← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 1996–2035 · переход к 2001.

стр. 1996

بينَ مَنْ حضَرَه من المُسلِمينَ، إلى أنْ فضَلَ منها فَضلةٌ فقالَ: أينَ صاحِبُ الدَّنانيرِ؟ فقامَ إليه فقالَ عُمَرُ: خُذْ هذه الدَّنانيرَ فهي لك (١). ولو كانَ المَأخوذُ زَكاةً لخَصَّ بها أهلَها ولم يَرُدَّه على واجِدِه؛ ولأنَّه مالٌ مَخموسٌ زالَت عنه يَدُ الكافِرِ، أشبَهَ خُمسَ الغَيمةِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجبُ صَرفُ خُمسِ الرِّكازِ مَصرِفَ الزَّكاةِ لِما رُويَ عن عبدِ اللهِ بن بِشرٍ الخَثعَميِّ عن رَجلٍ من قَومِه يُقالُ له ابنُ حُمَمةَ قالَ: «سقَطَت عليَّ جَرةٌ من دَيرٍ قَديمٍ بالكُوفةِ عندَ جَبانةِ بَشرٍ فيها أربَعةُ آلافِ دِرهَمٍ، فذهَبْت بها إلى عليٍّ فقالَ: «اقسِمْها خَمسةَ أخماسٍ، فلمَّا أدبَرتُ دَعاني فقالَ: في جيرانِكَ فُقراءُ ومَساكينُ؟ قُلتُ: نَعم، قالَ: فخُذْها فاقسِمْها بينَهم» (٣)؛ ولأنَّه مُستَفادٌ من الأرضِ أشبَهَ المَعدِنَ والزَّرعَ (٤).

стр. 1997

القسم الثالث: إخراجُ الزَّكاةِ: مَنْ وجَبَت عليه الزَّكاةُ إمَّا أنْ يُخرِجَها بإِعطائِها مُباشَرةً إلى الفُقراءِ وسائِرِ المُستحقِّينَ وإمَّا بأنْ يَدفعَها إلى الإمامِ ليَصرِفَها في مَصارفِها. النِّيةُ عندَ أداءِ الزَّكاةِ: اتَّفقَ الأئِمَّةُ الأربَعُة على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا تَصحُّ إلا بنيَّةٍ؛ لأنَّها عِبادةٌ. قال ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: إِخراجُ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ، فإنْ أخرَجَها بغيرِ نيَّةٍ لم يُجزِئْه، وبه قالَ جميعُ العُلماءِ إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّ إِخراجَها لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَذهبُ عامةِ الفُقهاءِ أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ، إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: لا تَجبُ لها النيَّةُ (٣). وقد استدَلَّ الفُقهاءُ على أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:

стр. 1998

أولًا: الكِتابُ: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥]. وَجهُ الاستِدلالِ هو أنَّ اللهَ جعَلَ الإِخلاصَ وهو النيَّةُ شَرطًا في صِحَّةِ العِبادةِ، والزَّكاةُ عِبادةٌ فيُشتَرطُ لها النيَّةُ. ثانيًا: السُّنةُ: عن عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁ قالَ: سمِعت رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّما الأَعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى … » (١)، وأداءُ الزَّكاةِ عَملٌ؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتنوَّعُ إلى فَرضٍ ونَفلٍ افتَقرَت إلى النيَّةِ، كالصَّلاةِ. فإنْ لم يَنوِ ولو جَهلًا أو ناسيًا لم يُجزِئْه ويَجبْ عليه إِخراجُها ثانيةً؛ ولأنَّ جَهلَه أو نِسيانَه دَليلٌ على أنَّه أدَّى الواجِبَ بدونِ قَصدِ التَّعبُّدِ والتَّقرُّبِ إلى اللهِ ، فهو بهذا عَملٌ ميِّتٌ أو صُورةٌ بلا رُوحٍ. ثالثًا: المَعقولُ وهو مِنْ وُجوهٍ: أحدُها: أنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ تَتنوَّعُ فَرضًا، وهو الزَّكاةُ، ونَفلًا، وهو التَّطوُّعُ، وجَبَ أنْ تَفتقِرَ إلى نيَّةٍ كالصَّلاةِ والصِّيامِ (٢). الثاني: أنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ يَتكرَّرُ وُجوبُها فافتَقرَت إلى تَعيينِ النِّيةِ كالصَّلاةِ.

стр. 1999

الثالِثُ: أنَّ مَصرِفَ المالِ إلى الفُقراءِ له جِهاتٌ من زَكاةٍ وكَفارةٍ ونَذرٍ وصَدقةِ تَطوُّعٍ فاعتُبِرت نيَّةُ التَّمييزِ (١). والنِّيةُ الواجِبةُ إمَّا أنْ تَكونَ عن نَفسِه أو عمَّن يَلي على مالِه مِنْ صَبيٍّ أو مَجنونٍ أو سفَيهٍ مَحجورٍ عليه بأنْ يَنويَ ما وجَبَ في مالِه أو في مالِ مَحجورِه (٢). فإنْ دفَعَ وَليُّ الصَّبيِّ والمَجنونِ زَكاةَ مالِهِما بغيرِ نيَّةٍ لم تَقعِ المَوقعَ وعليه الضَّمانُ. وبعدَما قُلنا: إنَّ النِّيةَ شَرطٌ في إِخراجِ الزَّكاةِ فمَتى تَكونُ؟ نَصَّ الحَنفيةُ على ضَرورةِ مُقارنتِها لِلأداءِ ولو حُكمًا، كما لو دفَعَ بلا نيَّةٍ ثم نَوى والمالُ لا يَزالُ قائِمًا في مِلكِ الفَقيرِ، بخِلافِ ما إذا نَوى بعدَما استهلَكَه الفَقيرُ، أو باعَه فلا تُجزِئُ عن الزَّكاةِ. والمُرادُ بالأداءِ الدَّفعُ إلى الفُقراءِ أو الإمامِ أو مُقارنةٌ لِعَزلِ مِقدارِ الواجِبِ منها؛ لأنَّ الزَّكاةَ قد تُؤدَّى مُفرَّقةً فيَتحرَّجُ باستِحضارِ النيَّةِ عندَ أداءِ كلِّ دُفعةٍ فاكتُفِيَ بنيَّةٍ واحِدةٍ عندَ العَزلِ مَنعًا لِلحَرجِ. ولا يُشتَرطُ عِلمُ الفَقيرِ بأنَّها زَكاةٌ على الأصَحِّ، فلو أَعطى مِسكينًا دَراهمَ وسمَّاها هِبةً أو قَرضًا ونَوى الزَّكاةَ، فإنَّها تُجزِئُه؛ لأنَّ العِبرةَ بنيَّةِ الدافِعِ لا بعِلمِ المَدفوعِ إليه.

стр. 2000

والمُعتبَرُ في الدَّفعِ نيَّةُ الآمِرِ حتى لو دفَعَ خَمسةً إلى رَجلٍ وأمرَه أنْ يَدفعَها إلى الفَقيرِ عن زَكاةِ مالِه فدفَعَ ولم تَحضُرْه النيَّةُ عندَ الدَّفعِ جازَ؛ لأنَّ النيَّةَ إنَّما تُعتبَرُ من المُؤدِّي، والمُؤدِّي هو الآمِرُ في الحَقيقةِ، وإنَّما المَأمورُ نائِبٌ عنه في الأداءِ، ولِهذا لو وكَّلَ ذِميًّا بأداءِ الزَّكاةِ جازَ؛ لأنَّ المُؤدِّيَ في الحَقيقةِ هو المُسلِمُ. قال الكاسانِيُّ ﵀: وذُكِر في الفَتاوى عن الحَسنِ بنِ زِيادٍ في رَجُلٍ أَعطى رَجلًا دَراهمَ لِيَتصدَّقَ بها تَطوُّعًا ثم نَوى الآمِرُ أنْ يَكونَ ذلك مِنْ زَكاةِ مالِه، ثم تَصدَّقَ المَأمورُ، جازَ عن زَكاةِ مالِ الآمِرِ. وكذا لو قالَ: «تَصدَّقْ بها عن كَفارةِ يَميني»، ثم نَوى الآمِرَ عن زَكاةِ مالِه جازَ لما ذكَرْنا أنَّ الآمِرَ هو المُؤدِّي من حيثُ المَعنى، وإنَّما المَأمورُ نائِبٌ عنه (١). وعندَ المالِكيةِ: تَجبُ نيَّةُ الزَّكاةِ عندَ عَزلِها أو دَفعِها لمُستحِقِّها، ويَكفي أحدُهما، فإنْ لم يَنوِ عندَ العَزلِ ولا الدَّفعِ وإنَّما نَوى بعدَه أو قبلَها لم تُجِزئْه. وإذا نَواها عندَ العَزلِ وسرَقَها مَنْ يَستحِقُّها: أجزَأتْ. وإنَّما احتاجَت إلى نيَّةٍ؛ لأنَّها عِبادةٌ مُشتمِلةٌ على واجِبٍ وغَيرِه فاحتاجَت إليها.

стр. 2001

والنيَّةُ الحُكميَّةُ كافيةٌ، فإذا عَدَّ دراهِمَه وأخرَجَ ما يَجبُ فيها ولم يَلحَظْ أنَّ هذا المَخرَجَ زَكاةٌ لكنْ لو سُئلَ لَأجابَ أجزَأَه (١). وعندَ الشافِعيةِ وَجهانِ في جَوازِ تَقديمِ النيَّةِ على تَفرِقةِ الزَّكاةِ، والأصَحُّ -كما قالَ النَّوويُّ- الإِجزاءُ، كالصَّومِ للعُسرِ في إيجابِ المُقارنةِ؛ ولأنَّ القَصدَ سَدُّ حاجةِ الفَقيرِ، وعلى هذا يَكفي نيَّةُ المُؤكِّلِ عندَ الدَّفعِ إلى الوَكيلِ، وعلى الثاني يُشتَرطُ نيَّةُ الوَكيلِ عندَ الدَّفعِ إلى المَساكينِ، ولو وكَّلَ وَكيلًا وفوَّضَ النيَّةَ إليه جازَ (٢). وعندَ الحَنابِلةِ: إنْ تقدَّمَت النيَّةُ على الأداءِ بالزَّمنِ اليَسيرِ جازَ، وإنْ طالَ لم يَجزْ كسائِرِ العِباداتِ (٣). ولو دفَعَ الزَّكاةَ إلى وَكيلِه ناويًا أنَّها زَكاةٌ كَفى ذلك، والأفضَلُ أنْ يَنويَ الوَكيلُ عندَ الدَّفعِ إلى المُستحِقِّين أيضًا، ولا تَكفي نيَّةُ الوَكيلِ وَحدَه؛ لأنَّ الفَرضَ يَتعلَّقُ به، والإِجزاءُ يَقعُ عنه (٤).

стр. 2002

إذا تَصدَّق الإِنسانُ بَجميعِ مالِه هل يُجزِئُه عن الزَّكاةِ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ وجَبَت عليه الزَّكاةُ فتَصدَّقَ بجَميعِ مالِه ولم يَنوِ به الزَّكاةَ هل تُجزِئُه أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا تُجزِئُه؛ لأنَّه لم يَنوِ به الفَرضَ فلم يُجزِئْه كما لو تَصدَّقَ ببَعضِه، وكما لو صلَّى مِئةَ رَكعةٍ ولم يَنوِ الفَرضَ به، ويَلزمُه إِخراجُ ما وجَبَ عليه. قال المالِكيةُ: لو تَصدَّقَ بجُملةِ مالِه فإنْ نَوى زَكاةَ مالِه وما زادَ فهو تَطوُّعٌ أجزَأَ، وله الفَضلُ كمَن أطعَمَ في كَفَّارتِه مِئةَ مِسكينٍ، وإنْ لم يَنوِ بشَيءٍ منه الزَّكاةَ لم يَجزْ؛ لأنَّه يَجبُ عليه فِعلُ الفَرضِ وهو لم يَنوِه فأشبَهَ ما لو صلَّى مِئةَ رَكعةٍ بنيَّةِ التَّطوُّعِ فإنَّه لا يُجزِئُه عن فَرضٍ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو تَصدَّقَ بجَميعِ مالِه ولم يَنوِ الزَّكاةَ لم تَسقُطْ عنه الزَّكاةُ بلا خِلافٍ كما لو وهَبَه أو أتلَفه، وكما لو كانَ عليه صَلاةُ فَرضٍ فصَلَّى مِئةَ صَلاةِ نافِلةٍ لا يُجزِئُه بلا خِلافٍ، هذا مَذهبُنا. وقالَ أَصحابُ أَبي حَنيفةَ: يُجزِئُه، ولو تَصدَّقَ ببَعضِه لم يُجزِئْه أيضًا عن الزَّكاةِ وبه قالَ أبو يُوسفَ. وقالَ مُحمدٌ: يُجزِئُه عن زَكاةِ ذلك البَعضِ. ولو أخرَجَ خَمسةَ دَراهمَ ونَوى بها الفَرضَ والتَّطوُّعَ لم يُجزِئْه عن الزَّكاةِ، وكانَت تَطوُّعًا. وبه قالَ مُحمدٌ وقالَ أبو يُوسفَ: تُجزِئُه عن الزَّكاةِ. دَليلُنا أنَّها لم تُمحَّضْ لِلفَرضِ فلم تَصحَّ عنه كالصَّلاةِ واللهُ أعلمُ.

стр. 2003

وفي كِتابِ «الزِّيادات» لِأبي عاصِم أنَّه لو دفَعَ مالًا إلى وَكيلِه ليُفرِّقَه تَطوُّعًا ثم نَوى به الفَرضَ ثم فرَّقَها الوَكيلُ وقَعَ عن الفَرضِ إذا كانَ القابِضُ مُستحِقًّا (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولو تَصدَّقَ الإِنسانُ بجَميعِ مالِه تَطوُّعًا ولم يَنوِ به الزَّكاةَ لم يُجزِئْه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ. وقالَ أَصحابُ أَبي حَنيفةَ: يُجزِئُه استِحبابًا. ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يَنوِ به الفَرضَ فلم يُجزِئْه، كما لو تَصدَّقَ ببَعضِه، وكما لو صلَّى مِئةَ رَكعةٍ ولم يَنوِ الفَرضَ بها (٢). وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ من تَصدَّقَ بجَميعِ مالِه سقَطَت الزَّكاةُ، وإنْ لم يَنوِها استِحسانًا؛ لأنَّه لمَّا أدَّى الكُلَّ زالَت المُزاحَمةُ بينَ الجُزءِ المُؤدَّى وسائِرِ الأَجزاءِ، وبأداءِ الكلِّ للهِ تعالَى تَحقَّقَ أداءُ الجُزءِ الواجِبِ؛ ولأنَّ الواجِبَ جُزءُ النِّصابِ. قالَ ﷺ : «في الرِّقةِ رُبعُ العُشرِ». وقالَ ﷺ : «في عِشرين مِثقالًا نِصفُ مِثقالٍ» إلى غيرِه من النُّصوصِ، والرُّكنُ هو التَّمليكُ على وَجهِ المَبرةِ، وقد وُجدَ لحُصولِ أداءِ الواجِب قَطعًا؛ لأنَّه لمَّا أدَّى الكلَّ أدَّى الجُزءَ، والنيَّةُ شُرطَت للتَّعيينِ، والواجِبُ قد تَعيَّنَ بإِخراجِ الكلِّ، ولو تَصدَّقَ ببعضٍ سقَطَت زَكاةُ ذلك البَعضِ عندَ مُحمدٍ خِلافًا لِأبي يُوسفَ (٣).

стр. 2004

وقالَ الإمامُ الزَّيلعيُّ: قالَ ﵀: (وشَرطُ أَدائِها نيَّةٌ مُقارِنةٌ لِلأداءِ أو لعَزلِ ما وجَبَ أو تَصدَّقَ بكلِّه)، أي: شَرطُ صِحَّةِ أداءِ الزَّكاةِ نيَّةٌ مُقارِنةٌ لِلأداءِ أو لِعزلِ مِقدارِ الواجِبِ أو تَصدَّقَ بجَميعِ النِّصابِ؛ لأنَّها عِبادةٌ فلا تَصحُّ بدونِ النِّيةِ، والأصلُ فيه الاقتِرانُ بالأداءِ كسائِرِ العِباداتِ، إلا أنَّ الدَّفعَ يَتفرَّقُ فيُخرَجُ باستِحضارِ النِّيةِ عندَ كلِّ دَفعٍ، فاكتُفيَ بوُجودِها حالةَ العَزلِ دَفعًا لِلحَرجِ كتَقديمِ النِّيةِ في الصَّومِ، وهذا لأنَّ العَزلَ فِعلٌ منه، فجازَت النِّيةُ عندَه بخِلافِ ما إذا نَوى أنْ يُؤدِّيَ الزَّكاةَ ولم يَعزلْ شَيئًا وجعَلَ يَتصدَّقُ شَيئًا فشَيئًا إلى آخِرِ السَّنةِ، ولم تَحضُرْه النِّيةُ حيثُ لم يُجزِئْه عن الزَّكاةِ؛ لأنَّ نيَّتَه لم تَقتَرنْ بفِعلٍ ما فلا تُعتبَرُ، وقَولُه (أو تَصدَّق بكلِّه)؛ لأنَّه إذا تَصدَّقَ بجَميعِ مالِه فقد دخَلَ الجُزءُ الواجِبُ فيه، فلا حاجةَ إلى التَّعيينِ استِحسانًا؛ لِكَونِ الواجِبِ جُزءًا من النِّصابِ ولا فَرقَ بينَ أنْ يَنويَ النَّفلَ أو لم تَحضُرْه النِّيةُ بخِلافِ صَومِ رَمضانَ؛ حيثُ لا يَكونُ الإِمساكُ مُجزِئًا عنه إلا بنيَّةِ القُربةِ، والفَرقُ أنَّ دَفعَ المالِ بنَفسِه قُربةٌ كيفما كانَ، والإِمساكَ لا يَكونُ قُربةً إلا بالنِّيةِ فافتَرقا، وهذا لأنَّ الرُّكنَ في المَوضعَينِ إِيقاعُه قُربةٌ، وقد حصَلَ بالدَّفعِ نَفسِه إلى الفَقيرِ دونَ الإمساكِ (١). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: ولو تَصدَّقَ بجَميعِ مالِه على فَقيرٍ ولم يَنوِ الزَّكاةَ أجزَأَه عن الزَّكاةِ استِحسانًا، والقياسُ أنَّه لا يَجوزُ.

стр. 2005

وَجهُ القياسِ ما ذكَرْنا أنَّ الزَّكاةَ عِبادةٌ مَقصودةٌ فلا بدَّ لها من النِّيةِ. وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ النِّيةَ وُجِدت دِلالةً؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ مَنْ عليه الزَّكاةُ لا يَتصدَّقُ بجَميعِ مالِه ويَغفُلُ عن نيَّةِ الزَّكاةِ فكانَت النِّيةُ مَوجودةً دِلالةً، وعلى هذا إذا وهَبَ جَميعَ النِّصابِ من الفَقيرِ أو نَوى تَطوُّعًا. ورُوي عن أَبي يُوسفَ أنَّه إنْ نَوى أنْ يَتصدَّقَ بجَميعِ مالِه فتَصدَّقَ شَيئًا فشَيئًا أَجزأَه عن الزَّكاةِ لِما قُلنا، وإنْ لم يَنوِ أنْ يَتصدَّقَ بجَميعِ مالِه فجعَلَ يَتصدَّقُ حتى أَتى عليه ضمِنَ الزَّكاةَ؛ لأنَّ الزَّكاةَ بَقيَت واجِبةً عليه بعدَما تَصدَّقَ ببَعضِ المالِ فلا تَسقُطُ بالتَّصدُّقِ بالباقي. ولو تَصدَّق ببَعضِ مالِه من غيرِ نيَّةِ الزَّكاةِ حتى لم يُجزِئْه عن زَكاةِ الكُلِّ فهل يُجزِئُه عن زَكاةِ القَدرِ الذي تَصدَّقَ به؟ قال أبو يُوسفَ: لا يُجزِئُه وعليه أنْ يُزكِّيَ الجَميعَ. وقالَ مُحمدٌ: يُجزِئُه عن زَكاةِ ما تَصدَّقَ به ويُزكِّي ما بقِيَ حتى إنَّه لو أدَّى خَمسةً من مِئتَينِ لا يَنوي الزَّكاةَ أو نَوى تَطوُّعًا لا تَسقطُ عنه زَكاةُ الخَمسةِ في قَولِ أَبي يُوسفَ وعليه زَكاةُ الكلِّ. وعندَ مُحمدٍ تَسقطُ عنه زَكاةُ الخَمسةِ وهو ثَمنُ دِرهمٍ، ولا يَسقطُ عنه زَكاةُ الباقي. وكذا لو أدَّى مِئةً لا يَنوي الزَّكاةَ ونَوى تَطوُّعًا لا تَسقطُ زَكاةُ المِئةِ، وعليه أنْ يُزكِّيَ الكلَّ عندَ أَبي يُوسفَ.

стр. 2006

وعندَ مُحمدٍ تَسقطُ عنه زَكاةُ ما تَصدَّقَ، وهو دِرهمانِ ونِصفٌ، ولا تَسقطُ عنه زَكاةُ الباقي. كذا ذكَرَ القُدوريُّ الخِلافَ في شَرحِه «مُختصَر الكَرخيِّ». وذكَر القاضِي في شَرحِه «مُختصَر الطَّحاويِّ» أنَّه تَسقطُ عنه زَكاةُ القَدرِ المُؤدَّى ولم يَذكُرِ الخِلافَ. وَجهُ قَولِ مُحمدٍ اعتبارُ البَعضِ بالكلِّ، وهو أنَّه لو تَصدَّقَ بالكلِّ لَجازَ عن زَكاةِ الكلِّ، فإذا تَصدَّقَ بالبَعضِ يَجوزٌ عن زَكاتِه؛ لأنَّ الواجِبَ شائِعٌ في جَميعِ النِّصابِ. ولِأبي يُوسفَ أنَّ سُقوطَ الزَّكاةِ بغيرِ نيَّةٍ لزَوالِ مِلكِه على وَجهِ القُربةِ عن المالِ الذي فيه الزَّكاةُ ولم يُوجَدْ ذلك في التَّصدُّقِ بالبَعضِ. ولو تَصدَّقَ بخَمسةٍ يَنوي بجَميعِها الزَّكاةَ والتَّطوُّعَ كانَت من الزَّكاةِ في قَولِ أَبي يُوسفَ. وقالَ مُحمدٌ: هي من التَّطوُّعِ. وَجهُ قَولِ مُحمدٍ أنَّ النِّيتَينِ تَعارَضتا فلم يَصحَّ التَّعيينُ للتَّعارُضِ فالتحَقَ بالعَدمِ فبقِيَ التَّصدُّقُ بنيَّةٍ مُطلَقةٍ فيَقعُ عن التَّطوُّعِ؛ لأنَّه أَدنى، والأَدنى مُتيقَّنٌ به. وَجهُ قَولِ أَبي يُوسفَ أنَّ عندَ تَعارُضِ الجِهتَينِ يُعمَلُ بالأَقوى، وهو الفَرضُ، كما في تَعارُضِ الدَّليلَينِ أنَّه يُعمَلُ بأَقواهما؛ ولأنَّ التَّعيينَ يُعتبَرُ في

стр. 2007

الزَّكاةِ لا في التَّطوُّعِ؛ لأنَّ التَّطوُّعَ لا يَحتاجُ إلى التَّعيينِ، ألَا تَرى أنَّ إِطلاقَ الصَّدقةِ يَقعُ عليه فأَلغى تَعيينَه وبَقيَت الزَّكاةُ مُتعيَّنةً فيَقعُ عن الزَّكاةِ (١). لو أخرَج عن غيرِه الزَّكاةَ هل تُجزِئُ أو لا؟ قال الإمامُ الحَطَّابُ ﵀: لو أخرَجَ الزَّكاةَ عنه غيرُه بغيرِ عِلمِه وغيرِ إذنِه، فقالَ القَرافيُّ في الفَرقِ الحادي والسَّبعينَ بعدَ المِئةِ بينَ قاعِدةِ ما يُجزِئُ فيه فِعلُ غيرِ المُكلَّفِ عنه، وبينَ قاعِدةِ ما لا يُجزِئُ فيه فِعلُ غيرِ المُكلَّفِ عنه: اعلَمْ أنَّ الأفعالَ المَأمورَ بها ثَلاثةُ أَقسامٍ: قِسمٌ اتَّفقَ الناسُ على صِحَّةِ فِعلِ غيرِ المَأمورِ به عن المَأمورِ، كدَفعِ المَغصوبِ لِلمَغصوبِ منه، ودَفعِ النَّفَقاتِ للزَّوجاتِ والأَقاربِ والدَّوابِّ. وقِسمٌ اتَّفقَ على عَدمِ إِجزاءِ فِعلِ غيرِ المَأمورِ به وهو الإِيمانُ والتَّوحيدُ والإِجلالُ والتَّعظيمُ للهِ تَعالى. وقِسمٌ اختُلفَ فيه، هل يُجزِئُ فِعلُ غيرِ المَأمورِ به عن المَأمورٍ ويَسُدُّ المَسَدَّ أو لا؟ وفيه أربَعُ مَسائِلَ: المَسألةُ الأُولى: الزَّكاةُ، فإنْ أخرَجَها أحَدٌ بغيرِ عِلمِ مَنْ هي عليه وبغيرِ إذْنِه في ذلك فإنْ كانَ غيرَ الإمامِ فمُقتَضى قَولِ أَصحابِنا في الأُضحيَّةِ يَذبَحُها غيرُ رَبِّها بغيرِ عِلمِه وإذنِه إنْ كانَ الفاعِلُ لذلك صَديقَه، ومن شأنِه أنْ يَفعلَ ذلك له بغيرِ إذنِه؛ لأنَّه بمَنزِلةِ نَفسِه عندَه لتمَكُّنِ الصَّداقةِ بينَهما أَجزأَت الأُضحيَّةُ إنْ كانَ مُخرِجُ الزَّكاةِ من هذا القَبيلِ، فمُقتَضى قَولِهم في الأُضحيَّةِ

стр. 2008

أنَّ الزَّكاةَ مُجزِئةٌ؛ لأنَّ كلتَيْهما عِبادةٌ مَأمورٌ بها تَفتقِرُ لِلنيَّةِ، وإنْ كانَ ليسَ من هذا القَبيلِ لا تُجزِئُ عن رَبِّها لِافتِقارِها لِلنيَّةِ على الصَّحيحِ من المَذهبِ لِأجلِ شائِبةِ العِبادةِ. وعلى القَولِ بعَدم اشتِراطِ النِّيةِ فيها يَنبَغي أنْ يُجزِئَ فِعلُ الغَيرِ مُطلَقًا كالدَّينِ والوَديعةِ ونَحوِهما مما تقدَّمَ في القِسمِ المُجمَعِ عليه، وهذا القَولُ -أَعني عَدمَ اشتِراطِ النيَّةِ- قالَه بعضُ أَصحابِنا وقاسَه على الدُّيونِ، واستدَلَّ بأخذِ الإمامِ لها كَرهًا على عَدمِ اشتِراطِ النيَّةِ وباشتِراطِها، قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأحمدُ بنُ حَنبلٍ ﵃: لِما فيها من شائِبةِ التَّعبُّدِ من جِهةِ مَقاديرِها في نِصابِها والواجِبِ فيها وغيرِ ذلك، انتَهى (١). ولا يُقالُ في كَلامِ القَرافِيِّ في الفَرقِ بينَ الأُضحيَّةِ والزَّكاةِ: إنَّ الأُضحيَّةَ تَعيَّنت لأنَّ المَشهورَ أنَّها لا تَتعيَّنُ إلا بالذَّبحِ والنَّذرِ فتأمَّلْه، وقالَ المازريُّ في شَرحِ التَّلقينِ في أوَّلِ كِتابِ الوَكالةِ لمَّا أنْ تَكلَّمَ على الأَشياءِ التي تَجوزُ فيها الوَكالةُ: وأمَّا الزَّكاةُ فإنَّها تَصحُّ النِّيابةُ فيها من مالِ مَنْ يَنوبُ عنه، ومِن مالِ مَنْ وجَبَت عليه الزَّكاةُ، وإنْ كانَت من القُرباتِ فهي عِبادةٌ ماليَّةٌ، وقد استَنابَ النَّبيُّ ﷺ عليًّا على نَحرِ البُدنِ ونَحرِها قُربةً. انتَهى (٢). ثم قالَ: قالَ ابنُ فَرحونَ في «أَلغازِه»: فإنْ قُلتَ: هل يُجزِئُ إِخراجُ الأبِ زَكاةَ الفِطرِ عن وَلدِه الغَنيِّ أو لا؟ قُلتُ: الجَوابُ فيها بالإِجزاءِ أو بالنَّفيِ خَطأٌ.

стр. 2009

والجَوابُ: إنْ كانَ الوَلدُ صَغيرًا جازَ، وإنْ كانَ كَبيرًا لم يَجزْ على القَولِ باشتِراطِ النيَّةِ في الزَّكاةِ، والمَذهبُ اشتِراطُها، قالَه ابنُ الحاجِبِ. انتهى. يُريدُ -واللهُ أعلمُ-: إذا لم يُعلِمْه الأبُ بذلك، وهو ظاهِرٌ من قَولِهم: لم يَجزْ على القَولِ باشتِراطِ النيَّةِ في الزَّكاةِ، فتأمَّلْه، واللهُ أعلَمُ. ومِثلُ ذلك مَنْ تَطوَّعَ عنه بزَكاةِ الفِطرِ غَيرُه وهو مُوسِرٌ، ومَسألةُ سَندٍ المُتقدِّمةُ في التَّنبيهِ السابِعِ من شَرحِ قَولِ المُصنِّفِ وعن كلِّ مُسلمٍ يَمونُه بقَرابةٍ أو زَوجيَّةٍ، وهي مَسألةُ الزَّوجةِ إذا أرادَت أنْ تُخرِجَ زَكاةَ الفِطرِ عن نَفسِها وأبى زَوجُها ذلك وهو مُوسِرٌ، ومَسألةٌ سَندٍ المُتقدِّمةُ. والظاهِرُ في جَميعِ ذلك الإِجزاءُ، وسُقوطُ الزَّكاةِ عن المُخرَجِ عنهم إذا أعلَمهم المُخرِجُ بذلك، وأمَّا إنْ لم يُعلِمْهم بذلك فلا تُجزِئُ لفِقدانِ النيَّةِ، كما تَقدَّمَ في كَلامِ التَّوضيحِ واللهُ أعلَمُ (١). تَعجيلُ الزَّكاةِ عن وَقتِ الوُجوبِ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ تَقديمِ الزَّكاةِ قبلَ الحَولِ إذا وُجدَ سَببُ وُجوبِ الزَّكاةِ وهو النِّصابُ الكامِلُ، بخِلافِ ما إذا عجَّلَها قبلَ مِلكِ النِّصابِ، فلا يَجوزُ بغيرِ خِلافٍ، وذلك لأنَّ النِّصابَ سَببُ وُجوبِ الزَّكاةِ، والحَولَ شَرطُها، ولا يُقدَّمُ الواجِبُ قبلَ

стр. 2010

سَببِه، ويَجوزُ تَقديمُه قبلَ شَرطِه؛ كإِخراجِ كَفَّارةِ اليَمينِ بعدَ الحَلفِ وقبلَ الحِنثِ، وكَفارةِ القَتلِ بعدَ الجَرحِ وقبلَ الزُّهوقِ. واستدَلُّوا على جَوازِ تَقديمِها قبلَ مَوعدِ وُجوبِها بما ورَدَ: «أنَّ العَباسَ سأَلَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ في تَعجيلِ صَدقتِه قبلَ أَنْ تَحِلَّ، فرخَّصَ له في ذلك» (١)، وقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ لِعمرَ: «إنَّا قد أخَذْنا زَكاةَ العَباسِ عامَ الأوَّلِ لِلعامِ» (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّه تَعجيلٌ لِمالٍ وجَدَ سَببُ وُجوبِه قبلَ وُجوبِه جاز، كتَعجيلِ قَضاءِ الدَّينِ قبلَ حُلولِ أجَلِه، وأداءِ كَفارةِ اليَمينِ بعدَ الحَلفِ وقبلَ الحِنثِ، وكَفارةِ القَتلِ بعدَ الجَرحِ قبلَ الزُّهوقِ (٣). وقالَ الإمامُ مالِكٌ فيما رَوى عنه ابنُ وَهبٍ وأشهَبُ وخالِدُ بنُ خِداشٍ: أنَّ مَنْ أدَّى زَكاةَ مالِه قبلَ محَلِّها بتَمامِ الحَولِ فإنَّه لا يُجزِئُ عنه، وهو كالذي يُصلِّى قبلَ الوَقتِ. ورَوى ابنُ القاسِمِ عنه: لا يَجوزُ تَعجيلُها قبلَ الحَولِ إلا بيَسيرٍ، وكذلك ذكَرَه عنه ابنُ عبدِ الحَكمِ بالشَّهرِ ونَحوِه (٤).

стр. 2011

وحُجةُ الإمامِ مالِكٍ: أنَّ الحَولَ أحَدُ شَرطَيِ الزَّكاةِ كالنِّصابِ، فلم يَجزْ تَقديمُها عليه، كما لم يَجزْ تَقديمُها قبلَ مِلكِ النِّصابِ اتِّفاقًا؛ ولأنَّ الشَّرعَ وقَّتَ للزَّكاةِ وقتًا وهو الحَولُ لم يَجزْ تَقديمُها، كالصَّلاةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَسألةُ الثامِنةُ: وهي جَوازُ إخراجِ الزَّكاةِ قبلَ الحَولِ فإنَّ مالِكًا منَعَ ذلك وجَوَّزه أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، وسَببُ الخِلافِ: هل هي عِبادةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ للمَساكينِ؟ فمَن قالَ: عِبادةٌ، وشبَّهَها بالصَّلاةِ لم يُجزْ إِخراجَها قبلَ الوَقتِ كمالِكٍ، ومَن شبَّهَها بالحُقوقِ الواجِبةِ المُؤجَّلةِ أَجازَ إِخراجَها قبلَ الأجلِ على جِهةِ التَّطوُّعِ (٢). هل لِلتَّعجيلِ حَدٌّ؟ وإذا كانَ التَّعجيلُ جائِزًا فهل له حَدٌّ من السِّنينَ أو هو جائِزٌ إلى غيرِ حَدٍّ؟ أَجازَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ لِمالِكٍ أنْ يُعجِّلَ زَكاةَ ما أَرادَ من السِّنينَ بدونِ قَيدٍ. حتى قالَ الحَنفيةُ: لو كانَ له ثَلاثُمئةِ دِرهَمٍ فدفَعَ منها مِئةَ دِرهَمٍ عن المِئتَينِ زَكاةً لعَشرِ سِنينَ مُستقبَلةٍ جازَ لوُجودِ السَّببِ، وهو مِلكُ النِّصابِ النامي، بخِلافِ العُشرِ فلا يَجوزُ تَعجيلُه قبلَ نَباتِ الزَّرعِ وخُروجِ الثَّمرةِ، وبالأَوْلى قبلَ الزِّراعةِ أو الغَرسِ؛ لعَدمِ وُجودِ سَببِ الوُجوبِ، كما لو عجَّلَ زَكاةَ المالِ قبلَ مِلكِ النِّصابِ (٣).

стр. 2012

وقالَ الحَنابِلةُ في الرِّوايةِ الثانيةِ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ النَّصَّ لم يَردْ بتَعجيلِها لِأكثَرَ من حَولٍ (١). أمَّا الشافِعيةُ، فقالَ الشِّيرازيُّ ﵀ في «المُهذَّب»: وفي تَعجيلِ زَكاةِ عامَينِ وَجهانِ: قالَ أبو إِسحاقَ: يَجوزُ؛ لِما رُوي عن علِيٍّ كرَّمَ اللهُ وَجهَه: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَسلَّفَ من العَباسِ ﵁ صَدقةَ عامَينِ» (٢)؛ ولأنَّ ما جازَ فيه تَعجيلُ حَقِّ العامِ منه جازَ تَعجيلُ حَقِّ العامَينِ كدِيةِ الخَطأِ. ومِن أَصحابِنا مَنْ قالَ: لا يَجوزُ؛ لأنَّها زَكاةٌ لم يَنعقِدْ حَولُها، فلم يَجزْ تَقديمُها كالزَّكاة قبلَ أنْ يَملِكَ النِّصابَ (٣). قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو عجَّلَ صَدقةَ عامَينِ بعدَ انعِقادِ الحَولِ أو أكثَرَ من عامَينِ فوَجهانِ ذكَرهما المُصنِّفُ بدَليلَيْهما وهما مَشهورانِ. أحدُهما: يَجوزُ؛ للحَديثِ. والآخَرُ: لا يَجوزُ، وأَجابَ البَغويُّ والأَصحابُ عن الحَديثِ بأنَّ المُرادَ تَسلَّفَ دُفعتَينِ، في كلِّ دُفعةٍ صَدقةُ عامٍ أو سَنةٍ، واختلَفوا في الأصَحِّ من هذَينِ الوَجهَينِ فصحَّحَت طائِفةٌ الجَوازَ، وهو قَولُ أَبي إِسحاقَ المَروزيِّ، وممَّن صحَّحَه البَندَنيجيُّ والغَزاليُّ في «الوَسيط» والجُرجانِيُّ

стр. 2013

والشاشيُّ والعَبدَريُّ، وصحَّحَ البَغويُّ وآخَرونَ المَنعَ، قالَ الرافِعيُّ: صحَّحَ الأكثَرونَ المَنعَ. فإذا قُلنا بالجَوازِ فقد اتَّفقَ أَصحابُنا على أنَّه لا فَرقَ بينَ عامَينِ وأكثرَ حتى لو عجَّلَ عَشرةَ أَعوامٍ أو أكثَرَ جازَ على هذا الوَجهِ بشَرطِ أنْ يَبقَى بعدَ المُعجَّلِ نِصابٌ، فلو كانَ له خَمسونَ شاةً فعجَّلَ عَشرًا منها لعَشرِ سِنينَ جازَ، فلو نقَصَ المالُ بالتَّعجيلِ عن النِّصابِ في الحَولِ الثانِي لم يَجزْ التَّعجيلُ لغيرِ العامِ الأولِ وَجهًا واحِدًا، هكذا قالَ الجُمهورُ؛ لأنَّ الحَولَ الثانِيَ لا يَنعقِدُ على نِصابٍ، وحَكى البَغويُّ والسَّرخسيُّ وَجهًا شاذًّا أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ المُعجَّلَ كالباقِي على مِلكِه، وإذا جوَّزْنا صَدقةَ عامَينِ فهل يَجوزُ أنْ يَنويَ تَقديمَ زَكاةِ السَّنةِ الثانيةِ على الأُولى؟ فيه وَجهانِ: حَكاهما أبو الفَضلِ ابنُ عَبدان، كتَقديمِ الصَّلاةِ الثانيةِ على الأُولى إذا جمَعَ في وَقتِ الصَّلاةِ الثانيةِ (١). تَأخيرُ الزَّكاةِ عن وَقتِ وُجوبِها: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ والحَنفيةُ في قَولٍ إلى أنَّ الزَّكاةَ متى وجَبَت، وجَبَت المُبادَرةُ بها على الفَورِ مع القُدرةِ على ذلك، وعَدمِ الخَشيةِ من ضَررٍ؛ لأنَّ الأمرَ المُطلَقَ يَقتَضي الفَورَ، ولذلك يَستحِقُّ المُؤخِّرُ لِلامتِثالِ العِقابَ، ولذلك أخرَجَ اللهُ تعالَى إِبليسَ وسخِطَ عليه ووبَّخَه بامتِناعِه عن السُّجودِ، ولو أنَّ رَجُلًا أمَرَ عَبدَه أنْ يَسقيَه فأخَّرَ

стр. 2014

ذلك استحَقَّ العُقوبةَ؛ ولأنَّ جَوازَ التَّأخيرِ يُنافي الوُجوبَ لكَونِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَركِه. ولو جازَ التأخيرُ لَجازَ إلى غيرِ غايةٍ فتُنبَغَى العُقوبةُ بالتَّركِ، ولو سلَّمَنا أنَّ مُطلَقَ الأمرِ لا يَقتَضي الفَورَ لاقتَضاه في مَسألتِنا؛ إذ لو جازَ التأخيرُ ههنا لَأخَّره بمُقتَضى طَبعِه ثِقةً منه بأنَّه لا يأثَمُ بالتأخيرِ، فيَسقُطُ عنه بالمَوتِ أو بتَلفِ مالِه أو بعَجزِه عن الأداءِ، فيَتضرَّرُ الفُقراءُ؛ ولأنَّ ههنا قَرينةً تَقتَضي الفَورَ، وهو أنَّ الزَّكاةَ وجَبَت لِحاجةِ الفُقراءِ، وهي ناجِزةٌ، فيَجبُ أنْ يَكونَ الواجِبُ؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتكرَّرُ لم يَجزْ تَأخيرُها إلى وَقتِ وُجوبِ مِثلِها كالصَّلاةِ والصَّومِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ الأثرَمُ: سمِعت أبا عبدِ اللهِ سُئلَ عن الرَّجلِ يَحولُ الحَولُ على مالِه فيُؤخِّرُ عن وَقتِ الزَّكاةِ فقالَ: لا، ولمَ يُؤخِّرْ إِخراجَها؟ وشدَّد في ذلك. قيلَ: فابتَدأ في إِخراجِها فجعَلَ يُخرِجُ أوَّلًا فأوَّلًا. فقالَ: لا، بل يُخرِجُها كلَّها إذا حالَ الحَولُ. فأمَّا إذا كانَت عليه مَضرَّةٌ في تَعجيلِ الإِخراجِ، مِثلَ مَنْ يَحولُ حَولُه قبلَ مَجيءِ الساعي ويَخشى إنْ أَخرجَها بنَفسِه أخَذَها الساعِي منه مَرةً أُخرى فله تَأخيرُها، نَصَّ عليه أحمدُ (١).

стр. 2015

والمَشهورُ عندَ الحَنفيةِ أنَّها تَجبُ وُجوبًا مُوسَّعًا، ولِصاحِبِ المالِ تَأخيرُها ما لم يُطالَبْ؛ لأنَّ الأمرَ بأَدائِها مُطلَقٌ، فلا يَتعيَّنُ الزَّمنُ الأولُ لِأدائِها دونَ غيرِه، كما لا يَتعيَّنُ مَكانٌ دونَ مَكانٍ، هذا ما ذهَبَ إليه أبو بَكرٍ الرازيُّ (الجَصاصُ). أمَّا الكَرخيُّ من أئمَّةِ الحَنفيةِ فقالَ: هي واجِبةٌ على الفَورِ؛ لأنَّ الأمرَ يَقتَضي الفَوريَّةَ، حتى إنْ كانَ لا يَقتَضي الفَوريَّةَ ولا التَّراخيَ فالوَجهُ المُختارُ كما قالَ المُحقِّقُ ابنُ الهُمامِ أنَّ الأمرَ بالصَّرفِ إلى الفَقيرِ معه قَرينةُ الفَورِ، وهي أنَّه لِدَفعِ حاجَتِه وهي مُعجَّلةٌ، فمتى لم تَجبْ على الفَورِ لم يَحصُلِ المَقصودُ من الإِيجابِ على وَجهِ التَّمامِ (١). وهذا القَولُ وهو الذي عَليه جُمهورُ الفُقهاءِ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وغَيرُهم. واحتجُّوا على ذلك بأنَّ اللهَ تعالَى أمَر بإِيتاءِ الزَّكاةِ كما في قَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ والأمرُ يَقتَضي الفَورَ وذلك كما قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أنَّ الأمرَ يَقتَضي الفَوريةَ على الصَّحيحِ كما في الأُصولِ، ولذلك يَستحِقُّ المُؤخِّرُ للامتِثالِ العِقابَ، ولذلك أخرَجَ اللهُ تعالَى إِبليسَ وسخِطَ عليه ووبَّخَه بامتِناعِه عن السُّجودِ، ولو أنَّ رَجلًا أمرَ عبدَه أنْ يَسقيَه فأخَّرَ ذلك استحَقَّ العُقوبةَ؛ ولأنَّ جَوازَ التَّأخيرِ يُنافِي الوُجوبَ؛ لكَونِ الواجِبِ ما يُعاقَبُ على تَركِه، ولو جازَ التأخيرُ لجازَ إلى غيرِ غايةٍ، فتَنتَفي العُقوبةُ بالتَّركِ.

стр. 2016

ولو سلَّمْنا أنَّ مُطلَقَ الأمرِ لا يَقتَضي الفَورَ لَاقتَضاه في مَسألتِنا؛ إذ لو جازَ التَّأخيرُ ههنا لأخَّرَّه بمُقتَضى طَبعِه ثِقةً منه بأنَّه لا يَأثمُ بالتَّأخيرِ فيَسقطُ عنه بالمَوتِ أو بتَلفِ مالِه أو بعَجزِه عن الأداءِ، فيَتضرَّرُ الفُقراءُ؛ ولأنَّ ههنا قَرينةً تَقتَضي الفَورَ، وهو أنَّ الزَّكاةَ وجَبَت لِحاجةِ الفُقراءِ، وهي ناجِزةٌ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ الواجِبُ ناجِزًا؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتكرَّرُ لم يَجزْ تَأخيرُها إلى وَقتِ وُجوبِ مِثلِها كالصَّلاةِ والصَّومِ. وهذا كلُّه ما لم يَخشَ ضَررًا في نَفسِه أو مالٍ له سِواها، فله تَأخيرُها لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا ضَررَ ولَا ضِرارَ» (١)؛ ولأنَّه إذا جازَ تَأخيرُ قَضاءِ دَينِ الآدَميِّ لذلك فتَأخيرُ الزَّكاةِ أَوْلى (٢). ثم إنَّ الشافِعيةَ والحَنابِلةَ أَجازوا تَأخيرَ الزَّكاةِ عن وقتِ إِخراجِها الواجِبِ لِحاجةٍ داعيةٍ أو مَصلحةٍ مُعتبَرةٍ تَقتَضي ذلك، مِثلَ أنْ يُؤخِّرَها ليَدفعَها إلى فَقيرٍ غائِبٍ هو أشَدُّ حاجةً من غيرِه من الفُقراءِ الحاضِرينَ، ومِثلُ ذلك تَأخيرُها إلى قَريبٍ ذي حاجةٍ لِما له من الحَقِّ المُؤكَّدِ وما فيها من الأجرِ المُضاعَفِ. وله أنْ يُؤخِّرَها لِعُذرٍ ماليٍّ حَلَّ به فأَحوَجَه إلى مالِ الزَّكاةِ، فلا بأسَ أنْ يُنفِقَه ويَبقى دَينًا في عُنُقِه، وعليه الأداءُ في أولِ فُرصةٍ تَسنَحُ له. قال شَمسُ الدِّينِ الرَّمليُّ الشافِعيُّ ﵀: وله تَأخيرُها لِانتِظارِ أحوَجَ أو أصلَحَ أو قَريبٍ أو جارٍ؛ لأنَّه تَأخيرٌ لِغَرضٍ ظاهِرٍ، وهو حِيازةُ الفَضيلةِ،

стр. 2017

كذلك لِيتروَّى حيثُ تَردَّدَ في استِحقاقِ الحاضِرينَ، ويَضمَنُ إنْ تلِفَ المالُ في مُدَّةِ التَّأخيرِ؛ لحُصولِ الإِمكانِ، وإنَّما أُخِّرَ لغَرضِ نَفسِه، فيَتقيَّدُ جَوازُه بشَرطِ سَلامةِ العاقِبةِ، ولو تَضرَّرَ الحاضِرُ بالجُوعِ حرُمَ التَّأخيرُ مُطلَقًا؛ إذْ دَفعُ ضَررِه فَرضٌ، فلا يَجوزُ تَركُه لحِيازةِ فَضيلةٍ (١). واشترَطَ الحَنابِلةُ في جَوازِ التَّأخيرِ لِحاجةٍ أنْ يَكونَ شَيئًا يَسيرًا، فأمَّا إنْ كانَ كَثيرًا فلا يَجوزُ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ أخَّرَها لِيَدفَعها إلى مَنْ هو أحَقُّ بها من ذي قَرابةٍ أو ذي حاجةٍ شَديدةٍ، فإنْ كانَ شَيئًا يَسيرًا فلا بَأسَ، وإنْ كانَ كَثيرًا لم يَجزْ.

стр. 2018

قال أحمدُ: لا يَجرِي على أَقارِبه من الزَّكاةِ في كلِّ شَهرٍ، يَعني لا يُؤخِّرُ إِخراجَها حتى يَدفعَها إليهم مُتفرِّقةً في كلِّ شَهرٍ شَيئًا، فأمَّا إنْ عجَّلَها ليَدفعَها إليهم أو إلى غيرِهم مُتفرِّقةً أو مَجموعةً جازَ؛ لأنَّه لم يُؤخِّرْها عن وَقتِها. وكذلك إنْ كانَ عندَه مالانِ أو أَموالٌ زَكاتُها واحِدةٌ وتَختلِفُ أَحوالُها، مِثلَ أنْ يَكونَ عندَه نِصابٌ وقد استَفادَ في أثناءِ الحَولِ من جِنسِه دونَ النِّصابِ، لم يَجزْ تَأخيرُ الزَّكاةِ لِيَجمَعها كلَّها؛ لأنَّه يُمكِنُه جَمعُها بتَعجيلِها في أولِ واجِبٍ منها (١). وكذلك صرَّحَ بعضُ المالِكيةِ: بأنَّ تَفريقَ الزَّكاةِ واجِبٌ على الفَورِ، وأمَّا بَقاؤُها عندَ رَبِّ المالِ وكلَّما جاءَه مُستحِقٌّ أَعطاه منها على مَدى العامِ فلا يَجوزُ (٢). ولِلإمامِ أو مَنْ يَنوبُ عنه من المُوظَّفينَ المَسؤولينَ في جَمعِ الزَّكاةِ أنْ يُؤخِّرَ أخذَها من أربابِها لمَصلَحةٍ، كأَنْ أَصابَهم قَحطٌ نقَصَ الأَموال والثَّمراتِ. واحتجَّ الإمامُ أحمدُ على جَوازِ ذلك بحَديثِ عمرَ: أنَّهم احتاجُوا عامًا فلم يَأخذْ منهم الصَّدقةَ وأخَذَها منهم في السَّنةِ الأُخرى (٣).

стр. 2019

تَأخيرُ الزَّكاةِ لغيرِ الحاجةِ: أمَّا تَأخيرُ الزَّكاةِ بغيرِ عُذرٍ ولغيرِ حاجةٍ فلا يَجوزُ، ويَأثمُ بهذا التَّأخيرِ، ويَتحمِلُ تَبِعتَه حيثُ تَبيَّنَ أنَّها واجِبةٌ على الفَورِ. وفي ذلك يَقولُ الشِّيرازيُّ ﵀ من الشافِعيةِ: من وجَبَت عليه الزَّكاةُ لم يَجزْ له تَأخيرُها؛ لأنَّه حَقٌّ يَجبُ صَرفُه إلى الآدَميِّ، تَوجَّهَت المُطالَبةُ بالدَّفعِ إليه، فلم يَجزْ له التَّأخيرُ كالوَديعةِ إذا طلَبَها صاحِبُها، فإنْ أخَّرَها وهو قادِرٌ على أَدائِها ضمِنها؛ لأنَّه أخَّرَ ما يَجبُ عليه مع إِمكانِ الأداءِ فضمِنَه كالوَديعةِ (١). وفي كُتبِ الحَنفيةِ: أنَّ تَأخيرَ الزَّكاةِ من غيرِ ضَرورةٍ تُرَدُّ به شَهادةُ مَنْ أخَّرَها ويَلزمُه الإثْمُ، كما صرَّحَ به الكَرخيُّ وغَيرُه، وهو عَينُ ما ذكَرَه الإمامُ أبو جَعفرٍ الطَّحاويُّ عن أَبي حَنيفةَ: أنَّه يُكرهُ فإنَّ كَراهةَ التَّحريمِ هي المَحمَلُ عندَ إِطلاقِ اسمِها. قالوا: وقد ثبَتَ عن أئمَّتِنا وُجوبُ فَوريَّتِها، يَعْنونَ أبا حَنيفةَ وأبا يُوسفَ ومُحمدَ بنَ الحَسنِ. قالوا: والظاهِرُ أنَّه يَأثمُ بالتَّأخيرِ ولو قَلَّ كيَومٍ أو يَومَينِ؛ لأنَّهم فسَّروا الفَورَ بأولِ أَوقاتِ الإِمكانِ. وقد قيلَ: المُرادُ ألَّا يُؤخِّرَ إلى العامِ القابلِ؛ لِما في «البَدائِع» عن «المُنتَقى»: إذا لم يُؤدِّ حتى مَضى حَولانِ فقد أساءَ وأثِمَ (٢).

стр. 2020

فصل في مَصارِفُ الزَّكاةِ مَصارفُ الزَّكاةِ: مَصارفُ الزَّكاةِ مَحصورةٌ في ثَمانيةِ أَصنافٍ، وهذه الأَصنافُ الثَّمانيةُ قد نَصَّ عليها القُرآنُ الكَريمُ في قَولِه تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠] «وإنَّما» التي صُدِّرَت بها الآيةُ أداةُ حَصرٍ؛ فلا يَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ لِأحدٍ أو في وَجهٍ غيرِ داخِلٍ في هذه الأَصنافِ، ومَن كانَ داخِلًا في هذه الأَصنافِ، لا يَستحِقُّ من الزَّكاة إلا بأنْ تَنطبِقَ عليه شُروطٌ مُعيَّنةٌ، يَأتي بَيانُها إنْ شاءَ اللهُ تَعالى. بَيانُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ: الصِّنفانِ الأولُ والثاني: [الفُقراءُ والمَساكينُ]: الفُقراءُ والمَساكينُ هم أهلُ الحاجةِ الذين لا يَجِدونَ ما يَكفيهم، والفَقيرُ والمِسكينُ مِثلُا الإِسلامِ والإِيمانِ، من الأَلفاظِ التي قالَ العُلماءُ فيها: إذا اجتَمَعا افتَرَقا (أي: يَكونُ لكلٍّ منهما مَعنًى خاصٌّ) وإنِ افتَرقا

стр. 2021

اجتَمَعا (أي: إذا ذُكرَ أحدُهما مُنفرِدًا عن الآخَرِ كانَ شامِلًا لمَعنى اللَّفظِ الآخَرِ الذي يُقرَنُ به)، وهما هنا في آيةٍ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] قد اجتَمَعا، فتَميَّزَ كلٌّ منهما بمَعنًى. وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في أيِّهما أشَدُّ حاجةً: فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الفَقيرَ أشدُّ حاجةً من المِسكينِ. وذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ إلى أنَّ المِسكينَ أشَدُّ حاجةً من الفَقيرِ. وفي قَولٍ ثالِثٍ عندَ المالِكيةِ نقَلَه الدُّسوقيُّ أنَّ الفَقيرَ والمِسكينَ صِنفٌ واحِدٌ وهو مَنْ لا يَملِكُ قُوتَ عامِه سَواءٌ كانَ لا يَملِكُ شَيئًا أو يَملِكُ أقلَّ من قُوتِ العامِ (١). واختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ كلٍّ من الصِّنفَينِ: فقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: الفَقيرُ هو الذي لا مالَ له، ولا كَسبَ يَقعُ مُوقِعًا من حاجَتِه، كمَن حاجَتُه عَشرةٌ فلا يَجدُ شَيئًا أصلًا، أو يَقدِرُ بمالِه وكَسبِه وما يَأتيه من غَلةٍ وغيرِها على أقَلَّ من نِصفِ كِفايَتِه، فإنْ كانَ يَجدُ النِّصفَ أو أكثَرَ ولا يَجدُ كلَّ العَشرةِ فمِسكينٌ (٢).

стр. 2022

وقالَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ: المِسكينُ مَنْ لا يَجدُ شَيئًا أصلًا فيَحتاجُ للمَسألةِ وتَحلُّ له (١). واختَلفَ قَولُهم في الفَقيرِ: فقالَ الحَنفيةُ: الفَقيرُ هو مَنْ يَملِكُ شَيئًا دونَ النِّصابِ الشَّرعيِّ في الزَّكاةِ، فإنْ ملَكَ نِصابًا مِنْ أيِّ مالٍ زَكويٍّ فهو غَنيٌّ لا يَستحِقُّ شَيئًا من الزَّكاةِ، فإنْ ملَكَ أقلَّ من نِصابٍ فهو مُستحِقٌّ، وكذا لو ملَكَ نِصابًا غيرَ نامٍ وهو مُستغرِقٌ في الحاجةِ الأَصليَّةِ، فإنْ لم يَكنْ مُستغرِقًا مُنعَ، كمَن عندَه ثيابٌ تُساوي نِصابًا لا يَحتاجُها، فإنَّ الزَّكاةَ تَكونُ حَرامًا عليه، ولو بلَغَت قيمةُ ما يَملِكُه نِصابًا فلا يَمنَعُ ذلك كَونَه من المُستحِقينَ للزَّكاةِ إنْ كانَت مُستغرِقةً بالحاجةِ الأصليَّةِ، كمَن عندَه كُتبٌ يَحتاجُها للتَّدريسِ، أو آلاتُ حِرفةٍ أو نحوُ ذلك (٢). وقالَ المالِكيةُ: الفَقيرُ مَنْ يَملِكُ شَيئًا لا يَكفيه لقُوتِ عامِه (٣). الغِنَي المانعُ مِنْ أخذِ الزَّكاةِ بوَصفِ الفَقرِ أو المَسكَنةِ: الأصلُ المُتَّفقُ عليه بينَ الفُقهاءِ أنَّه لا يُصرَفُ في الزَّكاةِ من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ إلى غَنيٍّ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَها للفُقراءِ والمَساكينِ، والغَنيُّ غيرُ داخِلٍ فيهم، وأخبَرَ النَّبيُّ ﷺ أنَّها: «تُؤخذُ من

стр. 2023

أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١)، وقالَ: «لَا حظَّ فيها لغَنيٍّ» (٢)؛ ولأنَّ أخْذَ الغَنيِّ منها يَمنعُ وُصولَها إلى أهلِها ويُخلُّ بحِكمةِ وُجوبِها، وهي إِغناءُ الفُقراءِ بها (٣). ولكنِ اختُلفَ في الغِنَى المانِعِ من أخذِ الزَّكاةِ: فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الأمرَ مُعتبَرٌ بالكِفايةِ، فمَن وجَدَ من الأَثمانِ أو غيرِها ما يَكفيه ويَكفي مَنْ يَمونُه فهو غَنيٌّ، لا تَحلُّ له الزَّكاةُ، وكذلك مَنْ لم يَملِكْ شَيئًا وهو غيرُ مُحتاجٍ. فإنْ لم يَجدْ ذلك وكانَ مُحتاجًا حلَّت له الصَّدقةُ، ولو كانَ ما عندَه يَبلُغُ نِصابًا، بل نُصبًا زَكويَّةً، وعلى هذا فلا يُمتنَعُ أنْ يُوجَدَ مَنْ تَجبُ عليه الزَّكاةُ وهو مُستحِقٌّ للزَّكاةِ. قالَ الخَطابي ﵀: قال مالِكٌ والشافِعيُّ: لا حَدَّ للغِنى مَعلومًا، وإنَّما يُعتبَرُ حالُ الإِنسانِ بوُسعِه وطاقَتِه، فإذا اكتَفى بما عندَه حُرِّمَت عليه الصَّدقةُ، وإذا احتاجَ حلَّت له. قالَ الشافِعيُّ: قد يَكونُ الرَّجلُ بالدِّرهمِ غَنيًّا مع كَسبٍ ولا يُغنيه الألفُ مع ضَعفِه في نَفسِه وكَثرةِ عِيالِه (٤).

стр. 2024

ومما يَدلُّ لهذا المَذهبِ: ١ - ما جاءَ في الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لقَبيصةَ بنِ المُخارِقِ الذي جاءَ يَسألُه في حَمالةٍ تَحمَّلها: «يا قَبيصَةُ إنَّ المَسأَلةَ لَا تَحلُّ إلا لأَحدِ ثَلاثةٍ: رَجلٌ تَحمَّلَ حَمالَةً فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصِيبَها ثُم يُمسِكُ، ورَجلٌ أَصابَته جائِحةٌ اجْتاحَت مالَه فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصِيبَ قِوامًا من عَيشٍ، أو قالَ سِدادًا من عَيشٍ، ورَجلٌ أَصابَتْه فاقَةٌ حتى يَقومَ ثَلاثةٌ من ذوي الحِجا من قَومِه لقد أَصابَت فُلانًا فاقَةٌ فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيشٍ، أو قالَ: سِدادًا من عَيشٍ، فما سِواهُنَّ من المَسأَلةِ يا قَبيصَةُ سُحتًا يَأكلُها صاحِبُها سُحتًا» (١). ٢ - أنَّ الحاجةَ هي الفَقرُ، والغِنى ضِدُّها، فمَن كانَ مُحتاجًا فهو فَقيرٌ يَدخلُ في عُمومِ النَّصِّ، ومَن استَغنى دخَلَ في عُمومِ النُّصوصِ المُحرِّمةِ، والدَّليلُ على أنَّ الفَقرَ هو الحاجةُ قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] أي: مُحتاجونَ إليه، وقالَ الشاعِرُ: «وإنِّي إلى مَعروفِها لفَقيرُ» أي: لَمُحتاجٌ. وبِناءً على ذلك يَتفرَّعُ أَمرانِ: أولًا: أنَّ مَنْ كانَ له مالٌ يَكفيه، سَواءٌ أكانَ ذلك من مالٍ زَكويٍّ أو غيرِ زَكويٍّ أو من كَسبِه وعَملِه أو من أُجرةِ عَقاراتٍ أو غيرِ ذلك، فليسَ له الأخذُ من الزَّكاةِ، ويُعتبَرُ وُجودُ الكِفايةِ له ولعائِلتِه، ومَن يَعولُه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهم مَقصودٌ دَفعُ حاجَتِه، فيُعتبَرُ له ما يُعتبَرُ للمُنفرِدِ.

стр. 2025

ثانيًا: أنَّ مَنْ ملَكَ من أَموالِ الزَّكاةِ نِصابًا أو أكثرَ لا تَتمُّ به كِفايَتُه لنَفسِه، ومَن يَعولُه، فله الأخذُ من الزَّكاةِ؛ لأنَّه ليسَ بغَنيٍّ. فمَن له عُروضُ تِجارةٍ قيمَتُها ألفُ دِينارٍ أو أكثَرُ ولكنْ لا يَحصلُ له مِنْ رِبحِها قَدرُ كِفايتِه لكَسادِ السُّوقِ أو كَثرةِ العِيالِ أو نحوِها يَجوزُ له الأخذُ من الزَّكاةِ. ومَن كانَ له مَواشٍ تَبلغُ نِصابًا، أو له زَرعٌ يَبلغُ خَمسةَ أَوسقٍ لا يَقومُ ذلك بجَميعِ كِفايتِه يَجوزُ له الأخذُ من الزَّكاةِ، ولا يَمنعُ ذلك وُجوبَها عليه؛ لأنَّ الغِنى المُوجبَ للزَّكاةِ هو مِلكُ النِّصابِ بشُروطٍ، أمَّا الغِنى المانِعُ من أخذِها فهو ما تَحصلُ به الكِفايةُ ولا تَلازمَ بينَهما (١). وقالَ المَيمونيُّ: ذاكَرتُ أبا عبدِ اللهِ (أحمدَ بنَ حَنبلٍ) فقُلتُ: قد تَكونُ للرَّجلِ الإبِلُ والغَنمُ تَجبُ فيها الزَّكاةُ وهو فَقيرٌ، ويَكونُ له أربَعونَ شاةً وتَكونُ له الضَّيعةُ ولا تَكفيه، أفيُعطَى من الزَّكاةِ؟ قالَ: نَعم، وذكَرَ قَولَ عمرَ: أَعطوهم وإنْ راحَت عليهم من الإبلِ كذا وكذا (٢). وقالَ أحمدُ في رِوايةِ مُحمدِ بنِ عبدِ الحَكمِ: إذا كانَ له عَقارٌ أو ضَيعةٌ يَستغِلُّها عَشرةَ آلافٍ أو أكثَرَ ولا تَكفيه يَأخذُ من الزَّكاةِ (٣). وقيلَ له: يَكونُ للرَّجلِ الزَّرعُ القائِمُ وليسَ عندَه ما يَحصُدُه، أيَأخذُ من الزَّكاةِ؟ قالَ: نَعم.

стр. 2026

وقالَ في «شَرح الغايةِ»: «مَنْ له كُتبٌ يَحتاجُ إليها للحِفظِ والمُطالَعةِ أو لها حُليٌّ للُّبسِ أو لكِراءٍ تَحتاجُ إليه فلا يَمنعُها ذلك من أخذِ الزَّكاةِ» (١). ولا يَجوزُ له أنْ يَصرِفَ زَكاةَ مالِه إلى نَفسِه إذا كانَ مُحتاجًا، قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: فإنْ قيلَ: فهل يَجوزُ له إذا كانَ فَقيرًا له عِيالٌ وعليه زَكاةٌ يَحتاجُ إليها أنْ يَصرفَها إلى نَفسِه وعِيالِه؟ قيلَ: لا يَجوزُ ذلك لعَدمِ الإِخراجِ المُستحَقِّ عليه، ولكنْ للإمامِ أو الساعِي أنْ يَدفعَ زَكاتَه إليه بعدَ قَبضِها منه في أصَحِّ الرِّوايتَينِ عن أحمدَ. فإنْ قيلَ: فهل له أنْ يُسقطَها عنه؟ قيلَ: لا نصَّ عليه، والفَرقُ بينَهما واضِحٌ (٢). وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ وعليها ظاهِرُ المَذهبِ: إلى أنَّه إنْ وجَدَ كِفايتَه فهو غَنيٌّ، وإنْ لم يَجدْ وكانَ لَديه خَمسونَ دِرهمًا أو قيمَتُها من الذَّهبِ خاصَّةً فهو غَنيٌّ، ولو كانَت لا تَكفيه؛ لحَديثِ: «مَنْ سأَلَ الناسَ وله ما يُغنِيه جاءَ يومَ القِيامةِ ومَسأَلتُه في وَجهِه خُموشٌ أو خُدوشٌ أو كُدوحٌ. قِيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ: وما يُغنِيه؟ قالَ: خَمسونَ دِرهمًا أو قِيمتُها مِنْ الذَّهبِ» (٣). وإنَّما فرَّقوا بينَ الأَثمانِ وغيرِها اتِّباعًا للحَديثِ (٤).

стр. 2027

أمَّا الحَنفيةُ: فإنَّهم يرَوْن أنَّ الغِنى الذي يَحرُمُ به أخذُ الصَّدقةِ وقَبولُها أحدُ أمرَينِ: الأولُ: مِلكُ نِصابٍ زَكويٍّ مِنْ أيِّ مالٍ كانَ: كخَمسٍ من الإبِلِ السائِمةِ أو مِئتَي دِرهمٍ أو عِشرين دِينارًا (٨٥ جرامًا عيارَ ٢٤ من الذَّهبِ تَقريبًا)؛ لأنَّ الشَّرعَ جعَلَ الناسَ صِنفَينِ: غَنيًّا تُؤخذُ منه الزَّكاةُ وفَقيرًا تُردُّ عليه؛ لقَولِه ﷺ : «تُؤخذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١)، ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ غَنيًّا فَقيرًا في وَقتٍ واحِدٍ، كمَن كانَ لديه نِصابٌ تَجبُ فيه الزَّكاةُ ولكنْ عندَه كَثرةٌ من العِيالِ يَحتاجونَ إلى كَثيرٍ من النَّفقاتِ، لا يَجوزُ أنْ يُعطَى ولا يَحلُّ له أنْ يَأخذَ من الزَّكاةِ. الثاني: أنْ يَملِكَ من الأَموالِ التي تَجبُ فيها الزَّكاةُ ما يَفضُلُ عن حاجَتِه وتَبلُغُ قيمةُ الفاضِلِ مِئتَي دِرهمٍ، كمَن يَقتَني من الثِّيابِ والفَرشِ والدَّوابِّ والكُتبِ والدُّورِ والحَوانيتِ وغيرِها زِيادةً على ما يَحتاجُ إليه، كلُّ ذلك للابتِذالِ والاستِعمالِ لا للتِّجارةِ والإِسامةِ، فإذا بقِيَ من ذلك ما تَبلغُ قيمَتُه مِئتَي دِرهمٍ حرُمَ عليه أنْ يَأخذَ من الصَّدقةِ، فمَن كانَ له دارانِ يَستَغني عن إحداهُما، وهي إذا بِيعت تُساوي نِصابَ النُّقودِ فلا يَجوزُ له أخذُ الزَّكاةِ، وكذلك إذا كانَ عندَه كُتبٌ ورِثَها مَثلًا أو أَدواتُ حِرفةٍ تُساوِي نِصابًا وليسَ

стр. 2028

هو في حاجةٍ إليها؛ لأنَّه ليسَ من أهلِ العِلمِ ولا من أَربابِ تلك الحِرفةِ. قالَ الكاسانيُّ ﵀: ثم قَدرُ الحاجةِ ما ذكَرَه الكَرخيُّ في «مُختصَرِه» فقالَ: لا بأسَ بأنْ يُعطَى من الزَّكاةِ مَنْ له مَسكنٌ وما يَتأثَّثُ به مَنزلُه، وخادِمٌ وفَرسٌ وسِلاحٌ وثِيابُ البَدنِ وكُتبُ العِلمِ إنْ كانَ من أهلِه، فإنْ كانَ له فَضلٌ على ذلك ما تَبلغُ قيمَتُه مِئتَي دِرهمٍ حرُمَ عليه أخذُ الصَّدقةِ؛ لِما رُويَ عن الحَسنِ البَصريِّ أنَّه قالَ: «كَانُوا يُعطُونَ الزَّكاةَ لمَن يَملِكُ عَشرةَ آلَافِ دِرهمٍ من الفَرسِ والسِّلاحِ والخَدمِ والدَّارِ»؛ لأنَّ هذه الأَشياءَ من الحَوائجِ اللازِمةِ التي لا بدَّ للإِنسانِ منها، فكانَ وُجودُها وعَدمُها سَواءً (١). وذكرَ في «الفَتاوى» فيمَن له حَوانيتُ ودُورٌ للغَلةِ، لكنَّ غَلتَها لا تَكفيه وعِيالَه أنَّه فَقيرٌ، ويَحلُّ له أخذُ الصَّدقةِ عندَ مُحمدٍ وزُفرَ. وعندَ أبي يُوسفَ لا يَحلُّ، ومِثلُ هذا إذا كانَ له أرضٌ وكَرمٌ لكنَّ غَلتَه لا تَكفيه وعِيالَه. ولو عندَه طَعامٌ للقُوتِ يُساوي (مِئتَي دِرهَمٍ) فإنْ كانَ كِفايةَ شَهرٍ تَحلُّ له الصَّدقةُ، وإنْ كانَ كِفايةَ سَنةٍ قالَ بعضُهم: لا تَحلُّ، وقالَ بعضُهم: تَحلُّ؛ لأنَّ ذلك مُستحِقٌّ الصَّرفَ إلى الكفايةِ، والمُستحِقُ مُلحَقٌ بالعَدمِ، وقد ادَّخرَ ﷺ لنِسائِه قُوتَ سَنةٍ. ولو كانَ له كِسوةُ الشِّتاءِ وهو لا يَحتاجُ إليها في الصَّيفِ يَحلُّ له أخذُ الصَّدقةِ. قالَ الكاسانيُّ: وهذا قَولُ أَصحابِنا (٢).

стр. 2029

قالَ ابنُ عابدِين ﵀: وفي «التتارخانيةِ» عن «الصُّغرى»: له دارٌ يَسكنُها ولكنْ تَزيدُ على حاجَتِه؛ بألَّا يَسكُنُ الكلَّ، يَحلُّ له أخذُ الصَّدقةِ في الصَّحيحِ. وفيها سُئلَ مُحمدٌ عمَّن له أرضٌ يَزرعُها أو حَوانيتُ يَستغِلُّها أو دارٌ غَلتُها ثَلاثةُ آلافٍ ولا تَكفي لنَفقتِه ونَفقةِ عِيالِه سَنةً، فأجابَ: يَحلُّ له أخذُ الزَّكاةِ، وإنْ كانَت قيمَتُها تَبلغُ أُلوفًا، وعليه الفَتوى، وعندَهما لا يَحلُّ (١). إِعطاءُ الفَقيرِ والمِسكينِ القادِرَيْنِ على الكَسبِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن يَقدرُ على كَسبِ كِفايتِه وكِفايةِ مَنْ يَمونُه، هل يَجوزُ له أخذُ الزَّكاةِ؟ فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ: إلى أنَّه يَجوزُ له أخذُ الزَّكاةِ وإنْ كانَ قَويًّا مُكتسبًا؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهذا فَقيرٌ؛ ولأنَّ ما جُوِّز للمُكلَّفِ حالَ فَقرِه لم يُحرَّمْ عليه لِأجلِ قُوَّتِه عليه في الحالِ الأُخرى، كالصَّومِ في الكَفارةِ لمَّا جُوِّز ذلك له، لعَدمِ مالِه لم يُعتبَرْ في مَنعِه كَونُه قَويًّا قادِرًا على أنْ يَكتسِبَ ما يَتوصَّلُ به إلى العِتقِ؛ ولأنَّ حَقيقةَ الحاجةِ لا يُوقَفُ عليها، فأُديرَ الحُكمُ على دَليلِها وهو الفَقرُ، وقالَ بعضُ الحَنفيةِ: -وهم كما سبَقَ يُجيزونَ الدَّفعَ للفَقيرِ الكَسوبِ-: أنَّه لا يَطيبُ له الأخذُ؛ لأنَّ جَوازَ الدَّفعِ لا يَسلتزِمُ جَوازَ الأخذِ، كما إذا دفَعَ إلى غَنيٍّ يَظنُّه فَقيرًا، فالدَّفعُ جائِزٌ، والأخذُ حَرامٌ.

стр. 2030

وقالَ جُمهورُ الحَنفيةِ: الأخذُ ليسَ بحَرامٍ ولكنَّ عَدمَ الأخذِ أَوْلى لمَن له سِدادٌ من عَيشٍ (١). وذهَبَ بعضُ المالِكيةِ أيضًا إلى عَدمِ جَوازِ الدَّفعِ لِلقادرِ على التَّكسُّبِ (٢). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ وبعضُ المالِكيةِ إلى أنَّ مَنْ كانَ مِنْ الفُقراءِ والمَساكينِ قادرًا على كَسبِ كِفايَتِه وكِفايةِ مَنْ يَمونُه أو تَمامِ الكِفايةِ، لم يَحلَّ له الأخذُ من الزَّكاةِ، ولا يَحلُّ للمُزكِّي إِعطاؤُه منها، ولا تُجزئُه لو أَعطاها، وهو يَعلمُ بحالِه؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا حظَّ فيها لغَنيٍّ ولَا لقَويٍّ مُكتسِبٍ» (٣). وفي لَفظٍ: «لَا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ ولا لِذي مِرةٍ سَويٍّ» (٤). والمِرةُ: القُوةُ والشِّدةُ، والسَّويُّ: المُستَوي سَليمُ الأَعضاءِ، ولا اعتِدادَ بالقُدرةِ الجُسمانيَّةِ واللِّياقةِ البَدنيَّةِ ما لم يَكنْ معها كَسبٌ يُغني ويَكفي؛ لأنَّ القُوةَ بغيرِ كَسبٍ لا تَكسو مِنْ عُريٍ ولا تُطعِمُ من جُوعٍ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا لم يَجدِ الكَسوبُ مَنْ يَستعمِلُه حَلَّت له الزَّكاةُ؛ لأنَّه عاجِزٌ (٥).

стр. 2031

والمُرادُ بالاكتِسابِ: اكتِسابُ قَدرِ الكِفايةِ، وإلا كانَ من أهلِ الاستِحقاقِ للزَّكاةِ، والعَجزُ عن أصلِ الكَسبِ ليسَ بشَرطٍ ولا يَصحُّ أنْ يُقالَ بوُقوفِ الزَّكاةِ على الزَّمْنى والمَرضى والعَجزةِ فحَسبُ. والمُعتبَرُ -كما قالَ النَّوويُّ- كَسبٌ يَليقُ بحالِه ومُروءَتِه، وأمَّا ما لا يَليقُ به فهو كالمَعدومِ (١). وسُئلَ الغَزاليُّ ﵀ عن القَويِّ من أهلِ البُيوتاتِ الذين لم تَجرِ عادَتُهم بالتَّكسُّبِ بالبَدنِ هل له أخذُ الزَّكاةِ من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ؟ فقالَ: نَعم. قالَ الإمامُ النَّوويُّ: وهذا صَحيحٌ جارٍ على ما سبَقَ أنَّ المُعتبَرَ حِرفةٌ تَليقُ به واللهُ أعلَمُ (٢). المُتفرِّغُ للعِلمِ يَأخذُ من الزَّكاةِ: القادِرُ على الكَسبِ إلا أنَّه مُشتغِلٌ ببعضِ العُلومِ الشَّرعيَّةِ بحيثُ لو أقبَلَ على الكَسبِ لانقَطعَ عن التَّحصيلِ حلَّت له الزَّكاةُ بقَدرِ ما يُعينُه على أداءِ مُهمَّتِه، وما يُشبعُ حاجاتَه، ومنها كُتبُ العِلمِ التي لا بدَّ منها لمَصلحةٍ دِينِه ودُنياه. وإنَّما يُعطَى طالِبُ العِلمِ؛ لأنَّه يَقومُ بفَرضِ كِفايةٍ؛ ولأنَّ فائِدةَ عِلمِه ليسَت مَقصورةً عليه، بل هي لمَجموعِ الأُمةِ، فمِن حقِّه أنْ يُعانَ من مالِ

стр. 2032

الزَّكاةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لِأحدِ رَجلَينِ: إمَّا لمَن يَحتاجُ من المُسلِمينَ أو لمَن يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ، وهذا قد جمَعَ بينَ الأمرَينِ. واشتَرطَ بعضُ الشافِعيةِ أنْ يَكونَ طالِبُ العِلمِ نَجيبًا يُرجَى تَفقُّهُه ونَفعُ المُسلِمينَ به، وإلا لم يَستحِقَّ الأخذَ من الزَّكاةِ ما دامَ قادِرًا على الكَسبِ (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالوا: ولو قدِرَ على كَسبٍ يَليقُ بحالِه إلا أنَّه مُشتغِلٌ بتَحصيلِ بعضِ العُلومِ الشَّرعيَّةِ بحيثُ لو أَقبلَ على الكَسبِ لانقَطعَ عن التَّحصيلِ حلَّت له الزَّكاةُ؛ لأنَّ تَحصيلَ العِلمِ فَرضُ كِفايةٍ. وأمَّا: مَنْ لا يَتأتَّى منه التَّحصيلُ فلا تَحلُّ له الزَّكاةُ إذا قدِرَ على الكَسبِ، وإنْ كانَ مُقيمًا بالمَدرسةِ، هذا الذي ذكَرْناه هو الصَّحيحُ المَشهورُ، وذكَرَ الدَّارِميُّ في المُشتغِلِ بتَحصيلِ العِلمِ ثَلاثةَ أوجُهٍ: أحدُها: يَستحِقُّ وإنْ قدِرَ على الكَسبِ. والثاني: لا. والثالِثُ: إنْ كانَ نَجيبًا يُرجى تَفقُّهُه ونَفعُ المُسلِمينَ به استحَقَّ وإلا فلا (٢). وجاء في «الدُّرّ المُختارِ»: طالِبُ العِلمِ يَجوزُ له أخذُ الزَّكاةِ ولو غَنيًّا إذا فرَّغَ نَفسَه لِإفادةِ العِلمِ واستِفادتِه لعَجزِه عن الكَسبِ، والحاجةُ داعيةٌ إلى ما لا بدَّ منه (٣).

стр. 2033

وقالَ ابنُ عابدِين ﵀: وفي «المَبسوط»: لا يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إلى مَنْ يَملِكُ نِصابًا إلا إلى طالِبِ العِلمِ والغازِي ومُنقطِعِ الحَجِّ. ثم قالَ: والمَعنى أنَّ الإِنسانَ يَحتاجُ إلى أشياءَ لا غِنى له عنها، فحينَئذٍ إذا لم يَجزْ له قَبولُ الزَّكاةِ مع عَدمِ اكتِسابِه أنفَقَ ما عندَه ومكَثَ مُحتاجًا، فيَنقطِعُ عن الإفادةِ والاستِفادةِ فيَضعُفُ الدِّينُ لعَدمِ مَنْ يَتحمَّلُه، وهذا الفَرعُ مُخالِفٌ لِإطلاقِهم الحُرمةَ في الغِنى، ولم يَعتمِدْه أحَدٌ. قلتُ: وهو كذلك. والأوجَهُ تَقييدُه بالفَقيرِ، ويَكونُ طَلبُ العِلمِ مُرخِّصًا لجَوازِ سُؤالِه من الزَّكاةِ وغيرِها، وإنْ كانَ قادِرًا على الكَسبِ إذ بدونِه لا يَحلُّ له السُّؤالُ (١). وصرَّحَ الحَنفيةُ أنَّه يَجوزُ لطالِبِ العِلمِ أنْ يَسألَ الزَّكاةَ لاشتِغالِه عن الكَسبِ بالعِلمِ، ولِهذا قالُوا: إنَّ نَفقتَه على أَبيه وإنْ كانَ صَحيحًا مُكتسِبًا كما لو كانَ زَمنًا (٢). وقد صرَّحَ جَماعةٌ من الحَنفيةِ بأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] المُرادُ بهم طَلبةُ العِلمِ. قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغَزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتَصرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيرية» (٣).

стр. 2034

وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: (وقيل: طَلبةُ العِلمِ) كذا في الظَّهيريةِ والمَرغينانِيِّ، واستَبعَده السُّروجيُّ بأنَّ الآيةَ نزَلَت وليسَ هناك قَومٌ يُقالُ لهم طَلبةُ عِلمٍ. قالَ في «الشُّرنبُلاليَّةِ»: واستِبعادُه بَعيدٌ؛ لأنَّ طَلبَ العِلمِ ليسَ إلا استِفادةَ الأَحكامِ، وهل يَبلغُ طالِبٌ رُتبةَ مَنْ لازَمَ صُحبةَ النَّبيِّ ﷺ لتلَقِّي الأَحكامِ عنه كأَصحابِ الصُّفَّةِ؟ فالتَّفسيرُ بطالِبِ العِلمِ وَجيهٌ، خُصوصًا وقد قالَ في «البَدائِع»: في سَبيلِ اللهِ جَميعُ القُربِ. فيَدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (١). قالَ البُهوتيُّ والرُّحيبانيُّ: وإنْ تفرَّغَ قادِرٌ على التَّكسُّبِ للعِلمِ الشَّرعيِّ وإنْ لم يَكنْ لَازمًا له وتَعذَّرَ الجَمعُ بينَ العِلمِ والتَّكسُّبِ أُعطيَ من الزَّكاةِ لحاجَتِه ولا يُعطَى مِنْ الزَّكاةِ إنْ تفرَّغَ قادِرٌ على التَّكسُّبِ للعِبادةِ لقُصورِ نَفعِها عليه، بخِلافِ العِلمِ (٢). وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عمَّن ليسَ معه ما يَشتَري به كُتبًا للعِلمِ يَشتغِلُ فيها، فقالَ: يَجوزُ أخْذُه منها ما يَحتاجُ إليه مِنْ كُتبِ العِلمِ التي لا بدَّ لمَصلحةِ دِينِه ودُنياه منها. قالَ البُهوتِيُّ: قلتُ: ولعلَّ ذلك غيرُ خارِجٍ عن الأَصنافِ؛ لأنَّ ذلك من جُملةِ ما يَحتاجُ إليه طالِبُ العِلمِ فهو كنَفقتِه (٣).

стр. 2035

المُتفرِّغُ لِلعِبادةِ لا يَأخذُ من الزَّكاةِ: قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: من أقبلَ -تَفرَّغَ- على نَوافلِ العِباداتِ مِنْ صَلاةٍ وصَومٍ ونَحوِهما والكَسبُ يَمنعُه منها، أو مَنْ استَغرَقَ الوقتَ بها فلا تَحلُّ له الزَّكاةُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَصلحةَ عِبادتِه قاصِرةٌ عليه بخِلافِ المُشتغِلِ بالعِلمِ (١). وقالَ المَرداويُّ ﵀: لو قدِرَ على الكَسبِ ولكنْ أَرادَ الاشتِغالَ بالعِبادةِ لم يُعطَ من الزَّكاةِ قَولًا واحِدًا، والاشتِغالُ بالكَسبِ والحالةُ هذه أفضَلُ من العِباداتِ (٢). قالَ البُهوتيُّ والرُّحيبانيُّ: وإنْ تَفرَّغَ قادِرٌ على التَّكسُّبِ للعِلمِ الشَّرعيِّ وإنْ لم يَكنْ لازِمًا له وتَعذَّرَ الجَمعُ بينَ العِلمِ والتَّكسُّبِ أُعطيَ من الزَّكاةِ، لحاجَتِه، ولا يُعطَى من الزَّكاةِ قادِرٌ على التَّكسُّبِ إنْ تَفرَّغَ للعِبادةِ لقُصورِ نَفعِها عليه، بخِلافِ العِلمِ (٣). جِنسُ الكِفايةِ المُعتَبرةِ في استِحقاقِ الزَّكاةِ: الكِفايةُ المُعتبَرةُ عندَ العُلماءِ هي للمَطعَمِ والمَشرَبِ والمَسكَنِ وسائِرِ ما لا بدَّ منه على ما يَليقُ بحالِه من غيرِ إِسرافٍ ولا تَقتيرٍ للشَّخصِ نَفسِه ولمَن هو في نَفقتِه.
следующие страницы →