← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

قالَ العَدويُّ في حاشيَتِه: (قَولُه: لِذي هوًى خَفيفٍ) أي: بِدعةٍ خَفيفةٍ لا تَقتَضي الكُفرَ، ولا يُعطَى إِجماعًا من يَكفرُ ببِدعَتِه اتِّفاقًا، كالقائِلِ بنُبوَّةِ علِيٍّ ﵁ وأنَّ جِبريلَ ﵇ غلِطَ، والقائِلُ بأنَّ الأئمَّةَ والأَنبياءَ يَعلَمونَ ما كانَ وما يَكونُ، وهل الإِعطاءُ لِذي الهَوى الخَفيفِ خِلافُ الأَوْلى، أو مَكروهٌ؟ وهو الظاهِرُ. وقَولُه: وتُجزِئُ لِخارجيٍّ وقَدريٍّ، وهل يَحرُمُ أو يُكرَهُ؟ (قَولُه: في ضَروريَّاتِهم) أي: في الأُمورِ التي يُضطَرُّون إليها ويَحتاجونَ إليها، وهل المُرادُ ما يَليقُ بحالَتِه التي هو عليها أو ما يَندفِعُ به الحاجةُ وإنْ لم يَكنْ لائِقًا به؟ والظاهِرُ الثاني لذُلِّ المَعصيةِ. (قَولُه: وإنْ غلَبَ على الظَّنِّ) أي: زادَ على الظَّنِّ أنَّهم، أي: إِدراكُ أنَّهم، أي: بأنْ يَقوى الظَّنُّ، فمَفهومُه أنَّه عندَ الشَّكِّ، أو الظَّنِّ الضَّعيفِ يُعطَونَ، والظاهِرُ أنَّ الظَّنَّ وَحدَه كافٍ في عَدمِ الإِعطاءِ (١). وقالَ الدَّرديرُ: فلا تُعطَى لكافِرٍ ولا تُجزِئُ كأهلِ المَعاصي إنْ ظُنَّ أنَّهم يَصرِفونَها فيها، وإلا جازَ الإِعطاءُ لهم. قالَ الدُّسوقيُّ: قَولُه: (كأهلِ المَعاصي) أي: كما أنَّه لا يُجزِئُ دَفعُها لِأهلِ المَعاصي إنْ ظُنَّ، إلخ (٢). وقالَ الإمامُ الحَطابُ ﵀: وقالَ البُرزُليُّ: سُئلَ السُّيوريُّ: هل يُعطَى قَليلُ الصَّلاةِ من الزَّكاةِ؟

стр. 2102

فأجابَ: بأنَّه لا يُعطَى من الزَّكاةِ، يَعني: على وَجهِ الشِّدةِ، ولو أُعطيَ لمَضى. قالَ البُرزُليُّ: أَثرُ هذا الكَلامِ، ومثلِه أنَّ أهلَ المُجونِ إذا كانوا يَصرِفونَ الزَّكاةَ في مَحلِّها من ضَروريَّاتِهم، ولو كانوا يَصرِفونَها حيثُ لا تُرضَى غالِبًا، كأنْ يَشترِي بها خَمرًا أو يَقضيَ بها وَطرًا مُحرَّمًا ونحوَه، فلا تُعطَى لهم، ولا تُجزِئُ مَنْ أَعطاهم؛ لأنَّه يُتوصَّلُ بذلك إلى المَعصيةِ، ولا يُحلُّ ما أمَرَ اللهُ به، وما نَهى عنه. وهذا هو القَولُ بأنَّهم مُسلِمونَ، وعلى مَذهبِ مَنْ يُكفِّرُ تارِكَ الصَّلاةِ لا تُجزِئُ، ونَصَّ عليه ابنُ حَبيبٍ، وأهلُ الأَهواءِ يُسلَكُ بهم هذا المَسلَكُ الذي أصَّلناه. وفي «النَّوادِر» عن أصبَغَ قالَ: ودَفعُ الزَّكاةِ إلى الأصلَحِ حالًا أَوْلى مِنْ دَفعِها إلى سَيئِ الحالِ إلا أنْ يُخشى عليه المَوتُ فيُعطَى، وإذا غلَبَ على الظَّنِّ أنَّ المُعطَى يُنفِقُها في المَعصيةِ لا يُعطَى ولا يُجزِئُ إنْ وقَعَت. انتَهى. وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عن إِعطاءِ الزَّكاةِ لأَهلِ البِدعِ أو لمَن لا يُصلِّي، فقالَ: يَنبَغي للإِنسانِ أنْ يَتحرَّى بها المُستحِقِّينَ من الفُقراءِ والمَساكينِ والغارِمينَ وغيرِهم من أهلِ الدِّينِ، المُتَّبِعين للشَّريعةِ فمَن أظهَرَ بِدعةً أو فُجورًا، فإنَّه يَستحِقُّ العُقوبةَ بالهَجرِ وغيرِه ويَستحِقُّ الاستِتابةَ، فكيف يُعانُ على ذلك.

стр. 2103

وفي تارِكِ الصَّلاةِ قالَ: مَنْ لم يَكنْ مُصلِّيًا أُمرَ بالصَّلاةِ، فإنْ قالَ: أنا أُصلِّي، أُعطيَ، وإلَّا لم يُعطَ (١). وفي «الاختِيارات الفِقهيَّة» قالَ شَيخُ الإِسلامِ: ولا يَنبَغي أنْ تُعطَى الزَّكاةُ لمَن لا يَستعينُ بها على طاعةِ اللهِ، فإنَّ اللهَ تعالَى فرَضَها مَعونةً على طاعَتِه لمَن يَحتاجُ إليها من المُؤمِنينَ، كالفُقراءِ والغارِمينَ أو لمَن يُعاوِنُ المُؤمِنينَ. فمَن لا يُصلِّي من أهلِ الحاجاتِ لا يُعطَى شَيئًا حتى يَتوبَ، ويَلتزمَ أداءَ الصَّلاةِ في أَوقاتِها (٢). دَفعُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ والأبناءِ: قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يَجوزُ دَفعُها إلى الوالِدَينِ في الحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم (٣)؛ لأنَّ دفعَ زَكاتِه تُغنيهم عن نَفقتِه وتُسقِطُها عنه ويَعودُ نَفعُها إليه، فكأنَّه دفَعَها إلى نَفسِه، فلم تَجزْ، كما لو قَضى بها دَينَه (٤). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ والمَولودينَ عَلَوا أو سَفَلوا إلا مالِكًا، فإنَّه قالَ في الجَدِّ والجَدةِ فمَن وراءَهما: يَجوزُ دَفعُها إليهم، وكذلك إلى بَني البَنينِ لسُقوطِ نَفقتِهم عندَه (٥).

стр. 2104

والمَقصودُ بالوالِدَينِ: الأبُ والأمُّ وإنْ عَلَوا يَعنى أباءَهما وأُمهاتِهما، وإنِ ارتفَعَت دَرجتُهم من الدافِعِ، كأبَويِ الأبِ وأبَويِ الأمِّ وأبَوَي كلِّ واحِدٍ منهم وإنْ عَلتْ دَرجتُهم، مَنْ يَرثُ منهم ومَن لا يَرثُ. والمَقصودُ بالوَلدِ وإنْ سفَلَ: وإنْ نزَلَت دَرجتُه من أَولادِه البَنينَ والبَناتِ، الوارِثِ وغيرِ الوارِثِ، قالَ ابنُ قُدامةَ: نَصَّ عليه أحمدُ فقالَ: لا يُعطَى الوالدانِ من الزَّكاةِ ولا وَلدُ الوَلدِ ولا الجَدُّ ولا الجَدَّةُ ولا وَلدُ البِنتِ، قالَ النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ ابنِي هذا سَيدٌ»، يَعني الحَسنَ، فجعَلَه ابنَه؛ ولأنَّه من عَمودِ نَسبِه أشبَهَ الوارِثَ؛ ولأنَّ بينَهما قَرابةً جُزئيَّةً وبَعضيَّةً بخِلافِ غيرِها (١). لكنْ قد قيَّدَ ابنُ المُنذِرِ ﵀ نقْلَ الإِجماعِ على عَدمِ جَوازِ الدَّفعِ إلى الوالِدَينِ بالحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم، فإذا لم تَتحقَّقْ هذه الحالُ بأنْ كانَ الوَلدُ مُعسِرًا وملَكَ نِصابًا وجَبَت فيه الزَّكاةُ، فقد قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا كانَ الوَلدُ أو الوالِدُ فَقيرًا أو مِسكينًا وقُلنا في بعضِ الأَحوالِ: «لا تَجبُ نَفقتُه» فيَجوزُ لوالِدِه ووَلدِه دَفعُ الزَّكاةِ إليه من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه حينَئذٍ كالأجنَبيِّ (٢).

стр. 2105

وقالَ قبلَ ذلك: قالَ أَصحابُنا: لا يَجوزُ للإِنسانِ أنْ يَدفعَ إلى وَلدِه ولا والِدِه الذي يَلزمُه نَفقتُه من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ لعِلتَينِ: إحداهُما: أنَّه غَنيٌّ بنَفقتِه. والثانيةُ: أنَّه بالدَّفعِ إليه يُجابُ إلى نَفسِه نَفعًا، وهو مَنعُ وُجوبِ النَّفقةِ عليه. قالَ أَصحابُنا: ويَجوزُ أنْ يَدفعَ إلى وَلدِه ووالدِه من سَهمِ العامِلين والمُكاتَبينَ والغارِمينَ والغُزاةِ إذا كانَ الوَلدُ والوالِدُ بهذه الصِّفةِ، ولا يَجوزُ أنْ يَدفعَ إليه من سَهمِ المُؤلَّفةِ إنْ كانَ ممَّن يَلزمُه نَفقتُه؛ لأنَّ نَفعَه يَعودُ إليه، وهو إِسقاطُ النَّفقةِ، فإنْ كانَ ممَّن لا يَلزمُه نَفقَتُه جازَ دَفعُه إليه. وأمَّا سَهمُ ابنِ السَّبيلِ فالمَذهبُ أنَّه إذا كانَ من أَبناءِ السَّبيلِ أَعطاه من النَّفقةِ ما يَزيدُ على نَفقةِ الحَضرِ ويُعطيه المَركوبَ والحُمولةَ؛ لأنَّ هذا لا يَلزمُ المُنفِقَ ولا يُعطيه قَدرَ نَفقةِ الحَضرِ؛ لأنَّها لَازِمةٌ، وبهذا قطَعَ كَثيرونَ من الأَصحابِ أو أكثَرُهم، والثاني: وبه قطَعَ المَحامِليُّ، لا يُعطيه شَيئًا من النَّفقةِ، بل يُعطيه الحُمولةَ؛ لأنَّ نَفقتَه واجِبةٌ عليه في الحَضرِ والسَّفرِ، والحُمولةُ ليسَت بواجِبةٍ في السَّفرِ. قالَ أَصحابُنا المُتقدِّمونَ: له أنْ يُعطيَ وَلدَه ووالِدَه من سَهمِ العامِلِ إذا كانَ عامِلًا كما قدَّمْناه. قالَ القاضِي أبو الفُتوحِ من أَصحابِنا: هذا لا يَصحُّ؛ لأنَّه لا يُتصوَّرُ أنْ يُعطَى العامِلُ شَيئًا من زَكاتِه، قالَ صاحِبُ الشامِلِ: أرادَ الأَصحابُ إذا كانَ الدافِعُ هو الإمامَ فله أنْ يُعطيَ وَلدَ رَبِّ المالِ ووالِدَه من سَهمِ العامِلِ إذا كانَ عامِلًا من زَكاةِ والِدِه ووَلدِه، هذا كلُّه إذا كانَ الذي يُعطيه هو الذي يَلزمُه نَفقتُه، فلو أَعطاه غيرُه فقد أطلَقَ الخُراسانيُّونَ

стр. 2106

فيه وَجهَينِ أصَحُّهما: لا يُعطَى؛ لأنَّه مُستَغنٍ بالنَّفقةِ الواجِبةِ له على قَريبِه. وأمَّا إذا كانَ الوَلدُ أو الوالِدُ فَقيرًا مِسكينًا وقُلنا في بعضِ الأَحوالِ: لا تَجبُ نَفقتُه يَجوزُ لوالِده ووَلدِه دَفعُ الزَّكاةِ إليه من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه حينَئذٍ كالأجنَبيِّ (١). وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عن دَفعِها إلى والِدَيه ووَلدِه الذين لا تَلزمُه نَفقَتُهم: هل يَجوزُ أو لا؟ فأجابَ: الذين يَأخذونَ الزَّكاةَ صِنفانِ: صِنفٌ يَأخذُ لحاجَتِه كالفَقيرِ والغارِمِ لِمَصلحةِ نَفسِه. وصِنفٌ يَأخذُها لِحاجةِ المُسلِمينَ، كالمُجاهدِ والغارِمِ في إِصلاحِ ذاتِ البَينِ، فهؤلاء يَجوزُ دَفعُها إليهم وإنْ كانوا من أقارِبه، وأمَّا دَفعُها إلى الوالِدَينِ إذا كانوا غارِمينَ أو مُكاتَبينَ ففيها وَجهانِ، والأظهَرُ جَوازُ ذلك. وأمَّا إنْ كانوا فُقراءَ وكانَ هو عاجِزًا عن نَفقتِهم فالأَقوى جَوازُ دَفعِها إليهم في هذه الحالِ؛ لأنَّ المُقتَضى مَوجودٌ والمانِعَ مَفقودٌ فوجَبَ العَملُ بالمُقتَضى السالِمِ عن المُعارِضِ المُقاوِمِ (٢). وسُئلَ عن امرأةٍ فَقيرةٍ وعليها دَينٌ ولها أولادٌ صِغارٌ ولهم مالٌ وهُم تحتَ الحَجرِ هل يَجوزُ أنْ يَدفَعوا زَكاتَهم إلى جَدتِهم أو لا؟ وهل هي أَوْلى من غيرِها أو لا؟

стр. 2107

فأجابَ: أمَّا دَفعُ زَكاتِهم إليها لقَضاءِ دَينِها فيَجوزُ في أظهَرِ قَولَي العُلماءِ، وهو أحَدُ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وكذلك دَفعُها إلى سائِرِ الأقارِبِ لِأجلِ الدَّينِ. وأمَّا دَفعُها لِأجلِ النَّفقةِ فإنْ كانَت مُستغنيةً بنَفقَتِهم أو نَفقةِ غيرِهم لم تُدفعْ إليها، وإنْ كانَت مُحتاجةً إلى زَكاتِهم دُفِعت إليها في أظهَرِ قَولَيِ العُلماءِ، وهي أحَقُّ من الأجانِبِ واللهُ أعلمُ (١). وسُئلَ ﵀ هل مَنْ كان عليه دَينٌ يَجوزُ له أنْ يَأخذَ من زَكاةِ أبيه لقَضاءِ دَينِه أو لا؟ فأجابَ: إذا كانَ على الوَلدِ دَينٌ ولا وَفاءَ له جازَ له أنْ يَأخذَ من زَكاةِ أبيه في أظهَرِ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وأمَّا إنْ كانَ مُحتاجًا إلى النَّفقةِ وليسَ لِأبيه ما يُنْفِقُ عليه ففيه نِزاعٌ، والأظهَرُ أنَّه يَجوزُ له أخذُ زَكاةِ أبيه. وأمَّا إنْ كانَ مُستغنيًا بنَفقةِ أبيه فلا حاجةَ به إلى زَكاتِه واللهُ أعلمُ (٢). دَفعُ الزَّكاةِ إلى مَنْ يَرِثُه من أقارِبِه: اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ دَفعِ الزَّكاةِ إلى مَنْ يَرِثُه من أقارِبه، كالإخوةِ والعُمومةِ وأَولادِهم.

стр. 2108

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إلى مَنْ يَرثُه من أقارِبه كالإخوةِ والعُمومةِ وأَولادِهم ومن لا يَرثُه (١). وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إلى مَنْ يَرثُه من أقارِبه. قالَ في «المُغني»: فأمَّا سائِرُ الأَقاربِ فمَن لا يُورَّثُ منهم يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إليه سَواءٌ كان انتِفاءُ الإرثِ لانتِفاءِ سَببِه لِكونِه بَعيدَ القَرابةِ ممَّن لم يُسمِّ لهم اللهُ تعالَى ولا رَسولُه ﷺ مِيراثًا، أو كانَ لِمانِعٍ مثلَ أنْ يَكونَ مَحجوبًا عن المِيراثِ كالأخِ المَحجوبِ بالابنِ أو الأبِ والعَمِّ المَحجوبَينِ بالأخِ وابنِه وإنْ نزَلَ، فيَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إليه؛ لأنَّه لا قَرابةَ جُزئيَّةً بينَهما ولا مِيراثَ، فأشبَها الأجانبَ، وإنْ كانَ بينَهما مِيراثٌ كالأخوَينِ اللذَين يَرثُ كلُّ واحِدٍ منهما الآخَرَ ففيه رِوايتانِ: إحداهُما: يَجوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما دَفعُ زَكاتِه إلى الآخَرِ، وهي الظاهِرةُ عنه، رَواها عنه الجَماعةُ، قالَ في رِوايةِ إِسحاقَ بنِ إبراهيمَ وإِسحاقَ بنِ مَنصورٍ وقد سألَه: يُعطَى الأخُ والأُختُ والخالةُ من الزَّكاةِ؟ قالَ: يُعطَى كلُّ القَرابةِ إلا الأبوَينِ والوَلدَ، وهذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ، قالَ أبو عُبيدٍ: هو القَولُ عِندي لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الصَّدقةُ على المِسكينِ صَدقةٌ وعلَى ذِي القَرابةِ اثنَتانِ: صَدقةٌ وَصلَةٌ» (٢).

стр. 2109

فلم يَشتَرطْ نافِلةً ولا فَريضةً، ولم يُفرِّقْ بينَ الوارِثِ وغيرِه؛ ولأنَّه ليسَ من عَمودَيِ نَسبِه فأشبَه الأجنَبيَّ. والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يَجوزُ دَفعُها إلى المُورَّثِ، وهو ظاهِرُ قَولِ الخِرقيِّ لقَولِه: ولا لمَن تَلزمُه مُؤنَتُه (١). وسُئِل شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عن دَفعِ الزَّكاةِ إلى أَقاربِه المُحتاجين الذين لا تَلزمُه نَفقتُهم هل هو الأفضلُ أو دَفعُها إلى الأجنبيِّ؟ فأجابَ: أمَّا دَفعُ الزَّكاةِ إلى أَقاربِه فإنْ كانَ القَريبُ الذي يَجوزُ دَفعُها إليه حاجَتُه مِثلُ حاجةِ الأجنَبيِّ إليها فالقَريبُ أَوْلى، وإنْ كانَ البَعيدُ أحوَجَ لم يُحابَ بها القَريبُ، قالَ أحمدُ عن سُفيانَ بنِ عُيَينةَ: كانوا يَقولونَ: لا يُحابي بها قَريبًا ولا يَدفَعُ بها مَذمَّةً ولا يَقي بها مالَه (٢). دَفعُ الزَّوجِ زَكاةَ مالِه إلى زَوجتِه: لا يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَدفعَ زَكاتَه إلى زَوجتِه بإِجماعِ أهلِ العِلمِ. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الرَّجلَ لا يُعطِي زَوجتَه من الزَّكاةِ، وذلك لأنَّ نَفقتَها واجِبةٌ عليه، وهي غَنيَّةٌ بغِناه (٣). فتَستغنِي بها عن أخذِ الزَّكاةِ فلم يَجزْ دَفعُها إليها، كما لو دفَعَها إليها على سَبيلِ الإِنفاقِ عليها (٤).

стр. 2110

وقالَ الكاسانيُّ ﵀: ولا يَجوزُ أنْ يَدفعَ الرَّجلُ الزَّكاةَ إلى زَوجتِه بالإِجماعِ (١). وقالَ الحَنفيةُ: لأنَّ المَنافِعَ بينَ الزَّوجَينِ مُشتَركةٌ (٢). ومَحلُّ المَنعِ إِعطاؤُها من الزَّكاةِ لتُنفِقَها على نَفسِها، فأمَّا لو أَعطاها ما تَدفَعُه في دَينِها أو لتُنفِقَه على غيرِها من المُستحقِّينَ فلا بأسَ، على ما صرَّحَ به المالِكيةُ، وقَريبٌ منه ما قالَه الشافِعيةُ: إنَّ المَمنوعَ إِعطاؤُها من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ، أمَّا من سَهمٍ آخَرَ هي مُستحِقَّةٌ له فلا بأسَ، وهو ما يُفهَمُ أيضًا من كَلامِ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ ﵀ (٣). دَفعُ الزَّوجةِ زَكاتَها إلى زَوجِها: وأمَّا دَفعُ الزَّوجةِ من زَكاتِها إلى زَوجِها الفَقيِر أو المِسكينِ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك هل يَجوزُ دَفعُها إليه أو لا؟ فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ (وهي الصَّحيحةُ في المَذهبِ) إلى أنَّه لا يَجوزُ للزَّوجةِ أنْ تَدفعَ زَكاةَ مالِها إلى زَوجِها؛ لأنَّه أحَدُ

стр. 2111

الزَّوجَينِ؛ فلم يَجزْ للآخَرِ دَفعُ زَكاتِه إليه كالآخَرِ؛ ولأنَّها تَنتفِعُ بدَفعِها إليه؛ لأنَّه إنْ كانَ عاجِزًا عن الإنفاقِ عليها تَمكَّنَ بأخذِ الزَّكاةِ من الإنفاقِ فيَلزمُه، وإنْ لم يَكنْ عاجِزًا ولكنَّه أيسَرَ بها لزِمَته نَفقةُ المُوسِرينَ فتَنتفعُ بها في الحالَينِ فلم يَجزْ لها ذلك؛ ولأنَّ الزَّوجَ لا يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ امرأتِه ولا تَصحُّ شَهادتُه لها. وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ والصاحبانِ من الحَنفيةِ -أبو يُوسفَ ومُحمدٌ- إلى جَوازِ أنْ تَدفعَ المَرأةُ زَكاتَها إلى زَوجِها؛ لحَديثِ عَمرِو بن الحارِثِ عن زَينَبَ امرَأةِ عبدِ اللَّهِ قالَت: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «تَصدَّقْنَ يا مَعشَرَ النِّساءِ ولَو من حُليِّكنَّ»، قالَت: فرَجَعتُ إلى عبدِ اللَّهِ فقُلتُ: إنَّكَ رَجلٌ خَفِيفُ ذَاتِ اليدِ (كِنايةً عن الفَقرِ) وإِنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قد أمَرَنا بالصَّدقةِ فأْتِه فاسأَله، فإنْ كانَ ذلك يُجزِئُ عنِّي وإلَّا صرَفْتُها إلى غيرِكم، قالَت: فقالَ لي عبدُ اللَّهِ: بَلْ ائتِيه أنتِ، قالَت: فانْطلَقتُ فإذا امرَأةٌ مِنْ الأَنصارِ بِبابِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ حاجَتِي حاجَتُها، قالَت: وكانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ قد أُلقيَت عليه المَهابةُ، قالَت: فخرَجَ علَينا بِلالٌ فقُلنا له: ائْتِ رَسولَ اللَّهِ ﷺ فأَخبِرهُ أنَّ امرَأتَينِ بالبابِ تَسأَلانِكَ أتُجزِئُ الصَّدقةُ عنهما على أَزواجِهِما وعلى أَيتامٍ في حُجورِهما؟ ولا تُخبِرهُ من نحنُ، قالَت: فدخَلَ بِلالٌ على رَسولِ اللَّهِ ﷺ فسَأَله فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ هما؟» فقالَ: امرَأةٌ مِنْ الأَنصارِ وزَينَبُ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أَيُّ: الزَّيانبِ؟» قالَ: امرَأةُ عبدِ اللَّهِ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لهما أَجرانِ: أَجرُ

стр. 2112

القَرابةِ وأَجرُ الصَّدقةِ» رَواه أحمدُ والشَّيخانِ، ولَفظُ البُخارِيِّ: «أَيُجزِئ عنِّي أنْ أُنفِقَ على زَوجِي وَأَيتامٍ لي في حِجرِي؟» (١). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀ في بَيانِ وَجهِ الجَوازِ: ولأنَّه (أي: الزَّوجَ) لا تَجبُ نَفقتُه عليها، فلا يُمنَعُ دَفعُ الزَّكاةِ إليه كالأَجنبيِّ، ويُفارِقُ الزَّوجةَ، فإنَّ نَفقتَها واجِبةٌ عليه؛ ولأنَّ الأصلَ جَوازُ الدَّفعِ؛ لدُخولِ الزَّوجِ في عُمومِ الأَصنافِ المُسَمَّينَ في الزَّكاةِ، وليسَ في المَنعِ نَصٌّ؛ ولا إِجماعٌ، وقياسُه على مَنْ ثبَتَ المَنعُ في حَقِّه غيرُ صَحيحٍ لوُضوحِ الفَرقِ بينَهما فيَبقَى جَوازُ الدَّفعِ ثابِتًا (٢). والدَّليلُ على الفَرقِ بينَ الزَّوجِ والزَّوجةِ من ناحيةِ العَقلِ والنَّظرِ ما قالَه أبو عُبيدٍ من أنَّ الرَّجلَ يُجبَرُ على نَفقةِ امرأتِه، وإنْ كانَت مُوسِرةً وليسَت تُجبَرُ على نَفقتِه وإنْ كانَ مُعسِرًا، فأيُّ اختِلافٍ أشَدُّ تَفاوُتًا من هَذينِ؟ (٣) أمَّا المالِكيةُ فقد قالَ الإمامُ مالِكٌ: لا تُعطِي المَرأةُ زَوجَها من زَكاتِها. واختَلفَ أَصحابُه في كَلامِه فحمَلَها بعضُهم بأنَّ مُرادَه عَدمُ الإِجزاءِ، وقالَ آخَرونَ بإِجزائِه مع الكَراهةِ (٤).

стр. 2113

قُلتُ: وقد نقَلَ ابنُ هُبيرةَ عن الإمامِ مالِكٍ أنَّه قالَ: إنْ كانَ يَستعينُ بما يَأخذُ منها على نَفقتِها فلا يَجوزُ، وإنْ كانَ يَصرِفُه على غيرِها أو نحوِ ذلك جازَ (١). وحَكى القُرطبيُّ ﵀ هذا القَولُ أو قَريبٌ منه عن أشهَبَ فقالَ: واختلَفوا في إِعطاءِ المَرأةِ زَكاتَها لزَوجِها فذكَرَ عن ابنِ حَبيبٍ أنَّه كان يَستعينُ بالنَّفقةِ عليها بما تُعطيه. وقالَ أبو حَنيفةَ ﵀: لا يَجوزُ، وخالَفه صاحباه فقالا: يَجوزُ، وهو الأصَحُّ لِما ثبَتَ أنَّ زَينبَ امرأةَ عبدِ اللهِ أتَتْ رَسولَ اللهِ ﷺ فقالَت: «إني أُريدُ أنْ أتصَدَّق على زَوجي أيُجزِئُني؟» فقالَ ﵇: «نَعم، لكِ أَجرانِ: أجرُ الصَّدقةِ وأجرُ القَرابةِ»، والصَّدقةُ المُطلَقةُ هي الزَّكاةُ؛ ولأنَّه لا نَفَقةَ للزَّوجِ عليها، فكانَ بمَنزِلةِ الأَجنبيِّ. اعتَلَّ أبو حَنيفةَ فقالَ: مَنافِعُ المُلَّاكِ بينَهما مُشتَركةٌ حتى لا تُقبَلُ شَهادةُ أحَدِهما لصاحِبِه، والحَديثُ مَحمولٌ على التَّطوُّعِ. وذهَبَ الشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأشهَبُ إلى إِجازةِ ذلك إذا لم يَصرِفْه إليها فيما يَلزمُه لها، وإنَّما يَصرِفُ ما يَأخذُه منها في نَفقتِه وكِسوَتِه على نَفسِه ويُنفِقُ عليها من مالِه (٢).

стр. 2114

الميِّتُ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ تَكفينُ الميِّتِ من مالِ الزَّكاةِ، واختلَفوا في قَضاءِ دَينِ الميِّتِ من مالِ الزَّكاةِ هل يَجوزُ أو لا؟ وقد تَقدَّمت المَسألةُ في حُكمِ قَضاءِ دَينِ الميِّتِ من الزَّكاةِ: جِهاتُ الخَيرِ من غيرِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ إلى غيرِ مَنْ ذكَرَهم اللهُ تعالَى من بِناءِ المَساجدِ والقَناطرِ والسِّقاياتِ وإِصلاحِ الطُّرُقاتِ وسَدِّ البُثوقِ وتَكفينِ المَوتى والتَّوسِعةِ على الأَضيافِ وأَشباهِ ذلك من القُربِ التي لم يَذكُرْها اللهُ تَعالى، واحتجُّوا لذلك بأمرَينِ: الأوَّلُ: أنَّه لا تَمليكَ فيها؛ لأنَّ المَسجدَ ونَحوَه لا يُملَّكُ، وهذا عندَ مَنْ يَشتَرطُ في الزَّكاةِ التَّمليكَ. والثاني: الحَصرُ الذي في الآيةِ فإنَّ المَساجدَ ونَحوَها ليسَت من الأَصنافِ الثَّمانيةِ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠] و «إنَّما» للحَصرِ والإثباتِ، تُثبِتُ المَذكورَ وتَنفي ما عَداه (١).

стр. 2115

احتِسابُ المُكسِ (الضَّرائبِ) ونَحوِها من الزَّكاةِ: نَصَّ عامَّةُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَحتسِبَ الإِنسانُ المُكوسَ التي يَدفعُها أو الضَّرائبَ التي يَدفعُها من زَكاةِ مالِه؛ لأنَّه يَأخذُها بغيرِ اسمِ الزَّكاةِ ويَصرِفُها الحاكِمُ لغيرِ الأَصنافِ التي تَجبُ لها الزَّكاةُ، فلا يَجوزُ، وإنْ نَوى ذلك لا يُجزئُه ويَجبُ عليه أنْ يُخرجَ زَكاةَ مالِه. قالَ الإمامُ ابنُ عابدِين ﵀: قالَ في البزَّازيةِ: إذا نَوى أنْ يَكونَ المُكسُ زَكاةً فالصَّحيحُ أنَّه لا يَقعُ عن الزَّكاةِ، كذا قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ. وأشارَ بالصَّحيحِ إلى القَولِ بأنَّه إذا نَوى عندَ الدَّفعِ التَّصدُّقَ على المُكاسِ جازَ؛ لأنَّه فَقيرٌ بما عليه من التَّبِعاتِ (١). وعندَ المالِكيةِ أفتَى الشَّيخُ عليشٌ فيمَن يَملِكُ نِصابًا من الأَنعامِ، فجعَلَ عليه الحاكِمُ نَقدًا مَعلومًا كلَّ سَنةٍ، يَأخذُ بغيرِ اسمِ الزَّكاةِ، فلا يَسوغُ له أنْ يَنويَ به الزَّكاةَ، وإنْ نَواها لا تَسقطُ عنه، وقالَ: أَفتى به الناصِرُ اللَّقانِيُّ والحَطابُ (٢). وقالَ الموَّاقُ: إذا أخَذَها الظالِمُ بغيرِ اسمِ الزَّكاةِ لا تُجزِئُ (٣). وعندَ الشافِعيةِ قالَ النَّوويُّ في «المَجموع»: اتَّفق الأَصحابُ على أنَّ الخَراجَ المَأخوذَ ظُلمًا لا يَقومُ مَقامَ العُشرِ، فإنْ أخَذَه السُّلطانُ على أنْ

стр. 2116

يَكونَ بَدلَ العُشرِ فهو كأخذِ القيمةِ، وفي سُقوطِ الفَرضِ به خِلافٌ، والصَّحيحُ السُّقوطُ به، فعلى هذا إنْ لم يَبلُغْ قَدرَ العُشرِ أخرَجَ الباقيَ (١). وأَفتى ابنُ حَجرٍ الهَيتَميُّ بأنَّ ما يُؤخَذُ من التُّجارِ من المُكسِ لا يُحتسَبُ زَكاةً ولو نَوى به الزَّكاةَ؛ لأنَّ الإمامَ لم يَأخذْه باسمِ الزَّكاةِ (٢). وقالَ في «إعانة الطالِبينَ»: وبهذا يُعلَمُ أنَّ المُكسَ لا يُجزئُ عن الزَّكاةِ إلا إنْ أخَذَه الإمامُ أو نائِبُه على أنَّه بَدلٌ عنها باجتِهادٍ أو تَقليدٍ صَحيحٍ، ليسَ مُطلَقًا؛ خِلافًا لمَن وهِمَ فيه (٣). وعندَ الحَنابِلةِ رِوايتانِ فيما يَأخذُه الساعِي فوقَ حَقِّه ونَوى به المالِكُ الزَّكاةَ للعامِ القابِلِ: إحداهُما: يُجزئُ، والأُخرى: لا يُجزِئُ (٤).

стр. 2117

وفي فَتاوى شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ ﵀ أنَّه سُئلَ: هل يُجزِئُ الرَّجلَ عن زَكاتِه ما يُغرِّمُه وُلاةُ الأُمورِ في الطُّرقاتِ أو لا؟ فأجابَ: ما يَأخذُه وُلاةُ الأُمورِ بغيرِ اسمِ الزَّكاةِ لا يُعتَدُّ به من الزَّكاةِ (١) (٢).

стр. 2118

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2119

نَقلُ الزَّكاةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ نَقلِ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى آخَرَ إذا فاضَت واستَغنى أهلُها عنها؛ لكَثرةِ مالِ الزَّكاةِ، أو لانعِدامِ الأَصنافِ أو لقِلةِ عَددِها، بل قالوا: يَجبُ. إلا أنَّهم قد اختلَفوا في نَقلِها من بَلدٍ إلى بَلدٍ عِنْدَ عَدمِ الاستِغناءِ. فيَرى الحَنفيةُ أنَّه يُكرهُ تَنزيهًا نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ إلا أنْ يَنقُلَها إلى قَرابةٍ مُحتاجينَ؛ لِما في ذلك مِنْ صِلةِ الرَّحمِ … أو إلى فَردٍ أو جَماعةٍ هُمْ أمسُّ حاجةً من أهلِ بَلدِه … أو كانَ نَقلُها أصلَحَ للمُسلِمينَ، أو مِنْ دارِ الحَربِ إلى دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّ فُقراءَ المُسلِمينَ أفضَلُ وأَوْلى بالمَعونةِ من فُقراءِ دارِ الحَربِ، أو إلى عالِمٍ أو طالِبِ عِلمٍ، لِما فيه من إِعانةٍ على رِسالتِه، أو كانَ نَقلُها إلى مَنْ هو أورَعُ أو أصلَحُ أو أنفَعُ للمُسلِمينَ، أو كانَت الزَّكاةُ مُعجَّلةً قبلَ تَمامِ الحَولِ؛ فإنَّه في هذه الصُّورِ جَميعًا لا يُكرهُ له النَّقلُ (١). وقالَ المالِكيةُ: يَجبُ تَفرِقةُ الزَّكاةِ بمَوضعِ الوُجوبِ أو قُربِه، وهو ما دونَ مَسافةِ القَصرِ؛ لأنَّه في حُكمِ مَوضِعِ الوُجوبِ.

стр. 2120

فإنْ لم يَكنْ بمَحلِّ الوُجوبِ أو قُربَه مُستحِقٌّ فإنَّها تُنقَلُ كلُّها وُجوبًا لمَحلٍّ فيه مُستحِقٌّ ولو على مَسافةِ القَصرِ، وإنْ كانَ في مَحلِّ الوُجوبِ أو قُربَه مُستحِقٌّ تَعيَّنَ تَفرِقتُها في مَحلِّ الوُجوبِ أو قُربَه. ولا يَجوزُ نَقلُها مَسافةَ القَصرِ إلا أنْ يَكونَ المَنقولُ إليهم أعدَمَ (أحوَجَ وأفقَرَ) فيَجبُ نَقلُ أكثَرِها لهم، فإنْ نقَلَها كلَّها أو فرَّقَها كلَّها بمَحلِّ الوُجوبِ أجزَأتْ وأثِمَ. فأمَّا إنْ نقَلَها إلى غيرِ أعدَمَ وأحوَجَ فذلك له صُورتانِ: الأُولى: أنْ يَنقُلَها إلى مُساوٍ في الحاجةِ لمَن هو في مَوضعِ الوُجوبِ، فهذا لا يَجوزُ، وتُجزِئُ الزَّكاةُ، أي: ليسَ عليه إِعادتُها. والثانية: أنْ يَنقُلَها إلى مَنْ هو أقَلُّ حاجةً ففيها قَولانِ: ما نَصَّ عليه «خَليلٌ» في «مُختصَرِه» أنَّها لا تُجزِئُ، والثاني: ما نقَلَه ابنُ رُشدٍ و «الكافي» وهو الإِجزاءُ؛ لأنَّها لم تَخرُجْ عن مَصارفِها (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ آخَرَ، بل يَنبَغي أنْ يُفرِّقَ الزَّكاةَ في بَلدِ المالِ، فلو نقَلَها إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ حرُمَ عليه. وهل يُجزِئُه؟ على قولَينِ: أحَدُهما: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ لِأصنافِ بَلدٍ، فإذا نُقلَ عنهم إلى غيرِهم لا يُجزِئُه كالوَصيَّةِ بالمالِ لِأصنافِ البَلدِ.

стр. 2121

والثاني: يُجزِئُه؛ لأنَّهم من أهلِ الصَّدقاتِ فأشبَهَ أَصنافَ البَلدِ الذي فيه المالُ. والصَّحيحُ عندَهم أنَّه لا فَرقَ بينَ النَّقلِ إلى مَسافةِ القَصرِ ودُونَها (١). وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ إلى بَلدٍ تُقصَرُ إليه الصَّلاةُ، بل يَحرُمُ، وسَواءٌ في ذلك نقَلَها لرَحمٍ أو شدَّةِ حاجةٍ. وعن الإمامِ أحمدَ يُكرهُ مِنْ غيرِ تَحريمٍ. وعنه: يَجوزُ نَقلُها إلى الثُّغورِ، وعلَّلَه القاضِي بأنَّ مُرابَطةَ الغازِي بالثَّغرِ قد تَطولُ ولا يُمكِنُه المُفارَقةُ. قالَ في «الإِنصاف»: وعنه يَجوزُ نَقلُها إلى الثَّغرِ وغيرِه مع رُجحانِ الحاجةِ. قالَ في «الفائِق»: وقيل: تُنقَلُ لمَصلحةٍ راجِحةٍ كقَريبٍ ومُحتاجٍ ونَحوِه، وهو المُختارُ، واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ وقالَ: يُقيَّدُ ذلك بمَسيرةِ يَومَينِ وتَحديدُ المَنعِ من نَقلِ الزَّكاةِ بمَسافةِ القَصرِ ليسَ عليه دَليلٌ شَرعيٌّ. واختارَ الآجُريُّ جَوازَ نَقلِها للقَرابةِ. والصَّحيحُ عندَهم أنَّه يَجوزُ نَقلُها إلى ما دونَ مَسافةِ القَصرِ وهو المَذهبُ، وعلى القَولِ بحُرمةِ النَّقلِ هل تُجزِئُه؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: تُجزِئُه، وهي المَذهبُ، قالَ القاضِي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَقتَضي ذلك، والرِّوايةُ الثانيةُ: لا تُجزِئُه، اختارَها الخِرقيُّ وابنُ حامِدٍ والقاضِي (٢).

стр. 2122

وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عمَّن له زَكاةٌ وله أَقاربُ في بَلدٍ تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ وهم مُستحِقونَ الصَّدقةَ فهل يَجوزُ أنْ يَدفعَها إليهم أو لا؟ فأجابَ: الحَمدُ للهِ، إذا كانوا مُحتاجينَ مُستحِقِّين للزَّكاةِ ولم تَحصلْ لهم كِفايَتُهم من جِهةٍ غيرِه فإنَّه يُعطيهم من الزَّكاةِ، ولو كانوا في بَلدٍ بَعيدٍ واللهُ أعلمُ (١). دَفعُ القيمةِ في الزَّكاةِ هل يُجزِئُ أو لا؟ إذا وجَبَ على رَبِّ المالِ شاةٌ في غَنمِه، أو ناقةٌ في إبلِه، أو أردَبٌّ في قَمحِه، أو قِنطارٌ في ثَمرِه وفاكِهتِه، فهل يَتحتَّمُ أنْ يُخرجَ هذه الأشياءَ عينَها، أو يُخيَّرُ بينَها وبينَ أداءِ قيمَتِها بالنُّقودِ مَثلًا، فإذا أخرَجَ القيمةَ أجزَأتْه وصحَّت زَكاتُه؟ اختَلفَ في ذلك الفُقهاءُ على أَقوالٍ: فمِنهم من يَمنعُ ذلك، ومنهم مَنْ يُجيزُه بلا كَراهةٍ، ومنهم مَنْ يُجيزُه مع الكَراهةِ، ومنهم مَنْ يُجيزُه في بعضِ الصُّورِ دونَ بَعضٍ. فعندَ الشافِعيةِ (كما يَقولُ النَّوويُّ): مَذهبُنا أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في شَيءٍ من الزَّكَواتِ (٢). ويُقابِلُهم الحَنفيةُ فهم يُجيزونَ إِخراجَها في كلِّ حالٍ (٣).

стр. 2123

وعندَ المالِكيةِ والحَنابِلةِ رِواياتٌ وأَقوالٌ. فقد جاءَ في كُتبِ المالِكيةِ كما في «حاشية الدُّسوقيِّ» وغيرِه أنَّه قالَ: إنَّ دَفعَ القيمةِ لا يُجزئُ. قالَ الدُّسوقيُّ: وقد تبِعَ فيه المُصنِّفُ ابنَ الحاجِبِ وابنَ بَشيرٍ. وقد اعتَرضَه في «التَّوضيح» بأنَّه خِلافُ ما في «المُدوَّنة». ونَصُّه المَشهورُ في إِعطاءِ القيمةِ: أنَّه مَكروهٌ لا مُحرَّمٌ (١). وقالَ في «المُدوَّنة»: وسمِعتُ مالِكًا قالَ في رَجلٍ أجبَرَ قَومًا وكانَ ساعِيًا على أنْ يَأخذَ منهم دَراهمَ فيما وجَبَ عليهم من صَدقتِهم، فقالَ: أَرجو أنْ تُجزِئَ عنهم. قالَ الشُّيوخُ: لأنَّه حاكِمٌ وحُكمُ الحاكِمِ يَرفعُ الخِلافَ. وأمَّا عندَ الحَنابِلةِ فقد ذكَرَ في «المُغني» أنَّ ظاهِرَ مَذهبِ أحمدَ: أنَّه لا

стр. 2124

يُجزئُ إِخراجُ القيمةِ في شَيءٍ من الزَّكواتِ، لا في زَكاةِ الفِطرِ، ولا في زَكاةِ المالِ؛ لأنَّه خِلافُ السُّنةِ. ورُويَ عن أحمدَ القَولُ بالجَوازِ فيما عدا الفِطرةَ، قالَ أبو داودَ: سُئلَ أحمدُ عن رَجلٍ باعَ ثَمرةَ نَخلِه؟ فقالَ: عُشرُه على الذي باعَه، قيلَ له: فيُخرجُ تَمرًا أو ثَمنَه؟ قالَ: إنْ شاءَ أخرَجَ تَمرًا، وإنْ شاءَ أخرَجَ الثَّمنَ. وهذا دَليلٌ على جَوازِ إِخراجِ القيمةِ. أمَّا زَكاةُ الفِطرِ فقد شدَّدَ فيها، ولم يُجِزْ إِعطاءَ القيمةِ. قالَ أبو داودَ: قيلَ لِأحمدَ وأنا أسمَعُ: أُعطِي دَراهمَ -يَعني: في صَدقةِ الفِطرِ-؟ قالَ: أخافُ ألَّا يُجزِئَه، خِلافَ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ (١). وسيَأتي تَفصيلُ المَسألةِ كامِلةً في حُكمِ إِخراجِ القِيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ بتَوسُّعٍ.

стр. 2125

فصل في زَكاةُ الفِطرِ تَعريفُ زَكاةِ الفِطِر: من مَعاني الزَّكاةِ في اللُّغةِ: النَّماءُ والزِّيادةُ والصَّلاحُ وصَفوةُ الشَّيءِ وما أخرَجتَه من مالِكَ لتُطهِّرَه به. والفِطرُ: اسمُ مَصدَرٍ من قَولِك: أفطَرَ الصائِمُ إِفطارًا (١). وأُضيفَت الزَّكاةُ إلى الفِطرِ؛ لأنَّه سَببُ وُجوبِها، وقيلَ لها: فِطرةٌ، كأنَّها من الفِطرةِ التي هي الخِلقةُ (٢). وقالَ صاحِبُ «المِصباح المُنير»: «وقَولُهم: تَجبُ الفِطرةُ، هو على حَذفِ مُضافٍ، والأصلُ تَجبُ زَكاةُ الفِطرةِ وهي البَدنُ، فحُذفَ المُضافُ وأُقيمَ المُضافُ إليه مَقامَه، واستُغنيَ به في الاستِعمالِ لفَهمِ المَعنى» (٣). قالَ ابنُ قُتَيبةَ: «قيلَ لزَكاةِ الفِطرِ فِطرةٌ، والفِطرةُ الخِلقةُ، ومنه قَولُ اللهِ : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: على جِبلَّتِه

стр. 2126

التي جبَلَ الناسَ عليها، يُرادُ أنَّها صَدقةٌ عن المالِ» (١). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: «وأُضيفَتِ الصَّدقةُ للفِطرِ لكَونِها تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ» (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يُقالُ: زَكاةُ الفِطرِ وصَدقةُ الفِطرِ، ويُقالُ لِلمُخرَجِ فِطرةٌ، بكَسرِ الفاءِ لا غَيرُ، وهي لَفظةٌ مُولَّدةٌ لا عَربيَّةٌ، بل اصطِلاحيَّةٌ للفُقهاءِ، وكأنَّها من الفِطرةِ التي هي الخِلقةُ، أي: زَكاةُ الخِلقةِ (٣).

стр. 2127

الزَّكاةُ في الاصطِلاحِ: تَعدَّدت تَعريفاتُ الفُقهاءِ في زَكاةِ الفِطرِ كما يَلي: ١ - عرَّفَها الحَنفيةُ بأنَّها اسمٌ لِما يُعطَى من المالِ بطَريقِ الصِّلاتِ والعِبادةِ تَرحُّمًا مُقدَّرًا (١). ٢ - وعرَّفَها المالِكيةُ تَعريفَينِ: الأولُ على أنَّ الفِطرَ مَصدرٌ: بأنَّها إِعطاءُ مُسلِمٍ فَقيرٍ لقُوتِ يومِ الفِطرِ صاعًا من أغلَبِ القُوتِ أو جُزأَه المُسمَّى للجُزءِ المَقصورِ وُجوبُه عليه.

стр. 2128

وتَعريفُها على أنَّها اسمٌ: صاعٌ يُعطَى مُسلِمًا فَقيرًا لقُوتِ يومِ الفِطرِ من غالِبِ القُوتِ أو جُزؤُه المُسمَّى للجُزءِ المَقصورِ وُجوبُه عليه. والجامِعُ أنْ يُقالَ: عِبادةٌ مُقدَّرةٌ وجَبَ التَّصدُّقُ بها لمَعنًى في زَمنٍ خاصٍّ (١). ٣ - عرَّفَها الشافِعيةُ: بأنَّها قَدرٌ مُعيَّنٌ من المالِ، يَجبُ إِخراجُه عندَ غُروبِ الشَّمسِ آخرَ يَومٍ من رَمضانَ، بشُروطٍ مُعيَّنةٍ على كلِّ مُكلَّفٍ ومَن تَلزمُه نَفقتُه. ٤ - عرَّفَها الحَنابِلُة بأنَّها: صَدقةٌ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في قَولِه : ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ [الأعلى: ١٤]: هو زَكاةُ الفِطرِ، وأُضيفَت هذه الزَّكاةُ إلى الفِطرِ؛ لأنَّها تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، وقالَ ابنُ قُتَيبةَ: وقيلَ لها: فِطرةٌ؛ لأنَّ الفِطرةَ الخِلقةُ. قالَ اللهُ : ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، أي: جِبلَّتَه التي جبَلَ الناسَ عليها، وهذه يُرادُ بها الصَّدقةُ عن البَدنِ والنَّفسِ كما كانَت الأُولى صَدقةً عن المالِ (٣). ويُمكنُ أنْ تُعرَّفَ بتَعريفٍ جامِعٍ بأنَّها: صَدقةٌ واجِبةٌ بالفِطرِ من رَمضانَ على المُكلَّفِ المالِكِ لمِقدارِها فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ (عِيالِه) ومَن يَمونُه يومَ العيدِ ولَيلتَه، عن نَفسِه وعمَّن تَجبُ عليه نَفقتُه.

стр. 2129

أسماءُ زَكاةِ الفِطرِ: ورَدت زَكاةُ الفِطرِ في نُصوصِ الشارِعِ وكَلامِ الفُقهاءِ بأَسماءٍ وأَلفاظٍ مُختلِفةٍ، منها: ١ - زَكاةُ الفِطرِ: وهي بهذا الاسمِ أكثَرُ شُهرةً ووُرودًا في الأَحاديثِ النَّبويةِ الشَّريفةِ، منها على سَبيلِ المِثالِ حَديثُ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ على كلِّ حرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى من المُسلِمينَ» (١). ٢ - صَدقةُ الفِطرِ: وهي ثاني الأَسماءِ في الشُّهرةِ والوُرودِ، وقد ورَدَ هذا اللَّفظُ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أيضًا قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ صَدقةَ الفِطرِ صاعًا من شَعيرٍ أو صاعًا من تَمرٍ على الصَّغيرِ والكَبيرِ والحرِّ والمَملوكِ» (٢). ٣ - صَدقةُ رَمضانَ: وقد ورَدَ هذا الاسمُ في لَفظٍ من حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أيضًا قالَ: «فرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدقةَ رَمضانَ على الحرِّ والعَبدِ والذَّكرِ والأُنثَى صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ، قالَ: فعدَلَ الناسُ به نِصفَ صاعٍ من بُرٍّ» (٣). ٤ - زَكاةُ رَمضانَ: وقد ورَدَ أيضًا في لَفظٍ من أَلفاظِ حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ

стр. 2130

عُمرَ ﵄ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ رَمضانَ على الحرِّ والعبدِ والذَّكرِ والأُنثَى صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ» (١). ٥ - الفِطرةُ: وهذه التَّسميةُ الأصلُ فيها أنَّها اسمٌ للمُخرَجِ في زَكاةِ الفِطرِ. قالَ النَّوويُّ ﵀: «الفِطرةُ بكَسرِ الفاءِ اسمٌ للمُخرَجِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو اسمٌ مُولَّدٌ، ولَعلَّها من الفِطرةِ التي هي الخِلقةُ (٢). وقالَ أبو مُحمدٍ الأبهَريُّ: مَعناها: زَكاةُ الخِلقةِ، كأنَّها زَكاةُ البَدنِ (٣). وفي «المِصباح المُنير»: وقَولُهم: تَجبُ الفِطرةُ، الأصلُ: تَجبُ زَكاةُ الفِطرةِ، وهي البَدنُ، فحُذفَ المُضافُ وأُقيمَ المُضافُ إليه مَقامَه واستُغنيَ به في الاستِعمالِ لفَهمِ المَعنى (٤). ٦ - زَكاةُ الرُّؤوسِ أو الرِّقابِ أو الأَبدانِ: وهي بهذه الأَسماءِ يُسمِّيها الفُقهاءُ، والمُرادُ بالبَدنِ الشَّخصُ، لا ما يُقابِلُ الرُّوحَ أو النَّفسَ. قالَ ابنُ عابدِين: ولِهذا نقَلَ بعضُهم أنَّها تُسمَّى صَدقةَ الرأسِ وزَكاةَ البَدنِ (٥).

стр. 2131

حُكمُ زَكاةِ الفِطرِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في حُكمِ زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: واجِبةٌ، وهو قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ من السَّلفِ والخَلفِ، بل لقد حَكى جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ الإِجماعَ على وُجوبِها. استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ: أولًا: من الكِتابِ: ١ - قَولُه تَعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، ووَجهُ الاستِدلالِ بالآيةِ الكَريمةِ أنَّها اشتمَلت على الأمرِ بإيتاءِ الزَّكاةِ، والأمرُ يُفيدُ الوُجوبَ، فدَلَّ ذلك على وُجوبِ الزَّكاةِ، ولَفظُ الزَّكاةِ في الآيةِ عامٌّ يَشمَلُ زَكاةَ الفِطرِ كما يَشمَلُ زَكاةَ الأَموالِ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وفي سَماعِ زِيادِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ: قالَ سُئلَ مالِكٌ عن تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣] هي الزَّكاةُ التي قُرِنت بالصَّلاةِ؟ فسَمِعتُه يَقولُ هي زَكاةُ الأَموالِ كلِّها من الذَّهبِ والوَرِق والثِّمارِ والحُبوبِ والمَواشي وزَكاةِ الفِطرِ، وتلا: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] (٢).

стр. 2132

٢ - قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [التوبة: ١٠٣]. ووَجهُ الاستِدلالِ من الآيةِ الكَريمةِ أنَّها اشتمَلت على إِثباتِ الفَلاحِ لمَن تَزكَّى، وهذا يَدلُّ على وُجوبِ الزَّكاةِ؛ لأنَّه ثبَتَ قَصرُ الفَلاحِ لمَن اقتصَرَ على الواجِباتِ. قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وثبَتَ في الصَّحيحَينِ إِثباتُ حَقيقةِ الفَلاحِ لمَن اقتَصرَ على الواجِبات (١). والزَّكاةُ التي ثبَتَ وُجوبُها في هذه الآيةِ هي زَكاةُ الفِطرِ كما هو قَولُ جَماعةٍ من أهلِ العِلمِ كسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وغيرِهما (٢). وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ في قَولِه تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥]، قالَ: أي: تَطهَّر بأداءِ زَكاةِ الفِطرِ وصلَّى صَلاةَ العِيدِ (٣). وقالَ الحافِظُ ابنٍ حَجرٍ ﵀ في قَولِه تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤] قالَ: ثبَتَ أنَّها نزَلَت في زَكاةِ الفِطرِ (٤). وقالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: وقد ثبَتَ أنَّ قَولَه تَعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤، ١٥] نزَلَت في زَكاةِ الفِطرِ كما رَوى ذلك ابنُ خُزَيمةَ (٥).

стр. 2133

ثانيًا: السُّنةُ: وأمَّا الدَّليلُ من السُّنةِ فمِن ذلك: ١ - ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العبدِ والحرِّ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ» (١). ٢ - ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائِمِ مِنْ اللَّغوِ (٢) والرَّفثِ (٣)، وطُعمَةً

стр. 2134

للمَساكينِ، مَنْ أَدَّاها قبلَ الصَّلَاةِ فهي زَكاةٌ مَقبولَةٌ، ومَن أَدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (١). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذَينِ الحَديثَينِ كما هوقَولُ جُمهورِ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ من أنَّ مَعنى (فرَض) هنا ألزَمُ وأوجَبُ فزَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ واجِبٌ لدُخولِها في عُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقد سمَّاها رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةً فهي داخِلةٌ في أمرِ اللهِ تعالَى بها، ولقَولِه ﷺ في الحَديثِ: «فرَضَ»، وهوغالِبٌ في استِعمالِ الشَّرعِ في هذا المَعنى. وممَّا يُؤكِّدُ أنَّ «فرَض» بمَعنى «ألزَمُ وأوجَبُ» اقتِرانُها بحَرفِ «على» الذي يفيد الوُجوبَ أيضًا؛ إذْ قالَ في الحَديثِ: «على العبدِ والحرِّ»، كما أنَّ الرِّواياتِ الصَّحيحةَ فيها الأمرُ بأداءِ زَكاةِ الفِطرِ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قَولُه «فرَضَ» عندَ أهلِ العِلمِ أوجَبُ، وقد فهِمَ المُسلِمونَ من قَولِه : ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١] ونحوِ ذلك أنَّه شَيءٌ أوجَبه اللهُ وقدَّرَه وقَضى به، وقالَ الجَميعُ للشَّيءِ الذي أوجَبَه اللهُ : هذا فَرضٌ، وما أوجَبه رَسولُ اللهِ ﷺ فعَنِ اللهِ أوجَبه، وقد فرَضَ اللهُ طاعتَه وحذَّرَ من مُخالَفتِه ففَرضُ اللهِ وفَرضُ

стр. 2135

رَسولِه سَواءٌ، إلا أنْ يَقومَ الدَّليلُ على الفَرقِ بينَ الشَّيءِ من ذلك، فيُسلَّمَ حينَئذٍ لِلدَّليلِ الذي لا يَندفِعُ فيه، وباللهِ التَّوفيقُ. والقَولُ بوُجوبِها من جِهةِ اتِّباعِ سَبيلِ المُؤمِنينَ واجِبٌ أيضًا لأنَّ القَولَ بأنَّها غيرُ واجِبةٍ شُذوذٌ أو ضَربٌ من الشُّذوذِ (١). ٣ - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ بزَكاةِ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ … » (٢). ووَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمرَ بزَكاةِ الفِطرِ، وظاهِرُ الأمرِ يُفيدُ الوُجوبَ ما لم تُوجَدْ قَرينةٌ صارِفةٌ له، ولا قَرينةَ هنا، فدَلَّ ذلك على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ واجِبةٌ. قالَ الإمامُ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: حَملُ اللَّفظِ على الحَقيقةِ الشَّرعيَّةِ في كَلامِ الشارِعِ مُتعيَّنٌ ما لم يَقمْ صارِفٌ عنه، والحَقيقةُ الشَّرعيَّةُ في الفَرضِ غيرِ المُجرَّدِ التَّقديرُ خُصوصًا، وفي لَفظِ البُخاريِّ ومُسلِمٍ في هذا الحَديثِ أنَّه ﷺ أمرَ بزَكاةِ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ، قالَ ابنُ عمرَ: فجعَلَ الناسُ عَدلَه من مُدَّينِ من حِنطةٍ، ومَعنى لَفظِ «فرَض» هومَعنى أمَرَ أمْرَ إِيجابٍ (٣).

стр. 2136

ثالثًا: الإِجماعُ: وقد استدَلَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بما نقَلَه جَماعةٌ من العُلماءِ من الإِجماعِ على وُجوبِها، وإليكَ بعضَ نُقولِهم: قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنهم مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ صَدقةَ الفِطرِ فَرضٌ (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ: وهي واجِبةٌ إِجماعًا (٢). وقالَ الإمامُ البَيهَقيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ وإنِ اختلَفوا في تَسميتِها فَرضًا، فلا يَجوزُ تَركُها، وباللهِ التَّوفيقُ (٣). وقالَ ابنُ هُبيرةَ: واتَّفَقوا على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على أَحرارِ المُسلِمينَ (٤). وقالَ الإمامُ الخَطابيُّ: قال به عامَّةُ أهلِ العِلمِ (٥). وقالَ الإمامُ إِسحاقُ بنُ راهوَيْهِ ﵀: هو كالإِجماعِ من أهلِ العِلمِ (٦). وقَولُ إِسحاقَ هذا أدَقُّ من قَولِ ابنِ المُنذِرِ وغيرِه لوُجودِ الخِلافِ الذي ذَكرتُه.

стр. 2137

القَولُ الثاني: سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليسَت واجِبةً، وهو قَولُ بعضِ المُتأخِّرينَ من أَصحابِ مالِكٍ وداودَ وحَكاه ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رِوايةً عن مالِكٍ، وقالَ: إنَّها مُحتمَلةٌ (١)، وهوقَولُ إِسماعيلَ بنِ عُليَّةَ وأبي بَكرِ بنِ كَيسانَ الأصَمِّ وابنِ اللَّبانِ من الشافِعيةِ (٢). وقد استدَلَّ أَصحابُ القَولِ بأنَّ زَكاةَ الفِطرِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليسَت واجِبةً، بتأويلِ مَعنى «فرَض» في الحَديثِ بمَعنى «قَدَّر»، كقَولِهم: «فرَض القاضِي نَفَقةَ اليَتيمِ»، أي: قَدَّرها وعَرَّف مِقدارَها. قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ ﵀: «أصلُ مَعنى الفَرضِ في اللُّغةِ التَّقديرُ، ولكنْ نُقِلَ في عُرفِ الشارِعِ إلى الوُجوبِ، فالحَملُ عليه أَوْلى» (٣)، يَعني: من الحَملِ على مَعناه الأصليِّ (٤). وقالَ الكَرمانيُّ ﵀: المَفهومُ مِنْ لَفظِ «فرَضَ» حَسبَ عُرفِ الشَّرعِ الوُجوبُ ولا يَجوزُ للراوِي أنْ يُعبِّرَ بالفَرضِ عن المَندوبِ مع عِلمِه بالفَرقِ بينَهما (٥).

стр. 2138

وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وحَملُ اللَّفظِ على الحَقيقةِ الشَّرعيَّةِ في كَلامِ الشارِعِ مُتعيَّنٌ ما لم يَقمْ صارِفٌ عنه، والحَقيقةُ الشَّرعيَّةُ في الفَرضِ غيرُ مُجرَّدِ التَّقديرِ (١). ومِن هنا أنكَرَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ قَولَ ابنِ اللَّبانِ من الشافِعيةِ بعدَ أنْ حَكاه فقالَ: قلتُ: قَولُ ابنِ اللَّبانِ شاذٌّ مُنكَرٌ بل غَلطٌ صَريحٌ واللهُ أعلمُ (٢). وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: وممَّن ذهَبَ الى أنَّها غيرُ واجِبةٍ ابنُ اللَّبانِ من أَصحابِنا، وقالَ النَّوويُّ: إنَّه شاذٌّ مُنكَرٌ، بل غَلطٌ صَريحٌ. وقالَ القاضِي أبو بَكرِ بنُ العَربيِّ عن مالِكٍ في وُجوبِها رِوايَتان: إحداهُما مُحتمَلةٌ، والأُخرى قالَ: زَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ، وبذلك قالَ فُقهاءُ الأَمصارِ، قالَ: وتأوَّلَ قَومٌ قَولَه ﷺ : «فرَضَ» بمَعنى «قدَّرَ» وهو بمَعنى الوُجوبِ أظهَرُ؛ لأنَّه قالَ: «زَكاةَ الفِطرِ» فدخَلَت تحتَ قَولِه : ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإنْ كانَ قَوله: «فرَضَ» أوجَبَ، فبِها ونِعمَت، وإنْ كانَ بمَعنى قدَّرَ يَكونُ المَعنى قدَّرَ الزَّكاةَ المَفروضةَ بالقُرآنِ بالفِطرِ كما قدَّرَ زَكاةَ المالِ (٣).

стр. 2139

سَببُ اختِلافِ العُلماءِ في هذه المَسألةِ: قالَ ابنُ رُشدٍ: فأمَّا زَكاةُ الفِطرِ، فإنَّ الجُمهورَ على أنَّها فَرضٌ، وذهَبَ بعضُ المُتأخِّرينَ من أَصحابِ مالِكٍ إلى أنَّها سُنَّةٌ، وبه قالَ أهلُ العِراقِ، وقالَ قَومٌ: هي مَنسوخةٌ بالزَّكاةِ. وسَببُ اختِلافِهم: تَعارُضُ الآثارِ في ذلك، وذلك أنَّه ثبَتَ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّه قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ على النَّاسِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ حرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى مِنْ المُسلِمينَ» (١). وظاهِرُ هذا يَقتَضي الوُجوبَ على مَذهبِ مَنْ يُقلِّدُ الصاحِبَ في فَهمِ الوُجوبِ أو النَّدبِ من أمرِه ﷺ إذا لم يُعَدَّ لنا لَفظُه. وثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ في حَديثِ الأَعرابيِّ المَشهورِ: وذكَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ قالَ: هلْ علَيَّ غيرُها؟ قالَ: «لَا، إلَّا أنْ تَطوَّعَ» (٢)، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ هذه الزَّكاةَ دخَلَت تحتَ الزَّكاةِ المَفروضةِ. وذهَبَ غيرُهم إلى أنَّها غيرُ داخِلةٍ، واحتَجُّوا في ذلك بما رُويَ عن قَيسِ بنِ سَعدِ بنِ عُبادةَ أنَّه قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُنا بها قبلَ نُزولِ الزَّكاةِ، فلمَّا نزَلَت آيةُ الزَّكاةِ لَم نُؤمَرْ بها، ولَم نُنْه عنها، ونحن نَفعَلُه» (٣) (٤).

стр. 2140

هل زَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ أو واجِبةٌ؟ اختَلفَ أهلُ العِلمِ القائِلونَ بوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هل هي فَرضٌ أو واجِبٌ؟ على قولَينِ: القولُ الأوَّلُ: فَرضٌ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ (١). القَولُ الثاني: واجِبةٌ، وهو قَولُ الحَنفيةِ والإمامِ أحمدَ في رِوايةٍ عنه (٢). قالَ الحافِظُ العِراقيُّ ﵀: زَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ، وهو مُقتَضى قاعِدةِ الجُمهورِ في تَرادُفِ الفَرضِ والواجِبِ، واقتَصرَ الحَنفيةُ في كُتبِهم على القَولِ بالوُجوبِ، وهو مُقتَضى قاعِدَتِهم في أنَّ الواجِبَ ما ثبَتَ بدَليلٍ ظَنيٍّ. واختَلفَ الحَنابِلةُ في ذلك، قالَ ابنُ قُدامةَ: قالَ بعضُ أَصحابِنا: وهل تُسمَّى فَرضًا مع القَولِ بوُجوبِها على رِوايتَينِ. قالَ: والصَّحيحُ أنَّها فَرضٌ لقَولِ ابنِ عمرَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ» (٣) ولِاجتِماعِ العُلماءِ على أنَّها فَرضٌ؛ ولأنَّ الفَرضَ إنْ كانَ الواجِبَ فهي واجِبةٌ، وإنْ كانَ الواجِبَ المُتأكَّدَ فهي مُتأكَّدةٌ مُجمَعٌ عليها (٤).
следующие страницы →