← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: تَجبُ عليه فِطرةُ زَوجَتِه الرَّجعيَّةِ كنَفقتِها (١). وقد استدَلُّوا على ذلك بالمَعقولِ، وهو مِنْ وُجوهٍ: الوَجهُ الأوَّلُ: قِياسُ الزَّوجةِ المُطلَّقةِ -طَلاقًا رَجعيًّا- على الزَّوجةِ غيرِ المُطلَّقةِ بجامِعِ وُجوبِ النَّفقةِ عليها، والزَّوجةُ غيرُ المُطلَّقةِ تَجبُ زَكاةُ فِطرتِها على زَوجِها، فكذلك المُطلَّقةُ طَلاقًا رَجعيًّا؛ لأنَّ الفِطرةَ تابِعةٌ للنَّفقةِ. الوَجهُ الثاني: أنَّ الزَّوجةَ المُطلَّقةَ طَلاقًا رَجعيًّا تَجبُ نَفقتُها على زَوجِها في عدَّتِها كذلك تَجبُ فِطرتُها عليه تَبعًا للنَّفقةِ (٢). الوَجهُ الثالِثُ: أنَّ الحَياةَ الزَّوجيَّةَ لم تَنقطِعْ في أثناءِ عدَّةِ الرَّجعيَّةِ، وقد ورَّثَها الشَّرعُ إذا ماتَ زَوجُها في أثناءِ عدَّتِها والعَكسُ صَحيحٌ. المَسألةُ الرابِعةُ: زَكاةُ الفِطرةِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حائِلٌ: اتَّفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ الزَّوجةَ المُطلَّقةَ طَلاقًا بائِنًا وهي حائِلٌ (غَيرُ حامِلٍ) لا يَجبُ على زَوجِها زَكاةُ فِطرتِها؛ لأنَّ المُطلَّقةَ طَلاقًا بائِنًا وهي حائِلٌ (غَيرُ حامِلٍ) لم تَكنْ زَوجةً بعدَ الطَّلاقِ، وقد ارتَفعَت عنها جَميعُ أَحكامِ الزَّوجيَّةِ فصارَت أجنبيَّةً، والأجنبيَّةُ لا تَجبُ فِطرتُها على مَنْ هي أجنبيَّةٌ عنه، كما لا تَجبُ نَفقتُها (٣).

стр. 2172

المَسألةُ الخامِسةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ هل تَجبُ فِطرتُها على زَوجِها أو لا؟ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ واجِبةٌ على زَوجِها، وهو قَولُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ عندَهم والحَنابِلةِ في رِوايةٍ؛ لأنَّ زَكاةَ فِطرِ الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ واجِبةٌ على زَوجِها بسَببِ الحَملِ وليسَت للحَملِ وَحدَه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فأمَرَ اللهُ بالنَّفقةِ عليهن، والفِطرةُ تابِعةٌ للنَّفقةِ، ونَفقةُ البائِنِ الحامِلِ واجِبةٌ على زَوجِها، فكَذلك فِطرتُها (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا البائِنُ فإنْ كانَت حائِلًا فلا فِطرةَ عليه عنها، كما لا تَجبُ نَفقةٌ عليه لها، ويَلزَمُها فِطرةُ نَفسِها، وإنْ كانَت حامِلًا فطَريقانِ مَشهورانِ في كُتبِ الخُراسانيِّينَ وغيرِهم. أحَدُهما: القَطعُ بوُجوبِ الفِطرةِ عليه كالنَّفقةِ، وهذا الراجِحُ عندَ الشَّيخِ أبي علِيٍّ السَّبخيِّ وإمامِ الحَرمَينِ والغَزاليِّ.

стр. 2173

والثاني: وهوالأصَحُّ وبه قطَعَ أكثَرُ العِراقيِّينَ. قالَ الرافِعيُّ: وبه قطَعَ الأكثَرونَ أنَّ الفِطرةَ مَبنيَّةٌ على الخِلافِ المَشهورِ أنَّ الفِطرةَ تَجبُ للحامِلِ أم للحَملِ (إنْ قُلنا) بالأولِ وجَبَت وإلا فلا؛ لأنَّ الجَنينَ لا تَجبُ فِطرَتُه. ثم قالَ: وسَواءٌ رجَّحْنا الطَّريقَ الأولَ أو الثاني، فالمَذهبُ وُجوبُ الفِطرةِ لأنَّ الأصَحَّ أنَّ النَّفقةَ للحامِلِ بسَببِ الحَملِ (١). وقالَ الماوَرديُّ ﵀: فأمَّا البائِنُ فلها حالاتٌ: حامِلٌ وحائِلٌ … فإنْ كانَت حامِلًا فلَها السُّكنى والنَّفقةُ، وهل على الزَّوجِ زَكاةُ الفِطرةِ؟ على وَجهَينِ مُخرَجَينِ من اختِلافِ قَولِه في نَفقةِ الحامِلِ هل وجَبَت لها أو لحَملِها، فإنْ قُلنا: إنَّ النَّفقةَ وجَبَت لها فعلى الزَّوجِ زَكاةُ الفِطرِ تَبعًا للنَّفقةِ، وإنْ قيلَ: إنَّ النَّفقةَ تَجبُ لحَملِها لم يَلزمِ الزَّوجَ زَكاةُ فِطرِها؛ لأنَّ النَّفقةَ ليسَت لها، والحَملَ لا يُزكَّى عنه (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وتَلزمُه فِطرةُ البائِنِ الحامِلِ إنْ قُلنا: النَّفقةُ لها، وإنْ قُلنا: للحَملِ لم تَجبْ على الأصَحِّ بِناءً على وُجوبِها عن الجَنينِ وفي الرِّعايةِ إنْ وجَبَت نَفقتُه وجَبَت فِطرتُه وفي أمِّه وَجهانِ (٣). القَولُ الثاني: أنَّ زَكاةَ فِطرةِ الزَّوجةِ المُطلَّقةِ طَلاقًا بائِنًا وهي حامِلٌ لا تَجبُ فِطرَتُها على زَوجِها، وهو مَذهبُ المالِكيةِ، والصَّحيحُ عندَ الحَنابِلةِ وأحدُ القولَينِ عندَ الشافِعيةِ؛ لأنَّ زَكاةَ الفِطرِ إنَّما تَجبُ على الزَّوجِ تَبعًا

стр. 2174

للنَّفقةِ، والبائِنُ الحامِلُ لا نَفقةَ لها في الحَقيقةِ، وإنَّما النَّفقةُ للحَملِ إذًا فلا يَجبُ على الزَّوجِ زَكاةُ الفِطرِ عنها (١). قالَ الإمامُ أبو عبدِ اللهِ الموَّاقُ المالِكيُّ: لو طلَّقَ المَدخولَ بها طَلقةً رَجعيَّةً لزِمَه النَّفقةُ عليها وأداءُ الفِطرةِ عنها، بخِلافِ لو طلَّقَها بائِنًا وهي حامِلٌ فلا يُزكِّي عنها، وإنْ كانَت النَّفقةُ عليه (٢). وقالَ الإمامُ الزَّرقانيُّ ﵀: وهذه من المَسائِلِ التي تَجبُ فيها النَّفقةُ ولا تَجبُ فيها زَكاةُ الفِطرِ كمَن يَمونُه المُزكِّي بالتِزامٍ من رَبيبةٍ أو أجنَبيٍّ أو بحَملٍ كحامِلٍ بائِنةٍ يَمونُها لِأجلِ حَملِها (٣). وقالَ الدَّرديرُ ﵀: وهي مِنْ المَسائلِ التي تَجبُ فيها النَّفقةُ دونَ الزَّكاةِ كمَن يَمونُه المُزكِّي بالتِزامٍ أو بأُجرةٍ كمَن أُجرتُه طَعامُه، أو بحَملٍ كمُطلَّقةٍ بائنةٍ حامِلٍ (٤). وقالَ المَرداويُّ ﵀: يَلزمُه فِطرةُ البائِنِ إنْ قُلنا إنَّ النَّفقةَ لها، وإنْ قُلنا للحَملِ لم تَجبْ على أصَحِّ الرِّوايتَينِ (٥).

стр. 2175

زَكاةُ الفِطرِ عن الأولادِ: وفيها مَسائِلُ: المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لا مالَ لهم. المَسألةُ الثانيةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لَهم مالٌ. المَسألةُ الثالِثةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم. المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لا مالَ لهم: اتَّفَقَ الفُقهاءُ على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لا مالَ لهم واجِبةٌ على والِدِهم لِما رُويَ عَنْ عبدِ اللَّه بْنِ ثَعلبَةَ قالَ: خطَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ -أَوْ يَومَينِ- فقالَ: «أَدُّوا صاعًا مِنْ بُرٍّ، أو قَمحٍ بينَ اثنَينِ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ أَحدٍ صَغيرٍ أوكَبيرٍ» (١). وعَن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العبدٍ والحُرٍّ، الذَّكرٍ أو الأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ» (٢). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذَينِ الحَديثَينِ أنَّه أمَرَ بالأداءِ عن الصَّغيرِ، وأنَّ المُخاطَبَ عن الصَّغيرِ وَليُّه؛ لأنَّه هو الذي تَلزمُه نَفقتُه فدَلَّ الحَديثانِ على وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ على الوالِدِ عن وَلدِه الصَّغيرِ.

стр. 2176

وعَنِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (١). وقد نقَلَ جَماعةٌ من العُلماءِ الإِجماعَ على ذلك. قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ صَدقةَ الفِطرِ تَجبُ على المَرءِ إذا أمكَنَه أَداؤُها عن نَفسِه وأَولادِه الأَطفالِ الذين لا أَموالَ لهم (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: قد أجمَعوا أنَّ عليه أنْ يُؤدِّيَ عن ابنِه الصَّغيرِ إذا لزِمَته نَفقتُه (٣). وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ من كان مُخاطَبًا بزَكاةِ الفِطرِ على اختِلافِهم في صِفَتِه تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عن نَفسِه وعن غيرِه من أَولادِه الصِّغارِ (٤). المَسألةُ الثانيةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لَهم مالٌ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في حُكمِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لهم مالٌ؛ هل تَجبُ زَكاةُ الفِطرِ عنهم في مالِهم أو هم على والِدِهم؟ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لهم مالٌ واجِبةٌ

стр. 2177

عليهم في أَموالِهم، وإلى هذا القَولِ ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأبو حَنيفةَ وأبو يُوسفَ وغيرُهم من العُلماءِ (١). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: والجُمهورُ على أنَّه لا تَجبُ على المَرءِ في أَولادِه الصِّغارِ إذا كانَ لهم مالٌ زَكاةُ الفِطرِ، وبه قالَ الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ ومالِكٌ (٢). وقالَ الإمامُ الحَصكَفيُّ ﵀: ولا عن طِفلِه الغَنيِّ لعَدمِ المُؤنةِ، بل هي واجِبةٌ من مالِ الطِّفلِ؛ لأنَّها مُؤنةٌ كالنَّفقةِ (٣). وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ ﵀: ويَلزَمُه عن وَلدِه الصَّغيرِ إذا لم يَكنْ له مالٌ، فإنْ كانَ له مالٌ أخرَج عنه من مالِه (٤). قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: «قالَ الشافِعيُّ ﵀: وإنْ كانَ وَلَدُه في وِلايَتِه لهم أَموالٌ زَكَّى منها عنهم إلا أنْ يَتطوَّعَ فيُجزئَ عنهم». قالَ الماوَرديُّ: قد ذكَرْنا أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تابِعةٌ للمَنفَعةِ، فإذا كانَ للرَّجلِ أَولادٌ صِغارٌ في وِلايَتِه ولهم أَموالٌ فنَفَقتُهم وزَكاةُ فِطرِهم في أَموالِهم دونَ مالِ أبيهم، وهو قَولُ الجَماعةِ (٥).

стр. 2178

وقالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: وتَجبُ في مالِ صَغيرٍ تَلزمُه مُؤنةُ نَفسِه لغِناه بمالٍ لو كسَب ويُخرِجُها أَبوه عنه (١). استدَلَّ الجُمهورُ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لهم مالٌ بأنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في أَموالِهم بالسُّنةِ والمَعقولِ: أمَّا السُّنةُ: فعَن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (٢). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ مَنْ يَمونُ غيرَه يَجبُ عليه أنْ يُخرِجَ عنه، والصَّغيرُ الذي له مالٌ مُؤنَتُه في مالِه، وزَكاةُ الفِطرِ تابِعةٌ للنَّفقةِ، فتَكونُ زَكاةُ الفِطرِ واجِبةً على الصَّغيرِ في مالِه. قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ومُؤنةُ الأطفالِ في أَموالِهم، فوجَبَ أنْ تَكونَ زَكاةُ فِطرِهم تابِعةً للنَّفَقةِ في أَموالِهم، ألَا تَرى أنَّ البالِغَ لمَّا وجَبَت نَفقتُه في مالِه وجَبَت زَكاةُ فِطرِه في مالِه، والصَّغيرُ الفَقيرُ لمَّا وجَبَت نَفقتُه على أَبيه وجَبَت زَكاةُ فِطرِه على أَبيه، وكذا الصَّغيرُ الغَنيُّ لمَّا وجَبَت نَفقتُه في مالِه وجَبَت زَكاةُ فِطرِه في مالِه، فإذا ثبَتَ أنَّها في أَموالِهم، فإنْ تَطوَّعَ الأبُ فأخرَجَها عنهم من مالِه أجزَأَ وكانَ مُتطوِّعًا بها (٣). وأمَّا المَعقولُ: فهو قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على النَّفقةِ بجامِعِ الوُجوبِ في كلٍّ ونَفَقةُ الصَّغيرِ إذا كانَ له مالٌ واجِبةٌ في مالِه، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ عنه.

стр. 2179

القَولُ الثاني: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لهم مالٌ واجِبةٌ على أَبيهم، وهو قَولُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ وزُفرَ بنِ الهُذيلِ من الحَنفيةِ؛ لأنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ الذين لهم مالٌ واجِبةٌ على أَبيهم من وَجهَينِ: الأولُ: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ، فكما لا تَجبُ زَكاةُ المالِ على الصَّبيِّ -وهذا على مَذهبِ الحَنفيةِ- فكذلك زَكاةُ الفِطرِ. الثاني: أنَّها عِبادةٌ والصَّبيُّ ليسَ بأهلٍ لوُجوبِ العِبادةِ عليه، فإنَّ الوُجوبَ يَنبَني على الخِطابِ (١). قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وإذا كانَ للوَلدِ الصَّغيرِ مالٌ أدَّى عنه أَبوه من مالِ الصَّغيرِ في قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ -رحمهما الله-، وقالَ مُحمدٌ وزُفَرُ -رحمهما الله-: يُؤدِّي من مالِ نَفسِه، ولوأدَّى من مالِ الصَّغيرِ ضمِنَ (٢). المَسألةُ الثالِثةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم: اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم على ثَلاثةِ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم واجِبةٌ على أَبيهم إنْ كانوا غيرَ قادِرينَ على الكَسبِ؛ كأنْ يَكونوا فُقراءَ زَمنَى (٣)

стр. 2180

أومَجانينَ، فإنْ كانوا قادِرينَ على الكَسبِ وهُم عُقلاءُ أَصحاءُ فلا تَجبُ على أَبيهم، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ (١). قالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: وتَلزَمُ الرَّجلَ نَفسُه ومَن تَلزمُه نَفقتُه من المُسلِمينَ مِنْ وَلدٍ صَغيرٍ لا مالَ له أو كَبيرٍ زَمِنٍ فَقيرٍ (٢). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: وأمَّا المَولودونَ فهم البَنونَ والبَناتُ وسِواهم وإنْ سفَلوا وهم ضَربانِ: أحَدُهما: أَغنياءُ. والآخَرُ: فُقراءُ. فإنْ كانوا أَغنياءَ فنَفقاتُهم في أَموالِهم، وكذلك زَكاةُ فِطرِهم، وإنْ كانوا فُقَراءَ فضَربانِ: أحَدُهما: أنْ يَعجِزوا عن مَنافِعِ أنْفُسِهم لِصِغرٍ أوجُنونٍ أو زَمانةٍ، فعَلى الوالِدِ -وإنْ علا- نَفقاتُهم. والضَّربُ الثاني: أنْ يَكونوا كِبارًا أَصحاءَ لا يَعجِزونَ عن مَنافِعِ أنفُسِهم، فمَذهبُ الشافِعيِّ أنَّه لا تَجبُ على الوالِدِ نَفقاتُهم ولا زَكاةُ فِطرِهم (٣).

стр. 2181

واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم واجِبةٌ على أَبيهم إنْ كانوا غيرَ قادِرينَ على الكَسبِ، كأنْ يَكونوا زَمنَى أو مَجانينَ، وأنَّها غيرُ واجِبةٍ على أَبيهم إنْ كانوا قادِرينَ على الكَسبِ، بالسُّنةِ والمَعقولِ: أمَّا السُّنةُ: فحَديثُ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغِيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ مَنْ تَلزمُه مُؤنةُ غيرِه تَلزمُه زَكاةُ الفِطرِ عنه، وأنَّ الأَولادَ الكِبارَ إذا كانوا غيرَ قادِرينَ على الكَسبِ كأنْ يَكونوا زَمنَى أو مَجانينَ تَلزمُ أَباهم مُؤنَتُهم، وما دامَ يَلزمُه مُؤنَتُهم يَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عنهم إذًا. وكما أنَّ الأبَ يَلزمُه مُؤنةُ أَولادِه الصِّغارِ وفِطرَتُهم؛ لأنَّهم غيرُ قادِرينَ على الكَسبِ فكذلك يَلزمُه فِطرةُ أَولادِه الكِبارِ إنْ كانوا غيرَ قادِرينَ على الكَسبِ. وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تَجبُ تَبعًا للنَّفقةِ، فمَن وجَبَت عليه نَفقتُه وجَبَت عليه فِطرتُه، ونَفقةُ الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم وهُم قادِرونَ على الكَسبِ لا تَجبُ على أَبيهم، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ لا تَجبُ على أَبيهم، وأمَّا إنْ كانوا غيرَ قادِرينَ على الكَسبِ فتَجبُ على أَبيهم نَفقتُهم فكذلك تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عنهم.

стр. 2182

القَولُ الثاني: زَكاةُ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم واجِبةٌ على أَبيهم إذا لزِمَته نَفقتُهم، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ؛ لحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ الله ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغِيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (١). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ زَكاةَ الفِطرِ واجِبةٌ على مَنْ وجَبَت عليه نَفقةُ غيرِه أنْ يُؤدِّي عنه، والأَولادُ الكِبارُ الذين لا مالَ لهم إذا كانوا في نَفقةِ أَبيهم فعِندَئذٍ تَجبُ زَكاةُ الفِطرِ على أَبيهم. ولأنَّ زَكاةَ الفِطرِ تابِعةٌ للنَّفقةِ؛ لأنَّ مَنْ لزِمَه فِطرةُ نَفسِه لزِمَه فِطرةُ مَنْ تَلزمُه مُؤنَتُه إنْ قدِرَ، ونَفقةُ الوَلدِ الكَبيرِ الفَقيرِ واجِبةٌ على أَبيه إذًا، فزَكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ عليه (٢). القَولُ الثالِثُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن الأَولادِ الكِبارِ الذين لا مالَ لهم غيرُ واجِبةٍ على أَبيهم مُطلَقًا، سَواءٌ كانوا قادِرينَ على الكَسبِ أو غيرَ قادِرينَ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (٣). قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا الكِبارُ العُقلاءُ فلا يُخرَجُ عنهم عندَنا، وإنْ كانوا في عيالِه بأنْ كانوا فُقَراءَ زَمنَى (٤).

стр. 2183

واستدَلَّ الحَنفيةُ على عَدمِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الأَولادِ الصِّغارِ على أَبيهم بالمَعقولِ، وهو: ١ - أنَّ سَببَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الغيرِ المُؤنةُ والوِلايةُ، وليسَ لِلأبِ على وَلدِه الكَبيرِ وِلايةٌ كامِلةٌ، ولِهذا لم يَتحقَّقْ أحَدُ شَطرَيِ السَّببِ، وهو الوِلايةُ، إذًا تَكونُ زَكاةُ الفِطرِ غيرَ واجِبةٍ عليه. ٢ - أنَّ الوَلدَ الكَبيرَ إنْ كانَ مُوسِرًا فزَكاةُ الفِطرِ واجِبةٌ عليه عن نَفسِه، فإنْ لم يَكنْ مُوسِرًا فهو مُعسِرٌ، والمُعسِرُ تَسقطُ عنه زَكاةُ الفِطرِ لإِعسارِه، إذًا فزَكاةُ الفِطرِ غيرُ واجِبةٍ على الأبِ (١).

стр. 2184

حُكمُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن الوالِدَينِ: وفيه مَسألتانِ: المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن الوالِدَينِ الفَقيرَينِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الفِطرِ عن الوالِدَينِ الفَقيرَينِ هل تَجبُ على الابنِ أو لا تَجِبُ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الوالِدَينِ الفَقيرَينِ واجِبةٌ على وَلدِهما، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ والشافِعيةِ في قَولٍ (١). قالَ ابنُ الجَلابِ ﵀: ويَجبُ على المَرءِ إِخراجُها عمَّن تَلزمُه نَفقتُه من والدَيْه الفَقيرَينِ المُسلِمينَ (٢). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وتَلزمُه فِطرةُ أبَوَيهِ وإنْ عَلَوا (٣). واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (٤).

стр. 2185

ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ مَنْ يَمونُ غيرَه يَلزمُه أنْ يُؤدِّيَ عنه، ومُؤنةُ الوالِدَينِ الفَقيرَينِ واجِبةٌ على وَلدِهما، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ عنهما واجِبةٌ عليه. ولأنَّ زَكاةَ الفِطرِ تابِعةٌ للنَّفقةِ فمَن وجَبَت عليه نَفقةُ غيرِه وجَبَت عليه زَكاةُ الفِطرِ عنه، ونَفقةُ الوالِدَينِ الفَقيرَينِ واجِبةٌ على وَلدِهما، إذًا تَكونُ زَكاةُ الفِطرِ واجِبةً عليه عنهما. القَولُ الثاني: زَكاةُ الفِطرِ عن الوالِدَينِ الفَقيرَينِ غيرُ واجِبةٍ على وَلدِهما وإنْ كانا زَمِنَينِ في عيالِه وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (١). قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وليسَ على الرَّجلِ أنْ يُؤدِّيَ عن أبَوَيهِ ولا عن أحَدٍ من قَرابَتِه وإنْ كانوا في عيالِه (٢). وقالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ولا يَلزمُه أنْ يُخرِجَ عن أبَوَيهِ وإنْ كانا في عيالِه؛ لعَدمِ الوِلايةِ عليهما (٣). واستدَلَّ الحَنفيةُ على مَذهبِهم هذا بالمَعقولِ، وهو مِنْ وَجهَينِ: الأولُ: هو أنَّ سَببَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الغيرِ هو المُؤنةُ وكَمالُ الوِلايةِ وليسَ للوَلدِ على والِدَيه وِلايةٌ إذًا لا تَجبُ زَكاةُ الفِطرِ عنهما. الثاني: أنَّه مُتَبرعٌ بالإنفاقِ عليهما، فهو كمَن تَبرعَ بالإنفاقِ على الغيرِ،

стр. 2186

والمُتبرعُ بالإِنفاقِ على الغيرِ لا تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عنه، فكذلك لا تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عن والِدَيه الفَقيرَينِ؛ لأنَّه مُتبرعٌ بالإنفاقِ عليهما (١). القَولُ الثالِثُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الوالِدَينِ الفَقيرَينِ واجِبةٌ على وَلدِهما إذا اجتمَعَ فيهما الفَقرُ والزَّمانةُ، وإلا لا تَجبْ، وهو قَولُ الشافِعيةِ في المَذهبِ (٢). قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإنْ كانوا فُقراءَ فلهم حالانِ: حالُ صِحَّةٍ وحالُ زَمانةٍ، فإنْ كانوا فُقراءَ زَمنَى فنَفقاتُهم على أَولادِهم واجِبةٌ، وكذلك زَكاةُ فِطرِهم، وإنْ كانوا فُقراءَ أَصحاءَ فمَذهبُ الشافِعيِّ أنَّها لا تَجبُ نَفقاتُهم ولا زَكاةُ فِطرِهم حتى يَجتمِعَ فيهم الأَمرانِ جَميعًا: الفَقرُ والزَّمانةُ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وعلى الوَلدِ فِطرةُ والِدِه وإنْ علا بشَرطِ أنْ تَكونَ نَفقتُه عليه واجِبةً، فإنْ لم تَكنْ نَفقتُه واجِبةً عليه لم يَلزمْه فِطرتُه (٤). واستدَلَّ الشافِعيةُ على التَّفريقِ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الوالِدَينِ الفَقيرَينِ على وَلدِهما في حالةِ الصِّحةِ وحالةِ الزَّمانةِ بأنَّ الوالِدَينِ الفَقيرَينِ الصحيحَينِ غيرُ الزَّمِنَينِ نَفقتُهما غيرُ واجبةٍ على وَلدِهما؛ لأنَّهما قادِرانِ على الكَسبِ، فتَجبُ عليهما مُؤنةُ نَفسَيهما، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ لا تَجبُ عليه عنهما؛ لأنَّه لا تَلزمُه نَفقتُهما في هذه الحالةِ.

стр. 2187

أمَّا إذا كانَ الوالِدان فَقيرَينِ زَمِنَينِ فتَجبُ نَفقتُهما على وَلدِهما، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ عنهما تَجبُ عليه. قالَ الماوَرديُّ ﵀: وأصلُ هذا أنَّ كلَّ مَنْ لزِمَه الإِنفاقُ عليه لزِمَته زَكاةُ الفِطرِ عنه إذا كانَ مُسلِمًا (١). المَسألةُ الثانيةُ: تَقديمُ أحدِ الأبوَينِ على الآخَرِ في الفِطرةِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في تَقديمِ أحَدِ الأبوَينِ على الآخَرِ في الفِطرةِ إذا لم يَبقَ معه إلا لِأحدِهما على قولَينِ: القَولُ الأولُ: تَقديمُ الأُمِّ على الأبِ في إِخراجِ الفِطرةِ عنها، وهو الراجِحُ عندَ الحَنابِلةِ ووَجهٌ للشافِعيةِ (٢). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُقدِّمُ فِطرةَ الأُمِّ على الأبِ؛ لأنَّها مُقدَّمةٌ عليه في البِرِّ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وحَكى السَّرخَسيُّ وإمامُ الحَرَمينِ وصاحِبُ البَيانِ وَجهًا أنَّه يُقدِّمُ فِطرةَ الأُمِّ على فِطرةِ الأبِ (٤). وقد استدَلُّوا على تَقديمِ فِطرةِ الأُمِّ على الأبِ بالسُّنةِ والمَعقولِ. أمَّا السُّنةُ: فعَن أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: جاءَ رَجلٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ: يَا رَسولَ اللهِ، مَنْ أَحقُّ النَّاسِ بِحُسنِ صَحابَتي؟ قالَ:

стр. 2188

«أُمكَ» قالَ: ثُم مَن؟ قالَ: «ثُم أُمكَ» قالَ: ثُم مَن؟ قالَ: «ثُم أُمكَ» قالَ: ثُم مَن؟ قالَ: «ثُم أَبوكَ» (١). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّه اشتَملَ على تَقديمِ حَقِّ الأُمِّ على الأبِ في البِرِّ وأكَّدَ ذلك بتَكرارِه ثَلاثَ مَرَّاتٍ. وأداءُ الفِطرةِ عن الأُمِّ من البِرِّ بها وهي مُقدَّمةٌ في البِرِّ فيَلزمُ تَقديمُها في الفِطرةِ. وأمَّا المَعقولُ: فهوأنَّ نَفقةَ الأُمِّ مُقدَّمةٌ على نَفقةِ الأبِ؛ ولأنَّها ضَعيفةٌ عن الكَسبِ، وأقَلُّ حيلةً، والفِطرةُ تابِعةٌ للنَّفقةِ فتُقدَّمُ فِطرتُها على فِطرةِ الأبِ (٢). القَولُ الثاني: تَقديمُ فِطرةِ الأبِ على الأُمِّ وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ واحتمالٌ عندَ الحَنابِلةِ (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واعلَمْ أنَّ المَذهبَ أنَّه يُقدِّمُ نَفسَه ثم زَوجتَه ثم وَلدَه الصَّغيرَ ثم الأبَ ثم الأُمَّ (٤). واستدَلُّوا على تَقديمِ الأبِ على الأُمِّ في الفِطرةِ بالسُّنةِ والمَعقولِ: أمَّا السُّنةُ: فعن عائِشةَ ﵂ أَنَّ رَجلًا أَتى رَسولَ اللهِ ﷺ

стр. 2189

يُخاصِمُ أَباه فِي دَينٍ علَيه، فقالَ نَبيُّ اللهِ ﷺ : «أنتَ ومالُكَ لأَبيكَ» (١). فدَلَّ على أنَّ الأبَ مُقدَّمٌ. وأمَّا المَعقولُ فهو من وُجوهٍ: أحدُها: أنَّ الفِطرةَ طُهرةٌ للمُخرَجِ عنه وشَرفٌ له، والأبُ أحَقُّ بهما، فإنَّه مَنسوبٌ إليه ويَشرُفُ بشَرفِه، لذلك يُقدَّمُ على الأُمِّ في الفِطرةِ (٢). الثاني: الزَّكاةُ عِبادةٌ بَدنيَّةٌ وهي للرِّجالِ أكثَرُ بخِلافِ النَّفقةِ (٣). الثالِثُ: نَفقةُ الطِّفلِ في صغَرِه قد تَجبُ على أَبيه دونَ أُمِّه فكانَت نَفقةُ أَبيه أوكَدَ من نَفقةِ أُمِّه، والفِطرةُ تابِعةٌ للنَّفقةِ فيُقدَّمُ الأبُ على الأُمِّ في الفِطرةِ (٤). وقد خالَفَ الشافِعيةُ التَّرتيبَ هنا، فقالوا بأنَّهم يُرتَّبونَ في الفِطرةِ كما يُرتَّبونَ في النَّفقةِ، والأمُّ مُقدَّمةٌ في النَّفقةِ على الأبِ إلا أنَّهم هنا قالوا بتَقديمِ الأبِ على الأُمِّ إلا أنَّهم أَجابوا عن ذلك بأنَّ النَّفقةَ تَجبُ لسَدِّ الخَلةِ ودَفعِ الحاجةِ والأمُّ أكثَرُ حاجةً وأقَلُّ حيلةً وأكثَرُ خِدمةً للوَلدِ، فوجَبَ تَقديمُها في النَّفقةِ التي تَتضرَّرُ بتَركِها، وأمَّا الفِطرةُ فلا تَجبُ لِحاجةٍ ولا لدَفعِ ضَررٍ بل لتَطهيرِ المُخرَجِ عنه وتَشريفِه، والأبُ أحَقُّ بها فإنَّه مَنسوبٌ إليه ويَشرُفُ بشَرفِه (٥).

стр. 2190

زَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ: وفيها مَسائِلُ: المَسألةُ الأُولى: زَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له: اختَلفَ الفُقهاءُ في زَكاةِ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي له مالٌ هل هي واجِبةٌ في مالِه أو لا؟ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي له مالٌ واجِبةٌ عليه في مالِه ويُخرِجُها عنه وَليُّه، وهوقَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وأبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ من الحَنفيةِ. قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: جُمهورُ العُلماءِ على وُجوبِها على الصَّغيرِ وإنْ كانَ يَتيمًا (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ والأَوزاعيُّ وأبو حَنيفةَ: يُؤدِّي الوَصيُّ عن اليَتيمِ صَدقةَ الفِطرِ (٢). وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: وأمَّا الصِّغارُ فعليهم أنْ يُخرِجَها الأبُ والوَليُّ عنهم من مالٍ إنْ كان لهم مالٌ، فلا زَكاةُ فِطرٍ عليهم حينَئذٍ ولا بعدَ ذلك. وقالَ أبو حَنيفةَ: ويُؤدِّيها عن اليَتيمِ وَصيُّه من مالِ اليَتيمِ وقالَ مالِكٌ: هي على اليَتيمِ في مالِه، وهو قَولُ الشافِعيِّ، ثم قالَ ابنُ حَزمٍ: وهي لَازِمةٌ لِليَتيمِ إنْ كانَ له مالٌ (٣).

стр. 2191

وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وتَجِبُ في مالِ اليَتيمِ، نَصَّ عليه (١). استدَلَّ جُمهورُ العُلماءِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن اليَتيمِ في مالِه إنْ كانَ له مالٌ بالسُّنةِ والمَعقولِ. أمَّا السُّنةُ: ١ - فعَن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ على كلِّ نَفسٍ مِنْ المُسلِمينَ حُرٍّ، أو عبدٍ، أو رَجلٍ، أو امرَأةٍ، صَغيرٍ أو كَبيرٍ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ» (٢). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه يَدلُّ على وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ عن اليَتيمِ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من قَولِه ﷺ : «على كلِّ نَفسٍ مِنْ المُسلِمينَ»؛ لأنَّ لَفظةَ «كلُّ» إذا أُضيفَت إلى نَكرةٍ تَقتَضي عُمومَ الأَفرادِ، فيَدخلُ في ذلك اليَتيمُ (٣). ٢ - عَنْ ابنِ عُمرَ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العبدِ وَالحُرِّ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ … » (٤). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه اشتَملَ على وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ على الصَّغيرِ والكَبيرِ من المُسلِمينَ، واليَتيمُ صَغيرٌ فيَدخلُ في مَعنى

стр. 2192

هذا الحَديثِ، إذًا فالحَديثُ يَدلُّ على وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ عن اليَتيمِ (١). وأمَّا المَعقولُ فهو مِنْ وُجوهٍ: أحَدهُا: قياسُ اليَتيمِ على الصَّغيرِ غيرِ اليَتيمِ بجامِعِ وُجوبِ النَّفقةِ في كلٍّ، فالصَّغيرُ إذا كانَ له مالٌ، فنَفقتُه وفِطرتُه في مالِه فكذلك اليَتيمُ. الثاني: زَكاةُ الفِطرِ فيها مَعنى المُؤنةِ بدَليلِ أنَّها تَجبُ على الغيرِ بسَببِ الغَيرِ، فهو كالنَّفقةِ، ونَفقةُ اليَتيمِ واجِبةٌ في مالِه إنْ كانَ له مالٌ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ تَجبُ عليه؛ لأنَّ زَكاةَ الفِطرِ تابِعةٌ للنَّفقةِ. الثالِثُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ طُهرةٌ شَرعيَّةٌ فتُقاسُ بنَفقةِ الخِتانِ؛ لأنَّ أُجرةَ الخَتَّانِ من مالِه، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ (٢). القَولُ الثاني: زَكاةُ الفِطرِ لا تَجبُ على اليَتيمِ مُطلقًا سَواءٌ كانَ له مالٌ أو لم يَكنْ، وهوقَولُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ وزُفرَ من الحَنفيةِ، واستَدَلَّا على ذلك بقياسِ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ، واليَتيمُ لا تَجبُ عليه زَكاةُ المالِ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ. ولأنَّ زَكاةَ الفِطرِ عِبادةٌ واليَتيمُ ليسَ بأهلٍ لوُجوبِ العِبادةِ عليه، فإنَّ الوُجوبَ يَنبَني على الخِطابِ (٣).

стр. 2193

المَسألةُ الثانيةُ: زَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له وهو تحتَ كَفالةِ جَدِّه لأبيه: اختَلفَ الفُقهاءُ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له، وهو تحتَ كَفالةِ جَدِّه لِأبيه على قولَينِ: القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له، وهو تحتَ كَفالةِ جَدِّه لِأبيه واجِبةٌ على جَدِّه، وهو رِوايةُ الحَسنِ عن أبي حَنيفةَ ورجَّحَها الإمامُ ابنُ الهُمامِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ. قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وهل يُخرِجُ الجَدُّ عن ابنِ ابنِه الفَقيرِ الصَّغيرِ حالَ عَدمِ الأبِ أو حالَ كَونِه فَقيرًا، ذكَرَ مُحمدٌ في الأصلِ أنَّه لا يُخرِجُ، ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يُخرِجُ. قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: ولا يُؤدِّي الجَدُّ عن نَوافلِه الصِّغارِ وإنْ كانوا في عيالِه، ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ رحِمَهما اللهُ تعالَى أنَّ عليه الأداءَ بعدَ مَوتِ الأبِ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الجَدُّ فعليه فِطرةُ وَلدِ وَلدِه الذي تَلزمُه نَفقتُه، وبه قالَ أبو ثَورٍ. استدَلُّوا بالسُّنةِ والمَعقولِ: أمَّا السُّنةُ: فعَن ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (١). ووَجهُ

стр. 2194

الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له، وهو تحتَ كَفالةِ جَدِّه واجِبةٌ على جَدِّه، هو ما اشتَملَ عليه من قَولِه: «ممَّنْ تَمُونونَ» والجَدُّ يَمونُ وَلدَ وَلدِه الصَّغيرَ، فيَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ؛ لأنَّ الفِطرةَ تابِعةٌ، ومَن وجَبَت عليه نَفقةُ إِنسانٍ وجَبَت عليه فِطرتُه. وأمَّا المَعقولُ فهو: أ - قِياسُ الجَدِّ على مُشتَري العَبدِ بجامِعِ انتِقالِ الوِلايةِ في كلٍّ، فالمُشتَري انتقَلت إليه وِلايةُ العَبدِ بالشِّراءِ، والجَدُّ انتقَلت إليه وِلايةُ اليَتيمِ من الأبِ، والمُشتَرِي يَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عن عَبدِه، فكذلك الجَدُّ تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ. ب - زَكاةُ الفِطرِ تابِعةٌ للنَّفقةِ، فمَن وجَبَت عليه نَفقةُ غيرِه وجَبَت عليه زَكاةُ الفِطرِ عنه، والجَدُّ تَجبُ عليه نَفقةُ اليَتيمِ فتَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عنه، ذلك لأنَّ الجَدَّ عندَ عَدمِ الأبِ قائِمٌ مَقامَ الأبِ، فكانَت وِلايَتُه عليه حالَ عَدمِ الأبِ كوِلايةِ الأبِ، وهي وِلايةٌ مُتكامِلةٌ وهو يَمونُه فيَتقرَّرُ السَّببُ في حَقِّه. القَولُ الثاني: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له وهو تحتَ كَفالةِ جَدِّه غيرُ واجِبةٍ على جَدِّه وهو رِوايةُ الأصلِ عندَ الحَنفيةِ. قالَ الكاسانيُّ ﵀: وهل يُخرِجُ الجَدُّ عن ابنِ ابنِه الفَقيرِ حالَ عَدمِ الأبِ أو حالَ كَونِه فَقيرًا ذكَر مُحمدٌ في الأصلِ أنَّه لا يُخرِجُ. وجاءَ في «الأصل» للشَّيبانيِّ: قلتُ: أرأيتَ الرَّجُلَ يَكونُ عندَه وَلدُ ابنِه

стр. 2195

وهو صَغيرٌ في عيالِه وأَبوهم حَيٌّ أو ميِّتٌ هل على جَدِّه أنْ يُؤدِّيَ عنهم صَدقةَ الفِطرِ؟ قالَ: لا. وقالَ السَّرخسيُّ ﵀: ولا يُؤدِّي الجَدُّ عن نَوافلِه الصِّغارِ وإنْ كانوا في عيالِه. استُدِلَّ على ذلك بأنَّ وِلايةَ الجَدِّ ليسَت بوِلايةٍ تامَّةٍ مُطلَقةٍ، بل هي قاصِرةٌ، ألَا تَرى أنَّها لا تَثبُتُ إلا بشَرطِ عَدمِ الأبِ، فأشبَهت وِلايةَ الوَصيِّ، والوَصيُّ لا يَجبُ عليه إِخراجُ الزَّكاةِ فكذا الجَدُّ. قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ولا مَخلَصَ إلا بتَرجيحِ رِوايةِ الحَسنِ: أنَّ على الجَدِّ صَدقةَ فِطرِهم. المَسألةُ الثالِثةُ: زَكاةُ الفِطرِ عمَّن تَبرعَ بنَفقتِه كاليَتيمِ (١) الذي لا مالَ له وهو تحتَ كَفالةِ مُتبرِّعٍ بمُؤنَتِه: اختَلفَ العُلماءُ في وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له وهو تحتَ كَفالةِ مُتبرِّعٍ بمُؤنَتِه على قولَينِ: القَولُ الأولُ: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له غيرُ واجبةٍ على مَنْ تَبرعَ بمُؤنَتِه، وهو قَولُ جَماهيرِ العُلماءِ. قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: ولو كانَ صَغيرًا للهِ تعالَى لا لوِلايةٍ شَرعيَّةٍ له عليه لم يَجبْ أنْ يُخرِجَ عنه إِجماعًا.

стр. 2196

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولوتَبرعَ إِنسانٌ بالنَّفقةِ على أجنَبيٍّ لا يَلزمُه فِطرَتُه بلا خِلافٍ عندَنا، وبه قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ وداودُ. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: واختارَ أبو الخَطابِ أنَّه لا تَلزمُه مُؤنَتُه وفِطرَتُه كما لم يَمُنْه، وهذا قَولُ أكثرِ أهلِ العِلمِ وهو الصَّحيحُ إنْ شاءَ اللهُ . وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَلزمُه زَكاةُ الفِطرِ عمَّن تَبرعَ بنَفقتِه، إلا أحمدَ فإنَّه قالَ: إنْ تَطوَّعَ بنَفقةِ شَخصٍ مُسلِمٍ لزِمَته زكاتُه. استدَلَّ أهلُ العِلمِ لمَذهبِهم هذا -وهو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له غيرُ واجِبةٍ على مَنْ تَبرعَ بمُؤنتِه بالمَعقولِ وهو مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تَجبُ تَبعًا للنَّفقةِ، فمَن وجَبَت نَفقتُه على غيرِه وجَبَت زَكاةُ فِطرِه عليه، ونَفقةُ اليَتيمِ غيرُ واجِبةٍ على مَنْ تَبرعَ بمُؤنَتِه، فمِن بابِ أَوْلى ألَّا تَجبَ عليه فِطرتُه. الثاني: سَببُ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن الغيرِ المُؤنةُ والوِلايةُ، والمُتبرعُ بمُؤنةِ اليَتيمِ ليسَ له عليه وِلايةٌ، إذًا لا تَجبُ عليه زَكاةُ الفِطرِ عنه. القَولُ الثاني: زَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ الذي لا مالَ له وهو تحتَ كَفالةِ مُتبرعٍ بمُؤنَتِه واجِبةٌ على مَنْ تَبرعَ بمُؤنَتِه، وذلك رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ اختارَها أكثَرُ أَصحابِه.

стр. 2197

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ تَبرعَ بمُؤنةِ إِنسانٍ في شَهرِ رَمضانَ فأكثَرُ أَصحابِنا يَختارونَ وُجوبَ الفِطرةِ عليه، وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايةِ أبي داودَ فيمَن ضَمَّ إلى نَفسِه يَتيمةً يُؤدِّي عنها (٨). استدَلَّ الحَنابِلةُ على ذلك بما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ اللهِ ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (١). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بصَدقةِ الفِطرِ على مَنْ يَمونُ غيرَه أنْ يُؤدِّيَ عنه، ويَدخلُ في هذا مَنْ يَمونُ اليَتيمَ مُتبرعًا، إذًا فزَكاةُ الفِطرِ عن اليَتيمِ واجِبةٌ على مَنْ تَبرعَ بمُؤنَتِه. ولِقياسِ اليَتيمِ على العَبدِ بجامِعِ الإِنفاقِ في كلٍّ، والعبدُ تَجبُ فِطرتُه على سيِّدِه، فكذلك اليَتيمُ تَجبُ فِطرَتُه على مَنْ تَبرعَ بمُؤنتِه (٢). وقد حمَلَ ابنُ قُدامةَ ﵀ كَلامَ الإمامِ أحمدَ على الاستِحبابِ، لا على الوُجوبِ. فقالَ ﵀: وكَلامُ أحمدَ في هذا مَحمولٌ على الاستِحبابِ، لا على الإيجابِ، والحَديثُ مَحمولٌ على مَنْ تَلزمُه مُؤنتُه لا على حَقيقةِ المُؤنةِ (٣).

стр. 2198

زَكاةُ الفِطرِ عن المَجنونِ: ذهَبَ جَماهيرُ العُلماءِ إلى أنَّ زَكاةَ الفِطرِ عن المَجنونِ واجِبةٌ في مالِه إنْ كانَ له مالٌ، وإنْ لم يَكنْ له مالٌ أخرَجَها عنه وَليُّه من مالِه، سَواءٌ كانَ الجُنونُ طارِئًا بعدَ البُلوغِ أو كانَ قبلَه. وذهَب مُحمدُ بنُ الحَسنِ من الحَنفيةِ إلى التَّفريقِ بينَ الجُنونِ الطارِئِ بعدَ البُلوغِ وما كان قبلَه، فمَن بلَغَ مَجنونًا يَجبُ على وَليِّه إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عنه، ومَن بلَغَ مُفيقًا ثم جُنَّ فإنَّه لا يَجبُ على وَليِّه إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عنه، لارتِفاعِ الوِلايةِ بالبُلوغِ، وإنْ عادَت للضَّرورةِ (١). قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: والمَعتوهُ والمَجنونُ في ذلك بَمنزِلةِ الصَّغيرِ. ورُوي عن مُحمدٍ ﵀ أنَّ الأبَ إنَّما يُؤدِّي عن ابنِه المَعتوهِ والمَجنونِ إذا بلَغَ كذلك، فأمَّا إذا بلَغَ مُفيقًا ثم جُنَّ فليسَ عليه أنْ يُؤدِّي عنه من مالِ نَفسِه، ولا مِنْ مالِ وَلدِه؛ لأنَّه إذا وُلدَ مَجنونًا بقِيَ ما كانَ واجِبًا ببَقاءِ وِلايتِه، فأمَّا إذا بلَغَ مُفيقًا فقد سقَطَ عنه لزَوالِ وِلايتِه، فلا يَعودُ بعدَ ذلك وإنْ عادتِ الوِلايةُ لأجلِ الضَّرورةِ (٢). واستدَلَّ جَماهيرُ أهلِ العِلمِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ عن المَجنونِ بحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «أمَرَ رَسولُ الله ﷺ بصَدقةِ الفِطرِ

стр. 2199

عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والعبدِ ممَّن تَمُونونَ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّ أمرَ النَّبيِّ ﷺ مَنْ يَمونُ غيرَه أنْ يُؤدِّيَ عنه، والمَجنونُ يَمونُه وَليُّه فيَجبُ عليه أنْ يُؤدِّيَ عنه زَكاةَ الفِطرِ من مالِه إنْ كانَ له مالٌ، وإنْ لم يَكنْ له مالٌ أدَّى عنه الوَليُّ من مالِه. وبقِياسِ المَجنونِ على الصَّغيرِ بجامِعِ وُجوبِ النَّفقةِ في كلٍّ، والصَّغيرُ تَجبُ عنه زَكاةُ الفِطرِ، فكذلك المَجنونُ. وأمَّا دَليلُ مُحمدِ بنِ الحَسنِ على القَولِ بعَدمِ وُجوبِها على المَجنونِ إذا كانَ جُنونُه طارِئًا بعدَ البُلوغِ، هو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ إنَّما تَجبُ بالمُؤنةِ والوِلايةِ، والمَجنونَ إذا كان جُنونُه طارئًا بعدَ البُلوغِ فإنَّ الوِلايةَ ارتَفعَت عنه بالبُلوغِ، وإذا لم يَكنْ للوَليِّ على المَجنونِ وِلايةٌ لم تَجبْ عليه زَكاةُ الفِطرِ، وإن عادَتِ الوِلايةُ لِلضَّرورةِ (٢).

стр. 2200

زَكاةُ الفِطرِ عن الجَنينِ (١): اختَلفَ العُلماءُ في زَكاةِ الفِطرِ عن الجَنينِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ عن الجَنينِ غيرُ واجِبةٍ، وهو قَولُ عامَّةِ أهلِ العِلمِ (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لا تَجبُ فِطرةُ الجَنينِ لا على أَبيه ولا في مالِه بلا خِلافٍ عندَنا. وأشارَ ابنُ المُنذِرِ إلى نَقلِ الإِجماعِ على ما ذكَرتُه، فقالَ: كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه العِلمُ من عُلماءِ الأَمصارِ لا يُوجبُ فِطرةً عن الجَنينِ (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: المَذهبُ أنَّ الفِطرةَ غيرُ واجِبةٍ على الجَنينِ، وهو قَولُ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، قالَ ابنُ المُنذِرِ: كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه من عُلماءِ الأَمصارِ لا يُوجِبونَ على الرَّجلِ زَكاة الفِطرِ عن الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه (٤). استدَلُّوا على ذلك بالإِجماعِ والمَعقولِ.

стр. 2201

أمَّا الإِجماعُ: فقالَ ابنُ المُنذِر ﵀: وأجمَعوا على أنَّه لا زَكاةَ على الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه وانفَردَ ابنُ حَنبلٍ فكانَ يُحِبُّه ولا يُوجِبُه (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولم يَختلِفْ قَولُ مالِكٍ أنَّ مَنْ وُلِد له مَولودٌ بعدَ يومِ الفِطرِ لا يَلزمُه فيه شَيءٌ، وهذا إِجماعٌ منه ومن سائِرِ العُلماءِ (٢). وأمَّا المَعقولُ فمِن وُجوهٍ: أحدُها: قياسُ الجَنينِ على أجنَّةِ السَّوائمِ بجامِعِ الاستِتارِ في بَطنِ الأُمِّ في كلٍّ وأجنَّةُ السَّوائمِ لا تَتعلَّقُ بها أَحكامُ الزَّكاةِ، فكذلك الجَنينُ (٣). الثاني: الجَنينُ لم تَثبُتْ له أَحكامُ الدُّنيا إلا في الإرثِ والوَصيَّةِ بشَرطِ أنْ يَخرجَ حَيًّا، وإذا كانَ كذلك فلا تُخرَجُ عنه زَكاةُ الفِطرِ (٤). الثالِثُ: أنَّ سَببَ الوُجوبِ المُؤنةُ والوِلايةُ، ولا وِلايةَ كامِلةً على الجَنينِ، إذًا لا تَجبُ عنه زَكاةُ الفِطرِ. القَولُ الثاني: زَكاةُ الفِطرِ عن الجَنينِ واجِبةٌ وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ (٥).

стр. 2202

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: تَجبُ عليه (١). واستدَلُّوا على ذلك بما رُويَ أنَّ عُثمانَ بنَ عَفانَ ﵁ كانَ يُعطي صَدقةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ والحَملِ (٢). وعن أبي قِلابةَ قالَ: كان يُعجِبُهم أنْ يُعطوا زَكاةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ حتى على الحَملِ في بَطنِ أُمِّه (٣). ولأنَّ الجَنينَ آدَميٌّ تَصحُّ له الوَصيَّةُ، وبه يَرثُ فيَدخلُ في عُمومِ الأَخبارِ، فتَجبُ عنه زَكاةُ الفِطرِ (٤). وبهذا القَولِ قالَ ابنُ حَزمٍ لكنْ قد بيَّنَ الحافِظُ العِراقيُّ ﵀ ذلك وبيَّنَ ضَعفَ ما ذهَبَ اليه ابنُ حَزمٍ فقالَ: استدَلَّ ابنُ حَزمٍ بالرِّوايةِ التي فيها ذِكرُ الصَّغيرِ على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه فقالَ: والجَنينُ يَقعُ عليه اسمُ صَغيرٍ، فإذا أكمَلَ مِئةً وعِشرينَ يَومًا في بَطنِ أُمِّه قبلَ انصِداعِ الفَجرِ من لَيلةِ الفِطرِ وجَبَ أنْ تُؤدَّى عنه صَدقةُ الفِطرِ، ثم استدَلَّ بحَديثِ ابنِ مَسعودٍ الثابِتِ في الصَّحيحَينِ: «يُجمعُ خَلقُ أَحدِكم فِي بَطنِ أُمِّه أَربَعينَ يَومًا ثُم يَكونُ عَلقَةً مثلَ ذلك ثُم يَكونُ مُضغَةً مثلَ ذلك ثُم يَبعَثُ

стр. 2203

اللَّهُ إليه مَلكًا … ، وفيه: ثُم يَنفُخُ فيه الرُّوحَ» (١)، ثم قالَ: هو قبلَ ما ذكَرْنا مَواتٌ، فلا حُكمَ على ميِّتٍ، وأمَّا إذا كانَ حَيًّا فكلُّ حُكمٍ وجَبَ على الصَّغيرِ هو واجِبٌ عليه، ثم ذكَرَ من رِوايةِ بَكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ وقَتادةَ أنَّ عُثمانَ ﵁ «كانَ يُعطِي صَدقةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ حتى عن الحَملِ في بَطنِ أُمِّه»، وعن أبي قِلابةَ قالَ: «كانَ يُعجِبُهم أنْ يُعطوا زَكاةَ الفِطرِ عن الصَّغيرِ والكَبيرِ حتى عن الحَملِ في بَطنِ أُمِّه». قالَ: وأبو قِلابةَ أدرَكَ الصَّحابةَ وصَحِبَهم ورَوى عنهم، وعن سُليمانَ ابنِ يَسارٍ أنَّه سُئلَ عن الحَملِ أيُزكَّى عنه؟ قالَ: نَعم. قالَ: ولا يُعرَفُ لعُثمانَ في هذا مُخالِفٌ من الصَّحابةِ. قالَ والِدي ﵀ في «شَرحِ التِّرمذيِّ»: واستِدلالُه بما استدَلَّ به على وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ على الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه في غايةِ العَجبِ، أمَّا قَولُه ﷺ : «على الصَّغيرِ والكَبيرِ» فلا يَفهمُ عاقِلٌ منه إلا المَوجودينَ في الدُّنيا، أمَّا المَعدومُ فلا نَعلَمُ أحَدًا أوجَبَ عليه، وأمَّا حَديثُ ابنِ مَسعودٍ فلا يَطَّلعُ على ما في الرَّحمِ إلا اللهُ كما قالَ: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾، ورُبَّما يُظَّنُّ حَملًا وليسَ بحَملٍ، وقد قالَ إمامُ الحَرمَينِ: لا خِلافَ في أنَّ الحَملَ لا يُعلَمُ وإنَّما الخِلافُ في أنَّه يُعامَلُ مُعامَلةَ المَعلومِ بمَعنى أنَّه يُؤخَّرُ له مِيراثٌ لِاحتِمالِ وُجودِه، ولم يَختلِفِ العُلماءُ في أنَّ الحَملَ لا يَملِكُ شَيئًا في بَطنِ أُمِّه ولا يُحكَمُ على المَعدومِ حتى يَظهرَ وُجودُه، قالَ: وأمَّا استِدلالُه

стр. 2204

بما ذُكرَ عن عُثمانَ وغيرِه فلا حُجةَ فيه؛ لأنَّ أثَرَ عُثمانَ مُنقطِعٌ فإنَّ بَكرًا وقَتادةَ رِوايَتُهما عن عُثمانَ مُرسَلةٌ والعَجبُ أنَّه لا يُحتَجُّ بالمَوقوفاتِ، ولو كانَت صَحيحةً مُتَّصلةً، وأمَّا أثَرُ أبي قِلابةَ فمَن الذين كانَ يُعجِبُهم ذلك؟ وهو لو سَمَّى جَمعًا من الصَّحابةِ لَما كانَ ذلك حُجةً، وأمَّا سُليمانُ بنُ يَسارٍ فلم يَثبُتْ عنه، فإنَّه من رِوايةِ رَجلٍ لم يُسمَّ عنه، فلم يَثبُتْ فيه خِلافٌ لِأحدٍ من أهلِ العِلمِ، بل قَولُ أبي قِلابةَ: «كانَ يُعجِبُهم» ظاهِرٌ في عَدمِ وُجوبِه، ومَن تَبرعَ بصَدقةٍ عن حَملٍ رَجاءَ حِفظِه وسَلامتِه فليسَ عليه فيه بَأسٌ، وقد نُقلَ الاتِّفاقُ على عَدمِ الوُجوبِ قبلَ مُخالَفةِ ابنِ حَزمٍ، فقالَ ابنُ المُنذِرِ: ذكَرَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه العِلمُ من عُلماءِ الأَمصارِ أنَّه لا يَجبُ على الرَّجلِ إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عن الجَنينِ في بَطنِ أُمِّه. وممَّن حُفِظ ذلك عنه عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ ومالِكٌ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ وكانَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ يَستحِبُّ ذلك ولا يُوجِبُه ولا يَصحُّ عن عُثمانَ خِلافُ ما قُلناه. وعن أحمدَ بنِ حَنبلٍ رِوايةٌ أُخرى بوُجوبِ إِخراجِها عن الجَنينِ، وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ في «التَّمهيد» فيمَن وُلدَ له مَولودٌ بعدَ يومِ الفِطرِ: لم يَختلِفْ قَولُ مالِكٍ أنَّه لا يَلزَمُ فيه شَيءٌ، قالَ: وهذا إِجماعٌ منه ومِن سائِرِ العُلماءِ، ثم أشارَ إلى أنَّ ما ذُكرَ عن مالِكٍ وغيرِه من الإِخراجِ عمَّن وُلدَ في بَقيَّةِ يومِ الفِطرِ مَحمولٌ على الاستِحبابِ، وكذا ما حَكاه عن اللَّيثِ فيمَن وُلدَ له مَولودٌ بعدَ صَلاةِ الفِطرِ أنَّ على أَبيه زَكاةَ الفِطرِ عنه، قالَ: وأُحبُّ ذلك

стр. 2205

للنَّصرانِيِّ يُسلِمُ ذلك الوَقتَ ولا أَراه واجبًا عليه، قالَ والِدي: فقد صرَّحَ اللَّيثُ فيه بعَدمِ الوُجوبِ، ولو قيلَ بوُجوبِه لم يَكنْ بَعيدًا؛ لأنَّه يَمتدُّ وقتُ إِخراجِها إلى آخِرِ يومِ الفِطرِ قِياسًا على الصَّلاةِ يُدرَكُ وقتُ أَدائِها، ثم قال والِدي ﵀: ومع كَونِ ابنِ حَزمٍ قد خالَفَ الإِجماعَ في وُجوبِها على الجَنينِ فقد تَناقَضَ كَلامُه، فقالَ: إنَّ الصَّغيرَ لا يَجبُ على أَبيه زَكاةُ الفِطرِ عنه، إلا أنْ يَكونَ له مالٌ فيُخرَجُ عنه من مالِه، فإنْ لم يَكنْ له مالٌ لم يَجبْ عليه حينَئذٍ ولا بعدَ ذلك، فكيف لا يُوجِبُ زَكاتَه على أَبيه والوَلدُ حَيٌّ مَوجودٌ، ويُوجِبُها وهو مَعدومٌ لم يُوجَدْ؟ فإنْ قُلتَ: يُحمَلُ كَلامُه على ما إذا كانَ للحَملِ مالٌ، قلتُ: كيف يُمكنُ أنْ يَكونَ له مالٌ وهو لا يَصحُّ تَمليكُه، ولو ماتَ مَنْ يَرثُه الحَملُ لم نَملِكْه، وهو جَنينٌ فلا يُوصَفُ بالمِلكِ إلا بعدَ أنْ يُولَدَ وكذلك النَّفقةُ الصَّحيحُ أنَّها تَجبُ للأُمِّ الحامِلِ لا للحَملِ، ولو كانَت للحَملِ لسقَطَت بمُضيِّ الزَّمانِ كنَفقةِ القَريبِ، وهي لا تَسقطُ. اه كَلامُ والِدي ﵀ (١).

стр. 2206

وَقتُ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تَجبُ في آخِرِ رَمضانَ لحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ … » (١). إلا أنَّهم اختلَفوا في تَحديدِ الوَقتِ على قولَينِ: وسَببُ الخِلافِ بينَ القولَينِ هل هي عِبادةٌ مُتعلِّقةٌ بيومِ العِيدِ أو بخُروجِ شَهرِ رَمضانَ؛ لأنَّ لَيلةَ العيدِ ليسَت من شَهرِ رَمضانَ (٢). القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ تَجبُ بغُروبِ الشَّمسِ من آخِرِ يَومٍ من شَهرِ رَمضانَ، وهو قَولُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ من المَذهبِ ومالِكٍ في رِوايةٍ رَواها عنه أشهَبُ، والحَنابِلةِ في المَذهبِ (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: في وقتِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ ثَلاثةُ أَقوالٍ مَشهورةٍ في الطَّريقتَينِ، أصَحُّها باتِّفاقِهم: تَجبُ بغُروبِ الشَّمسِ لَيلةَ عيدِ الفِطرِ، وهو نَصُّه الجَديدُ (٤).

стр. 2207

وقالَ المَرداويُّ ﵀: وتَجِبُ بغُروبِ الشَّمسِ من لَيلةِ الفِطرِ هذا هو الصَّحيحُ من المَذهبِ، نقَلَه الجَماعةُ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ وعليه أكثَرُ الأَصحابِ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ورَوى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ بغُروبِ الشَّمسِ من آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ وهي لَيلةُ الفِطرِ (٢). واستدلُّوا على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تَجبُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ بما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمَةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولَةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (٣). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ دَليلانِ: الأولُ: قَولُه: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ»، فأخبَر أنَّها مَفروضةٌ بالفِطرِ من رَمضانَ من جِهةِ أنَّه أَضافَ الزَّكاةَ إلى الفِطرِ، والإِضافةُ

стр. 2208

تَقتَضي الاختِصاصَ، أي: الصَّدقةُ المُختصَّةُ بالفِطرِ، وأولُ فِطرٍ يَقعُ عن جَميعِ رَمضانَ مَغيبُ الشَّمسِ من آخِرِ نَهارِه، فاقتَضى أنْ يَكونَ الوُجوبُ مُتعلِّقًا به. والثاني: قَولُه: «طُهرَةً للصَّائمِ»؛ لأنَّ من لم يُدرِكْ شَيئًا من زَمانِ الصَّومِ لم يَحتَجْ إلى الطُّهرةِ من الصَّومِ (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّه قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ على النَّاسِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أَوأُنثَى مِنْ المُسلِمينَ» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه يَدلُّ على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ يَكونُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، وذلك من وَجهَينِ: أحَدُهما: أرشَدَ النَّبيُّ ﷺ في هذا الحَديثِ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، والفِطرُ من رَمضانَ يَقعُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، فدَلَّ ذلك على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو غُروبُ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ. والثاني: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَضافَ الزَّكاةَ إلى الفِطرِ. والإِضافةُ تَقتَضي الاختِصاصَ والسَّببيَّةَ، أي: اختِصاصَ الوُجوبِ بالفِطرِ من رَمضانَ، والفِطرُ من رَمضانَ يَقعُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، فيَكونُ هو وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ.

стр. 2209

ولأنَّ زَكاةَ الفِطرِ إمَّا أنْ تَجبَ بخُروجِ رَمضانَ، وإمَّا بدُخولِ شَوالٍ، وغُروبِ الشَّمسِ، وإمَّا بالأمرَينِ، فكانَ تَعلُّقُ الزَّكاةِ به أَوْلى (١). ولأنَّ صَدقةَ الفِطرِ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، والفِطرُ من رَمضانَ يَكونُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، فتَجبُ الزَّكاةُ؛ ولأنَّ ما بعدَ غُروبِ الشَّمسِ ليسَ مَحلًّا للصَّومِ كما بعدَ طُلوعِ الفَجرِ. القَولُ الثاني: وقتُ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ العيدِ، وهو قَولُ الحَنفيةِ ومالِكٍ في رِوايةِ ابنِ قاسِمٍ عنه والشافِعيِّ في القَديمِ وأحمدَ في رِوايةٍ (١). قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا وقتُ وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ فقالَ أَصحابُنا: هو وقتُ طُلوعِ الفَجرِ الثاني من يومِ الفِطرِ. قالَ المَرداويُّ ﵀: وعنه تَجبُ بطُلوعِ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ. واستدلُّوا على أنَّ وُجوبَ زَكاةِ الفِطرِ يَكونُ بطُلوعِ الفَجرِ من يومِ العيدِ بما رَواه عبدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ … الحَديثَ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ الصَّدقةَ أُضيفَت إلى الفِطرِ، والإضافةُ للاختِصاصِ، والاختِصاصُ للفِطرِ باليَومِ دونَ اللَّيلِ؛ إذِ المُرادُ فِطرٌ يُضادُّ الصَّومَ، وهو في اليَومِ دونَ اللَّيلِ؛ لأنَّ الصَّومَ في يومِ الفِطرِ حَرامٌ

стр. 2210

(أي: يومِ العيدِ)؛ ولأنَّ الفِطرَ كانَ يُوجَدُ كلَّ لَيلةٍ من رَمضانَ، ولا يَتعلَّقُ الوُجوبُ به، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ به ما يُضادُّ الصَّومَ. وعَن أَبي عُبيدٍ، مَولَى ابنِ أَزهَرَ، قالَ: شهِدْتُ العِيدَ معَ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁، فقالَ: «هذانِ يَومانِ نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيامِهما: يومُ فِطرِكم مِنْ صِيامِكم، واليومُ الآخَرُ تَأكلُونَ فيه مِنْ نُسكِكم». ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرشَدَ إلى أنَّ الفِطرَ من الصَّومِ يَكونُ يومَ الفِطرِ، وزَكاةَ الفِطرِ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، فدَلَّ هذا على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ (العيدِ) وبه يَتحقَّقُ الفِطرُ من الصَّومِ. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليومِ». وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بإِغناءِ المَساكينِ عن الطَّلبِ في يومِ العيدِ، فدَلَّ ذلك على تَعلُّقِ الوُجوبِ به، وأوَّلُه طُلوعُ الفَجرِ، إذًا فالحَديثُ يَدلُّ على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ. وقياسُ زَكاةِ الفِطرِ على الأُضحيَّةِ بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما قُربةٌ مُتعلِّقةٌ بيومِ العيدِ، ووَقتُ الأُضحيَّةِ مُتعلِّقٌ بنَهارِ يومِ العيدِ دونَ لَيلِه، فوجَبَ أنْ تَكونَ زَكاةُ الفِطرِ مُتعلِّقةً بنَهارِ يومِ العيدِ دونَ لَيلِه، وهو يَومُ الفِطرِ، فلا يَتقدَّمُ وَقتُها على يومِه.
следующие страницы →