والمُرادُ بالاكتِسابِ: اكتِسابُ قَدرِ الكِفايةِ، وإلا كانَ من أهلِ الاستِحقاقِ للزَّكاةِ، والعَجزُ عن أصلِ الكَسبِ ليسَ بشَرطٍ ولا يَصحُّ أنْ يُقالَ بوُقوفِ الزَّكاةِ على الزَّمْنى والمَرضى والعَجزةِ فحَسبُ.
والمُعتبَرُ -كما قالَ النَّوويُّ- كَسبٌ يَليقُ بحالِه ومُروءَتِه، وأمَّا ما لا يَليقُ به فهو كالمَعدومِ (١).
وسُئلَ الغَزاليُّ ﵀ عن القَويِّ من أهلِ البُيوتاتِ الذين لم تَجرِ عادَتُهم بالتَّكسُّبِ بالبَدنِ هل له أخذُ الزَّكاةِ من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ؟ فقالَ: نَعم.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ: وهذا صَحيحٌ جارٍ على ما سبَقَ أنَّ المُعتبَرَ حِرفةٌ تَليقُ به واللهُ أعلَمُ (٢).
المُتفرِّغُ للعِلمِ يَأخذُ من الزَّكاةِ:
القادِرُ على الكَسبِ إلا أنَّه مُشتغِلٌ ببعضِ العُلومِ الشَّرعيَّةِ بحيثُ لو أقبَلَ على الكَسبِ لانقَطعَ عن التَّحصيلِ حلَّت له الزَّكاةُ بقَدرِ ما يُعينُه على أداءِ مُهمَّتِه، وما يُشبعُ حاجاتَه، ومنها كُتبُ العِلمِ التي لا بدَّ منها لمَصلحةٍ دِينِه ودُنياه.
وإنَّما يُعطَى طالِبُ العِلمِ؛ لأنَّه يَقومُ بفَرضِ كِفايةٍ؛ ولأنَّ فائِدةَ عِلمِه ليسَت مَقصورةً عليه، بل هي لمَجموعِ الأُمةِ، فمِن حقِّه أنْ يُعانَ من مالِ
стр. 2032
الزَّكاةِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لِأحدِ رَجلَينِ: إمَّا لمَن يَحتاجُ من المُسلِمينَ أو لمَن يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ، وهذا قد جمَعَ بينَ الأمرَينِ.
واشتَرطَ بعضُ الشافِعيةِ أنْ يَكونَ طالِبُ العِلمِ نَجيبًا يُرجَى تَفقُّهُه ونَفعُ المُسلِمينَ به، وإلا لم يَستحِقَّ الأخذَ من الزَّكاةِ ما دامَ قادِرًا على الكَسبِ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالوا: ولو قدِرَ على كَسبٍ يَليقُ بحالِه إلا أنَّه مُشتغِلٌ بتَحصيلِ بعضِ العُلومِ الشَّرعيَّةِ بحيثُ لو أَقبلَ على الكَسبِ لانقَطعَ عن التَّحصيلِ حلَّت له الزَّكاةُ؛ لأنَّ تَحصيلَ العِلمِ فَرضُ كِفايةٍ. وأمَّا: مَنْ لا يَتأتَّى منه التَّحصيلُ فلا تَحلُّ له الزَّكاةُ إذا قدِرَ على الكَسبِ، وإنْ كانَ مُقيمًا بالمَدرسةِ، هذا الذي ذكَرْناه هو الصَّحيحُ المَشهورُ، وذكَرَ الدَّارِميُّ في المُشتغِلِ بتَحصيلِ العِلمِ ثَلاثةَ أوجُهٍ: أحدُها: يَستحِقُّ وإنْ قدِرَ على الكَسبِ. والثاني: لا. والثالِثُ: إنْ كانَ نَجيبًا يُرجى تَفقُّهُه ونَفعُ المُسلِمينَ به استحَقَّ وإلا فلا (٢).
وجاء في «الدُّرّ المُختارِ»: طالِبُ العِلمِ يَجوزُ له أخذُ الزَّكاةِ ولو غَنيًّا إذا فرَّغَ نَفسَه لِإفادةِ العِلمِ واستِفادتِه لعَجزِه عن الكَسبِ، والحاجةُ داعيةٌ إلى ما لا بدَّ منه (٣).
стр. 2033
وقالَ ابنُ عابدِين ﵀: وفي «المَبسوط»: لا يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إلى مَنْ يَملِكُ نِصابًا إلا إلى طالِبِ العِلمِ والغازِي ومُنقطِعِ الحَجِّ.
ثم قالَ: والمَعنى أنَّ الإِنسانَ يَحتاجُ إلى أشياءَ لا غِنى له عنها، فحينَئذٍ إذا لم يَجزْ له قَبولُ الزَّكاةِ مع عَدمِ اكتِسابِه أنفَقَ ما عندَه ومكَثَ مُحتاجًا، فيَنقطِعُ عن الإفادةِ والاستِفادةِ فيَضعُفُ الدِّينُ لعَدمِ مَنْ يَتحمَّلُه، وهذا الفَرعُ مُخالِفٌ لِإطلاقِهم الحُرمةَ في الغِنى، ولم يَعتمِدْه أحَدٌ. قلتُ: وهو كذلك.
والأوجَهُ تَقييدُه بالفَقيرِ، ويَكونُ طَلبُ العِلمِ مُرخِّصًا لجَوازِ سُؤالِه من الزَّكاةِ وغيرِها، وإنْ كانَ قادِرًا على الكَسبِ إذ بدونِه لا يَحلُّ له السُّؤالُ (١).
وصرَّحَ الحَنفيةُ أنَّه يَجوزُ لطالِبِ العِلمِ أنْ يَسألَ الزَّكاةَ لاشتِغالِه عن الكَسبِ بالعِلمِ، ولِهذا قالُوا: إنَّ نَفقتَه على أَبيه وإنْ كانَ صَحيحًا مُكتسِبًا كما لو كانَ زَمنًا (٢).
وقد صرَّحَ جَماعةٌ من الحَنفيةِ بأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] المُرادُ بهم طَلبةُ العِلمِ.
قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغَزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتَصرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيرية» (٣).
стр. 2034
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: (وقيل: طَلبةُ العِلمِ) كذا في الظَّهيريةِ والمَرغينانِيِّ، واستَبعَده السُّروجيُّ بأنَّ الآيةَ نزَلَت وليسَ هناك قَومٌ يُقالُ لهم طَلبةُ عِلمٍ.
قالَ في «الشُّرنبُلاليَّةِ»: واستِبعادُه بَعيدٌ؛ لأنَّ طَلبَ العِلمِ ليسَ إلا استِفادةَ الأَحكامِ، وهل يَبلغُ طالِبٌ رُتبةَ مَنْ لازَمَ صُحبةَ النَّبيِّ ﷺ لتلَقِّي الأَحكامِ عنه كأَصحابِ الصُّفَّةِ؟ فالتَّفسيرُ بطالِبِ العِلمِ وَجيهٌ، خُصوصًا وقد قالَ في «البَدائِع»: في سَبيلِ اللهِ جَميعُ القُربِ. فيَدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (١).
قالَ البُهوتيُّ والرُّحيبانيُّ: وإنْ تفرَّغَ قادِرٌ على التَّكسُّبِ للعِلمِ الشَّرعيِّ وإنْ لم يَكنْ لَازمًا له وتَعذَّرَ الجَمعُ بينَ العِلمِ والتَّكسُّبِ أُعطيَ من الزَّكاةِ لحاجَتِه ولا يُعطَى مِنْ الزَّكاةِ إنْ تفرَّغَ قادِرٌ على التَّكسُّبِ للعِبادةِ لقُصورِ نَفعِها عليه، بخِلافِ العِلمِ (٢).
وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عمَّن ليسَ معه ما يَشتَري به كُتبًا للعِلمِ يَشتغِلُ فيها، فقالَ: يَجوزُ أخْذُه منها ما يَحتاجُ إليه مِنْ كُتبِ العِلمِ التي لا بدَّ لمَصلحةِ دِينِه ودُنياه منها.
قالَ البُهوتِيُّ: قلتُ: ولعلَّ ذلك غيرُ خارِجٍ عن الأَصنافِ؛ لأنَّ ذلك من جُملةِ ما يَحتاجُ إليه طالِبُ العِلمِ فهو كنَفقتِه (٣).
стр. 2035
المُتفرِّغُ لِلعِبادةِ لا يَأخذُ من الزَّكاةِ:
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: من أقبلَ -تَفرَّغَ- على نَوافلِ العِباداتِ مِنْ صَلاةٍ وصَومٍ ونَحوِهما والكَسبُ يَمنعُه منها، أو مَنْ استَغرَقَ الوقتَ بها فلا تَحلُّ له الزَّكاةُ بالاتِّفاقِ؛ لأنَّ مَصلحةَ عِبادتِه قاصِرةٌ عليه بخِلافِ المُشتغِلِ بالعِلمِ (١).
وقالَ المَرداويُّ ﵀: لو قدِرَ على الكَسبِ ولكنْ أَرادَ الاشتِغالَ بالعِبادةِ لم يُعطَ من الزَّكاةِ قَولًا واحِدًا، والاشتِغالُ بالكَسبِ والحالةُ هذه أفضَلُ من العِباداتِ (٢).
قالَ البُهوتيُّ والرُّحيبانيُّ: وإنْ تَفرَّغَ قادِرٌ على التَّكسُّبِ للعِلمِ الشَّرعيِّ وإنْ لم يَكنْ لازِمًا له وتَعذَّرَ الجَمعُ بينَ العِلمِ والتَّكسُّبِ أُعطيَ من الزَّكاةِ، لحاجَتِه، ولا يُعطَى من الزَّكاةِ قادِرٌ على التَّكسُّبِ إنْ تَفرَّغَ للعِبادةِ لقُصورِ نَفعِها عليه، بخِلافِ العِلمِ (٣).
جِنسُ الكِفايةِ المُعتَبرةِ في استِحقاقِ الزَّكاةِ:
الكِفايةُ المُعتبَرةُ عندَ العُلماءِ هي للمَطعَمِ والمَشرَبِ والمَسكَنِ وسائِرِ ما لا بدَّ منه على ما يَليقُ بحالِه من غيرِ إِسرافٍ ولا تَقتيرٍ للشَّخصِ نَفسِه ولمَن هو في نَفقتِه.
стр. 2036
وصرَّحَ المالِكيةُ بأنَّ مالَ الزَّكاةِ إنْ كانَ فيه سَعةٌ يَجوزُ الإِعانةُ به لمَن أَرادَ الزَّواجَ (١).
القَدرُ الذي يُعطاه الفَقيرُ والمِسكينُ من الزَّكاةِ:
اختَلفَت المَذاهبُ الفِقهيَّةُ في مِقدارِ ما يُعطَى الفَقيرُ والمِسكينُ من الزَّكاةِ.
فذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وبعضُ الشافِعيةِ كالبَغويِّ والغَزاليِّ وغيرِهما إلى أنَّ الواحِدَ من أهلِ الحاجةِ المُستحِقَّ للزَّكاةٍ بالفَقرِ أو المَسكنةِ يُعطَى من الزَّكاةِ الكِفايةَ أو تَمامَها له ولمَن يَعولُه عامًا كامِلًا، ولا يُزادُ عليه، وإنَّما حَدَّدوا العامَ لأنَّ الزَّكاةَ تَتكرَّرُ كلَّ عامٍ غالِبًا؛ فيُحصِّلُ كِفايَتَه منها عامًا عامًا، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ «ادَّخرَ لأهلِه قُوتَ سَنةٍ» (٢).
وسَواءٌ كانَ ما يَكفيه يُساوي نِصابًا أو نُصُبًا، وإنْ كانَ يَملِكُ أو يَحصلُ له بعضُ الكِفايةِ أُعطيَ تَمامَ الكِفايةِ لِعامٍ (٣).
وذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الفَقيرَ والمِسكينَ يُعطَيانِ ما يَستأصِلُ شَأفةَ فَقرِهما ويُخرجُهما من الفاقةِ إلى الغِنى، وهو ما تَحصلُ به الكِفايةُ على الدَّوامِ ولا يَحتاجانِ إلى الزَّكاةِ مَرةً أُخرى.
стр. 2037
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: المَسألةُ الثانيةُ: في قَدرِ المَصروفِ إلى الفَقيرِ والمِسكينِ، قالَ أَصحابُنا العِراقيُّونَ وكَثيرونَ من الخُراسانيِّينَ: يُعطَيانِ ما يُخرجُهما من الحاجةِ إلى الغِنى، وهو ما تَحصلُ به الكِفايةُ على الدَّوامِ. وهذا هو نَصُّ الشافِعيِّ ﵀، واستدَلَّ له الأَصحابُ بحَديثِ قَبيصةَ بنِ المُخارِقِ الصَّحابيِّ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «يا قَبيصةُ إِنَّ المَسأَلةَ لَا تَحلُّ إلا لأَحدِ ثَلاثةٍ: رَجلٌ تَحمَّلَ حَمالَةً فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصيبَها ثُم يُمسِكُ، ورَجلٌ أَصابَته جائحَةٌ اجْتاحَتْ مالَه فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيشٍ، أو قالَ: سِدادًا من عَيشٍ، ورَجلٌ أصابَتْه فاقَةٌ حتى يَقومَ ثَلاثةٌ من ذوي الحِجا من قَومِه: لقد أَصابَتْ فُلانًا فاقَةٌ فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيشٍ، أو قالَ: سِدادًا من عَيشٍ، فما سِواهُنَّ من المَسأَلةِ يا قَبيصةُ سُحتًا يَأكلُها صاحِبُها سُحتًا» (رواه مسلمٌ في صحيحِه) (١) والقِوامُ والسِّدادُ بكَسرِ أوَّلِهما، وهما بمَعنًى.
قالَ أَصحابُنا: فأَجازَ رَسولُ اللهِ ﷺ المَسألةَ حتى يُصيبَ ما يَسُدُّ حاجَتَه فدَلَّ على ما ذكَرْناه. قالوا: وذكَرَ الثَّلاثةَ في الشَّهادةِ للاستِظهارِ لا لِلاشتِراطِ.
стр. 2038
قالَ أَصحابُنا: فإنْ كانَ عادَتُه الاحتِرافَ أُعطيَ ما يَشتَري به حِرفتَه أو آلاتِ حِرفتِه، قلَّت قيمةُ ذلك أو كثُرَت، ويَكونُ قَدرُه بحيثُ يَحصلُ له من رِبحِه ما يَفي بكِفايَتِه غالبًا تَقريبًا. ويَختلِفُ ذلك باختِلافِ الحِرفِ والبِلادِ والأَزمانِ والأَشخاصِ. وقرَّبَ جَماعةٌ من أَصحابِنا ذلك فقالوا: مَنْ يَبيعُ البَقلَ يُعطَى خَمسةَ دَراهمَ أو عَشرةً، ومَن حِرفتُه بَيعُ الجَوهرِ يُعطَى عَشرةَ آلافِ دِرهَمٍ مَثلًا إذا لم يَتأتَّ له الكِفايةُ بأقَلَّ منها.
ومَن كانَ تاجِرًا أو خبَّازًا أو عطَّارًا أو صرَّافًا أُعطيَ بنِسبةِ ذلك، ومَن كانَ خيَّاطًا أو نجَّارًا أو قصَّارًا أو قصَّابًا أو غيرَهم من أهلِ الصَّنائِعِ أُعطيَ ما يَشتَري به الآلاتِ التي تَصلحُ لمثلِه.
وإنْ كانَ مِنْ أهلِ الضِّياعِ (المَزارعِ) يُعطَى ما يَشتَري به ضَيعةً أو حِصةً في ضَيعةٍ تَكفيه غَلتُها على الدَّوامِ.
قالَ أَصحابُنا: فإنْ لم يَكنْ مُحتَرفًا ولا يُحسِنُ صَنعةً أصلًا ولا تِجارةً ولا شَيئًا من أَنواعِ المَكاسبِ أُعطيَ كِفايةَ العُمرِ الغالِبِ لِأمثالِه في بِلادِه ولا يُقدَّرُ بكِفايةِ سَنةٍ.
ثم قالَ: هذا الذي ذكَرْناه من إِعطائِه كِفايةَ عُمرِه هو المَذهبُ الصَّحيحُ الذي قطَعَ به العِراقيُّونَ وكَثيرونَ من الخُراسانيِّينَ ونَصَّ عليه الشافِعيُّ (١).
ووضَّحَ ذلك شَمسُ الدِّينِ الرَّمليُّ في «شَرح المِنهاجِ للنَّوويِّ».
فذكَرَ أنَّ الفَقيرَ والمِسكينَ إنْ لم يُحسِنْ كلٌّ منهما كَسبًا بحِرفةٍ ولا تِجارةٍ يُعطَى كِفايةَ ما بقِيَ من العُمرِ الغالِبِ لِأمثالِه في بَلدِه؛ لأنَّ القَصدَ
стр. 2039
إِغناؤُه ولا يَحصلُ إلا بذلك، فإنْ زادَ عُمرُه عليه أُعطيَ سَنةً بسَنةٍ.
وليسَ المُرادُ بإِعطاءِ مَنْ لا يُحسِنُ الكَسبَ إِعطاءَه نَقدًا يَكفيه بقيمةِ عُمرِه المُعتادِ بل إِعطاؤُه ثَمنَ ما يَكفيه دَخلَه، كأنْ يُشتَرى له به عَقارٌ يَستغِلُّه ويَغتَني به عن الزَّكاةِ؛ فيَملِكُه ويُورَّثُ عنه.
قال: والأقرَبُ كما بحَثَه الزَّركشيُّ أنَّ لِلإمامِ دونَ المالِكِ شِراءَه له، وله إِلزامُه بالشِّراءِ وعَدمِ إِخراجِه عن مِلكِه، وحينَئذٍ ليسَ له إِخراجُه، فلا يَحلُّ ولا يَصحُّ فيما يَظهَرُ.
ولو ملَكَ هذا دونَ كِفايةِ العُمرِ الغالِبِ كمُلَ له من الزَّكاةِ كِفايتُه، ولا يُشتَرطُ اتِّصافُه يومَ الإِعطاءِ بالفَقرِ والمَسكنةِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: لو كانَ معه تِسعونَ ولا يَكفيه إلا رِبحُ مِئةٍ أُعطيَ العَشرةَ الأُخرى، وإنْ كَفتْه التِّسعونَ -لو أنفَقَها من غيرِ اكتِسابٍ فيها- سِنينَ لا تَبلغُ العُمرَ الغالِبَ.
وهذا كلُّه فيمَن لا يُحسِنُ الكَسبَ، أمَّا مَنْ يُحسِنُ حِرفةً لائِقةً تَكفيه فيُعطَى ثَمنَ آلةِ حِرفتِه، وإنْ كثُرَت، ومَن يُحسِنُ تِجارةً يُعطَى رأسَ مالٍ يَكفيه رِبحُه منه غالِبًا باعتِبارِ عادةِ بَلدِه … ويَختلِفُ ذلك باختِلافِ الأَشخاصِ والنَّواحي.
ولو أحسَنَ أكثَرَ من حِرفةٍ، والكلُّ يَكفيه أُعطيَ ثَمنَ الأَدنى، أو رأسَ مالِ الأَدنى، وإنْ كَفاه بعضُها فقط أُعطيَ له، وإنْ لم تَكفِه واحِدةٌ منها أُعطيَ واحِدةً وزِيدَ له شِراءُ عَقارٍ يُتمُّ دَخلَه بَقيَّةَ كِفايتِه (١).
стр. 2040
وفي مَذهبِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ تُماثِلُ ما نَصَّ عليه الشافِعيُّ، فأجازَ للفَقيرِ أنْ يَأخذَ تَمامَ كِفايتِه دائمًا بمَتجرٍ أو آلةِ صَنعةٍ أو نحوِ ذلك، وقد اختارَ هذه الرِّوايةَ بعضُ الحَنابِلةِ ورَجَّحوا العَملَ بها (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ مَنْ لا يَملِكُ نِصابًا زَكويًّا كامِلًا يَجوزُ أنْ يُدفعَ إليه أقَلُّ من مِئتَي دِرهَمٍ أو تَمامُها (أي: نِصابَ النُّقودِ) ويُكرهُ أكثَرُ من ذلك، وقالَ زُفَرُ: لا يَجوزُ تَمامُ المِئتَينِ أو أكثَرُ، وهذا عندَهم (أي: الحَنفيةِ) لمَن لم يَكنْ له عِيالٌ ولا دَينَ عليه، فإنْ كانَ له عِيالٌ فلكلٍّ منهم مِئتا دِرهَمٍ (نِصابُ النُّقودِ) والمَدينُ يُعطَى لدَينِه ولو فوقَ المِئتَينِ (٢).
الصِّنفُ الثالِثُ: العامِلونَ على الزَّكاةِ:
يَجوزُ إِعطاءُ العامِلينَ على الزَّكاةِ منها؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠] ولا يُشتَرطُ فيمَن يَأخذُ من العامِلينَ مِنْ الزَّكاةِ الفَقرُ؛ لأنَّه يَأخذُ بعَملِه لا لفَقرِه.
وقد قالَ النَّبيُّ ﷺ : «لَا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلا لِخمسةٍ: لغازٍ في سَبيلِ اللَّهِ، أو لعامِلٍ عليها، أو لغارِمٍ، أو لرَجلٍ اشْتَراها بمالِه أو لرَجلٍ كانَ له جَارٌ مِسكينٌ فتُصدِّقَ على المِسكينِ فأَهداها المِسكينُ للغَنيِّ» (٣).
стр. 2041
قالَ الحَنفيةُ: يُدفعُ إلى العامِلِ بقَدرِ عَملِه فيُعطيه ما يَسعُه ويَسعُ أَعوانَه غيرَ مُقدَّرٍ بالثَّمنِ، ولا يُزادُ على نِصفِ الزَّكاةِ التي يَجمَعُها وإنْ كانَ عَملُه أكثَرَ (١).
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: لِلإمام أنْ يَستأجرَ العامِلُ إِجارةً صَحيحةً بأجرٍ مَعلومٍ، إمَّا على مُدةٍ مَعلومةٍ أو عَملٍ مَعلومٍ.
ثم قالَ الشافِعيةُ: لا يُعطَى العامِلُ من الزَّكاةِ أكثَرَ من ثُمنِ الزَّكاةِ.
وهو مَبنيٌّ على رأيِهم في التَّسويةِ بينَ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، فإنْ كانَ أجرُه أكثَرَ من الثَّمنِ أتَمَّ له من بَيتِ المالِ من غيرِ الزَّكاةِ، وقيلَ: مِنْ باقي الأسهُمِ، ويَجوزُ لِلإمامِ أنْ يُعطيَه أجرَه من بَيتِ المالِ، وله أنْ يَبعثَه بغيرِ إِجارةٍ ثم يُعطيَه أجرَ المِثلِ.
وإنْ تَولَّى الإمامُ أو والِي الإِقليمِ أو القاضِي من قِبلِ الإمامِ أو نحوُهم أخْذَ الزَّكاةِ وقسَّمَها لم يَجزْ أن يَأخذَ من الزَّكاةِ شَيئًا؛ لأنَّه يَأخذُ رِزقَه من بَيتِ المالِ (٢).
وقالَ الإمامُ مالكٌ: ليسَ للعامِلِ على الصَّدقةِ فَريضةٌ مُسمَّاةٌ، وإنَّما ذلك إلى الإمامِ يَجتهِدُ في ذلك (٣).
стр. 2042
ما يَأخذُه العامِلُ على الصَّدقاتِ منها هل هو زَكاةٌ أو أُجرةٌ عن عَملِه؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يَأخذُه العامِلُ على الصَّدقاتِ منها، هل هو زَكاةٌ أو أجرُه عن عَملِه؟
فقالَ أبو حَنيفةَ وأحمدُ: هو عن عَملِه وليسَ من الزَّكاةِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ مُؤنَتِها فهو كعَلفِها، وقد كانَ النَّبيُّ ﷺ يَبعثُ على الصَّدقةِ سُعاةً ويُعطيهم عِمالتَهم؛ ولأنَّه لا يَأخذُ من الزَّكاةِ إذا حمَلَ أَصحابُ الأَموالِ زَكاتَهم إلى الإمامِ (١).
وقالَ الشافِعيُّ: هو من الزَّكاةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ منَعَ تَوليةَ آلِه على العِمالةِ فرَوى مُسلِمٌ عن عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعةَ بنِ الحارِثِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ قالَ: «اجتَمعَ رَبيعَةُ بنُ الحارِثِ والعَباسُ بنُ عبدِ الْمُطَّلِبِ فَقَالَا: واللهِ لو بَعَثْنَا هذَينِ الْغُلَامَيْنِ، قالا لي وَلِلْفَضْلِ بنِ عَباسٍ، إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فكلَّمَاه فأمَّرَهما على هذه الصَّدقاتِ فأَدَّيا ما يُؤدِّي الناسُ وأَصابا ممَّا يُصيبُ الناسُ، قالَ: فبينَما هما في ذلك جاءَ علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ فوقَفَ عليهما، فذكَرَا له ذلك، فقال علِيُّ بنُ أبي طالِبٍ: لَا تفْعَلا، فواللَّهِ ما هو بفاعِلٍ، فانْتَحاهُ رَبيعَةُ بنُ الحارِثِ فقالَ: واللهِ ما تَصنعُ هذا إلا نَفاسَةً منك علينا، فواللَّهِ لقد نِلتَ صِهرَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ فما نفِسْناه عليك، قالَ علِيٌّ: أَرسِلوهما، فانْطلَقا واضْطَجعَ علِيٌّ قالَ: فلمَّا صلَّى رَسولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهرَ سبَقْناه إلى الحُجرَةِ فقُمْنا عندَها حتى جاءَ فأخَذَ بآذانِنا
стр. 2043
ثُم قالَ: أَخرِجا ما تُصرِّرانِ، ثُم دخَلَ ودخَلْنا عليه وهو يَومَئذٍ عندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، قالَ: فتَواكَلْنا الكَلامَ ثُم تَكلَّمَ أَحدُنا فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ: أنتَ أَبرُّ الناسِ وأَوصَلُ الناسِ، وقد بلَغْنا النِّكاحَ، فجِئْنا لتُؤمِّرَنا على بعضِ هذه الصَّدقاتِ فنُؤدِّيَ إليكَ كما يُؤدِّي الناسُ ونُصيبَ كما يُصيبونَ، قالَ: فسكَتَ طَويلًا حتى أَردْنا أنْ نُكلِّمَه، قالَ: وجعَلَتْ زَينَبُ تُلمِعُ علينا من وَراءِ الحِجابِ أنْ: لَا تُكلِّماه، قالَ: ثُم قالَ: إنَّ الصَّدقةَ لَا تَنبَغي لِآلِ مُحمَّدٍ، إنَّما هي أَوساخُ الناسِ» (١).
وكذلك منَعَ أبا رافِعٍ من تَوليَتِها وقالَ له: «إِنَّ مَولى القَومِ مِنْ أَنفُسِهم، وإنَّا لَا تَحلُّ لنا الصَّدقةُ» (٢)، فدلَّ هذا على أنَّها من الزَّكاةِ (٣).
الصِّنفُ الرابِعُ: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم:
اختَلفَ الفُقهاءُ في صِنفِ المُؤلَّفةِ قُلوبُهم:
فالمُعتمَدُ عندَ كلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ: أنَّ سَهمَهم انقَطعَ لعِزِّ الإِسلامِ، فلا يُعطَونَ الآنَ لكنْ إنِ احتُجَّ لاستِئلافِهم في بعضِ الأَوقاتِ أُعطُوا.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لَعلَّ مَعنى قَولِ أحمدَ: انقَطعَ سَهمُهم: أي: لا يُحتاجُ إليهم في الغالِبِ، أو أَرادَ أنَّ الأئِمَّةَ لا يُعطونَهم اليَومَ شَيئًا.
стр. 2044
فأمَّا إنِ احتيجَ إلى إِعطائِهم جازَ الدَّفعُ إليهم، فلا يَجوزُ الدَّفعُ إليهم إلا مع الحاجةِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ: إنَّ سَهمَهم سقَطَ من الزَّكاةِ بعدَ وَفاءِ رَسولِ اللهِ ﷺ في خِلافةِ الصِّدِّيقِ لمَّا منَعَهم عُمرُ ﵄ وانعَقدَ عليه إِجماعُ الصَّحابةِ، وذلك لزَوالِ العِلةِ، وهي إِعزازُ الدِّينِ، فهو مِنْ قَبيلِ انتِهاءِ الحُكمِ لِانتِهاءِ عِلتِه الغائِيَّةِ التي كانَ لِأجلِها الدَّفعُ، فإنَّ الدَّفعَ كانَ للإِعزازِ، وقد أعَزَّ اللهُ الإِسلامَ وأغنَى عنهم (٢).
ثم اختَلفوا فيمَن هُم؟ هل هُمْ كُفارٌ أو مُسلِمونَ؟
ففي قَولٍ للمالِكيةِ: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم كُفارٌ يُعطَونَ تَرغيبًا لهم في الإِسلامِ لأجلِ أنْ يُعينوا المُسلِمينَ، فعليه لا تُعطَى الزَّكاةُ لمَن أسلَمَ فِعلًا.
وقالَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ: لا يُعطَى من هذا السَّهمِ لكافِرٍ أصلًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ لا تُعطَى لكافِرٍ؛ للحَديثِ: «تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٣). بل تُعطَى لمَن أسلَمَ فِعلًا، وهناك أَقوالٌ أُخرى للشافِعيةِ.
وقالَ الحَنابِلةُ: وهو قَولٌ لكلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ: يَجوزُ الإِعطاءُ من الزَّكاةِ للمُؤلَّفِ مُسلِمًا كانَ أو كافِرًا.
стр. 2045
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم ضَربانِ: كُفارٌ ومُسلِمونَ، وهم جَميعًا السادةُ المُطاعونَ في قَومِهم وعَشائرِهم. ثم ذكَرَ المُسلِمينَ منهم فجعَلَهم أربَعةَ أضرُبٍ، وهُم:
١ - سادةٌ مُطاعونَ في قَومِهم أسلَموا ونيَّتُهم ضَعيفةٌ فيُعطَونَ تَثبيتًا لهم.
٢ - قَومٌ لهم شَرفٌ ورِياسةٌ أسلَموا ويُعطَونَ لتَرغيبِ نُظرائِهم من الكُفارِ ليُسلِموا.
٣ - صِنفٌ يُرادُ بتألُّفِهم أنْ يُجاهِدوا مَنْ يَلِيهم من الكُفارِ، ويَحموا مَنْ يَلِيهم من المُسلِمينَ.
٤ - صِنفٌ يُرادُ بإِعطائِهم من الزَّكاةِ أنْ يُجْبُوا الزَّكاةَ ممَّن لا يُعطيها.
ثم ذكَرَ ابنُ قُدامةَ الكُفارَ فجعَلهم ضَربَينِ:
١ - مَنْ يُرجى إِسلامُه فيُعطَى لتَميلَ نَفسُه إلى الإِسلامِ.
٢ - مَنْ يُخشى شَرُّه ويُرجى بعَطيَّتِه كفُّ شَرِّه وكفُّ غيرِه معه (١). وقَريبٌ من هذا ذكَرَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀.
وقالَ الحَنفيةُ: المُؤلَّفةُ قُلوبُهم كانوا ثَلاثةَ أَقسامٍ، وهُم:
قِسمٌ كُفارٌ كانَ ﷺ يُعطيهم ليَتألَّفَهم على الإِسلامِ.
وقِسمٌ كانَ يُعطيهم ليَدفَع شرَّهم.
стр. 2046
وقِسمٌ أسلَموا وفيهم ضَعفٌ في الإِسلامِ، فكانَ يَتألَّفُهم ليَثبُتوا.
قالَ ابنُ عابدِين ﵀: وكانَ ذلك حُكمًا مَشروعًا ثابِتًا بالنَّصِّ فلا حاجةَ إلى الجَوابِ عمَّا يُقالُ: كيف يَجوزُ صَرفُها إلى الكُفارِ؟ بأنَّه كان مِنْ جِهادِ الفُقراءِ في ذلك الوَقتِ أو مِنْ الجِهادِ؛ لأنَّه تارةً بالسِّنانِ وتارةً بالإِحسانِ (١).
الصِّنفُ الخامِسُ: في الرِّقابِ:
وهُم ثَلاثةُ أضرُبٍ:
الأولُ: المُكاتَبونَ المُسلِمونَ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في أظهَرِ الرِّوايتَينِ عنه إلى جَوازِ الصَّرفِ من الزَّكاةِ إليهم، إعانةً لهم على فَكِّ رِقابِهم.
واستدَلُّوا على ذلك بعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فيَدخلُ فيه المُكاتَبُ؛ لأنَّه عبدٌ، والرَّقبةُ تُطلَقُ على المُكاتَبِ وعلى العبدِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فإنْ قِيلَ: الرِّقابُ جَمعُ رَقبةٍ، وكلُّ مَوضعٍ ذُكِرت فيه الرَّقبةُ المُرادُ عِتقُها.
فالجَوابُ ما أجابَ به الأَصحابُ: أنَّ الرَّقبةَ تُطلَقُ على العبدِ القَنِّ وعلى المُكاتَبِ جَميعًا، وإنَّما خصَّصَناها في الكَفارةِ بالعبدِ القَنِّ بقَرينةٍ وهي أنَّ التَّحريرَ لا يَكونُ إلا في القَنِّ، وقد قالَ تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢].
ولم تُوجدْ هذه القَرينةُ في مَسألتِنا فحمَلْناه على المُكاتَبينَ لِما ذكَرْنا أوَّلًا.
стр. 2047
فإنْ قِيل: لو أَرادَ المُكاتَبينَ لَذكَرَهم باسمِهم الخاصِّ.
فالجَوابُ: أنَّ هذا مُنتقَضٌ بقَولِه : ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] فإنَّ المُرادَ به بعضُهم، وهُم المُتطوِّعونَ الذين لا حَقَّ لهم في الدِّيوانِ ولم يُذكَروا باسمِهم الخاصِّ.
فإنْ قيلَ: لو أرادَ المُكاتَبينَ لاكتَفَى بالغارِمين فإنَّهم منهم.
فالجَوابُ: أنَّه لا يُفهَمُ أحدُ الصِّنفَينِ من الآخَرِ؛ ولأنَّه جمَعَ بينَهما للإِعلامِ بأنَّه لا يَجوزُ الاقتِصارُ على أحدِهما، وأنَّ لكلِّ صِنفٍ منهما سَهمًا مُستقلًّا، كما جمَعَ بينَ الفُقراءِ والمَساكينِ، وإنْ كانَ كلُّ واحِدٍ منهما يَقومُ مَقامَ الآخَرِ في غيرِ الزَّكاةِ، واللهُ تعالَى أعلَمُ (١).
فعلى هذا إنَّما يُعانُ المُكاتَبُ إنْ لم يَكنْ قادِرًا على الأداءِ لبعضِ ما وجَبَ عليه، فإنْ كانَ لا يَجدُ شَيئًا أصلًا دُفعَ إليه جَميعُ ما يَحتاجُ إليه للوَفاءِ.
وقالَ الحَنفيةُ: لا يَجوزُ ابتِداءً الإِعتاقُ بنيَّةِ الزَّكاةِ؛ لأنَّ الواجِبَ إِيتاءُ الزَّكاةِ، والإِيتاءُ هو التَّمليكُ، والدَّفعُ إلى المُكاتَبِ تَمليكٌ، فأمَّا الإِعتاقُ فليسَ بتَمليكٍ.
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ وأحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إلى المُكاتَبينَ؛ لأنَّ الرِّقابَ هُمْ العَبيدُ القَنُّ، أي: خالِصُ العُبوديَّةِ.
قالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: ودَليلُنا قَولُه تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وذلك جَمعُ رَقبةٍ، وكلُّ مَوضعٍ ذُكرَ فيه الرَّقبةُ فالمُرادُ
стр. 2048
عِتقُها كامِلةً، فلو أرادَ المُكاتَبينَ لَكتَبَهم باسمِهم الأخصِّ؛ ولأنَّ المُكاتَبَ بعضُ رَقبةٍ؛ ولأنَّ ذلك يَقضي أنْ يَكونَ مَصروفةً بجَميعِ وُجوهِها إلى الصَّدقةِ، وإذا أُعتقَ المُكاتَبُ فالوَلاءُ لسيِّدِه؛ ولأنَّه لو أرادَ المُكاتَبينَ لَاكتَفَى بذِكرِ الغارِمينَ؛ لأنَّهم منهم.
قالَ القاضِي: وقد قالَ مالِكٌ: إذا أُعطيَ مُكاتَبٌ ما يُتمُّ به عِتقَه جازَ (١).
الثاني: إِعتاقُ الرَّقيقِ المُسلِمينَ:
وقد ذهَبَ الى جَوازِ الصَّرفِ من الزَّكاةِ في ذلك المالِكيةُ وأحمدُ في أظهَرِ الرِّوايتَينِ عنه؛ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، وهو مُتناوِلٌ للقَنِّ، بل هو ظاهِرٌ فيه، فإنَّ الرَّقبةَ إذا أُطلقَت انصَرَفت إليه، كقَولِه تَعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾، وتَقديرُ قَولِه تَعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، أي: وفي إِعتاقِ الرِّقابِ؛ ولأنَّه إِعتاقٌ للرَّقبةِ جازَ صَرفُ الزَّكاةِ فيه كدَفعِه للمُكاتَبِ.
فعلى هذا إنْ كانَت الزَّكاةُ بيَدِ الإمامِ أو الساعي جازَ له أنْ يَشتريَ رَقبةً أو رِقابًا فيُعتِقَهم ووَلاؤُهم لِلمُسلِمينَ.
وكذا إنْ كانَت الزَّكاةُ بيَدِ رَبِّ المالِ فأرادَ أنْ يُعتِقَ رَقبةً تامَّةً منها يَجوزُ ذلك؛ لعُمومِ الآيةِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]، ويَكونُ وَلاؤُها عندَ المالِكيةِ للمُسلِمينَ أيضًا، وعندَ الحَنابِلةِ: ما رجَعَ من الوَلاءِ رُدَّ في مِثلِه، بمَعنى أنَّه يَشتَري بما ترَكه المُعتَقُ ولا وارِثَ له رِقابًا تُعتَقُ، وعن أبي عُبيدٍ الوَلاءُ للمُعتِقِ؛ لأنَّه -وإنْ خِيفَ عليه أنْ يَصيرَ إليه مِيراثُ عَتيقِه بالوَلاءِ- لا يُؤمَنُ
стр. 2049
أنْ يَجنيَ جِناياتٍ يَلحَقُه وقَومَه عَقلُها (أيْ: دِيتُها) فيَكونَ أحدُهما بالآخَرِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُعتَقُ من الزَّكاةِ؛ لأنَّ ذلك كدَفعِ الزَّكاةِ إلى القَنِّ لا تُدفَعُ إليه الزَّكاةُ، ولأنَّه دَفعَ إلى السَّيدِ في الحَقيقةِ.
وقالَ الحَنفيةُ: لأنَّ العِتقَ إِسقاطُ مِلكٍ وليسَ بتَمليكٍ (٢).
لكنْ إنْ أَعانَ من زَكاتِه في إِعتاقِ رَقبةٍ جازَ عندَ أَصحابِ هذا القَولِ من الحَنابِلةِ (٣).
الثالِثُ: أنْ يَفتديَ بالزَّكاةِ أَسيرًا مُسلِمًا من أَيدي المُشرِكينَ:
وقد صرَّحَ الحَنابِلةُ وابنُ حَبيبٍ وابنُ عبدِ الحَكمِ وابنُ العَربيِّ والقُرطبيُّ من المالِكيةِ بجَوازِ هذا النَّوعِ؛ لأنَّه فَكُّ رَقبةٍ من الأسرِ فيَدخلُ في الآيةِ، بل هو أَوْلى من فَكِّ رَقبةِ مَنْ بأَيدِينا.
стр. 2050
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ أنْ يَشتريَ مِنْ زَكاتِه أَسيرًا مُسلِمًا من أَيدِي المُشرِكينَ؛ لأنَّه فَكُّ رَقبةٍ من الأسرِ، فهو كفَكِ رَقبةِ العَبدِ من الرِّقِّ؛ ولأنَّ فيه إِعزازًا لِلدِّينِ، فهو كصَرفِه إلى المُؤلَّفةِ قُلوبُهم؛ لأنَّه يَدفعُه إلى الأَسيرِ لفَكِّ رَقبتِه، فأشبَهَ ما يَدفعُه إلى الغارِمِ لفَكِّ رَقبتِه من الدَّينِ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: واختلَفوا في فَكِّ الأُسارَى منها، فقال أصبَغُ: لا يَجوزُ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، وقالَ ابنُ حَبيبٍ: يَجوزُ؛ لأنَّها رَقبةٌ مُلكَت بمِلكِ الرِّقِّ، فهي تَخرجُ مِنْ رِقٍّ إلى عِتقٍ، وكانَ ذلك أحَقَّ وأَوْلى من فِكاكِ الرِّقابِ الذي بأَيدِينا؛ لأنَّه إذا كانَ فَكُّ المُسلِمِ عن رِقِّ المُسلِمِ عِبادةً وجائِزًا من الصَّدقةِ فأَحرى وأَوْلى أنْ يَكونَ ذلك في فَكِّ المُسلِمِ عن رِقِّ الكافِرِ وذُلِّه (٢).
الصِّنفُ السادِسُ: الغارِمونَ:
الغارِمُ: هو الذي عليه دَينٌ، والغَريمُ يُطلَقُ على المَدينِ، وعلى صاحِبِ الدَّينِ، وأصلُ الغُرمِ في اللهِ: اللُّزومُ ومنه قَولُه : ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] وسُمِّي كلُّ واحِدٍ منهما غَريمًا لمُلازَمتِه صاحِبَه (٣).
стр. 2051
والغارِمونَ المُستحِقُّونَ للزَّكاةِ ثَلاثةُ أضرُبٍ:
الضَّربُ الأولُ: مَنْ كانَ عليه دَينٌ لمَصلحةِ نَفسِه:
كأنْ يَستدينَ في نَفسِه كِسوةً، أو زَواجًا أو عِلاجَ مَرضٍ أو بِناءَ مَسكنٍ أو شِراءَ أثاثٍ أو تَزويجَ وَلدٍ، أو أتلَفَ شَيئًا على غيرِه خَطأً أو سَهوًا أو نحوِ ذلك.
فهذا النَّوعُ مُتَّفقٌ عليه من حيثُ الجُملةِ فيُعطَى ما يَقضي به دَينَه، لكنْ يُشتَرطُ لإِعطائِه من الزَّكاةِ ما يَلي:
١ - أنْ يَكونَ مُسلِمًا.
٢ - ألَّا يَكونَ من آلِ البَيتِ. وعندَ الحَنابِلةِ قَولٌ بجَوازِ إِعطاءِ مَدِينِ آلِ البَيتِ منها.
٣ - ألَّا يَكونَ قد استَدانَ ليَأخذَ من الزَّكاةِ، كأنْ يَكونَ عندَه ما يَكفيه وتَوسَّعَ في الإِنفاقِ بالدَّينِ لِأجلِ أنْ يَأخذَ منها، بخِلافِ فَقيرٍ استِدانَ للضَّرورةِ ناويًا الأخذَ منها، وهذا الشَّرطُ عندَ المالِكيةِ.
٤ - وشَرطُ المالِكيةِ أيضًا أنْ يَكونَ الدَّينُ مما يُحبَسُ فيه، فدخَلَ فيه دَينُ الوَلدِ على وَلدِه، والدَّينُ على المُعسِرِ، ويَخرجُ دَينُ الكَفاراتِ والزَّكاةِ؛ لأنَّ الدَّينَ الذي يُحبَسُ فيه ما كانَ لِآدميٍّ، وأمَّا الكَفاراتُ والزَّكواتُ فهي للهِ، وأجازَ الحَنابِلةُ أنْ يَأخذَ من الزَّكاةِ لقَضاءِ دَينِ اللهِ تعالَى من كَفارةٍ ونَحوِها كدَينِ الآدَميِّ.
٥ - ألَّا يَكونَ دَينُه في مَعصيةٍ، وهذا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، كأنْ يَكونَ بسَببِ خَمرٍ أو قِمارٍ أو زِنًا.
стр. 2052
إلا أنَّهم اختلَفوا: هل إذا تابَ يَجوزُ الدَّفعُ إليه ليَقضيَ دَينَه أو لا؟
فقالَ المالِكيةُ في الراجِحِ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ: إنْ تابَ يَجوزُ الدَّفعُ إليه، وقالَ المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في قَولٍ: لا يَجوزُ الدَّفعُ إليه.
وعدَّ الشافِعيةُ الإِسرافَ في النَّفقةِ من بابِ المَعصيةِ التي تَمنعُ الإِعطاءَ من الزَّكاةِ؛ لأنَّ الإِسرافَ في المُباحاتِ إلى حَدِّ الاستِدانةِ حَرامٌ على المُسلِمِ، قال تَعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾ [الأعراف: ٣١].
وإنَّما لم يُعطَ الغارِمُ في المَعصيةِ؛ لأنَّ في إِعطائِه إِعانةً له على مَعصيةِ اللهِ ، وإِغراءً لغيرِه بمُتابَعتِه في عِصيانِه، وهو مُتمكِّنٌ من الأخذِ بالتَّوبةِ.
فإذا تابَ أُعطيَ من الزَّكاةِ؛ لأنَّ التَّوبةَ تَجبُّ ما قبلَها، والتائِبُ من الذَّنبِ كمَن لا ذَنبَ له.
واشتَرطَ بعضُ الفُقهاءِ: أنْ تَمضيَ عليه مُدةٌ بعدَ إعلانِه تَوبتَه يُظهِرُ فيها صَلاحَ حالِه واستِقامةَ أمرِه.
وقالَ آخَرونَ: يَكفي أنْ يَغلبَ على الظَّنِّ صِدقُه في تَوبتِه، فيُعطَى، وإنْ قصُرَت المُدةُ.
٦ - أنْ يَكونَ الدَّينُ حالًّا، صرَّحَ بهذا الشَّرطِ الشافِعيةُ، فإنْ كانَ مُؤجَّلًا ففي إِعطائِه ثَلاثةُ أوجُهٍ:
أصَحُّها: لا يُعطَى؛ لأنَّه غيرُ مُحتاجٍ إليه الآنَ.
والثاني: يُعطَى؛ لأنَّه يُسمَّى غارِمًا فيَدخلُ في عُمومِ النَّصِّ.
стр. 2053
والثالِثُ: إنْ كانَ الأجَلُ يَحلُّ تلك السَّنةَ أُعطيَ وإلا فلا يُعطَى من صَدقاتِ تلك السَّنةِ.
٧ - ألَّا يَكونَ قادِرًا على السَّدادِ من مالٍ عندَه زَكويٍّ أو غيرِ زَكويٍّ، زائدٍ على كِفايتِه، فلو كانَ له دارٌ يَسكنُها تُساوِي مِئةً وعليه مِئةٌ وتَكفيه دارٌ بخَمسينَ فلا يُعطَى حتى تُباعَ ويَدفعَ الزائِدَ في دَينِه على ما صرَّحَ به المالِكيةُ.
ولو وُجِد ما يَقضي به الدَّينُ أُعطيَ البَقيَّةَ فَقط، وإنْ كانَ قادِرًا على وَفاءِ الدَّينِ بعدَ زَمنِ الاكتِسابِ فعندَ الشافِعيةِ قَولانِ في جَوازِ إِعطائِه منها، أصَحُّها: يُعطَى؛ لأنَّه لا يُمكِنُه قَضاؤُه إلا بعدَ زَمانٍ، وقد يَعرضُ ما يَمنعُه من القَضاءِ، والثاني: لا يُعطَى كالفَقيرِ.
الضَّربُ الثاني: الغارِمُ لإِصلاحِ ذاتِ البَينِ:
والنَّوعُ الثاني مِنْ الغارِمينَ: فِئةٌ من أَصحابِ المُروءةِ والمَكرُماتِ والهِمَمِ العاليةِ عرَفها المُجتمَعُ العَربيُّ والإِسلاميُّ، وهُم الذين يُغرَّمونَ لِإصلاحِ ذاتِ البَينِ، وذلك بأنْ يَقعَ بينَ جَماعةٍ عَظيمةٍ -كقبيلتَينَ أو أهلِ قَريتَينِ- تَشاجُرٌ في دِماءٍ وأَموالٍ، ويَحدثُ بسَببِها الشَّحناءُ والعَداوةُ، فيَتوسَّطُ الرَّجلُ بالصُّلحِ بينَهما ويَلتزِمُ في ذمَّتِه مالًا عِوضًا عمَّا بينَهم ليُطفئَ الثائِرةَ، فهذا قد أَتى مَعروفًا عَظميًا، فكانَ من المَعروفِ حَملُه عنه من الصَّدقةِ لئلَّا يُجحِفَ ذلك لِساداتِ القَومِ المُصلِحينَ، أو يُوهِنُ عَزائمَهم، فجاءَ الشَّرعُ بإِباحةِ المَسألةِ فيها، وجعَلَ لهم نَصيبًا من الصَّدقةِ (١).
стр. 2054
والأصلُ في ذلك حَديثُ قَبيصةَ بنِ المُخارقِ مَرفوعًا: «إنَّ المَسأَلةَ لَا تَحلُّ إلا لأَحدِ ثَلاثةٍ: رَجلٍ تَحمَّلَ حَمالَةً فحلَّتْ له المَسأَلةُ حتى يُصِيبَها ثُم يُمسِكُ … » الحَديثَ (١) فقد ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ هذا النَّوعَ من الغارِمينَ يُعطَى من الزَّكاةِ، سَواءٌ كانَ غَنيًّا أو فَقيرًا؛ لأنَّه لو اشتُرطَ الفَقرُ فيه لَقلَّت الرَّغبةُ في هذه المَكرُمةِ. وقيَّدَ الحَنابِلةُ الإِعطاءَ بما قبلَ الأداءِ الفِعليِّ ما لم يَكنْ أدَّى الحَمالةَ من دَينٍ استَدانه؛ لأنَّ الغُرمَ يَبقى.
وقالَ الحَنفيةُ: لا يُعطَى المُتحمِّلُ من الزَّكاةِ إلا إنْ كانَ لا يَملِكُ نِصابًا فاضِلًا عن دَينِه كغيرِه من المَدينينَ.
الضَّربُ الثالِثُ: الغارِمُ بسَببِ دَينِ ضَمانٍ أو كَفالةٍ:
قالَ الحَنابِلةُ: مَنْ تَحمَّلَ بضَمانٍ أو كَفالةٍ عن غيرِه مالًا، فحُكمُه حُكمُ مَنْ غرِمَ لنَفسِه، فإنْ كانَ الضامِنُ أو الكَفيلُ مُعسرَينِ جازَ الدَّفعُ إلى كلٍّ منهما؛ لأنَّ كلًّا منهما مَدِينٌ، وإنْ كانا مُوسرَينِ أو كانَ أحدُهما مُوسِرًا لم يَجزِ الدَّفعُ إليهما ولا إلى أَحدِهما.
وهذا الضَّربُ ذكَرَه الشافِعيةُ أيضًا، والمُعتبَرُ في ذلك عندَهم أنْ يَكونَ كلٌّ من الضامِنِ أو المَضمونِ عنه مُعسِرَينِ، فإنْ كانا مُوسِرَينِ فلا يَجوزُ الدَّفعُ إلى واحِدٍ منهما.
أمَّا إنْ كانَ أحدُهما مُوسِرًا ففي إِعطاءِ الضامِنِ من الزَّكاةِ خِلافٌ، فإنْ كانَ الضامِنُ هو المُعسِرَ دونَ المَضمونِ عنه فإنْ ضمِنَ بإذنِه لم يُعطَ؛ لأنَّه
стр. 2055
يَرجِعُ عليه، وإنْ ضمِنَ بغيرِ إذنِه فعلى وَجهَينِ: أصَحُّهما يُعطَى، أمَّا إنْ كانَ الضامِنُ مُوسِرًا دونَ المَضمونِ عنه فيَجوزُ إِعطاءُ المَضمونِ عنه.
وفي الضامِنِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يُعطَى؛ لأنَّه غارِمٌ لمَصلَحةِ نَفسِه؛ فأشبَهَ الغارِمَ لِإصلاحِ ذاتِ البَينِ.
وأصَحُّهما: لا يُعطَى؛ لأنَّ الصَّرفَ إلى المَضمونِ عنه مُمكِنٌ، وإذا برِئَ الأصيلُ برِئَ الكَفيلُ، بخِلافِ الغارِمِ لِذاتِ البَينِ (١).
قَضاءُ دَينِ الميِّتِ من الزَّكاةِ:
إذا ماتَ المَدينُ ولا وَفاءَ في تَرِكتِه، هل يَجوزُ أنْ يُقضَى عنه من الزَّكاةِ كما يُقضَى دَينُ الحَيِّ؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك على قولَينِ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في أحَدِ الوَجهَينِ وابنُ الموَّازِ من المالِكيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ سَدادُ دَينِه من الزَّكاةِ، وإنَّما لم يَجزْ دَفعُها في قَضاءِ دَينِ الميِّتِ؛ لأنَّ الغارِمَ هو الميِّتُ ولا يُمكنُ الدَّفعُ إليه، وإنْ دفَعَها إلى غَريمِه صارَ الدَّفعُ إلى الغَريمِ لا إلى الغارِمِ.
стр. 2056
قالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: يُقضى من الزَّكاةِ دَينُ الحَيِّ ولا يُقضى منها دَينُ الميِّتِ؛ لأنَّ الميِّتَ لا يَكونُ غارِمًا، قيلَ: فإنَّما يُعطَى أهلُه؟ قالَ: إن كانَت على أهلِه فنَعم (١).
وهذا يَكونُ بِناءً على أنَّ أصلَ الزَّكاةِ التَّمليكُ، قالَ السَّرخسيُّ ﵀: والأصلُ فيه أنَّ الواجِبَ فيه فِعلُ الإِيتاءِ في جُزءٍ من المالِ، ولا يَحصلُ الإِيتاءُ إلا بالتَّمليكِ، فكلُّ قُربةٍ خلَت عن التَّمليكِ لا تُجزِئُ عن الزَّكاةِ، كقَضاءِ دَينِ الميِّتِ فإنَّه لا يَملِكُ الميِّتُ شَيئًا، وما يَأخذُه صاحِبُ الدَّينِ يَأخذُه عِوضًا عن مِلكِه، وكذلك تَكفينُ الميِّتِ فإنَّه ليسَ فيه تَمليكٌ من الميِّتِ، فإنَّه ليسَ مِنْ أهلِ المِلكِ ولا مِنْ الوَرثةِ؛ لأنَّهم لا يَملِكونَ ما هو مَشغولٌ بحاجةِ الميِّتِ (٢).
وذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الوَجهِ الثاني والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى جَوازِ دَفعِ الزَّكاةِ لقَضاءِ دَينِ الميِّتِ الذي لم يَتركْ وَفاءً إنْ تمَّت فيه شُروطُ الغارِمِ لعُمومِ الآيةِ؛ ولأنَّه يَصحُّ التَّبرعُ بقَضاءِ دَينِه كالحَيِّ. بل قالَ بعضُ المالِكيةِ: بل هو أَوْلى من دَينِ الحَيِّ في أخذِه من الزَّكاةِ؛ لأنَّه لا يُرجى قَضاؤُه بخِلافِ الحَيِّ.
стр. 2057
قالَ الإمامُ الخِرشيُّ ﵀ في شَرحِه على «مَتنِ خَليلٍ»: ولا فَرقَ في المَدينِ بينَ كَونِه حيًّا أو ميِّتًا، فيَأخذُ منها السُّلطانُ ليَقضيَ بها دَينَ الميِّتِ، بل قالَ بعضُهم: دَينُ الميِّتِ أحَقُّ من دَينِ الحَيِّ في أخذِه من الزَّكاةِ، أي أنَّه لا يُرجى قَضاؤُه، بخِلافِ الحَيِّ (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ (٢) ﵀: قال عُلماؤُنا وغيرُهم: يُقضى منها دَينُ الميِّتِ؛ لأنَّه من الغارِمينَ، قالَ ﷺ : «أنا أَوْلى بكلِّ مُؤمِنٍ من نَفسِه، مَنْ ترَكَ مالًا فلأَهلِه، ومَن ترَكَ دَينًا أو ضَياعًا فإلَيَّ، وعلَيَّ» (٣).
واحتجَّ النَّوويُّ لِهذا القَولِ بعُمومِ الغارِمينَ في مَصارفِ الزَّكاةِ؛ ولأنَّه يَصحُّ التَّبرعُ بقَضاءِ دَينِه كالحَيِّ (٤).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا الدَّينُ الذي على الميِّتِ فيَجوزُ أنْ يُوفَّى من الزَّكاةِ في أحدِ قَولَي العُلماءِ، وهو إِحدى الرِّوايتَينِ عن أحمدَ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] ولم يَقلْ: وللغارِمينَ، فالغارِمُ لا يُشتَرطُ تَمليكُه.
وعلى هذا يَجوزُ الوَفاءُ عنه، وأنْ يُملَّكَ لوارِثِه ولغيرِه، ولكنَّ الذي عليه الدَّينُ لا يُعطَى ليَستوفِيَ دَينَه (٥).
стр. 2058
الصِّنفُ السابِعُ: في سَبيلِ اللهِ:
وهذا الصِّنفُ خَمسةُ أضرُبٍ:
الضَّربُ الأولُ: الغُزاةُ في سَبيلِ اللهِ تعالَى والذين ليسَ لهم نَصيبٌ في الدِّيوانِ، بل هم مُتطوِّعونَ للجِهادِ كما يَقولُ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ، خِلافًا للمالِكيةِ، وهذا الضَّربُ مُتَّفقٌ عليه عندَ الفُقهاءِ من حيثُ الجُملةُ، فيَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ قَدرَ ما يَتجهَّزونَ به للغَزوِ من مَركَبٍ وسِلاحٍ ونَفقةٍ وسائِرِ ما يَحتاجُ إليه الغازي مُدةَ الغَزوِ وإنْ طالَت.
ولم يَشتَرطْ جُمهورُ الفُقهاءِ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ أنْ يَكونَ الغازي فَقيرًا، بل يَجوزُ إعطاءُ الغَنيِّ لذلك؛ لأنَّه لا يَأخذُ لمَصلحةِ نَفسِه بل لمَصلحةِ المُسلِمينَ فلم يُشتَرطْ فيه الفَقرُ.
واحتجَّ الجُمهورُ على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠]، فيَدخلُ فيه الغَنيُّ والفَقيرُ ولقَولِه ﷺ : «لَا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إلَّا لخَمسةٍ: غَازٍ في سَبيلِ اللَّهِ … » الحَديثَ (١) نَفى حِلَّ الصَّدقةِ للأَغنياءِ، واستَثنى الغازيَ منهم، والاستِثناءُ من النَّفيِ إِثباتٌ، فيَقتَضي حِلَّ الصَّدقةِ لِلغازي الغَنِيِّ.
ولأنَّ اللهَ تعالَى جعَلَ الفُقراءَ والمَساكينَ صِنفَينِ وعَدَّ بَعدَهما سِتةَ أَصنافٍ فلا يَلزمُ وُجودُ صِفةِ الصِّنفَينِ في بَقيَّةِ الأَصنافِ، كما لا يَلزمُ وُجودُ
стр. 2059
صِفةِ الأَصنافِ فيهما؛ ولأنَّ هذا يَأخذُ لِحاجَتِنا إليه فأشبَهَ العامِلَ والمُؤلَّفَ، فأمَّا أهلُ سائِرِ الأسهُمِ فإنَّما يُعتبَرُ فَقرُ مَنْ يَأخذُ لِحاجَتِه إليها دونَ من يَأخذُ لحاجَتِنا إليه (١).
وقالَ أبو حَنيفةَ وأَصحابُه: إنْ كانَ الغازي غَنيًّا وهو مَنْ يَملِكُ نِصابًا من أيِّ مالٍ كانَ فلا يُعطَى من الزَّكاةِ، وإنْ لم يَملِكْ نِصابًا فيُعطَى، وإنْ كانَ كاسِبًا؛ لأنَّ الكَسبَ يُقعِدُه عن الجِهادِ.
واحتجُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ» (٢)، وقَولِه ﷺ لمُعاذٍ: «فأَعلِمهم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٣).
فجعَلَ الناسَ قِسمَينِ: قِسمًا يُؤخَذُ منهم، وقِسمًا يُصرَفُ إليهم، فلو جازَ صَرفُ الصَّدقةِ إلى الغَنيِّ لبطَلَت القِسمةُ، وهذا لا يَجوزُ.
وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] هو مُنقَطِعُ الحاجِّ لا مُنقطِعُ الغُزاةِ.
стр. 2060
قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغُزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتَصرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيريَّة» وفسَّرَه في «البَدائِع» بجَميعِ القُربِ فيَدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ تعالَى وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (١).
وقد صرَّحَ المالِكيةُ بأنَّه يُشتَرطُ في الغازِي أنْ يَكونَ ممَّن يَجبُ عليه الجِهادُ لكَونِه مُسلِمًا ذكَرًا بالِغًا قادِرًا، وأنَّه يُشتَرطُ أنْ يَكونَ من غيرِ آلِ البَيتِ (٢).
الضَّربُ الثاني: مَصالحُ الحَربِ.
وهذا الضَّربُ ذكَرَه المالِكيةُ، فالصَّحيحُ عندَهم أنَّه يَجوزُ الصَّرفُ من الزَّكاةِ في مَصالحِ الجِهادِ الأُخرى غيرِ إِعطاءِ الزَّكاةِ، نحوَ بِناءِ أَسوارٍ للبَلدِ
стр. 2061
لحِفظِها من غَزوِ العَدوِّ وبِناءِ المَراكِبِ الحَربيَّةِ وإِعطاءِ جاسوسٍ يَتجسَّسُ لنا على العَدوِّ مُسلِمًا كانَ أو كافِرًا.
وأجازَ بعضُ الشافِعيةِ أنْ يَشتريَ من الزَّكاةِ السِّلاحَ وآلاتِ الحَربِ وتُجعَلَ وَقفًا يَستعمِلُها الغُزاةُ ثم يَردُّونها.
ولم يُجزْه الحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو ظاهِرُ صَنيعِ سائِرِ الفُقهاءِ إذ قصَروا سَهمَ سَبيلِ اللهِ على الغُزاةِ أو الغُزاةِ مع الحُجَّاجِ كما سيَأتي، فلا يَجوزُ الصَّرفُ منه في هذا الضَّربِ، ووَجهُه أنَّه لا تَمليكَ فيه، أو فيه تَمليكٌ لغيرِ أهلِ الزَّكاةِ، أو هو كما يَقولُ الإمامُ أحمدُ: لأنَّه لم يُؤتِ الزَّكاةَ لِأحدٍ، وهو مَأمورٌ بإِيتائِها.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أحمدُ: ويُعطَى ثَمنَ الفَرسِ ولا يَتولَّى مُخرِجُ الزَّكاةِ شِراءَ الفَرسِ بنَفسِه؛ لأنَّ الواجِبَ إِيتاءُ الزَّكاةِ، فإذا اشتَراها بنَفسِه فما أَعطَى إلا فَرسًا، وكذلك الحُكمُ في شِراءِ السِّلاحِ والمُؤنةِ.
وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: إنَّ دفْعَ ثَمنِ الفَرسِ وثَمنِ السَّيفِ أعجَبُ إلَيَّ وإنِ اشتَراه هو رَجوتُ أنْ يُجزئَه. وقالَ أيضًا: يَشتَري الرَّجلُ من زَكاتِه الفَرسَ ويُحمَلُ عليه، والقَناةَ ويُجهَّزُ الرَّجلُ، وذلك لأنَّه قد صرَفَ الزَّكاةَ في سَبيلِ اللهِ ، فجازَ كما لو دفَعَها إلى الغازي فاشتَرى بها، قالَ: ولا يَشتَري من الزَّكاةِ فَرسًا يَصيرُ حَبيسًا في سَبيلِ اللهِ، ولا دارًا، ولا ضَيعةً يُصيِّرُها في سَبيلِ اللهِ للرِّباطِ، ولا يَقِفُها على المُجاهِدين؛ لأنَّه لم يُؤتِ الزَّكاةَ لِأحدٍ وهو مَأمورٌ بإِتيانِها، قالَ: ولا يَغزو الرَّجلُ على الفَرسِ الذي
стр. 2062
أخرَجَه من زَكاةٍ مالِه؛ لأنَّه لا يَجوزُ أنْ يَجعلَ نَفسَه مَصرِفًا لزَكاتِه، كما لا يَجوزُ أنْ يَقضيَ بها دَينَه، ومتى أخَذَ الفَرسَ الذي اشتَراه بمالِه صارَ مَصرِفًا لزَكاتِه (١).
وهذا الحُكمُ بالنِّسبةِ للزَّكاةِ، أمَّا إذا احتاجَ المُجاهِدونَ لِلمالِ ولا يُوجَدُ زَكاةٌ أو وُجدَت ولم تَكفِ للجِهادِ وعجَزَ بَيتُ المالِ -كليًّا أو جُزئيًّا- عن القيامِ بهذا الأمرِ لسَدِّ حاجةِ الجِهادِ والمُجاهِدينَ فقد قالَ الإمامُ الشاطِبيُّ ﵀: فلِلإمامِ إذا كانَ عَدلًا أنْ يُوظِّفَ على الأَغنياءِ ما يَراه كافِيًا لهم في الحالِ إلى أنْ يَظهرَ مالُ بَيتِ المالِ، ثم إليه النَّظرُ في تَوظيفِ ذلك على الغلَّاتِ والثِّمارِ وغيرِ ذلك، كَيلا يُؤدِّيَ تَخصيصُ الناسِ به إلى إِيحاشِ القُلوبِ، وذلك يَقعُ قَليلًا من كَثيرٍ بحيثُ لا يُجحَفُ بأحَدٍ ويَحصلُ المَقصودُ، وإنَّما لم يُنقلْ مِثلُ هذا عن الأوَّلينَ لِاتِّساعِ مالِ بَيتِ المالِ في زَمانِهم، بخِلافِ زَمانِنا، فإنَّ القَضيَّةَ فيه أَحرى، ووَجهُ المَصلحةِ هنا ظاهِرٌ، فإنَّه لو لم يَفعلِ الإمامُ ذلك النِّظامَ بطَلَت شَوكةُ الإمامِ وصارَت دِيارُنا عُرضةً لِاستِيلاءِ الكُفارِ (٢).
وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: والأصَحُّ أنْ نَقولَ لِلإمامِ أنْ يَفعلَ ذلك عندَ الحاجةِ، فإنْ لم يَكنْ في بَيتِ المالِ مالٌ، ومَسَّت الحاجةُ إلى تَجهيزِ
стр. 2063
الجَيشِ ليَذبُّوا عن المُسلِمينَ فله أنْ يَحكُمَ على الناسِ بقَدرِ ما يَحتاجُ إليه لِذلك؛ لأنَّه مَأمورٌ بالنَّظرِ للمُسلِمينَ.
وإنْ لم يُجهِّزِ الجَيشَ للدَّفعِ ظهَرَ المُشرِكونَ على المُسلِمينَ فيأخُذونَ المالَ والذَّراريَّ والنُّفوسَ فمِن حُسنِ التَّدبيرِ أنْ يَتحكَّمَ على أَربابِ الأَموالِ بقَدرِ ما يَحتاجُ إليه لتَجهيزِ الجَيشِ ليَأمَنوا فيما سِوى ذلك، وهو المُرادُ بما ذُكرَ بعدَه عن جَريرِ بنِ عبدِ اللهِ أنَّ مُعاويةَ ﵁ ضرَبَ بَعثًا على أهلِ الكُوفةِ فرفَعَ عن جَريرٍ وعن وَلدِه، وقالَ جَريرٌ ﵁: لا نَقبَلُ ذلك، ولكنْ نَجعَلُ أَموالَنا لِلغازي.
ومَعنى ضَربِ البَعثِ التَّحكُّمُ عليهم في أَموالِهم بقَدرِ الحاجةِ لتَجهيزِ الجَيشِ، فكأنَّه مَنَّ على جَريرٍ ووَلدِه ﵃ بأنْ رفَعَ ذلك عنهم، فقد كانَ مُوقَّرًا فيهم، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُوقِّرُه، حتى قالَ جَريرٌ ﵁ ما نظَرَ إلَيَّ إلا تَبسَّمَ ولو في صَلاتِه، لكنْ لم يَقبَلْ جَريرٌ هذه المِنةَ منه لعِلمِه أنَّ في الجِهادِ بالمالِ مَعنى الثَّوابِ واستِحقاقَ المُؤمِنِ التَّوقيرَ بكَونِه مُستبِقًا إلى الخَيراتِ والطَّاعاتِ، ولكنْ قالَ: لا أُعطي المالَ إليكَ، بل أدفَعُ بنَفسي إلى مَنْ أَختارُه من الغُزاةِ ليتَبيَّن به أنَّه غيرُ مُجبَرٍ على ما يُعطِي (١).
وقالَ الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّه إذا نزَلَت بالمُسلِمينَ حاجةٌ بعدَ أداءِ الزَّكاةِ فإنَّه يَجبُ صَرفُ المالِ إليها، وقالَ مالِكٌ: يَجبُ على الناسِ فِداءُ أَسراهم وإنِ استَغرقَ ذلك أَموالَهم، وهذا إِجماعٌ أيضًا (٢).
стр. 2064
الضَّربُ الثالِثُ: الحُجاجُ:
ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ خِلافًا لمُحمدِ بنِ الحَسنِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ وقالَ إنَّه الصَّحيحُ، إلى أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُصرَفَ من الزَّكاةِ في الحَجِّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا أصَحُّ؛ لأنَّ «سَبيلَ اللهِ» عندَ الإِطلاقِ إنَّما يَنصرِفُ إلى الجِهادِ، فإنَّ كلَّ ما في القرآنِ من ذِكرِ «سَبيلِ اللهِ» إنَّما أُريدَ به الجِهادُ إلا اليَسيرَ فيَجبُ أنْ يُحمَلَ ما في هذه الآيةِ على ذلك؛ لأنَّ الظاهِرَ إِرادتُه به؛ ولأنَّ الزَّكاةَ إنَّما تُصرَفُ إلى أحَدِ رَجلَينِ: مُحتاجٍ إليها كالفُقراءِ والمَساكينِ، وفي الرِّقابِ لِقَضاءِ دُيونِهم، أو مَنْ يَحتاجُ إليه المُسلِمونَ كالعامِلِ والغازِي والمُؤلَّفِ والغارِمِ لِإصلاحِ ذاتِ البَينِ، والحَجُّ من الفَقيرِ لا نَفعَ للمُسلِمينَ فيه ولا حاجةَ بهم إليه، ولا حاجةَ به أيضًا إليه؛ لأنَّ الفَقيرَ لا فَرضَ عليه ليُسقِطَه، ولا مَصلَحةَ له في إِيجابِه عليه، وتَكليفُه مَشقَّةٌ قد رفَّهَه اللهُ منها وخفَّفَ عنه إِيجابَها، وتَوفيرُ هذا القَدرِ على ذَوي الحاجةِ من سائِرِ الأَصنافِ أو دَفعُه في مَصالِحِ المُسلِمينَ أَوْلى (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمَدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ (اختارَها من أَصحابِه الخِرقيُّ وأبو بَكرِ بنُ عبدِ العَزيزِ وأبو حَفصٍ البَرمَكيُّ) إلى جَوازِ أنْ يُعطَى الفَقيرُ من الزَّكاةِ ليَحُجَّ حَجةَ الإِسلامِ، وأنَّ الحَجَّ من سَبيلِ اللهِ؛ لِما رَوى أبو داودَ عن أُمِّ مَعقِلٍ قالَت: «لمَّا حَجَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ حَجةَ الوَداعِ وكانَ لنا جَملٌ فجعَلَه أبو مَعقِلٍ في سَبيلِ اللَّهِ وأصابَنا مَرضٌ وهلَكَ أبو مَعقِلٍ، وخرَجَ
стр. 2065
النَّبيُّ ﷺ ، فلمَّا فرَغَ من حَجهِ جِئتُه فقالَ: يا أمَّ مَعقِلٍ، ما منَعَكِ أنْ تَخرُجِي معَنا؟ قالَت: لقد تهَيَّأنا فهلَكَ أبو مَعقِلٍ وكانَ لنا جَملٌ هو الذي نَحجُّ عليه، فأَوصَى به أبو مَعقِلٍ في سَبيلِ اللَّهِ، قالَ: فهلَّا خرَجْتِ عليه، فإنَّ الحَجَّ في سَبيلِ اللَّهِ … » الحَديثَ (١).
قالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ قُلنا: يُدفَعُ في الحَجِّ منها فلا يُعطَى إلَّا بشَرطَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ مما ليسَ له ما يَحُجُّ به سِواها؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ وَلا لذِي مِرةٍ سَويٍّ».
وقالَ: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ إِلا لخَمسةٍ»، ولم يَذكُرِ الحاجَّ منهم؛ ولأنَّه يَأخذُ لحاجَتِه لا لِحاجةِ المُسلِمينَ إليه، فاعتُبِرت فيه الحاجةُ كمَن يَأخذُ لفَقرِه.
والثاني: أنْ يَأخذَ لحَجةِ الفَرضِ، ذكَرَه أبو الخَطابِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى إسقاطِ فَرضِه وإبراءِ ذِمَّتِه، أمَّا التَّطوُّعُ فله مَندوحةٌ عنه.
وقالَ القاضِي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ جَوازُ ذلك في الفَرضِ والتَّطوُّعِ معًا، وهو ظاهِرُ قَولِ الخِرقيِّ؛ لأنَّ الكُلَّ من سَبيلِ اللهِ؛ ولأنَّ الفَقيرَ لا فَرضَ عليه، فالحَجةُ منه كالتَّطوُّعِ، فعلى هذا يَجوزُ أنْ يَدفعَ إليه ما يَحُجُّ به حَجةً كامِلةً، وما يُغنِيهِ في حَجِّه، ولا يَجوزُ أنْ يَحُجَّ من زَكاةِ نَفسِه، كما لا يَجوزُ أنْ يَغزوَ بها (٢).
стр. 2066
وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] المُرادُ منه مُنقطِعُ الحاجِّ، وهُم الفُقراءُ منهم؛ لحَديثِ أُمِّ مَعقِلٍ السابِقِ.
والخِلافُ بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ إنَّما هو في التَّفسيرِ، ولا خِلافَ في الحُكمِ لِلاتِّفاقِ على أنَّه إنَّما تُعطَى الأَصنافُ كلُّها بشَرطِ الفَقرِ إلا في العامِلِ، فمُنقطِعُ الحاجِّ الفَقيرُ يُعطَى بالاتِّفاقِ (١).
إلا أنَّ مُريدَ الحَجِّ يُعطَى من الزَّكاةِ عندَ الشافِعيةِ على أنَّه ابنُ سَبيلٍ (٢).
الضَّربُ الرابِعُ: طَلبةُ العِلمِ:
صرَّحَ جَماعةٌ من الحَنفيةِ بأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] المُرادُ بهم طَلبةُ العِلمِ.
قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغَزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتُصِرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيريَّة» (٣).
стр. 2067
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: (وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ) كذا في الظَّهيريَّةِ والمَرغينانِيِّ واستبعَده السُّروجيُّ بأنَّ الآيةَ نزَلَت وليسَ هناك قَومٌ يُقالُ لهم طَلبةُ عِلمٍ.
قالَ في الشُّرنبُلاليَّةِ: واستِبعادُه بَعيدٌ؛ لأنَّ طلَبَ العِلمِ ليسَ إلا استِفادةَ الأَحكامِ، وهل يَبلغُ طالِبٌ رُتبةَ مَنْ لَازمَ صُحبةَ النَّبيِّ ﷺ لتَلقِّي الأَحكامِ عنه كأَصحابِ الصُّفَّةِ، فالتَّفسيرُ بطالِبِ العِلمِ وَجيهٌ، خُصوصًا وقد قالَ في «البَدائِع»: في سَبيلِ اللهِ جَميعُ القُربِ، فيَدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ، وسَبيلِ الخَيراتِ، إذا كانَ مُحتاجًا (١).
الضَّربُ الخامِسُ: جَميعُ أوجُهِ الخَيرِ:
ذهَبَ الإمامُ الكاسانيُّ من الحَنفيةِ إلى أنَّ في سَبيلِ اللهِ تَشمَلُ جَميعَ القُربِ، فقال ﵀: وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] عبارةٌ عن جَميعِ القُربِ فيَدخلُ فيه كلُّ من سَعى في طاعةِ اللهِ تعالَى وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (٢).
وقالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغُزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتُصِرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيريَّة»، وفسَّرَه في «البَدائِع» بجَميعِ القُربِ فيَدخلُ فيه كلُّ
стр. 2068
مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ تعالَى وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (١).
ويَظهَرُ من كَلامِ الإمامِ ابنِ عابدِين أنَّه مالَ لِهذا أيضًا كما في نَقلِه السابِقِ حيثُ قالَ: فالتَّفسيرُ بطالِبِ العِلمِ وَجيهٌ خُصوصًا وقد قالَ في «البَدائِع»: في سَبيلِ اللهِ جَميعُ القُربِ، فَيدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (٢).
الصِّنفُ الثامِنُ: ابنُ السَّبيلِ:
سُمِّي بذلك لمُلازَمتِه الطَّريقَ؛ إذْ ليسَ هو في وَطنِه ليَأويَ إلى سَكنِه (٣).
اتَّفقَ الفُقهاءُ على سَهمِ ابنِ السَّبيلِ، إلا أنَّهم اختلَفوا في: مَنْ هو ابنُ السَّبيلِ؟ هل هو المُسافِرُ المُجتازُ الذي ليسَ معه ما يَرجعُ به إلى أهلِه أو هو كذلك ومَن هو مُنشئٌ للسَّفرِ أيضًا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ ابنَ السَّبيلِ هو المُسافِرُ المُجتازُ الذي ليسَ له ما يَرجعُ به إلى بَلدِه، وليسَ منه المُنشِئُ المُقيمُ في بَلدِه أو غيرِها ويُريدُ السَّفرَ إلى بَلدٍ آخَرَ غيرِ بَلدِه، وذلك لما يَلي:
أ- أنَّ السَّبيلَ هو الطَّريقُ، وابنُ السَّبيلِ هو المُلازِمُ للطَّريقِ الكائِنُ فيها، كما يُقالُ: «وَلدُ اللَّيلِ» لِلذي يُكثِرُ الخُروجَ فيه، والقاطِنُ المُقيمُ في بَلدِه ليسَ في طَريقٍ، ولا يَثبُتُ له حُكمُ الكائِنِ فيها، ولِهذا لا يَثبُتُ له حُكمُ السَّفرِ بعَزمِه عليه دونَ فِعلِه.
стр. 2069
ب- أنَّه لا يُفهَمُ من ابنِ السَّبيلِ إلا الغَريبُ دونَ مَنْ هو في وَطنِه ومَنزِلِه، وإنِ انتَهَت به الحاجةُ مُنتَهاها، فوجَبَ على قَولِ الجُمهورِ أنْ يَحملَ المَذكورَ في الآيةِ على الغَريبِ دونَ غيرِه، وإنَّما يُعطَى وله اليَسارُ في بَلدِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصولِ إليه والانتِفاعِ به، فهو كالمَعدومِ في حقِّه، فإنْ كانَ ابنُ السَّبيلِ فَقيرًا في بَلدِه أُعطيَ لفَقرِه وكَونِه ابنَ سَبيلٍ؛ لوُجودِ الأمرَينِ فيه، وإنْ كانَ غَنيًّا في بَلدِه يُعطَى لكَونِه ابنَ سَبيلٍ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصولِ إلى مالِه، فصارَ كالمَعدومِ، ويُعطَى قَدرَ ما يُوصِّلُه إلى بَلدِه؛ لأنَّ الدَّفعَ إليه لِهذه الحاجةِ، فيُقدَّرُ بقَدرِها (١).
وقد أجازَ الحَنابِلةُ إذا كانَ ابنُ السَّبيلِ مُجتازًا يُريدُ بَلدًا غيرَ بَلدِه أنْ يُدفعَ إليه ما يَكفيه في مُضِيِّهِ إلى مَقصِدِه ورُجوعِه إلى بَلدِه؛ لأنَّ فيه إِعانةً على السَّفرِ المُباحِ وبُلوغِ الغَرضِ الصَّحيحِ (٢).
والحَنفيةُ قالوا: مَنْ كانَ ببَلدِه وليسَ له بيَدِه مالٌ يُنْفِقُ منه وله مالٌ في بَلدٍ غيرِ بَلدِه لا يَصِلُ إليه رَأوْا أنْ يُلحقَ بابنِ السَّبيلِ.
وأُلحقَ به كلُّ مَنْ هو غائِبٌ عن مالِه وإنْ كانَ في بَلدِه؛ لأنَّ الحاجةَ هي المُعتبَرةُ وقد وُجدَت؛ لأنَّه فَقيرٌ يدًا، وإنْ كانَ غَنيًّا ظاهِرًا فيَجوزُ في بَلدِ
стр. 2070
الإِعطاءِ إذا كانَ له مالٌ مُؤجَّلٌ أو على غائِبٍ أو مُعسِرٍ أو جاحِدٍ، فلا يَمنعُ ذلك الأخذَ من الزَّكاةِ (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ ذكَرَها الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ في «الإفصاح» إلى أنَّ ابنَ السَّبيلِ هو الغَريبُ المُنقطِعُ المُجتازُ والمُنشِئُ للسَّفرِ أيضًا، أي: مَنْ يُريدُ سَفرًا ولا يَجدُ نَفقةً فيُدفعُ إليهما ما يَحتاجانِ إليه لذَهابِهما وعَودِهما؛ لأنَّ المُنشِئَ للسَّفرِ يُريدُه لغيرِ مَعصيةٍ؛ فأشبَهَ المُجتازَ المُنقطِعَ لِاحتياجِ كلٍّ منهما لِأُهبةِ السَّفرِ، وإنْ كانَ إِطلاقُ ابنِ السَّبيلِ على الثاني من بابِ المَجازِ.
فعلى هذا يَجوزُ إِعطاءُ مَنْ يُريدُ الحَجَّ من الزَّكاةِ إنْ كانَ لا يَجدُ في البَلدِ الذي يُنْشِئُ منه سَفرَ الحَجِّ ما لا يَحُجُّ به (٢).
شُروطُ إِعطاءِ ابنِ السَّبيلِ من مالِ الزَّكاةِ:
لا يُعطَى ابنُ السَّبيلِ من الزَّكاةِ إلا بشُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ مُحتاجًا في ذلك المَوضعِ الذي هو به إلى ما يُوصِّلُه إلى وَطنِه، فإنْ كانَ عندَه ما يُوصِّلُه لا يُعطَى؛ لأنَّ المَقصودَ دائمًا هو إِيصالُه إلى بَلدِه، ولا يَضرُّه غِناه في غيرِ سَفرِه، فيُعطَى مَنْ ليسَ كِفايتُه في