← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

القَولُ الثاني: مِقدارُ الصاعِ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالرِّطلِ العِراقيِّ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ وابنِ أبي لَيلى والثَّوريِّ والحَسنِ بنِ حَيٍّ (١). قالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: والصاعُ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ (٢). وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قالَ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ وابنُ أبي لَيلى والثَّوريُّ والحَسنُ بنُ حَيٍّ: الصاعُ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ (٣). استدَلَّ أَصحابُ القَولِ الثاني لِمَذهبِهم -وهو أنَّ الصاعَ ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ بالسُّنةِ والأثَرِ. أولًا: السُّنةُ: ١ - عَنْ أَنسِ بنِ مالِكٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ «كانَ يَتوضَّأُ برِطلَينِ ويَغتَسلُ بالصَّاعِ ثَمانيَةِ أَرطَالٍ» (٤).

стр. 2277

٢ - وعنه أيضًا قالَ: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ بمدٍّ رَطلَينِ ويَغتَسلُ بصاعٍ ثَمانيَةِ أَرطالٍ» (١). ٣ - وعنه أيضًا: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ بالمدِّ وهو رِطلانِ» (٢). ٤ - وعنه أيضًا: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ برِطلَينِ ويَغتَسلُ بالصَّاعِ» (٣). ٥ - وعن عائِشةَ ﵂ قالَت: «جرَتِ السُّنةُ مِنْ رَسولِ اللهِ ﷺ فِي الغُسلِ مِنْ الجَنابَةِ صاعٌ والوُضوءُ رِطلانِ وَالصَّاعُ ثَمانِيةُ أَرطالٍ» (٤). وَجهُ الاستِدلالِ: تَدلُّ هذه الأَحاديثُ على أنَّ الصاعَ ثَمانيةُ أَرطالٍ وذلك مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: اشتَملَت هذه الأَحاديثُ على لَفظِ: «ويَغتَسلُ بصَاعٍ ثَمانيَةِ أَرطالٍ»، فهي واضِحةُ الدِّلالةِ على أنَّ الصاعَ ثَمانيةُ أَرطالٍ، فهي نَصٌّ في المُدَّعى.

стр. 2278

الثاني: قَولُه: «يَتوضَّأُ بالمدِّ وهو رِطلانِ»، والصاعُ أربَعةُ أَمدادٍ، إذًا فالصاعُ ثَمانيةُ أَرطالٍ (١). ثانيًا: الأثَرُ: قالَ مُوسى بنُ طَلحةَ: «الحَجاجِيُّ صَاعُ عُمرَ بنِ الخَطابِ ﵁» (٢). وعن إِبراهيمَ قالَ: «عيَّرْنا صاعَ عُمرَ فوجَدْناه حَجاجِيًّا، والحَجاجِيُّ عندَهم ثَمانِيةُ أَرطالٍ بالبَغدادِيِّ» (٣). قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والصاعُ أكثَرُ ما قيلَ فيه أنَّه ثَمانيةُ أَرطالٍ بالعِراقيِّ كما قالَ أبو حَنيفةَ، وأمَّا أهلُ الحِجازِ وفُقهاءُ الحَديثِ كمالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهم فعندَهم أنَّه خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ بالعِراقيِّ. وحِكايةُ أبي يُوسفَ مع مالِكٍ في ذلك مَشهورةٌ لمَّا سألَه عن مِقدارِ الصاعِ والمُدِّ فأمرَ أهلَ المَدينةِ أنْ يَأتوه بصِيعانِهم حتى اجتَمعَ عندَه منها شَيءٌ كَثيرٌ فلمَّا حضَرَ أبو يُوسفَ قالَ مالِكٌ لواحِدٍ منهم: من أينَ لك هذا الصاعُ؟ قالَ: حدَّثَني أبي عن أَبيه أنَّه كانَ يُؤدِّي به صَدقةَ الفِطرِ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقالَ الآخَرُ: حدَّثَتْني أُمِّي عن أُمِّها أنَّها كانَت تُؤدِّي به، يَعني صَدقةَ حَديقَتِها إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، وقالَ الآخَرُ نحوَ ذلك، وقالَ الآخَرُ نحوَ ذلك،

стр. 2279

فقالَ مالِكٌ لِأبي يُوسفَ: أتَرى هؤلاء يَكذِبونَ؟ قالَ: لا واللهِ ما يَكذِبُ هؤلاء. قال مالِكٌ: فأنا حرَّرَت هذا برِطلِكم يا أهلَ العِراقِ، فوَجدتُه خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا. فقالَ أبو يُوسفَ لمالِكٍ: قد رجَعَت إلى قَولِك يا أبا عبدِ اللهِ، ولو رَأى صاحِبي ما رَأيتُ لرجَعَ كما رجَعتُ. فهذا النَّقلُ المُتواتِرُ عن أهلِ المَدينةِ بمِقدارِ الصاعِ والمُدِّ وقد ذهَبَ طائِفةٌ من العُلماءِ كابنِ قُتَيبةَ والقاضِي أبي يَعلى في تَعليقِه وجَدِّي أبي البَركاتِ إلى أنَّ صاعَ الطَّعامِ خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ، وصاعَ الماءِ ثَمانيةٌ، واحتجُّوا بحُجَجٍ منها خبَرُ عائِشةَ أنَّها كانَت تَغتسِلُ هي ورَسولُ اللهِ بالفَرقِ، والفَرقُ سِتةَ عشَرَ رِطلًا بالعِراقيِّ، والجُمهورُ على أنَّ الصاعَ والمُدَّ في الطَّعامِ والماءِ واحِدٌ، وهو أظهَرُ، وهذا مَبسوطٌ في مَوضعِه (١). وقالَ الحافِظُ زَينُ الدِّينِ العِراقيُّ ﵀ (٢): اختَلفَ العُلماءُ في مِقدارِ الصاعِ، فذهَبَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وعُلماءُ الحِجازِ إلى أنَّه خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ بالرِّطلِ البَغداديِّ، وذهَبَ أبو حَنيفةَ وصاحِبُه مُحمدٌ إلى أنَّه ثَمانيةُ أَرطالٍ بالرِّطلِ المَذكورِ، وكانَ أبو يُوسفَ يَقولُ كقَولِهما ثم رجَعَ إلى قَولِ مالِكٍ والجُمهورِ لمَّا تناظَر مع مالِكٍ بالمَدينةِ فأَراه الصِّيعانَ التي تَوارَثها أهلُ المَدينةِ عن إِسلافِهم إلى زَمنِ النَّبيِّ ﷺ ، وإِطلاقُ الصاعِ في الحَديثِ يَدلُّ على أنَّه مِكيالٌ مَعروفٌ عندَهم.

стр. 2280

وقالَ ابنُ الصَّباغِ وغيرُه من أَصحابِنا: الأصلُ فيه الكَيلُ، وإنَّما قدَّره العُلماءُ بالوَزنِ استِظهارًا. وقالَ النَّوويُّ: قد يَستشكِلُ ضَبطُ الصاعِ بالأَرطالِ، فإنَّ الصاعَ المُخرَجَ به في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ مِكيالٌ مَعروفٌ، ويَختلِفُ قَدرُه وَزنًا باختِلافِ جِنسِ ما يُخرَجُ، كالذُّرةِ والحِمَّصِ وغيرِهما، والصَّوابُ ما قالَه أبو الفَرجِ الدَّارِميُّ من أَصحابِنا من أنَّ الاعتِمادَ في ذلك على الكَيلِ دونَ الوَزنِ وأنَّ الواجِبَ أنْ تُخرَجَ بصاعٍ مُعايَرٍ بالصاعِ الذي كانَ يُخرَجُ به في عَصرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وذلك الصاعُ مَوجودٌ، ومَن لم يَجدْه وجَبَ عليه إِخراجُ قَدرٍ يَتيقَّنُ أنَّه لا يَنقصُ عنه، وعلى هذا فالتَّقديرُ بخَمسةِ أَرطالٍ وثُلثٍ تَقريبًا، وقالَ جَماعةٌ من العُلماءِ: الصاعُ أربَعُ حَفناتٍ بكفَّيْ رَجلٍ مُعتدِلِ الكفَّينِ. انتهى كَلامُ النَّوويِّ (١). قالَ الحافِظُ العِراقيُّ: وذكَرَ بعضُهم أنَّه قد حانَ بكَيلِ القاهِرةِ وقالَ ابنُ الرِّفعةِ في تَصنيفٍ له سَمَّاه الإِيضاحَ والتِّبيانَ في مَعرفةِ المِكيالِ والمِيزانِ: أحضَرَ إليَّ مَنْ يُوثَقُ به من الفُقهاءِ الوَرِعينَ مُدًّا من خَشبٍ مَخروطٍ لم يَتشقَّقْ ولم يَسقُطْ منه شَيءٌ وأخبَرني أنَّه عايَره على مُدِّ الشَّيخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَريِّ شَيخِ الحَرمِ الشَّريفِ بمَكةَ وأنَّ الشَّيخَ مُحبَّ الدِّينِ المَذكورَ ذكَرَ أنَّه عايَرَه على مُدٍّ صَحَّ عندَه بالسَّندِ أنَّه مُعايَرٌ على ما عُويِرَ على مُدِّ رَسولِ اللهِ ﷺ فامتَحنتُه بما قالَ بعضُ أَصحابِنا وغيرُهم أنَّه يَقعُ

стр. 2281

به المِعيارُ، وهو الماشُ والعدَسُ فوجَدت كَيلَه بها يَزيدُ على المِئتَينِ زِيادةً كَثيرةً فاستَحضَرتُ أنَّ الغالِبَ على الظَّنِّ أنَّ المِعيارَ إنَّما وقَعَ بالشَّعيرِ؛ لأنَّه الغالِبُ من أَقواتِ أهلِ المَدينةِ في الصَّدرِ الأولِ، كما دلَّت على ذلك الأَخبارُ فاعتُبِرت بالشَّعيرِ الصَّعيديِّ المُغربَلِ المُنقَّى من الطِّينِ، وإنْ كانَ فيه حبَّاتٌ من القَمحِ يَسيرةٌ فصَحَّ الوَزنُ المَذكورُ بكَيلِ المُدِّ المَذكورِ ثم وَزَن فجاء زِنتُه مِئةً وثَلاثةً وسَبعينَ دِرهمًا وثُلثَ دِرهمٍ بالمِصريِّ. ثم وزَنَ من الشَّعيرِ المِقدارَ المَذكورَ ووضَعَ في المُدِّ المَذكورِ فكانَ بقَدرِه من غيرِ زيادةٍ عليه، ومنه يظهرُ صِحةُ أنَّ الرِّطلَ البَغداديَّ مِئةٌ وثَلاثونَ دِرهمًا، وبه يظهَرُ أيضًا صِحةُ صَنجِ الدَّراهمِ المَوجودةِ حينَئذٍ بمِصرَ. انتَهى. وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀ في «المُغني»: الأصلُ فيه الكَيلُ، وإنَّما قدَّرَه العُلماءُ بالوَزنِ لِيُحفَظَ ويُنقَلَ، وقد رَوى جَماعةٌ عن أحمدَ أنَّه قالَ: الصاعُ وَجدتُه خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا حِنطةً، وقالَ حَنبلٌ: قالَ أحمدُ: أخَذتُ الصاعَ من ابنِ أبي النَّضرِ وقالَ أبو النَّضرِ أخَذتُه من ابنِ أبي ذِئبٍ، وقالَ: هذا صاعُ النَّبيِّ ﷺ الذي يُعرَفُ بالمَدينةِ، قالَ أحمدُ: فأخَذنا العدَسَ فعيَّرَنا به وهو أصلَحُ ما وقَفْنا عليه يُكالُ به؛ لأنَّه يَتجافى عن مَواضِعِه فكِلنا به ثم وَزنَّاه فإذا هو خَمسةُ أَرطالٍ وثُلثٌ، وقالَ: هذا أصلَحُ ما وقَفْنا عليه، وما تَبيَّنَ لنا من صاعِ النَّبيِّ ﷺ ، وإذا كانَ خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا من البُرِّ (الحِنطةِ) والعدَسِ وهما من أثقَلِ الحُبوبِ فما عداهما من أَجناسِ الفِطرةِ أخَفُّ منهما، فإذا أخرَجَ منها خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا فهي أكثَرُ من صاعٍ.

стр. 2282

وقالَ مُحمدُ بنُ الحَسنِ: إنْ أخرَجَ خَمسةَ أَرطالٍ وثُلثًا بُرًّا لم يُجزِئْه؛ لأنَّ البُرَّ يَختلِفُ فيَكونُ ثَخينًا وخَفيفًا. وقالَ الطَّحاويُّ: يُخرِجُ ثَمانيةَ أَرطالٍ مما يَستَوي كَيلُه ووَزنُه وهو الزَّبيبُ والماشُ ومُقتَضى كَلامِه أنَّه إذا أخرَجَ ثَمانيةَ أَرطالٍ مما هو أثقَلُ منهما لم يُجزِئْه حتى يَزيدَ شَيئًا يَعلَمُ به أنَّه قد بلَغَ صاعًا، والأَوْلى لمَن أخرَجَ من الثَّقيلِ بالوَزنِ أنْ يَحتاطَ فيَزيدَ شَيئًا يَعلَمُ به أنَّه قد بلَغَ صاعًا. انتَهى كَلامُ ابنِ قُدامةَ ﵀ (١). مِقدارُ الواجِبِ في التَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ في التَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ صاعٌ، لا خِلافَ بينَهم في ذلك، إلا رِوايةً عن أبي حَنيفةَ في الزَّبيبِ أنَّ مِقدارَ الواجِبِ فيه نِصفُ صاعٍ (٢). قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه صاعٌ من كلِّ جِنسٍ من الأَجناسِ الخَمسةِ إلا أبا حَنيفةَ، فإنَّه قالَ: يُجزئُ مِنْ البُرِّ خاصَّةً نِصفُ صاعٍ (٣).

стр. 2283

وقالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: فإنَّ العُلماءَ اتَّفقوا على أنَّه لا يُؤدَّى في زَكاةِ الفِطرِ من التَّمرِ والشَّعيرِ أقَلُّ من صاعٍ (١). الأدِلَّةُ: عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُخرِجُ إِذا كانَ فِينا رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ عَنْ كلِّ صَغيرٍ وَكَبيرٍ حُرٍّ أو مَملوكٍ، صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ أقِطٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ … » الحَديثَ (٢). وَجهُ الاستِدلالِ: يَدُلُّ هذا الحَديثُ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من التَّمرِ والشَّعيرِ والزَّبيبِ صاعٌ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من قَولِه: «أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ … » فهذا نَصٌّ في المُدَّعى. أمَّا الزَّبيبُ فاختَلفَت الرِّوايةُ عن أبي حَنيفةَ فيه فذكَرَ في «الجامِع الصَّغير» نِصفَ صاعٍ، ورَوى الحَسنُ وأسَدُ بنُ عَمرٍو عن أبي حَنيفةَ صاعًا من زَبيبٍ، وهو قَولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ. وَجهُ هذه الرِّوايةِ: ما رُويَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّه قالَ: «كُنا نُخرِجُ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ أقِطٍ، أو صاعًا مِنْ زَبيبٍ» (٣).

стр. 2284

ولأنَّ الزَّبيبَ لا يَكونُ مثلَ الحِنطةِ في التَّغذِّي بل يَكونُ أنقَصَ منها كالشَّعيرِ والتَّمرِ، كانَ التَّقديرُ فيه بالصاعِ كما في الشَّعيرِ والتَّمرِ. ووَجهُ رِوايةِ «الجامِعِ»: أنَّ الزَّبيبَ تَزيدُ قيمَتُه على قيمةِ الحِنطةِ في العادةِ ثم اكتُفيَ من الحِنطةِ بنِصفِ صاعٍ، فمِن الزَّبيبِ أَوْلى. قالَ الكاسانيُّ ﵀: ويُمكنُ التَّوفيقُ بينَ القولَينِ بأنْ يُجعَلَ الواجِبُ فيه بطَريقِ القيمةِ، فكانَت قيمَتُه في عَصرِ أبي حَنيفةَ مثلَ الحِنطةِ، وفي عَصرِهما كانَت قيمَتُه مثلَ الشَّعيرِ والتَّمرِ، وعلى هذا أيضًا يُحمَلُ اختِلافُ الرِّوايتَينِ عن أبي حَنيفةَ (١). مِقدارُ الواجِبِ في البُرِّ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في مِقدارِ الواجِبِ من البُرِّ في زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ نِصفُ صاعٍ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (وحَكاه ابنُ حَزمٍ وابنُ قُدامةَ وغيرُهما عن أبي بَكرٍ الصِّديقِ وعمرَ وعُثمانَ وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ وجابِرٍ وأبي هُريرةَ وابنِ عَباسٍ وابنِ الزُّبَيرِ، ومُعاويةَ وعائِشةَ وأسماءَ بِنتِ أبي بَكرٍ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وعَطاءٍ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وعُروةَ بنِ الزُّبَيرِ وأبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ (٢)، وهو أيضًا قَولُ شَيخِ الإِسلامِ

стр. 2285

ابنِ تَيميَّةَ وتِلميذِه ابنِ قَيمِ الجَوزيَّةِ ﵏ جَميعًا ورضِيَ عنهم (١). قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: القَدرُ الواجِبُ من الصَّدقةِ وذلك من البُرِّ نِصفُ صاعٍ في قَولِ عُلمائِنا (٢). وقالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا بَيانُ جِنسِ الواجِبِ وقَدرُه فهو نِصفُ صاعٍ من حِنطةٍ … عندَنا (٣). وقالَ الزَّيلَعيُّ ﵀: وهو مَذهبُ جُمهورِ الصَّحابةِ منهم الخلُفاءُ الراشِدونَ وابنُ مَسعودٍ وابنُ عباسٍ وابنُ الزُّبَيرِ وجابِرٌ وغيرُهم من كِبارِ الصَّحابةِ ﵃ أجمَعينَ، ولم يُروَ عن أحَدٍ منهم أنَّ نِصفَ صاعٍ من بُرٍّ لا يُجزِئُه فكانَ إِجماعًا (٤). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وقَدرُ الفِطرةِ صاعٌ من التَّمرِ والشَّعيرِ، وأمَّا من البُرِّ: فنِصفُ صاعٍ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وقياسُ قَولِ أحمدَ في بَقيَّةِ الكَفاراتِ (٥).

стр. 2286

وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وكان شَيخُنا ﵀ يُقوِّي هذا المَذهبَ ويَقولُ: هو قياسُ قَولِ أحمدَ في الكَفاراتِ أنَّ الواجِبَ فيها من البُرِّ نِصفُ الواجِبِ من غَيرِه (١). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لِمَذهبِهم -وهو أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ نِصفُ صاعٍ بالسُّنةِ والأثَرِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: ١ - عن عبدِ اللهِ بنِ ثَعلبةَ قالَ: خطَبَ رَسولُ اللهِ ﷺ النَّاسَ قبلَ الفِطرِ بيَومٍ -أَوْ يَومَينِ- فقالَ: «أدُّوا صاعًا مِنْ بُرٍّ، أو قَمحٍ بينَ اثنَينِ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ على كلِّ أَحدٍ صَغيرٍ أو كَبيرٍ» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ هو قَولُه ﷺ : «أدُّوا صاعًا مِنْ بُرٍّ، أو قَمحٍ بينَ اثنَينِ» وهو واضِحُ الدِّلالةِ على أنَّ الواجِبَ من البُرِّ نِصفُ صاعٍ فهو نَصٌّ في المُدَّعى. ٢ - عن الحَسنِ البَصريِّ قالَ: خطَبَ ابنُ عَباسٍ ﵁ فِي آخِرِ رَمضانَ على مِنبَرِ البَصرَةِ، فقالَ: أَخرِجوا صَدقةَ صَومِكم، فكَأنَّ النَّاسَ لَم يَعلَموا، فقالَ: «مَنْ ههُنا مِنْ أَهلِ المَدينةِ؟ قُوموا إلى إِخوانِكم فعَلِّموهم، فإِنَّهم لا يَعلَمونَ، فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ هذه الصَّدقةَ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو شَعيرٍ، أو نِصفَ صاعٍ مِنْ قَمحٍ، على كلِّ حُرٍّ أو مَملوكٍ، ذَكرٍ أو

стр. 2287

أُنثَى، صَغيرٍ أو كَبيرٍ»، فلمَّا قدِمَ عليٌّ ﵁ رَأى رُخصَ السِّعرِ، قالَ: «قد أَوسَعَ اللهُ علَيكم، فلو جعَلْتُموه صاعًا مِنْ كلِّ شَيءٍ» (١).

стр. 2288

٣ - عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ ﵀ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ مُدَّينِ مِنْ حِنطَةٍ» (١). دَلَّ هذانِ الحَديثانِ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ نِصفُ صاعٍ، ودِلالَتُهما ظاهِرةٌ على ذلك، وكَونُهما مُرسَلَينِ لا يَضرُّ؛ لأنَّ المُرسَلَ حُجةٌ عندَ بعضِ العُلماءِ. ثانيًا: الأثَرُ: ١ - عن نافِعٍ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَر ﵁ قالَ: «أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بِزَكاةِ الفِطرِ صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ»، قالَ عبدُ اللهِ ﵁: «فجعَلَ النَّاسُ عِدلَه مُدَّينِ مِنْ حِنطَةٍ» (٢). ٢ - عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: قالَ مُعاويةُ: «إنِّي أَرى أنَّ مُدَّينِ مِنْ سَمراءِ الشَّامِ، تَعدِلُ صاعًا مِنْ تَمرٍ» فأخَذَ النَّاسُ بذلك» (٣).

стр. 2289

وَجهُ الاستِدلالِ: يَدُلُّ هذانِ الأَثرانِ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ نِصفُ صاعٍ، وذلك لِما اشتَملَ عليه الأثَرُ الأولُ من قَولِ ابنِ عُمرَ ﵄: «فجعَلَ النَّاسُ عِدلَه مُدَّينِ مِنْ حِنطةٍ»، وقَولُ مُعاويةَ في الأثَرِ الثاني: «إنِّي أَرى أنَّ مُدَّينِ مِنْ سَمراءِ الشَّامِ، تَعدِلُ صاعًا مِنْ تَمرٍ» فأخَذَ النَّاسُ بذلك»، والناسُ إذْ ذاك هُمْ الصَّحابةُ، ولَفظُ الناسِ للعُمومِ فكانَ إِجماعًا، قالَ الزَّيلَعيُّ: ولا يَضرُّ مُخالَفةُ أبي سَعيدٍ لذلك بقَولِه: «فأمَّا أَنا فَلا أَزالُ أُخرِجُه كَما كُنْتُ أُخرِجُه، أَبدًا ما عِشتُ»؛ لأنَّه لا يَقدَحُ في الإِجماعِ، لا سيَّما إذا كانَ فيه الخُلفاءُ الأربَعةُ أو نَقولُ: أرادَ بالزِّيادةِ على قَدرِ الواجِبِ تَطوُّعًا، واللهُ أعلمُ (١). ٣ - عن نافِعٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قالَ: «كانَ النَّاسُ يُخرِجونَ صَدقةَ الفِطرِ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو تَمرٍ، أو سُلتٍ، أو زَبيبٍ»، قالَ: قالَ عبدُ اللهِ: فلمَّا كانَ عُمرُ ﵁، وكثُرَتِ الحِنطَةُ، جعَلَ عُمرُ نِصفَ صاعٍ حِنطَةً مَكانَ صاعٍ مِنْ تلك الأَشياءِ» (٢).

стр. 2290

٤ - عن عُثمانَ بنِ عَفانَ ﵁ قالَ: «أدُّوا زَكاةَ الفِطرِ مُدَّينِ مِنْ حِنطَةٍ» (١). ٥ - عن عليٍّ ﵁ قالَ: «على مَنْ جرَتْ عليه نَفقتُكَ نِصفُ صاعٍ مِنْ بُرٍّ، أو صاعٌ مِنْ تَمرٍ» (٢). ٦ - عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ ﵄ قالَ: «زَكاةُ الفِطرِ مُدَّانِ مِنْ قَمحٍ، أو صاعٌ مِنْ تَمرٍ أو شَعيرٍ، الحُرُّ والعبدُ سَواءٌ» (٣). ٧ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ في زَكاةِ الفِطرِ: «على كلِّ حُرٍّ وَعبدٍ، ذَكرٍ أو أُنثَى، صَغيرٍ أو كَبيرٍ، فَقيرٍ أو غَنيٍّ، صاعٌ مِنْ تَمرٍ، أو نِصفُ صاعٍ مِنْ قَمحٍ» (٤). ٨ - عن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبَيرِ «أنَّها كانَت تُخرِجُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ عَنْ أَهلِها الحُرِّ منهم والمَملوكِ مُدَّينِ مِنْ حِنطَةٍ أو صاعًا مِنْ تَمرٍ بالمُدِّ أو بالصَّاعِ الذي يَقتاتُونَ به» (٥).

стр. 2291

فهذه الآثارُ كلُّها واضِحةٌ في أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ نِصفُ صاعٍ، وهي صَريحةٌ في ذلك، ودِلالَتُها عليه ظاهِرةٌ. ثالثًا: المَعقولُ: هو قياسُ المِقدارِ الواجِبِ في زَكاةِ الفِطرِ على المِقدارِ الواجِبِ في كَفارةِ الأَذى، بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما كِفايةُ المِسكينِ في يَومٍ، والواجِبُ في كَفارةِ الأَذى نِصفُ صاعٍ، وهو ثابِتٌ بالنَّصِّ (١)، فكذلك الواجِبُ في زَكاةِ الفِطرِ (٢)؛ لأنَّها من جِنسِ الكَفاراتِ. القَولُ الثاني: مِقدارُ الواجِبِ من البُرِّ، صاعٌ وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ، وهو مَرويٌّ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ والحَسنِ وأبي العالِيةِ وإِسحاقَ (٣).

стр. 2292

قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الواجِبُ في صَدقةِ الفِطرِ صاعٌ عن كلِّ إِنسانٍ، لا يُجزِئُ أقَلُّ من ذلك من جَميعِ أَجناسِ المُخرَجِ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وإِسحاقُ، ورُوي ذلك عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ والحَسنِ وأبي العالِيةِ (١). وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا في قَدرِ الواجِبِ من كلٍّ، فاتَّفقوا على أنَّه صاعٌ من كلِّ جِنسٍ من الأَجناسِ الخَمسةِ، إلا أَبا حَنيفةَ، فإنَّه قالَ: يُجزِئُ عن البُرِّ خاصَّةً نِصفُ صاعٍ (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: واختلَفوا في البُرِّ فقال مالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُهما: لا يُجزِئُ من البُرِّ ولا من غيرِه أقَلُّ من صاعٍ بصاعِ النَّبيِّ ﷺ وهو أربَعةُ أَمدادٍ بمُدِّه ﷺ وهو قَولُ البَصريِّينَ وبه قالَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ وإِسحاقُ بنُ راهَويْهِ (٣). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ صاعٌ- بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: ١ - عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ قالَ: «كُنا نُعطِيها فِي زَمانِ النَّبيِّ ﷺ صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو

стр. 2293

صاعًا مِنْ زَبيبٍ»، فلمَّا جاءَ مُعاوِيةُ وجاءَت السَّمراءُ، قالَ: «أُرى مُدًّا مِنْ هذا يَعدِلُ مُدَّينِ» (١). فهذا الحَديثُ يَدلُّ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ صاعٌ، وذلك من وَجهَينِ: قالَ الإمامُ النَّوويُّ: أحَدُهما: أنَّ الطَّعامَ في عُرفِ أهلِ الحِجازِ اسمٌ للحِنطةِ خاصَّةً لا سيَّما وقد قرَنَه ببَقيَّةِ المَذكوراتِ. الثاني: أنَّه ذكَرَ أشياءَ قيمَتُها مُختلِفةٌ وأوجَبَ في كلِّ نَوعٍ منها صاعًا فدَلَّ على أنَّ المُعتبَرَ صاعٌ، ولا نظَرَ إلى قيمَتِه (٢). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: ولم يَختلِفْ مَنْ ذكَرَ الطَّعامَ في هذا الحَديثِ أنَّه أرادَ به الحِنطةَ، ومنهم مَنْ لم يَذكُرْه (٣). ٢ - عن أبي هُريرةَ ﵁ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ حَضَّ على صَدقةِ رَمضانَ على كلِّ إِنسانٍ صاعٌ مِنْ تَمرٍ أو صاعٌ مِنْ شَعيرٍ أو صاعٌ مِنْ قَمحٍ» (٤).

стр. 2294

٣ - عن ابنِ أبي صُعَيرٍ عن أَبيه قالَ: قالَ ﷺ : «أدُّوا صَدقةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ بُرٍّ أو قَمحٍ عَنْ كلِّ رَأسٍ صَغيرٍ أو كَبيرٍ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى، أمَّا غَنيُّكم فيُزكِّيه اللَّهُ، وأمَّا فَقيرُكم فيَردُّ اللَّهُ عليه أَكثَرَ مِما أَعْطاه» (١). دَلَّ هذانِ الحَديثان على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ صاعٌ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ: «أو صاعٌ مِنْ قَمحٍ»، فهما نَصٌّ في المُدَّعى. ٤ - عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ﵁ قالَ: «أُمِرْنا أنْ نُعطيَ صَدقةَ رَمضانَ عَنْ الصَّغيرِ والكَبيرِ والحُرِّ والمَملوكِ صاعًا مِنْ طَعامٍ، مَنْ أدَّى بُرًّا قُبلَ منه، ومَن أدَّى شَعيرًا قُبلَ منه، ومَن أدَّى زَبيبًا قُبلَ منه، ومَن أدَّى سُلتًا قُبلَ منه»، قالَ: وأَحسَبُه قالَ: «ومَن أدَّى دَقيقًا قُبلَ منه، ومَن أدَّى سَويقًا قُبلَ منه» (٢).

стр. 2295

وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ: أنَّه اشتَملَ على بَيانِ الواجِبِ في صَدقةِ الفِطرِ وأنَّه صاعٌ من طعَامٍ، ثم فصَّلَ بعدَ ذلك أَصنافَ الطَّعامِ التي يُخرَجُ منها، وذكَرَ منها البُرَّ فدَلَّ ذلك على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من البُرِّ صاعٌ كغيرِه من الأَصنافِ. ثانيًا: المَعقولُ، وهو: قياسُ البُرِّ على غيرِه من الأَجناسِ التي تُخرَجُ في زَكاةِ الفِطرِ؛ لأنَّه جِنسٌ يُخرَجُ في صَدقةِ الفِطرِ فكانَ قَدرُه صاعًا كسائِرِ الأَجناسِ (١). وأيضًا فإنَّ الآثارَ في هذا البابِ قد اختَلفَت، والأخذُ بالاحتِياطِ في بابِ العِباداتِ واجِبٌ والاحتِياطُ في إِتمامِ الصاعِ (٢). أمَّا ما استَدلَّ به الجُمهورُ من أنَّ المِقدارَ الواجِبَ في البُرِّ صاعٌ بما رَواه أبو سَعيدٍ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ: «صاعًا من طَعامٍ»، وقَولُ النَّوويِّ وابنِ عبدِ البَرِّ من أنَّ المَقصودَ بالطَّعامِ هنا الحِنطةُ رَدَّه ابنُ المُنذِرِ ﵀ فقالَ: ظَنَّ بعضُ أَصحابِنا أنَّ قَولَه في حَديثِ أبي سَعيدٍ «صاعًا من طَعامٍ» حُجةٌ لمَن قالَ: صاعًا من حِنطةٍ، وهذا غَلطٌ منه، وذلك أنَّ أبا سَعيدٍ أجمَلَ الطَّعامَ ثم فسَّرَه (٣)، كما جاءَ ذلك في صَحيحِ البُخاريِّ عن أبي سَعيدٍ أنَّه قالَ: «كُنا نُخرِجُ فِي عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ يومَ الفِطرِ صاعًا مِنْ

стр. 2296

طَعامٍ»، وقالَ أَبُو سَعِيدٍ: «وكانَ طَعامُنا الشَّعيرَ وَالزَّبيبَ والأقِطَ والتَّمرَ» (١). ففي هذا الحَديثِ بيَّنَ أبو سَعيدٍ ﵁ المُرادَ بالطَّعامِ؛ إذْ فسَّرَه بالشَّعيرِ والزَّبيبِ والأقِطِ والتَّمرِ وهو راوِي الحَديثِ وراوِي الحَديثِ أعلمُ بمُرادِه، قالَ ابنُ المُنذِرِ: وفي قَولِه: «فلمَّا جاءَ مُعاوِيةُ وجاءَتِ السَّمراءُ» دَليلٌ على أنَّها لم تَكنْ قُوتًا لهم قبلَ هذا، فدَلَّ على أنَّها لم تَكنْ كَثيرةً ولا قُوتًا، فكيف يُتوَهَّم أنَّهم أخرَجوا ما لم يَكنْ مَوجودًا. انتَهى كَلامُه ﵀ (٢). وممَّا يَدلُّ على ذلك أيضًا ما رَواه ابنُ خُزيمةَ في صَحيحِه عن ابنِ عُمرَ قالَ: «لَم تَكنِ الصَّدقةُ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ إلَّا التَّمرَ والزَّبيبَ والشَّعيرَ، ولَم تَكنِ الحِنطةَ» (٣). قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀ بعدَ ذِكرِ طُرقِ الحَديثِ: وهذه الطُّرقُ كلُّها تدلُّ على أنَّ المُرادَ بالطَّعامِ في حَديثِ أبي سَعيدٍ غيرُ الحِنطةِ (٤). مِقدارُ الواجِبِ في الأقِطِ: اختَلفَ العُلماءُ في مِقدارِ الواجِبِ في الأقِطِ هل الواجِبُ فيه صاعٌ أو ما يُساوي قيمَتُه قيمةَ صاعٍ؟ على قولَينِ:

стр. 2297

القَولُ الأولُ: أنَّ مِقدارَ الواجِبِ في الأقِطِ صاعٌ، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ (١). قالَ الدَّرديرُ ﵀: وهي -أي: زَكاةُ الفِطرِ- صاعٌ … من قَمحٍ أو شَعيرٍ أو سُلتٍ أو ذُرةٍ أو دَخنٍ أو أرُزٍّ أو تَمرٍ أو زَبيبٍ أو أقِطٍ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: الواجِبُ في صَدقةِ الفِطرِ صاعٌ عن كلِّ إِنسانٍ لا يُجزِئُ أقَلُّ من ذلك من جَميعِ أَجناسِ المُخرَجِ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وإِسحاقُ (٣). استُدِلَّ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ في الأقِطِ صاعٌ بالسُّنةِ: ١ - عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُخرِجُ إذْ كانَ فِينا رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ، عَنْ كلِّ صَغيرٍ، وكَبيرٍ، حُرٍّ أو مَملوكٍ، صاعًا مِنْ طَعامٍ، أو صاعًا مِنْ أقِطٍ … » (٤). ٢ - عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ صَدقةَ الفِطرِ صاعًا مِنْ شَعيرٍ، أو صاعًا مِنْ تَمرٍ، أو صاعًا مِنْ أقِطٍ» (٥).

стр. 2298

دلَّ هذانِ الحَديثانِ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من الأقِطِ في زَكاةِ الفِطرِ صاعٌ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ: «أو صاعًا مِنْ أقِطٍ»، فهما نَصٌّ في المُدَّعى. القَولُ الثاني: مِقدارُ الواجِبِ في الأقِطِ هو ما تُساوي قيمَتُه قيمةَ صاعٍ من تَمرٍ أو شَعيرٍ أو نِصفَ صاعٍ من بُرٍّ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (١). قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا الأقِطُ فتُعتبَرُ فيه القيمةُ لا يُجزِئُ إلا باعتِبارِ القيمةِ (٢). وقالَ السَّرخسيُّ ﵀: وإنْ أرادَ الأداءَ من سائِرِ الحُبوبِ أَعطَى باعتبارِ القيمةِ … وكذا من الأقِطِ يُؤدِّي باعتِبارِ القيمةِ عندَنا … فإنْ كانَت قيمَتُه قيمةَ نِصفِ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٍ من شَعيرٍ جازَ وإلا فلا (٣). استدَلَّ الحَنفيةُ لمَذهبِهم -وهو أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من الأقِطِ ما تُساوي قيمَتُه قيمةَ صاعٍ من تَمرٍ أو صاعٍ من شَعيرٍ أو نِصفِ صاعٍ من بُرٍّ- بالمَعقولِ، وهو: أنَّ الأَجناسَ التي لم يُنَصَّ عليها من النَّبيِّ ﷺ لا يَجوزُ إِثباتُ التَّقديرِ فيها؛ لأنَّ التَّقديرَ لا يَكونُ بالرأيِ. والأقِطُ لم يَثبُتْ من طَريقٍ يُوثَقُ بها.

стр. 2299

قالَ السَّرخسيُّ: وأَصحابُنا قالوا: الحَديثُ شاذٌّ لم يُنقَلْ في الآثارِ المَشهورةِ وبمِثلِه لا يَجوزُ إِثباتُ التَّقديرِ فيما تَعمُّ به البَلوى، فيَبقى الاعتِبارُ بالقيمةِ فإنْ كانَت قيمَتُه قيمةَ نِصفِ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٍ من شَعيرٍ جازَ، وإلا فلا (١). مِقدارُ الواجِبِ في الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها: اختَلفَ العُلماءُ في مِقدارِ الواجِبِ في الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها كالأرُزِّ والذُّرةِ وغيرِهما على قولَينِ: القَولُ الأولُ: مِقدارُ الواجِبِ من الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها صاعٌ، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وغيرِهم (٢). قالَ الحافِظُ العِراقيُّ ﵀: الواجِبُ إِخراجُه في زَكاةِ الفِطرِ صاعٌ من أي جِنسٍ أُخرِجَ، وبه قال مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ (٣). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اتَّفَقت نُصوصُ الشافِعيِّ والأَصحابِ على أنَّ الواجبَ في الفِطرةِ عن كلِّ إِنسانٍ صاعٌ بصاعِ رَسولِ اللهِ ﷺ (٤).

стр. 2300

وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: الواجِبُ في الفِطرةِ عن كلِّ شَخصٍ صاعٌ من أيِّ جِنسٍ أُخرِجَ، سَواءٌ البُرُّ والتَّمرُ والزَّبيبُ والشَّعيرُ وغيرُها من الأَجناسِ المُجزِئةِ، ولا يُجزِئُ دونَ صاعٍ من شَيءٍ منها، وبهذا قالَ مالِكٌ وأحمدُ وأكثَرُ العُلماءِ (١). واستُدِلَّ على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ من الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها صاعٌ بالسُّنةِ والقياسِ: أولًا: السُّنةُ: عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُخرِجُ فِي عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ يومَ الفِطرِ صاعًا مِنْ طَعامٍ»، وقالَ أَبو سَعِيدٍ: «وكانَ طَعامُنا الشَّعيرَ والزَّبيبَ والأقِطَ والتَّمرَ» (٢). ففي هذا الحَديثِ أخبَرَ أبو سَعيدٍ ﵁ أنَّهم كانوا يُخرِجونَ يومَ الفِطرِ صاعًا من طَعامٍ، والطَّعامُ اسمٌ لِما يُؤكَلُ (٣)، فيَشمَلُ كلَّ ما كانَ قُوتًا فدَلَّ ذلك على أنَّ مِقدارَ الواجِبِ في الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها صاعٌ، لدُخولِها في عُمومِ لَفظِ الطَّعامِ.

стр. 2301

ثانيًا: القياسُ: وهو قياسُ الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها على الأَجناسِ المَنصوصِ عليها، بجامِعِ القُوتيَّةِ في كلٍّ، والأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها. القَولُ الثاني: مِقدارُ الواجِبِ من الأَجناسِ غيرِ المَنصوصِ عليها هو ما تُساوي قيمَتُه قيمةَ صاعٍ من تَمرٍ أو شَعيرٍ أو نِصفِ صاعٍ من بُرٍّ، وهو الحَنفيةُ (١). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم، وهُم الحَنفيةُ -وهو أنَّ غيرَ المَنصوصِ عليه لا يُجزِئُ الإِخراجُ منه إلا باعتِبارِ القيمةِ، وهو أنْ يُخرِجَ منه ما تُساوي قيمَتُه قيمةَ المَنصوصِ عليه بالمَعقولِ: وهو أنَّ الأَجناسَ التي لم يَنُصَّ عليها لا يَجوزُ إِثباتُ التَّقديرِ فيها؛ لأنَّ التَّقديرَ لا يَكونُ بالرأيِ؛ لذلك لا يَجوزُ الإِخراجُ منها إلا عن طَريقِ القيمةِ، فإذا أرادَ المُتصدِّقُ أنْ يُخرجَ صَدقةَ الفِطرِ من العَدسِ مَثلًا فيُقوَّمُ نِصفُ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعٌ من تَمرٍ، فإنْ كانَت قيمةُ نِصفِ الصاعِ من البُرِّ والصاعِ من التَّمرِ تُساوِي عَشرةَ جُنيهاتٍ مَثلًا، أخرَج من العدَسِ ما قيمَتُه عَشرةُ جُنَيهاتٍ مَثلًا، ومِن الأرُزِّ واللَّبنِ والجُبنِ والذُّرةِ وغيرِ ذلك من الأشياءِ التي لم يَنُصَّ عليها الشارِعُ أخرَجَ ما يُعادِلُ قِيمتَه (٢).

стр. 2302

مَنْ يَملِكُ لَيلةَ العيدِ أقَلَّ من صاعٍ فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ عيالِه هل يَجبُ عليه إِخراجُه أو لا يَجِبُ؟ اختَلفَ أهلُ العِلمِ فيمَن يَملِكُ لَيلةَ العيدِ أقَلَّ من صاعٍ فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ عيالِه هل يَجبُ عليه إِخراجُه أو لا يَجِبُ؟ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: مَنْ يَملِكُ لَيلةَ العيدِ أقَلَّ من صاعٍ فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ عيالِه يَجبُ عليه إِخراجُه، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ. قالَ الدَّرديرُ ﵀: فإنْ لم يَقدِرِ الحُرُّ المُسلِمُ إلا على البَعضِ -أي: بعضِ الصاعِ أو بعضِ ما وجَب عليه إنْ وجَبَ عليه أكثَرُ- أخرَجَه وُجوبًا (١). وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: والقَولُ الثاني: أنْ يَكونَ ما وجَدَه بعدَ قُوتِه أقَلَّ من صاعٍ، فذهَبَ الشافِعيُّ، وما ذكَرَه مَنصوصًا عليه في بعضِ كُتبِه أنَّ عليه إِخراجَه لِما ذكَرْنا من أنَّ العَجزَ عن بعضِ الواجِباتِ لا يَسقطُ ما بقِيَ منها، وفيه وَجهٌ آخَرُ لبعضِ أَصحابِنا أنَّه لا يَلزمُه إِخراجُه كالكَفارةِ التي لا يَلزَمُ إِخراجُ بعضِها إذا لم يَقدِرْ على جَميعِها، وهذا غَلطٌ (٢). وقالَ البُهوتيُّ ﵀: وإنْ لم يَفضُلْ مع مَنْ وجَبَت عليه زَكاةُ الفِطرِ إلا بعضُ صاعٍ لزِمَه إِخراجُه (٣).

стр. 2303

استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّ من يَملِكُ لَيلةَ العيدِ أقَلَّ من صاعٍ فاضِلًا عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه يَجبُ عليه إِخراجُه- بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا أمَرتُكم بأمرٍ فَأتُوا منه ما استَطَعتُم» (١). ووَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على أنَّه يَجبُ على المُكلَّفِ أنْ يَأتِيَ بما يَستطيعُ مما أمَرَ به الرَّسولُ ﷺ ؛ لِما اشتَملَ عليه مِنْ قَولِه: «فَأتُوا منه ما استَطعتُم»، وهذا أمرٌ، والأمرُ يُفيدُ الوُجوبَ ما لم تُوجَدْ قَرينةٌ صادِقةٌ ولا قَرينةَ هنا، إذًا مَنْ يَملِكْ أقَلَّ من صاعٍ يَجبْ عليه إِخراجُه؛ لأنَّه ممَّا يَستطيعُ الإِتيانَ به عَملًا بهذا الحَديثِ. ثانيًا: المَعقولُ، وهو مِنْ وُجوهٍ: ١ - قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على الطَّهارةِ بالماءِ، بجامِعِ أنَّ كلًّا منهما طُهرةٌ واجِبةٌ، والطَّهارةُ تَجبُ على مَنْ قدِر على بعضِها الإِتيانُ بها، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ مَنْ قدِرَ على بعضِها لزِمَه الإِتيانُ بها (٢). ٢ - قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على سَترِ العَورةِ (٣) بجامِعِ الوُجوبِ في كلٍّ، ومَن

стр. 2304

استطاعَ ستْرَ بعضِ العَورةِ وجَبَ عليه سَترُه فكذلك زَكاةُ الفِطرِ مَنْ قدِر على بعضِ الصاعِ لزِمَه إِخراجُه. ٣ - قِياسُ زَكاةِ الفِطرِ على النَّفقةِ الواجِبةِ للفَقيرِ (١) بجامعِ الوُجوبِ في كلٍّ، ومَن قدِرَ على بعضِ النَّفقةِ وجَبَ عليه أَداؤُها فكذلك زَكاةُ الفِطرِ. ٤ - إنْ عجَزَ عن بعضِ الواجِباتِ لا يَسقطُ ما بقِيَ منها (٢) فمَن قدِرَ على بعضِ الصاعِ وجَبَ عليه إِخراجُه. القَولُ الثاني: مَنْ يَملِكْ لَيلةَ العيدِ أقَلَّ من صاعٍ فاضِلًا عن قُوتِه وقُوتِ عيالِه لا يَجبْ عليه إِخراجُه، وهو وَجهٌ للشافِعيةِ ورِوايةٌ للحنابِلةِ اختارَها ابنُ عَقيلٍ من الحَنابِلةِ (٣). أمَّا الحَنفيةُ فلم أقِفْ لهم على قَولٍ في المَسألةِ، وإنْ كانَت قَواعِدُهم تَقولُ بالقَولِ الثاني؛ لأنَّهم لا يُوجِبونَ زَكاةَ الفِطرِ إلا على مَنْ يَملِكُ نِصابًا زَكويًّا. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إنْ فضَلَ بعضُ صاعٍ فوَجهانِ مَشهورانِ أصَحُّهما عندَ الأَصحابِ: يَلزمُه إِخراجُه … واتَّفقَ الأَصحابُ على تَصحيحِ

стр. 2305

هذا الوَجهِ ونقَلَه صاحِبُ الحاوي عن الشافِعيِّ، قالَ: والوَجهُ الآخَرُ القائِلُ: بأنَّه يَلزمُه قِياسًا على بعضِ الرَّقبةِ غَلطٌ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ لم يَفضُلْ إلا بعضُ صاعٍ فهل يَلزمُه إِخراجُه؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: لا يَلزمُه، اختارَها ابنُ عَقيلٍ … والثانيةُ: يَلزمُه (٢). وقالَ المَرداويُّ ﵀: فإن فضَلَ بعضُ صاعٍ فهل يَلزمُه إِخراجُه؟ على رِوايتَينِ: إحداهُما: يَلزمُه إِخراجُه، والأُخرى: لا يَلزمُه إِخراجُه (٣). استدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّ مَنْ يَملِكُ أقَلَّ من صاعٍ فاضِلًا على قُوتِه وقُوتِ عيالِه لَيلةَ العيدِ ويَومَه لا يَجبُ عليه إِخراجُه- بالمَعقولِ: وهو قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على الكَفارةِ، بجامِعِ أنَّ كلًّا من حَقٍّ للمَساكينِ والكَفارةِ لا يَجوزُ إِخراجُ بعضِها إذا لم يَقدِرْ على جَميعِها فكذلك زَكاةُ الفِطرِ (٤). حُكمُ إِخراجِ الزِّيادةِ على الصاعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في جَوازِ إِخراجِ الزِّيادةِ على الصاعِ النَّبويِّ في زَكاةِ الفِطرِ على قولَينِ:

стр. 2306

القَولُ الأولُ: جَوازُ إِخراجِ الزِّيادةِ على الصاعِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ (١). قالَ في «نهاية الزَّينِ» على المَذهبِ الشافِعيِّ: وتُسنُّ الزِّيادةُ على الصاعِ لاحتِمالِ أنْ يَكونَ فيه شَيءٌ من العَفرِ (٢). وقالَ ابنُ مُفلحٍ ﵀: ومَن أخرَجَ فوقَ صاعٍ فأجرُه أكثَرُ (٣). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وقد تَنازعَ الفُقهاءُ في الواجِبِ المُقدَّرِ إذا زادَه كصَدقةِ الفِطرِ إذا أخرَجَ أكثَرَ من صاعٍ فجوَّزَه أكثَرُهم وهو مَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ وغيرِهم. ورُوي عن مالِكٍ كَراهةُ ذلك، وأمَّا الزِّيادةُ في الصِّفةِ فاتَّفقوا عليها، والصَّحيحُ جَوازُ الأمرَينِ؛ لقَولِه تَعالى:

стр. 2307

﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقد ثبَتَ باتِّفاقِ أهلِ العِلمِ وهو في كُتبِ الحَديثِ الصِّحاحِ وغيرِها وكُتبِ التَّفسيرِ والفِقهِ أنَّ اللهَ لمَّا أوجَبَ رَمضانَ كانَ المُقيمُ مُخيَّرًا بينَ الصَّومِ وبينَ أنْ يُطعِمَ كلَّ يَومٍ مِسكينًا، فكانَ الواجِبُ هو إِطعامَ المِسكينِ، وندَبَ سُبحانَه إلى إِطعامِ أكثَرَ من ذلك، فقال تَعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ ثم قالَ: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾ فلمَّا كانوا مُخيَّرينَ كانوا على ثَلاثِ دَرجاتٍ أَعلاها الصَّومُ، ويَليه أنْ يُطعِمَ في كلِّ يَومٍ أكثَرَ من مِسكينٍ وأَدناها أنْ يَقتصِرَ على إِطعامِ مِسكينٍ، ثم إنَّ اللهَ حتَّم الصَّومَ بعدَ ذلك وأسقَطَ التَّخييرَ في الثَّلاثةِ … إلخ (١). واستدَلَّ أَصحابُ القَولِ الأولِ -وهُم الجُمهورُ- على جَوازِ إِخراجِ الزِّيادةِ على الصاعِ في زَكاةِ الفِطرِ بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: عن أُبيِّ بنِ كَعبٍ ﵁ قالَ: «بَعثَني النَّبيُّ ﷺ مُصدِّقًا، فمَررتُ برَجلٍ فلمَّا جمَعَ لي مالَه لم أَجدْ عليه فيه إلا ابنةً مَخاضٍ، فقُلتُ له: أدِّ ابنةَ مَخاضٍ فإنَّها صَدقتُكَ، فقالَ: ذاك ما لا لَبنَ فيه ولا ظَهرَ، ولكنْ هذه ناقةٌ فَتيَّةٌ عَظيمةٌ سَمينةٌ، فخُذْها، فقُلتُ له: ما أنا بآخِذٍ ما لم أُومَرْ به، وهذا رَسولُ اللهِ ﷺ منكَ قَريبٌ، فإنْ أحبَبتَ أنْ تَأتيَه فتَعرِضَ عليه ما عَرضتَ على فافعَلْ فإنْ قبِلَه منكَ قبِلتُه، وإنْ رَدَّه عليكَ رَددتُه قالَ: فإنِّي فاعِلٌ، فخرَج معي وخرَج بالناقةِ التي عرَضَ عليَّ حتى قدِمْنا على رَسولِ اللهِ ﷺ فقالَ له: يا نَبيَّ اللهِ، أَتاني رَسولُكَ ليَأخذَ مني صَدقةَ مالِي وايمُ اللهِ ما قامَ في مالي رَسولُ اللهِ ﷺ ولا رَسولُه قَطُّ قبلَه،

стр. 2308

فجمَعْت له مالَه فزعَمَ أنَّ ما عليَّ فيه ابنةُ مَخاضٍ، وذلك ما لا لَبنَ فيه ولا ظَهْرَ، وقد عَرضتُ عليه ناقةً فَتيَّةً عَظيمةً ليَأخذَها، فأبَى عليَّ، وها هي ذِه قد جِئتُكَ بها يا رَسولَ اللهِ، خُذْها، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : «ذاك الذي عليكَ فإنْ تَطوَّعتَ بخَيرٍ آجرَك اللهُ فيه وقَبِلناه منكَ، قالَ: فها هي ذِه يا رَسولَ اللهِ قد جِئتُك بها فخُذْها، قالَ: فأمَرَ رَسولُ اللهِ بقَبضِها ودَعا له في مالِه بالبَركةِ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ على جَوازِ الزِّيادةِ في الواجِبِ قَولُه ﷺ : «فإنْ تَطوَّعت بخَيرٍ آجرَك اللهُ وقَبِلْناه منك»، فهو نَصٌّ في قَبولِ ما زادَ على الواجِبِ، وفيه زيادةُ الأجرِ: لأنَّه يَشمَلُ بعُمومِه زَكاةَ الفِطرِ. ثانيًا: المَعقولُ: وهو ما ذكَرَه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀، كما سبَقَ من قياسِ زَكاةِ الفِطرِ على فِديةِ الصيامِ. القَولُ الثاني: أنَّه يُكرهُ إِخراجُ الزِّيادةِ على الصاعِ في زَكاةِ الفِطرِ إذا قُصدَ به الاستِظهارُ على الشارِعِ، والسَّدُّ للذَّريعةِ، أمَّا إنْ لم يُقصَدْ بها الاستِظهارُ على الشارِعِ وأنَّ الإِجزاءَ لا يَتوقَّفُ عليها فلا كَراهةَ عندَئذٍ، وهو مَذهبُ المالِكيةِ (٢).

стр. 2309

قالَ الدَّرديرُ ﵀: ونُدبَ عَدمُ الزِّيادةِ على الصاعِ بل تُكرَهُ الزِّيادةُ؛ لأنَّ الشَّرعَ إذا حدَّدَ شَيئًا كانَ ما زادَ عليه بِدعةً، فتارةً تَقتَضي الفَسادَ كما في الصَّلاةِ وتارةً تَكونُ مَكروهةً كما ههنا، وكما في زِيادةِ التَّسبيحِ على ثَلاثٍ وثَلاثينَ، ومَحلُّ الكَراهةِ إنْ تَحقَّقَت الزِّيادةُ وإلا فيَتعيَّنُ أنْ يَزيدَ ما يُزيلُ به الشَّكَّ (١). وقالَ العَدويُّ ﵀: وتُكرَهُ الزيادةُ على الصاعِ إذا كانَت مُحقَّقةً وقُصدَ بها الاستِظهارُ على الشارِعِ، وأمَّا الزِّيادةُ لا على أنَّ الإِجزاءَ يَتوقَّفُ عليها فلا كَراهةَ (٢). وجاءَ في مَواهِبِ الجَليلِ للحَطابِ: ص: الصاعُ. ش: يَحتمِلُ أنْ يَكونَ مُرادُه عَدمَ زِيادةٍ على الصاعِ، ويُشيرُ بذلك لقَولِ القَرافيِّ، قيلَ لمالِكٍ: أتَرضى بالمُدِّ الأكبَرِ؟ قالَ: لا بل بمُدِّه ﵇ فإنْ أرادَ خَيرًا فعلى حِدةٍ سَدًّا لتَغييرِ المَقاديرِ الشَّرعيَّةِ. انتَهى. ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ مُرادُه عَدمَ زِيادةِ المِسكينِ على صاعٍ، كما ذكَرَ ابنُ يُونسَ ولا يُعارِضُه قَولُه بعدُ: (ودَفعٌ لمَساكينَ وآصُعٍ لواحِدٍ)؛ لأنَّ المُرادَ هنا بَيانُ المُستحَبِّ وهناك بَيانُ الجَوازِ. ويُمكنُ أنْ يَكونَ المُصنِّفُ أرادَهما معًا فيُحمَلُ كَلامُه على عَدمِ الزِّيادةِ على الصاعِ وعلى عَدمِ زيادةِ المِسكينِ على صاعٍ، مُشيرًا به لكَلامِ القَرافِيِّ وابنِ يُونسَ (٣).

стр. 2310

استدَلَّ المالِكيةُ على عَدمِ جَوازِ إِخراجِ الزِّيادةِ على الصاعِ وأنَّ هذا مَكروهٌ وبِدعةٌ بالمَعقولِ، وهو: أنَّ مِقدارَ الصاعِ مُحدَّدٌ من قِبَلِ الشارعِ، وما حُدِّد من قِبَلِ الشارعِ، فلا تَجوزُ الزِّيادةُ عليه، كما لا يَجوزُ الزيادةُ في التَّسبيحِ على ثَلاثٍ وثَلاثينَ. حُكمُ إِخراجِ صاعٍ من مَجموعةِ أَجناسٍ مُختلِفةٍ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في جَوازِ إِخراجِ صاعٍ مَجموعٍ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ على قولَينِ: القَولُ الأولُ: عَدمُ جَوازِ إِخراجِ صاعٍ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ (١). قالَ النَّوويُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ والمُصنِّفُ وسائِرُ الأَصحابِ: لا يُجزئُ في الفِطرةِ الواحِدةِ صاعٌ من جِنسَينِ سَواءٌ أَكانَ الجِنسانِ مُتماثِلَينِ أو أحدُهما من واجِبِه والآخَرُ أعلى منه (٢). استدَلَّ الشافِعيةُ على عَدمِ جَوازِ إِخراجِ صاعٍ من أَجناسٍ بالسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: السُّنةُ: عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فرَضَ زَكاةَ

стр. 2311

الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى من المُسلِمينَ» (١). دَلَّ هذا الحَديثُ على وُجوبِ إِخراجِ صاعٍ كامِلٍ من الجِنسِ الواحِدِ (٢). وذلك لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ «فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ … » وإِخراجُ صاعٍ من أَجناسٍ عُدولٍ عما أوجَبَه ﷺ فلا يَجوزُ. ثانيًا: المَعقولُ: وهو قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على كَفارةِ اليَمينِ، وكَفارةُ اليَمينِ هي إِطعامُ عشَرةِ مَساكينَ أو كِسوتُهم، فلا يُجزئُ تَبعيضُها، كأنْ يُطعِمَ خَمسةً ويَكسوَ خَمسةً، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ لا يَجوزُ تَبعيضُ الصاعِ، فيَكونُ بَعضُه شَعيرًا وبَعضُه تَمرًا مَثلًا؛ لأنَّه مَأمورٌ بواحِدٍ منهما ولم يُخرِجْ واحدًا منهما (٣). القَولُ الثاني: جَوازُ إِخراجِ صاعٍ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ إذا لم يَعدِلْ عن المَنصوصِ، وهو قَولُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ (٤). قالَ ابنُ عابدِين ﵀: يَجوزُ عِندَنا تَكميلُ جِنسٍ من جِنسٍ آخَرَ من المَنصوصِ عليه. ففي البَحرِ: لو أدَّى نِصفَ صاعِ شَعيرٍ ونِصفَ صاعِ تَمرٍ

стр. 2312

أو نِصفَ صاعِ تَمرٍ ومنًّا واحِدًا من الحِنطةِ أو نِصفَ صاعِ شَعيرٍ ورُبعَ صاعِ حِنطةٍ جازَ (١). وقالَ المَرداويُّ ﵀: ويُجزئُ إِخراجُ صاعٍ من أَجناسِ هذا المَذهبِ، نَصَّ عليه وعليه الأَصحابُ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُجزئُ إِخراجُ صاعٍ من أَجناسٍ إذا لم يَعدِلْ عن المَنصوصِ (٣). واستدَلُّوا على جَوازِ إِخراجِ صاعٍ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ بالمَعقولِ من وَجهَينِ: أحَدُهما: القياسُ على فِطرةِ العَبدِ المُشتَركِ إذا أخرَجَ كلُّ واحِدٍ من الشَّريكَينِ من جِنسٍ مُختلِفٍ عن الآخَرِ، فكذلك زَكاةَ الفِطرِ. الثاني: أنَّ الأَجناسَ يَجوزُ كلٌّ منها مُفرَدًا، فكذا مع غيرِه، لتَقارُبِ مَقصودِها واتِّحادِه (٤). حُكمُ إِخراجِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في جَوازِ إِخراجِ القيمةِ في الزَّكواتِ مُطلقًا، كما إذا وجَبَ على رَبِّ المالِ شاةٌ في غَنمِه، أو ناقةٌ في إبلِه، أو أردَبٌّ في قَمحِه، أو

стр. 2313

قِنطارٌ في ثَمرِه وفاكِهَتِه، فهل يَتحتَّمُ أنْ يُخرِجَ هذه الأشياءَ عَينَها، أو يُخيَّرُ بينَها وبينَ أداءِ قيمَتِها بالنُّقودِ مَثلًا، فإذا أخرَجَ القيمةَ أَجزأتْه وصَحَّت زَكاتُه؟ اختَلفَ في ذلك الفُقهاءُ على أَقوالٍ: فمنهم مَنْ يَمنَعُ ذلك مُطلَقًا، وهُم الشافِعيةُ والظاهِريَّةُ، ومنهم مَنْ يُجيزُ ذلك مُطلَقًا، وهُم الحَنفيةُ والثَّوريُّ والبُخاريُّ، ومنهم مَنْ يُجيزُونها في بعضِ الصُّورِ دونَ بعضٍ وهُم المالِكيةُ والحَنابِلةُ، هذا في الزَّكواتِ عُمومًا. أمَّا في زَكاةِ الفِطرِ فقد اختلَفوا فيها على ثَلاثةِ أَقوالٍ (١): القَولُ الأولُ: وهو أنَّه يَجوزُ دَفعُ القيمةِ نَقدًا في زَكاةِ الفِطرِ مُطلَقًا، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (٢) وسُفيانَ الثَّوريِّ والحَسنِ البَصريِّ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والبُخاريِّ (٣).

стр. 2314

والقَولُ الثاني: لا يَجوزُ دَفعُ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ مُطلَقًا، وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والظاهِريَّةِ وغيرِهم (١). والقَولُ الثالِثُ: يَجوزُ عندَ الحاجةِ، وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ، اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ (٢). قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفوا هل يَجوزُ فيها أنْ يُخرِجَ بَدلَ العينِ القيمةَ أو لا يَجوزُ؟ فقال مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في الزَّكواتِ بَدلَ المَنصوصِ عليه فيها، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ سَواءٌ قدِرَ على المَنصوصِ عليه أو لم يَقدِرْ.

стр. 2315

وسَببُ اختِلافِهم: هل الزَّكاةُ عِبادةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ للمَساكينِ؟ فمَن قالَ: إنَّها عِبادةٌ، قالَ: إنْ أخرَجَ من غيرِ تلك الأَعيانِ لم يَجزْ؛ لأنَّه إذا أَتى بالعِبادةِ على غيرِ الجِهةِ المَأمورِ بها فهي فاسِدةٌ، ومَن قالَ: هي حَقٌّ للمَساكينِ، لا فَرقَ عندَه بينَ القيمةِ والعَينِ. وقد قالَت الشافِعيةُ: لنا أنْ نَقولَ -وإنْ سلَّمنا أنَّها حَقٌّ للمَساكينِ-: إنَّ الشارِعَ إنَّما علَّقَ الحَقَّ بالعَينِ قَصدًا منه لتَشريكِ الفُقراءِ مع الأَغنياءِ في أَعيانِ الأَموالِ. والحَنفيةُ يَقولونَ: إنَّما خُصَّت بالذِّكرِ أَعيانُ الأَموالِ تَسهيلًا على أَربابِ الأَموالِ؛ لأنَّ كلَّ ذي مالٍ إنَّما يَسهُلُ عليه الإِخراجُ من نَوعِ المالِ الذي بينَ يدَيه، ولذلك جاءَ في بعضِ الأثَرِ أنَّه جعَلَ في الدِّيَةِ على أهلِ الحُلَلِ حُللًا، على ما يَأتي في كِتابِ الحُدودِ (١). أدِلَّةُ كلِّ قَولٍ: أولًا: أَقوالُ القَولِ الأولِ وأدِلَّتُه، وهُم الذين قالوا بجَوازِ إِخراجِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ: قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا صِفةُ الواجِبِ فهي أنَّ وُجوبَ المَنصوصِ عليه من حيثُ إنَّه مالٌ مُتقَوَّمٌ على الإِطلاقِ، لا من حيثُ إنَّه عَينٌ، فيَجوزُ أنْ يُعطيَ عن جَميعِ ذلك القيمةَ، دَراهمَ أو دَنانيرَ أو فُلوسًا أو عُروضًا أو ما شاءَ، وهذا عندَنا.
следующие страницы →