← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

وذهَبَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] المُرادُ منه مُنقطِعُ الحاجِّ، وهُم الفُقراءُ منهم؛ لحَديثِ أُمِّ مَعقِلٍ السابِقِ. والخِلافُ بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ إنَّما هو في التَّفسيرِ، ولا خِلافَ في الحُكمِ لِلاتِّفاقِ على أنَّه إنَّما تُعطَى الأَصنافُ كلُّها بشَرطِ الفَقرِ إلا في العامِلِ، فمُنقطِعُ الحاجِّ الفَقيرُ يُعطَى بالاتِّفاقِ (١). إلا أنَّ مُريدَ الحَجِّ يُعطَى من الزَّكاةِ عندَ الشافِعيةِ على أنَّه ابنُ سَبيلٍ (٢). الضَّربُ الرابِعُ: طَلبةُ العِلمِ: صرَّحَ جَماعةٌ من الحَنفيةِ بأنَّ قَولَه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] المُرادُ بهم طَلبةُ العِلمِ. قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغَزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتُصِرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيريَّة» (٣).

стр. 2067

وقالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: (وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ) كذا في الظَّهيريَّةِ والمَرغينانِيِّ واستبعَده السُّروجيُّ بأنَّ الآيةَ نزَلَت وليسَ هناك قَومٌ يُقالُ لهم طَلبةُ عِلمٍ. قالَ في الشُّرنبُلاليَّةِ: واستِبعادُه بَعيدٌ؛ لأنَّ طلَبَ العِلمِ ليسَ إلا استِفادةَ الأَحكامِ، وهل يَبلغُ طالِبٌ رُتبةَ مَنْ لَازمَ صُحبةَ النَّبيِّ ﷺ لتَلقِّي الأَحكامِ عنه كأَصحابِ الصُّفَّةِ، فالتَّفسيرُ بطالِبِ العِلمِ وَجيهٌ، خُصوصًا وقد قالَ في «البَدائِع»: في سَبيلِ اللهِ جَميعُ القُربِ، فيَدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ، وسَبيلِ الخَيراتِ، إذا كانَ مُحتاجًا (١). الضَّربُ الخامِسُ: جَميعُ أوجُهِ الخَيرِ: ذهَبَ الإمامُ الكاسانيُّ من الحَنفيةِ إلى أنَّ في سَبيلِ اللهِ تَشمَلُ جَميعَ القُربِ، فقال ﵀: وأمَّا قَولُه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] عبارةٌ عن جَميعِ القُربِ فيَدخلُ فيه كلُّ من سَعى في طاعةِ اللهِ تعالَى وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (٢). وقالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: قَولُه: (ومُنقطِعُ الغُزاةِ) هو المُرادُ بقَولِه تعالَى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦٠] وهو اختِيارٌ منه لقَولِ أبي يُوسفَ وعندَ مُحمدٍ مُنقطِعُ الحاجِّ، وقيلَ: طَلبةُ العِلمِ، واقتُصِرَ عليه في «الفَتاوى الظَّهيريَّة»، وفسَّرَه في «البَدائِع» بجَميعِ القُربِ فيَدخلُ فيه كلُّ

стр. 2068

مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ تعالَى وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (١). ويَظهَرُ من كَلامِ الإمامِ ابنِ عابدِين أنَّه مالَ لِهذا أيضًا كما في نَقلِه السابِقِ حيثُ قالَ: فالتَّفسيرُ بطالِبِ العِلمِ وَجيهٌ خُصوصًا وقد قالَ في «البَدائِع»: في سَبيلِ اللهِ جَميعُ القُربِ، فَيدخلُ فيه كلُّ مَنْ سَعى في طاعةِ اللهِ وسَبيلِ الخَيراتِ إذا كانَ مُحتاجًا (٢). الصِّنفُ الثامِنُ: ابنُ السَّبيلِ: سُمِّي بذلك لمُلازَمتِه الطَّريقَ؛ إذْ ليسَ هو في وَطنِه ليَأويَ إلى سَكنِه (٣). اتَّفقَ الفُقهاءُ على سَهمِ ابنِ السَّبيلِ، إلا أنَّهم اختلَفوا في: مَنْ هو ابنُ السَّبيلِ؟ هل هو المُسافِرُ المُجتازُ الذي ليسَ معه ما يَرجعُ به إلى أهلِه أو هو كذلك ومَن هو مُنشئٌ للسَّفرِ أيضًا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ ابنَ السَّبيلِ هو المُسافِرُ المُجتازُ الذي ليسَ له ما يَرجعُ به إلى بَلدِه، وليسَ منه المُنشِئُ المُقيمُ في بَلدِه أو غيرِها ويُريدُ السَّفرَ إلى بَلدٍ آخَرَ غيرِ بَلدِه، وذلك لما يَلي: أ- أنَّ السَّبيلَ هو الطَّريقُ، وابنُ السَّبيلِ هو المُلازِمُ للطَّريقِ الكائِنُ فيها، كما يُقالُ: «وَلدُ اللَّيلِ» لِلذي يُكثِرُ الخُروجَ فيه، والقاطِنُ المُقيمُ في بَلدِه ليسَ في طَريقٍ، ولا يَثبُتُ له حُكمُ الكائِنِ فيها، ولِهذا لا يَثبُتُ له حُكمُ السَّفرِ بعَزمِه عليه دونَ فِعلِه.

стр. 2069

ب- أنَّه لا يُفهَمُ من ابنِ السَّبيلِ إلا الغَريبُ دونَ مَنْ هو في وَطنِه ومَنزِلِه، وإنِ انتَهَت به الحاجةُ مُنتَهاها، فوجَبَ على قَولِ الجُمهورِ أنْ يَحملَ المَذكورَ في الآيةِ على الغَريبِ دونَ غيرِه، وإنَّما يُعطَى وله اليَسارُ في بَلدِه؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصولِ إليه والانتِفاعِ به، فهو كالمَعدومِ في حقِّه، فإنْ كانَ ابنُ السَّبيلِ فَقيرًا في بَلدِه أُعطيَ لفَقرِه وكَونِه ابنَ سَبيلٍ؛ لوُجودِ الأمرَينِ فيه، وإنْ كانَ غَنيًّا في بَلدِه يُعطَى لكَونِه ابنَ سَبيلٍ؛ لأنَّه عاجِزٌ عن الوُصولِ إلى مالِه، فصارَ كالمَعدومِ، ويُعطَى قَدرَ ما يُوصِّلُه إلى بَلدِه؛ لأنَّ الدَّفعَ إليه لِهذه الحاجةِ، فيُقدَّرُ بقَدرِها (١). وقد أجازَ الحَنابِلةُ إذا كانَ ابنُ السَّبيلِ مُجتازًا يُريدُ بَلدًا غيرَ بَلدِه أنْ يُدفعَ إليه ما يَكفيه في مُضِيِّهِ إلى مَقصِدِه ورُجوعِه إلى بَلدِه؛ لأنَّ فيه إِعانةً على السَّفرِ المُباحِ وبُلوغِ الغَرضِ الصَّحيحِ (٢). والحَنفيةُ قالوا: مَنْ كانَ ببَلدِه وليسَ له بيَدِه مالٌ يُنْفِقُ منه وله مالٌ في بَلدٍ غيرِ بَلدِه لا يَصِلُ إليه رَأوْا أنْ يُلحقَ بابنِ السَّبيلِ. وأُلحقَ به كلُّ مَنْ هو غائِبٌ عن مالِه وإنْ كانَ في بَلدِه؛ لأنَّ الحاجةَ هي المُعتبَرةُ وقد وُجدَت؛ لأنَّه فَقيرٌ يدًا، وإنْ كانَ غَنيًّا ظاهِرًا فيَجوزُ في بَلدِ

стр. 2070

الإِعطاءِ إذا كانَ له مالٌ مُؤجَّلٌ أو على غائِبٍ أو مُعسِرٍ أو جاحِدٍ، فلا يَمنعُ ذلك الأخذَ من الزَّكاةِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ ذكَرَها الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ في «الإفصاح» إلى أنَّ ابنَ السَّبيلِ هو الغَريبُ المُنقطِعُ المُجتازُ والمُنشِئُ للسَّفرِ أيضًا، أي: مَنْ يُريدُ سَفرًا ولا يَجدُ نَفقةً فيُدفعُ إليهما ما يَحتاجانِ إليه لذَهابِهما وعَودِهما؛ لأنَّ المُنشِئَ للسَّفرِ يُريدُه لغيرِ مَعصيةٍ؛ فأشبَهَ المُجتازَ المُنقطِعَ لِاحتياجِ كلٍّ منهما لِأُهبةِ السَّفرِ، وإنْ كانَ إِطلاقُ ابنِ السَّبيلِ على الثاني من بابِ المَجازِ. فعلى هذا يَجوزُ إِعطاءُ مَنْ يُريدُ الحَجَّ من الزَّكاةِ إنْ كانَ لا يَجدُ في البَلدِ الذي يُنْشِئُ منه سَفرَ الحَجِّ ما لا يَحُجُّ به (٢). شُروطُ إِعطاءِ ابنِ السَّبيلِ من مالِ الزَّكاةِ: لا يُعطَى ابنُ السَّبيلِ من الزَّكاةِ إلا بشُروطٍ: الشَّرطُ الأولُ: أنْ يَكونَ مُحتاجًا في ذلك المَوضعِ الذي هو به إلى ما يُوصِّلُه إلى وَطنِه، فإنْ كانَ عندَه ما يُوصِّلُه لا يُعطَى؛ لأنَّ المَقصودَ دائمًا هو إِيصالُه إلى بَلدِه، ولا يَضرُّه غِناه في غيرِ سَفرِه، فيُعطَى مَنْ ليسَ كِفايتُه في

стр. 2071

طَريقِه، وإنْ كانَ له أَموالٌ في بَلدٍ آخَرَ سَواءٌ كانَت في البَلدِ الذي يَقصِدُه أو غيرِه، إذ لم يَكنْ في بَلدِ الإِعطاءِ. ويَجوزُ كذلك في بَلدِ الإِعطاءِ إذا كانَ له مالٌ مُؤجَّلٌ أو على غائِبٍ أو مُعسِرٍ أو جاحدٍ، فلا يَمنعُ ذلك الأخذَ من الزَّكاةِ على ما صرَّحَ به الحَنفيةُ (١). الشَّرطُ الثاني: ألَّا يَكونَ سَفرُه لمَعصيةٍ، صرَّحَ بهذا الشَّرطِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ فيَجوزُ إِعطاؤُه من الزَّكاةِ إنْ كانَ سَفرُه لِطاعةٍ واجِبةٍ كحَجِّ الفَرضِ وبِرِّ الوَالدَينِ، أو مُستحَبةٍ كزِيارةِ العُلماءِ والصَّالِحين، أو كانَ سَفرُه لمُباحٍ كطَلبِ المَعاشِ والتِّجاراتِ أو تَحصيلِ كَسبٍ عندَ المالِكيةِ والحَنابِلةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ. أمَّا إنْ كانَ سَفرُه لمَعصيةٍ كمَن خرَجَ لقَتلِ نَفسٍ أو لتِجارةٍ مُحرَّمةٍ أو نحوِ ذلك، فلا يَجوزُ الدَّفعُ إليه فيها؛ لأنَّه إِعانةٌ عليها، فهو كفِعلِها، فإنَّ وَسيلةَ الشَّيءِ جاريةٌ مَجراه، فلا يُعانُ بمالِ المُسلِمينَ على مَعصيةِ اللهِ إلا أنْ يَتوبَ تَوبةً نَصوحًا؛ فيُعطَى لبَقيَّةِ سَفرِه إلا أنْ يُخافَ عليه المَوتُ، فإنَّه يُعطَى وإنْ لم يَتبْ؛ لأنَّنا -وإنْ عَصى هو- لا نَعصي نحن بتَركِه يَموتُ. وقالَ بعضُ المالِكيةِ: لا يُعطَى وإنْ خِيفَ عليه المَوتُ؛ لأنَّ نَجاتَه في يَدِ نَفسِه بالتَّوبةِ.

стр. 2072

وقالَ بعضُهم: يُنظَرُ في تلك المَعصيةِ، فإنْ كان يُريدُ قَتلَ نَفسٍ أو هَتكَ حُرمةٍ لم يُعطَ إلا إنْ تابَ، وإنْ خِيفَ عليه المَوتُ. أمَّا إذا كانَ مُسافِرًا للنُّزهةِ والفُرجةِ ففيه طَريقانِ مَشهورانِ عندَ الشافِعيةِ، المَذهبُ عندَهم أنَّه كالمُباحِ، فيَكونُ على الوَجهَينِ، أصَحُّهما يُدفَعُ إليه. والطَّريقُ الثاني: لا يُعطَى قَطعًا؛ لأنَّه نَوعٌ من الفُضولِ. وإذا أَنشأَ سَفرَ مَعصيةٍ ثم قطَعَه في أَثناءِ الطَّريقِ وقصَدَ الرُّجوعَ إلى وَطنِه أُعطيَ حينَئذٍ من الزَّكاةِ؛ لأنَّه الآنَ ليسَ سَفرَ مَعصيةٍ (١). أمَّا الحَنابِلةُ فعِندَهم وَجهانِ: أحَدُهما: يُدفعُ إليه؛ لأنَّه غيرُ مَعصيةٍ. والثاني: لا يُدفعُ إليه؛ لأنَّه لا حاجةَ به إلى هذا السَّفرِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُقوِّي عندِي أنَّه لا يَجوزُ الدَّفعُ للسَّفرِ إلى غيرِ بَلدِه أنَّه لو جازَ ذلك لَجاز للمُنشئِ للسَّفرِ من بَلدِه؛ ولأنَّ هذا السَّفرَ إنْ كانَ لِجهادٍ فهو يَأخذُ له من سَهمِ سَبيلِ اللهِ ، وإنْ كانَ حَجًّا فغيرُه أهَمُّ منه، وإذا لم يَجزِ الدَّفعُ في هَذينِ ففي غَيرِهما أَوْلى، وإنَّما ورَدَ الشَّرعُ بالدَّفعِ إليه للرُّجوعِ إلى بَلدِه؛ لأنَّه أمرٌ تَدعو حاجَتُه إليه، ولا غِنى به عنه؛ فلا يَجوزُ إِلحاقُ غيرِه به؛ لأنَّه ليسَ في مَعناه، فلا يَجوزُ قياسُه عليه ولا نَصَّ فيه، فلا يَثبُتُ جَوازُه لعَدمِ النَّصِّ والقياسِ (٢).

стр. 2073

الشَّرطُ الثالِثُ: ألَّا يَجدَ مَنْ يُقرِضُه ويُسلِفُه في ذلك المَوضعِ الذي هو فيه، وهذا فيمَن له مالٌ ببَلدِه يَقدِرُ على سَدادِ القَرضِ منه. وهذا الشَّرطُ إنَّما اشتَرطَه بعضُ المالِكيةِ وخالَفهم آخرونَ من عُلماءِ المَذهبِ. قالَ في «الشَّرح الصَّغير»: إلا أنْ يَجدَ الغَريبُ مُسلِفًا لِما يُوصِّلُه، وهو (أي: والحالُ) أنَّه غَنيٌّ ببَلدِه فلا يُعطَى حينَئذٍ (١). لكنْ رجَّحَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ في أَحكامِ القُرآنِ والقُرطبيُّ في تَفسيرِه أنَّ ابنَ السَّبيلِ يُعطَى من الزَّكاةِ ولو وجَدَ مَنْ يُسلِفُه. قالا: وليسَ يَلزمُ أنْ يَدخلَ تَحتَ منَّةِ أحَدٍ فقد وجَدَ منَّةَ اللهِ ونِعمتَه (٢). وبهذا صرَّحَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ أنَّه لا يَلزمُه أنْ يَقترضَ وإنْ كانَ الحَنفيةُ يَرَونَ أنَّ الأفضلَ له أنْ يَقترضَ لكنْ لم يُلزمْ بهذا، قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قالَ في «الفَتح»: ولا يَحلُّ له -أي: لابنِ السَّبيلِ- أنْ يَأخذَ أكثَرَ من حاجَتِه والأَوْلى له أنْ يَستقرِضَ إنْ قدِرَ ولا يَلزمُه ذلك لجَوازِ عَجزِه عن الأداءِ ولا يَلزمُه التَّصدُّقُ بما فضَلَ في يَدِه عندَ قُدرتِه على مالِه كالفَقيرِ إذا استَغنى، والمُكاتِبُ إذا عجَزَ وعندَهما من مالِ الزَّكاةِ لا يَلزمُهما التَّصدُّقُ (٣).

стр. 2074

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو وجَدَ ابنُ السَّبيلِ مَنْ يُقرِضُه كِفايتَه وله في بَلدِه وِفادةٌ لم يَلزمْه أنْ يَقترضَ منه، بل يَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ إليه (١). إذا فَضَل مع ابنِ السَّبيلِ شَيءٌ هل يَسترجِعُ منه أو لا؟ اختَلفَ الفُقهاءُ في ابنِ السَّبيلِ إذا أخَذَ مالًا من الزَّكاةِ ثم رجَعَ إلى بَلدِه وقد فضَلَ منه شَيءٌ هل يَلزمُه أنْ يَردَّه أو لا؟ فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ ابنَ السَّبيلِ إذا أخَذَ مالًا من الزَّكاةِ ثم رجَعَ إلى بَلدِه وقد فضَلَ معه شَيءٌ مما أخَذَ وجَبَ عليه أنْ يَردَّه. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: وإذا رجَعَ ابنُ السَّبيلِ وقد فضَلَ معه شَيءٌ استُرجعَ منه سَواءٌ قتَرَ على نَفسِه أو لا. وقيلَ: إنْ قتَرَ على نَفسِه بحيثُ لو لم يَقتُرْ لم يَبقَ لم يَرجعْ بالمُتبقِّي والمَذهبُ الأولُ، وسبَقَ في فَصلِ الغازِي بَيانُ هذا، وبَيانُ الفَرقِ بينَه وبينَ الغازِي؛ حيثُ لا يُسترجَعُ منه إذا قتَرَ؛ لأنَّ ما يَأخذُه الغازِي يَأخذُه عِوضًا لحاجَتِنا إليه، وقيامِه بالغَزوِ وقد فعَلَ ذلك، وابنُ السَّبيلِ يَأخذُه لحاجَتِه إلينا، وقد زالَت، قالَ أَصحابُنا وكذا يُستَردُّ منه المَركوبُ، هذا هو المَذهبُ، وحَكى الرافِعيُّ وَجهًا أنَّه لا يُستردُّ، وهو غَريبٌ ضَعيفٌ جِدًّا (٢). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وإنْ فضَلَ مع ابنِ السَّبيلِ أو غازٍ أو غارِمٍ أو مُكاتَبٍ شَيءٌ رَدَّه، وغيرُهم يَتصرَّفُ بما شاءَ لمِلكِه له مُستقِرًّا (٣).

стр. 2075

وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه لا يَلزمُه أنْ يَردَّ ما فضَلَ معه، قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قالَ في «الفَتح»: ولا يَحلُّ له -أي: لِابنِ السَّبيلِ- أنْ يَأخذَ أكثرَ من حاجَتِه، والأَوْلى له أنْ يَستقرِضَ إنْ قدِرَ ولا يَلزمُه ذلك لجَوازِ عَجزِه عن الأداءِ، ولا يَلزمُه التَّصدُّقُ بما فضَلَ في يدِه عندَ قُدرتِه على مالِه كالفَقيرِ إذا استَغنى، والمُكاتَبِ إذا عجَزَ وعندَهما من مالِ الزَّكاةِ لا يَلزمُهما التَّصدُّقُ (١). هل يَجبُ التَّسويةُ بينَ الأَصنافِ الثَّمانيةِ أو يَجوزُ إعطاءُ صِنفٍ منها مع وُجودِ الباقين؟ أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه إذا لم يُوجَدْ إلا صِنفٌ واحِدٌ من الأَصنافِ الثَّمانيةِ أنَّها تُعطَى لهم وتُجزِئُ. إلا أنَّهم اختلَفوا فيما لو اجتَمعَت الأَصنافُ الثَّمانيةُ هل يَجبُ استِيعابُها جَميعًا أو يَجوزُ أنْ يُعطَى صِنفٌ واحِدٌ منها فقط وتُجزِئُ عنه؟ وكذا إذا وُجِدَ وإذا اجتَمعَت الأَصنافُ فالمَذهبُ أنَّه لا يَجبُ استِيعابُها، بل لو أُعطيَت لصِنفٍ واحِدٍ أَجزأَ. فذهَبَ الشافِعيةُ (والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ) (٢) إلى أنَّه يَجبُ أنْ يُسوِّيَ بينَ الأَصنافِ في الأسهُمِ ولا يُفضَّلُ صِنفٌ على صِنفٍ بلا خِلافٍ، سَواءٌ اتَّفقَت حاجاتُهم وعَددُهم أو لا، ولا يُستَثنى من هذا إلا العامِلُ، فإنَّ حقَّه مُقدَّرٌ بأُجرةِ عَملِه؛ لأنَّ اللهَ تعالَى سوَّى بينَهم.

стр. 2076

فإذا وُجدَ الأَصنافُ الثَّمانيةُ وجَبَ لكلِّ صِنفٍ ثُمنٌ، وإنْ وُجدَ منهم خَمسةٌ وجَبَ لكلِّ صِنفٍ خُمسٌ، وهكذا، فلا بدَّ من استِيعابِ جَميعِ المَوجودينَ، ولا يَجوزُ الاقتِصارُ على بعضِها مع وُجودِ جَميعِها، وإذا لم يُوجَدْ صِنفٌ منهم كالمُؤلَّفةِ مَثلًا سقَط سَهمُه ويُردُّ على الباقينَ. والمُستحَبُّ أنْ يَعُمَّ كلَّ صِنفٍ إنْ أمكَنَ، وأقَلُّ ما يُجزِئُ أنْ يُصرَفَ إلى ثَلاثةٍ من كلِّ صِنفٍ؛ لأنَّ اللهَ تعالَى أَضافَ إليهم بلَفظِ الجَمعِ وأقَلُّ الجَمعِ ثَلاثةٌ، فإنْ دفَعَ إلى اثنَينِ ضمِنَ نَصيبَ الثالِثِ، وفي قَدرِ الضَّمانِ قَولانِ، أحدُهما القَدرُ المُستحَبُّ، وهو الثُّلثُ، والثاني وهو الصَّحيحُ: أقَلُّ جُزءٍ من السَّهمِ؛ لأنَّ هذا القَدرَ هو الواجِبُ، فلا يَلزمُه ضَمانُ ما زادَ. قالَ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأُمّ»: لو ترَكَ العامِلُ أهلَ صِنفٍ مَوجودينَ حيثُ يِقسِمها، وهو يَعرِفُهم، وأَعطى حَظَّهم غيرَهم ضمِنَ؛ لأنَّ سَهمَ هؤلاء بُيِّن في كِتابِ اللهِ ﵎. وكذلك إذا قسَمَها الوَليُّ فتركَ أهلَ سَهمٍ مَوجودينَ ضمِنَ لِما وَصفتُ (١). وهذا كلُّه في غيرِ العامِلِ فيَجوزُ أنْ يَكونَ واحِدًا بلا خِلافٍ، وابنُ السَّبيلِ على خِلافٍ. ولا يَجبُ عليه التَّسويةُ بينَ آحادِ الصِّنفِ، سَواءٌ استَوعبَهم أو اقتَصرَ على ثَلاثةٍ منهم أو أكثَرَ، وسَواءٌ اتَّفقَت حاجاتُهم أو اختَلفَت، لكنْ يُستحَبُّ

стр. 2077

أنْ يُفرِّقَ بينَهم على قَدرِ حاجاتِهم، فإنِ استَوت سوَّى، وإنْ تَفاضَلت فاضَل بحَسبِ الحاجةِ استِحبابًا (١). وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجبُ التَّسويةُ بينَ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، بل يَجوزُ أنْ يُعطيَها لشَخصٍ واحِدٍ دونَ الباقينَ. استدلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] فجعَلَ تَخصيصَ الفُقراءِ بها خَيرًا مَشكورًا فدَلَّ على جَوازِه، وصَرفِ ذلك في حقِّه. وبقَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥] فدَلَّ على جَوازِ تَفرُّدِهم به. وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ لمُعاذٍ لمَّا أرسَلَه إلى اليَمنِ: «أَعلِمهُم أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» (٢). فأخبَرَ أنَّه مَأمورٌ برَدِّ جُملَتِها في الفُقراءِ، وهُم صِنفٌ واحِدٌ ولم يَذكُرْ سِواهُم، ثم أَتاه بعدَ ذلك مالٌ فجعَلَه في صِنفٍ ثانٍ سِوى الفُقراءِ، وهُم المُؤلَّفةُ: الأقرَعُ بنُ حابِسٍ وعُيَينةُ بنُ حِصنٍ وعَلقَمةُ بنُ عُلاثةَ وزَيدُ الخَيلِ، قسَمَ فيهم الذَّهبيَّةَ التي بعَثَ بها إليه علِيٌّ من اليَمنِ، وإنَّما يُؤخَذُ من أهلِ اليَمنِ الصَّدقةُ، ثم أَتاه مالٌ آخَرُ فجعَلَه في صِنفٍ آخَرَ.

стр. 2078

ولأنَّ اللهَ تعالَى خَصَّ الأَصنافَ الثَّمانيةَ بالذِّكرِ كما خَصَّ الصِّنفَ الواحِدَ بالذِّكرِ، فلمَّا لم يَلزمِ استيفاءُ جَميعِ الصِّنفِ وجازَ الاقتِصارُ على بعضِه لم يَلزَمِ استيفاءُ جَميعِ الأَصنافِ، وجازَ الاقتِصارُ على بعضِها ويَتحرَّرُ منه قِياسانِ: أحَدُهما: أنَّها صَدقةٌ يَجوزُ أنْ يَخُصَّ بها بعضَ الفُقراءِ، فجازَ أنْ يَخُصَّ بها بعضَ الأَصنافِ كالكَفاراتِ. والثاني: أنَّ مَنْ جازَ الاقتِصارُ عليه في الكَفاراتِ جازَ الاقتِصارُ عليه في الزَّكواتِ، قياسًا على بعضِ الفُقراءِ. ولأنَّه لو استحَقَّ كلُّ صِنفٍ منهم سَهمًا يَخصُّه لَما جازَ فيمَن فُقدَ أنْ يَردَّ سَهمَه على مَنْ وُجدَ، وفي إِجماعِهم على جَوازِ ذلك مع فَقدِ بعضِهم دَليلٌ على جَوازِه مع وُجودِ بعضِهم. قالوا: ولأنَّ المَقصودَ بها سَدُّ الخَلةِ التي لا يُمكنُ أنْ يَعمَّ بها الجَميعَ، فلا فَرقَ بينَ أنْ تَكونَ من صِنفٍ واحِدٍ أو مِنْ جَميعِ الأَصنافِ، كما لا فَرقَ بينَ أنْ تَكونَ من بعضِ الصِّنفِ أو مِنْ جَميعِه. واللَّامُ في قَولِه تعالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: ٦٠] الآيةَ لبَيانِ المَصرِفِ والاستِحقاقِ أي: إنَّما الصَّدقاتُ مُستحَقةٌ للفُقراءِ إلخ، ولا يَلزمُ من الاستِحقاقِ الإِعطاءُ بالفِعلِ (١).

стр. 2079

حُكمُ من شَكَّ هل أدَّى الزَّكاةَ أو لم يُؤدِّها؟ تَعرَّضَ لِهذه المَسألةِ الحَنفيةُ فقالوا: إنَّ مَنْ شَكَّ هل أدَّى زَكاتَه أو لا، يَجبُ عليه أنْ يُزكِّيَ، بخِلافِ ما لو شَكَّ بعدَ الوَقتِ أنَّه هل صلَّى أو لا، لا يُعيدُ. قالوا: لأنَّ وقتَ الزَّكاةِ لا آخِرَ له، بل هو العُمرُ، فالشَّكُّ فيها كالشَّكِّ في الصَّلاةِ في الوَقتِ (١). وقَواعدُ المَذاهبِ الأُخرى تَقتضِي مثلَ ذلك، فإنَّ اليَقينَ لا يَزولُ بالشَّكِّ. ثم إنَّني وَقفتُ بعدَ ذلك على قَولِ الإمامِ ابنِ حَجرٍ الهَيتَميِّ قالَ ﵀ بعدَ كَلامٍ طَويلٍ في حُكمِ مَنْ شَكَّ في الصَّلاةِ: وكذا يُقالُ في الصَّومِ والزَّكاةِ، فلو كانَ له إبلٌ وبَقرٌ وغَنمٌ ونَقدٌ فشَكَّ هل عليه زَكاةُ الإبلِ والبَقرِ أو الكلِّ لزِمَه الكلُّ، أو هل عليه دِرهمٌ مِنْ جُملةِ الزَّكاةِ أو أربَعونَ دِرهمًا ولم يَعرِفْ عَينَ ذلك المالِ لزِمَه الدَّراهمُ فقط، وقياسُ ما مَرَّ أنَّه يَلزمُه الأربَعونَ. ومِن ثَم قالَ ابنُ عبدِ السَّلامِ: لو كانَ عليه زَكاةٌ ولم يَدرِ هل هي بَقرةٌ أو شاةٌ لزِمَاه قِياسًا على الصَّلاةِ. قالَ الزَّركَشيُّ ﵀: ومنه يُعلَمُ التَّصويرُ بما إذا لزِمَه الأَمرانِ، وأخرَجَ أحَدَهما وشَكَّ فيه، أمَّا إذا لزِمَه أحدُهما فقط وشَكَّ في عَينِه فيُتَّجَه أنَّه يُخيَّرُ.

стр. 2080

ونُقلَ عن البِيانِ أنَّه لو كانَ له مِئتا دِرهَمٍ في كِيسٍ ومِثلُها في آخَرَ، وشَكَّ هل بَقيَ عليه خَمسةٌ من جُملةِ زَكاةِ هذه الدَّراهمِ فلا شَيءَ عليه بخِلافِ ما لو شَكَّ في مِئتَينِ في كِيسٍ بعَينِه هل أخرَجَ زَكاتَه أو لا، فإنَّ الأصلَ بَقاؤُها عليه وإِخراجُها. ثم قالَ: والضابِطُ أنَّه مَتى لزِمَه شَيءٌ وشَكَّ هل أخرَجه أو لا لزِمَه إِخراجُه لتَيقُّنِ شَغلَ الذِّمةِ به فلا تُبرأُ إلا بتَيقُّنِ إِخراجِه، ومَتى شَكَّ هل لزِمَه كذا أو لا لم يَلزمْه؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ الذِّمةِ (١). حُكمُ من شَكَّ في تأديةِ كلِّ الزَّكاةِ أو بَعضِها؟ ذكَرَ ابنُ نَجيمٍ أنَّ حادِثةً وَقعت مُفادُها: أنَّ رَجلًا شَكَّ هل أدَّى جَميعَ ما عليه من الزَّكاةِ أو لا؟ حيثُ كانَ يُؤدِّي ما عليه مُتفرِّقًا من غيرِ ضَبطٍ، فتَمَّ إِفتاؤُه بلُزومِ الإِعادةِ حيثُ لم يَغلِبْ على ظَنِّه دَفعُ قَدرٍ مُعيَّنٍ، وهذا الحُكمُ هو مُقتَضى القَواعدِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ ثابِتةٌ في ذمَّتِه بيَقينٍ، فلا يَخرجُ عن العُهدةِ بالشَّكِّ (٢). وهذا أيضًا قَولُ الشافِعيةِ وقد قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ (٣): قالَ بعضُ الأَصحابِ لمَن قالَ: علَيَّ فَوائِتُ لا أذكُرُ عَددَها: نَردُّك إلى زَمنِ بُلوغِك،

стр. 2081

فما تَتحقَّقُ من وقتِ بُلوغِكَ أنَّك قد فَعلتَه فذاك، وما شكَكْت فيه وجَبَ عليك قَضاؤُه. وهو ظاهِرٌ، وأمَّا قَولُ القفَّالِ: يَلزمُه ما تَيقَّنَ أنَّه ترَكَه وما شَكَّ فيه لا يَلزمُه، ففيه نَظرٌ؛ لأنَّ الأصلَ بعدَ تيقُّنِ التَّركِ أنَّه مُخاطَبٌ بالجَميعِ، والأصلُ عَدمُ أدائِه له، فلزِمَه قَضاءُ ما شَكَّ في أدائِه. ثم قالَ: وكذا يُقالُ في الصَّومِ والزَّكاةِ، فلو كانَ له إبلٌ وبَقرٌ وغَنمٌ ونَقدٌ فشَكَّ هل عليه زَكاةُ الإبلِ والبَقرِ أو الكُلِّ لزِمَه الكلُّ (١). إِسقاطُ المُزكِّي دَينَه عن مُستحِقِّ الزَّكاةِ هل يُجزِئُ عنه أو لا؟ لا يَجوزُ للدَّائنِ أنْ يُسقِطَ دَينَه عن مَدينِه الفَقيرِ المُعسِرِ الذي ليسَ عندَه ما يَسُدُّ به دَينَه ويَحسُبَه من زَكاةِ مالِه. فإنْ فعَلَ ذلك لم يُجزِئْه عن الزَّكاةِ عندَ كُلٍّ من الحَنفيةِ والحَنابِلةِ والمالِكيةِ ما عدا أشهَبَ وهو الأصَحُّ عندَ الشافِعيةِ، وهو قَولُ أبي عُبيدٍ. ووَجهُ المَنعِ أنَّ الزَّكاةَ حَقُّ اللهِ تعالَى فلا يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَصرفَها إلى نَفعِ نَفسِه أو إِحياءِ مالِه، واستِيفاءِ دَينِه. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فَصلٌ: قال مُهنَّا: سأَلتُ أبا عبدِ اللهِ عن رَجلٍ له على رُجلٍ دَينٌ برَهنٍ وليسَ عندَه قَضاؤُه ولِهذا الرَّجلِ زَكاةُ مالٍ يُريدُ أنْ يُفرِّقَها على المَساكينِ فيَدفعَ إليه رَهنَه ويَقولَ له: الدَّينُ الذي لي عليكَ هو

стр. 2082

لكَ، ويَحسُبَه من زَكاةِ مالِه؟ قالَ: لا يُجزِئُه ذلك. فقُلت له: فيَدفَعُ إليه مِنْ زَكاةِ مالِه فإنْ رَدَّه إليه قَضاءً من مالِه له أخَذَه؟ قالَ: نَعم. وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: وقيلَ له: فإنْ أعطاه ثم رَدَّه إليه؟ قالَ: إذا كانَ بحِيلةٍ فلا يُعجِبُني، قيلَ له: فإنِ استَقرَضَ الذي عليه الدَّينُ دَراهمَ فقَضاه إيَّاها ثم رَدَّها عليه وحسَبَها من الزَّكاةِ، فقالَ: إذا أَرادا بها إِحياءَ مالِه فلا يَجوزُ. فحصَلَ من كَلامِه أنَّ دَفعَ الزَّكاةِ إلى الغَريمِ جائِزٌ، سَواءٌ دفَعَها ابتِداءً أو استَوفى حَقَّه ثم دفَعَ ما استَوفاه إليه إلا أنَّه مَتى قصَدَ بالدَّفعِ إِحياءَ مالِه أو استيفاءَ دَينِه لم يَجزْ؛ لأنَّ الزَّكاةَ لحَقِّ اللهِ تَعالى، فلا يَجوزُ صَرفُها إلى نَفعِه، ولا يَجوزُ أنْ يُحتسَبَ الدَّينُ الذي له من الزَّكاةِ قبلَ قَبضِه؛ لأنَّه مَأمورٌ بأَدائِها وإِيتائِها، وهذا إِسقاطٌ واللهُ أعلمُ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ وأشهَبُ من المالِكيةِ إلى جَوازِ ذلك؛ لأنَّه لو دفَعَ إليه زَكاتَه ثم أخَذَها منه عن دَينِه جازَ، فكذا هذا. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا كانَ لرَجلٍ على مُعسِرٍ دَينٌ، فأَرادَ أنْ يَجعَلَه عن زَكاتِه وقالَ له: جَعلتُه عن زَكاتي، فوَجهانِ (في مَذهبِ الشافِعيِّ) أصَحُّهما: لا يُجزِئُه، وهو مَذهبُ أبي حَنيفةَ وأحمدَ؛ لأنَّ الزَّكاةَ في ذمَّتِه فلا تُبرأُ إلا بإِقباضِها، والثاني: يُجزِئُه، وهو مَذهبُ الحَسنِ البَصريِّ، وعَطاءٍ (٢)؛ لأنَّه

стр. 2083

لو دفَعَه إليه، ثم أخَذَه منه جازَ، فكذا إذا لم يَقبِضْه، كما لو كانَت عندَه دَراهمُ وَديعةً ودَفعَها عن الزَّكاةِ، فإنَّه يُجزِئُه، سَواءٌ قبَضَها أو لا، أمَّا إذا دفَعَ الزَّكاةَ إليه بشَرطِ أنْ يَرُدَّها إليه عن دَينِه فلا يَصحُّ الدَّفعُ إليه، ولا تَسقطُ الزَّكاةُ بالاتِّفاقِ (في المَذهبِ) ولا يَصحُّ قَضاءُ الدَّينِ بذلك بالاتِّفاقِ، ولو نَويا ذلك ولم يَشتَرطا جازَ بالاتِّفاقِ، وأَجزَأه عن الزَّكاةِ، وإذا ردَّه إليه عن الدَّينِ برِئَ منه. قالَ البَغويُّ: ولو قالَ المَدينُ: ادفَعْ إلَيَّ زَكاتَك حتى أقضيَك دَينَك، ففعَل، أجزَأه عن الزَّكاةِ، وملَكَه القابِضُ، ولا يَلزمُه دَفعُه إليه عن دَينِه، فإنْ دفَعَه أجزَأه (١).

стр. 2084

وحيلةُ الجَوازِ عندَ الحَنفيةِ فيما إذا كانَ له دَينٌ على مُعسِرٍ، وأرادَ أنْ يَجعلَه عن زَكاتِه: أنْ يُعطيَ مَدينَه الفَقيرَ زَكاتَه ثم يَأخذَها عن دَينِه، قالَ في الأشباهِ: وهو أفضَلُ من غَيرِه. واستدَلَّ ابنُ عابدِين لِهذا بقَولِه: لأنَّه يَصيرُ وَسيلةً إلى بَراءةِ ذمَّةِ المَدينِ (١). وهناك حِيلةٌ أُخرى عندَ الحَنفيةِ فقد جاءَ في «الفَتاوى الهِنديَّة»: رَجلٌ له على فَقيرٍ مالٌ وأرادَ أنْ يَتصدَّقَ بمالِه على غَريمِه ويَحتسِبَ به عن زَكاةِ مالِه فقد عرَفَ من أصلِ أَصحابِنا ﵏ أنَّه لا يَتأدَّى بالدَّينِ زَكاةُ العَينِ ولا زَكاةُ دَينٍ آخَرَ، والحِيلةُ في ذلك أنْ يَتصدَّقَ صاحِبُ المالِ على الغَريمِ بمِثلِ ما عليه من المالِ العَينِ، ناويًا عن زَكاةِ مالِه ويَدفعَه إليه، فإذا قبَضَه الغَريمُ ودفَعَه إلى صاحِبِ المالِ قَضاءً بما عليه من الدَّينِ يَجوزُ. وذُكرَ في «النَّوادِر» أنَّ مُحمدًا ﵀ سُئلَ عن هذا فأجابَ وقالَ: هذا أفضَلُ من أنْ يَدفعَه إلى غيرِه، ومَشايخُنا المُتقدِّمونَ ﵏ يَستعمِلونَ هذه الحِيلةَ مع غُرمائِهم المَفاليسِ، وكانوا لا يَرَونَ به بأسًا، فإنْ خافَ الطالِبُ أنَّه لو دفَعَ مِقدارَ الدَّينِ إلى الغَريمِ يَمتنِعُ عن قَضاءِ الدَّينِ فلا يَنبَغي له أنْ يَخافَ من ذلك؛ لأنَّه يُمكِنُه أنْ يَمُدَّ يَدَه ويَأخذَ ذلك منه؛ لأنَّه قد ظفِرَ بجِنسِ حَقِّه، فإنْ كانَ الغَريمُ يُدافِعُه ويُمانِعُه يُرفَعُ الأمرُ إلى القاضِي فيَجدُه القاضِي مَليئًا فيُكلِّفُه قَضاءَ الدَّينِ، وحيلةٌ أُخرى أنْ يَقولَ الطالِبُ للمَطلوبِ من الابتِداءِ:

стр. 2085

وكِّل واحِدًا من خَدَمي ليَقبِضَ لكَ زَكاةَ مالي، ثم وكِّلْه بقَضاءِ دَينِك، فإذا قبَضَ الوَكيلُ يَصيرُ المَقبوضُ مِلكًا لمُوكِّلِه وهو المَدينُ، والوَكيلُ بالقَبضِ وَكيلٌ بقَضاءِ دَينِه فيَقضي دَينَه من هذا المالِ بحُكمِ وَكالَتِه (١). وقد صرَّحَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ بأنَّه يَجوزُ إلا إذا كانَ حِيلةً. قالَ الحَطابُ: ومَحلُّ الجَوازِ إذا لم يُتواطَأْ عليه، وإلا مُنعَ اتِّفاقًا (٢). وقالَ الإمامُ أحمدُ ﵀: إذا أرادَ إِحياءَ مالِه لم يَجزْ، وقالَ أيضًا: إذا كانَ حِيلةً فلا يُعجِبُني. قالَ القاضِي وغيرُه: يَعني بالحِيلةِ أنْ يُعطيَه بشَرطِ أنْ يَردَّها عليه من دَينِه فلا يُجزِئُه؛ لأنَّ من شَرطِها كَونَها تَمليكًا صَحيحًا، فإذا شرَطَ الرُّجوعَ لم يُوجدْ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ حَقُّ اللهِ تعالَى فلا يَجوزُ صَرفُها إلى نَفعِه، وإنْ رَدَّ الغَريمُ من نَفسِه ما قبَضَه وَفاءً عن دَينِه من غيرِ شَرطٍ ولا مُواطأةٍ جازَ لرَبِّ المالِ أخذُه من دَينِه؛ لأنَّه سَببٌ مُتجدِّدٌ كالإرثِ والهِبةِ (٣). وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن إِسقاطِ الدَّينِ عن المُعسِرِ هل يَجوزُ أنْ يَحسُبَه من الزَّكاةِ؟

стр. 2086

فأجابَ: وأمَّا إِسقاطُ الدَّينِ عن المُعسِرِ، فلا يُجزِئُ عن زَكاةِ العَينِ بلا نِزاعٍ، لكنْ إذا كانَ له دَينٌ على من يَستحِقُّ الزَّكاةَ فهل يَجوزُ أنْ يُسقِطَ عنه قَدرَ زَكاةِ ذلك الدَّينِ، ويَكونُ ذلك زَكاةَ الدَّينِ؟ فهذا فيه قَولانِ للعُلماءِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه. أظهَرُهما الجَوازُ: لأنَّ الزَّكاةَ مَبناها على المُواساةِ، وهنا قد أخرَجَ من جِنسِ ما يَملِكُ، بخِلافِ ما إذا كانَ مالُه عَينًا، وأخرَجَ دَينًا، فإنَّ الذي أخرَجَه دونَ الذي يَملِكُه، فكانَ بمَنزلةِ إِخراجِ الخَبيثِ عن الطَّيبِ، وهذا لا يَجوزُ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧]. ولِهذا كانَ على المُزكِّي أنْ يُخرجَ من جِنسِ مالِه، وألا يُخرجَ أَدنى منه، فإذا كانَ له ثَمرٌ وحِنطةٌ جَيدةٌ لم يُخرجْ عنها ما هو دونَها (١). وقالَ المَرداويُّ ﵀: لو أبرأَ رَبُّ المالِ غَريمَه من دَينِه بنيَّةِ الزَّكاةِ لم يُجزِئْه على الصَّحيحِ من المَذهبِ، نَصَّ عليه وعليه أكثَرُ الأَصحابِ، وقطَعَ به أكثَرُهم، سَواءٌ كانَ المُخرَجُ عنه عَينًا أو دَينًا، واختارَ الأَزجيُّ في النِّهايةِ الجَوازَ، كما تَقدَّمَ، وهو تَوجيهُ احتِمالٍ، وتَخريجٌ لِصاحِبِ الفُروعِ، وقالَ بِناءً على أنَّه هل هو تَمليكٌ أو لا، وقيلَ: يُجزِئُه أنْ يُسقِطَ عنه قَدرَ زَكاةِ ذلك الدَّينِ منه ويَكونَ ذلك زَكاةً ذلك الدَّينِ، حَكاه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ واختارَه أيضًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ مُواساةٌ (٢).

стр. 2087

حُكمُ من ترَكَ إِخراجَ الزَّكاةِ حتى ماتَ: مَنْ ترَكَ الزَّكاةَ التي وجَبَت عليه حتى ماتَ وهو مُتمكِّنٌ من إِخراجِها ولم يُوصِ بإِخراجِها أثِمَ بإِجماعِ أهلِ العِلمِ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا هل تَسقطُ عنه الزَّكاةُ في هذه الحالةِ أو لا؟ فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وإِسحاقُ، وأبو ثَورٍ، وابنُ المُنذِرِ، وهو مَرويٌّ عن عَطاءٍ، والحَسنِ، والزُّهريِّ إلى أنَّ من ماتَ وعليه زَكاةٌ لم يُؤدِّها فإنَّها لا تَسقطُ عنه بالمَوتِ كسائِرِ حُقوقِ اللهِ تعالَى الماليَّةِ، ومنها الحَجُّ والكَفاراتُ، ويَضمنُها، ويَجبُ إِخراجُها من مالِه، سَواءٌ أَوصى بها أو لم يُوصِ، وتُخرَجُ من كلِّ مالِه؛ لأنَّها دَينٌ للهِ ، فتُعامَلُ مُعامَلةَ الدَّينِ، ولا تُزاحِمُ الوَصايا في الثُّلثِ؛ لأنَّ الثُّلثَ يَكونُ فيما بعدَ الدَّينِ. واستدَلُّوا بأنَّه حَقٌّ واجِبٌ في المالِ، فلم تَسقُطْ بالمَوتِ كدَينِ الآدَميِّ (١). والصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ أنَّه إذا اجتمَعَ دَينُ اللهِ مع دَينِ الآدَميِّ يُقدَّمُ دَينُ اللهِ ؛ لحَديثِ: «دَينُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى» (٢)

стр. 2088

وقيلَ: يُقدَّمُ دَينُ الآدَميِّ، وقيلَ: يَستَويانِ (١). وذهَبَ أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ والنَّخَعيُّ والشَّعبيُّ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَسقطُ بالمَوتِ بمَعنى أنَّها لا يَجبُ إِخراجُها مِنْ تَركتِه، فإنْ كانَ قد أَوصى بها فهي وَصيَّةٌ تُزاحِمُ سائِرَ الوَصايا في الثُّلثِ، وإنْ لم يُوصِ بها سقَطَت؛ لأنَّها عِبادةٌ من شَرطِها النِّيةُ، فسقَطَت بمَوتِ مَنْ هي عليه، كالصَّلاةِ والصَّومِ، فإنْ أخرَجَها الوَرثةُ فهي صَدقةُ تَطوُّعٍ منهم. ويُستثنَى من هذا عندَ الحَنفيةِ في ظاهِرِ الرِّوايةِ عُشرُ الخارِجِ من الأرضِ، فيُؤخَذُ من تَركةِ الميِّتِ؛ لأنَّه عندَهم في مَعنى مُؤنةِ الأرضِ، وفي رِوايةٍ: بل يَسقطُ أيضًا (٢). ثم عندَ المالِكيةِ، تُخرَجُ زَكاةٌ فرَّطَ فيها من رأسِ مالِه إنْ تَحقَّقَ أنَّه لم يُخرِجْها، أمَّا إنْ كانَ ذلك بمُجرَّدِ إِقرارِه في مَرضِ مَوتِه، وأشهَدَ على بَقائِها

стр. 2089

في ذمَّتِه، وأَوصى بإِخراجِها فهي من الثُّلثِ، وإلا فلا تُخرَجُ أصلًا. وأمَّا زَكاةُ عامِ مَوتِه فإنِ اعتَرفَ بحُلولِها وأَوصى بإِخراجِها أُخرِجت عن رأسِ المالِ. وفي ذلك يَقولُ الدُّسوقيُّ في «حاشيَتِه على الشَّرحِ الكَبيرِ»: إنَّ زَكاةَ العَينِ في عامِ المَوتِ لها أَحوالٌ أربَعةٌ: الحالةُ الأُولى: إنِ اعتَرفَ بحُلولِها وبَقائِها في ذمَّتِه، وأَوصى بإِخراجِها، فمِن رأسِ المالِ جَبرًا على الوَرثةِ. الحالةُ الثانيةُ: إنِ اعتَرفَ بحُلولِها، ولم يَعتَرفْ ببَقائِها ولم يُوصِ بإِخراجِها لا يُجبَرونَ على إِخراجِها، لا من الثُّلثِ، ولا من رأسِ المالِ، وإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبرٍ، إلا أنْ يَتحقَّقَ الوَرثةُ عَدمَ إِخراجِها فتُخرجُ من رأسِ المالِ جَبرًا. الحالةُ الثالِثةُ: وإنْ لم يَعتَرفْ ببَقائِها وأَوصى بإِخراجِها، أُخرجَت من الثُّلثِ جَبرًا. الحالةُ الرابِعةُ: وإنِ اعتَرف ببَقائِها ولم يُوصِ بإِخراجِها لم يُقضَ عليهم بإِخراجِها وإنَّما يُؤمَرونَ من غيرِ جَبرٍ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ أَخرجَها فإنْ عَلِموا عَدمَ إِخراجِها أُجبِروا (١).

стр. 2090

وقالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ أبو عاصِمٍ العَباديُّ في كِتابِه «الزِّيادات»: لو استَقرَّت عليه زَكاةٌ ثم مرِضَ ولا مالَ معه، فيَنبَغي أنْ يَنويَ أنَّه يُؤدِّي الزَّكاةَ إنْ قدِرَ، وألَّا يَقترضَ. وقالَ شاذانُ بنُ إبراهيمَ: يَقترضُ؛ لأنَّ دَينَ اللهِ أحَقُّ بالقِضاءِ. قالَ: فإنِ اقتَرضَ ودفَعَ الزَّكاةَ ونَوى الوَفاءَ إذا تَمكَّنَ، فهو مَعذورٌ بالاتِّفاقِ (١).

стр. 2091

فصل في الأَصنافِ الذين لا يَجوزُ إعطاؤُهم من الزَّكاةِ كما أنَّ الشارعَ جعَلَ الزَّكاةَ في أَصنافٍ حدَّدهم وأوجَبَ لهم الزَّكاةَ فإنَّه أيضًا حرَّمَ دَفعَ الزَّكاةِ إلى أَصنافٍ آخَرين، وهؤلاء منهم ما اتَّفقَ العُلماءُ على حُرمةِ إِعطائِه من الزَّكاةِ، ومنهم مَنْ اختَلفَ فيهم العُلماءُ هل يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إليهم أو لا يَجوزُ. ١ - آلُ النَّبيِّ مُحمدٍ ﷺ ؛ لأنَّ الزَّكاةَ والصَّدقةَ مُحرَّمتانِ على النَّبيِّ ﷺ وعلى آلِه. قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّ الصَّدقةَ المَفروضةَ حَرامٌ على بَني هاشِمٍ، وهُم خَمسُ بُطونٍ: آلُ عَباسٍ، وآلُ علِيٍّ، وآلُ جَعفرٍ، وآلُ عَقيلٍ، ووَلدُ الحارِثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ (١). وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: وأجمَعوا على تَحريمِ الصَّدقةِ المَفروضةِ على بَني هاشِمٍ وهُم خَمسُ بُطونٍ: آلُ علِيٍّ وآلُ عَباسٍ وآلُ جَعفَرٍ، وآلُ عَقيلٍ، وآلُ الحارِثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ (٢).

стр. 2092

وأجمَعوا على تَحريمِ الصَّدقةِ المَفروضةِ على بَني هاشِمٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلَمُ خِلافًا في أنَّ بَني هاشِمٍ لا تَحلُّ لهم الصَّدقةُ المَفروضةُ (٢). الحِكمةُ من عَدمِ أخْذِ آلِ النَّبيِّ ﷺ من الزَّكاةِ: أنَّه ﷺ لو حلَّت له الصَّدقةُ فأخَذَها منهم، وجَدَ القَومُ السَّبيلَ أنْ يَقولوا: إنَّما تَدعونا إلى ما تَدعونا إليه لتَأخذَ أَموالَنا وتُعطيَها إلى أهلِ بَيتِك، ولا تَدعونا إلى سَبيلِ الرَّشادِ، ولكنَّه أُمرَ ﷺ بأخذِها من أَغنياءِ كلِّ قَبيلةٍ ورَدِّها في فُقرائِهم، ليَعلَموا أنَّه إنَّما يَدعوهم إلى مَصلَحتِهم دونَ عِوضٍ يَأخذُه منهم، وبذلك بُعثَ الرُّسلُ من قَبلِه، فقالَ نُوحٌ إذ كذَّبَه قَومُه، وقالَ هُودٌ إذ كذَّبَته عادٌ، وقالَ صالِحٌ إذ كذَّبَته ثَمودُ: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٤٥] وإنَّما سأَلوا الأجرَ من اللهِ تَعالى. وقالَ المُهلَّبُ: وإنَّما حُرِّمت الصَّدقةُ عليه وعلى آلِه؛ لأنَّها أَوساخُ الناسِ؛ ولأنَّ مَنزلةَ الصَّدقةِ ذلٌّ وضَعةٌ، ولأنَّ الأَنبياءَ وآلَهم مُنزَّهونَ عن الذُّلِّ والضَّعفِ والخُضوعِ والاحتِقارِ إلى غيرِ اللهِ (٣). استدَلَّ الفُقهاءُ على هذا بالسُّنةِ، فعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: أخَذَ الحَسنُ بنُ علِيٍّ ﵄ تَمرَةً مِنْ تَمرِ الصَّدقةِ، فجعَلَها فِي فِيه، فقالَ النَّبيُّ

стр. 2093

ﷺ : «كِخْ كِخْ» (١) ليَطرَحَها، ثُم قالَ: «أَما شعَرْتَ أنَّا لا نَأكلُ الصَّدقةَ» (٢). دلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ الصَّدقةَ لا تَحلُّ لبَني هاشِمٍ، وهُم آلُ الرَّسولِ ﷺ ؛ لِما اشتَملَ عليه الحَديثُ من مَنعِ الحَسنِ بنِ عليٍّ ﵄ من أنْ يَأكلَ تَمرةً من تَمرِ الصَّدقةِ ثم بيَّنَ سَببَ هذا المَنعِ بقَولِه: «أنَّا لا نَأكلُ الصَّدقةَ»، وفي لَفظٍ أيضًا: «أنَّا لَا تَحلُّ لنا الصَّدقةُ». وهذا ظاهِرٌ في تَحريمِها عليهم. عن عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعَةَ بنِ الحارِثِ، قالَ: اجتَمعَ رَبيعَةُ بنُ الحارِثِ، والعَباسُ بنُ عبدِ المُطَّلبِ، فقالَا: واللهِ، لَو بعَثْنا هذَينِ الغُلامَينِ -قالَا لِي وللفَضلِ بنِ عَباسٍ- إلَى رَسولِ اللهِ ﷺ فكلَّماهُ، فأمَّرَهُما علَى هذه الصَّدقاتِ، فأَدَّيا ما يُؤدِّي النَّاسُ، وأَصابَا مِما يُصِيبُ النَّاسُ، قالَ فبينَما هما في ذلك جاءَ علِيُّ بنُ أَبي طَالبٍ، فوقَفَ عليهما، فذكَرَا له ذلك، فَقالَ علِيُّ بنُ أَبي طَالبٍ: لَا تَفعَلا، فواللهِ ما هو بِفاعِلٍ، فانْتَحاه (٣) رَبِيعةُ بنُ الحارِثِ، فقالَ: واللهِ، ما تَصنَعُ هذا إلَّا نَفاسَةً (٤) منكَ علينا، فواللهِ، لقد نِلتَ

стр. 2094

صِهرَ رَسولِ اللهِ ﷺ فما نفِسْناه (١) عليك، قالَ علِيٌّ: أَرسِلُوهما، فانطَلَقا، واضْطَجعَ علِيٌّ، قالَ: فلمَّا صلَّى رَسولُ اللهِ ﷺ الظُّهرَ سبَقْناه إلَى الحُجرَةِ، فقُمْنا عندَها، حتى جاءَ فأخَذَ بآذَانِنا، ثُم قالَ: «أَخرِجا ما تُصرِّرانِ» (٢) ثُم دخَلَ ودخَلْنا علَيه، وهو يَومَئذٍ عندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، قالَ: فتَواكَلْنا الكَلامَ، ثُم تَكلَّمَ أَحدُنا، فقالَ: يَا رَسولَ اللهِ، أنتَ أَبرُّ النَّاسِ وأَوصَلُ النَّاسِ، وقَد بَلَغنا النِّكاحَ (٣)، فجِئْنا لتُؤمِّرَنا على بعضِ هذه الصَّدقاتِ، فنُؤدِّيَ إليك كما يُؤدِّي النَّاسُ، ونُصيبَ كما يُصيبونَ، قالَ: فسكَتَ طَويلًا حتى أرَدْنا أنْ نُكلِّمَه، قالَ: وجعَلَت زَينَبُ تُلمِعُ (٤) علينا مِنْ وَراءِ الحِجابِ أنْ: لَا تُكلِّماه، قالَ: ثُم قالَ: «إنَّ الصَّدقةَ لَا تَنبَغِي لآلِ مُحمَّدٍ؛ إنَّما هي أَوساخُ النَّاسِ، ادعُوَا لِي مَحميَةَ (٥) - وكانَ على الخُمسِ- ونَوفَلَ بنَ الحارِثِ بنِ عبدِ المُطَّلبِ». قالَ: فجاآه، فقالَ لمَحمِيةَ: «أَنكحْ هذا الغُلامَ ابنَتكَ» للفَضلِ بنِ عَباسٍ، فأَنكَحَه، وقالَ لنَوفَلِ بنِ الحارِثِ:

стр. 2095

«أَنكِحْ هذا الغُلامَ ابنتَكَ» لِي، فأَنكَحنِي، وقالَ لمَحمِيةَ: «أَصدِقْ عنهما مِنْ الخُمسِ كذا، وكذا» (١). دلَّ هذانِ الحَديثانِ على أنَّ الزَّكاةَ لا تَجوزُ لآلِ مُحمدٍ ﷺ وهم بَنو هاشِمٍ، وذلك لِما اشتَملَ عليه حَديثُ عبدِ المُطَّلبِ بنِ رَبيعةَ من قَولِه: «إنَّ الصَّدقةَ لَا تَنبَغي لآلِ مُحمَّدٍ؛ إنَّما هي أَوساخُ النَّاسِ» وآلُ مُحمدٍ مُنزَّهونَ عن أَوساخِ الناسِ فلا تَحلُّ لهم، وحَديثُ أبي هُريرةَ صَريحٌ في أنَّ الصَّدقةَ لا تَحلُّ لآلِ مُحمدٍ ﷺ لقَولِه: «أنَّا لَا تَحلُّ لنا الصَّدقةُ». إِعطاءُ بَني المُطَّلِبِ من الصَّدقةِ الواجِبةِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ الواجِبةِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: لا يَجوزُ إِعطاءُ بَني المُطَّلبِ من الصَّدقةِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والظاهِريَّةِ وقَولٌ للمالِكيةِ وأظهَرُ الرِّوايتَينِ عندَ الحَنابِلةِ (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الزَّكاةُ حَرامٌ على بَني هاشِمٍ وبَني المُطَّلِبِ بلا خِلافٍ (٣).

стр. 2096

وقالَ ابنُ قُدامة ﵀: فأمَّا بَنو المُطَّلبِ: فهل لهم الأخذُ من الزَّكاةِ؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: ليسَ لهم ذلك، نقَلَها عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ وغيرُه (١). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: ولا يَجوزُ أنْ يُعطَى منها كافِرٌ ولا أحَدٌ من بَني هاشِمٍ والمُطَّلبِ بَني عبدِ مَنافٍ (٢). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وبَنو هاشِمٍ وبَنو المُطَّلبِ مُحرَّمٌ عليهم الصَّدقاتُ المَفروضاتُ (٣). وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا: في بَني عبدِ المُطَّلبِ هل تَحرُمُ عليهم؟ فقالَ أبو حَنيفةَ: لا تَحرُمُ عليهم، وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ: تَحرُمُ عليهم، وعن أحمدَ رِوايتانِ أظهَرُهما أنَّه حَرامٌ عليهم (٤). استدلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّه لا يَجوزُ إِعطاءُ بَني المُطَّلبِ من الصَّدقةِ- بالسُّنةِ: عَنْ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ، أنَّ جُبَيرَ بنَ مُطعِمٍ، أَخبَرَه قالَ: مَشَيتُ أنَا وعُثمانُ بنُ عَفانَ، إلى النَّبيِّ ﷺ فقُلنا: أَعطَيتَ بَني المُطَّلبِ مِنْ خُمسِ خَيبَرَ، وتَرَكتَنا، ونحنُ بمَنزِلةٍ واحِدَةٍ منك، فقالَ: «إنَّما بَنو هَاشِمٍ،

стр. 2097

وبَنو المُطَّلبِ شَيءٌ واحِدٌ» قالَ جُبَيرٌ: «ولَم يَقسِمِ النَّبيُّ ﷺ لبَني عبدِ شَمسٍ، وبَني نَوفَلٍ شَيئًا» (١). فهذا الحَديثُ يَدلُّ على عَدمِ جَوازِ إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ، وذلك من وَجهَينِ: أحدُهما: قَولُه ﷺ : «إنَّما بَنو هاشِمٍ، وبَنو المُطَّلبِ شَيءٌ واحِدٌ». وبَنو هاشِمٍ لا يَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ، فكذلك بَنو المُطَّلبِ؛ لكَونِهم هم وبَنو هاشِمٍ شَيئًا واحدًا. قالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: فصَحَّ أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُفرَّقَ بينَ حُكمِهم في شَيءٍ أصلًا؛ لأنَّهم شَيءٌ واحِدٌ بنَصِّ كَلامِه ﷺ فصَحَّ أنَّهم آلُ مُحمدٍ، وإذ هم آلُ مُحمدٍ فالصَّدقةُ عليهم حَرامٌ (٢). الثاني: أنَّ بَني المُطَّلبِ يُعطَونَ من الخُمسِ كبَني هاشِمٍ، فلمَّا شَرَكوهم في الخُمسِ، وبَنو هاشِمٍ إنَّما أُعطوا من الخُمسِ عِوضًا عما حُرِموه من الزَّكاةِ، عُلمَ بذلك أنَّ بَني المُطَّلبِ إنَّما أُعطوا أيضًا عِوضًا عن الزَّكاةِ، فدَلَّ ذلك على أنَّهم لا يُعطَونَ من الزَّكاةِ (٣). القَولُ الثاني: يَجوزُ إِعطاءُ بَني المُطَّلبِ من الصَّدقةِ الواجِبةِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمَشهورُ عندَ المالِكيةِ والرِّوايةُ الثانيةُ عندَ الحَنابِلةِ (٤).

стр. 2098

قالَ الدَّرديرُ ﵀: وأمَّا بَنو المُطَّلبِ أُخوةُ هاشِمٍ فليسوا عندَنا من آلِ البَيتِ فيُعطونَ منها. قالَ الصاويُّ ﵀: قَولُه: «فليسوا عِندَنا من آلِ البَيتِ» أي: على الراجِحِ (١). واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهو جَوازُ إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ المَفروضةِ بالكِتابِ والسُّنةِ: أولًا: الكِتابُ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآيةَ [التوبة: ٦٠]. فهذه الآيةُ الكَريمةُ تدلُّ على أنَّ الصَّدقاتِ إنَّما تُصرَفُ للفُقراءِ والمَساكينِ وبَقيَّةِ الأَصنافِ الذين ذكَرَهم اللهُ في الآيةِ، وبَنو المُطَّلبِ إذا كانوا فُقراءَ فهم داخِلونَ في عُمومِ هذه الآيةِ، فيَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ ويَجوزُ أخذُهم لها. ثانيًا: السُّنةُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عَباسٍ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائِمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمَةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها

стр. 2099

قَبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (١). دلَّ هذا الحَديثُ على جَوازِ إِعطاءِ بَني المُطَّلبِ من الزَّكاةِ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ «وطُعمَةً للمَساكينِ»، والمَساكينُ لَفظٌ عامٌّ فهو يَشمَلُ بَني المُطَّلبِ إذا كانوا فُقراءَ كسائِرِ الفُقراءِ. ٢ - الأَغنياءُ: وقد تَقدَّمَ بَيانُ مَنْ هُمْ في صِنفِ الفُقراءِ والمَساكينِ، قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: خَمسةٌ لا يُعطَونَ إلا مع الحاجةِ، الفَقيرُ والمِسكينُ والمُكاتَبُ والغارِمُ لمَصلحةِ نَفسِه وابنُ السَّبيلِ. وخَمسةٌ يَأخُذونَ مع الغِنى: العامِلُ والمُؤلَّفُ قَلبُه والغازِي والغارِمُ لإِصلاحِ ذاتِ البَينِ وابنُ السَّبيلِ الذي له اليَسارُ في بَلدِه (٢). وخالَف الحَنفيةُ في الغازِي والغارِمِ لإِصلاحِ ذاتِ البَينِ، فرَأوْا أنَّهم لا يَأخُذونَ إلا مع الحاجةِ كما تَقدَّمَ ذِكرُه (٣). ٣ - الكُفارُ ولو كانوا أهلَ ذمَّةٍ لا يَجوزُ إِعطاؤُهم من الزَّكاةِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَجوزُ صَرفُ زَكاةِ المالِ لِأهلِ الذِّمةِ. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الذِّميَّ لا يُعطَى من زَكاةِ الأَموالِ شيئًا (٤).

стр. 2100

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ إلى كافِرٍ (١). لحَديثِ: «أنَّ اللَّهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ من أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٢). وأجازَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إِعطاءَهم مع العامِلينَ إنْ عَمِلوا على الزَّكاةِ (٣). ويُستثنَى المُؤلَّفُ قَلبُه أيضًا على التَّفصيلِ والخِلافِ المُتقدِّمِ في مَوضعِه. ويَشملُ الكافِرُ هنا الكافِرَ الأصليَّ والمُرتدَّ ومَن كانَ مُتسمِّيًا بالإِسلامِ وأتَى بمُكفِّرٍ، نحوَ الاستِخفافِ بالقُرآنِ أو سَبِّ اللهِ أو رَسولِه ﷺ أو دِينِ الإِسلامِ، فهو كافِرٌ لا يَجوزُ إِعطاؤُه من الزَّكاةِ اتِّفاقًا. إِعطاءُ الزَّكاةِ إلى الفاسِقِ والمُبتدِعِ: نَصَّ المالِكيةُ على أنَّه لا يُجزئُ دَفعُها لِأهلِ المَعاصي إنْ ظُنَّ أنَّهم يَصرفونَها فيها وإلا جازَ الإِعطاءُ لهم. قالَ الإمامُ الخِرَشيُّ ﵀: وتُعطَى لِذي هوًى خَفيفٍ كمُفضِّلٍ علِيٍّ على سائِرِ الصَّحابةِ، وتُجزِئُ للخارِجيِّ والقَدريِّ ونَحوِهما على القَولِ بعَدمِ تَكفيرِهم، ويُعطَى أهلُ المَعاصي ما يَصرِفونَه في ضَروريَّاتِهم، وإنْ غلَبَ على الظَّنِّ أنَّهم يُنفِقونَها في المَعاصي لا يُعطَونَ ولا تُجزِئُ إنْ وقَعَت (٤).

стр. 2101

قالَ العَدويُّ في حاشيَتِه: (قَولُه: لِذي هوًى خَفيفٍ) أي: بِدعةٍ خَفيفةٍ لا تَقتَضي الكُفرَ، ولا يُعطَى إِجماعًا من يَكفرُ ببِدعَتِه اتِّفاقًا، كالقائِلِ بنُبوَّةِ علِيٍّ ﵁ وأنَّ جِبريلَ ﵇ غلِطَ، والقائِلُ بأنَّ الأئمَّةَ والأَنبياءَ يَعلَمونَ ما كانَ وما يَكونُ، وهل الإِعطاءُ لِذي الهَوى الخَفيفِ خِلافُ الأَوْلى، أو مَكروهٌ؟ وهو الظاهِرُ. وقَولُه: وتُجزِئُ لِخارجيٍّ وقَدريٍّ، وهل يَحرُمُ أو يُكرَهُ؟ (قَولُه: في ضَروريَّاتِهم) أي: في الأُمورِ التي يُضطَرُّون إليها ويَحتاجونَ إليها، وهل المُرادُ ما يَليقُ بحالَتِه التي هو عليها أو ما يَندفِعُ به الحاجةُ وإنْ لم يَكنْ لائِقًا به؟ والظاهِرُ الثاني لذُلِّ المَعصيةِ. (قَولُه: وإنْ غلَبَ على الظَّنِّ) أي: زادَ على الظَّنِّ أنَّهم، أي: إِدراكُ أنَّهم، أي: بأنْ يَقوى الظَّنُّ، فمَفهومُه أنَّه عندَ الشَّكِّ، أو الظَّنِّ الضَّعيفِ يُعطَونَ، والظاهِرُ أنَّ الظَّنَّ وَحدَه كافٍ في عَدمِ الإِعطاءِ (١). وقالَ الدَّرديرُ: فلا تُعطَى لكافِرٍ ولا تُجزِئُ كأهلِ المَعاصي إنْ ظُنَّ أنَّهم يَصرِفونَها فيها، وإلا جازَ الإِعطاءُ لهم. قالَ الدُّسوقيُّ: قَولُه: (كأهلِ المَعاصي) أي: كما أنَّه لا يُجزِئُ دَفعُها لِأهلِ المَعاصي إنْ ظُنَّ، إلخ (٢). وقالَ الإمامُ الحَطابُ ﵀: وقالَ البُرزُليُّ: سُئلَ السُّيوريُّ: هل يُعطَى قَليلُ الصَّلاةِ من الزَّكاةِ؟

стр. 2102

فأجابَ: بأنَّه لا يُعطَى من الزَّكاةِ، يَعني: على وَجهِ الشِّدةِ، ولو أُعطيَ لمَضى. قالَ البُرزُليُّ: أَثرُ هذا الكَلامِ، ومثلِه أنَّ أهلَ المُجونِ إذا كانوا يَصرِفونَ الزَّكاةَ في مَحلِّها من ضَروريَّاتِهم، ولو كانوا يَصرِفونَها حيثُ لا تُرضَى غالِبًا، كأنْ يَشترِي بها خَمرًا أو يَقضيَ بها وَطرًا مُحرَّمًا ونحوَه، فلا تُعطَى لهم، ولا تُجزِئُ مَنْ أَعطاهم؛ لأنَّه يُتوصَّلُ بذلك إلى المَعصيةِ، ولا يُحلُّ ما أمَرَ اللهُ به، وما نَهى عنه. وهذا هو القَولُ بأنَّهم مُسلِمونَ، وعلى مَذهبِ مَنْ يُكفِّرُ تارِكَ الصَّلاةِ لا تُجزِئُ، ونَصَّ عليه ابنُ حَبيبٍ، وأهلُ الأَهواءِ يُسلَكُ بهم هذا المَسلَكُ الذي أصَّلناه. وفي «النَّوادِر» عن أصبَغَ قالَ: ودَفعُ الزَّكاةِ إلى الأصلَحِ حالًا أَوْلى مِنْ دَفعِها إلى سَيئِ الحالِ إلا أنْ يُخشى عليه المَوتُ فيُعطَى، وإذا غلَبَ على الظَّنِّ أنَّ المُعطَى يُنفِقُها في المَعصيةِ لا يُعطَى ولا يُجزِئُ إنْ وقَعَت. انتَهى. وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن إِعطاءِ الزَّكاةِ لأَهلِ البِدعِ أو لمَن لا يُصلِّي، فقالَ: يَنبَغي للإِنسانِ أنْ يَتحرَّى بها المُستحِقِّينَ من الفُقراءِ والمَساكينِ والغارِمينَ وغيرِهم من أهلِ الدِّينِ، المُتَّبِعين للشَّريعةِ فمَن أظهَرَ بِدعةً أو فُجورًا، فإنَّه يَستحِقُّ العُقوبةَ بالهَجرِ وغيرِه ويَستحِقُّ الاستِتابةَ، فكيف يُعانُ على ذلك.

стр. 2103

وفي تارِكِ الصَّلاةِ قالَ: مَنْ لم يَكنْ مُصلِّيًا أُمرَ بالصَّلاةِ، فإنْ قالَ: أنا أُصلِّي، أُعطيَ، وإلَّا لم يُعطَ (١). وفي «الاختِيارات الفِقهيَّة» قالَ شَيخُ الإِسلامِ: ولا يَنبَغي أنْ تُعطَى الزَّكاةُ لمَن لا يَستعينُ بها على طاعةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالَى فرَضَها مَعونةً على طاعَتِه لمَن يَحتاجُ إليها من المُؤمِنينَ، كالفُقراءِ والغارِمينَ أو لمَن يُعاوِنُ المُؤمِنينَ. فمَن لا يُصلِّي من أهلِ الحاجاتِ لا يُعطَى شَيئًا حتى يَتوبَ، ويَلتزمَ أداءَ الصَّلاةِ في أَوقاتِها (٢). دَفعُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ والأبناءِ: قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يَجوزُ دَفعُها إلى الوالِدَينِ في الحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم (٣)؛ لأنَّ دفعَ زَكاتِه تُغنيهم عن نَفقتِه وتُسقِطُها عنه ويَعودُ نَفعُها إليه، فكأنَّه دفَعَها إلى نَفسِه، فلم تَجزْ، كما لو قَضى بها دَينَه (٤). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ والمَولودينَ عَلَوا أو سَفَلوا إلا مالِكًا، فإنَّه قالَ في الجَدِّ والجَدةِ فمَن وراءَهما: يَجوزُ دَفعُها إليهم، وكذلك إلى بَني البَنينِ لسُقوطِ نَفقتِهم عندَه (٥).

стр. 2104

والمَقصودُ بالوالِدَينِ: الأبُ والأمُّ وإنْ عَلَوا يَعنى أباءَهما وأُمهاتِهما، وإنِ ارتفَعَت دَرجتُهم من الدافِعِ، كأبَويِ الأبِ وأبَويِ الأمِّ وأبَوَي كلِّ واحِدٍ منهم وإنْ عَلتْ دَرجتُهم، مَنْ يَرثُ منهم ومَن لا يَرثُ. والمَقصودُ بالوَلدِ وإنْ سفَلَ: وإنْ نزَلَت دَرجتُه من أَولادِه البَنينَ والبَناتِ، الوارِثِ وغيرِ الوارِثِ، قالَ ابنُ قُدامةَ: نَصَّ عليه أحمدُ فقالَ: لا يُعطَى الوالدانِ من الزَّكاةِ ولا وَلدُ الوَلدِ ولا الجَدُّ ولا الجَدَّةُ ولا وَلدُ البِنتِ، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ ابنِي هذا سَيدٌ»، يَعني الحَسنَ، فجعَلَه ابنَه؛ ولأنَّه من عَمودِ نَسبِه أشبَهَ الوارِثَ؛ ولأنَّ بينَهما قَرابةً جُزئيَّةً وبَعضيَّةً بخِلافِ غيرِها (١). لكنْ قد قيَّدَ ابنُ المُنذِرِ ﵀ نقْلَ الإِجماعِ على عَدمِ جَوازِ الدَّفعِ إلى الوالِدَينِ بالحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم، فإذا لم تَتحقَّقْ هذه الحالُ بأنْ كانَ الوَلدُ مُعسِرًا وملَكَ نِصابًا وجَبَت فيه الزَّكاةُ، فقد قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا كانَ الوَلدُ أو الوالِدُ فَقيرًا أو مِسكينًا وقُلنا في بعضِ الأَحوالِ: «لا تَجبُ نَفقتُه» فيَجوزُ لوالِدِه ووَلدِه دَفعُ الزَّكاةِ إليه من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه حينَئذٍ كالأجنَبيِّ (٢).

стр. 2105

وقالَ قبلَ ذلك: قالَ أَصحابُنا: لا يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَدفعَ إلى وَلدِه ولا والِدِه الذي يَلزمُه نَفقتُه من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ لعِلتَينِ: إحداهُما: أنَّه غَنيٌّ بنَفقتِه. والثانيةُ: أنَّه بالدَّفعِ إليه يُجابُ إلى نَفسِه نَفعًا، وهو مَنعُ وُجوبِ النَّفقةِ عليه. قالَ أَصحابُنا: ويَجوزُ أنْ يَدفعَ إلى وَلدِه ووالدِه من سَهمِ العامِلين والمُكاتَبينَ والغارِمينَ والغُزاةِ إذا كانَ الوَلدُ والوالِدُ بهذه الصِّفةِ، ولا يَجوزُ أنْ يَدفعَ إليه من سَهمِ المُؤلَّفةِ إنْ كانَ ممَّن يَلزمُه نَفقتُه؛ لأنَّ نَفعَه يَعودُ إليه، وهو إِسقاطُ النَّفقةِ، فإنْ كانَ ممَّن لا يَلزمُه نَفقَتُه جازَ دَفعُه إليه. وأمَّا سَهمُ ابنِ السَّبيلِ فالمَذهبُ أنَّه إذا كانَ من أَبناءِ السَّبيلِ أَعطاه من النَّفقةِ ما يَزيدُ على نَفقةِ الحَضرِ ويُعطيه المَركوبَ والحُمولةَ؛ لأنَّ هذا لا يَلزمُ المُنفِقَ ولا يُعطيه قَدرَ نَفقةِ الحَضرِ؛ لأنَّها لَازِمةٌ، وبهذا قطَعَ كَثيرونَ من الأَصحابِ أو أكثَرُهم، والثاني: وبه قطَعَ المَحامِليُّ، لا يُعطيه شَيئًا من النَّفقةِ، بل يُعطيه الحُمولةَ؛ لأنَّ نَفقتَه واجِبةٌ عليه في الحَضرِ والسَّفرِ، والحُمولةُ ليسَت بواجِبةٍ في السَّفرِ. قالَ أَصحابُنا المُتقدِّمونَ: له أنْ يُعطيَ وَلدَه ووالِدَه من سَهمِ العامِلِ إذا كانَ عامِلًا كما قدَّمْناه. قالَ القاضِي أبو الفُتوحِ من أَصحابِنا: هذا لا يَصحُّ؛ لأنَّه لا يُتصوَّرُ أنْ يُعطَى العامِلُ شَيئًا من زَكاتِه، قالَ صاحِبُ الشامِلِ: أرادَ الأَصحابُ إذا كانَ الدافِعُ هو الإمامَ فله أنْ يُعطيَ وَلدَ رَبِّ المالِ ووالِدَه من سَهمِ العامِلِ إذا كانَ عامِلًا من زَكاةِ والِدِه ووَلدِه، هذا كلُّه إذا كانَ الذي يُعطيه هو الذي يَلزمُه نَفقتُه، فلو أَعطاه غيرُه فقد أطلَقَ الخُراسانيُّونَ
следующие страницы →