ثالثًا: الإِجماعُ:
وقد استدَلَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بما نقَلَه جَماعةٌ من العُلماءِ من الإِجماعِ على وُجوبِها، وإليكَ بعضَ نُقولِهم:
قالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنهم مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ صَدقةَ الفِطرِ فَرضٌ (١).
وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ: وهي واجِبةٌ إِجماعًا (٢).
وقالَ الإمامُ البَيهَقيُّ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ وإنِ اختلَفوا في تَسميتِها فَرضًا، فلا يَجوزُ تَركُها، وباللهِ التَّوفيقُ (٣).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ: واتَّفَقوا على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على أَحرارِ المُسلِمينَ (٤).
وقالَ الإمامُ الخَطابيُّ: قال به عامَّةُ أهلِ العِلمِ (٥).
وقالَ الإمامُ إِسحاقُ بنُ راهوَيْهِ ﵀: هو كالإِجماعِ من أهلِ العِلمِ (٦).
وقَولُ إِسحاقَ هذا أدَقُّ من قَولِ ابنِ المُنذِرِ وغيرِه لوُجودِ الخِلافِ الذي ذَكرتُه.
стр. 2137
القَولُ الثاني: سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليسَت واجِبةً، وهو قَولُ بعضِ المُتأخِّرينَ من أَصحابِ مالِكٍ وداودَ وحَكاه ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رِوايةً عن مالِكٍ، وقالَ: إنَّها مُحتمَلةٌ (١)، وهوقَولُ إِسماعيلَ بنِ عُليَّةَ وأبي بَكرِ بنِ كَيسانَ الأصَمِّ وابنِ اللَّبانِ من الشافِعيةِ (٢).
وقد استدَلَّ أَصحابُ القَولِ بأنَّ زَكاةَ الفِطرِ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليسَت واجِبةً، بتأويلِ مَعنى «فرَض» في الحَديثِ بمَعنى «قَدَّر»، كقَولِهم: «فرَض القاضِي نَفَقةَ اليَتيمِ»، أي: قَدَّرها وعَرَّف مِقدارَها.
قالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ ﵀: «أصلُ مَعنى الفَرضِ في اللُّغةِ التَّقديرُ، ولكنْ نُقِلَ في عُرفِ الشارِعِ إلى الوُجوبِ، فالحَملُ عليه أَوْلى» (٣)، يَعني: من الحَملِ على مَعناه الأصليِّ (٤).
وقالَ الكَرمانيُّ ﵀: المَفهومُ مِنْ لَفظِ «فرَضَ» حَسبَ عُرفِ الشَّرعِ الوُجوبُ ولا يَجوزُ للراوِي أنْ يُعبِّرَ بالفَرضِ عن المَندوبِ مع عِلمِه بالفَرقِ بينَهما (٥).
стр. 2138
وقالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: وحَملُ اللَّفظِ على الحَقيقةِ الشَّرعيَّةِ في كَلامِ الشارِعِ مُتعيَّنٌ ما لم يَقمْ صارِفٌ عنه، والحَقيقةُ الشَّرعيَّةُ في الفَرضِ غيرُ مُجرَّدِ التَّقديرِ (١).
ومِن هنا أنكَرَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ قَولَ ابنِ اللَّبانِ من الشافِعيةِ بعدَ أنْ حَكاه فقالَ: قلتُ: قَولُ ابنِ اللَّبانِ شاذٌّ مُنكَرٌ بل غَلطٌ صَريحٌ واللهُ أعلمُ (٢).
وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: وممَّن ذهَبَ الى أنَّها غيرُ واجِبةٍ ابنُ اللَّبانِ من أَصحابِنا، وقالَ النَّوويُّ: إنَّه شاذٌّ مُنكَرٌ، بل غَلطٌ صَريحٌ.
وقالَ القاضِي أبو بَكرِ بنُ العَربيِّ عن مالِكٍ في وُجوبِها رِوايَتان: إحداهُما مُحتمَلةٌ، والأُخرى قالَ: زَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ، وبذلك قالَ فُقهاءُ الأَمصارِ، قالَ: وتأوَّلَ قَومٌ قَولَه ﷺ : «فرَضَ» بمَعنى «قدَّرَ» وهو بمَعنى الوُجوبِ أظهَرُ؛ لأنَّه قالَ: «زَكاةَ الفِطرِ» فدخَلَت تحتَ قَولِه : ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، فإنْ كانَ قَوله: «فرَضَ» أوجَبَ، فبِها ونِعمَت، وإنْ كانَ بمَعنى قدَّرَ يَكونُ المَعنى قدَّرَ الزَّكاةَ المَفروضةَ بالقُرآنِ بالفِطرِ كما قدَّرَ زَكاةَ المالِ (٣).
стр. 2139
سَببُ اختِلافِ العُلماءِ في هذه المَسألةِ:
قالَ ابنُ رُشدٍ: فأمَّا زَكاةُ الفِطرِ، فإنَّ الجُمهورَ على أنَّها فَرضٌ، وذهَبَ بعضُ المُتأخِّرينَ من أَصحابِ مالِكٍ إلى أنَّها سُنَّةٌ، وبه قالَ أهلُ العِراقِ، وقالَ قَومٌ: هي مَنسوخةٌ بالزَّكاةِ.
وسَببُ اختِلافِهم: تَعارُضُ الآثارِ في ذلك، وذلك أنَّه ثبَتَ في حَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ أنَّه قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ على النَّاسِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ حرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى مِنْ المُسلِمينَ» (١). وظاهِرُ هذا يَقتَضي الوُجوبَ على مَذهبِ مَنْ يُقلِّدُ الصاحِبَ في فَهمِ الوُجوبِ أو النَّدبِ من أمرِه ﷺ إذا لم يُعَدَّ لنا لَفظُه.
وثبَتَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ في حَديثِ الأَعرابيِّ المَشهورِ: وذكَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ الزَّكاةَ قالَ: هلْ علَيَّ غيرُها؟ قالَ: «لَا، إلَّا أنْ تَطوَّعَ» (٢)، فذهَبَ الجُمهورُ إلى أنَّ هذه الزَّكاةَ دخَلَت تحتَ الزَّكاةِ المَفروضةِ.
وذهَبَ غيرُهم إلى أنَّها غيرُ داخِلةٍ، واحتَجُّوا في ذلك بما رُويَ عن قَيسِ بنِ سَعدِ بنِ عُبادةَ أنَّه قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَأمرُنا بها قبلَ نُزولِ الزَّكاةِ، فلمَّا نزَلَت آيةُ الزَّكاةِ لَم نُؤمَرْ بها، ولَم نُنْه عنها، ونحن نَفعَلُه» (٣)(٤).
стр. 2140
هل زَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ أو واجِبةٌ؟
اختَلفَ أهلُ العِلمِ القائِلونَ بوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هل هي فَرضٌ أو واجِبٌ؟ على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: فَرضٌ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ (١).
القَولُ الثاني: واجِبةٌ، وهو قَولُ الحَنفيةِ والإمامِ أحمدَ في رِوايةٍ عنه (٢).
قالَ الحافِظُ العِراقيُّ ﵀: زَكاةُ الفِطرِ فَرضٌ، وهو مُقتَضى قاعِدةِ الجُمهورِ في تَرادُفِ الفَرضِ والواجِبِ، واقتَصرَ الحَنفيةُ في كُتبِهم على القَولِ بالوُجوبِ، وهو مُقتَضى قاعِدَتِهم في أنَّ الواجِبَ ما ثبَتَ بدَليلٍ ظَنيٍّ.
واختَلفَ الحَنابِلةُ في ذلك، قالَ ابنُ قُدامةَ: قالَ بعضُ أَصحابِنا: وهل تُسمَّى فَرضًا مع القَولِ بوُجوبِها على رِوايتَينِ.
قالَ: والصَّحيحُ أنَّها فَرضٌ لقَولِ ابنِ عمرَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ» (٣) ولِاجتِماعِ العُلماءِ على أنَّها فَرضٌ؛ ولأنَّ الفَرضَ إنْ كانَ الواجِبَ فهي واجِبةٌ، وإنْ كانَ الواجِبَ المُتأكَّدَ فهي مُتأكَّدةٌ مُجمَعٌ عليها (٤).
стр. 2141
وقالَ النَّوويُّ ﵀: والصَّوابُ أنَّها فَرضٌ واجِبٌ (١).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ويُسمَّى فَرضًا على الأصَحِّ (٢).
لكنْ هل لِهذا الخِلافِ من ثَمرةٍ؟
قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: والأمرُ الثابِتُ بظَنِّي إنَّما يُفيدُ الوُجوبَ فلا خِلافَ في المَعنى؛ فإنَّ الافتِراضَ الذي يُثبِتونَه ليسَ على وَجهٍ يَكفرُ جاحِدُه فهو مَعنى الوُجوبِ الذي نَقولُ به، غايةُ الأمرِ أنَّ الفَرضَ في اصطِلاحِهم أعَمُّ من الواجِبِ في عُرفِنا، فأطلَقوه على أحدِ جُزأَيْه (٣).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فإذا ثبَتَ وُجوبُها على ما ذكَرنا فهي فَرضٌ كزكَواتِ الأَموالِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: هي واجِبةٌ وليسَت فَرضًا كالوِترِ بِناءً على أصلِه في الفَرقِ بينَ الواجِبِ والفَرضِ، وهذا الخِلافُ إذا قُدِّرَ كانَ كَلامًا في العِبارةِ وِفاقًا في المَعنى غيرَ مُؤثِّرٍ (٤).
فتَبيَّنَ ممَّا ذكَرَه ابنُ الهُمامِ والماوَرديُّ أنَّ الخِلافَ لَفظيٌّ فقط، ليسَ له ثَمرةٌ يُبنى عليها حُكمٌ شَرعيٌّ واللهُ أعلمُ.
стр. 2142
زَمنُ مَشروعيَّةِ زَكاةِ الفِطرِ وأَطوارُها:
إِيتاءُ الزَّكاةِ كانَ مَشروعًا في مِللِ الأَنبياءِ السابِقينَ، قالَ اللهُ تعالَى في حَقِّ إبراهيمَ وآلِه عليهم الصَّلاةُ والسَّلامُ: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ [الأنبياء: ٧٣].
وقد شرَعَ للمُسلِمينَ إيتاءَ الصَّدقةِ للفُقراءِ، منذُ العَهدِ المَكيِّ، كما في قَولِه تَعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ [البلد: ١١ - ١٦].
وبعضُ الآياتِ المَكِّيةِ جُعلَت للفُقراءِ في أَموالِ المُؤمِنينَ حقًّا مَعلومًا، كما في قَولِه تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (٢٤) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (٢٥)﴾ [المعارج: ٢٤، ٢٥].
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: اختُلِف في أوَّلِ وقتِ فَرضِ الزَّكاةِ، فذهَبَ الأكثَرُ إلى أنَّه وقَعَ بعدَ الهِجرةِ فقيلَ: كانَ في السَّنةِ الثانيةِ قبلَ فَرضِ رَمضانَ أشارَ إليه النَّوويُّ في بابِ السِّيرِ من «الرَّوضةِ» وجزَمَ ابنُ الأَثيرِ في «التاريخ» بأنَّ ذلك كانَ في التاسِعةِ، وفيه نَظرٌ.
وادَّعى ابنُ خُزيمةَ في صَحيحِه أنَّ فَرضَها كانَ قبلَ الهِجرةِ، واحتجَّ بما أخرَجَه من حَديثِ أمِّ سَلمةَ في قصَّةِ هجرَتِهم إلى الحَبشةِ، وفيها أنَّ جَعفرَ بنَ أبي طالِبٍ قالَ للنَّجاشيِّ في جُملةِ ما أخبَرَه عن النَّبيِّ ﷺ : «ويَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ» انتهي.
стр. 2143
وفي استِدلالِه بذلك نَظرٌ؛ لأنَّ الصَّلواتِ الخَمسَ لم تَكنْ فُرضَت بَعدُ، ولا صيامُ رَمضانَ، فيُحتمَلُ أنْ تَكونَ مُراجعةُ جَعفرٍ لم تَكنْ في أوَّلِ ما قدِمَ على النَّجاشيِّ، وإنَّما أخبَرَه بذلك بعدَ مُدةٍ قد وقَعَ فيها ما ذكَرَ من قصَّةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ، وبلَغَ ذلك جَعفرًا، فقالَ: «يَأمرُنا» بمَعنى: يَأمرُ به أُمَّته، وهو بَعيدٌ جدًّا وأَوْلى ما حُملَ عليه حَديثُ أمِّ سَلمةَ هذا -إنْ سلِمَ من قَدحٍ في إِسنادِه- أنَّ المُرادَ بقَولِه: «يَأمرُنا بالصَّلاةِ والزَّكاة والصِّيامِ» أي: في الجُملةِ، ولا يَلزمُ من ذلك أنْ يَكونَ المُرادُ بالصَّلواتِ الصَّلواتِ الخَمسَ ولا بالصِّيامِ صِيامَ رَمضانَ، ولا بالزَّكاةِ هذه الزَّكاةَ المَخصوصةَ ذاتَ النِّصابِ والحَولِ، واللهُ أعلمُ.
وممَّا يَدلُّ على أنَّ فَرضَ الزَّكاةِ وقَعَ بعدَ الهِجرةِ اتِّفاقُهم على أنَّ صِيامَ رَمضانَ إنَّما فُرضَ بعدَ الهِجرةِ؛ لأنَّ الآيةَ الدَّالةَ على فَريضَتِه مَدنيَّةٌ بلا خِلافٍ، وثبَتَ عندَ أحمدَ وابنِ خُزَيمةَ والنِّسائيِّ وابنِ ماجَه والحاكِمِ من حَديثِ قَيسِ بنِ سَعدِ بنِ عُبادةَ قالَ: «أمَرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ بِصدقةِ الفِطرِ قبلَ أنْ تُنزَّلَ الزَّكاةُ، فلمَّا نزَلَت الزَّكاةُ لم يَأمرْنا ولم يَنهَنا ونحنُ نَفعَلُه»، إِسنادُه صَحيحٌ رِجالُه رِجالُ الصَّحيحِ، إلا أبا عَمارٍ الرَّاويَ له عن قَيسِ بنِ سَعدٍ، وهو كُوفِيٌّ اسمُه عَريبٌ بالمُهمَلةِ المَفتوحةِ، ابنُ حُميدٍ، وقد وثَّقَه أحمدُ وابنُ مَعينٍ، وهو دالٌّ على أنَّ فَرضَ صَدقةِ الفِطرِ كانَ قبلَ فَرضِ الزَّكاةِ فيَقتَضى وُقوعَها بعدَ فَرضِ رَمضانَ، وذلك بعدَ الهِجرةِ، وهو المَطلوبُ (١).
стр. 2144
الحِكمةُ من مَشروعيَّةِ زَكاةِ الفِطرِ:
والحِكمةُ في إِيجابِ هذه الزَّكاةِ ما جاءَ عن ابنِ عباسٍ ﵁ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائمِ من اللَّغوِ والرَّفثِ وطُعمَةً للمَساكينِ … » الحَديثَ (١).
فهذه الحِكمةُ مُركَّبةٌ من أمرَينِ:
الأمرُ الأولُ: يَتعلَّقُ بالصائمِينَ في شَهرِ رَمضانَ، وما عَسى أنْ يَكونَ قد شَابَ صيامَهم من لَغوِ القَولِ ورَفثِ الكَلامِ، والصِّيامُ الكاملُ هو الذي يَصومُ فيه اللِّسانُ والجَوارِحُ، كما يَصومُ البَطنُ والفَرجُ، فلا يَسمحُ الصائِمُ لِلسانِه ولا لأُذنِه ولا لعَينِه ولا ليدِه أو رِجلِه أنْ تَتلوَّث بما نَهى اللهُ ورَسولُه ﷺ عنه من قَولٍ أو فِعلٍ، وقلَّما يَسلَمُ صائِمٌ من مُقارفةِ شَيءٍ من ذلك بحُكمِ الضَّعفِ البَشريِّ الغالِبِ، فجاءَت هذه الزَّكاةُ في خِتامِ الشَّهرِ بمَثابةِ غُسلٍ أو «حمَّامٍ» يَتطهَّرُ به مِنْ أَوضارِ ما شابَ نَفسِه أو كدَّرَ صَومَه وتَجبُرُ ما فيه من قُصورٍ؛ فإنَّ الحَسناتِ يُذهِبنَ السَّيئاتِ.
كما جعَلَ الشارِعُ السُّننَ الرَّواتِبَ مع الصَّلواتِ الخَمسِ جَبرًا لِما قد يَحدُث فيها من غَفلةٍ أو خَللٍ أو إِخلالٍ ببعضِ الآدابِ، وشَبَّهها بعضُ الأئِمَّةِ بسُجودِ السَّهوِ.
قالَ وَكيعُ بنُ الجَراحِ: زَكاةُ الفِطرِ لشَهرِ رَمضانَ كسَجدةِ السَّهوِ للصَّلاةِ تَجبُرُ نُقصانَ الصَّومِ كما يَجبُرُ السُّجودُ نُقصانَ الصَّلاةِ (٢).
стр. 2145
والأمرُ الثاني: يَتعلَّقُ بالمُجتمَعِ وإِشاعةِ المَحبةِ والمَسرةِ في جَميعِ أَنحائِه وخُصوصًا المَساكينَ وأهلَ الحاجةِ فيه.
فالعيدُ يَومُ فَرحٍ وسُرورٍ فيَنبَغي تَعميمُ السُّرورِ على كلِّ أبناءِ المُجتمَعِ المُسلِمِ، ولن يَفرحَ المُسكينُ ويُسَرَّ إذا رَأى المُوسِرينَ والقادرِينَ يَأكُلونَ ما لَذَّ وطابَ وهو لا يَجدُ قُوتَ يومِه في يومِ عيدِ المُسلِمينَ.
فاقتَضَت حِكمةُ الشارِعِ أنْ يَفرضَ له في هذا اليَومِ ما يُغنيه عن الحاجةِ وذُلِّ السُّؤالِ ويُشعرُه بأنَّ المُجتمعَ لم يُهمِلْ أمرَه ولم يَنسَه في أيامِ سُرورِه وبَهجَتِه.
وكانَ من حِكمةِ الشارِعِ أيضًا: تَقليلُ مِقدارِ الواجِبِ كما سيَأتي، وإِخراجُه ممَّا يَسهُلُ على الناسِ في غالِبِ قُوتِهم حتى يَشتَركَ أكبَرُ عَددٍ مُمكِنٍ في الأُمةِ في هذا الإِسهامِ الكَريمِ وهذا الإِسعافِ العاجِلِ في هذه المُناسَبةِ المُبارَكةِ (١).
стр. 2146
شُروطُ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ:
يُشتَرطُ لِوُجوبِ أداءِ زَكاةِ الفِطرِ عِدةُ شُروطٍ ذكَرَها العُلماءُ، وهي كما يَلي:
الشَّرطُ الأوَّلُ: الإِسلامُ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الإِسلامَ شَرطٌ لوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ واستدَلُّوا على ذلك بالسُّنةِ والإِجماعِ.
أولًا: السُّنةُ:
١ - عَنْ عبدِ اللهِ بْنِ عُمرَ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ، وأمَرَ بها أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (١).
٢ - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى من المُسلِمينَ» (٢).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذَينِ الحَديثَينِ على اشتِراطِ الإِسلامِ لوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ قَولُه ﷺ : «مِنْ المُسلِمينَ»، وهذا يَدلُّ على اشتِراطِ
стр. 2147
الإِسلامِ في وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ وأنَّها لا تَجبُ على الكافِرِ عن نَفسِه، وهذا مُتَّفقٌ عليه (١).
ثانيًا: الإِجماعُ:
نقَلَ الإِجماعَ عَددٌ من أهلِ العِلمِ على أنَّ الإِسلامَ شَرطٌ لوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ وأنَّها لا تَجبُ على الكافِرِ.
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: فلا تَجبُ على الكافِرِ؛ لأنَّه لا سَبيلَ إلى الإِيجابِ في حالةِ الكُفرِ؛ لأنَّ فيها مَعنى العِبادةِ حتى لا تَتأدَّى بدونِ النِّيةِ، والكافرَ ليسَ من أهلِ العِبادِة ولا تَجبُ بدونِ الإِسلام بالإِجماعِ (٢).
وقالَ الحافِظُ زَينُ الدِينِ العِراقيُّ ﵀: وهذه الزِّيادةُ تدلُّ على اشتِراطِ الإِسلامِ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ ومُقتَضاه أنَّه لا يَجبُ على الكافِرِ إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ لا عن نَفسِه ولا عن غيرِه، فأمَّا كَونُه لا يُخرجُها عن نَفسِه فمُتَّفقٌ عليه (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا تَجبُ على كافِرٍ حُرًّا كانَ أو عَبدًا، ولا نَعلَمُ بينَهم خِلافًا في الحُرِّ البالِغِ (٤).
стр. 2148
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: واستُدِلَّ بهذه الزِّيادةِ على اشتِراطِ الإِسلامِ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ ومُقتَضاه أنَّها لا تَجبُ على الكافِرِ عن نَفسِه، وهو أمرٌ مُتفَقٌ عليه (١).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: فلا زَكاةَ على كافِرٍ أصلِيٍّ؛ لقَولِه ﷺ : «مِنْ المُسلِمينَ»، وهوإِجماعٌ، قالَه الماوَرديُّ (٢).
وإنَّما كانَ الإِسلامُ شَرطًا من شُروطِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ؛ لأنَّها قُربةٌ من القُربِ وطُهرةٌ للصائِمِ من الرَّفثِ واللَّغوِ، والكافرُ ليسَ من أهلِها، وإنَّما يُعاقَبُ على تَركِها في الآخِرةِ (٣).
الشَّرطُ الثاني: الحُرِّيةُ:
ذهَب أكثرُ الفُقهاءِ من الأئِمَّةِ الأربَعةِ وغيرِهم إلى أنَّ الحُرِّيةَ شَرطٌ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ فلا تَجبُ على العَبدِ، وإنَّما تَجبُ على السَّيدِ عن عَبدِه، ولم يُخالِفْ في ذلك إلا داودُ بنُ علِيٍّ الظاهِريُّ وأبو ثَورٍ (٤).
قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ مَنْ تَجبُ عليه فيَتضمَّنُ بَيانَ شَرائطِ الوُجوبِ وأنَّها أنواعٌ، ومنها الحُرِّيةُ عندَنا، فلا تَجبُ على العَبدِ (٥).
стр. 2149
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الشَّرطُ الثاني: الحُرِّيةُ؛ فليسَ على الرَّقيقِ فِطرةُ نَفسِه ولا غيرِه (١).
وقالَ: فَرعٌ: قد ذكَرنا أنَّ على السَّيدِ فِطرةَ عبدِه، وسَواءٌ أكانَ له كَسبٌ أو لا، هذا مَذهبُنا وبه قالَ المُسلِمونَ كافَّةً إلا داودَ الظاهِريَّ فقالَ: لا تَجبُ على السَّيدِ بل تَجبُ على العَبدِ ويَلزمُ السَّيدَ تَمكينُه من الكَسبِ لها.
وهذا باطِلٌ مَردودٌ عليه بالإِجماعِ، فقد نقَلَ ابنُ المُنذِرِ وغيرُه إِجماعَ المُسلِمينَ على وُجوبِها على السَّيدِ (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه ﷺ : «على العبدِ والحُرِّ» ظاهِرُه إِخراجُ العَبدِ عن نَفسِه، ولم يَقلْ به إلا داودُ، فقالَ: يَجبُ على السَّيدِ أنْ يُمكِّنَ العَبدَ من الاكتِسابِ لها، كما يَجبُ عليه أنْ يُمكِّنَه من الصَّلاةِ، وخالَفَه أَصحابُه والناسُ (٣).
وقالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ المالِكيُّ ﵀: شَرطُ مَنْ تَجبُ عليه الزَّكاةُ أنْ يَكونَ حُرًّا مُسلِمًا مُوسِرًا، فلا يُخاطَبُ بها العَبدُ عن نَفسِه اتِّفاقًا (٤).
قالَ الحافِظُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: وفيه -أي: حَديثِ «على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ» - وُجوبُ زَكاةِ الفِطرِ على العَبدِ، وظاهِرُه إِخراجُ العبدِ عن
стр. 2150
نَفسِه، وبه قالَ داودُ الظاهِريُّ: لا نَعلَمُ أحدًا قالَ به سِواه، ولم يُتابِعْه على ذلك ابنُ حَزمٍ ولا أحَدٌ من أَصحابِه (١).
وقد استدَلَّ العُلماءُ على أنَّ الحُرِّيةَ شَرطٌ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بما يَلي:
١ - عَنْ أَبي هُريرةَ ﵁، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ، قالَ: «ليسَ على المُسلِمِ فِي عَبدِه ولا فَرسِه صَدقةٌ» (٢)، وفي لَفظٍ: «ليسَ فِي العبدِ صَدقةٌ إلَّا صَدقةَ الفِطرِ» (٣).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ ما قالَه الحافِظُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ: وذلك يَقتَضي أنَّ زَكاةَ الفِطرِ ليسَت على العَبدِ نَفسِه، وإنَّما هي على سَيدِه، قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ عامَّةُ أهلِ العِلمِ على أنَّ على المَرءِ أداءَ زَكاةِ الفِطرِ عن مَملوكِه الحاضِرِ غيرِ المُكاتَبِ والعَبدِ المَغصوبٍ والآبِقِ والعَبدِ المُشتَرى للتِّجارةِ، وقالَ ابنُ قُدامةَ: ولا نَعلَمُ فيه خِلافًا (٤).
٢ - عَنْ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمونونَ» (٥).
стр. 2151
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ الوُجوبَ على مَنْ خُوطِب بالأداءِ وجعَلَه بمَنزِلةِ النَّفقةِ، ونَفقةُ المَملوكِ على المَولى، فكذلك صَدقةُ الفِطرِ عنه.
قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ثم هذه الصَّدقةُ واجِبةٌ باعتِبارِ مِلكِه، فكانَت عليه ابتِداءً كزَكاةِ المالِ عن عبدِ التِّجارةِ، وهذا لأنَّ حالَ العَبدِ دونَ حالِ فَقيرٍ لا يَملِكُ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك الفَقيرَ من أهلِ المِلكِ والعَبدُ لا، فإذا لم تَجبْ على الفَقيرِ الذي لا يَملِكُ شَيئًا؛ فلَأنْ تَكونَ لا تَجبُ على العَبدِ أَوْلى، والدَّليلُ عليه أنَّه لا يُخاطَبُ بالأداءِ بحالٍ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: اليَسارُ أو القُدرةُ على إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حَدِّ اليَسارِ أو في مَعنى القُدرةِ على إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ وُجوبِ اشتِراطِ مِلكِ النِّصابِ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ، وإنَّما تَجبُ على مَنْ يَكونُ عندَه فَضلٌ على قُوتِ يومِ العيدِ ولَيلتِه لنَفسِه وعيالِه الذين يَلزمُه مُؤنَتُهم بمِقدارِ زَكاةِ الفِطرِ، فإذا كانَ ذلك عندَه لزِمَته (٢).
стр. 2152
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: إذا فضَلَ عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه ليَومِ العيدِ ولَيلتِه قَدرُ صَدقةِ الفِطرِ يَلزمُه صَدقةُ الفِطرِ (١).
وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: ويُشتَرطُ في وُجوبِها أنْ يَكونَ عندَه فَضلٌ على قُوتِه يومَ العيدِ ولَيلتَه (٢).
واستدَلَّ الجُمهورُ على عَدمِ اشتِراطِ مِلكِ النِّصابِ لوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ بالسُّنةِ والأثَرِ والمَعقولِ.
أولًا: السُّنةُ:
١ - عَنْ ابنِ ثَعلَبةَ بنِ أَبي صُعَيرٍ عَنْ أَبيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أدُّوا صاعًا مِنْ قَمحٍ، أو صاعًا مِنْ بُرٍّ، وشَكَّ حَمادٌ -أي: حَمادُ بنُ زَيدٍ راوِي الحَديثِ، عَنْ كلِّ اثنَينِ، صَغيرٍ أو كَبيرٍ، ذَكرٍ أو أُنثَى، حُرٍّ أو مَملُوكٍ، غَنيٍّ أو فَقيرٍ، أمَّا غَنيُّكم فيُزكِّيهِ اللهُ، وأمَّا فَقيرُكم، فيُردُّ علَيه أَكثَرُ مِما يُعطِي» (٣).
ووَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بأداءِ صَدقةِ الفِطرِ عن الفَقيرِ، والأمرُ يَدلُّ على الوُجوبِ، فتَكونُ زَكاةُ الفِطرِ واجِبةً على القادِرِ على إِخراجِها.
стр. 2153
٢ - واستدَلُّوا على عَدمِ اشتِراطِ مِلْكِ النِّصابِ بأنَّ مَنْ عندَه قُوتُ يومِه فهو غَنيٌّ، فما زادَ على قُوتِ يومِه وجَبَ عليه أنْ يُخرجَ من زَكاةِ الفِطرِ، والدَّليلُ على ذلك ما رَواه سَهلُ بنُ الحَنظليَّةِ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «مَنْ سأَلَ وعندَه ما يُغنِيه فإنَّما يَستَكثِرُ مِنْ النَّارِ، وقالَ النُّفيلِيُّ -راوِي الحَديثِ- في مَوضعٍ آخَرَ: مِنْ جَمرِ جَهنَّمَ، فقالُوا: يا رَسولَ اللهِ، وما يُغنِيه؟ وقالَ النُّفَيليُّ في مَوضعٍ آخَرَ: وما الغِنى الذي لَا تَنبَغي معه المَسأَلةُ؟ قالَ: قَدرُ ما يُغدِّيهِ ويُعشِّيهِ، وقالَ النُّفَيليُّ في مَوضعٍ آخَرَ: أنْ يَكونَ له شِبعُ يَومٍ ولَيلةٍ أو لَيلةٍ ويَومٍ» (١)، دَلَّ الحَديثُ على أنَّ مَنْ عندَه قُوتُ يومِه فهو غَنيٌّ وجَبَ عليه أنْ يُخرِجَ ما زادَ على قُوتِ يومِه.
٣ - وعَن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ على النَّاسِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ حرٍّ أو عبدٍ، ذَكرٍ أو أُنثَى مِنْ المُسلِمينَ» (٢).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ قَولُه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ على النَّاسِ»، ولَفظُ «النَّاسِ» عامٌّ يَشمَلُ الغَنيَّ والفَقيرَ الواجِدَ لمِقدارِها فاضِلًا على حاجَتِه (٣).
стр. 2154
ثانيًا: الأَثرُ:
فعَن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «زَكاةُ الفِطرِ على كلِّ حُرٍّ وعبدٍ، ذَكرٍ وأُنثَى: صَغيرٍ وكَبيرٍ، غَنيٍّ وفَقيرٍ» (١)، والمُرادُ بالفَقيرِ مَنْ يَملِكُ زَكاةَ الفِطرِ فاضِلًا عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه، وهذا دَليلٌ على أنَّ اليَسارَ المُعتبَرَ لوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو مِلكُ مِقدارِها.
ثالِثًا: المَعقولُ:
هو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ مُتعلِّقةٌ بالبَدنِ لا تَزيدُ بزِيادةِ المالِ، فلا يُشتَرطُ وُجودُ النِّصابِ فيه كالكَفارةِ (٢)، ولا يُمتنَعُ أنْ يُؤخذَ منه ويُعطَى كما وجَبَ عليه العُشرُ في زَرعِه وهو بَعدُ مُحتاجٌ إلى ما يَكفيه وعيالَه؛ ولأنَّه من أهلِ الطَّهارةِ يَملِكُ قَدرَ الفِطرةِ فاضِلًا على الكِفايةِ فوجَبَ أنْ تَلزمَه الزَّكاةُ؛ ولأنَّ فَرضَ الزَّكاةِ ورَدَ مُطلقًا على الصَّغيرِ والكَبيرِ والذَّكرِ والأُنثى والحُرِّ والعَبدِ ولم يُقيِّدْها بغَنيٍّ ولا فَقيرٍ كما قيَّدَ زَكاةَ المالِ بقَولِه: «تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» (٣)(٤).
وقالَ المالِكيةُ: إذا كانَ قادِرًا على المِقدارِ الذي يَجبُ عليه ولو كانَ أقَلَّ من صاعٍ وعندَه قُوتُ يومِه وجَبَ عليه دَفعُه.
стр. 2155
بل قالُوا: يَجبُ عليه أنْ يَقتَرضَ لِأداءِ زَكاةِ الفِطرِ إذا كانَ يَرجو القَضاءَ؛ لأنَّه قادِرٌ حُكمًا، وإنْ كانَ لا يَرجو القَضاءَ لا يَجبُ عليه (١).
وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: يُشتَرطُ لوُجوبِ الفِطرةِ على الفَقيرِ أنْ يَكونَ عندَه مِقدارُها فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ مَنْ تَلزمُه نَفقتُه لَيلةَ العيدِ ويَومَه، وأنْ يَكونَ فاضِلًا على مَسكَنِه ومَتاعِه وحاجاتِه الأصليَّةِ، فمَن له دارٌ يَحتاجُ إليها لسُكناها أو إلى أُجرتِها لنَفقتِه، أو ثيابٌ بذَلَها له، أو لمَن تَلزمُه مُؤنَتُه، أو رَقيقٌ يَحتاجُ إلى خِدمَتِهم هو أو مَنْ يَمونُه، أو بَهائمُ يَحتاجُ إلى رُكوبِها والانتِفاعِ بها في حَوائجِهم الأصليَّةِ، أو سائِمةٌ يَحتاجونَ إلى نَمائِها كذلك؛ لأنَّ هذا مما تَتعلَّقُ به حاجَتُه الأصليَّةُ، فلم يَلزمْه بَيعُه كمُؤنةِ نَفسِه.
ومَن له كُتبٌ يَحتاجُ إليها للنَّظرِ فيها والحِفظِ منها لا يَلزمُه بَيعُها، والمَرأةُ إذا كانَ لها حُليٌّ للُّبسِ أو لكِراءٍ تَحتاجُ إليه لَم يَلزمْها بَيعُها في الفِطرةِ.
وما فضَلَ من ذلك عن حَوائجِه الأصليَّةِ وأمكَنَ بَيعُه وصَرفُه في الفِطرةِ وجَبَت الفِطرةُ به؛ لأنَّه أمكَنَ أداؤُها من غيرِ ضَررٍ أَصليٍّ، أشبَهَ ما لوملَكَ من الطَّعامِ ما يُؤدِّيه فاضِلًا على حاجَتِه (٢).
القَولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ وابنُ العَربيِّ من المالِكيةِ إلى أنَّ مَعنى القُدرةِ على إِخراجِ صَدقةِ الفِطرِ أنْ يَكونَ مالِكًا للنِّصابِ الذي تَجبُ فيه
стр. 2156
الزَّكاةُ من أيِّ مالٍ كانَ، سَواءٌ كانَ من الذَّهبِ أو من الفِضَّةِ أو السَّوائمِ من الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ أو من عُروضِ التِّجارةِ، فمَن كانَ عندَه هذا القَدرُ فاضِلًا على حَوائجِه الأصليَّةِ من مَأكلٍ ومَلبَسٍ ومَسكنٍ وسِلاحٍ وفَرسٍ وعَبدٍ وجَبَت عليه زَكاةُ الفِطرِ (١).
قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وأمَّا اشتِراطُ النِّصابِ فقولُ عُلمائِنا … واليَسارُ المُعتبَرُ لإِيجابِ زَكاةِ الفِطرِ أنْ يَملِكَ مِئتَي دِرهَمٍ أو ما يُساوي مِئتَي دِرهَمٍ من الدَّراهمِ التي تَغلِبُ النَّقرةُ فيها على الغِشِّ فَضلًا على حاجَتِه (٢).
وقالَ الإمامُ الحَدَّاديُّ: (قَولُه: إذا كانَ مالِكًا لمِقدارِ النِّصابِ) وعندَ الشَّافعِيِّ تَجبُ على الفَقيرِ إذا كانَ له زِيادَةٌ على قُوتِ يومِه لنَفسِه وعِيالِه، وشرَطَ الشَّيخُ الحُرِّيةَ بتَحقُّقِ التَّملِيكِ والإِسلامِ لتَقعَ الصَّدقةُ قُربةً، وشَرطُ اليَسارِ؛ لقَولِه ﷺ :» لَا صَدقةَ إلَّا عَنْ ظَهرِ غنًى»، وقَدرُ اليَسارِ بالنِّصابِ لتَقديرِ الغِنى في الشَّرعِ به، وسَواءٌ ملَكَ نِصابًا أو ما قيمَتُه نِصابٌ من العُروضِ أو غيرِها فَضلًا على كِفايَتِه، ولا يَكونُ عليه دَينٌ.
стр. 2157
(قَولُه: فاضِلًا عن مَسكنِه وثيابِه وفَرسِه وسِلاحِه وعَبيدِه للخِدمةِ)؛ لأنَّ هذه الأشياءَ مُستحَقةٌ بالحَوائجِ الأصليَّةِ، ولأنَّ المُستحَقَّ بها كالمَعدومِ، وكذا كُتبُ العِلمِ إنْ كانَ من أهلِه، ويُعفَى له في كُتبِ الفِقهِ عن نُسخةٍ من كلٍّ مُصنَّفٍ لا غَيرُ، وفي الرَّأيِ الحَديثِ عن نُسخَتينِ، ولوكانَ له دارٌ واحِدةٌ يَسكنُها ويَفضلُ على سُكناه منها ما يُساوي نِصابًا وجَبَت عليه الفِطرةُ، وكذا في الثِّيابِ والأَثاثِ (١).
استدَلَّ الحَنفيةُ على قَولِهم هذا بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: السُّنةُ:
عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «لَا صَدقةَ إلَّا عَنْ ظَهرِ غنًى (٢)، واليدُ العُليا (٣) خَيرٌ مِنْ اليدِ السُّفلَى (٤)، وابدَأْ بمَن تَعولُ» (٥).
стр. 2158
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّ الزَّكاةَ لا تَجبُ إلا على الغَنيِّ، والغِنى المُعتبَرُ شَرعًا هو ما تَجبُ به الزَّكاةُ، وهو مِلكُ النِّصابِ، وإذا لم يَكنْ هذا غَنيًّا فلا تَجبُ عليه الصَّدقةُ.
ثانيًا: المَعقولُ: وهو مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما زَكاةٌ، وأنَّ زَكاةَ المالِ يُشتَرطُ لها النِّصابُ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ.
ثانِيهما: وهو أنَّ من لم يَملِكْ نِصابًا زَكويًّا فهو فَقيرٌ، والفَقيرُ مَحلٌّ لصَرفِ الزَّكاةِ إليه، ومَن كانَ مَحلًّا لصَرفِ الزَّكاةِ إليه لا تُطلَبُ منه لفَقرِه؛ لأنَّه لا يَجتمِعُ جَوازُ الصَّدقةِ عليه مع وُجوبِها عليه؛ لأنَّ الشَّرعَ لا يَردُ بما لا يُفيدُ، فلو قُلنا بأنَّه يَأخذُ من غيرِه ويُؤدِّي عن نَفسِه كانَ اشتِغالًا بما لا يُفيدُ، واللهُ أمَرَنا بإِعطاءِ الفُقراءِ لا الأخذِ منهم، إذًا فالزَّكاةُ لا تَجبُ على الغَنيِّ الذي يَملِكُ نِصابًا زَكويًّا (١).
стр. 2159
مَنْ تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ:
أولًا: وُجوبُها على الرَّجلِ الحُرِّ المُوسِرِ.
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على الرَّجلِ البالِغِ الحُرِّ المُسلِمِ، وقد استدَلُّوا على ذلك بالسُّنةِ والإِجماعِ.
فعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى من المُسلِمينَ» (١).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على الرَّجلِ المُسلِمِ الحُرِّ المُوسِرِ ما اشتَملَ عليه من قَولِه: «على كلِّ حُرٍّ، أو عَبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى مِنْ المُسلِمينَ»، وهذا نَصٌّ في المَسألةِ.
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ صَدقةَ الفِطرِ تَجبُ على المَرءِ إذا أمكَنَه أَداؤُها عن نَفسِه … » (٢).
ثانيًا: وُجوبُها على العَبدِ المُكاتَبِ.
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على العَبدِ المُكاتَبِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ واجِبةٌ على العبدِ المُكاتَبِ في كَسبِه وليسَ على سَيدِه شَيءٌ وهو مَذهَبَ الحَنابِلةِ ورِوايةٌ للمالِكيةِ ووَجهٌ لِلشافِعيةِ (٣).
стр. 2160
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وليسَ عليه في مُكاتَبِه زَكاةٌ، وعلى المُكاتَبِ أنْ يُخرجَ عن نَفسِه زَكاةَ الفِطرِ (١).
وجاءَ في «الثَّمر الداني»: وكذلك يُخرِجُ زَكاةَ الفِطرِ عن مُكاتَبِه على المَشهورِ وعن مالِكٍ سُقوطُها عنهما، وقيلَ: تَجبُ على المُكاتَبِ (٢).
وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ الشافِعيُّ: وفي المُكاتَبِ كِتابةً صَحيحةً وَجهٌ: أنَّها تَجبُ عليه فِطرتُه (٣).
أدلَّةُ القَولِ الأولِ:
استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ بما يَلي:
١ - أنَّ سَيدَه لا يَمونُه، فلا يَدخلُ تحتَ قَولِه ﷺ : «ممَّن تَمُونونَ» (٤)؛ ولأنَّه لا يَلزمُه مُؤنَتُه، فأشبَهَ الأجنَبيَّ.
٢ - أنَّه يَلزمُه نَفَقةُ نَفسِه فلزِمَته فِطرَتُه كالحُرِّ المُوسِرِ (٥).
القَولُ الثاني: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ واجِبةٌ على السَّيدِ عن مُكاتَبِه، وهو
стр. 2161
المَشهورُ عندَ المالِكيةِ ووَجهٌ لبعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ، وهو قَولُ عَطاءٍ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذِرِ (١).
وقد استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ بالسُّنةِ وبالمَعقولِ.
أولًا: السُّنةُ:
أخرَجَ أبو داودَ وغيرُه عَنْ عَمرِو بنِ شُعيبٍ، عَنْ أَبيه، عَنْ جَدِّه، عَنْ النَّبيِّ ﷺ قالَ: «المُكاتَبُ عبدٌ ما بقِيَ عليه مِنْ مُكاتَبتِه دِرهَمٌ» (٢).
ووَجهُ الاستِدلالِ بهذا الحَديثِ أنَّ المُكاتَبَ عَبدٌ ما بقِيَ عليه دِرهَمٌ، فمِلكُ السَّيدِ عليه ثابِتٌ فتَلزَمُه فِطرَتُه.
ثانيًا: المَعقولُ:
وأمَّا الدَّليلُ من المَعقولِ فهو أنَّ المُكاتَبَ عَبدٌ، وأنَّ الأصلَ في النَّفقةِ عليه واجِبةٌ على سَيدِه، وزَكاةَ الفِطرِ تابِعةٌ للنَّفقةِ، فتَكونُ زَكاةُ الفِطرِ عن العَبدِ المُكاتَبِ واجِبةً على السَّيدِ طِبقًا لِلأصلِ، وإنْ لم يُنفِقْ عليه بسَببِ الكِتابةِ (٣).
القَولُ الثالِثُ: وهو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ لا تَجبُ لا على السَّيدِ ولا على
стр. 2162
العَبدِ المُكاتَبِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ، والصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ، وهو قَولُ سُفيانَ الثَّوريِّ ومالِكٍ في رِوايةٍ (١).
قالَ الإمامُ البابَرتيُّ ﵀ من الحَنفيةِ: ولا يُخرِجُ عن مُكاتَبِه لعَدمِ الوِلايةِ؛ ولأنَّه لا يَمونُه، ولا المُكاتَبُ عن نَفسِه لفَقرِه؛ لأنَّه مَملوكٌ مالًا (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفي المُكاتَبِ ثَلاثةُ أَقوالٍ أو أوجُهٍ، أصَحُّها: لا فِطرةَ عليه، ولا على سَيدِه عنه، والثاني تَجبُ على سَيدِه، والثالِثُ: تَجبُ عليه في كَسبِه كنَفقتِه (٣).
واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ القائِلونَ بعَدمِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على العَبدِ ولا عن سَيدِه بالمَعقولِ، وهو من ثَلاثةِ أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّ المُكاتَبَ لم يَزلْ عَبدًا ما بَقيَ عليه دِرهمٌ، والعَبدُ لا تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ، فكذلك المُكاتَبُ لا تَجبُ عليه؛ لأنَّه ناقِصُ المِلكِ.
والثاني: أنَّ السَّيدَ لا يَمونُ عبدَه المُكاتَبُ ووِلايتَه عليه ناقِصةٌ، وزَكاةَ الفِطرِ إنَّما تَجبُ بكَمالِ الوِلايةِ والمُؤنةِ، إذًا فهي غيرُ واجِبةٍ على السَّيدِ.
والثالِثُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ زَكاةٌ فلم تَجبْ عليه كزَكاةِ المالِ (٤).
стр. 2163
مَنْ تَجبُ عنه زَكاةُ الفِطرِ:
أولًا: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ.
وفيه مَسائلُ:
المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُسلِمةِ الحُرةِ البالِغةِ.
المَسألةُ الثانيةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ إذا كانَت ناشِزًا.
المَسألةُ الثالِثةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا رَجعيًّا.
المَسألةُ الرابِعةُ: زَكاةُ الفِطرةِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حائِلٌ.
المَسألةُ الخامِسةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ.
المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُسلِمةِ الحُرَّةِ البالِغةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُسلِمةِ البالِغةِ هل تَجبُ على زَوجِها أو تَجبُ عليها عن نَفسِها؟ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ زَكاةَ فِطرةِ الزَّوجةِ تَجبُ على زَوجِها، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ (١).
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: ويُؤدِّي الرَّجلُ عن امرأتِه من مالِه صَدقةَ
стр. 2164
الفِطرِ وإنْ كانَت ذاتَ مالٍ، وليسَ على المَرأةِ أنْ تُؤدِّيَ عن نَفسِها إذا كانَ لها زَوجٌ، إنَّما صَدقةُ الفِطرِ فيها على زَوجِها لأنَّ نَفقتَها على زَوجِها (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: والضَّربُ الثاني: الزَّوجاتُ، فعلى الزَّوجِ عندَنا زَكاةُ فِطرِهنَّ سَواءٌ كُنَّ أَيسارًا أو أَعسارًا (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا الزَّوجاتُ فعليه فِطرتُهنَّ، وبهذا قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وإِسحاقُ (٣).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ويُؤدِّي عن زَوجتِه، نَصَّ عليه (٤).
استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ بالسُّنةِ والمَعقولِ.
أولًا: السُّنةُ:
عَنْ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغِيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (٥).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ قَولُه: «ممَّن تَمُونونَ»، فدَلَّ على أنَّ مَنْ يَمونُ غيرَه تَجبُ عليه فِطرتُه، والزَّوجُ تَجبُ عليه مُؤنةُ زَوجَتِه، فلمَّا كانَت مُؤنَتُها تَلزَمُه كذلك فِطرتُها تَلزمُه (٦).
стр. 2165
وكذلك قَولُه في الحَديثِ: «الصَّغيرِ والكَبيرِ» فهذا ظاهِرُه وُجوبُها على الصَّغيرِ ولكنَّ المُخاطَبَ عنه وَليُّه؛ لأنَّه هو الذي تَلزمُه نَفقتُه، فكذلك الزَّوجةُ (١).
ثانيًا: المَعقولُ:
وأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ:
١ - أنَّ النِّكاحَ سَببٌ تَجبُ به النَّفقةُ، فوجَبَت به الفِطرةُ كالمِلكِ والقَرابةِ بخِلافِ زَكاةِ المالِ، فإنَّها لا تُتحمَّلُ بالقَرابةِ (٢).
٢ - أنَّ كلَّ سَببٍ تَجبُ به النَّفقةُ جازَ أنْ تَجبَ به زَكاةُ الفِطرِ كالمِلكِ والنَّسبِ؛ ولأنَّ كلَّ حَقٍّ يُتحمَّلُ بالنَّسبِ جازَ أنْ يُتحمَّلَ بالزَّوجيَّةِ كالنَّفقةِ.
٣ - أنَّ الزَّوجَ من أهلِ الطُّهرةِ يَلزمُه نَفقةُ شَخصٍ من أهلِ الطُّهرةِ فوجَبَ أنْ يَلزمَه فِطرَه مع القُدرةِ كصِغارِ وَلدِه (٣).
٤ - قياسُ زَكاةِ فِطرةِ الزَّوجةِ على زَكاةِ فِطرةِ العَبدِ بجامِعِ وُجوبِ النَّفقةِ في كلٍّ منهما فالعَبدُ لمَّا وجَبَت نَفقتُه على سَيدِه وجَبَت عليه فِطرتُه فكذلك الزَّوجةُ نَفقتُها واجِبةٌ على زَوجِها، فكذلك فِطرتُها (٤).
القَولُ الثاني: أنَّ زَكاةَ فِطرةِ الزَّوجةِ تَجبُ عليها في مالِها، وهو قَولُ
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ: أنَّ الحَديثَ ذكَرَ مَنْ تَجبُ عليهم زَكاةُ الفِطرِ وذكَرَ منهم الأُنثى، ولَفظُ «الأُنثى» يَشمَلُ ذاتَ الزَّوجِ وغيرَ ذاتِ الزَّوجِ فدَلَّ ذلك على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ واجِبةٌ على الزَّوجةِ في مالِها.
قالَ الحافِظُ العِراقيُّ ﵀: فيه -أي: في هذا الحَديثِ- وُجوبُ زَكاةِ الفِطرِ على الأُنثى، وظاهِرُه إِخراجُها عن نَفسِها من غيرِ فَرقٍ بينَ أنْ يَكونَ لها زَوجٌ أو لا، وبهذا أبو حَنيفةَ وسُفيانُ الثَّوريُّ وابنُ المُنذِرِ وداودُ وابنُ حَزمٍ وابنُ أشرَسَ من المالِكيةِ (١).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه «والذَّكرِ والأُنثَى» ظاهِرُه وُجوبُها على المَرأةِ سَواءٌ كانَ لها زَوجٌ أو لا (٢).
ثانيًا: المَعقولُ: وهو مِنْ وُجوهٍ:
أحدُها: أنَّ شَرطَ تَمامِ السَّببِ كَمالُ الوِلايةِ، وأنَّ وِلايةَ الزَّوجِ عليها ليسَت بكامِلةٍ فلم يَتمَّ السَّببُ (٣).
قالَ الزَّبيديُّ ﵀: ولا يُؤدِّي عن زَوجتِه لقُصورِ الوِلايةِ والمُؤنةِ فإنَّه لا يَليها في غيرِ حُقوقِ النِّكاحِ ولا يَمونُها في الرَّواتبِ كالمُدواةِ وشِبهِها (٤).
стр. 2168
الثاني: أنَّ كلَّ مَنْ وجَبَت عليه زَكاةُ مالِه وجَبَت عليه زَكاةُ فِطرِه كالزَّوجِ.
الثالِثُ: أنَّ كلَّ مَنْ وجَبَت عليه فِطرةُ رَقيقِه وجَبَت عليه فِطرةُ نَفسِه كالخليَّةِ غيرِ ذاتِ الزَّوجِ.
فكما أنَّ المَرأةَ يَجبُ عليها إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عن عبدِها فمِن بابِ أَوْلى أنْ تُخرِجَ عن نَفسِها.
الرابِعُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ حَقٌّ للهِ تعالَى يَتعلَّقُ بالمالِ، فوجَبَ أنْ تَتحمَّلَها الزَّوجةُ كزَكاةِ المالِ والكَفاراتِ.
الخامِسُ: أنَّ النِّكاحَ عَقدٌ مُستباحٌ به المَنفَعةُ، فلم تَجبْ به زَكاةُ الفِطرِ كالمُستأجَرةِ (١).
السادِسُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ فيها مَعنى العِبادةِ، فهو ما تَزوَّجَها ليَحمِلَ عنها العِباداتِ (٢).
المَسألةُ الثانيةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ إذا كانَت ناشِزًا:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ القائِلون بوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الزَّوجةِ على زَوجِها هل تَجبُ زَكاتُها على زَوجِها وإنْ كانَت ناشِزًا أو لا تَجبُ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الزَّوجةَ إذا كانَت ناشِزًا لا تَجبُ فِطرتُها على زَوجِها وإنَّما تُخرِجُها عن نَفسِها.
стр. 2169
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: وإنَّما تَجبُ فِطرةُ من تَجبُ نَفقتُها فإنْ كانَت ناشِزًا لا تَجبُ فِطرتُها بلا خِلافٍ، كما لا تَجبُ نَفقتُها.
قالَ إمامُ الحَرمَينِ: والوَجهُ عِندي القَطعُ بوُجوبِ نَفقتِها عليها حينَئذٍ، وإنْ قُلنا: لا يُلاقيها الوُجوبُ؛ لأنَّها بالنُّشوزِ خرَجَت عن إِمكانِ التَّحمُّلِ، وهذا الذي قالَه الإمامُ مُتعيَّنٌ (١).
وقالَ الإمامُ المَرداويُّ ﵀: قَولُه: ولا يَلزَمُ الزَّوجَ فِطرةُ الناشِزِ هذا الصَّحيحُ من المَذهبِ وعليه أكثَرُ الأَصحابِ (٢).
استدَلُّوا على هذا بقياسِ زَكاةِ الفِطرِ على النَّفقةِ، فكما لا يَلزمُه نَفقتُها كذلك لا تَلزمُه فِطرتُها كالأجنبيَّةِ؛ لأنَّ النَّفقةَ تَسقطُ بالنُّشوزِ، وزَكاةَ الفِطرِ تابِعةٌ لها في الوُجوبِ والسُّقوطِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فلو نشَزَت على زَوجِها عندَ إِهلالِ شَوالٍ لم تَلزمْه نَفقتُها ولا زَكاةُ فِطرِها؛ لأنَّ النَّفقةَ تَسقطُ بالنُّشوزِ، وزَكاةَ الفِطرِ تابِعةٌ لها في الوُجوبِ والسُّقوطِ، ويَلزَمُها زَكاةُ الفِطرِ عن نَفسِها إنْ كانَت واجِدةً (٣).
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ نشَزَت المَرأةُ في وقتِ الوُجوبِ ففِطرتُها على نَفسِها دونَ زَوجِها؛ لأنَّ نَفقتَها لا تَلزَمُه … لأنَّ هذه ممَّن لا تَلزمُه مُؤنَتُه فلا تَلزمُه فِطرَتُه كالأجنبيَّةِ (٤).
стр. 2170
وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: ولا فِطرةَ على زَوجةٍ ناشِزٍ ولو حامِلًا لأنَّها لا نَفقةَ لها فهي كالأجنبيَّةِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أبو الخَطابِ من الحَنابِلةِ إلى أنَّ الزَّوجةَ إنْ كانَت ناشِزًا فزَكاتُها واجِبةٌ على زَوجِها وليسَت عليها؛ لوَجهَينِ:
أحَدُهما: قياسُ الزَّوجةِ الناشِزِ على الزَّوجةِ المَريضةِ بجامِعِ عَدمِ الإِنفاقِ في كلٍّ، والمَريضةُ تَجبُ زَكاةُ الفِطرِ عنها، فكذلك الناشِزُ.
الثاني: أنَّ الزَّوجةَ الناشِزَ لم يُخرِجْها نُشوزُها عن كَونِها زَوجةً، فالزَّوجيَّةُ ثابِتةٌ عليها، والزَّوجيَّةُ تُوجبُ زَكاةَ الفِطرِ، إذًا فالناشِزُ تَجبُ زَكاةُ الفِطرِ عنها (٢).
المَسألةُ الثالِثةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا رَجعيًّا:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ القائِلينَ بوُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الزَّوجةِ على زَوجِها أنَّها إنِ كانَت مُطلَّقةً طَلاقًا رَجعيًّا يَلزمُه زَكاةُ فِطرتِها (٣).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا المُطلَّقةُ فضَربانِ: رَجعيَّةٌ وبائِنةٌ، فالرَّجعيَّةُ لها النَّفقةُ في عِدَّتِها، وعلى الزَّوجِ زَكاةُ فِطرَتِها (٤).
стр. 2171
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: تَجبُ عليه فِطرةُ زَوجَتِه الرَّجعيَّةِ كنَفقتِها (١).
وقد استدَلُّوا على ذلك بالمَعقولِ، وهو مِنْ وُجوهٍ:
الوَجهُ الأوَّلُ: قِياسُ الزَّوجةِ المُطلَّقةِ -طَلاقًا رَجعيًّا- على الزَّوجةِ غيرِ المُطلَّقةِ بجامِعِ وُجوبِ النَّفقةِ عليها، والزَّوجةُ غيرُ المُطلَّقةِ تَجبُ زَكاةُ فِطرتِها على زَوجِها، فكذلك المُطلَّقةُ طَلاقًا رَجعيًّا؛ لأنَّ الفِطرةَ تابِعةٌ للنَّفقةِ.
الوَجهُ الثاني: أنَّ الزَّوجةَ المُطلَّقةَ طَلاقًا رَجعيًّا تَجبُ نَفقتُها على زَوجِها في عدَّتِها كذلك تَجبُ فِطرتُها عليه تَبعًا للنَّفقةِ (٢).
الوَجهُ الثالِثُ: أنَّ الحَياةَ الزَّوجيَّةَ لم تَنقطِعْ في أثناءِ عدَّةِ الرَّجعيَّةِ، وقد ورَّثَها الشَّرعُ إذا ماتَ زَوجُها في أثناءِ عدَّتِها والعَكسُ صَحيحٌ.
المَسألةُ الرابِعةُ: زَكاةُ الفِطرةِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حائِلٌ:
اتَّفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّوجةَ المُطلَّقةَ طَلاقًا بائِنًا وهي حائِلٌ (غَيرُ حامِلٍ) لا يَجبُ على زَوجِها زَكاةُ فِطرتِها؛ لأنَّ المُطلَّقةَ طَلاقًا بائِنًا وهي حائِلٌ (غَيرُ حامِلٍ) لم تَكنْ زَوجةً بعدَ الطَّلاقِ، وقد ارتَفعَت عنها جَميعُ أَحكامِ الزَّوجيَّةِ فصارَت أجنبيَّةً، والأجنبيَّةُ لا تَجبُ فِطرتُها على مَنْ هي أجنبيَّةٌ عنه، كما لا تَجبُ نَفقتُها (٣).
стр. 2172
المَسألةُ الخامِسةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ هل تَجبُ فِطرتُها على زَوجِها أو لا؟ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ واجِبةٌ على زَوجِها، وهو قَولُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةِ في رِوايةٍ؛ لأنَّ زَكاةَ فِطرِ الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ واجِبةٌ على زَوجِها بسَببِ الحَملِ وليسَت للحَملِ وَحدَه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فأمَرَ اللهُ بالنَّفقةِ عليهن، والفِطرةُ تابِعةٌ للنَّفقةِ، ونَفقةُ البائِنِ الحامِلِ واجِبةٌ على زَوجِها، فكَذلك فِطرتُها (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا البائِنُ فإنْ كانَت حائِلًا فلا فِطرةَ عليه عنها، كما لا تَجبُ نَفقةٌ عليه لها، ويَلزَمُها فِطرةُ نَفسِها، وإنْ كانَت حامِلًا فطَريقانِ مَشهورانِ في كُتبِ الخُراسانيِّينَ وغيرِهم.
أحَدُهما: القَطعُ بوُجوبِ الفِطرةِ عليه كالنَّفقةِ، وهذا الراجِحُ عندَ الشَّيخِ أبي علِيٍّ السَّبخيِّ وإمامِ الحَرمَينِ والغَزاليِّ.
стр. 2173
والثاني: وهوالأصَحُّ وبه قطَعَ أكثَرُ العِراقيِّينَ. قالَ الرافِعيُّ: وبه قطَعَ الأكثَرونَ أنَّ الفِطرةَ مَبنيَّةٌ على الخِلافِ المَشهورِ أنَّ الفِطرةَ تَجبُ للحامِلِ أم للحَملِ (إنْ قُلنا) بالأولِ وجَبَت وإلا فلا؛ لأنَّ الجَنينَ لا تَجبُ فِطرَتُه.
ثم قالَ: وسَواءٌ رجَّحْنا الطَّريقَ الأولَ أو الثاني، فالمَذهبُ وُجوبُ الفِطرةِ لأنَّ الأصَحَّ أنَّ النَّفقةَ للحامِلِ بسَببِ الحَملِ (١).
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا البائِنُ فلها حالاتٌ: حامِلٌ وحائِلٌ … فإنْ كانَت حامِلًا فلَها السُّكنى والنَّفقةُ، وهل على الزَّوجِ زَكاةُ الفِطرةِ؟ على وَجهَينِ مُخرَجَينِ من اختِلافِ قَولِه في نَفقةِ الحامِلِ هل وجَبَت لها أو لحَملِها، فإنْ قُلنا: إنَّ النَّفقةَ وجَبَت لها فعلى الزَّوجِ زَكاةُ الفِطرِ تَبعًا للنَّفقةِ، وإنْ قيلَ: إنَّ النَّفقةَ تَجبُ لحَملِها لم يَلزمِ الزَّوجَ زَكاةُ فِطرِها؛ لأنَّ النَّفقةَ ليسَت لها، والحَملَ لا يُزكَّى عنه (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وتَلزمُه فِطرةُ البائِنِ الحامِلِ إنْ قُلنا: النَّفقةُ لها، وإنْ قُلنا: للحَملِ لم تَجبْ على الأصَحِّ بِناءً على وُجوبِها عن الجَنينِ وفي الرِّعايةِ إنْ وجَبَت نَفقتُه وجَبَت فِطرتُه وفي أمِّه وَجهانِ (٣).
القَولُ الثاني: أنَّ زَكاةَ فِطرةِ الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ لا تَجبُ فِطرَتُها على زَوجِها، وهو مَذهبُ المالِكيةِ، والصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ وأحدُ القولَينِ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّ زَكاةَ الفِطرِ إنَّما تَجبُ على الزَّوجِ تَبعًا
стр. 2174
للنَّفقةِ، والبائِنُ الحامِلُ لا نَفقةَ لها في الحَقيقةِ، وإنَّما النَّفقةُ للحَملِ إذًا فلا يَجبُ على الزَّوجِ زَكاةُ الفِطرِ عنها (١).
قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الموَّاقُ المالِكيُّ: لو طلَّقَ المَدخولَ بها طَلقةً رَجعيَّةً لزِمَه النَّفقةُ عليها وأداءُ الفِطرةِ عنها، بخِلافِ لو طلَّقَها بائِنًا وهي حامِلٌ فلا يُزكِّي عنها، وإنْ كانَت النَّفقةُ عليه (٢).
وقالَ الإمامُ الزَّرقانيُّ ﵀: وهذه من المَسائِلِ التي تَجبُ فيها النَّفقةُ ولا تَجبُ فيها زَكاةُ الفِطرِ كمَن يَمونُه المُزكِّي بالتِزامٍ من رَبيبةٍ أو أجنَبيٍّ أو بحَملٍ كحامِلٍ بائِنةٍ يَمونُها لِأجلِ حَملِها (٣).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: وهي مِنْ المَسائلِ التي تَجبُ فيها النَّفقةُ دونَ الزَّكاةِ كمَن يَمونُه المُزكِّي بالتِزامٍ أو بأُجرةٍ كمَن أُجرتُه طَعامُه، أو بحَملٍ كمُطلَّقةٍ بائنةٍ حامِلٍ (٤).
وقالَ المَرداويُّ ﵀: يَلزمُه فِطرةُ البائِنِ إنْ قُلنا إنَّ النَّفقةَ لها، وإنْ قُلنا للحَملِ لم تَجبْ على أصَحِّ الرِّوايتَينِ (٥).
стр. 2175
زَكاةُ الفِطرِ عن الأولادِ:
وفيها مَسائِلُ:
المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لا مالَ لهم.
المَسألةُ الثانيةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لَهم مالٌ.
المَسألةُ الثالِثةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم.
المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لا مالَ لهم:
اتَّفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لا مالَ لهم واجِبةٌ على والِدِهم لِما رُويَ عَنْ عبدِ اللَّه بْنِ ثَعلبَةَ قالَ: خطَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ -أَوْ يَومَينِ- فقالَ: «أَدُّوا صاعًا مِنْ بُرٍّ، أو قَمحٍ بينَ اثنَينِ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ أَحدٍ صَغيرٍ أوكَبيرٍ» (١).
وعَن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العبدٍ والحُرٍّ، الذَّكرٍ أو الأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ» (٢).
ووَجهُ الاستِدلالِ من هذَينِ الحَديثَينِ أنَّه أمَرَ بالأداءِ عن الصَّغيرِ، وأنَّ المُخاطَبَ عن الصَّغيرِ وَليُّه؛ لأنَّه هو الذي تَلزمُه نَفقتُه فدَلَّ الحَديثانِ على وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ على الوالِدِ عن وَلدِه الصَّغيرِ.