← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

واحتَجُّوا على ذلك بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَخرجُ الرَّجلانِ يَضرِبانِ الغائِطَ كاشفَينِ عن عَورتِهما يَتحدَّثانِ؛ فإنَّ اللهَ يَمقُتُ على ذلك» (١). وما رَواه المُهاجِرُ بنُ قُنفُذٍ ﵁ قالَ بأنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ وهو يَبولُ فسلَّمَ عليه فلم يَردَّ عليه حتى توَضَّأ ثم اعتذَرَ إليه فقالَ: «إنِّي كرِهتُ أنْ أذكُرَ اللهَ إلا على طُهرٍ» أو قالَ: «على طَهارةٍ» (٢). وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَجلًا مَرَّ ورَسولُ اللهِ ﷺ يَبولُ فسلَّمَ فلم يَردَّ عليه» (٣). ومن الأَذكارِ التي نَصُّوا عليها: أنَّه لا يَحمدُ اللهَ تَعالى إنْ عطَسَ، ولا يُشمِّتُ عاطِسًا، ولا يُجيبُ المُؤذِّنَ، ولا يَردُّ السَّلامَ ولا يُسبِّحُ، لكنْ قالَ البَغويُّ من الشافِعيةِ ونقَلَه عن الشَّعبيِّ والحَسنِ والنَّخعيِّ وابنِ المُباركِ: إنْ عطَسَ حمِدَ اللهَ في نَفسِه.

стр. 247

وقالَ البُجيرميُّ: فلو عطَسَ حمِدَ اللهَ بقَلبِه ويُثابُ عليه، وليسَ لنا ذِكرٌ يُثابُ عليه من غيرِ لَفظٍ إلا هذا. وقالَ في «الإنصاف»: وأمَّا حَمدُ العاطِسِ وإجابةُ المُؤذِّنِ فيَحمدُ ويُجيبُ بقَلبِه ويُكرهُ بلَفظِه على الصَّحيحِ من المَذهبِ وعليه الأَصحابُ وعنه يُكرهُ. قالَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ: يُجيبُ المُؤذِّنَ في الخَلاءِ. وأمَّا رَدُّ السَّلامِ فيُكرهُ بلا خِلافٍ في المَذهبِ، نَصَّ عليه الإمامُ (١). وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ الكَراهةَ في حالِ قَضاءِ الحاجةِ سَواءٌ كانَت بَولًا أو غائِطًا وأنَّه يُكرهُ التَّكلمُ كذلك في مَوضعِ الخَلاءِ ولو في حالٍ غيرِ قَضاءِ الحاجةِ (٢). وقال كنُّونٌ في «حاشيتِه»: رَوى عِياضٌ جَوازَ ذِكرِ اللهِ في الكَنيفِ. قالَ القاضِي: وهو قَولُ مالِكٍ والنَّخعيِّ وعَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: إذا عطَسَ وهو يَبولُ فليَحمدِ اللهَ. وقالَ ابنُ رُشدٍ: والدَّليلُ لابنِ القاسِمِ من جِهةِ الأثَرِ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَذكرُ اللهَ على كل أَحيانِه» (٣). ومِن طَريقِ النَّظرِ أنَّ ذِكرَ اللهِ يَصعدُ إلى السَّماءِ فلا يَتعلقُ به مِنْ دَناءةِ المَحلِّ شَيءٌ فلا يَنبَغي أنْ يَمتنعَ عن ذِكرِ اللهِ على كلِّ حالٍ إلا بنَصٍّ ليسَ فيه احتِمالٌ (٤).

стр. 248

وقد صرَّحَ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في كَراهةِ الكَلامِ باستِثناءِ حالةِ الضَّرورةِ. قالَ النَّوويُّ: كأنْ رَأى ضَريرًا يَقعُ في بِئرٍ، أو رَأى حَيةً أو غيرَها تَقصِدُ إِنسًا أو غيرَه من المُحرماتِ، فلا كَراهةَ في الكَلامِ في هذه المَواضعِ، بل يَجبُ في أكثَرِها. قالَ القَليوبيُّ: يَجبُ للضَّرورةِ ويُندبُ للحاجةِ (١). لكنْ هل من الكَلامِ النَّحنحةُ عندَ طَرقِ البابِ: قالَ الشَّبرامُلُّسيُّ من الشافِعيةِ: هل من الكَلامِ ما يَأتي به قَضاءُ الحاجةِ من التَّنحنحِ عندَ طَرقِ بابِ الخَلاءِ من الغيرِ ليَعلمَ هل فيه أحَدٌ أو لا؟ فيه نَظرٌ، والأقرَبُ أنَّ مِثلَ هذا لا يُسمَّى كَلامًا، وبتَقديرِه فهو للحاجةِ، وهي دَفعُ دُخولِ مَنْ يَطرقُ البابَ عليه لظَنِّه خُلوَّ المَحلِّ. وقالَ ابنُ عابِدينَ من الحَنفيةِ: ولا يَتنحنَحُ في مَوضعِ الخَلاءِ إلا لعُذرٍ كما لو خافَ دُخولَ أحَدٍ عليه (٢).

стр. 249

الذِّكرُ إذا كانَ مَكانُ الخَلاءِ هو مَكانَ الوُضوءِ: قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: لو توَضَّأ في الخَلاءِ لعُذرٍ هل يَأتي بالبَسملةِ ونَحوِها من أَدعيتِه مُراعاةً لسُنةِ الوُضوءِ؟ أو يَتركُها مُراعاةً للمَحلِّ؟ قالَ: الذي يَظهرُ الثاني وهو التَّركُ لتَصريحِهم بتَقديمِ النَّهيِ على الأمرِ (١). وعندَ المالِكيةِ يُكرهُ ذلك في الخَلاءِ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا عطَسَ -أي: في أثناءِ قَضاءِ الحاجةِ- حمِدَ اللهَ بقَلبِه ولم يَتكلمْ، وقالَ ابنُ عَقيلٍ: في رِوايةٍ أُخرى: أنَّه يَحمدُ اللهَ بلِسانِه (٣). قُلتُ: فعلى الرِّوايةِ التي ذكَرَها ابنُ عَقيلٍ يَجوزُ أنْ يَذكرَ اللهَ في الخَلاءِ، ولأنَّ التَّسميةَ في الوُضوءِ عندَهم واجِبةٌ، واللهُ أعلَمُ. قَضاءُ الحاجةِ في الماءِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّه يُكرهُ قَضاءُ الحاجةِ في الماءِ، وأنَّ الكَراهةَ هنا تَحريميةٌ، وإنْ كانَ الماءُ راكِدًا؛ لحَديثِ جابِرٍ ﵁ عن رَسولِ اللهِ ﷺ : «أنَّه نَهى أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكِدِ» (٤)، ولحَديثِ أبي

стр. 250

هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَبُلْ في الماءِ الدَّائِمِ الذي لا يَجري ثم تَغتسِلْ منه» (١). وتَكونُ الكَراهةُ تَنزيهيةً إنْ كانَ الماءُ جاريًا. قالَ ابنُ عابِدينَ: والمَعنى فيه أنَّه يُقذِّرُه وربَّما أدَّى إلى تَنجُّسِه. وأمَّا الراكِدُ القَليلُ فيَحرمُ البَولُ فيه؛ لأنَّه يُنجِّسُه ويُتلِفُ ماليَّتَه ويُغري غيرَه باستِعمالِه، والتَّغوطُ في الماءِ أقبَحُ من البَولِ، وكذا لو بالَ في إناءٍ ثم صبَّه في الماءِ، أو بالَ بجِوارِ النَّهرِ فجَرى إليه فكلُّه مَذمومٌ قَبيحٌ مَنهيٌّ عنه (٢). وقالَ الحَطَّابُ ﵀: قالَ القاضِي عِياضٌ «من المالِكيةِ»: النَّهيُ الوارِدُ من الحَديثِ هو نَهيُ كَراهةٍ وإرشادٍ، وهو في القَليلِ أشَدُّ؛ لأنَّه يُفسدُه. وقيلَ: النَّهيُ للتَّحريمِ؛ لأنَّ الماءَ قد يَفسُدُ لتَكرُّرِ البائِلينَ ويَظنُّ المارُّ أنَّه قد تغيَّرَ من قَرارِه، ويُلحقُ بالبَولِ التَّغوطُ وصَبُّ النَّجاسةِ. وقالَ ابنُ ناجي في «شَرح المُدوَّنة»: الجارِي على أصلِ المَذهبِ أنَّ الكَراهةَ على التَّحريمِ في القَليلِ، إذْ قد يَتغيَّرُ فيُظنُّ أنَّه من قَرارِه (٣). وقالَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: يُكرهُ البَولُ في الماءِ الراكِدِ قَليلًا كانَ أو كَثيرًا للحَديثِ.

стр. 251

قالَ البُهوتيُّ ﵀: ويُكرهُ بَولُه في ماءٍ راكِدٍ للخَبَرِ، وقَليلٍ جارٍ؛ لأنَّه يُفسدُه ويُنجِّسُه، ولعلهم لم يُحرِّموه لأنَّ الماءَ غيرُ مُتموَّلٍ عادةً، أو لأنَّه يُمكنُ تَطهيرُه بالإضافةِ (١). وأمَّا الماءُ الجارِي: فقالَ النَّوويُّ: فإنْ كانَ الماءُ كَثيرًا جاريًا لم يَحرمِ البَولُ فيه لمَفهومِ الحَديثِ، ولكنَّ الأولى اجتِنابُه، وإنْ كانَ قَليلًا جاريًا فقد قالَ جَماعةٌ من أَصحابِنا: يُكرهُ، والمُختارُ أنَّه يَحرمُ؛ لأنَّه يُقذِّرُه ويُنجِّسُه على المَشهورِ من مَذهبِ الشافِعيِّ وغيرِه، ويَغُرُّ غيرَه فيَستعمِلُه مع أنَّه نَجسٌ، وإنْ كانَ الماءُ كَثيرًا راكِدًا، فقالَ أَصحابُنا: يُكرهُ ولا يَحرمُ، ولو قيلَ: يَحرمُ لم يَكنْ بَعيدًا؛ فإنَّ النَّهيَ يَقتَضي التَّحريمِ على المُختارِ عندَ المُحقِّقين والأكثَرين من أهلِ الأصولِ، وفيه من المَعنى أنَّه يُقذِّرُه وربَّما أدَّى إلى تَنجيسِه بالإِجماعِ لتَغيُّرِه … وأمَّا الراكِدُ القَليلُ فقد أطلَقَ جَماعةٌ من أَصحابِنا أنَّه مَكروهٌ، والصَّوابُ المُختارُ أنَّه يَحرمُ البَولُ فيه؛ لأنَّه يُنجسُه ويُتلِفُ ماليَّتَه ويَغرُّ غيرَه باستِعمالِه. ثم قالَ ﵀: قالَ أَصحابُنا وغيرُهم من العُلماءِ: والتَّغوُّطُ في الماءِ كالبَولِ فيه وأقبَحُ، وكذلك إذا بالَ في إناءٍ ثم صَبَّه في الماءِ، وكذلك إذا بالَ بقُربِ النَّهرِ بحيث يَجري إليه البَولُ فكلُّه مَذمومٌ قَبيحٌ مَنهيٌّ عنه على التَّفصيلِ المَذكورِ، ولم يُخالِفْ في هذا أحَدٌ من العُلماءِ إلا ما حُكيَ عن

стр. 252

داودَ بنِ علِيٍّ الظاهِريِّ أنَّ النَّهيَ مُختصٌّ ببَولِ الإِنسانِ بنَفسِه، وأنَّ الغائِطَ ليسَ كالبَولِ، وكذا إذا بالَ في إناءٍ ثم صَبَّه في الماءِ أو بالَ بقُربِ الماءِ، وهذا الذي ذهَبَ إليه خِلافُ إِجماعِ العُلماءِ، وهو أقبَحُ ما نُقلَ عنه في الجُمودِ على الظاهِرِ، واللهُ أعلَمُ. قالَ العُلماءُ: ويُكرهُ البَولُ والتَّغوطُ بقُربِ الماءِ، وإنْ لم يَصِلْ إليه لعُمومِ نَهيِ النَّبيِّ ﷺ عن البُرازِ في المَواردِ، ولمَا فيه من إِيذاءِ المارِّينَ بالماءِ، ولمَا يُخافُ من وُصولِه إلى الماءِ، واللهُ أعلَمُ (١). التَّبولُ في مَكانِ الوُضوءِ ومَكانِ الاستِحمامِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُكرهُ للإِنسانِ أنْ يَبولَ في مَوضعٍ يَتوضَّأُ هو أو غيرُه أو يَغتسِلُ فيه؛ لمَا رَواه أبو داودَ عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ الحِميَريِّ قالَ: لَقيتُ رَجلًا صحِبَ النَّبيَّ ﷺ كما صحِبَه أبو هُرَيرةَ قالَ: «نَهانا رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَتمشَّطَ أحدُنا كلَّ يَومٍ أو يَبولَ في مُغتَسَلِه» (٢). ومَحلُّ الكَراهةِ عندَهم إذا لم يَكنْ ثَمَّ مَنفَذٌ يَنفذُ منه البَولُ والماءُ.

стр. 253

قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وإنَّما نَهى عن ذلك إذا لم يَكنْ له مَسلكٌ يَذهبُ فيه البَولُ، أو كانَ المَكانُ صُلبًا فيُوهِمُ المُغتسِلَ أنَّه أصابَه منه شَيءٌ فيَحصُلُ به الوَسواسُ كما في «النِّهاية» لابنِ الأثيرِ (١). وقالَ البُهوتيُّ ﵀ من الحَنابِلةِ: إنَّ مَوضعَ الكَراهةِ أنْ يَكونَ المَوضعُ غيرَ مُقيَّرٍ أو مُبلَّطٍ، قالَ: فإنْ بالَ في المُستحَمِّ المُقيَّرِ أو المُبلَّطِ أو المُجصَّصِ، ثم أرسَلَ عليه الماءَ قبلَ اغتِسالِه فيه، قالَ الإمامُ أحمدُ: إنْ صَبَّ عليه الماءَ في البالوعةِ فلا بأسَ؛ للأمنِ من التَّلوثِ، ومِثلُه الوُضوءُ (٢). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويُكرهُ أنْ يَبولَ في المُغتسَلِ … ومَحلُّه إذا لم يَكنْ ثَمَّ مَنفذٌ يَنفذُ منه البَولُ والماءُ (٣). وقالَ الحافِظُ وَليُّ الدِّينِ العِراقيُّ: حمَلَ جَماعةٌ من العُلماءِ هذا الحَديثَ المُتقدمَ على ما إذا كانَ المُغتسَلُ لَيِّنًا، وليسَ فيه مَنفذٌ بحيث إذا نزَلَ فيه البَولُ شرِبَته الأرضُ، واستقَرَّ فيها؛ فإنْ كانَ صُلبًا ببَلاطٍ ونَحوِه بحيث يَجري عليه البَولُ ولا يَستقرُّ، أو كانَ فيه مَنفذٌ كالبالوعةِ ونَحوِها فلا نَهيَ.

стр. 254

وقالَ النَّوويُّ في شَرحِه: إنَّما نَهى عن الاغتِسالِ فيه إذا كانَ صُلبًا يُخافُ منه إصابةُ رَشاشِه، (١) فإنْ كانَ لا يُخافُ ذلك بأنْ يَكونَ له مَنفذٌ أو غيرُ ذلك فلا كَراهةَ. قالَ الشَّيخُ وَليُّ الدِّينِ: وهو عَكسُ ما ذكَرَه الجَماعةُ؛ فإنَّهم حمَلوا النَّهيَ على الأرضِ اللَّينةِ، وحمَلَه هو على الصُّلبةِ، وقد لمَحَ هو مَعنًى آخَرَ وهو أنَّ في الصُّلبةِ يُخشَى عَودُ الرَّشاشِ بخِلافِ الرَّخوةِ، وهُم نظَروا إلى أنَّه في الرَّخوةِ يَستقرُّ مَوضعُه، وفي الصُّلبةِ يَجري ولا يَستقرُّ، فإذا صَبَّ عليه الماءَ ذهَبَ أثَرُه بالكُليةِ (٢). دُخولُ الخَلاءِ بشَيءٍ فيه ذِكرُ اللهِ: ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلا رِوايةً عندَ الحَنابِلةِ- إلى كَراهةِ دُخولِ الإِنسانِ الخَلاءَ وهو مُستصحِبٌ شَيئًا فيه ذِكرُ اللهِ تَعالى، وحُجتُهم في ذلك ما ورَدَ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا دخَلَ الخَلاءَ وضَعَ خاتَمَه» (٣). قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ: كانَ عليه «مُحمدٌ رَسولُ اللهِ».

стр. 255

إلا أنَّهم اختَلَفوا في بعضِ التَّفصيلاتِ، فمِن ذلك دُخولُ الخَلاءِ بالمُصحفِ. ذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ والأذرَعيُّ من الشافِعيةِ إلى حُرمةِ دُخولِ الخَلاءِ بالمُصحفِ في غيرِ حالِ الضَّرورةِ بخِلافِ غيرِه مما فيه قُرآنٌ أو ذِكرٌ. قالَ العَدويُّ ﵀: يَجبُ تَنحيةُ مُصحفٍ ولو مَستورًا، ويُكرهُ الدُّخولُ بشَيءٍ فيه قُرآنٌ أو ذِكرٌ غيرُ مَستورٍ، والدُّخولُ ببَعضِ القُرآنِ ليسَ كالدُّخولِ بكلِّه، وذلك مَحمولٌ على نَحوِ صَحيفةٍ فيها آياتٌ، لا مِثلَ جُزءٍ؛ فإنَّه يُعطَى حُكمَ كلِّه (١). وقالَ في «الشَّرح الصَّغير»: من الآدابِ الأكيدةِ … أنَّه لا يَدخلُ الكَنيفَ أو يَقضي حاجَتَه بقَضاءٍ ومعه مَكتوبٌ فيه ذِكرُ اللهِ، أو دِرهمٌ أو خاتَمٌ مَكتوبٌ فيه ذلك، وكذا اسمُ نَبيٍّ وليُنحِّهِ قبلَ دُخولِه نَدبًا أَكيدًا، إلا القُرآنَ فيَحرمُ قِراءتُه، والدُّخولُ بمُصحفٍ أو بَعضِه ولو آيةً ما لم يَكنْ حِرزًا مَستورًا بساتِرٍ ومن الساتِرِ جَيبُه، فوَضعُه في جَيبِه مَثلًا يَمنعُ الحُرمةَ في المُصحفِ، والكَراهةَ في غيرِه، وهذا ما لم يُخَفْ عليه الضَّياعُ، وإلا جازَ الدُّخولُ به للضَّرورةِ (٢). وقالَ المِرداويُّ في «الإنصاف»: وأمَّا دُخولُ الخَلاءِ بمُصحفٍ من غيرِ حاجةٍ فلا شَكَّ في تَحريمِه قَطعًا ولا يَتوقَّفُ في هذا عاقِلٌ (٣).

стр. 256

وقالَ الأذرَعيُّ: والمُتجهُ تَحريمُ إِدخالِ المُصحفِ ونَحوِه الخَلاءَ من غيرِ ضَرورةٍ إجلالًا له وتَكريمًا. وقالَ في «إعانة الطالِبين» (١): ويَنبَغي حَملُ كَلامِ الأذرَعيِّ على ما إذا خِيفَ عليه التَّنجُّسُ. وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا كانَ مَلفوفًا في شَيءٍ فلا بأسَ. قالَ في «مَجمع الأنهُر»: ولو كانَ ما فيه شَيئًا من القُرآنِ أو من أسماءِ اللهِ تَعالى في جَيبِه فلا بأسَ به، وكذا لو كانَ مَلفوفًا في شَيءٍ، لكنَّ التَّحرزَ أَولى (٢). وقالَ الطَّحطاويُّ نَقلًا عن «مُنية المُصلي»: الأفضَلُ ألَّا يَدخلَ الخَلاءَ وفي كُمِّه مُصحفٌ إلا إذا اضطُرَّ، ونَرجو ألَّا يأثَمَ بلا اضطِرارٍ (٣). وهو مُقتَضى كَلامِ الشافِعيةِ أنَّه لا يَحرمُ أنْ يَحملَ المُصحفَ في الخَلاءِ ولكنْ يُكرهُ له ذلك (٤). وعلى هذا فمَن اضطُرَّ إلى دُخولِ الخَلاءِ بما فيه ذِكرُ اللهِ جازَ له إِدخالُه، ولم يَحرمْ ولا يُكرهُ له ذلك.

стр. 257

نَصَّ على ذلك الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ واكتَفى الحَنابِلةُ بأنْ تَتحقَّقَ الحاجةُ إليه (١). ما يَقولُه إذا دخَلَ الخَلاءَ وإذا خرَجَ منه: ورَدَ في ذلك أَحاديثُ بأذكارٍ مُعيَّنةٍ يَقولُها الإِنسانُ إذا أرادَ دُخولَ الخَلاءِ، فمِن ذلك ما رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إذا دخَلَ الخَلاءَ قالَ: «اللَّهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ من الخُبُثِ والخَبائِثِ» (٢). والخُبُثُ بضَمِّ الباءِ جَمعُ الخَبيثِ، والخَبائِثُ جَمعُ الخَبيثةِ، وهُم ذُكرانُ الشَّياطينِ وإناثُهم، قاله الخَطابيُّ وابنُ حِبانَ وغيرُهما (٣). قالَ النَّوويُّ ﵀: وهذا الأدَبُ مُجمَعٌ على استِحبابِه، ولا فَرقَ فيه بينَ البُنيانِ والصَّحراءِ، واللهُ أعلَمُ (٤).

стр. 258

وخَصَّ هذا المَوضعَ بالاستِعاذةِ؛ لأنَّ للشياطينِ فيه تَسلُّطًا وقُدرةً على ابنِ آدمَ لم تَكنْ في غيرِه بسَببِ غَيبةِ الحَفظةِ عنه (١). ومِن ذلك أيضًا ما رَواه التِّرمذيُّ وغيرُه عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «سَترُ ما بينَ أعيُنِ الجِنِّ وعَوراتِ بَني آدَمَ إذا دخَلَ أحدُهم الخَلاءَ أنْ يَقولَ: بِسمِ اللهِ» (٢). أمَّا إذا خرَجَ منه فيَقولُ: «غُفرانَكَ»، وذلك لمَا رَوَت عائِشةُ أُمُّ المُؤمِنين ﵂ قالَت: كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ إذا خرَجَ من الغائِطِ قالَ: «غُفرانَكَ» (٣). أي: أسألُك غُفرانَك، أو اغفِرْ غُفرانَك، أي: الغُفرانَ اللَّائقَ بجَنابِك، أو الناشِئَ من فَضلِك بلا استِحقاقٍ مِنِّي له. قالَ العَينيُّ: إنَّما يَستغفِرُ مِنْ تَركِه ذِكرَ اللهِ تَعالى مُدةَ مُكثِه في الخَلاءِ، ويَقربُ منه ما قيلِ: إنَّه لشُكرِ النِّعمةِ التي أنعَمَ عليه بها إذْ أطعَمَه وهضَّمَه فحَقَّ على ما خرَجَ سالِمًا ممَّا استَعاذَه منه أنْ يُؤديَ شُكرَ النِّعمةِ في إعاذتِه وإجابةِ سُؤالِه وأنْ يَستغفرَ اللهَ تَعالى خَوفًا من ألَّا يُؤديَ شُكرَ تلك النِّعمةِ (٤).

стр. 259

تَقديمُ اليُسرى على اليُمنى في الدُّخولِ: صرَّح جُمهورُ الفُقهاءِ بأنَّه يُقدمُ رِجلَه اليُسرى في الدُّخولِ، واليُمنى في الخُروجِ على عَكسِ المَسجدِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ: قاعِدةُ الشَّرعِ المُستمرةُ استِحبابُ البَداءةِ باليَمينِ في كلِّ ما كانَ من بابِ التَّكريمِ والتَّزيُّنِ، وما كانَ بضِدِّها استُحبَّ فيه التَّياسُرُ (١).

стр. 260

باب في سُنَنِ الفِطرةِ الفِطرةُ هي: الخِصالُ التي إذا فُعلَت اتَّصفَ فاعلُها بالفِطرةِ التي فطَرَ اللهُ العِبادَ عليها، وحثَّهم عليها، واستحَبَّها لهم، ليَكونَ على أكمَلِ الصِّفاتِ وأحسَنِ صُورةٍ. وهي السُّنةُ القَديمةُ التي اختارَها الأَنبياءُ، واتَّفقَت عليها الشَّرائعُ فكأنَّها أمرٌ جِبلِّيٌّ فُطِروا عليه (١). ويَتعلَّقُ بخِصالِ الفِطرةِ مَصالحُ دينيةٌ ودُنيويةٌ تُدرَكُ بالتَّتبُّعِ: منها تَحسينُ الهَيئةِ، وتَنظيفُ البَدنِ جُملةً وتَفصيلًا، والاحتِياطُ للطَّهورَين والإِحسانُ إلى المُخالِطِ والمَقرونِ بكَفِّ ما يَتأذَّى منه مِنْ رائِحةٍ كَريهةٍ، ومُخالفةُ شِعارِ الكُفارِ من المَجوسِ واليَهودِ والنَّصارَى وعُبادِ الأَوثانِ، وامتِثالُ أمرِ الشارِعِ والمُحافظةُ على ما أشارَ إليه قَولُه تَعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر: ٦٤]؛ لمَا في المُحافظةِ على هذه الخِصالِ من مُناسبةِ ذلك، وكأنَّه قيلَ: قد حَسَّنتُ صُورَكم فلا تُشَوِّهوها

стр. 261

بما يُقبِّحُها، أو حافِظوا على ما يَستمرُّ به حُسنُها، وفي المُحافظةِ عليها مُحافظةٌ على المُروءةِ وعلى التآلُفِ المَطلوبِ؛ لأنَّ الإِنسانَ إذا بَدا في الهَيئةِ الجَميلةِ كانَ أدْعَى لانبِساطِ النَّفسِ إليه، فيُقبَلُ قَولُه ويُحمدُ رأيُه، والعَكسُ بالعَكسِ (١). وقد ورَدَ في خِصالِ الفِطرةِ أَحاديثُ، منها: ١ - حَديثُ ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مِنْ الفِطرةِ حَلقُ العانةِ وتَقليمُ الأَظفارِ وقَصُّ الشارِبِ» (٢). ٢ - حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الفِطرةُ خَمسٌ: الخِتانُ، والاستِحدادُ، ونَتفُ الإبطِ، وتَقليمُ الأَظفارِ، وقَصُّ الشارِبِ» (٣). ٣ - حَديثُ عائِشةَ ﵂ أنَّها قالَت: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «عَشرٌ من الفِطرةِ: قَصُّ الشارِبِ، وإعفاءُ اللِّحيةِ، والسِّواكُ، واستِنشاقُ الماءِ، وقَصُّ الأَظفارِ، وغَسلُ البَراجمِ، ونَتفُ الإبطِ، وحَلقُ العانةِ، وانتِقاصُ الماءِ، يَعني الاستِنجاءَ، قال مُصعبٌ -أحَدُ رُواةِ الحَديثِ-: ونَسيتُ العاشِرةَ إلا أنْ تَكونَ المَضمَضةَ» (٤).

стр. 262

وقد ورَدَت أَحاديثُ الفِطرةِ بألفاظٍ مُختلفةٍ فجاءَت بلَفظِ: «عَشرٌ مِنْ الفِطرةِ» وبلَفظِ: «خَمسٌ من الفِطرةِ» ونَحوِ ذلك، والحاصِلُ من ذلك أنَّ هذا لا يُرادُ به الحَصرُ، وإنَّما يُشارُ إلى ما هو الظاهِرُ البَيِّنُ المَحسوسُ منه، والذي يُدركُه كلُّ إِنسانٍ بطَبعِه، وهذا ما أشارَ إليه الإمامُ النَّوويُّ وبيَّنَ أنَّ الخِصالَ غيرُ مُنحصرةٍ في العَشرِ، والمُرادُ من الحَديثِ أنَّ مُعظمَها عَشرٌ، فهو كقَولِ الرَّسولِ ﷺ : «الحَجُّ عَرفةُ»، وعضَّدَ قَولَه بالرِّوايةِ التي تَقولُ: «خَمسٌ من الفِطرةِ» (١). وقد ذكَرَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ: أنَّ خِصالَ الفِطرةِ تَبلغُ ثَلاثينَ خَصلةً. قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: فإذا أرادَ خُصوصَ ما ورَدَ بلَفظِ الفِطرةِ فليسَ كذلك، وإنْ أرادَ أعَمَّ من ذلك فلا تَنحصِرُ في الثَّلاثينَ، بل تَزيدُ كَثيرًا، وأقَلُّ ما ورَدَ في خِصالِ الفِطرةِ حَديثُ ابنِ عُمرَ المَذكورُ؛ فإنَّه لم يَذكرْ إلا ثَلاثًا (٢). ومَجموعُ الخِصالِ التي ذُكرَت في الأَحاديثِ التي مَعنا هو: ١ - الخِتانُ. ٢ - الاستِحدادُ، حَلقُ العانةِ. ٣ - قَصُّ الشارِبِ.

стр. 263

٤ - نَتفُ الإبطِ. ٥ - تَقليمُ الأَظفارِ. ٦ - غَسلُ البَراجِمِ. ٧ - المَضمَضةُ والاستِنشاقُ. ٨ - انتِقاصُ الماءِ، أي: الاستِنجاءُ. ٩ - إِعفاءُ اللِّحيةِ. ١٠ - السِّواكُ. أمَّا بَيانُ أَحكامِها فهو كما يلي: ١ - الخِتانُ: الخِتانُ لُغةً: الاسمُ من الخَتنِ، وهو قَطعُ القُلفةِ من الذَّكرِ، والنَّواةِ من الأُنثى. كما يُقالُ: ختَنَ الغُلامَ والجارِيةَ يَختِنُهما ويَختُنُهما خَتنًا. ويُقالُ: غُلامٌ مَختونٌ وجاريةٌ مَختونةٌ وغُلامٌ وجاراةٌ خِتنانِ. كما ىُطلقُ عليه الخَفضُ والإعذارُ، وخَصَّ بعضُ الفُقهاءِ الخَتنَ بالذَّكرِ والخَفضَ بالأُنثى، والإِعذارُ مُشترَكٌ بينَهما (١). ولا يَخرجُ المَعنى الاصطِلاحيُّ عن المَعنى اللُّغويِّ عندَ الفُقهاءِ.

стр. 264

حُكمُ الخِتانِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على مَشروعيةِ الخِتانِ. قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ مَنْ ختَنَ ابنَه فقد أصابَ، واتَّفَقوا على إِباحةِ الخِتانِ للنِّساءِ (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّ الخِتانَ في حَقِّ الرِّجالِ، والخِفاضَ في حَقِّ الأُنثى مَشروعانِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ رَجبٍ ﵀: وخِتانُ المَرأةِ مَشروعٌ بغيرِ خِلافٍ (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل هو واجِبٌ على الذَّكرِ والأُنثى أو واجِبٌ على الذَّكرِ، وسُنةٌ للأُنثى أو هو سُنةٌ للجَميعِ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ -وهو وَجهٌ شاذٌّ عندَ الشافِعيةِ، ورِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ اختارَها ابنُ أبي موسى- إلى أنَّ الخِتانَ سُنةٌ مُؤكَّدةٌ في حَقِّ الرِّجالِ يأثَمُ تارِكُها، وهو من الفِطرةِ ومِن شعائِرِ الإِسلامِ وخَصائِصِه، فلو اجتمَعَ أهلُ بَلدٍ على تَركِه حارَبَهم الإمامُ، ولا يُتركُ إلا لضَرورةٍ (٤).

стр. 265

أمَّا في حَقِّ المَرأةِ فهو مَكرُمةٌ، أي: مُستحبٌّ، وإنَّما كانَ مَكرُمةً لأنَّه يَردُّ ماءَ الوَجهِ ويُطيِّبُ الجِماعَ، والمُرادُ برَدِّ ماءِ الوَجهِ أنَّه يَتسبَّبُ عنه رَونقُ الوَجهِ وبَريقُه ولَمعانُه. وفي قَولٍ عندَ الحَنفيةِ: أنَّه سُنةٌ للنِّساءِ أيضًا، أي: مُؤكَّدةٌ (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّ الخِتانَ في حَقِّ الرِّجالِ، والخِفاضَ في حَقِّ الأُنثى مَشروعانِ. ثم اختَلَفوا في وُجوبِه، فقالَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ: هو سُنةٌ في حَقِّها، وليسَ بواجِبٍ وُجوبَ فَرضٍ، ولكنْ يَأثمُ تارِكوه (٢). واستدَلُّوا على ذلك من السُّنةِ بحَديثِ أبي هُرَيرةَ مَرفوعًا: «خَمسٌ من الفِطرةِ: الخِتانُ، والاستِحدادُ، ونَتفُ الإبطِ، وتَقليمُ الأَظفارِ، وقَصُّ الشارِبِ» (٣). قالوا: فقد قرَنَ الخِتانَ في الحَديثِ بقَصِّ الشارِبِ وغيرِه وليسَ ذلك واجِبًا.

стр. 266

وبحَديثِ ابنِ عَباسٍ مَرفوعًا: «الخِتانُ سُنةٌ للرِّجالِ مَكرُمةٌ للنِّساءِ» (١). القَول الثاني: ذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ الخِتانَ واجِبٌ في حَقِّ الرِّجالِ دونَ النِّساءِ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ الإمامُ أحمدُ: الرَّجلُ أشَدُّ، وذلك أنَّ الرَّجلَ إذا لم يَختتِنْ فتلك الجِلدةُ مُدلاةٌ على الكُمَّرةِ ولا يُنَقَّى ما ثَمَّ، والمَرأةُ أهوَنُ. قالَ أبو عبدِ اللهِ: وكانَ ابنُ عَباسٍ يُشدِّدُ في أمرِه، ورُويَ عنه أنَّه لا حَجَّ ولا صَلاةَ، يَعني إذا لم يَختتِنْ (٢). القَولُ الثالِثُ: ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو قَولُ سُحنونٍ وابنِ العَربيِّ من المالِكيةِ -وحُكيَ هذا القَولُ عن أبي حَنيفةَ ومالِكٍ- أنَّ الخِتانَ واجِبٌ على الرِّجالِ والنِّساءِ جَميعًا (٣). واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي: ١ - أنَّ الخِتانَ من مِلةِ إِبراهيمَ ﵇: وقد اختتَنَ إِبراهيمُ ﵇

стр. 267

ففي الصَّحيحَينِ من حَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «اختتَنَ إِبراهيمُ ﵇ وهو ابنُ ثَمانينَ سَنةً بالقَدُّومِ» (١). وقد قالَ : ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] والخِتانُ من مِلتِه. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فإنْ قيلَ: لا دِلالةَ في الآيةِ على وُجوبِ الخِتانِ؛ لأنَّا أُمِرنا بالتَّديُّنِ بدِينِه فما فعَلَه مُعتقِدًا وُجوبَه فعَلناه مُعتقِدين وُجوبَه. وما فعَلَه نَدبًا فعَلناه نَدبًا، ولم نَعلمْ أنَّه كانَ يَعتقدُه واجِبًا. فالجَوابُ: أنَّ الآيةَ صَريحةٌ في اتِّباعِه فيما فعَلَه، وهذا يَقتَضي إِيجابَ كلِّ فِعلٍ فعَلَه، إلا ما قامَ الدَّليلُ على أنَّه سُنةٌ في حَقِّنا كالسِّواكِ ونَحوِه، وقد نقَلَ الخَطابيُّ أنَّ خِصالَ الفِطرةِ كانَت واجِبةً على إِبراهيمَ ﷺ (٢). ٢ - جاءَ رَجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقالَ: قد أسلَمتُ، قالَ: «ألقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفرِ واختَتِنْ» (٣)، وحَملُه على النَّدبِ في إلقاءِ الشَّعرِ لا يَلزمُ منه حَملُه عليه في الآخَرِ (٤).

стр. 268

٣ - ما قالَه ابنُ القَيمِ: أنَّ الخِتانَ من أظهَرِ الشَّعائِرِ التي يُفرَّقُ بها بينَ المُسلمِ والنَّصرانِيِّ، فوُجوبُه أظهَرُ من وُجوبِ الوِترِ، وزَكاةِ الخَيلِ ووُجوبِ الوُضوءِ على مَنْ قَهقَه في صَلاتِه، ووُجوبِ الوُضوءِ على مَنْ احتجَمَ أو تَقيَّأ أو رعَفَ، ووُجوبِ التَّيممِ إلى المِرفَقينِ ووُجوبِ الضَّربتَين على الأرضِ وغيرِ ذلك، أمَّا وُجوبُ الخِتانِ فأظهَرُ مِنْ وُجوبِه وأقوى، حتى إنَّ المُسلِمينَ لا يَكادون يَعدُّون الأقلَفَ منهم، ولهذا ذهَبَ طائِفةٌ من الفُقهاءِ إلى أنَّ الكَبيرَ يَجبُ عليه أنْ يَختتِنَ ولو أدَّى إلى تَلفِه (١). ٤ - ولأنَّه لو لم يَكنْ واجِبًا لَما كُشفَت له العَورةُ؛ لأنَّ كَشفَ العَورةِ مُحرمٌ، فلَمَّا كُشفَت له العَورةُ دلَّ على وُجوبِه (٢). ٥ - وأنَّه لا يَستَغني فيه عن تَركِ واجِبَينِ وارتِكابِ مَحظورَينِ: أحدُهما: كَشفُ العَورةِ في جانِبِ المَختونِ، والنَّظرُ إلى عَورةِ الأجنَبيِّ في جانِبِ الخاتِنِ. فلو لم يَكنْ واجِبًا لمَا كانَ قد تُركَ له واجِبان وارتُكبَ مَحظورانِ (٣). ٦ - أنَّه -وإنْ كانَ مَذكورًا في جُملةِ السُّننِ- عندَ كَثيرٍ من العُلماءِ على الوُجوبِ، وذلك أنَّه شِعارُ الدِّينِ، وبه يُعرفُ المُسلمُ من الكافِرِ،

стр. 269

وإذا وُجدَ المَختونُ بينَ جَماعةِ قَتلَى غيرِ مَختونينَ صُلِّي عليه ودُفنَ في مَقابِرِ المُسلِمينَ (١). وأيضًا لا مانِعَ من جَمعِ مُختلِفي الحُكمِ بلَفظِ أمرٍ واحِدٍ كما في قَولِه تَعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٤١] فإيتاءُ الواجِبِ حَقٌّ والأكلُ مُباحٌ (٢). ٧ - ولأنَّ الوَليَّ يُؤلِمُ فيه الصَّبيَّ ويُعرِّضُه للتَّلفِ بالسِّرايةِ، ويُخرجُ من مالِه أُجرةَ الخاتِنِ وثمَنَ الدَّواءِ، ولا يَضمنُ سِرايتَه بالتَّلفِ، ولو لم يَكنْ واجِبًا لمَا جازَ ذلك؛ فإنَّه لا يَجوزُ إِضاعةُ مالِه وإيلامُه الألَمَ البالِغَ وتَعريضَه للتَّلفِ بفِعلِ ما لا يَجبُ فِعلُه (٣). ٨ - ولأنَّه لو لم يَكنْ واجِبًا لمَا جازَ للخاتِنِ الإِقدامُ عليه، وإنْ أذِنَ فيه المَختونُ أو وَليُّه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الإِقدامُ على قَطعِ عُضوٍ لم يأمُرِ اللهُ ورَسولُه ﷺ بقَطعِه، ولا أوجَبا قَطعَه كما لو أُذنَ له في قَطعِ أُذنِه أو إِصبعِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له ذلك، ولا يَسقطُ الإثمُ عنه بالإذنِ، وفي سُقوطِ الضَّمانِ عنه نِزاعٌ (٤).

стр. 270

٩ - قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: إنَّ المَقصودَ بخِتانِ الرَّجلِ تَطهيرُه من النَّجاسةِ المُحتقِنةِ في القُلفةِ، والمَقصودُ من خِتانِ المَرأةِ تَعديلُ شَهوتِها؛ فإنَّها إنْ كانَت قَلفاءَ كانَت مُغتلِمةً شَديدةَ الشَّهوةِ، ولهذا يُقالَ في المُشاتَمةِ: يا ابنَ القَلفاءِ -أي: يا ابنَ التي لم تَختتِنْ-؛ فإنَّ القَلفاءَ تَتطلَّعُ إلى الرِّجالِ أكثَرَ، ولهذا يُوجدُ من الفَواحِشِ في نِساءِ التَّتَرِ ونِساءِ الإفرِنجِ ما لا يُوجدُ في نِساءِ المُسلِمينَ (١). ١٠ - قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: هذا مع ما في الخِتانِ من الطَّهارةِ والنَّظافةِ وتَحسينِ الخِلقةِ وتَعديلِ الشَّهوةِ التي إذا أفرَطَت ألحَقَت الإِنسانَ بالحَيوانِ، وإنْ عُدمَت بالكُليةِ ألحَقَته بالجَماداتِ، فالخِتانُ يُعدِّلُها، ولهذا تَجدُ الأقلَفَ من الرِّجالِ والقَلفاءَ من النِّساءِ لا يَشبَعانِ من الجِماعِ. ولهذا يُذمُّ الرَّجلُ ويُشتمُ ويُعيَّرُ بأنَّه ابنُ القَلفاءِ، إِشارةً إلى غُلمتِها، وأيُّ زينةٍ أحسَنُ من أخذِ ما طالَ وجاوَزَ الحَدَّ من جِلدةِ القُلفةِ وشَعرِ العانةِ وشَعرِ الإبطِ وشَعرِ الشارِبِ وما طالَ من الظُّفرِ؛ فإنَّ الشَّيطانَ يَختبئُ تحتَ ذلك كلِّه ويَألفُه ويَقطُنُ فيه، حتى إنَّه يَنفخُ في إحليلِ الأقلَفِ وفَرجِ القَلفاءِ ما لا يَنفخُ في المَختونِ ويَختبئُ في شَعرِ العانةِ وتحتَ الأَظفارِ، فالغُرلةُ الجُزءُ الزائِدُ من الجِلدِ الذي يُقطعُ أقبَحُ في مَوضِعها من الظُّفرِ الطَّويلِ، والشارِبِ الطَّويلِ والعانةِ فاحِشةِ الطُّولِ، ولا يَخفَى على ذي الحِسِّ السَّليمِ

стр. 271

قُبحُ الغُرلةِ وما في إِزالتِها من التَّحسينِ والتَّنظيفِ والتَّزيُّنِ، ولهذا لمَّا ابتَلى اللهُ خَليلَه إِبراهيمَ بإِزالةِ هذه الأُمورِ فأتَمَّهن، جعَلَه إمامًا للناس. هذا مع ما فيه من بَهاءِ الوَجهِ وضيائِه وتَركِه من الكَسفةِ التي تُرى عليه. ورَوى أبو داودَ عن أُمِّ عَطيةَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَ خاتِنةً تَختِنُ فقالَ: «إذا ختَنتِ فلا تَنهِكي؛ فإنَّ ذلك أحظَى للمَرأةِ، وأحَبُّ إلى البَعلِ» (١). ومَعنى هذا أنَّ الخافِضةَ إذا استأصَلَت جِلدةَ الخِتانِ ضعُفَت شَهوةُ المَرأةِ فقَلَّت حَظوتُها عندَ زَوجِها، كما أنَّها إذا تركَتْها كما هي لم تأخُذْ منها شَيئًا ازدادَت غُلمتُها، فإذا أخذَت منها وأبقَت كانَ ذلك تَعديلًا للخِلقةِ والشَّهوةِ، هذا مع أنَّه لا يُنكَرُ أنْ يَكونَ قَطعُ هذه الجِلدةِ عَلَمًا على العُبوديةِ؛ فإنَّك تَجدُ قَطعَ طَرفِ الأُذنِ وكَيَّ الجَبهةِ ونَحوَ ذلك في كَثيرٍ من الرَّقيقِ عَلامةً لرِقِّهم وعُبوديَّتِهم، حتى إذا أبَقَ رُدَّ إلى مالِكِه بتلك العَلامةِ، فما يُنكرُ أنْ يَكونَ قَطعُ هذا الطَّرفِ عَلمًا على عُبوديةِ صاحِبِه للهِ سُبحانَه حتى يَعرفَ الناسُ أنَّ من كانَ كذلك فهو من عَبيدِ اللهِ الحُنفاءِ، فيَكونَ الخِتانُ عَلمًا لهذه السُّنةِ التي لا يُوجدُ أشرَفُ منها، مع ما فيه من الطَّهارةِ والنَّظافةِ والزِّينةِ وتَعديلِ الشَّهوةِ (٢).

стр. 272

وقد أَجابوا عن أدِلةِ المُسقِطين لوُجوبِه بما يَلي: ١ - أمَّا دَليلُهم الأولُ، وهو حَديثُ ابنِ عَباسٍ: «الخِتانُ سُنةٌ للرِّجالِ مَكرُمةٌ لِلنِّساءِ» (١) فقالَ عنه ابنُ القَيمِ ﵀: هذا حَديثٌ يُروى عن ابنِ عَباسٍ بإِسنادٍ ضَعيفٍ، والصَّحيحُ أنَّه مَوقوفٌ عليه، ويُروى أيضًا عن الحَجاجِ بنِ أَرطاةَ وهو مما لا يُحتجُّ به عن أبي المُلَيحِ بنِ أُسامةَ عن أبيه عنه وعن مَكحولٍ عن أبي أيُّوبَ عن النَّبيِّ ﷺ فذكَرَه، ذكَرَ ذلك كلَّه البَيهقيُّ، ثم ساقَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّه لا تُؤكلُ ذَبيحةُ الأقلَفِ، ولا تُقبلُ صَلاتُه، ولا تَجوزُ شَهادتُه، ثم قالَ: وهذا يَدلُّ على أنَّه كانَ يُوجِبُه. وإنَّ قَولَه: «الخِتانُ سُنةٌ» أرادَ به سُنةَ النَّبيِّ ﷺ ، وأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سَنَّه وأمَرَ به، فيَكونُ واجِبًا. والسُّنةُ هي الطَّريقةُ، يُقالُ: سَنَنتُ له كذا، أي: شرَعتُ، فقَولُه: «الخِتانُ سُنةٌ للرِّجالِ» أي: مَشروعٌ لهم، لا أنَّه نَدبٌ غَيرُ واجِبٍ، فالسُّنةُ هي الطَّريقةُ المُتبعةُ وُجوبًا واستِحبابًا؛ لقَولِه ﷺ : «مَنْ رغِبَ عن سُنَّتي فليسَ مِنِّي» وقَولِه ﷺ : «عليكم بسُنَّتي وسُنةِ الخُلفاءِ الراشِدينَ مِنْ بَعدي»، وقالَ ابنُ عَباسٍ: «مَنْ خالَف السُّنةَ كفَرَ». وتَخصيصُ السُّنةِ بما يَجوزُ تَركُه اصطِلاحٌ حادِثٌ، وإلا فالسُّنةُ ما سَنَّه

стр. 273

رَسولُ اللهِ ﷺ لأُمتِه من واجِبٍ ومُستحبٍّ، فالسُّنةُ هي الطَّريقةُ، وهي المِنهاجُ والسَّبيلُ (١). ٢ - أمَّا قَولُكم: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قرَنَه بالمَسنوناتِ، فدِلالةُ الاقتِرانِ لا تَقوى على مُعارضةِ أدِلةِ الوُجوبِ، ثم إنَّ الخِصالَ المَذكورةَ منها ما هو واجِبٌ كالمَضمَضةِ والاستِنشاقِ والاستِنجاءِ، ومنها ما هو مُستحبٌّ كالسِّواكِ (٢). ٢ - حَلقُ العانةِ: (الاستِحدادُ): العانةُ في اللُّغةِ: هي الشَّعرُ النابِتُ فوقَ الفَرجِ (٣). ولا يَخرجُ المَعنى الاصِطلاحيُّ لهذا اللَّفظِ عن مَعناه اللُّغويِّ، قالَ العَدويُّ والنَّفراويُّ: العانةُ: هي ما فوقَ العَسيبِ والفَرجِ وما بينَ الدُّبرِ والأُنثَيينِ (٤). وقالَ النَّوويُّ ﵀: المُرادُ بالعانةِ الشَّعرُ الذي فوقَ ذَكرِ الرَّجلِ وحَوالَيه وكذلك الشَّعرُ الذي حَوالَيِ المَرأةِ، ونُقلَ عن أبي العَباسِ بنِ سُريجٍ أنَّ العانةَ الشَّعرُ المُستديرُ حَولَ حَلقةِ الدُّبرِ ثم قالَ: وهذا الذي قالَه غَريبٌ، ولكنْ لا مانِعَ من حَلقِ شَعرِ الدُّبرِ، وأمَّا استِحبابُه فلم أرَ فيه

стр. 274

شَيئًا لمَن يَعتمدُ غيرَ هذا؛ فإنْ قُصدَ به التَّنظُّفُ وسُهولةُ الاستِنجاءِ فهو حَسنٌ مَحبوبٌ (١). وقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على سُنيةِ حَلقِ العانةِ: قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا حَلقُ العانةِ فمُتَّفقٌ على أنَّه سُنةٌ أيضًا، وهل يَجبُ على الزَّوجةِ إذا أمَرَها زَوجُها؟ فيه قَولانِ مَشهورانِ، أصَحُّهما: الوُجوبُ، وهذا إذا لم يَفحُشْ، بحيث يُنفِّرُ التَّواقَ؛ فإنْ فحُشَ بحيث نفَّرَه وجَبَ قَطعًا (٢). ولا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ إِزالةِ شَعرِ العانةِ بأيِّ مُزيلٍ من حَلقٍ وقَصٍّ ونَتفٍ ونَورةٍ؛ لأنَّ أصلَ السُّنةِ يَتأدَّى بالإِزالةِ بأيِّ مُزيلٍ (٣). كما أنَّه لا خِلافَ بينَهم في أنَّ الحَلقَ أفضَلُ لإِزالةِ شَعرِ العانةِ في حَقِّ الرَّجلِ (٤). أمَّا المَرأةُ فيَرى الحَنفيةُ والشافِعيةُ أنَّ الأَولى في حَقِّها النَّتفُ.

стр. 275

وذهَبَ جُمهورُ المالِكيةِ والنَّوويُّ في قَولٍ: إلى تَرجيحِ الحَلقِ في حَقِّ المَرأةِ (١)؛ لحَديثِ جابِرٍ في النَّهيِ عن «طُروقِ النِّساءِ لَيلًا حتى تَمتشِطَ الشَّعثةُ وتَستحِدَّ المُغيَّبةُ» (٢). وقد فصَّلَ في ذلك ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀ فقالَ: إنْ كانَت شابَّةً فالنَّتفُ في حَقِّها أَولى؛ لأنَّه يَربو مَكانَ النَّتفِ، وإنْ كانَت كَهلًا فالأَولى في حَقِّها الحَلقُ؛ لأنَّ النَّتفَ يُرخي المَحلَّ، قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: ولو قيلَ: الأَولى في حَقِّها التَّنوُّرُ مُطلقًا لمَا كانَ بَعيدًا (٣). ٣ - قَصُّ الشارِبِ: قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀ (٤): وأمَّا قَصُّ الشارِبِ فمُتَّفقٌ على أنَّه سُنةٌ، ودَليلُه الحَديثانِ السابِقانِ، وحَديثُ زَيدِ بنِ أرقَمَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لم يَأخذْ مِنْ شارِبِه فليسَ مِنَّا» (٥). قالَ النَّوويُّ ﵀: المُختارُ في قَصِّ الشارِبِ أنْ يَقصَّه حتى يَبدوَ طَرفُ الشَّفةِ، وألَّا يُحفِيَه من أصلِه.

стр. 276

وقالَ ابنُ دَقيقِ العيدِ ﵀: ما أدري هل نقَلَه عن المَذهبِ أو قالَه اختيارًا منه لمَذهبِ مالِكٍ. وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قد صرَّحَ في «شَرح المُهذَّب» بأنَّ هذا مَذهبُنا. وقالَ الطَّحاويُّ ﵀: لم أرَ عن الشافِعيِّ في ذلك شَيئًا مَنصوصًا، وأَصحابُه الذين رَأيناهم -كالمُزنِيِّ والرَّبيعِ- كانوا يُحفُونَ، وما أظُنُّهم أخَذوا ذلك إلا عنه، وكانَ أبو حَنيفةَ وأَصحابُه يَقولونَ: الإِحفاءُ أفضَلُ من التَّقصيرِ. وقالَ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ: إِحفاءُ الشارِبِ عِندي مُثلةٌ. وقالَ أشهَبُ: سألتُ مالِكًا عمَّن يُحفي شارِبَه فقالَ: هذه بِدعةٌ ظهَرَت في الناسِ. قالَ الطَّحاويُّ: الحَلقُ هو مَذهبُ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ ومُحمدٍ. وقالَ الأثرَمُ: كانَ أحمدُ يُحفي شارِبَه إِحفاءً شَديدًا، ونَصَّ على أنَّه أَولى من القَصِّ (١). ٤ - نَتفُ الإبطِ: قالَ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا نَتفُ الإبطِ فمُتَّفقٌ على أنَّه سُنةٌ. والتَّوقيتُ فيه يَختلفُ باختِلافِ الأشخاصِ والأَحوالِ.

стр. 277

ثم إنَّ السُّنةَ نَتفُه، فلو حلَقَه جازَ، وحَكى عن يُونسَ بنِ عبدِ الأَعلى قالَ: دخَلتُ على الشافِعيِّ ﵀ وعندَه المُزيِّنُ يَحلِقُ إبطَيْه، فقالَ الشافِعيُّ: قد علِمتُ أنَّ السُّنةَ النَّتفُ، ولكنْ لا أقوَى على الوَجعِ، ولو إِزاله بالنَّورةِ فلا بأسَ. قالَ الغَزاليُّ ﵀: المُستحبُّ نَتفُه، وذلك سَهلٌ لمَن تَعوَّدَه؛ فإنْ حلَقَه جازَ؛ لأنَّ المَقصودَ النَّظافةُ، وألَّا يَجتمعَ الوَسخُ في خُللِ ذلك، وربَّما حصَلَ بسَببِه رائِحةٌ، ويُستحبُّ أنْ يَبدأَ بالإبطِ الأيمَنِ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ونَتفُ الإبطِ سُنةٌ؛ لأنَّه مِنْ الفِطرةِ، ويُفحَشُ بتَركِه، وإنْ إِزال الشَّعرَ بالحَلقِ والنَّورةِ جازَ، ونَتفُه أفضَلُ لمُوافَقتِه الخبَرَ (٢). وأفضَليةُ النَّتفِ هي ما صرَّحَ به الحَنفيةُ أيضًا (٣). ٥ - تَقليمُ الأَظفارِ: قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أمَّا تَقليمُ الأَظفارِ فمُجمَعٌ على أنَّه سُنةٌ، وسَواءٌ فيه الرَّجلُ والمَرأةُ واليَدانِ والرِّجلانِ، ويُستحبُّ أنْ يَبدأَ باليَدِ اليُمنى، ثم اليُسرى، ثم الرِّجلِ اليُمنى، ثم اليُسرى. وأمَّا التَّوقيتُ في تَقليمِ الأَظفارِ فهو مُعتبَرٌ بطُولِها، فمَتى طالَت قلَّمَها، ويَختلِفُ ذلك باختِلافِ الأَشخاصِ والأَحوالِ.

стр. 278

وكذا الضابِطُ في قَصِّ الشارِبِ ونَتفِ الإبطِ وحَلقِ العانةِ، وقد ثبَتَ عن أنَسٍ ﵁ قالَ: «وُقِّتَ لنا في قَصِّ الشارِبِ، وتَقليمِ الأَظفارِ، ونَتفِ الإبطِ، وحَلقِ العانةِ ألَّا نَترُكَ أكثَرَ من أربَعينَ لَيلةً» (١). فإنَّ قَولَه: «وُقِّتَ لنا»، كقَولِ الصَّحابيِّ: «أُمِرْنا بكذا»، و «نُهينا عن كذا»، وهو مَرفوعٌ، كقَولِه: قالَ لنا رَسولُ اللهِ ﷺ ، على المَذهبِ الصَّحيحِ الذي عليه الجُمهورُ من أهلِ الحَديثِ والفِقهِ والأُصولِ. ثم مَعنى هذا الحَديثِ أنَّهم لا يُؤخِّرونَ فِعلَ هذه الأشياءِ عن وَقتِها؛ فإنْ أخَّروها فهم لا يُؤخرونَها أكثَرَ من أربَعينَ يَومًا، وليسَ مَعناه الإذنَ في التَّأخيرِ أربَعينَ مُطلقًا، وقد نَصَّ الشافِعيُّ والأَصحابُ ﵏ على أنَّه يُستحبُّ تَقليمُ الأَظفارِ والأخذُ من هذه الشُّعورِ يَومَ الجُمُعةِ، واللهُ أعلَمُ (٢). ٦ - غَسلُ البَراجِمِ: البَراجِمُ هي: رُؤوسُ السُّلامَياتِ في ظَهرِ الكَفِّ (٣). قالَ الخَطابيُّ ﵀: هي المَواضعُ التي تَتسخُ ويَجتمعُ فيها الوَسخُ ولا سيَّما ممَّن لا يَكونُ طَريَّ البَدنِ (٤).

стр. 279

وألحَقَ الغَزاليُّ بها إِزالةَ ما يَجتمعُ من الوَسخِ في مَعاطفِ الأُذنِ وقَعرِ الصِّماخِ فيُزيلُه بالمَسحِ وكذا ما يَجتمعُ في داخِلِ الأنفِ من الرُّطوباتِ المُلتصقةِ بجَوانبِه وكذا الوَسخُ الذي يَجتمعُ على غيرِ ذلك. وقال أيضًا: كانَت العَربُ لا تَغسلُ اليَدَ عَقبَ الطَّعامِ فيَجتمعُ في تلك الغُضوفِ وَسخٌ فأمَرَ بغَسلِها (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا غَسلُ البَراجمِ فمُتَّفقٌ على استِحبابِه وهو سُنةٌ مُستقلةٌ غيرُ مُختصةٍ بالوُضوءِ (٢). ٧ - المَضمَضةُ والاستِنشاقُ: وسيَأتي الكَلامُ عليهما إنْ شاءَ اللهُ تَعالى في سُننِ الوُضوءِ. ٨ - الاستِنجاءُ: ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ إلى وُجوبِه، وذهَبَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ ومالِكٌ في قَولٍ إلى سُنِّيتِه وقد سبَقَ بَيانُ ذلك في بابِه. ٩ - حَلقُ اللِّحيةِ: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في المَنصوصِ عنه إلى حُرمةِ حَلقِ اللِّحيةِ؛ لأنَّه مُناقِضٌ للأمرِ النَّبويِّ الوارِدِ في ذلك بإِعفائِها وتَوفيرِها.

стр. 280

ومِن ذلك ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «خالِفوا المُشرِكينَ، أحْفُوا الشَّوارِبَ وأوْفُوا اللِّحَى» (١). ومنها حَديثُ أبي هُريرةَ ﵁ مَرفوعًا: «جُزُّوا الشَّوارِبَ وأرْخُوا اللِّحَى، خالِفُوا المَجوسَ» (٢). قالَ ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: وأمَّا الأخذُ منها -أي: اللِّحيةِ- وهي دونَ القَبضةِ كما يَفعلُه بعضُ المَغاربةِ ومُخنَّثةُ الرِّجالِ فلم يُبِحْه أحدٌ (٣). قالَ الدُّسوقيُّ المالِكيُّ ﵀: يَحرمُ على الرَّجلِ حَلقُ لِحيتِه ويُؤدَّبُ فاعِلُ ذلك (٤). وقالَ القُرطُبيُّ ﵀ في «المُفهِم»: لا يَجوزُ حَلقُها ولا نَتفُها ولا قَصُّ الكَثيرِ منها (٥). وقالَ أبو الحَسنِ المالِكيُّ ﵀: واحتَرزَ بالجَسدِ عن شَعرِ الرأسِ واللِّحيةِ؛ لأنَّ حَلقَهما بِدعةٌ.

стр. 281

قالَ العَدويُّ ﵀: قَولُه: (لأنَّ حَلقَهما بِدعةٌ) أي: بِدعةٌ مُحرَّمةٌ في اللِّحيةِ في حَقِّ الرَّجلِ، وأمَّا المَرأةُ فقد تَقدَّم أنَّه يَجبُ عليها حَلقُ لِحيتِها (١). أمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ مُفلحٍ في الفُروعِ بعدَ أنْ ساقَ الأَحاديثَ: وهذه الصِّيغةُ تَقتَضي عندَ أَصحابِنا التَّحريمَ (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَحرمُ حَلقُ اللِّحيةِ (٣). وقد نقَلَ ابنُ حَزمٍ ﵀: الإِجماعُ على حُرمةِ حَلقِ اللِّحيةِ، قالَ: واتَّفَقوا أنَّ حَلقَ جَميعِ اللِّحيةِ مُثلةٌ، لا تَجوزُ، وكذلك الخَليفةُ والفاضِلُ والعالِمُ (٤). أمَّا الشافِعيةُ: فقيلَ في «إِعانة الطَّالِبين»: (ويَحرمُ حَلقُ لِحيةٍ)، المُعتمدُ عندَ الغَزاليِّ وشَيخِ الإِسلامِ وابنِ حَجرٍ في «التُّحفة» والرَّمليِّ والخَطيبِ وغيرِهم الكَراهةُ. ثم قالَ: (فائِدةٌ) قالَ الشَّيخانِ: يُكرهُ حَلقُ اللِّحيةِ، واعتَرَضه ابنُ الرِّفعةِ في «حاشية الكافية» بأنَّ الشافِعيَّ ﵁ نَصَّ في «الأُم» على التَّحريمِ (٥).

стр. 282

قالَ الزَّركَشيُّ: وكذا الحَليميُّ في شُعبِ الإيمانِ وأُستاذُه القَفالُ الشاشيُّ في مَحاسنِ الشَّريعةِ. وقالَ الأذرَعيُّ: الصَّوابُ تَحريمُ حَلقِها جُملةً لغيرِ عِلةٍ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: المُختارُ تَركُ اللِّحيةِ على حالِها، وألَّا يَتعرَّضَ لها بتَقصيرِ شَيءٍ أصلًا (٢). وقالَ أبو شامةَ من الشافِعيةِ: وقد حدَثَ قَومٌ يَحلِقون لِحاهُم، وهو أشَدُّ مما نُقلَ عن المَجوسِ من أنَّهم كانوا يَقصُّونها (٣). وأمَّا الأخذُ من اللِّحيةِ إذا طالَت فنَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا يَحرمُ الأخذُ من اللِّحيةِ فيما زادَ على قَبضةِ اليَدِ ويَجوزُ فيما زادَ، وقالَ الشافِعيةُ: يُكرهُ. وقد ورَدَ في ذلك حَديثٌ، ليسَ ضَعيفًا جِدًّا، عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَأخذُ من لِحيَتِه من عَرضِها وطُولِها (٤).

стр. 283

قالَ الإمامُ المَوصليُّ الحَنفيُّ ﵀: وإِعفاءُ اللِّحى، قالَ مُحمدٌ عن أبي حَنيفةَ: تَركُها حتى تَكَثَّ وتَكثُرَ، والتَّقصيرُ فيها سُنةٌ، وهو أنْ يَقبضَ الرَّجلُ لِحيتَه فما زادَ على قَبضتِه قطَعَه؛ لأنَّ اللِّحيةَ زينةٌ وكَثرتُها من كَمالِ الزِّينةِ وطُولُها الفاحِشُ خِلافٌ للسُّنةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عابِدينَ ﵀: قَولُه: (والسُّنةُ فيها القَبضةُ) وهو أنْ يَقبضَ الرَّجلُ لِحيتَه فما زادَ منها على قَبضةٍ قطَعَه. كذا ذكَرَه مُحمدٌ في كِتابِ الآثارِ عن الإمامِ، قالَ: وبه نَأخذُ. فائِدةٌ: رَوى الطَّبرانِيُّ عن ابنِ عَباسٍ رَفعَه: «من سَعادةِ المَرءِ خِفةُ لِحيتِه». واشتُهِرَ أنَّ طُولَ اللِّحيةِ دَليلٌ على خِفةِ العَقلِ، وأنشَدَ بَعضُهم: ما أحدٌ طالَت له لِحيةٌ … فزادَت اللِّحيةُ في هَيئتِه إلا وما يَنقُصُ من عَقلِه … أكثَرُ مما زادَ في لِحيتِه لَطيفةٌ: نُقلَ عن هِشامِ بنِ الكَلبيِّ قالَ: حفِظتُ ما لم يَحفَظْه أحدٌ ونَسيتُ ما لم يَنسَه أحَدٌ، حفِظتُ القُرآنَ في ثَلاثةِ أيامٍ، وأرَدتُ أنْ أقطَعَ من لِحيَتي ما زادَ على القَبضةِ فنَسيتُ فقطَعتُ من أعلاها (٢).

стр. 284

وفي قَولٍ للحَنفيةِ: يَجبُ قَطعُ ما زادَ على «القُبضةِ» بالضَّمِّ، ومُقتَضاه الإثْمُ بتَركِه (١). وعنِ ابنِ القاسِمِ قالَ: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: لا بأسَ أنْ يُؤخذَ ما تَطايلَ من اللِّحيةِ وشَذَّ، قالَ: فقيلَ لمالِكٍ: فإذا طالَت جِدًّا؛ فإنَّ من اللِّحَى ما تَطولُ، قالَ: أرَى أنْ يُؤخذَ منها وتُقصَّرَ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وما استَحسَنه مالِكٌ من أنْ يُؤخذَ من اللِّحى إذا طالَت جِدًّا حَسنٌ ليسَ فيه ما يُخالِفُ أمرَ النَّبيِّ ﷺ بإِعفائِها، بل فيه ما يَدلُّ على ذلك بالمَعنى؛ لأنَّه إنَّما أمَرَ ﷺ بإِعفاءِ اللِّحي؛ لأنَّ حَلقَها أو قَصَّها تَشويهٌ ومُثلةٌ، وكذلك طُولُها … سَماجةٌ وشُهرةٌ، ولو ترَكَ بعضُ الناسِ الأخذَ من لِحيتِه لانتَهَت إلى سُرتِه أو إلى ما هو أسفَلَ من ذلك، وذلك مما يُستقبَحُ، وباللهِ التَّوفيقُ (٣). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وفي أخذِ ابنِ عُمرَ من آخِرِ لِحيتِه في الحَجِّ دَليلٌ على جَوازِ الأخذِ من اللِّحيةِ في غَيرِ الحَجِّ؛ لأنَّه لو كانَ غيرَ جائِزٍ ما جازَ في الحَجِّ؛ لأنَّهم أُمِروا أنْ يَحلِقوا أو يُقصِّروا إذا حَلُّوا مَحلَّ حَجِّهم ما نُهوا عنه في حَجِّهم.

стр. 285

وابنُ عُمرَ رَوى عن النَّبيِّ ﷺ : «أعفُوا اللِّحى» وهو أعلَمُ بمَعنى ما رَوى فكانَ المَعنى عندَه وعندَ جُمهورِ العُلماءِ الأخذُ من اللِّحيةِ ما تَطايَرَ، واللهُ أعلَمُ. ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه كانَ يَأخذُ من لِحيتِه ما يَلي وَجهَه. وقالَ إِبراهيمُ: كانوا يَأخُذونَ من عَوارِضِ لِحاهُم. وكانَ إِبراهيمُ يَأخذُ من عارِضِ لِحيتِه. وعن أبي هُرَيرةَ أنَّه كانَ يَأخذُ من اللِّحيةِ ما فضَلَ عن القَبضةِ. وعن ابنِ عُمرَ مِثلُ ذلك، وعن الحَسنِ مِثلُه. وقال قَتادةُ: ما كانوا يأخُذونَ من طُولِها إلا في حَجٍّ أو عُمرةٍ كانوا يَأخُذونَ من العارِضَينَ (١). وقالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: وأمَّا الأخذُ مِنْ طُولِها فحَسنٌ، قالَ: وتُكرهُ الشُّهرةُ في تَعظيمِها، كما يُكرهُ في قَصِّها وجَزِّها، قالَ: وقد اختَلَف السَّلفُ هل لذلك حَدٌّ؟ فمنهم مَنْ لم يُحدِّدْ شَيئًا في ذلك إلا أنَّه لا يَتركُها لحَدِّ الشُّهرةِ، ويَأخذُ منها، وكرِهَ مالِكٌ طُولهَا جِدًّا، ومنهم مَنْ حدَّدَ بما زادَ على القَبضةِ فيُزالُ، ومنهم من كرِهَ الأخذَ منها إلا في حَجٍّ أو عُمرةٍ (٢). وقالَ النَّفراويُّ المالِكيُّ ﵀: يَحرمُ حَلقُها إذا كانَت لرَجلٍ، وأمَّا قَصُّها فإنْ لم تَكنْ طالَت فكذلك، وأمَّا لو طالَت كَثيرًا فأشارَ إلى حُكمِه بقَولِه: قالَ
следующие страницы →