ قَولُ المُستأجِرِ؛ لأنَّ يَدَ المُستأجِرِ على الدَّارِ وما فيها فكانَ القَولُ قَولَه فيما في يَدِه. قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وإنْ وجَدَ الرَّجلُ الرِّكازَ في دارِ رَجلٍ وفيها ساكِنٌ غيرُ ربِّها وادَّعى ربُّ الدارِ الرِّكازَ له فالرِّكازُ للساكِنِ كما يَكونُ للساكِنِ المَتاعُ الذي في الدارِ الذي ببِناءٍ أو غيرُ مُتَّصلٍ ببِناءٍ (٢). وقالَ العَمرانيُّ ﵀: وإنِ اكتَرى من رَجلٍ دارًا، فوجَدَ فيها رِكازًا، فادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه له، قالَ الشافِعيُّ: (فالقَولُ قَولُ المُكتَري).

стр. 1993

وقالَ المُزنِيُّ: القَولُ قَولُ المُكري، وهذا خَطأٌ؛ لأنَّ يَدَ المُكتَري على الدارِ وما فيها، فكانَ القَولُ قَولَه فيما في يَدِه. ولا يُحكَمُ بأنَّه رِكازٌ إلا بأنْ يَكونَ من مالٍ جاهِليٍّ، يُعلَمُ أنَّ مِثلَه لم يُضرَبْ في الإِسلامِ، بأنْ يَكونَ عليه اسمُ أحَدٍ من مُلوكِ أهلِ الشِّركِ أو صُورةُ الصُّلبانِ؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لمُشرِكٍ. فأمَّا إذا كانَ عليه آيةٌ من كِتابِ اللهِ، أو اسمِ النَّبيِّ ﷺ ، أو أحَدٌ من خُلفاءِ المُسلِمينَ، فليسَ برِكازٍ، بل هو لُقطةٌ يَجبُ تَعريفُها (١). ثانيًا: أنْ يَجدَ الرِّكازَ في دارِ الحَربِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ دخَلَ دارَ الحَربِ فوجَدَ فيها رِكازًا هل يَجبُ فيه الخُمسُ أم يَكونُ كلُّه لواجِدِه؟ فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ الإِنسانَ إذا وجَدَ الرِّكازَ في دارِ الحَربِ فإنْ وجَدَه في أرضٍ ليسَت مَملوكةً لأحَدٍ فهو للواجِدِ ولا خُمسَ فيه؛ لأنَّه مالٌ أخَذَه لا على طَريقِ القَهرِ والغَلبةِ لانعِدامِ غَلبةِ أهلِ الإِسلامِ على ذلك المَوضِعِ فلم يَكنْ غَنيمةً فلا خُمسَ فيه، ويَكونُ الكلُّ له؛ لأنَّه مُباحٌ استَولى عليه بنَفسِه فيَملِكُه كالحَطبِ والحَشيشِ، وسَواءٌ دخَلَ بأمانٍ، أو بغيرِ أمانٍ؛ لأنَّ حُكمَ الأمانِ يَظهَرُ في المَملوكِ لا في المُباحِ. وإنْ وجَدَه في أرضٍ مَملوكةٍ لبعضِهم، فإنْ كانَ دخَلَ بأمانٍ رَدَّه إلى صاحِبِ الأرضِ؛ لأنَّه إذا دخَلَ بأمانٍ لا يَحلُّ له أنْ يَأخذَ شَيئًا من أَموالِهم

стр. 1994

بغيرِ رِضاهم لِما في ذلك من الغَدرِ والخِيانةِ في الأمانةِ، فإنْ لم يَرُدَّه إلى صاحِبِ الأرضِ يَصرْ مِلكًا له، لكنْ لا يَطيبُ له؛ لتَمكُّنِ خَبثِ الخيانةِ فيه، فسَبيلُه التَّصدقُ به، فلو باعَه يَجوزُ بَيعُه لِقيامِ المِلكِ، لكنْ لا يَطيبُ للمُشتَري بخِلافِ بَيعِ المُشتَري شِراءً فاسِدًا. وإنْ كانَ دخَلَ بغيرِ أمانٍ حلَّ له ولا خُمسَ فيه. أمَّا الحِلُّ؛ فلأنَّ له أنْ يَأخذَ ما ظفِرَ به من أَموالِهم من غيرِ رِضاهم. وأمَّا عَدمُ وُجوبِ الخُمسِ؛ فلأنَّه غيرُ مَأخوذٍ على سَبيلِ القَهرِ والغَلبةِ فلم يَكنْ غَنيمةً فلا يَجبُ فيه الخُمسُ حتى لو دخَلَ جَماعةٌ مُمتنِعونَ في دارِ الحَربِ فظَفِروا بشَيءٍ من كُنوزِهم يَجبُ فيه الخُمسُ، ولكَونِه غَنيمةً لحُصولِ الأخذِ على طَريقِ القَهرِ والغَلبةِ (١). وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ مَنْ وجَدَ رِكازًا في بِلادِ الحَربِ يَجبُ فيه الخُمسُ وباقيه لواجِدِه ولا فَرقَ بينَ أنْ يَجدَه في بِلادِ الإِسلامِ أو بِلادِ الحَربِ لعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وفي الرِّكازِ الخُمسُ» ولم يُفرِّقْ بينَ دارِ الإِسلامِ ودارِ غيرِ الإِسلامِ (٢). وأمَّا الحَنابِلةُ فقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: القِسمُ الرابِعُ: أنْ يَجدَه -أي: الرِّكازَ- في أرضِ الحَربِ، فإنْ لم يَقدرْ عليه إلا بجَماعةٍ من المسلِمينَ

стр. 1995

فهو غَنيمةٌ له، وإنْ قدِرَ عليه بنَفْسِه فهو لوَاجدِه حُكمُه حُكمُ ما لو وجَدَه في مَواتٍ في أرضِ المُسلِمينَ، وقالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: إنْ عرَفَ مالِكَ الأرضِ وكان حَربيًّا فهو غَنيمةٌ أيضًا؛ لأنَّه في حِرزِ مالِكٍ مُعيَّنٍ فأشبَه ما لو أخَذَه من بَيتٍ أو خِزانةٍ. ولنا: أنَّه ليسَ لمَوضِعه مالِكٌ مُحتَرمٌ أشبَهَ ما لو لم يَعرِفْ مالِكَه، ويُخرَّجُ لنا مِثلُ قَولِهم بِناءً على قَولِنا: إنَّ الرِّكازَ في دارِ الإِسلامِ يَكونُ لِمالِكِ الأرضِ (١). مَصرِفُ خُمسِ الرِّكازِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في مَصرِفِ الرِّكازِ هل يُصرَفُ مَصرِفَ الفَيءِ أو مَصرِفَ الزَّكاةِ؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبه قالَ المُزنيُّ وابنُ الوَكيلِ من الشافِعيةِ إلى أنَّ خُمسَ الرِّكازِ يُصرَفُ مَصرِفَ الفَيءِ -الغَنيمةِ- وليسَ بزَكاةٍ. ومِن ثَم فإنَّه حَلالٌ للأَغنياءِ، ولا يَختَصُّ بالفُقراءِ، وهو لمَصالحِ المُسلِمينَ، ولا يَختَصُّ بالأَصنافِ الثَّمانيةِ. واحتَجُّوا على ذلك بما رَوى أبو عُبيدٍ عن الشَّعبيِّ أنَّ رَجلًا وجَدَ ألفَ دِينارٍ مَدفونةً خارِجًا من المَدينةِ، فأَتى بها عُمرَ بنَ الخَطابِ ﵁ فأخَذَ منها الخُمسَ مِئتَيْ دينارٍ، ودفَعَ إلى الرَّجلِ بَقيَّتَها، وجعَلَ عُمرُ يَقسِمُ المِئتَينِ

стр. 1996

بينَ مَنْ حضَرَه من المُسلِمينَ، إلى أنْ فضَلَ منها فَضلةٌ فقالَ: أينَ صاحِبُ الدَّنانيرِ؟ فقامَ إليه فقالَ عُمَرُ: خُذْ هذه الدَّنانيرَ فهي لك (١). ولو كانَ المَأخوذُ زَكاةً لخَصَّ بها أهلَها ولم يَرُدَّه على واجِدِه؛ ولأنَّه مالٌ مَخموسٌ زالَت عنه يَدُ الكافِرِ، أشبَهَ خُمسَ الغَيمةِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجبُ صَرفُ خُمسِ الرِّكازِ مَصرِفَ الزَّكاةِ لِما رُويَ عن عبدِ اللهِ بن بِشرٍ الخَثعَميِّ عن رَجلٍ من قَومِه يُقالُ له ابنُ حُمَمةَ قالَ: «سقَطَت عليَّ جَرةٌ من دَيرٍ قَديمٍ بالكُوفةِ عندَ جَبانةِ بَشرٍ فيها أربَعةُ آلافِ دِرهَمٍ، فذهَبْت بها إلى عليٍّ فقالَ: «اقسِمْها خَمسةَ أخماسٍ، فلمَّا أدبَرتُ دَعاني فقالَ: في جيرانِكَ فُقراءُ ومَساكينُ؟ قُلتُ: نَعم، قالَ: فخُذْها فاقسِمْها بينَهم» (٣)؛ ولأنَّه مُستَفادٌ من الأرضِ أشبَهَ المَعدِنَ والزَّرعَ (٤).

стр. 1997

القسم الثالث: إخراجُ الزَّكاةِ: مَنْ وجَبَت عليه الزَّكاةُ إمَّا أنْ يُخرِجَها بإِعطائِها مُباشَرةً إلى الفُقراءِ وسائِرِ المُستحقِّينَ وإمَّا بأنْ يَدفعَها إلى الإمامِ ليَصرِفَها في مَصارفِها. النِّيةُ عندَ أداءِ الزَّكاةِ: اتَّفقَ الأئِمَّةُ الأربَعُة على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا تَصحُّ إلا بنيَّةٍ؛ لأنَّها عِبادةٌ. قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: إِخراجُ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ، فإنْ أخرَجَها بغيرِ نيَّةٍ لم يُجزِئْه، وبه قالَ جميعُ العُلماءِ إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّ إِخراجَها لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَذهبُ عامةِ الفُقهاءِ أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ، إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: لا تَجبُ لها النيَّةُ (٣). وقد استدَلَّ الفُقهاءُ على أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:

стр. 1998

أولًا: الكِتابُ: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وَجهُ الاستِدلالِ هو أنَّ اللهَ جعَلَ الإِخلاصَ وهو النيَّةُ شَرطًا في صِحَّةِ العِبادةِ، والزَّكاةُ عِبادةٌ فيُشتَرطُ لها النيَّةُ. ثانيًا: السُّنةُ: عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ قالَ: سمِعت رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى … » (١)، وأداءُ الزَّكاةِ عَملٌ؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتنوَّعُ إلى فَرضٍ ونَفلٍ افتَقرَت إلى النيَّةِ، كالصَّلاةِ. فإنْ لم يَنوِ ولو جَهلًا أو ناسيًا لم يُجزِئْه ويَجبْ عليه إِخراجُها ثانيةً؛ ولأنَّ جَهلَه أو نِسيانَه دَليلٌ على أنَّه أدَّى الواجِبَ بدونِ قَصدِ التَّعبُّدِ والتَّقرُّبِ إلى اللهِ ، فهو بهذا عَملٌ ميِّتٌ أو صُورةٌ بلا رُوحٍ. ثالثًا: المَعقولُ وهو مِنْ وُجوهٍ: أحدُها: أنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ تَتنوَّعُ فَرضًا، وهو الزَّكاةُ، ونَفلًا، وهو التَّطوُّعُ، وجَبَ أنْ تَفتقِرَ إلى نيَّةٍ كالصَّلاةِ والصِّيامِ (٢). الثاني: أنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ يَتكرَّرُ وُجوبُها فافتَقرَت إلى تَعيينِ النِّيةِ كالصَّلاةِ.

стр. 1999

الثالِثُ: أنَّ مَصرِفَ المالِ إلى الفُقراءِ له جِهاتٌ من زَكاةٍ وكَفارةٍ ونَذرٍ وصَدقةِ تَطوُّعٍ فاعتُبِرت نيَّةُ التَّمييزِ (١). والنِّيةُ الواجِبةُ إمَّا أنْ تَكونَ عن نَفسِه أو عمَّن يَلي على مالِه مِنْ صَبيٍّ أو مَجنونٍ أو سفَيهٍ مَحجورٍ عليه بأنْ يَنويَ ما وجَبَ في مالِه أو في مالِ مَحجورِه (٢). فإنْ دفَعَ وَليُّ الصَّبيِّ والمَجنونِ زَكاةَ مالِهِما بغيرِ نيَّةٍ لم تَقعِ المَوقعَ وعليه الضَّمانُ. وبعدَما قُلنا: إنَّ النِّيةَ شَرطٌ في إِخراجِ الزَّكاةِ فمَتى تَكونُ؟ نَصَّ الحَنفيةُ على ضَرورةِ مُقارنتِها لِلأداءِ ولو حُكمًا، كما لو دفَعَ بلا نيَّةٍ ثم نَوى والمالُ لا يَزالُ قائِمًا في مِلكِ الفَقيرِ، بخِلافِ ما إذا نَوى بعدَما استهلَكَه الفَقيرُ، أو باعَه فلا تُجزِئُ عن الزَّكاةِ. والمُرادُ بالأداءِ الدَّفعُ إلى الفُقراءِ أو الإمامِ أو مُقارنةٌ لِعَزلِ مِقدارِ الواجِبِ منها؛ لأنَّ الزَّكاةَ قد تُؤدَّى مُفرَّقةً فيَتحرَّجُ باستِحضارِ النيَّةِ عندَ أداءِ كلِّ دُفعةٍ فاكتُفِيَ بنيَّةٍ واحِدةٍ عندَ العَزلِ مَنعًا لِلحَرجِ. ولا يُشتَرطُ عِلمُ الفَقيرِ بأنَّها زَكاةٌ على الأصَحِّ، فلو أَعطى مِسكينًا دَراهمَ وسمَّاها هِبةً أو قَرضًا ونَوى الزَّكاةَ، فإنَّها تُجزِئُه؛ لأنَّ العِبرةَ بنيَّةِ الدافِعِ لا بعِلمِ المَدفوعِ إليه.

стр. 2000

والمُعتبَرُ في الدَّفعِ نيَّةُ الآمِرِ حتى لو دفَعَ خَمسةً إلى رَجلٍ وأمرَه أنْ يَدفعَها إلى الفَقيرِ عن زَكاةِ مالِه فدفَعَ ولم تَحضُرْه النيَّةُ عندَ الدَّفعِ جازَ؛ لأنَّ النيَّةَ إنَّما تُعتبَرُ من المُؤدِّي، والمُؤدِّي هو الآمِرُ في الحَقيقةِ، وإنَّما المَأمورُ نائِبٌ عنه في الأداءِ، ولِهذا لو وكَّلَ ذِميًّا بأداءِ الزَّكاةِ جازَ؛ لأنَّ المُؤدِّيَ في الحَقيقةِ هو المُسلِمُ. قال الكاسانِيُّ ﵀: وذُكِر في الفَتاوى عن الحَسنِ بنِ زِيادٍ في رَجُلٍ أَعطى رَجلًا دَراهمَ لِيَتصدَّقَ بها تَطوُّعًا ثم نَوى الآمِرُ أنْ يَكونَ ذلك مِنْ زَكاةِ مالِه، ثم تَصدَّقَ المَأمورُ، جازَ عن زَكاةِ مالِ الآمِرِ. وكذا لو قالَ: «تَصدَّقْ بها عن كَفارةِ يَميني»، ثم نَوى الآمِرَ عن زَكاةِ مالِه جازَ لما ذكَرْنا أنَّ الآمِرَ هو المُؤدِّي من حيثُ المَعنى، وإنَّما المَأمورُ نائِبٌ عنه (١). وعندَ المالِكيةِ: تَجبُ نيَّةُ الزَّكاةِ عندَ عَزلِها أو دَفعِها لمُستحِقِّها، ويَكفي أحدُهما، فإنْ لم يَنوِ عندَ العَزلِ ولا الدَّفعِ وإنَّما نَوى بعدَه أو قبلَها لم تُجِزئْه. وإذا نَواها عندَ العَزلِ وسرَقَها مَنْ يَستحِقُّها: أجزَأتْ. وإنَّما احتاجَت إلى نيَّةٍ؛ لأنَّها عِبادةٌ مُشتمِلةٌ على واجِبٍ وغَيرِه فاحتاجَت إليها.
следующие страницы →