← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

وَقتُ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ: لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تَجبُ في آخِرِ رَمضانَ لحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ … » (١). إلا أنَّهم اختلَفوا في تَحديدِ الوَقتِ على قولَينِ: وسَببُ الخِلافِ بينَ القولَينِ هل هي عِبادةٌ مُتعلِّقةٌ بيومِ العِيدِ أو بخُروجِ شَهرِ رَمضانَ؛ لأنَّ لَيلةَ العيدِ ليسَت من شَهرِ رَمضانَ (٢). القَولُ الأولُ: زَكاةُ الفِطرِ تَجبُ بغُروبِ الشَّمسِ من آخِرِ يَومٍ من شَهرِ رَمضانَ، وهو قَولُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ من المَذهبِ ومالِكٍ في رِوايةٍ رَواها عنه أشهَبُ، والحَنابِلةِ في المَذهبِ (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: في وقتِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ ثَلاثةُ أَقوالٍ مَشهورةٍ في الطَّريقتَينِ، أصَحُّها باتِّفاقِهم: تَجبُ بغُروبِ الشَّمسِ لَيلةَ عيدِ الفِطرِ، وهو نَصُّه الجَديدُ (٤).

стр. 2207

وقالَ المَرداويُّ ﵀: وتَجِبُ بغُروبِ الشَّمسِ من لَيلةِ الفِطرِ هذا هو الصَّحيحُ من المَذهبِ، نقَلَه الجَماعةُ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ وعليه أكثَرُ الأَصحابِ (١). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ورَوى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ بغُروبِ الشَّمسِ من آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ وهي لَيلةُ الفِطرِ (٢). واستدلُّوا على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تَجبُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ بما رَواه عبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمَةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولَةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (٣). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ دَليلانِ: الأولُ: قَولُه: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ»، فأخبَر أنَّها مَفروضةٌ بالفِطرِ من رَمضانَ من جِهةِ أنَّه أَضافَ الزَّكاةَ إلى الفِطرِ، والإِضافةُ

стр. 2208

تَقتَضي الاختِصاصَ، أي: الصَّدقةُ المُختصَّةُ بالفِطرِ، وأولُ فِطرٍ يَقعُ عن جَميعِ رَمضانَ مَغيبُ الشَّمسِ من آخِرِ نَهارِه، فاقتَضى أنْ يَكونَ الوُجوبُ مُتعلِّقًا به. والثاني: قَولُه: «طُهرَةً للصَّائمِ»؛ لأنَّ من لم يُدرِكْ شَيئًا من زَمانِ الصَّومِ لم يَحتَجْ إلى الطُّهرةِ من الصَّومِ (١). وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّه قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ على النَّاسِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أَوأُنثَى مِنْ المُسلِمينَ» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه يَدلُّ على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ يَكونُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، وذلك من وَجهَينِ: أحَدُهما: أرشَدَ النَّبيُّ ﷺ في هذا الحَديثِ إلى أنَّ الزَّكاةَ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، والفِطرُ من رَمضانَ يَقعُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، فدَلَّ ذلك على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو غُروبُ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ. والثاني: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أَضافَ الزَّكاةَ إلى الفِطرِ. والإِضافةُ تَقتَضي الاختِصاصَ والسَّببيَّةَ، أي: اختِصاصَ الوُجوبِ بالفِطرِ من رَمضانَ، والفِطرُ من رَمضانَ يَقعُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، فيَكونُ هو وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ.

стр. 2209

ولأنَّ زَكاةَ الفِطرِ إمَّا أنْ تَجبَ بخُروجِ رَمضانَ، وإمَّا بدُخولِ شَوالٍ، وغُروبِ الشَّمسِ، وإمَّا بالأمرَينِ، فكانَ تَعلُّقُ الزَّكاةِ به أَوْلى (١). ولأنَّ صَدقةَ الفِطرِ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، والفِطرُ من رَمضانَ يَكونُ بغُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، فتَجبُ الزَّكاةُ؛ ولأنَّ ما بعدَ غُروبِ الشَّمسِ ليسَ مَحلًّا للصَّومِ كما بعدَ طُلوعِ الفَجرِ. القَولُ الثاني: وقتُ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ العيدِ، وهو قَولُ الحَنفيةِ ومالِكٍ في رِوايةِ ابنِ قاسِمٍ عنه والشافِعيِّ في القَديمِ وأحمدَ في رِوايةٍ (١). قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا وقتُ وُجوبِ صَدقةِ الفِطرِ فقالَ أَصحابُنا: هو وقتُ طُلوعِ الفَجرِ الثاني من يومِ الفِطرِ. قالَ المَرداويُّ ﵀: وعنه تَجبُ بطُلوعِ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ. واستدلُّوا على أنَّ وُجوبَ زَكاةِ الفِطرِ يَكونُ بطُلوعِ الفَجرِ من يومِ العيدِ بما رَواه عبدُ اللَّهِ بنُ عُمرَ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ مِنْ رَمضانَ صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ … الحَديثَ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ أنَّ الصَّدقةَ أُضيفَت إلى الفِطرِ، والإضافةُ للاختِصاصِ، والاختِصاصُ للفِطرِ باليَومِ دونَ اللَّيلِ؛ إذِ المُرادُ فِطرٌ يُضادُّ الصَّومَ، وهو في اليَومِ دونَ اللَّيلِ؛ لأنَّ الصَّومَ في يومِ الفِطرِ حَرامٌ

стр. 2210

(أي: يومِ العيدِ)؛ ولأنَّ الفِطرَ كانَ يُوجَدُ كلَّ لَيلةٍ من رَمضانَ، ولا يَتعلَّقُ الوُجوبُ به، فدَلَّ على أنَّ المُرادَ به ما يُضادُّ الصَّومَ. وعَن أَبي عُبيدٍ، مَولَى ابنِ أَزهَرَ، قالَ: شهِدْتُ العِيدَ معَ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁، فقالَ: «هذانِ يَومانِ نَهى رَسولُ اللهِ ﷺ عَنْ صِيامِهما: يومُ فِطرِكم مِنْ صِيامِكم، واليومُ الآخَرُ تَأكلُونَ فيه مِنْ نُسكِكم». ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّ النَّبيَّ ﷺ أرشَدَ إلى أنَّ الفِطرَ من الصَّومِ يَكونُ يومَ الفِطرِ، وزَكاةَ الفِطرِ تَجبُ بالفِطرِ من رَمضانَ، فدَلَّ هذا على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ (العيدِ) وبه يَتحقَّقُ الفِطرُ من الصَّومِ. وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليومِ». وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بإِغناءِ المَساكينِ عن الطَّلبِ في يومِ العيدِ، فدَلَّ ذلك على تَعلُّقِ الوُجوبِ به، وأوَّلُه طُلوعُ الفَجرِ، إذًا فالحَديثُ يَدلُّ على أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ. وقياسُ زَكاةِ الفِطرِ على الأُضحيَّةِ بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما قُربةٌ مُتعلِّقةٌ بيومِ العيدِ، ووَقتُ الأُضحيَّةِ مُتعلِّقٌ بنَهارِ يومِ العيدِ دونَ لَيلِه، فوجَبَ أنْ تَكونَ زَكاةُ الفِطرِ مُتعلِّقةً بنَهارِ يومِ العيدِ دونَ لَيلِه، وهو يَومُ الفِطرِ، فلا يَتقدَّمُ وَقتُها على يومِه.

стр. 2211

ثَمرةُ الخِلافِ في وقتِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ: تَظهَرُ فائِدةُ الخِلافِ وثَمرتُه في وُجوبِ الزَّكاةِ وعَدَمِها، وذلك فيمَن ماتَ أو وُلدَ له مَولودٌ، أو تَزوَّجَ امرأةً أو اشتَرى عَبدًا أو أسلَمَ بعدَ غُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، وقبلَ طُلوعِ الفَجرِ. فعلى القَولِ الأولِ هو أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو غُروبُ الشَّمسِ آخِرَ يَومٍ من رَمضانَ، فإنَّه لا يَجبُ إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عن كلِّ هؤلاء؛ لأنَّهم لم يُوجَدوا إلا بعدَ وقتِ الوُجوبِ. وعلى القَولِ الثاني -وهو أنَّ وقتَ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ- يَجبُ الإِخراجُ عن كلِّ هؤلاء؛ لوُجودِهم قبلَ وقتِ الوُجوبِ. وعلى العَكسِ من ذلك من ماتَ له وَلدٌ أو طلَّقَ زَوجَتَه أو أعتَقَ عَبدًا، بعدَ غُروبِ شَمسِ آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ فإنَّه تَجبُ الزَّكاةُ على كلِّ هؤلاء على القَولِ الأولِ القائِلِ بأنَّ وُجوبَها هو غُروبُ الشَّمسِ من آخِرِ يَومٍ من رَمضانَ، وذلك على القَولِ الثاني القائِلِ بأنَّ وقتَ الوُجوبِ هو طُلوعُ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ، نَظرًا لفَقدِهم قبلَ الوُجوبِ. واللهُ أعلمُ.

стр. 2212

وقتُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ: زَكاةُ الفِطرِ لها وقتٌ مُستحَبٌّ ووَقتُ جَوازٍ، وسنَذكرُ حُكمَ تَأخيرِها عن وَقتِها، وبَيانُ ذلك فيما يَلي: الوَقتُ المُستحَبُّ لإِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الوَقتَ المُستحَبَّ لإِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ هو بعدَ طُلوعِ الفَجرِ من يومِ الفِطرِ، وقبلَ صَلاةِ العيدِ (١). قالَ الإمامُ العَبدَريُّ ﵀: أجمَعوا على أنَّ الأفضلَ أنْ يُخرجَها يومَ الفِطرِ قبلَ صَلاةِ العيدِ (٢). وجاءَ في «المُوطَّأِ» عن الإمامِ مالِكٍ أنَّه رَأى أهلَ العِلمِ يَستحبُّونَ أنْ يُخرِجوا زَكاةَ الفِطرِ إذا طلَعَ الفَجرُ من يومِ الفِطرِ قبلَ أنْ يَغدوا إلى المُصلَّى (٣). قالَ الزَّرقانيُّ: وبه قالَ مالِكٌ والأئمَّةُ (٤).

стр. 2213

واستدَلَّ العُلماءُ على أنَّ الوَقت المُستحَبَّ لإِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ بعدَ طُلوعِ الفَجرِ، وقبلَ صَلاةِ العِيدِ بالسُّنةِ: فعَن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بزَكاةِ الفِطرِ أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ: أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بإِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ صَلاةِ العيدِ، وهو أمرُ استِحبابٍ. قال بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: وهذا أمرُ استِحبابٍ، وهو قَولُ ابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وعَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ وإِبراهيمَ النَّخعيِّ والقاسِمِ وأبي نَضرةَ وعِكرِمةَ والضَّحاكِ والحَكمِ بنِ عُيَينَة ومُوسى بنِ وَردانَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وإِسحاقَ وأهلِ الكُوفةِ، ولم يُحكَ فيه خِلافٌ، وحَكى الخَطابيُّ الإِجماعَ فيه (٢). وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: قَولُه: «وأمَرَ بها أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» أنَّ الأفضلَ إِخراجُها قبلَ الخُروجِ إلى الصَّلاةِ، وقد صرَّحَ بذلك الفُقهاءُ من المَذاهبِ الأربِعةِ (٣). حُكمُ تَقديمِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ على وقتِ وُجوبِها: اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ العيدِ بيَومٍ أو يَومَينِ؛ لحَديثِ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «فرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدقةَ

стр. 2214

الفِطرِ -أَوْ قالَ: رَمضانَ- على الذَّكرِ، والأُنثَى، والحُرِّ، والمَملوكِ، صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ فعدَلَ النَّاسُ به نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، فكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يُعطِي التَّمرَ، فأَعوَزَ أَهلُ المَدينَةِ مِنْ التَّمرِ، فأَعطَى شَعيرًا، فكانَ ابنُ عُمرَ يُعطِي عَنْ الصَّغيرِ، والكَبيرِ، حتى إنْ كانَ ليُعطِي عَنْ بَنيَّ، وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يُعطِيها الَّذينَ يَقبَلونَها، وكانُوا يُعطونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أو يَومَينِ» (١) وهذا إِشارةٌ إلى جَميعِهم، فيَكونُ إِجماعًا؛ ولأنَّ تَعجيلَها بهذا القَدرِ لا يُخِلُّ بالمَقصودِ منها؛ إذِ الظاهِرُ أنَّها تَبقى أو بعضُها إلى يومِ العيدِ، فيُستَغنَى بها عن الطَّوافِ والطَّلبِ فيه، ولأنَّها زَكاةٌ جازَ تَعجيلُها قبلَ وُجوبِها كزَكاةِ المالِ (٢). وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: ويَدلُّ على ذلك أيضًا ما أخرَجَه البُخاريُّ في الوَكالةِ وغيرِها عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: «وكَّلَني رَسولُ اللهِ ﷺ بحِفظِ زَكاةِ رَمضانَ … » الحَديثَ. وفيه أمسَكَ الشَّيطانَ ثَلاثَ لَيالٍ وهو يَأخذُ من التَّمرِ، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُعجِّلونَها (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما زادَ على اليَومِ واليَومَينِ على أربَعةِ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: لا يَجوزُ تَقديمُها قبلَ يومِ العيدِ أكثَرَ من يَومَينِ، وهو قَولُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والكَرخيِّ من الحَنفيةِ (٤).

стр. 2215

واستدَلُّوا على عَدمِ جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ عن يومِ العيدِ أكثَرَ من يَومَينِ بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: أ- عن نافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «فرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدقةَ الفِطرِ -أَوْ قالَ: رَمضانَ- على الذَّكرِ، والأُنثَى، والحُرِّ، والمَملوكِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، فعدَلَ النَّاسُ به نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، فكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يُعطِي التَّمرَ، فأَعوَزَ أَهلُ المَدينةِ مِنْ التَّمرِ، فأَعطَى شَعيرًا، فكانَ ابنُ عُمرَ يُعطِي عَنْ الصَّغيرِ، والكَبيرِ، حتى إنْ كانَ ليُعطِي عَنْ بَنيَّ، وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يُعطِيها الَّذينَ يَقبَلونَها، وكانُوا يُعطونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أَويَومَينِ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على عَدمِ جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ عن يومِ العيدِ بيَومَينِ قَولُ ابنِ عُمرَ ﵄: «وكانُوا يُعطونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أويَومينِ» وهو إِشارةٌ إلى جَميعِهم -يَعني الصَّحابةَ- فيَكونُ إِجماعًا، وقد نَصَّ فيه علاه أنَّهم كانوا يُعطَونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أويَومَينِ فلا يَجوزُ أكثَرُ من ذلك.

стр. 2216

ب- قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَغنُوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أمرُه ﷺ : «أَغنُوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ»، والأمرُ للوُجوبِ، ومَتى قدَّمَها بالزَّمانِ الكَثيرِ لم يَحصُلْ إِغناؤُهم بها يومَ العيدِ. ثانيًا: المَعقولُ: وهو أنَّ زَكاةَ الفِطرِ شُرعَت لسَدِّ حاجةِ المُحتاجينَ وإِغنائِهم عن السُّؤالِ يومَ العيدِ، وتَقديمُها الزَّمنَ اليَسيرَ كاليَومِ واليَومَينِ لا يُخلُّ بالمَقصودِ، أمَّا إنْ قدَّمَها عن ذلك بالزَّمانِ الكَثيرِ لم يَحصُلْ إِغناؤُهم بها يومَ العيدِ (٢). القَولُ الثاني: أنَّه يَجوزُ تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ من أولِ رَمضانَ، وهو الصَّحيحُ من مَذهبِ الشافِعيةِ وقَولٌ للحَنفيَّةِ وللحَنابِلةِ (٣). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يَجوزُ عندَنا تَقديمُ الفِطرةِ في جَميعِ رَمضانَ لا قبلَه. هذا هوالمَذهبُ (٤). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو جَوازُ تَقديمِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها من أوَّلِ رَمضانَ لا قبلَه بالمَعقولِ، وهو مِنْ وُجوهٍ:

стр. 2217

أحدُها: زَكاةُ الفِطرِ حَقٌّ مالِيٌّ وجَبَت بسَببَينِ، هما: صَومُ رَمضانَ، والفِطرُ منه، فيَجوزُ تَقديمُها على أحَدِهما وهو الفِطرُ، ولا يَجوزُ عليهما معًا كما في زَكاةِ المالِ يَجوزُ تَقديمُها بعدَ مِلكِ النِّصابِ، وقبلَ الحَولِ إذًا تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ من أولِ رَمضانَ جائِزٌ لوُجوبِ أحَدِ سَبَبيِ الوُجوبِ وهو الصَّومُ، ولا يَجوزُ قبلَ ذلك؛ لأنَّه تَقديمٌ على سَببَينِ جَميعًا، فهو كإِخراجِ زَكاةِ المالِ قبلَ الحَولِ والنِّصابِ (١). الثاني: قِياسُ التَّقديمِ من أولِ رَمضانَ على التَّقديمِ بيَومٍ أو يَومَينِ، بجامِعِ الإِخراجِ في جُزءٍ من رَمضانَ في كلٍّ، والتَّقديمُ بيَومٍ أو يَومَينِ جائِزٌ اتِّفاقًا، فكذلك التَّقديمُ من أولِ رَمضانَ (٢). الثالِثُ: أنَّ الزَّكاةَ فِطرةٌ عن الصَّومِ، فلا يَجوزُ تَقديمُها عن وقتِ الصَّومِ وتَجوزُ بعدَه (٣). القَولُ الثالِثُ: أنَّه يَجوزُ تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ مُطلقًا سَنةً أوسَنتَينِ أو أكثَرَ، وهو الصَّحيحُ عندَ الحَنفيةِ (٤). قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ورَوى الحَسنُ عن أبي حَنيفةَ أنَّه يَجوزُ التَّعجيلُ سَنةً وسَنتَينِ … والصَّحيحُ أنَّه يَجوزُ التَّعجيلُ مُطلَقًا، وذكَرَ السَّنةَ

стр. 2218

والسَّنتَينِ في رِوايةِ الحَسنِ ليسَ على التَّقديرِ بل هو بَيانٌ لاستِكثارِ المُدةِ، أي: يَجوزُ وإنْ كَثُرت المُدةُ كما في قَولِه تَعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] (١). وقد رجَّحَ هذا القَولَ ابنُ عابدِين ﵀ فقالَ: وحيثُ كانَ في المَسألةِ قَولانِ مُصحَّحانِ تَخيَّر المُفتَى بالعَملِ بأيِّهما إلا إذا كانَ أحدُهما رُجحَ ككَونِه ظاهِرَ الرِّوايةِ، أو مَشى عليه أَصحابُ المُتونِ والشُّروحِ أو أكثَرُ المَشايخِ … وقد اجتَمعَت هذه المُرجِّحاتُ هنا للقَولِ بالإِطلاقِ (أي: بإطلاقِ المُدةِ) فلا يُعدَلُ عنه (٢). واستدَلَّ الحَنفيةُ على جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ وقتِ وُجوبِها مُطلقًا بالسُّنةِ والمَعقولِ: أمَّا السُّنةُ: فعن نافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «فرَضَ النَّبيُّ ﷺ صَدقةَ الفِطرِ -أَوْ قالَ: رَمضانَ- على الذَّكَرِ، والأُنثَى، والحُرِّ، والمَملوكِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ فعدَلَ النَّاسُ به نِصفَ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، فكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يُعطِي التَّمرَ، فأَعوَزَ أَهلُ المَدينةِ مِنْ التَّمرِ، فأَعطَى شَعيرًا، فكانَ ابنُ عُمرَ يُعطِي عَنْ الصَّغِيرِ، والكَبيرِ، حتى إنْ كانَ ليُعطِي عَنْ بَنيَّ، وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يُعطِيها الَّذينَ يَقبَلونَها، وكانُوا يُعطُونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أَويَومَينِ» (٣).

стр. 2219

وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على جَوازِ تَقديمِ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها مُطلَقًا، ما اشتَملَ عليه من قَولِه: «وكانُوا يُعطُونَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ أَويَومَينِ» فأطلَقَ التَّقديمَ فشمِلَ ما إذا دخَلَ رَمضانُ وقبلَه (١). ثانيًا: المَعقولُ وهو من وَجهَينِ: أحَدُهما: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما حَقٌّ للهِ تَعالى، وزَكاةُ المالِ يَجوزُ تَقديمُها قبلَ تَمامِ الحَولِ بعدَ كَمالِ النِّصابِ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ. الثاني: التَّعجيلُ بعدَ وُجوبِ السَّببِ جائِزٌ، وزَكاةُ الفِطرِ قد وُجدَ سَببُ وُجوبِها وهو رأسٌ يَمونُه ويَلي عليه، إذًا يَجوزُ تَعجيلُها مُطلَقًا، لا فَرقَ في ذلك بينَ مُدةٍ ومُدةٍ (٢). القَولُ الرابِعُ: لا يَجوزُ تَقديمُ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها أصلًا، وهو رِوايةٌ للمالِكيةِ وبه قالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ من الحَنفيةِ وابنُ حَزمٍ الظاهِريُّ (٣). قالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: ولا يَجوزُ تَقديمُها قبلَ وَقتِها أصلًا (٤). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: وقالَ الحَسنُ بنُ زِيادٍ: لا يَجوزُ تَعجيلُها أصلًا (٥).

стр. 2220

واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم وهو عَدمُ جَوازِ تَقديمِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن وقتِ وُجوبِها أصلًا بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: أ- عَنْ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بِزَكاةِ الفِطرِ، أَنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بإيتاءِ الزَّكاةِ قبلَ خُروجِ الناسِ إلى صَلاةِ العيدِ، والأصلُ في الأمرِ الوُجوبُ ما لم تُوجَدْ قَرينةٌ صارِفةٌ له، ولا قَرينةَ هنا، فدَلَّ ذلك على وُجوبِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ خُروجِ الناسِ إلى صَلاةِ العيدِ، ولا يَجوزُ قبلَه؛ لأنَّ تَقديمَ الواجِبِ قبلَ وقتِ وُجوبِه لا يَجوزُ (٢). ب- رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (٣). اشتَملَ هذا الحَديثُ على الأمرِ بإغناءِ المَساكينِ في يومِ العيدِ، والأمرُ يُفيدُ الوُجوبَ، فدَلَّ ذلك على وُجوبِ إِغنائِهم في يومِ العيدِ، وتَقديمُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ قبلَ ذلك يُفوِّتُ الإِغناءَ المَأمورَ به فلا يَجوزُ. ثانيًا: المَعقولُ وهو من وَجهَينِ: أحَدُهما: تَقديمُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن يومِ العيدِ هو إِخراجٌ لها قبلَ

стр. 2221

وُجوبِها، وتَقديمُ الواجِبِ قبلَ وُجوبِه لا يَجوزُ؛ ولأنَّ في التَّقديمِ تَفويتًا للإِغناءِ المَأمورِ به في يومِ العيدِ. الثاني: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على الأُضحيَّةِ بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما مُتعلِّقٌ بيومِ العيدِ، فكما لا يَجوزُ ذَبحُ الأُضحيَّةِ قبلَ يومِ النَّحرِ، كذلك زَكاةُ الفِطرِ لا يَجوزُ تَقديمُها قبلَ يومِ الفِطرِ. حُكمُ تَأخيرِ زَكاةِ الفِطرِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في حُكمِ تَأخيرِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَجوزُ تَأخيرُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن صَلاةِ العيدِ، وهو قَولُ جَماعةٍ من الحَنابِلةِ منهم ابنُ الجَوزيِّ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيمِ، وبه قالَ الشَّوكانِيُّ وابنُ حَزمٍ الظاهِريُّ (١) لِما رَواه ابنُ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بزَكاةِ الفِطرِ أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمَةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (٣).

стр. 2222

قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: ومُقتَضى هذَينِ الحَديثَينِ أنَّه لا يَجوزُ تَأخيرُها عن صَلاةِ العيدِ وأنَّها تَفوتُ بالفَراغِ من الصَّلاةِ، وهذا هو الصَّوابُ، فإنَّه لا مُعارِضَ لِهذَينِ الحَديثَينِ، ولا ناسِخَ ولا إِجماعَ يَدفعُ القَولَ بهما، وكانَ شَيخُنا يُقوِّي ذلك ويَنصُّ عليه (١). وقالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: قَولُه: «فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» يَعني التي يَتصدَّقُ بها في سائِرِ الأَوقاتِ، وأمرُ القَبولِ فيها مَوقوفٌ على مَشيئةِ اللهِ تَعالى. والظاهِرُ أنَّ مَنْ أخرَجَ الفِطرةَ بعدَ صَلاةِ العيدِ كانَ كمَن لم يُخرجْها باعتِبارِ اشتِراكِهما في تَركِ هذه الصَّدقةِ الواجِبةِ (٢). القَولُ الثاني: أنَّه يَجوزُ تَأخيرُ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن صَلاةِ العيدِ، وإِخراجُها في يومِ العيدِ، ويَحرمُ تَأخيرُها بعدَه، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ وابنِ الهُمامِ من الحَنفيةِ (٣).

стр. 2223

قالَ القَرافيُّ ﵀: قال سَندٌ: ولا يَأثمُ بالتَّأخيرِ ما دام يَومُ الفِطرِ قائِمًا، فإنْ أخَّرَها عنه أثِمَ مع القُدرةِ، وقالَه الشافِعيُّ وابنُ حَنبَلٍ (١). وقالَ المَرداويُّ ﵀: قَولُه: «ويَجوزُ في سائِرِ اليَومِ» وهو المَذهبُ وعليه الأَصحابُ، وقطَعَ به كَثيرٌ منهم. ثم قالَ: تَنبيهٌ: يَحتمِلُ قَولُ المُصنِّفِ «ويَجوزُ في سائِرِ اليَومِ» الجَوازَ من غيرِ كَراهةٍ، وهو بَعيدٌ، وهو أحَدُ الوَجهَينِ اختارَه القاضي. ويَحتَملُ إِرادتَه الجَوازَ مع الكَراهةِ وهو الوَجهُ الثاني وهو الصَّحيحُ. قالَ في «الكافي» والمَجدُ في «شَرحِه» وكان تارِكًا للاختِيارِ. وقالَ في «الفُروع»: القَولُ بالكَراهةِ أظهَرُ (٢). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: ويأثَمُ مُؤخِّرُها عنه، أي: يومِ العيدِ لجَوازِها فيه كلِّه … وتُكرَهُ باقيه، أي: يومِ العيدِ، بعدَ الصَّلاةِ، خُروجًا من الخِلافِ في تَحريمِها (٣). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ أخَّرَها عن يومِ العيدِ أثِمَ ولزِمَه القَضاءُ (٤). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اتَّفقَت نُصوصُ الشافِعيِّ والأَصحابِ على أنَّ الأفضلَ أنْ يُخرِجَها يومَ العيدِ قبلَ الخُروجِ إلى صَلاةِ العيدِ، وأنَّه

стр. 2224

يَجوزُ إِخراجُها في يومِ العيدِ كلِّه. وأنَّه لا يَجوزُ تَأخيرُها عن يومِ العيدِ وأنَّه لو أخَّرَها عَصى ولزِمَه قَضاؤُها وسَمَّوا إِخراجَها بعدَ يومِ العيدِ قَضاءً (١). واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ وهُم الجُمهورُ لمَذهبِهم -وهو جَوازُ تَأخيرِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ عن صَلاةِ العيدِ، وإِخراجِها يومَ العيدِ، وحُرمةِ تَأخيرِها عنه- بالسُّنةِ: فعَن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ بزَكاةِ الفِطرِ، أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (٢). وعن عبدِ اللهِ بنِ عَباسٍ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرةً للصَّائمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ فهي صَدقةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (٣). وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (٤). فهذه الأَحاديثُ تدلُّ على جَوازِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ يومَ العيدِ بعدَ الصَّلاةِ مع الكَراهةِ، وتَحريمِ تَأخيرِ إِخراجِها عن يومِ العيدِ. أمَّا الجَوازُ فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهُم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ»، وهوعامٌّ في جَميعِه فجازَ بعدَ الصَّلاةِ كما قبلَها؛ ولأنَّ الإِغناءَ حصَلَ بها فيه إلا أنَّه ترَكَ الأَفضلَ.

стр. 2225

وأمَّا كَراهيةُ إِخراجِها بعدَ الصَّلاةِ فلِما فيه من مُخالَفةِ الأمرِ بالأداءِ قبلَ الصَّلاةِ، وإنْ كانَ الأمرُ بالأداءِ قبلَ الصَّلاةِ مَحمولًا على الاستِحبابِ إلا أنَّه يُكرهُ تَأخيرُ إِخراجِها عن الصَّلاةِ خُروجًا من الخِلافِ في تَحريمِها (١). وأمَّا تَحريمُ تَأخيرِ إِخراجِها عن يومِ الفِطرِ فلِما اشتَملَت عليه الأَحاديثُ من الأمرِ بإِخراجِها قبلَ الصَّلاةِ، والأمرُ بإِغنائِهم يومَ العيدِ، وفي تَأخيرِ إِخراجِها عن يومِ العيدِ مُخالَفةٌ لِلأمرِ بالأداءِ، وتَفويتٌ للإِغناءِ المَأمورِ به في يومِ العيدِ، فدَلَّ على حُرمةِ تَأخيرِها عن يومِ العيدِ. القَولُ الثالِثُ: جَوازُ تَأخيرِ زَكاةِ الفِطرِ مُطلَقًا، وهو المَذهبُ عندَ الحَنفيةِ (٢). قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا وقتُ أَدائِها فجَميعُ العُمرِ عندَ عامَّةِ أَصحابِنا ولا تَسقطُ بالتَّأخيرِ عن يومِ الفِطرِ (٣). واستدَلَّ جُمهورُ الحَنفيةِ على مَذهبِهم هذا على جَوازِ تَأخيرِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ مُطلقًا بالمَعقولِ وهو من وَجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ الأمرَ بأَدائِها مُطلَقٌ عن الوَقتِ فيَجبُ في مُطلَقِ الوَقتِ غيرَ مُعيَّنٍ، وإنَّما يَتعيَّنُ بتَعيينِه فِعلًا أو بآخِرِ العُمرِ كالأمرِ بالزَّكاةِ، وفي أيِّ وَقتٍ أدَّاها كانَ مُؤدِّيًا لا قاضيًا، كما في سائِرِ الواجِباتِ المُوسَّعةِ (٤).

стр. 2226

الثاني: أنَّها قُربةٌ ماليَّةٌ مَعقولةٌ، فلا تَسقطُ بعدَ الوُجوبِ إلا بالأداءِ، والأداءُ يَحصلُ بالتَّأخيرِ كما يَحصلُ بالتَّقديمِ، إذًا يَجوزُ تَأخيرُها (١). مَكانُ إخراجِ زَكاةِ الفِطرِ: الأصلُ أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تُخرَجُ في مَكانِ الوُجوبِ، وهي بَلدُ المُزكِّي، إلا أنَّه قد يَختلِفُ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه وقد يَحتاجُ إلى نَقلِ الزَّكاةِ من بَلدِ الوُجوبِ وبَيانُ ذلك فيما يلي: مَكانُ إِخراجِ الزَّكاةِ بَلدُ المُزكِّي «مَكانُ وُجوبِها»: اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ مَكانَ إِخراجِ الزَّكاةِ هو مَكانُ المُزكِّي (٢). قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: ويُؤدِّي صَدقةَ الفِطرِ عن نَفسِه حيثُ هو، ويُكرهُ له أنْ يَبعثَ بصَدقتِه إلى مَوضعٍ آخَرَ (٣). وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: وإنَّما يُقسِّمُ زَكاةَ الفِطرِ أهلُ كلِّ قَريةٍ في قَريَتِهم إذا كانَ فيها مَساكينُ، ولا يُخرِجُها عنهم (٤). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: إذا كانَ في وقتِ وُجوبِ زَكاةِ الفِطرِ في بَلدٍ ومالُه فيه، وجَبَ صَرفُها فيه (٥).

стр. 2227

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا زَكاةُ الفِطرِ فإنَّه يُفرِّقُها في البَلدِ الذي وجَبَت عليه فيه، سَواءٌ كانَ مالُه فيه أو لم يَكنْ؛ لأنَّه سَببُ وُجوبِ الزَّكاةِ، ففُرِّقت في البَلدِ الذي سَببُها فيه (١). استدَلَّ الفُقهاءُ على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ إنَّما هو مَكانُ المُزكِّي بما رَواه ابْنُ عَباسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لَا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأعلِمهُم أنَّ اللهَ قد افتَرضَ عليهم خَمسَ صَلَواتٍ فِي كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، فإِنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً فِي أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو ما اشتَملَ عليه من قَولِه ﷺ : «تُؤخَذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقَرائِهم» والضَّميرُ في قَولِه: «فُقَرائِهم» يَعودُ على فُقراءِ أهلِ البَلدِ، وهذا هو الأظهَرُ؛ لأنَّ مُعاذًا أُرسِلَ إلى أهلِ اليَمنِ، والضَّميرُ في قَولِه: «أَغنِيائِهم» يَعودُ على أهلِ اليَمنِ أيضًا، فكذلك في فُقرائِهم حتى يَستقيمَ اللَّفظُ والمَعنى. حُكمُ اختِلافِ مَكانِ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه: اختَلفَ الفُقهاءُ في مَكانِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه على قولَينِ:

стр. 2228

القَولُ الأولُ: إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ هو مَكانُ المُؤدِّي، وهو الصَّحيحُ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ وهو قَولٌ للشافِعيةِ (١). قالَ الإمامُ الزَّيلَعيُّ ﵀: وفي صَدقةِ الفِطرِ يُعتبَرُ مَكانُه لا مَكانُ أَولادِه الصِّغارِ وعَبيدِه في الصَّحيحِ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ويُستحَبُّ للمُسافِرِ إِخراجُها في المَكانِ الذي هو فيه عن نَفسِه، وعن عيالِه، فإنْ أخرَجَها أهلُه عنه أجزَأَه (٣). قالَ الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: ومن وجَبَت عليه فِطرةُ غيرِه كزَوجةٍ وعَبدٍ وقَريبٍ، أخرَجَها في مَكانِ نَفسِه (٤). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولو كانَ عَبدُه ببَلدٍ آخَرَ فالأصَحُّ أنَّ الاعتِبارَ بقُوتِ بَلدِ العَبدِ بِناءً على أنَّها وجَبَت على المُتحمِّلِ عنه ابتِداءً، وهو الأصَحُّ، والثاني: أنَّ العِبرةَ بَلدُ السَّيدِ بِناءً على أنَّها تَجبُ ابتِداءً على المُتحمِّلِ وهو مَرجوحٌ (٥).

стр. 2229

واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهو أنَّ مَكانَ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ، مَكانُ المُؤدِّي في حالةِ ما إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه بالمَعقولِ، وهو: أنَّ صَدقةَ الفِطرِ تَتعلَّقُ بذمَّةِ المُؤدِّي، لا بمالِه حتى لو هلَكَ مالُه لا تَسقطُ الصَّدقةُ، فإذا تَعلَّقَت الصَّدقةُ بذمَّةِ المُؤدِّي اعتُبِرَ مَكانُ المُؤدِّي لا مَكانُ المُؤدَّى عنه (١). القَولُ الثاني: أنَّ مَكانَ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه هو مَكانُ المُؤدَّى عنه، وهو الصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ وهو قَولٌ للحَنفيةِ وللحنابِلةِ (٢). قالَ ابنُ الهُمامِ ﵀: والمُعتبَرُ في الزَّكاةِ مَكانُ المالِ، وفي صَدقةِ الفِطرِ مَكانُ الرَّأسِ المُخرَجِ عنه في الصَّحيحِ، مُراعاةً لإِيجابِ الحُكمِ في مَحلِّ وُجودِ سَببِه (٣). وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ولو كانَ عَبدُه ببَلدٍ آخَرَ فالأصَحُّ أنَّ الاعتِبارَ بقُوتِ بَلدِ العَبدِ بِناءً على أنَّها وجَبَت على المُحتمِلِ عنه ابتِداءً وهو الأصَحُّ (٤).

стр. 2230

وقالَ المَرداويُّ ﵀: وقيلَ: يُؤدِّي في بَلدٍ مَنْ لزِمَه الإِخراجُ عنهم (١). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهو أنَّ مَكانَ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ هو مَكانُ المُؤدَّى عنه في حالةِ ما إذا اختَلفَ مَكانُ المُؤدِّي والمُؤدَّى عنه بالمَعقولِ، وهو: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ؛ لأنَّها أحَدُ نَوعَيِ الزَّكاةِ، وزَكاةُ المالِ تُؤدَّى حيثُ المالُ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ (٢). حُكمُ نَقلِ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ لها ببَلدِ وُجوبِها من حيثُ الجَوازُ وعَدمُه: اتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ نَقلِ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى آخَرَ إذا فاضَت واستَغنى أهلُها عنها؛ لكَثرةِ مالِ الزَّكاةِ أو لانعِدامِ الأَصنافِ أو لقلَّةِ عَددِهم، بل قالوا: يَجبُ. إلا أنَّهم اختلَفوا في حُكمِ نَقلِ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ لها ببَلدِ الوُجوبِ من حيثُ الجَوازُ وعَدمُه على قولَينِ: القَولُ الأولُ: وهو قَولُ الحَنفيةِ أنَّه يُكرهُ تَنزيهًا نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ، إلا أنْ يَنقُلَها إلى قَرابةٍ مُحتاجِينَ؛ لِما في ذلك من صِلةِ الرَّحمِ … أو إلى فَردٍ أو جَماعةٍ هم أمَسُّ حاجةً من أهلِ بَلدِه، أو كانَ نَقلُها أصلَحَ للمُسلِمينَ، أو من دارِ الحَربِ إلى دارِ الإِسلامِ؛ لأنَّ فُقراءَ المُسلِمينَ أفضَلُ

стр. 2231

وأَوْلى بالمَعونةِ من فُقراءِ دارِ الحَربِ، أو إلى عالِمٍ أوطالِبِ عِلمٍ لِما فيه من إِعانةٍ على رِسالَتِه، أو كانَ نَقلُها إلى مَنْ هو أورَعُ أو أصلَحُ أو أنفَعُ للمُسلِمينَ، فإنَّه في هذه الصُّورِ جميعًا لا يُكرهُ له النَّقلُ (١). لأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾. فهذه الآيةُ اشتَملَت على ذِكرِ الأَصنافِ الذين تُصرَفُ لهم الزَّكاةُ، ولم تُفرَّقْ بينَ أهلِ بَلدٍ وبَلدٍ، فهي مُطلَقةٌ غيرُ مُقيَّدةٍ بمَكانٍ خاصٍّ. قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: ظاهِرُ الآيةِ يَقتَضي جَوازَ إِعطائِها في غيرِ البَلدِ الذي فيه المالُ، وفي أيِّ مَوضعٍ شاءَ، ولذلك قالَ أَصحابُنا: أيُّ مَوضعٍ أدَّى فيه أجزَأَه، ويَدلُّ عليه أنَّا لم نَرَ في الأُصولِ صَدقةً مَخصوصةً بمَوضِعٍ حتى إنَّه لا يَجوزُ أداؤُها في غَيرِه، ألَا تَرى كَفاراتِ الأيمانِ والنُّذورِ وسائِرَ الصَّدقاتِ لا يَختَصُّ جَوازُها بأدائِها في مَكانٍ دونَ غيرِه؟ (٢). وأمَّا الكَراهةُ فلقَولِ النَّبيِّ ﷺ لمَّا بعَثَ مُعاذًا إلى اليَمنِ وقالَ له: «فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٣)؛ ولأنَّ هذا فيه رِعايةَ حقِّ الجِوارِ فكانَ أَوْلى.

стр. 2232

وقالَ طَاوُسٌ: قالَ مُعَاذٌ ﵁ لأَهلِ اليَمنِ: «ائْتُونِي بعَرضٍ ثِيابٍ خَميصٍ -أَوْ لَبيسٍ- فِي الصَّدقةِ مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ أَهوَنُ عليكُم وخَيرٌ لأَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينَةِ» (١). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الأثرِ أنَّ مُعاذًا ﵁ كانَ يَنقُلُ الصَّدقةَ من اليَمنِ إلى المَدينةِ وهذا يَشمَلُ نَقلَ الزَّكاةِ؛ لأنَّه جاءَ فيه لَفظُ «الصَّدقَة» وهي تَشمَلُ زَكاةَ المالِ وزَكاةَ الفِطرِ، فدَلَّ ذلك على جَوازِ نَقلِ الزَّكاةِ. وقالَ الإمامُ الحَدَّادُ الزَّبيديُّ ﵀: قَولُه: ويُكرهُ نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ، وإنَّما تُصرَفُ صَدقةُ كلِّ قَومٍ فيهم؛ لأنَّ فيه رِعايةَ حقِّ الجِوارِ، فمهما كانَت المُجاوَرةُ أقرَبَ كانَ رِعايتُها أوجَبَ، فإنْ نَقلَها إلى غيرِهم أجزَأَه وإنْ كانَ مَكروهًا؛ لأنَّ المَصرِفَ مُطلَقُ الفُقراءِ بالنَّصِّ (٢). القَولُ الثاني: أنَّه لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ من مَكانٍ إلى آخَرَ، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ إلا أنَّه يُوجَدُ تَفصيلٌ عندَهم. فقالَ المالِكيةُ: يَجبُ تَفرِقةُ الزَّكاةِ بمَوضِعِ الوُجوبِ أو قُربِه وهو ما دونَ مَسافةِ القَصرِ؛ لأنَّه في حُكمِ مَوضعِ الوُجوبِ. فإنْ لم يَكنْ بمَحلِّ الوُجوبِ أو بقُربِه مُستحِقٌّ فإنَّها تُنقَلُ كلُّها وُجوبًا

стр. 2233

لمَحلٍّ فيه مُستحِقٌّ ولو على مَسافةِ القَصرِ، وإنْ كانَ في مَحلِّ الوُجوبِ أو بقُربِه مُستحِقٌّ تَعيَّنَ تَفرِقتُها في مَحلِّ الوُجوبِ أو بقُربِه. ولا يَجوزُ نَقلُها مَسافةَ القَصرِ إلا أنْ يَكونَ المَنقولُ إليهم أعدَمَ (أحوَجَ وأفقَرَ) فيُندَبُ نَقلُ أكثَرِها لهم، فإنْ نقَلَها كلَّها أوفرَّقَها كلَّها بمَحلِّ الوُجوبِ أجزَأَت. فأمَّا إنْ نقَلَها إلى غيرِ أعدَمَ وأحوَجَ فذلك له صُورَتانِ: الأُولى: أنْ يَنقُلَها إلى مُساوٍ في الحاجةِ لمَن هو في مَوضِعِ الوُجوبِ فهذا لا يَجوزُ، وتُجزئُ الزَّكاةُ، أي: ليسَ عليه إِعادتُها. والثانيةُ: أنْ يَنقُلَها إلى ما هو أقَلُّ حاجةً، ففيها قَولانِ: ما نَصَّ عليه خَليلٌ في «مُختصَرِه» أنَّها لا تُجزِئُ. والثاني: ما نقَلَه ابنُ رُشدٍ و «الكافِي» وهو الإِجزاءُ؛ لأنَّها لم تَخرجْ عن مَصارفِها (١). وقالَ الشافِعيةُ: لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ آخَرَ بل يَنبَغي أنْ يُفرِّقَ الزَّكاةَ في بَلدِ المالِ، فلو نقَلَها إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ حرُمَ عليه. وهل يُجزِئُه؟ على قولَينِ: أحَدُهما: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ لأَصنافِ بَلدٍ، فإذا نُقلَ عنهم إلى غيرِهم لا يُجزِئُه كالوَصيَّةِ بالمالِ لأَصنافِ البَلدِ.

стр. 2234

والثانيةُ: يُجزِئُه؛ لأنَّهم من أهلِ الصَّدقاتِ فأشبَهَ أَصنافَ البَلدِ الذي فيه الزَّكاةُ. والصَّحيحُ عندَهم أنَّه لا فَرقَ بينَ النَّقلِ إلى مَسافةِ القَصرِ ودونَها (١). وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ إلى بَلدٍ تُقصَرُ إليه الصَّلاةُ، بل يَحْرمُ، وسَواءٌ في ذلك نقَلها لرَحمٍ أوشدَّةِ حاجةٍ. وعن الإمامِ أحمدَ: يُكرهُ من غيرِ تَحريمٍ، وعنه يَجوزُ نَقلُها إلى الثُّغورِ، وعلَّلَه القاضِي بأنَّ مُرابَطةَ الغازِي بالثَّغرِ قد تَطولُ ولا يُمكِنُه المُفارَقةُ. قالَ المَرداويُّ ﵀: وعنه يَجوزُ نَقلُها إلى الثَّغرِ وغيرِه مع رُجحانِ الحاجةِ. قالَ في «الفائِق»: وقيلَ: تُنقَلُ لمَصلحةٍ راجِحةٍ كقَريبٍ ومُحتاجٍ ونحوِهما، وهو المُختارُ. واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ وقالَ: يُقيَّدُ ذلك بمَسيرةِ يَومَينِ، وتَحديدُ المَنعِ من نَقلِ الزَّكاةِ بمَسافةِ القَصرِ ليسَ عليه دَليلٌ شَرعيٌّ، واختارَ الآجُريُّ جَوازَ نَقلِها للقَرابةِ (٢). والصَّحيحُ عندَهم أنَّه يَجوزُ نَقلُها إلى ما دونَ مَسافةِ القَصرِ، وهو المَذهبُ، وعلى القَولِ بحُرمةِ النَّقلِ هل تُجزِئُه؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: تُجزِئُه وهي المَذهبُ، قالَ القاضِي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَقتَضي ذلك،

стр. 2235

والرِّوايةُ الثانيةُ: لا تُجزِئُه، اختارَها الخِرقيُّ وابنُ حامِدٍ والقاضي (١). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ وهُم المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ لمَذهبِهم -وهو أنَّ نَقلَ الزَّكاةِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ لها ببَلدِ الوُجوبِ لا يَجوزُ بالسُّنةِ والأثَرِ والمَعقولِ. أولًا: السُّنةُ: ١ - عَنْ ابنِ عَباسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ قد افتَرضَ علَيهم خَمسَ صَلَواتٍ فِي كلِّ يَومٍ ولَيلةٍ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمهُم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ: هو قَولُه ﷺ : «تُؤخَذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُرَدُّ على فُقرائِهم»، أي أنَّ الصَّدقةَ تُؤخذُ من أَغنياءِ أهلِ اليَمنِ وتُردُّ في فُقرائِهم، فدَلَّ ذلك على أنَّ صَدقةَ أهلِ كلِّ بَلدٍ هي أحَقُّ لِأهلِ ذلك البَلدِ، وإذا كانَ ذلك كذلك لا يَجوزُ نَقلُ الصَّدقةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ آخَرَ، والصَّدقةُ المَقصودُ بها الواجِبةُ، وهي تَشملُ صَدقةَ الفِطرِ.

стр. 2236

قالَ الإمامُ البَغويُّ ﵀: وفيه دَليلٌ على أنَّ نَقلَ الصَّدقةِ عن بَلدِ الوُجوبِ لا تَجوزُ مع وُجودِ المُستحقِّينَ فيه، بل صَدقةُ أهلِ كلِّ ناحيةٍ لمُستَحقِّي تلك الناحيةِ (١). ٢ - عن عَوفِ بنِ أبي جُحَيفةَ عن أَبيه قالَ: «قدِمَ علينا مُصدِّقُ النَّبيِّ ﷺ ، فأخَذَ الصَّدقةَ مِنْ أَغنِيائِنا، فجعَلَها فِي فُقرائِنا، وكُنت غُلامًا يَتيمًا، فأَعطانِي منها قَلوصًا» (٢) (٣). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على أنَّ صَدقةَ أهلِ كلِّ بَلدٍ تُصرَفُ في فُقراءِ أهلِه، ولا تُنقَلُ إلى غيرِهم هو ما اشتَملَ عليه مِنْ لَفظِ: «فأخَذَ الصَّدقةَ مِنْ أَغنِيائِنا، فجعَلَها في فُقرائِنا». ثانيًا: الأثَرُ: ١ - ما رَوى أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سَلامٍ: أنَّ عُمرَ بنَ الخَطابِ أنكَرَ على مُعاذٍ لمَّا بعَثَ إليه بثُلثِ صَدقةِ الناسِ من اليَمنِ، وقالَ له: «لَم أَبعَثكَ جابيًا ولا آخِذَ جِزيَةٍ، ولكنْ بعَثتُك لتَأخذَ مِنْ أَغنِياءِ النَّاسِ فتَرُدَّها على فُقرائِهم». فَقالَ مُعاذٌ: «ما بعَثتُ إلَيكَ بشَيءٍ وأنا أَجدُ أَحدًا يَأخذُه منِّي» (٤).

стр. 2237

٢ - ورَوى أبو عُبيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: «أنَّ عُمرَ بعَثَ مُعاذًا سَاعيًا على بَني كِلابٍ، أو على بَني سَعدِ بنِ ذُبيانَ، فقسَمَ فيهم حتى لَم يَدعْ شَيئًا، حتى جاءَ مَجلِسَه الذي خرَجَ به على رقَبَتِه، فقالَت امرَأتُه: أَينَ ما جِئتَ به مِما يأتِي به العُمالُ مِنْ عُراضةِ أَهلِيهم؟ (١) فقالَ: كانَ مَعي ضَاغطٌ (٢). فقالَت: قد كُنْتَ أَمينًا عندَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ، وعندَ أَبي بَكرٍ، أفبعَثَ عُمرُ معَك ضَاغطًا؟ فقامَت بذلك فِي نِسائِها، واشتَكَت عمرَ، فبلَغَ ذلك عمرَ، فدَعا مُعاذًا، فقالَ: أنا بعَثْتُ معَك ضَاغطًا؟ فقالَ: لَم أَجدْ شَيئًا أَعتَذرُ به إليها إلَّا ذلك. قالَ: فضحِكَ عمرُ، وأَعطاهُ شَيئًا، وقالَ: أَرضِها به» (٣). ٣ - ورَوى أبو عُبيدٍ قالَ: حدَّثَنا عليُّ بنُ ثابِتٍ عن سُفيانَ بنِ سَعيدٍ «أنَّ زَكاةً حُملَت مِنْ الرَّيِّ إلى الكُوفةِ، فرَدَّها عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ إلى الرَّيِّ» (٤). تَدُلُّ هذه الآثارُ على أنَّ زَكاةَ أهلِ كلِّ بَلدٍ إنَّما تُصرَفُ في فُقراءِ ذلك البَلدِ، ولا تُنقَلُ إلى أهلِ بَلدٍ آخَرَ، وهي واضِحةٌ في هذا. قالَ أبو عُبيدٍ ﵀: والعُلماءُ اليَومَ مُجمِعونَ على هذه الآثارِ كلِّها بأنَّ أهلَ كلِّ بَلدٍ من البِلدانِ أو ماءٍ من المياهِ أحَقُّ بصَدقتِهم ما دامَ فيهم من

стр. 2238

ذَوي الحاجةِ واحِدٌ، فما فوقَ ذلك وإنْ أَتى ذلك على جَميعِ صَدقتِها حتى يَرجِعَ الساعي ولا شَيءَ معه منها (١). ثالِثًا: المَعقولُ: وهو أنَّ فُقراءَ البَلدِ، قد اطَّلعوا على أَموالِ الأَغنياءِ، وتَعلَّقَت بها أَطماعُهم والنَّقلُ يُوحِشُهم فكانَ الصَّرفُ إليهم أَوْلى (٢). وقد أَفتى شَيخُ الإِسلامِ بجَوازِ نَقلِ الزَّكاةِ وما في حُكمِها لمَصلَحةٍ شَرعيَّةٍ فقد سُئلَ ﵀ عمَّن له زَكاةٌ وله أَقاربُ في بَلدٍ تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ وهم مُستحقُّونَ الصَّدقةَ فهل يَجوزُ أنْ يَدفعَها إليهم أو لا؟ فأجابَ: الحَمدُ للهِ، إذا كانوا مُحتاجينَ مُستحقِّينَ للزَّكاةِ ولم تَحصُلْ لهم كِفايَتُهم من جِهةِ غيرِه فإنَّه يُعطِيهم من الزَّكاةِ، ولو كانوا في بَلدٍ بَعيدٍ واللهُ أعلمُ (٣). وقالَ ابنُ زَنجوَيهِ ﵀: السُّنةُ عندَنا أنَّ الإمامَ يَبعَثُ على صَدقاتِ كلِّ قَومٍ مَنْ يَأخذُها من أَغنيائِهم ويُفرِّقُها في فُقرائِهم، غيرَ أنَّ الإمامَ ناظِرٌ للإِسلامِ وأهلِه، وأنَّ المُؤمنينَ إِخوةٌ، فإنْ رَأى أنْ يَصرِفَ من صَدقاتِ قَومٍ لغِناهُم عنها إلى فُقراءِ قَومٍ لِحاجَتِهم إليها فعَلَ ذلك على التَّحرِّي والاجتِهادِ (٤).

стр. 2239

بهذا واللهُ أعلمُ يَجتمِعُ شَملُ الأدِلَّةِ فتُحمَلُ أدِلَّةُ المانِعينَ على عَدمِ وُجودِ الحاجةِ والمَصلَحةِ، وأدِلَّةُ المُجيزينَ مع وُجودِ الحاجةِ والمَصلَحةِ. ومِن صُورِ تلك الحاجةِ التي يَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ لِأجلِها: ١ - أنْ يَكونَ فُقراءُ البَلدِ الآخَرِ أشَدَّ حاجةً وقد نَصَّ على هذا الحَنفيةُ والمالِكيةُ وشَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ (١). فيَجوزُ نَقلُ الزَّكاةِ إليهم؛ لأنَّ المَقصودَ من الزَّكاةِ سَدُّ خَلةِ الفَقيرِ، فمَن كانَ أحوَجَ كانَ أَوْلى، ويُؤيِّدُ ذلك عُمومُ قَولِه ﷺ : «مثلُ المُؤمِنينَ فِي تَوادِّهم، وتَراحمِهم، وتَعاطفِهم مثلُ الجَسدِ إذَا اشتَكَى منه عُضوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسدِ بالسَّهرِ والحُمَّى» (٢). ٢ - أنْ يَكونَ المَنقولُ إليه قَريبًا مُحتاجًا، وقد نَصَّ عليه الحَنفيةُ واختارَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ. ٣ - أنْ تُنقَلَ الزَّكاةُ من بَلدِها إلى مَنْ هو أنفَعُ للمُسلِمينَ من الفُقراءِ، كأهلِ العِلمِ وطَلبتِه، وقد نَصَّ الحَنفيةُ على مَشروعيَّةِ نَقلِ الزَّكاةِ لهم لفَضلِهم ونَفعِهم للمُسلِمينَ. فتَبيَّنَ ممَّا تَقدَّمَ أفضليَّةُ تَوزيعِ الزَّكاةِ في البَلدِ الذي جُمعَت فيه، ويَجوزُ نَقلُها إلى بَلدٍ آخَرَ وَفقَ ضَوابِطَ، هي: ١ - وُجودُ مُسوِّغٍ شَرعيٍّ يُقدِّرُه أهلُ الاجتِهادِ كما تَقدَّمَت الإِشارةُ لبعضِ صُورِه.

стр. 2240

٢ - عَدمُ نَقلِ الزَّكاةِ كلِّها من البَلدِ ما دامَ فيها مُستحِقٌّ، وإنَّما يُنقَلُ جُزءٌ منها لأحقِّيَّةِ أهلِ البَلدِ بها، مع جَوازِ نَقلِ المالِكِ لجَميعِ زَكاتِه عندَ وُجودِ المُقتَضي؛ لأنَّها جُزءٌ من زَكاةِ البَلدِ؛ لأنَّه قد يَكونُ للمالِكِ رَغبةٌ في أنْ تَصلَ زَكاتُه إلى مَنْ تَزكو بها نُفوسُهم: كالأصلَحِ والأورَعِ، والقَريبِ المُحتاجِ وغيرِ ذلك، ولِهذا قالَ ابنُ زَنجَويْهِ: وكذلك الرَّجلُ يَقسِمُ زَكاةَ مالِه، لا بَأسَ أنْ يَبعثَ بها من بَلدٍ إلى بَلدٍ، لِذي قَرابةٍ أو صَديقٍ أو جَهِدٍ، أي: ذي جَهدٍ ومَشقَّةٍ يُصيبُ بها البَلدَ (١). ٣ - كَونُ الطَّريقِ مَأمونًا؛ لأنَّ الزَّكاةَ مُستحقَّةٌ للغيرِ، فلا يَجوزُ المُخاطَرةُ في تَضييعِها، فإنْ خاطَرَ بذلك وضاعَت أو تلِفَت ضمِنَها، واللهُ أَعلى وأعلَمُ. حُكمُ نَقلِ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ مَنْ يَستحِقُّها ببَلدِ الوُجوبِ من حيثُ الإِجزاءُ وعَدمُه: اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ نَقلِ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ من يَستحِقُّها ببَلدِ الوُجوبِ من حيثُ الإِجزاءُ وعَدمُه على قولَينِ: القَولُ الأولُ: نَقلُ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ مَنْ يَستحِقُّها ببَلدِ الوُجوبِ مُجزِئٌ إنْ دُفعَت لمَن يَستحِقُّها وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في المَذهبِ والشافِعيةِ في قَولٍ والحَنابِلةِ في المَذهبِ (٢).

стр. 2241

قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (أو نُقلَت لدُونِهم في الاحتِياجِ لم يُجزِه) اعتَرضَه الموَّاقُ بأنَّ المَذهبَ الإِجزاءُ، نقَلَه عن ابنِ رُشدٍ و «الكافي» وهو ظاهِرٌ؛ لأنَّها لم تَخرُجْ عن مَصارفِها (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ نقَلَها رَبُّ المالِ ففيه رِوايتانِ: أحَدُهما: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ لأَصنافِ بَلدٍ فلم يُجزِئْ إِعطاؤُه لغَيرِهم كالوَصيَّةِ لأَصنافِ بَلدٍ. والأُخرى: يُجزِئُه؛ لأنَّهم من أهلِ الصَّدقاتِ (٢). وقالَ المَرداويُّ ﵀: فإنْ فعَل فهل تُجزِئُه على رِوايتَينِ ذكَرَهما أبو الخَطابِ ومن بعدَه، يَعني إذا قُلنا: يَحرمُ نَقلُها. إحداهُما: تُجزِئُه، وهي المَذهَبُ. قالَ القاضِي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَقتَضي ذلك ولم أَجدْ عنه نَصًّا في هذه المَسألةِ. الرِّوايةُ الثانيةُ: لا تُجزِئُه اختارَه الخِرقِيُّ وابنُ حامِدٍ والقاضِي (٣). القَولُ الثاني: نَقلُ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودٍ

стр. 2242

مَنْ يَستحِقُّها ببَلدِ الوُجوبِ غيرُ مُجزِئٍ، وإنْ دُفعَت لمَن يَستحِقُّها، وهو الصَّحيحُ من مَذهبِ الشافِعيةِ وهو قَولٌ للمالِكيةِ وللحَنابِلةِ (١). قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فإنْ نقلَ إلى الأَصنافِ في بَلدٍ آخَرَ ففيه قَولانِ: أحَدُهما: يُجزِئُه؛ لأنَّهم من أهلِ الصَّدقاتِ فأشبَهَ أَصنافَ البَلدِ الذي فيه المالُ. والثاني: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ لأَصنافِ بَلدٍ، فإذا نقلَ عنهم إلى غيرِهم لا يُجزِئُه كالوَصيَّةِ بالمالِ لأَصنافِ بَلدٍ، ومن أَصحابِنا مَنْ قالَ: القَولانِ في جَوازِ النَّقلِ ففي أحَدِهما: يَجوزُ، والثاني: لا يَجوزُ، فأمَّا إذا نقلَ يُجزِئُه قَولًا واحِدًا، والأوَّلُ أصَحُّ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: حاصِلُ المَذهبِ أنَّه يَنبَغي أنْ يُفرِّقَ الزَّكاةَ في بَلدِ المالِ، فلو نقَلَها إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ فللشافِعيِّ ﵁ في المَسألةِ قَولانِ. ولِلأَصحابِ فيها ثَلاثُ طُرقٍ أصَحُّها عندَهم أنَّ القولَينِ في الإِجزاءِ وعَدمِه أصَحُّهما: لا يُجزِئُه، والثاني: يُجزِئُه. ولا خِلافَ في تَحريمِ النَّقلِ (٣).

стр. 2243

فصل في الأجناسِ التي تُخرَجُ منها زَكاةُ الفِطرِ، ومِقدارِ الواجِبِ فيها ونَوعِه والزِّيادةِ على مِقدارِ الواجِبِ الأَجناسُ المُتَّفقُ على جَوازِ إِخراجِها في زَكاةِ الفِطرِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ من البُرِّ (١) والتَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ. قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه يُجزِئُ إِخراجُها من خَمسةِ أَصنافٍ كما يلي: البُرُّ والشَّعيرُ والتَّمرُ والزَّبيبُ والأقِطُ إذا كانَ قُوتًا حيثُ يُخرَجُ، إلا في أحَدِ قَولَيِ الشافِعيِّ في الأقِطِ خاصَّةً أنَّه لا يُجزِئُ وإنْ كانَ قُوتًا لمَن يُعطاه، والمَشهورُ من مَذهبِه جَوازُه (٢). وقالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: واختُلِف في الأَنواعِ التي يُخرَجُ منها، ولا خِلافَ بينَهم في جَوازِ إِخراجِها من البُرِّ والتَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ (٣). بعضُ الأَحاديثِ التي نَصَّت على هذه الأَجناسِ:

стр. 2244

١ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁، قالَ: «كُنا نُعطِيها في زَمانِ النَّبيِّ ﷺ صاعًا مِنْ طَعَامٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ زَبِيبٍ»، فلمَّا جاءَ مُعاوِيةُ وجاءَت السَّمراءُ، قالَ: «أُرى مُدًّا مِنْ هذا يَعدِلُ مُدَّينِ» (١). عَنْ ابنِ عُمرَ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العَبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ، وأمَرَ بها أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (٢). الأَجناسُ المُختَلَفُ في جَوازِ إِخراجِها في زَكاةِ الفِطرِ: وفيه مَسألتانِ: المَسألةُ الأُولى: إِخراجُ الأقِطِ (٣): اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: جَوازُ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو مَذهبُ المالِكيةِ، والصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ (٤).

стр. 2245

قالَ الإمامُ الزَّرقانيُّ ﵀: وأجازَ مالِكٌ إِخراجَها من الأقِطِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الأقِطُ ففيه طَريقانِ حَكاهما المُصنِّفُ والأَصحابُ، إحداهُما: وبه قالَ أبو إِسحاقَ المَروزِيُّ القَطعُ بإِجزائِه؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، والطَّريقُ الثانيةُ: فيه قَولانِ، أصَحُّهما: يُجزِئُه للحَديثِ، والثاني: لا يُجزِئُه لأنَّه لا يَجبُ فيه العُشرُ فأشبَهَ اللَّحمَ واللَّبنَ. وبهذه الطَّريقةِ قالَ القاضِي أبو حامِدٍ المَرُّوذيُّ: والصَّوابُ الأولُ؛ لصِحةِ الحَديثِ من غيرِ مُعارِضٍ. ثم المَذهبُ الذي قطَعَ به الجَماهيرُ أنَّه لا فَرقَ في إِجزاءِ الأقِطِ بينَ أهلِ الباديةِ والحَضرِ (٢). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ومن الأقِطِ في إِحدى الرِّوايتَينِ هذا المَذهبُ جزَمَ به أكثَرُ الأَصحابِ؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، والثانية: لا يُجزِئُ الأقِطُ، اختارَه أبو بَكرٍ؛ لأنَّه جِنسٌ لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ فلا يُجزِئُ وإنْ وُجدَ غيرُه (٣). واستدَلُّوا على جَوازِ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ بالسُّنةِ: ١ - عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُخرِجُ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا
следующие страницы →