← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (أو نُقلَت لدُونِهم في الاحتِياجِ لم يُجزِه) اعتَرضَه الموَّاقُ بأنَّ المَذهبَ الإِجزاءُ، نقَلَه عن ابنِ رُشدٍ و «الكافي» وهو ظاهِرٌ؛ لأنَّها لم تَخرُجْ عن مَصارفِها (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ نقَلَها رَبُّ المالِ ففيه رِوايتانِ: أحَدُهما: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ لأَصنافِ بَلدٍ فلم يُجزِئْ إِعطاؤُه لغَيرِهم كالوَصيَّةِ لأَصنافِ بَلدٍ. والأُخرى: يُجزِئُه؛ لأنَّهم من أهلِ الصَّدقاتِ (٢). وقالَ المَرداويُّ ﵀: فإنْ فعَل فهل تُجزِئُه على رِوايتَينِ ذكَرَهما أبو الخَطابِ ومن بعدَه، يَعني إذا قُلنا: يَحرمُ نَقلُها. إحداهُما: تُجزِئُه، وهي المَذهَبُ. قالَ القاضِي: ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَقتَضي ذلك ولم أَجدْ عنه نَصًّا في هذه المَسألةِ. الرِّوايةُ الثانيةُ: لا تُجزِئُه اختارَه الخِرقِيُّ وابنُ حامِدٍ والقاضِي (٣). القَولُ الثاني: نَقلُ زَكاةِ الفِطرِ من بَلدِ الوُجوبِ إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودٍ

стр. 2242

مَنْ يَستحِقُّها ببَلدِ الوُجوبِ غيرُ مُجزِئٍ، وإنْ دُفعَت لمَن يَستحِقُّها، وهو الصَّحيحُ من مَذهبِ الشافِعيةِ وهو قَولٌ للمالِكيةِ وللحَنابِلةِ (١). قالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ ﵀: فإنْ نقلَ إلى الأَصنافِ في بَلدٍ آخَرَ ففيه قَولانِ: أحَدُهما: يُجزِئُه؛ لأنَّهم من أهلِ الصَّدقاتِ فأشبَهَ أَصنافَ البَلدِ الذي فيه المالُ. والثاني: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه حَقٌّ واجِبٌ لأَصنافِ بَلدٍ، فإذا نقلَ عنهم إلى غيرِهم لا يُجزِئُه كالوَصيَّةِ بالمالِ لأَصنافِ بَلدٍ، ومن أَصحابِنا مَنْ قالَ: القَولانِ في جَوازِ النَّقلِ ففي أحَدِهما: يَجوزُ، والثاني: لا يَجوزُ، فأمَّا إذا نقلَ يُجزِئُه قَولًا واحِدًا، والأوَّلُ أصَحُّ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: حاصِلُ المَذهبِ أنَّه يَنبَغي أنْ يُفرِّقَ الزَّكاةَ في بَلدِ المالِ، فلو نقَلَها إلى بَلدٍ آخَرَ مع وُجودِ المُستحقِّينَ فللشافِعيِّ ﵁ في المَسألةِ قَولانِ. ولِلأَصحابِ فيها ثَلاثُ طُرقٍ أصَحُّها عندَهم أنَّ القولَينِ في الإِجزاءِ وعَدمِه أصَحُّهما: لا يُجزِئُه، والثاني: يُجزِئُه. ولا خِلافَ في تَحريمِ النَّقلِ (٣).

стр. 2243

فصل في الأجناسِ التي تُخرَجُ منها زَكاةُ الفِطرِ، ومِقدارِ الواجِبِ فيها ونَوعِه والزِّيادةِ على مِقدارِ الواجِبِ الأَجناسُ المُتَّفقُ على جَوازِ إِخراجِها في زَكاةِ الفِطرِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ من البُرِّ (١) والتَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ. قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه يُجزِئُ إِخراجُها من خَمسةِ أَصنافٍ كما يلي: البُرُّ والشَّعيرُ والتَّمرُ والزَّبيبُ والأقِطُ إذا كانَ قُوتًا حيثُ يُخرَجُ، إلا في أحَدِ قَولَيِ الشافِعيِّ في الأقِطِ خاصَّةً أنَّه لا يُجزِئُ وإنْ كانَ قُوتًا لمَن يُعطاه، والمَشهورُ من مَذهبِه جَوازُه (٢). وقالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: واختُلِف في الأَنواعِ التي يُخرَجُ منها، ولا خِلافَ بينَهم في جَوازِ إِخراجِها من البُرِّ والتَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ (٣). بعضُ الأَحاديثِ التي نَصَّت على هذه الأَجناسِ:

стр. 2244

١ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁، قالَ: «كُنا نُعطِيها في زَمانِ النَّبيِّ ﷺ صاعًا مِنْ طَعَامٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ زَبِيبٍ»، فلمَّا جاءَ مُعاوِيةُ وجاءَت السَّمراءُ، قالَ: «أُرى مُدًّا مِنْ هذا يَعدِلُ مُدَّينِ» (١). عَنْ ابنِ عُمرَ ﵄، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على العَبدِ والحُرِّ، والذَّكرِ والأُنثَى، والصَّغيرِ والكَبيرِ مِنْ المُسلِمينَ، وأمَرَ بها أنْ تُؤدَّى قبلَ خُروجِ النَّاسِ إلى الصَّلاةِ» (٢). الأَجناسُ المُختَلَفُ في جَوازِ إِخراجِها في زَكاةِ الفِطرِ: وفيه مَسألتانِ: المَسألةُ الأُولى: إِخراجُ الأقِطِ (٣): اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: جَوازُ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو مَذهبُ المالِكيةِ، والصَّحيحُ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ (٤).

стр. 2245

قالَ الإمامُ الزَّرقانيُّ ﵀: وأجازَ مالِكٌ إِخراجَها من الأقِطِ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأمَّا الأقِطُ ففيه طَريقانِ حَكاهما المُصنِّفُ والأَصحابُ، إحداهُما: وبه قالَ أبو إِسحاقَ المَروزِيُّ القَطعُ بإِجزائِه؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، والطَّريقُ الثانيةُ: فيه قَولانِ، أصَحُّهما: يُجزِئُه للحَديثِ، والثاني: لا يُجزِئُه لأنَّه لا يَجبُ فيه العُشرُ فأشبَهَ اللَّحمَ واللَّبنَ. وبهذه الطَّريقةِ قالَ القاضِي أبو حامِدٍ المَرُّوذيُّ: والصَّوابُ الأولُ؛ لصِحةِ الحَديثِ من غيرِ مُعارِضٍ. ثم المَذهبُ الذي قطَعَ به الجَماهيرُ أنَّه لا فَرقَ في إِجزاءِ الأقِطِ بينَ أهلِ الباديةِ والحَضرِ (٢). وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ومن الأقِطِ في إِحدى الرِّوايتَينِ هذا المَذهبُ جزَمَ به أكثَرُ الأَصحابِ؛ لحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ، والثانية: لا يُجزِئُ الأقِطُ، اختارَه أبو بَكرٍ؛ لأنَّه جِنسٌ لا تَجبُ فيه الزَّكاةُ فلا يُجزِئُ وإنْ وُجدَ غيرُه (٣). واستدَلُّوا على جَوازِ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ بالسُّنةِ: ١ - عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُخرِجُ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا

стр. 2246

مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ أَقِطٍ، أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ» (١). ٢ - عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُخرِجُ إذْ كانَ فينا رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاة الفِطرِ، عَنْ كلِّ صَغيرٍ، وكَبيرٍ، حُرٍّ أو مَملوكٍ، صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ أقِطٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ»، فلَم نَزلْ نُخرِجُه حتى قدِمَ علينا مُعاوِيَةُ بنُ أَبي سُفيانَ حاجًّا أو مُعتمِرًا، فكلَّمَ النَّاسَ على المِنبَرِ، فكانَ فيما كلَّمَ به النَّاسَ أَنْ قالَ: «إنِّي أَرى أنَّ مُدَّينٍ مِنْ سَمراءِ الشَّامِ، تَعدِلُ صاعًا مِنْ تَمرٍ»، فأخَذَ النَّاسُ بذلك، قالَ أَبو سَعيدٍ: «فأمَّا أنا فلا أَزالُ أُخرِجُه كما كُنْتُ أُخرجُه، أبدًا ما عِشتُ» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ من هذَينِ الحَديثَينِ وغيرِهما هو إِرشادٌ إلى بَيانِ الأَجناسِ التي تُخرَجُ منها زَكاةُ الفِطرِ، وذكَرَ منها الأقِطَ، فدَلَّ ذلك على جَوازِ إِخراجِ الأقِطِ في الزَّكاةِ كغيرِه من الأَجناسِ المَنصوصِ عليها. القَولُ الثاني: عَدمُ جَوازِ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ إلا عن طَريقِ القِيمةِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (٣).

стр. 2247

قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: الأقِطُ يُؤدَّى باعتبارِ القيمةِ عندَنا (١). وقالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا الأقِطُ فتُعتبَرُ فيه القيمةُ لا يُجزِئُ إلا باعتِبارِ القيمةِ (٢). استدَلَّ الحَنفيةُ لمَذهبِهم وهو عَدمُ جَوازِ إِخراجِ الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ إلا عن طَريقِ القيمةِ بالمَعقولِ، وهو أنَّ الأقِطَ غيرُ مَنصوصٍ عليه من وَجهٍ يُوثَقُ به، وجَوازُ ما ليسَ بمَنصوصٍ عليه لا يَكونُ إلا باعتِبارِ القيمةِ كسائِرِ الأَعيانِ التي لم يَقعِ التَّنصيصُ عليها من النَّبيِّ ﷺ (٣). وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وأَصحابُنا قالوا: الحَديثُ شاذٌّ (أي: حَديثُ أَبي سَعيدٍ) لم يُنقَلْ في الآثارِ المَشهورةِ وبمثلِه لا يَجوزُ إِثباتُ التَّقديرِ فيما تَعمُّ به البَلوى فيَبقى الاعتِبارُ بالقيمةِ، فإنْ كانَت قيمَتُه قيمةَ نِصفِ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٍ من شَعيرٍ جازَ وإلا فلا (٤). المَسألةُ الثانيةُ: إِخراجُ الدَّقيقِ والسَّويقِ: اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ إِخراجِ الدَّقيقِ والسَّويقِ في زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: جَوازُ إِخراجِ الدَّقيقِ والسَّويقِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ (٥).

стр. 2248

قالَ الإمامُ المَرغينانيُّ ﵀: الفِطرةُ نِصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو دَقيقٍ أو سَويقٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجوزُ إِخراجُ الدَّقيقِ، نَصَّ عليه أحمَدُ وكذلك السَّويقُ (٢). استدَلُّوا على جَوازِ إِخراجِ الدَّقيقِ والسَّويقِ في زَكاةِ الفِطرِ بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: «لَم نُخرِجْ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ، أو صاعًا مِنْ دَقيقٍ، أو صاعًا مِنْ أَقطٍ، أو صاعًا مِنْ سُلتٍ» (٣) ثُم شكَّ سُفيانُ، فقالَ: دَقيقٍ أو سُلتٍ» (٤).

стр. 2249

وعن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ﵄ قالَ: «أمَرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ نُؤدِّيَ زَكاةَ رَمضانَ صاعًا مِنْ طَعامٍ عَنْ الصَّغِيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والمَملوكِ مَنْ أدَّى سُلتًا قُبلَ منه، وأَحْسبُه قالَ: ومَن أَدَّى دَقيقًا قُبلَ منه، ومَن أدَّى سَويقًا قُبلَ منه» (١). فاشتَملَ هذانِ الحَديثانِ على ذِكرِ الأَجناسِ التي يَجوزُ إِخراجُها في زَكاةِ الفِطرِ، ومنها الدَّقيقُ والسَّويقُ، فدَلَّ ذلك على جَوازِ إِخراجِ الدَّقيقِ والسَّويقِ في زَكاةِ الفِطرِ. وبقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهُم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ منه أنَّه اشتَملَ على الأمرِ بالإِغناءِ، وهو يَحصلُ بالدَّقيقِ أكثَرَ من غيرِه، فدَلَّ ذلك على جَوازِ إِخراجِ الدَّقيقِ في زَكاةِ الفِطرِ. ثانيًا: المَعقولُ: وهو من وَجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ الدَّقيقَ والسَّويقَ أَجزاءُ الحَبِّ بحيثُ يُمكنُ كَيلُه وادِّخارُه فجازَ إِخراجُه كما قبلَ الطَّحنِ، وذلك لأنَّ الطَّحنَ إنَّما فرَّقَ أَجزاءَه وكَفى الفَقيرَ مُؤنَتَه فأشبَهَ ما لو نزَعَ نَوى التَّمرِ ثم أخرَجَه (٣).

стр. 2250

ثانِيهما: أنَّ المَقصودَ من إِخراجِ زَكاةِ الفِطرِ سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ وإِغناؤُه عن السُّؤالِ كما قالَ صاحِبُ الشَّرعِ، وحُصولُ هذا بأداءِ الدَّقيقِ أظهَرُ؛ لأنَّه أعجَلُ لوُصولِ مَنفعتِه إليه (١). قالَ ابنُ القَيمِ ﵀: المَقصودُ سَدُّ خَلةِ المَساكينِ يومَ العيدِ ومُواساتُهم من جِنسِ ما يَقتاتُه أهلُ بَلدِهم، وعلى هذا يُجزئُ إِخراجُ الدَّقيقِ وإنْ لم يَصحَّ فيه الحَديثُ (٢). القَولُ الثاني: عَدمُ جَوازِ إِخراجِ الدَّقيقِ والسَّويقِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ (٣). قالَ في «المُدوَّنة الكُبرى»: قالَ: وقيلَ لمالِكٍ: فالدَّقيقُ والسَّويقُ؟ قالَ: لا يُجزِئُه (٤). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ والأَصحابُ: لا يُجزِئُ الدَّقيقُ ولا السَّويقُ، كما لا يُجزئُ إِخراجُ القيمةِ (٥). واستدَلُّوا على عَدمِ جَوازِ إِخراجِ الدَّقيقِ والسَّويقِ في زَكاةِ الفِطرِ بالمَعقولِ وهو من وَجهَينِ:

стр. 2251

أحَدُهما: أنَّ الدَّقيقَ والسَّويقَ لم يُنَصَّ عليهما في حَديثٍ صَحيحٍ، والأَجناسَ المَنصوصَ عليها إذا كانَت حَبًّا فإنَّها تَصلحُ لِما لا يَصلحُ له الدَّقيقُ والسَّويقُ؛ لذلك يُخرَجُ مما نَصَّ عليه، ولا يُخرَجُ من الدَّقيقِ والسَّويقِ (١). ثانِيهما: أنَّ الصاعَ من الدَّقيقِ لا يُساوي الصَّاعَ من الحَبِّ من حيثُ المِقدارُ؛ لأنَّ الحَبَّ إذا طُحنَ يَريعُ، وزَكاةُ الفِطرِ مُقدَّرةٌ، ومِقدارُ الرِّيعِ غيرُ مُقدَّرٍ، فلو جوَّزْنا إِخراجَ الدَّقيقِ بالرِّيعِ لَأخرَجْناها عن التَّقديرِ الذي فرَضَه النَّبيُّ ﷺ وأوجَبَه إلى الحَزرِ والتَّخمينِ الذي يُنافي الزَّكاةَ، ولَكانَ لا يُطلَقُ على ما يُخرَجُ اسمُ صاعٍ، والنَّبيُّ ﷺ قد علَّقَ حُكمَها بهذا الاسمِ (٢). حُكمُ إِخراجِ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها إذا كانَت مِنْ قُوتِ البَلدِ: اختَلفَ العُلماءُ في إِخراجِ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها في زَكاةِ الفِطرِ إذا كانَت من غالِبِ قُوتِ البَلدِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: يَجوزُ إِخراجُ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها إذا كانَت من غالِبِ قُوتِ البَلدِ، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ وشَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ وتِلميذِه ابنِ القَيمِ وذكَرَه شَيخُ الإِسلامِ رِوايةً عن الإمامِ أحمدَ، وهو قَولُ أكثَرِ العُلماءِ (٣) إلا أنَّ عندَ كلِّ فَريقٍ من هؤلاء العُلماءِ تَفصيلًا في ذلك.

стр. 2252

فذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه يُخرِجُ من غالِبِ قُوتِ البَلدِ كالعدَسِ والفُولِ والقَمحِ والشَّعيرِ والسُّلتِ والتَّمرِ والأقِطِ والدَّخنِ. وما عدا ذلك لا يُجزِئُ إلا إذا اقتاتَه الناسُ وترَكوا الأَنواعَ السابِقةَ، ولا يَجوزُ الإِخراجُ من غيرِ الغالِبِ إلا إذا كانَ أفضَلَ بأنِ اقتاتَ الناسُ الذُّرةَ فأخرَجَ قَمحًا، وإذا أخرَجَ من اللَّحمِ اعتُبِرَ الشِّبعُ، فإذا كانَ الصَّاعُ من البُرِّ يَكفي اثنَينِ إذا خُبزَ أخرَجَ من اللَّحمِ ما يُشبِعُ اثنَينِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ إلى أنَّه يُخرِجُ من جِنسِ ما يَجبُ فيه العُشرُ، ولو وُجدَت أَقواتٌ فالواجِبُ غالِبُ قُوتِ بِلدِه، وقيلَ: من غالِبِ قُوتِه، قيلَ: يُخيَّرُ بينَ الأَقواتِ، ويُجزئُ الأَعلى الأَدنى لا العَكسُ (٢). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: جِنسُ الفِطرةِ كلُّ حَبٍّ وجَب فيه العُشرُ ويُجزِئُ الأقِطُ على المَذهبِ، والأصَحُّ أنَّه يَتعيَّنُ عليه غالِبُ

стр. 2253

قُوتِ بَلدِه، والثاني: يَتعَيَّنُ قُوتُ نَفسِه، والثالِثُ: يَتخيَّرُ بينَهما، فإنْ عدَلَ عن الواجِبِ إلى أَعلى منه أجزَأَه، وإنْ عدَلَ إلى ما دونَه لم يُجزِئْه (١). وقالَ أيضًا: إذا أوجَبْنا غالِبَ قُوتِ البَلدِ فكانوا يَقتاتونَ أَجناسًا لا غالِبَ فيها، أخرَجَ ما شاءَ منها، والأفضَلُ أَعلاها، هكذا نقَلَه المُصنِّفُ والأَصحابُ وجَزموا به وهو ظاهِرٌ، واللهُ أعلمُ. فَرعٌ: إذا قُلنا: المُعتبَرُ غالِبُ قُوتِ البَلدِ، قالَ الغَزاليُّ في «الوَسيط»: المُعتبَرُ غالِبُ قُوتِ البَلدِ وقتَ وُجوبِ الفِطرةِ لا في جَميعِ السَّنةِ، وقالَ في «الوَجيز»: غالِبُ قُوتِ البَلدِ يومَ العيدِ، قالَ الرافِعيُّ: هذا الذي قالَه لم أرَه لغيرِه، قلتُ: هذا النَّقلُ غَريبٌ كما قالَ الرافِعيُّ، والصَّوابُ: أنَّ المُرادَ قُوتُ السَّنةِ (٢). استدَلَّ أَصحابُ القَولِ لمَذهبِهم -وهو جَوازُ إِخراجِ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها، إذا كانَت من غالِبِ قُوتِ البَلدِ- بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: ١ - قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهُم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (٣). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو أمرُ النَّبيِّ ﷺ بإِغناءِ مَنْ تُدفَعُ لهم زَكاةُ الفِطرِ، والإِغناءُ يَحصلُ بالقُوتِ، فدَلَّ على ذلك جَوازُ إِخراجِ ما كانَ قُوتًا في زَكاةِ الفِطرِ.

стр. 2254

ثانيًا: المَعقولُ: قياسُ غيرِ المَنصوصِ عليه على المَنصوصِ عليه بجامِعِ الاقتِياتِ في كلٍّ، والمَنصوصُ عليه يَجوزُ إِخراجُه بالاتِّفاقِ، فكذلك غيرُ المَنصوصِ عليه، إذًا المَقصودُ هو سَدُّ خَلةِ المَساكينِ يومَ العيدِ ومُواساتُهم من جِنسِ ما يَقتاتُه أهلُ بَلدِهم (١). أمَّا ابنُ القيمِ ﵀ فقد توسَّعَ في المَسألةِ فقالَ: فَصلٌ: [صَدقةُ الفِطرِ لا تَتعيَّنُ في أَنواعٍ] المِثالُ الرابِعُ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ فرَضَ صَدقةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ أو صاعًا من زَبيبٍ أو صاعًا من أقِطٍ»، وهذه كانَت غالِبَ أَقواتِهم بالمَدينةِ، فأمَّا أهلُ بَلدٍ أو مَحلَّةٍ قُوتُهم غيرُ ذلك فإنَّما عليهم صاعٌ من قُوتِهم، كمَن قُوتُهم الذُّرةُ والأرُزُّ أو التِّينُ أو غيرُ ذلك من الحُبوبِ، فإنْ كانَ قُوتُهم من غيرِ الحُبوبِ كاللَّبنِ واللَّحمِ والسَّمكِ أخرَجوا فِطرتَهم من قُوتِهم كائنًا ما كانَ، هذا قَولُ جُمهورِ العُلماءِ، وهو الصَّوابُ الذي لا يُقالُ بغيرِه؛ إذِ المَقصودُ سَدُّ خَلةِ المَساكينِ يومَ العيدِ ومُواساتُهم من جِنسِ ما يَقتاتُه أهلُ بَلدِهم، وعلى هذا يُجزِئُ إِخراجُ الدَّقيقِ وإنْ لم يَصحَّ فيه الحَديثُ، وأمَّا إِخراجُ الخُبزِ والطَّعامِ فإنَّه -وإنْ كانَ أنفَعَ للمَساكينِ لقلَّةِ المُؤنةِ والكُلفةِ فيه- قد يَكونُ الحَبُّ أنفَعَ لهم؛ لطُولِ بَقائِه وأنَّه يَتأتَّى منه ما لا يَتأتَّى من الخُبزِ والطَّعامِ، ولا سيَّما إذا كثُرَ الخُبزُ والطَّعامُ عندَ المَساكينِ فإنَّه يَفسُدُ ولا يُمكِنُه حِفظُه، وقد يُقالُ: لا اعتِبارَ

стр. 2255

بهذا، فإنَّ المَقصودَ إِغناؤُهم في ذلك اليَومِ العَظيمِ عن التَّعرُّضِ للسُّؤالِ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَغْنوهُم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (١) وإنَّما نَصَّ على تلك الأَنواعِ المُخرَجةِ؛ لأنَّ القَومَ لم يَكونوا يَعتادونَ اتِّخاذَ الأَطعمةِ يومَ العيدِ، بل كانَ قُوتُهم يومَ العيدِ كقُوتِهم سائِرَ السَّنةِ؛ ولِهذا لمَّا كانَ قُوتُهم يومَ عيدِ النَّحرِ من لُحومِ الأَضاحي أُمِروا أنْ يُطعِموا منها القانِعَ والمُعتَرَّ؛ فإذا كانَ أهلُ بَلدٍ أو مَحلَّةٍ عادتُهم اتِّخاذُ الأطعِمةِ يومَ العيدِ جازَ لهم، بل يُشرَعُ لهم أنْ يُواسوا المَساكينَ من أَطعِمتِهم، فهذا مُحتَملٌ يَسوغُ القَولُ به، واللهُ أعلمُ (٢). القَولُ الثاني: لا يَجوزُ إِخراجُ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها إلا عن طَريقِ القيمةِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (٣). قالَ الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وجَوازُ ما ليسَ بمَنصوصٍ عليه لا يَكونُ إلا باعتِبارِ القيمةِ كسائِرِ الأَعيانِ التي لم يَقعِ التَّنصيصُ عليها من النَّبيِّ ﷺ (٤). وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: فأمَّا ما ليسَ بمَنصوصٍ عليه فإنَّه مُلحَقٌ بالمَنصوصِ عليه باعتِبارِ القيمةِ؛ إذْ ليسَ فيه إِبطالُ التَّقديرِ المَنصوصِ عليه (٥).

стр. 2256

ثم قالَ الحَنفيةُ: ما سِوى هذه الأشياءِ المَنصوصِ عليها من الحُبوبِ كالعدَسِ والأرُزِّ أو من غيرِ الحُبوبِ كاللَّبنِ والجُبنِ والعُروضِ فتُعتبَرُ قيمَتُه بقيمةِ الأشياءِ المَنصوصِ عليها، فإذا أرادَ المُتصدِّقُ أنْ يُخرِجَ صَدقةَ الفِطرِ من العدَسِ مَثلًا يُقوِّمُ نِصفَ صاعٍ من بُرٍّ فإذا كانَت قيمَتُه نِصفَ الصاعِ، عَشرةَ جُنَيهاتٍ مَثلًا، أخرجَ من العدَسِ ما قيمَتُه عَشرةَ جُنيهاتٍ مَثلًا، ومِنَ الأرُزِّ واللَّبنِ والجُبنِ وغيرِ ذلك من الأشياءِ التي لم يَنصَّ عليها الشارِعُ أخرَجَ ما يُعادِلُ قِيمتَه (١). واستدَلَّ الحَنفيةُ لِمَذهَبِهم -وهو عَدمُ جَوازِ إِخراجِ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها أصلًا بنَفسِها، وإنَّما يَجوزُ إِخراجُها عن طَريقِ القيمةِ بالمَعقولِ، وهو: أنَّ غيرَ المَنصوصِ عليه لا يُعرَفُ قَدرُ المُخرَجِ منه، والتَّقديرُ لا يَكونُ بالرأيِ، إذًا لا يَجوزُ الإِخراجُ منه أصلًا بنَفسِه، وإنَّما يُخرَجُ عن طَريقِ القيمةِ (٢). القَولُ الثالِثُ: لا يَجوزُ إِخراجُ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها، عندَ القُدرةِ على الإِخراجِ من المَنصوصِ عليه، ويَجوزُ عندَ عَدمِ القُدرةِ على الإِخراجِ من المَنصوصِ عليه، وهو المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ (٣).

стр. 2257

قالَ المَرداويُّ: قَولُه: (ولا يُجزِئُ غيرُ ذلك) يَعني إذا وُجدَ شَيءٌ من هذه الأَجناسِ التي ذكَرَها لم يُجزِئْه غيرُها وإنْ كانَ يَقتاتُه، وهو الصَّحيحُ، وهو مِنْ المُفرداتِ (١). وقالَ الخِرقيُّ: ومَن قدِرَ على التَّمرِ أو الزَّبيبِ أو البُرِّ أو الشَّعيرِ أو الأقِطِ فأخرَجَ غيرَه لم يُجزِئْه. قالَ ابنُ قُدامةَ: ظاهِرُ المَذهبِ أنَّه لا يَجوزُ له العُدولُ عن هذه الأَصنافِ مع القُدرةِ عليها، سَواءٌ كانَ المَعدولُ إليه قُوتَ بَلدِه أو لم يَكنْ، وقالَ أبو بَكرٍ: يَتوجَّهُ قَولٌ آخَرُ أنَّه يُعطِي مَقامَ الخَمسةِ على ظاهِرِ الحَديثِ صاعًا من طَعامٍ، والطَّعامُ قد يَكونُ البُرَّ والشَّعيرَ وما دخَلَ في الكَيلِ، قالَ: وكِلا القولَينِ مُحتمَلٌ وأقيَسُهما أنَّه لا يَجوزُ غيرُ الخَمسةِ إلا أنْ يُعدَمَها فيُعطيَ ما قامَ مَقامَها (٢). واستدَلَّ الحَنابِلةُ لمَذهبِهم وهو عَدمُ جَوازِ إِخراجِ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها إلا عندَ عَدمِها بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا السُّنةُ: أ- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى من المُسلِمينَ» (٣).

стр. 2258

ب- عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁، قالَ: «كُنا نُعطِيها فِي زَمانِ النَّبيِّ ﷺ صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ زَبِيبٍ» (١). ج- عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُخرِجُ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ طَعَامٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ أقِطٍ، أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ من هذه الأَحاديثِ هو أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ من أَجناسٍ مَعلومةٍ، والإِخراجُ من غيرِ هذه الأَجناسِ المَنصوصِ عليها مع القُدرةِ على إِخراجِها عُدولٌ عن المَنصوصِ عليه فلا يَجوزُ. قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ فرَضَ صَدقةَ الفِطرِ أَجناسًا مَعدودةً فلم يَجزِ العُدولُ عنها، كما لو أخرَجَ القيمةَ وذلك لأنَّ ذِكرَ الأَجناسِ بعدَ ذِكرِه الفَرضَ تَفسيرٌ للمَفروضِ، فما أُضيفَ إلى المُفسَّرِ يَتعلَّقُ بالتَّفسيرِ فتَكونُ هذه الأَجناسُ مَفروضةً فيَتعيَّنُ الإِخراجُ منها؛ ولأنَّه إذا أخرَجَ غيرَها عدَل عن المَنصوصِ عليه فلم يَجزْ كإِخراجِ القيمةِ، وكما لو أخرَجَ عن زَكاةِ المالِ من غيرِ جِنسِه، والإِغناءُ يَحصلُ بالإخراجِ من المَنصوصِ عليه، فلا مُنافاةَ بينَ الخَبرينِ لكَونِهما جَميعًا يَدلَّانِ على وُجوبِ الإِغناءِ بأداءِ أحدِ الأَجناسِ المَفروضةِ (٣).

стр. 2259

وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: هذا هو المَذهبُ المَعروفُ المَشهورُ؛ لظاهِرِ حَديثُ ابنِ عُمرَ وأبي سَعيدٍ؛ إذ ظاهِرُهما أنَّه لم يَفرضْ غيرَ ذلك، فالعُدولُ عن ذلك عُدولٌ عن المَنصوصِ عليه (١). ثانيًا: المَعقولُ: وهو: قياسُ المُخرَجِ في زَكاةِ الفِطرِ على المُخرَجِ في زَكاةِ المالِ، بجامِعِ الوُجوبِ في كلٍّ، والمُخرَجُ في زَكاةِ المالِ لا يَجوزُ أنْ يَكونَ من غيرِ جِنسِه، فكذلك المُخرَجُ في زَكاةِ الفِطرِ. وأمَّا جَوازُ إِخراجِ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها عندَ عَدمِ المَنصوصِ عليها فمِن بابِ قياسِ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها على الأَجناسِ المَنصوصِ عليها بجامِعِ الاقتِياتِ في كلٍّ، والأَجناسُ المَنصوصُ عليها يَجوزُ الإِخراجُ منها اتِّفاقًا، فكذلك الأَجناسُ غيرُ المَنصوصِ عليها، ولأنَّها تَقومُ مَقامَها في الاقتِياتِ. أفضَلُ الأَجناسِ المَنصوصِ عليها: اختَلفَ العُلماءُ في أفضَلِ الأَجناسِ المَنصوصِ عليها على قولَينِ: القَولُ الأولُ: إنَّ أفضلَ الأَجناسِ المَنصوصِ عليها هو البُرُّ (الحِنطةُ) وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والشافِعيةِ (٢).

стр. 2260

قالَ ابنُ عابدِين ﵀: قَولُه: (ودَفعُ القيمةِ، أي: الدَّراهِمِ على المَذهبِ المُفتَى به)، مُقابِلُه ما في المُضمَراتِ من أنَّ دَفعَ الحِنطةِ أفضلُ في الأَحوالِ كلِّها سَواءٌ كانَت أيامَ شِدَّةٍ أو لا؛ لأنَّ في هذا مُوافَقةَ السُّنةِ وعليه الفَتوى (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيما يُعتبَرُ به الأعلَى والأَدنى وَجهانِ مَشهورانِ أصَحُّهما: الاعتِبارُ بزِيادةِ صَلاحيَتِه للاقتِياتِ، والثاني: زيادةُ القيمةِ، فعلى هذا يَختلِفُ باختِلافِ الأَقواتِ والبِلادِ، قالَ الرافِعيُّ: إلا أنَّ زيادةَ القيمةِ في الأكثَرِ. وعلى الأولِ قالَ أَصحابُنا: البُرُّ خَيرٌ من الشَّعيرِ بلا خِلافٍ، قالَ الجُمهورُ: والبُرُّ خَيرٌ من التَّمرِ والزَّبيبِ ونقَلَه القاضِي أبو الطَّيِّبِ عن الأَصحابِ، وقالَ صاحِبُ الحاوي: في البُرِّ والتَّمرِ وَجهانِ لِأَصحابِنا: أحَدُهما: التَّمرُ أفضَلُ وخَيرٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يُخرِجُ منه، وعليه عَملُ أهلِ المَدينةِ قالَ: وبه قالَ ابنُ عُمرَ ومالِكٌ وأحمدُ. والثاني: قالَ: وإليه مالَ الشافِعيُّ وبه قال عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وإِسحاقُ بنُ راهَويْهِ: البُرُّ أفضَلُ، قالَ: ولو قيلَ: إنَّ أفضَلَهما يَختلِفُ باختِلافِ البِلادِ لَكانَ مُتَّجهًا، هذا كَلامُه والمَشهورُ تَرجيحُ البُرِّ مُطلَقًا (٢). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّ البُرَّ أفضَلُ الأَجناسِ- بالأثَرِ والمَعقولِ:

стр. 2261

أولًا: الأثَرُ: عن أبي مِجلَزٍ قالَ: قُلتُ لابنِ عمرَ: قد أكثَرَ اللهُ الخَيرَ، والبُرُّ أفضَلُ من التَّمرِ، فقالَ: «إنِّي أُعطِي ما كانَ يُعطِي أَصحابي، سلَكوا طَريقًا فأُريدُ أنْ أسلُكَه» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الأثرِ على أنَّ البُرَّ أفضَلُ الأَجناسِ هو تَصريحُ أبي مِجلَزٍ لابنِ عُمرَ بأنَّ البُرَّ أفضَلُ الأشياءِ. ثانيًا: المَعقولُ: وهو مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ التَّمرَ مُجمَعٌ على أنَّه لا يُجزِئُ منه أقَلُّ مِنْ صاعٍ، والبُرَّ مُختلَفٌ فيه؛ لأنَّ من العُلماءِ مَنْ يَرى إِجزاءَ نِصفِ صاعٍ منه، وكانَ ما اختلَفوا فيه هل يُجزِئُ أقَلُّ من صاعٍ أو لا؟ أَوْلى ما أجمَعوا عليه أنَّه لا يُجزِئُ منه أقَلُّ من صاعٍ (٢). ثانِيهما: أنَّ البُرَّ أنفَعُ اقتِياتًا وأدفَعُ لِحاجةِ الفَقيرِ مما سِواه من الأَجناسِ، إذًا هو أفضَلُها (٣). القَولُ الثاني: أفضَلُ الأَجناسِ المَنصوصِ عليها هو التَّمرُ. وهو مَذهبُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ (٤).

стр. 2262

قالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وأفضَلُ المُخرَجِ التَّمرُ مُطلقًا نَصَّ عليه (١). قالَ ابنُ قُدامةَ: واختِيارُ أبي عبدِ اللهِ إِخراجُ التَّمرِ. وبهذا قال مالِكٌ، قالَ ابنُ المُنذِرِ واستَحبَّ مالِكٌ إِخراجَ العَجوةِ منه (٢). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّ التَّمرَ أفضَلُ الأَجناسِ بالأثَرِ والمَعقولِ: أولًا: الأثَرُ: أ - عن نافِعٍ قالَ: «فكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يُعطِي التَّمرَ فأعوَزَ أهلُ المَدينةِ من التَّمرِ فأَعطى شَعيرًا … » (٣). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: فيه دِلالةٌ على أنَّ التَّمرَ أفضَلُ ما يُخرَجُ في صَدقةِ الفِطرِ (٤). ب - عن أبي مِجْلَزٍ قالَ: «قُلتُ لابنِ عمرَ: إنَّ اللهَ قد أوسَعَ والبُرُّ أفضَلُ من التَّمرِ -يَعني في صَدقةِ الفِطرِ- فقالَ ابنُ عمرَ: إنَّ أَصحابِي سلَكوا طَريقًا فأنا أُحبُّ أنْ أسلُكَه» (٥).

стр. 2263

ظاهِرُ هذا الأثَرِ أنَّ جَماعةً من الصَّحابةِ كانوا يُخرِجونَ التَّمرَ فأحَبَّ ابنُ عُمرَ مُوافَقتَهم وسُلوكَ طَريقتِهم (١). ثانيًا: المَعقولُ: وهو أنَّ التَّمرَ قُوتٌ وحَلاوةٌ، وأقرَبُ تَناوُلًا، وأقَلُّ كُلفةً، وما كانَ كذلك كانَ أفضَلَ (٢). التَّخييرُ بينَ الأَجناسِ عندَ الإِخراجِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الأَجناسِ التي يَجوزُ إِخراجُها في زَكاةِ الفِطرِ هل هي على سَبيلِ التَّخييرِ، أو أنَّه يَتعيَّنُ على المُخرَجِ ما غلَبَ اقتِياتُه على قولَينِ: القَولُ الأولُ: إِخراجُ الفِطرةِ على التَّخييرِ، فيَجوزُ للمُزكِّي أنْ يُخرِجَ ما يَشاءُ من الأَجناسِ المَنصوصِ عليها، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ ووَجهٌ للشافِعيةِ (٣). قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومِن أيِّ الأَصنافِ المَنصوصِ عليها أخرَجَ جازَ، وإنْ لم يَكنْ قُوتًا له (٤).

стр. 2264

استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: أ- عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵁: «أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ … » (١). ب- عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُعطِيها فِي زَمانِ النَّبيِّ ﷺ صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ» (٢). وفي رِوايةٍ: «أو صاعًا مِنْ أقِطٍ» (٣). وَجهُ الدِّلالةِ من هذَينِ الحَديثَينِ أنَّهما اشتمَلا على لَفظِ «أوْ» الذي يُفيدُ التَّخييرَ عَملًا بظاهِرِ اللَّفظِ، وإذا كانَ ظاهِرُ لَفظِ الحَديثَينِ يَقتَضي التَّخييرَ فإنَّه يَجبُ العَملُ به ولا يَصحُّ العُدولُ عنه إلى غيرِه إلا بدَليلٍ، ولا دَليلَ يَصرِفُه عن ظاهِرِه، فدَلَّ هذا على التَّخييرِ بينَ الأَجناسِ عَملًا بالظاهِرِ (٤). ثانيًا: المَعقولُ: وهو من وَجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ المُخرَجَ عدَلَ إلى صِنفٍ آخَرَ مَنصوصٍ عليه، فجازَ كما لو عدَل إلى الأَعلى، والغِنى يَحصلُ بدَفعِ قُوتٍ من الأَجناسِ، ومما يَدلُّ

стр. 2265

على ذلك أنَّه خيَّرَه بينَ التَّمرِ والزَّبيبِ والأقِطِ، ولم يَكنِ الزَّبيبُ ولا الأقِطُ قُوتًا لِأهلِ المَدينةِ، فدَلَّ ذلك على أنَّه لا يُعتبَرُ أنَّه يَكونُ قُوتًا للمُخرَجِ (١). ثانِيهما: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ مُواساةٌ، والتَّخييرُ فيها أيسَرُ، والتَّسويةُ بينَ جَميعِها أرفَقُ (٢). القَولُ الثاني: فيه تَفصيلٌ وهو أنَّه يَتعيَّنُ على المُزكِّي إِخراجُ ما غلَبَ اقتياتُه من الأَجناسِ إذا كانَ فيها غالِبًا، أو كانَ يَقتاتُ نَوعًا واحِدًا تَعيَّنَ الإِخراجُ منه، أمَّا إذا تَعدَّدَت الأَجناسُ المُقتاتةُ وتَساوَت في الاقتِياتِ فإنَّه يَتخيَّرُ في الإِخراجِ من أيِّها شاءَ. وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ (٣). قالَ الدَّرديرُ: يَتعيَّنُ الإِخراجُ مما غلَبَ الاقتِياتُ منه من هذه الأَصنافِ التِّسعةِ فلا يُجزِئُ الإِخراجُ من غيرِها ولا منها إنِ اقتِيتَ غيرُه منها إلا أنْ يُخرِجَ الأحسَنَ كما لو غلَبَ اقتِياتُ الشَّعيرِ فأخرَجَ قَمحًا (إلا أنْ يُقتاتَ غيرُه) أي غيرُ هذه الأَصنافِ كعَلسٍ ولَحمٍ وفُولٍ وعدَسٍ وحِمَّصٍ (فمنه) يُخرَجُ فإنْ غلَبَ شَيءٌ تَعيَّن الإِخراجُ، وإنْ تَساوى غيرُه خُيرَ (٤).

стр. 2266

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ: اختَلفَ قَولُ الشافِعيِّ في الأَقواتِ المُدَّخرةِ، هل هي على التَّرتيبِ: أو على التَّخييرِ، فله فيها قَولانِ: أحَدُهما: نَصَّ عليه في بعضِ كُتبِه أنَّها على التَّخييرِ، والمُزكِّي مُخيَّرٌ بينَ جَميعِها، فمِن أيِّها أخرَجَ أجزَأَه. والقَولُ الثاني: في الأقَلِّ، وهو نَصُّ الشافِعيِّ ههنا وفي أكثَرِ الكُتبِ أنَّ ذلك على التَّرتيبِ دونَ التَّخييرِ، والاعتِبارُ فيه بغالِبِ القُوتِ، فعلى هذا هل يُعتبَرُ غالِبُ قُوتِ بَلدِه أو غالِبُ قُوتِ نَفسِه؟ على وَجهَينِ: أحَدُهما: وهو ظاهِرُ نَصِّ الشافِعيِّ ههنا وفي «الأُمّ»، وبه قالَ أبو سَعيدٍ الإِصطَخريُّ وأبو عُبيدِ بنُ حَربَويْهِ من أَصحابِنا: أنَّ الاعتِبارَ بغالِبِ قُوتِه في نَفسِه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]، ولأنَّه مُخاطَبٌ بفَرضِ نَفسِه، فوجَبَ أنْ يَكونَ اعتِبارُه لقُوتِ نَفسِه. والقَولُ الثاني: وهو قَولُ أبي العَباسِ بنِ سُرَيجٍ وأبي إِسحاقَ المَروَزيِّ، أنَّ الاعتِبارَ بغالِبِ قُوتِ بَلدِه؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ، خاطَبَ أهلَ المَدينةِ جَميعًا بغالِبِ أَقواتِهم؛ ولأنَّ في اعتِبارِ غالِبِ قُوتِ البَلدِ تَوسعةً ورِفقًا، وفي اعتِبارِ كلِّ واحِدٍ مَشقةً وضيقًا، وما أدَّى إلى التَّوسِعةِ والرِّفقِ في المُواساةِ أَوْلى، فعلى هذَينِ الوَجهَينِ عدَلَ من غالِبِ القُوتِ إلى ما ليسَ بغالِبِ القُوتِ، فأخرَجَه في زَكاةِ فِطرِه، فذلك على ضَربَينِ: أحَدُهما: أنْ يَكونَ ما أخرَجَه من زَكاتِه أدوَنَ من غالِبِ قُوتِه، كأنْ أخرَجَ شَعيرًا، وغالِبُ قُوتِه تَمرٌ فهذا لا يُجزِئُه؛ لأنَّه غيرُ ما وجَبَ عليه.

стр. 2267

والضَّربُ الثاني: أنْ يَكونَ ما أخرَجَه في زَكاتِه أَغلى من غالِبِ قُوتِه كأنْ أخرَجَ بُرًّا وغالِبُ قُوتِه شَعيرٌ، ففي إِجزائِه وَجهانِ: أحَدُهما: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه غيرُ ما وجَبَ عليه كمَن أخرَجَ شَعيرًا عن زَكاةِ بُرٍّ، ودَراهمَ عن زَكاةِ دَنانيرَ. والوَجهُ الثاني: وهو مَنصوصُ الشافِعيِّ: يُجزِئُه، قالَ: لأنَّه أَغلى مما وجَبَ عليه كمَن وجَبَت عليه سِنٌّ فأخرَجَ أَعلى منها (١). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم بالسُّنةِ: بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَغْنوهُم عَنْ الطَّلبِ فِي هذا اليَومِ» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ هو أنَّ الإِغناءَ يَكونُ بما يَكفي الإِنسانَ من غالِبِ القُوتِ، فلو كانَ المُزكِّي مُخيَّرًا فيه لَجازَ أنْ يُعطيَه ما ليسَ بغالِبِ القُوتِ فلا يُستَغنَى به، وإذا أَعطاه من غالِبِ القُوتِ صارَ مُستَغنِيًا به (٣). ٢ - عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵁، قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ … » (٤). ٣ - عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: «كُنا نُعطِيها فِي زَمانِ النَّبيِّ

стр. 2268

ﷺ صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ زَبِيبٍ … » (١). اشتَملَ هذانِ الحَديثانِ على لَفظِ «أو»، ومَعناه: إنْ كانَ غالِبُ العَيشِ كذا فأخرِجوه، أو كذا فأخرِجوه، فهو تَنوُّعٌ لِلمالِ، فدَلَّ هذا على أنَّه يَتعيَّنُ غالِبُ قُوتِ البَلدِ (٢). سَببُ الاختِلافِ: قالَ ابنُ رُشدٍ: وأمَّا مِنْ ماذا تَجبُ؟ فإنَّ قَومًا ذهَبوا إلى أنَّها تَجبُ إمَّا من البُرِّ وإمَّا من التَّمرِ وإمَّا من الشَّعيرِ وإمَّا من الزَّبيبِ وإمَّا من الأقِطِ، وذلك على التَّخييرِ لِلذي تَجبُ عليه. وقَومٌ ذهَبوا إلى أنَّ الواجِبَ عليه هو غالِبُ قُوتِ البَلدِ أو قُوتِ المُكلَّفِ إذا لم يَقدرْ على قُوتِ البَلدِ، وهو الذي حَكاه عبدُ الوهَّابِ عن المَذهبِ. والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافٌ في مَفهومِ حَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّه قالَ: «كُنا نُخرِجُ فِي زَكاةِ الفِطرِ فِي عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ أقِطٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ … » (٣).

стр. 2269

فمَن فهِمَ مِنْ الحَديثِ التَّخييرَ قالَ: إذا أخرَجَ من هذا أجزَأَ عنه، ومَن فهِمَ منه أنَّ اختِلافَ المُخرَجِ ليسَ سَببُه الإِباحةَ وإنَّما سَببُه اعتِبارُ قُوتِ المُخرَجِ أو قُوتِ غالِبِ البَلدِ، قالَ بالقَولِ الثاني (١). المِقدارُ الواجِبُ إِخراجُه: الواجِبُ إِخراجُه من المَنصوصِ عليه عن النَّبيِّ ﷺ صاعٌ، وهنا نَذكرُ بَيانَ مِقدارِ الصاعِ النَّبويِّ بالأَرطالِ: مِقدارُ الصاعِ النَّبويِّ بالأَرطالِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصاعَ النَّبويَّ أربَعةُ أَمدادٍ (٢). قالَ ابنُ الرِّفعةِ ﵀: والصاعُ أربَعةُ أَمدادٍ باتِّفاقٍ (٣). وقالَ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀: اتَّفقوا على أنَّ الصاعَ أربَعةُ أَمدادٍ (٤). إلا أنَّهم اختلَفوا في مِقدارِ الصاعِ بالأَرطالِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: مِقدارُ الصاعِ النَّبويِّ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ، بالرِّطلِ العِراقيِّ، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وأبي يُوسفَ من الحَنفيةِ (٥). قالَ أبو يُوسفَ ﵀: الصاعُ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثُ رِطلٍ (٦). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والأظهَرُ أنَّ الصاعَ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ عِراقيَّةٌ سَواءٌ صاعُ الطَّعامِ والماءِ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ خِلافًا لِأبي حَنيفةَ (٧).

стр. 2270

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الصاعُ المُجزِئُ في الفِطرةِ عندَنا خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ بالبَغداديِّ، وبه قالَ جُمهورُ العُلماءِ من المُتقدِّمينَ والمُتأخِّرينَ. قالَ الماوَرديُّ ﵀: وبه قالَ مالِكٌ أبو يُوسفَ وأحمدُ وفُقهاءُ الحَرمَينِ وأكثَرُ فُقهاءِ العِراقيِّينَ (١). وقالَ الإمامُ الزَّركَشيُّ ﵀: والصاعُ بصاعِ النَّبيِّ ﷺ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ (٢).

стр. 2271

وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا في قَدرِ الصاعِ، فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ بالعِراقيِّ (١). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّ الصاعَ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ- بالسُّنةِ والآثَرِ: أولًا: السُّنةُ: أ- عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مَعقِلٍ قالَ: جلَسْتُ إلى كَعبِ بنِ عُجرَةَ ﵁، فسأَلْتُه عَنْ الفِديَةِ، فقالَ: نزَلَت فِيَّ خاصَّةً، وهي لكم عامَّةً، حُمِلتُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ وَالقَملُ يتَناثَرُ على وَجهِي، فقالَ: «مَا كُنْتُ أُرى الوَجعَ بلَغَ بكَ ما أَرى -أو: ما كُنْتُ أُرى الجَهدَ بلَغَ بكَ ما أَرى- تَجدُ شاةً؟» فقُلتُ: لَا، فقالَ: «فصُمْ ثَلاثةَ أيَّامٍ، أو أَطعِمْ سِتةَ مَساكينَ، لكُلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ» (٢). ب- عَنْ كَعبِ بنِ عُجرَةَ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَآه وقَملُه يَسقطُ على وَجهِه، فقالَ: «أيُؤذِيكَ هَوامُّكَ؟»، قالَ: نَعم، فأمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَحلِقَ، وهو بالحُديبِيةِ، لَم يُبيِّنْ لهم أنَّهم يَحلُّونَ بها، وهم على طَمعٍ أنْ يَدخُلوا مَكةَ، فأَنزَلَ اللَّهُ الفِديةَ، فأمَرَه رَسولُ الله ﷺ : «أنْ يُطعِمَ فَرقًا (٣) بينَ سِتةِ مَساكينَ، أو يُهديَ شاةً، أو يَصومَ ثَلاثةَ أيَّامٍ» (٤).

стр. 2272

وَجهُ الاستِدلالِ: اشتَملَ الحَديثُ الأولُ على لَفظِ: «أَطعِمْ سِتةَ مَساكينَ، لكلِّ مِسكينٍ نِصفُ صاعٍ»، فيَكونُ مَجموعُها ثَلاثةَ آصُعٍ، وفي الحَديثِ الثاني: أمَرَه «أنْ يُطعِمَ فَرقًا بينَ سِتةِ مَساكينَ»، والفَرقُ ثَلاثةُ آصُعٍ كما في رِوايةِ مُسلِمٍ (١). والحادِثةُ واحِدةٌ، فدَلَّ هذا على أنَّ الفَرقَ ثَلاثةُ آصُعٍ، والفَرقَ سِتةَ عشَرَ رِطلًا، والصاعَ ثُلثُ الفَرقِ، ويُساوي خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا. قالَ ابنُ قُتَيبةَ ﵀: الفَرقُ سِتةَ عشَرَ رِطلًا، والصاعُ ثُلثُ الفَرقِ، خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثُ، والمُدُّ: رِطلٌ وثُلثٌ (٢). ج- عَنْ أَبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قيلَ لرَسولِ ﷺ : يَا رَسولَ اللهِ، إنَّ صاعَنا أَصغَرُ الصِّيعَانِ، ومُدَّنا أَصغَرُ الأَمدادِ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «اللَّهمَّ بارِكْ لَنا فِي صاعِنا ومُدِّنا وقَليلِنا وكَثيرِنا، واجعَلْ لَنا معَ البَركَةِ بَركَتينِ، اللَّهمَّ إنَّ إِبراهِيمَ عبدَك وخَليلَك دَعاكَ لأَهلِ مَكةَ وإنِّي عبدُك ورَسولُكَ أَدعُوكَ لأَهلِ المَدينَةِ بمثلِ ما دَعاكَ به إِبراهيمُ لأَهلِ مَكةَ» (٣). ففي هذا الحَديثِ أخبَرَ أبو هُريرةَ ﵁ عن الصَّحابةِ أنَّهم قالوا: «إنَّ صاعَنا أَصغَرُ الصِّيعانِ، ومُدَّنا أَصغَرُ الأَمدادِ»، وأقرَّهم الرَّسولُ

стр. 2273

ﷺ على ذلك ولم يُنكِرْ عليهم، بل دَعا بالبَركةِ، والصاعُ الذي يُساوي خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا أصغَرُ من الصاعِ الذي يُساوي ثَمانيةَ أَرطالٍ، كما يَقولُ أبو حَنيفةَ وغيرُه كما سيَأتي، فدَلَّ هذا على أنَّ الصاعَ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ. قالَ أبو حاتمِ بنُ حِبانَ ﵀: في تَركِ إِنكارِ المُصطَفى ﷺ حيثُ قالوا: «صاعُنا أَصغَرُ الصِّيعانِ» بَيانٌ واضِحٌ أنَّ صاعَ أهلِ المَدينةِ أصغَرُ الصِّيعانِ، ولم يَختلِفْ أهلُ العِلمِ من لَدنِ الصَّحابةِ إلى يَومِنا هذا في الصاعِ وقَدرِه إلا ما قالَه الحِجازيُّونَ والعِراقيونَ فزعَم الحِجازيونَ أنَّ الصاعَ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ، وقالَ العِراقيُّونَ: الصاعُ ثَمانيةُ أَرطالٍ، فلمَّا لم نَجدْ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في قَدرِ الصاعِ إلا ما وصَفنا صحَّ أنَّ صاعَ النَّبيِّ ﷺ كانَ خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا؛ إذْ هو أصغَرُ الصِّيعانِ وبطَل قَولُ مَنْ زعَم أنَّ الصاعَ ثَمانيةُ أَرطالٍ من غيرِ دَليلٍ ثبَتَ له على صِحَّتِه (١). د- رَوى الإمامُ البَيهَقيُّ عن الحُسينِ بنِ الوَليدِ قالَ: قدِمَ علَينا أَبو يُوسفَ مِنْ الحَجِّ، فأتَيناه، فقالَ: «إنِّي أُريدُ أنْ أَفتحَ علَيكم بابًا مِنْ العِلمِ همَّني، تَفحَّصتُ عنه فقدِمْتُ المَدينَةَ فسأَلْتُ عَنْ الصَّاعِ، فقالُوا: صاعُنا هذا صَاعُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، قُلتُ لهم: ما حُجتُكم فِي ذلك؟ فقالُوا: نأْتِيك بالحُجةِ غدًا، فلمَّا أَصبَحتُ أَتانِي نحوٌ مِنْ خَمسينَ شَيخًا مِنْ أَبناءِ المُهاجِرينَ والأَنصارِ، معَ كلِّ رَجلٍ مِنهم الصَّاعُ تحتَ رِدائِه، كلُّ رَجلٍ

стр. 2274

منهم يُخبِرُ عَنْ أَبيه أو أَهلِ بيتِه أنَّ هذا صَاعُ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فنَظرتُ فإِذا هي سَواءٌ، قالَ: فعايَرتُه فإذَا هو خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ بنُقصانٍ معَه يَسيرٍ، فرَأيْتُ أَمرًا قَويًّا فقد ترَكتُ قَولَ أَبي حَنيفةَ فِي الصَّاعِ، وأخَذتُ بقَولِ أَهلِ المَدينَةِ» (١). ففي هذه القِصَّةِ دِلالةٌ واضِحةٌ على أنَّ الصاعَ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ؛ لثُبوتِ ذلك عَمليًّا بمُعايَرةِ أبي يُوسفَ لنحوِ خَمسينَ صاعًا، فكانَت كلُّها سَواءً، وَزنُ المُكالِ بها خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ، وهذه الأَصواعُ تناقَلها أهلُ المَدينةِ بالسَّندِ المُتَّصِلِ، رَواه خلَفُهم عن سَلفِهم، وتَناقَله أَبناؤُهم عن آبائِهم أنَّ هذا المُدَّ هو مدُّ النَّبيِّ ﷺ (٢). وقالَ الإمامُ أبو عُبيدٍ القاسِمُ بنُ سلامٍ ﵀: وأمَّا أهلُ الحِجازِ فلا اختِلافَ بينَهم فيه أَعلمُه أنَّ الصاعَ عندَهم خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ، يَعرِفُه عالِمُهم وجاهِلُهم ويُباعُ في أَسواقِهم ويَحمِلُ عِلمَه قَرنٌ عن قَرنٍ (٣). ثانيًا: الأثَرُ: رَوى أبو عُبيدٍ عن أسلَمَ مَولَى عُمرَ أنَّ عُمرَ «ضرَبَ الجِزيةَ على أَهلِ الذَّهبِ أَربعةَ دَنانيرَ، وأَرزاقَ المُسلِمينَ مِنْ الحِنطَةِ مُدَّينِ وثَلاثةَ أَقساطِ

стр. 2275

زَيتٍ لكلِّ إِنسانٍ كلَّ شَهرٍ، وعلى أَهلِ الورِقِ أَربَعينَ دِرهمًا وخَمسةَ عشَرَ صاعًا لكلِّ إنسانٍ، ولا أَحفَظُ ما ذُكرَ في الوَدكِ» (١) (٢). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الأثرِ هو ما استَنبَطه الإمامُ أبو عُبيدٍ ﵀ فقالَ: فنظَرتُ في حَديثِ عُمرَ هذا فإذا هو قد عدَلَ أربَعينَ دِرهمًا بأربَعةِ دَنانيرَ؛ لأنَّ أصلَ الدَّنانيرِ أنْ يَعدِلَ الدِّينارُ عَشرةَ دَراهمَ، وكذلك عَدَل مُدَّينِ من طَعامٍ بخَمسةَ عَشرَ صاعًا وجعَلَها مُوازيةً لهما، فغايَرتُ الأَمدادَ والصِّيعانَ وجمَعتُ بينَهما، ثم اعتبَرتُهما بالوَزنِ فوَجدتُ المُدَّينِ نيِّفًا وثَمانينَ رِطلًا، ووَجدتُ خَمسةَ عَشرَ صاعًا ثَمانينَ رِطلًا، على قَولِ أهلِ المَدينةِ، فهذه زيادةٌ يَسيرةٌ مُتقارِبةٌ، وإنَّما زادَ على ذلك النيِّفِ على الثَّمانينَ -فيما ظَننتُ- بقَدرِ ما يَكونُ بينَ الطَّعامَينِ من الرَّزانةِ والخفَّةِ، ووَجدتُ خَمسةَ عشَرَ صاعًا على قَولِ أهلِ العِراقِ عِشرين ومِئةَ رِطلٍ فهذه زيادةٌ مُتفاوِتةٌ، فعَرفتُ بهذا أنَّ الصاعَ كقَولِ أهلِ الحِجازِ خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا، ثم صدَّقَ ذلك وثبَّتَه حَديثُ النَّبيِّ ﷺ : «المِكيالُ مِكيالُ المَدينَةِ، والمِيزانُ مِيزانُ مَكةَ» (٣). وقالَ أيضًا: عن القَولِ بأنَّ الصاعَ خَمسةُ أَرطالٍ: فاجتَمعَت فيه ثَلاثُ خِلالٍ حَديثُ النَّبيِّ ﷺ وتَدبُّرُ حَديثِ عُمرَ واتِّفاقُ أهلِ الحِجازِ عليه، فأينَ المَذهبُ عن هذا (٤).

стр. 2276

القَولُ الثاني: مِقدارُ الصاعِ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالرِّطلِ العِراقيِّ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ وابنِ أبي لَيلى والثَّوريِّ والحَسنِ بنِ حَيٍّ (١). قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: والصاعُ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ (٢). وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وابنُ أبي لَيلى والثَّوريُّ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: الصاعُ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ (٣). استدَلَّ أَصحابُ القَولِ الثاني لِمَذهبِهم -وهو أنَّ الصاعَ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ بالسُّنةِ والأثَرِ. أولًا: السُّنةُ: ١ - عَنْ أَنسِ بنِ مالِكٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ يَتوضَّأُ برِطلَينِ ويَغتَسلُ بالصَّاعِ ثَمانيَةِ أَرطَالٍ» (٤).

стр. 2277

٢ - وعنه أيضًا قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ بمدٍّ رَطلَينِ ويَغتَسلُ بصاعٍ ثَمانيَةِ أَرطالٍ» (١). ٣ - وعنه أيضًا: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ بالمدِّ وهو رِطلانِ» (٢). ٤ - وعنه أيضًا: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ برِطلَينِ ويَغتَسلُ بالصَّاعِ» (٣). ٥ - وعن عائِشةَ ﵂ قالَت: «جرَتِ السُّنةُ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي الغُسلِ مِنْ الجَنابَةِ صاعٌ والوُضوءُ رِطلانِ وَالصَّاعُ ثَمانِيةُ أَرطالٍ» (٤). وَجهُ الاستِدلالِ: تَدلُّ هذه الأَحاديثُ على أنَّ الصاعَ ثَمانيةُ أَرطالٍ وذلك مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: اشتَملَت هذه الأَحاديثُ على لَفظِ: «ويَغتَسلُ بصَاعٍ ثَمانيَةِ أَرطالٍ»، فهي واضِحةُ الدِّلالةِ على أنَّ الصاعَ ثَمانيةُ أَرطالٍ، فهي نَصٌّ في المُدَّعى.

стр. 2278

الثاني: قَولُه: «يَتوضَّأُ بالمدِّ وهو رِطلانِ»، والصاعُ أربَعةُ أَمدادٍ، إذًا فالصاعُ ثَمانيةُ أَرطالٍ (١). ثانيًا: الأثَرُ: قالَ مُوسى بنُ طَلحةَ: «الحَجاجِيُّ صَاعُ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁» (٢). وعن إِبراهيمَ قالَ: «عيَّرْنا صاعَ عُمرَ فوجَدْناه حَجاجِيًّا، والحَجاجِيُّ عندَهم ثَمانِيةُ أَرطالٍ بالبَغدادِيِّ» (٣). قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والصاعُ أكثَرُ ما قيلَ فيه أنَّه ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ كما قالَ أبو حَنيفةَ، وأمَّا أهلُ الحِجازِ وفُقهاءُ الحَديثِ كمالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهم فعندَهم أنَّه خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ بالعِراقيِّ. وحِكايةُ أبي يُوسفَ مع مالِكٍ في ذلك مَشهورةٌ لمَّا سألَه عن مِقدارِ الصاعِ والمُدِّ فأمرَ أهلَ المَدينةِ أنْ يَأتوه بصِيعانِهم حتى اجتَمعَ عندَه منها شَيءٌ كَثيرٌ فلمَّا حضَرَ أبو يُوسفَ قالَ مالِكٌ لواحِدٍ منهم: من أينَ لك هذا الصاعُ؟ قالَ: حدَّثَني أبي عن أَبيه أنَّه كانَ يُؤدِّي به صَدقةَ الفِطرِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقالَ الآخَرُ: حدَّثَتْني أُمِّي عن أُمِّها أنَّها كانَت تُؤدِّي به، يَعني صَدقةَ حَديقَتِها إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقالَ الآخَرُ نحوَ ذلك، وقالَ الآخَرُ نحوَ ذلك،

стр. 2279

فقالَ مالِكٌ لِأبي يُوسفَ: أتَرى هؤلاء يَكذِبونَ؟ قالَ: لا واللهِ ما يَكذِبُ هؤلاء. قال مالِكٌ: فأنا حرَّرَت هذا برِطلِكم يا أهلَ العِراقِ، فوَجدتُه خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا. فقالَ أبو يُوسفَ لمالِكٍ: قد رجَعَت إلى قَولِك يا أبا عبدِ اللهِ، ولو رَأى صاحِبي ما رَأيتُ لرجَعَ كما رجَعتُ. فهذا النَّقلُ المُتواتِرُ عن أهلِ المَدينةِ بمِقدارِ الصاعِ والمُدِّ وقد ذهَبَ طائِفةٌ من العُلماءِ كابنِ قُتَيبةَ والقاضِي أبي يَعلى في تَعليقِه وجَدِّي أبي البَركاتِ إلى أنَّ صاعَ الطَّعامِ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ، وصاعَ الماءِ ثَمانيةٌ، واحتجُّوا بحُجَجٍ منها خبَرُ عائِشةَ أنَّها كانَت تَغتسِلُ هي ورَسولُ اللهِ بالفَرقِ، والفَرقُ سِتةَ عشَرَ رِطلًا بالعِراقيِّ، والجُمهورُ على أنَّ الصاعَ والمُدَّ في الطَّعامِ والماءِ واحِدٌ، وهو أظهَرُ، وهذا مَبسوطٌ في مَوضعِه (١). وقالَ الحافِظُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀ (٢): اختَلفَ العُلماءُ في مِقدارِ الصاعِ، فذهَبَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وعُلماءُ الحِجازِ إلى أنَّه خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ بالرِّطلِ البَغداديِّ، وذهَبَ أبو حَنيفةَ وصاحِبُه مُحمدٌ إلى أنَّه ثَمانيةُ أَرطالٍ بالرِّطلِ المَذكورِ، وكانَ أبو يُوسفَ يَقولُ كقَولِهما ثم رجَعَ إلى قَولِ مالِكٍ والجُمهورِ لمَّا تناظَر مع مالِكٍ بالمَدينةِ فأَراه الصِّيعانَ التي تَوارَثها أهلُ المَدينةِ عن إِسلافِهم إلى زَمنِ النَّبيِّ ﷺ ، وإِطلاقُ الصاعِ في الحَديثِ يَدلُّ على أنَّه مِكيالٌ مَعروفٌ عندَهم.

стр. 2280

وقالَ ابنُ الصَّباغِ وغيرُه من أَصحابِنا: الأصلُ فيه الكَيلُ، وإنَّما قدَّره العُلماءُ بالوَزنِ استِظهارًا. وقالَ النَّوويُّ: قد يَستشكِلُ ضَبطُ الصاعِ بالأَرطالِ، فإنَّ الصاعَ المُخرَجَ به في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ مِكيالٌ مَعروفٌ، ويَختلِفُ قَدرُه وَزنًا باختِلافِ جِنسِ ما يُخرَجُ، كالذُّرةِ والحِمَّصِ وغيرِهما، والصَّوابُ ما قالَه أبو الفَرجِ الدَّارِميُّ من أَصحابِنا من أنَّ الاعتِمادَ في ذلك على الكَيلِ دونَ الوَزنِ وأنَّ الواجِبَ أنْ تُخرَجَ بصاعٍ مُعايَرٍ بالصاعِ الذي كانَ يُخرَجُ به في عَصرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وذلك الصاعُ مَوجودٌ، ومَن لم يَجدْه وجَبَ عليه إِخراجُ قَدرٍ يَتيقَّنُ أنَّه لا يَنقصُ عنه، وعلى هذا فالتَّقديرُ بخَمسةِ أَرطالٍ وثُلثٍ تَقريبًا، وقالَ جَماعةٌ من العُلماءِ: الصاعُ أربَعُ حَفناتٍ بكفَّيْ رَجلٍ مُعتدِلِ الكفَّينِ. انتهى كَلامُ النَّوويِّ (١). قالَ الحافِظُ العِراقيُّ: وذكَرَ بعضُهم أنَّه قد حانَ بكَيلِ القاهِرةِ وقالَ ابنُ الرِّفعةِ في تَصنيفٍ له سَمَّاه الإِيضاحَ والتِّبيانَ في مَعرفةِ المِكيالِ والمِيزانِ: أحضَرَ إليَّ مَنْ يُوثَقُ به من الفُقهاءِ الوَرِعينَ مُدًّا من خَشبٍ مَخروطٍ لم يَتشقَّقْ ولم يَسقُطْ منه شَيءٌ وأخبَرني أنَّه عايَره على مُدِّ الشَّيخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَريِّ شَيخِ الحَرمِ الشَّريفِ بمَكةَ وأنَّ الشَّيخَ مُحبَّ الدِّينِ المَذكورَ ذكَرَ أنَّه عايَرَه على مُدٍّ صَحَّ عندَه بالسَّندِ أنَّه مُعايَرٌ على ما عُويِرَ على مُدِّ رَسولِ اللهِ ﷺ فامتَحنتُه بما قالَ بعضُ أَصحابِنا وغيرُهم أنَّه يَقعُ
следующие страницы →