الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ على كلِّ حُرٍّ أو عبدٍ ذَكرٍ أو أُنثَى من المُسلِمينَ» (١).
دَلَّ هذا الحَديثُ على وُجوبِ إِخراجِ صاعٍ كامِلٍ من الجِنسِ الواحِدِ (٢). وذلك لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ «فرَضَ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ … » وإِخراجُ صاعٍ من أَجناسٍ عُدولٍ عما أوجَبَه ﷺ فلا يَجوزُ.
ثانيًا: المَعقولُ:
وهو قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على كَفارةِ اليَمينِ، وكَفارةُ اليَمينِ هي إِطعامُ عشَرةِ مَساكينَ أو كِسوتُهم، فلا يُجزئُ تَبعيضُها، كأنْ يُطعِمَ خَمسةً ويَكسوَ خَمسةً، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ لا يَجوزُ تَبعيضُ الصاعِ، فيَكونُ بَعضُه شَعيرًا وبَعضُه تَمرًا مَثلًا؛ لأنَّه مَأمورٌ بواحِدٍ منهما ولم يُخرِجْ واحدًا منهما (٣).
القَولُ الثاني: جَوازُ إِخراجِ صاعٍ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ إذا لم يَعدِلْ عن المَنصوصِ، وهو قَولُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ (٤).
قالَ ابنُ عابدِين ﵀: يَجوزُ عِندَنا تَكميلُ جِنسٍ من جِنسٍ آخَرَ من المَنصوصِ عليه. ففي البَحرِ: لو أدَّى نِصفَ صاعِ شَعيرٍ ونِصفَ صاعِ تَمرٍ
стр. 2312
أو نِصفَ صاعِ تَمرٍ ومنًّا واحِدًا من الحِنطةِ أو نِصفَ صاعِ شَعيرٍ ورُبعَ صاعِ حِنطةٍ جازَ (١).
وقالَ المَرداويُّ ﵀: ويُجزئُ إِخراجُ صاعٍ من أَجناسِ هذا المَذهبِ، نَصَّ عليه وعليه الأَصحابُ (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُجزئُ إِخراجُ صاعٍ من أَجناسٍ إذا لم يَعدِلْ عن المَنصوصِ (٣).
واستدَلُّوا على جَوازِ إِخراجِ صاعٍ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ بالمَعقولِ من وَجهَينِ:
أحَدُهما: القياسُ على فِطرةِ العَبدِ المُشتَركِ إذا أخرَجَ كلُّ واحِدٍ من الشَّريكَينِ من جِنسٍ مُختلِفٍ عن الآخَرِ، فكذلك زَكاةَ الفِطرِ.
الثاني: أنَّ الأَجناسَ يَجوزُ كلٌّ منها مُفرَدًا، فكذا مع غيرِه، لتَقارُبِ مَقصودِها واتِّحادِه (٤).
حُكمُ إِخراجِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ:
اختَلفَ أهلُ العِلمِ في جَوازِ إِخراجِ القيمةِ في الزَّكواتِ مُطلقًا، كما إذا وجَبَ على رَبِّ المالِ شاةٌ في غَنمِه، أو ناقةٌ في إبلِه، أو أردَبٌّ في قَمحِه، أو
стр. 2313
قِنطارٌ في ثَمرِه وفاكِهَتِه، فهل يَتحتَّمُ أنْ يُخرِجَ هذه الأشياءَ عَينَها، أو يُخيَّرُ بينَها وبينَ أداءِ قيمَتِها بالنُّقودِ مَثلًا، فإذا أخرَجَ القيمةَ أَجزأتْه وصَحَّت زَكاتُه؟
اختَلفَ في ذلك الفُقهاءُ على أَقوالٍ: فمنهم مَنْ يَمنَعُ ذلك مُطلَقًا، وهُم الشافِعيةُ والظاهِريَّةُ، ومنهم مَنْ يُجيزُ ذلك مُطلَقًا، وهُم الحَنفيةُ والثَّوريُّ والبُخاريُّ، ومنهم مَنْ يُجيزُونها في بعضِ الصُّورِ دونَ بعضٍ وهُم المالِكيةُ والحَنابِلةُ، هذا في الزَّكواتِ عُمومًا.
أمَّا في زَكاةِ الفِطرِ فقد اختلَفوا فيها على ثَلاثةِ أَقوالٍ (١):
القَولُ الأولُ: وهو أنَّه يَجوزُ دَفعُ القيمةِ نَقدًا في زَكاةِ الفِطرِ مُطلَقًا، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ (٢) وسُفيانَ الثَّوريِّ والحَسنِ البَصريِّ وعمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والبُخاريِّ (٣).
стр. 2314
والقَولُ الثاني: لا يَجوزُ دَفعُ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ مُطلَقًا، وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والظاهِريَّةِ وغيرِهم (١).
والقَولُ الثالِثُ: يَجوزُ عندَ الحاجةِ، وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ، اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ (٢).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَفوا هل يَجوزُ فيها أنْ يُخرِجَ بَدلَ العينِ القيمةَ أو لا يَجوزُ؟ فقال مالِكٌ والشافِعيُّ: لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في الزَّكواتِ بَدلَ المَنصوصِ عليه فيها، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ سَواءٌ قدِرَ على المَنصوصِ عليه أو لم يَقدِرْ.
стр. 2315
وسَببُ اختِلافِهم: هل الزَّكاةُ عِبادةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ للمَساكينِ؟
فمَن قالَ: إنَّها عِبادةٌ، قالَ: إنْ أخرَجَ من غيرِ تلك الأَعيانِ لم يَجزْ؛ لأنَّه إذا أَتى بالعِبادةِ على غيرِ الجِهةِ المَأمورِ بها فهي فاسِدةٌ، ومَن قالَ: هي حَقٌّ للمَساكينِ، لا فَرقَ عندَه بينَ القيمةِ والعَينِ.
وقد قالَت الشافِعيةُ: لنا أنْ نَقولَ -وإنْ سلَّمنا أنَّها حَقٌّ للمَساكينِ-: إنَّ الشارِعَ إنَّما علَّقَ الحَقَّ بالعَينِ قَصدًا منه لتَشريكِ الفُقراءِ مع الأَغنياءِ في أَعيانِ الأَموالِ.
والحَنفيةُ يَقولونَ: إنَّما خُصَّت بالذِّكرِ أَعيانُ الأَموالِ تَسهيلًا على أَربابِ الأَموالِ؛ لأنَّ كلَّ ذي مالٍ إنَّما يَسهُلُ عليه الإِخراجُ من نَوعِ المالِ الذي بينَ يدَيه، ولذلك جاءَ في بعضِ الأثَرِ أنَّه جعَلَ في الدِّيَةِ على أهلِ الحُلَلِ حُللًا، على ما يَأتي في كِتابِ الحُدودِ (١).
أدِلَّةُ كلِّ قَولٍ:
أولًا: أَقوالُ القَولِ الأولِ وأدِلَّتُه، وهُم الذين قالوا بجَوازِ إِخراجِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ:
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا صِفةُ الواجِبِ فهي أنَّ وُجوبَ المَنصوصِ عليه من حيثُ إنَّه مالٌ مُتقَوَّمٌ على الإِطلاقِ، لا من حيثُ إنَّه عَينٌ، فيَجوزُ أنْ يُعطيَ عن جَميعِ ذلك القيمةَ، دَراهمَ أو دَنانيرَ أو فُلوسًا أو عُروضًا أو ما شاءَ، وهذا عندَنا.
стр. 2316
وقالَ الشافِعيُّ: لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ، وهو على الاختِلافِ في الزَّكاةِ.
وَجهُ قَولِه: إنَّ النَّصَّ ورَدَ بوُجوبِ أشياءَ مَخصوصةٍ، وفي تَجويزِ القيمةِ يُعتبَرُ حُكمُ النَّصِّ، وهذا لا يَجوزُ.
ولنا: أنَّ الواجِبَ في الحَقيقةِ إِغناءُ الفَقيرِ؛ لقَولِه ﷺ : «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ»، والإغناءُ يَحصلُ بالقيمةِ، بل هو أتَمُّ وأوفَرُ؛ لأنَّها أقرَبُ إلى دَفعِ الحاجةِ، وبه تَبيَّن أنَّ النَّصَّ مُعلَّلٌ بالإغناءِ، وأنَّه ليسَ في تَجويزِ القيمةِ يُعتبَرُ حُكمُ النَّصِّ في الحَقيقةِ، واللهُ المُوفِّقُ (١).
وقالَ ابنُ أبي شَيبةَ ﵀ في «مُصنَّفِه»: بابٌ: في إِعطاءِ الدَّراهمِ في زَكاةِ الفِطرِ:
قالَ: حدَّثَنا أبو أُسامَةَ عَنْ ابن عَونٍ قالَ: «سمِعتُ كِتابَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ يُقرأُ إلَى عَديٍّ بالبَصرَةِ -وعَديٌّ الوالِي-: يُؤخَذُ من أَهلِ الدِّيوانِ من أَعطِيَّاتِهم عن كلِّ إِنسانٍ نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكِيعٌ عن قُرةَ قالَ: «جاءَنا كِتابُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ في صَدقةِ الفِطرِ: نِصفُ صاعٍ عن كلِّ إِنسانٍ أو قِيمتُه نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكِيعٌ عن سُفيانَ عن هِشامٍ عَنْ الحَسنِ قالَ: «لا بَأسَ أنْ تُعطَى الدَّراهمُ في صَدقةِ الفِطرِ».
стр. 2317
وقالَ: حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن زُهَيرٍ قالَ: سَمِعتُ أَبا إِسحاقَ يَقولُ: «أَدرَكتُهم وهم يُعطُونَ في صَدقةِ رَمضانَ الدَّراهمَ بقِيمةِ الطَّعامِ» (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وقالَ الثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ: يَجوزُ، وقد رُويَ ذلك عن عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ والحَسنِ، وقد رُويَ عن أحمدَ مِثلُ قَولِهم فيما عدا الفِطرةِ (٢).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: وهو الظاهِرُ من مَذهبِ البُخاريِّ في صَحيحِه (٣).
وقالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: ولِهذا المَذهبِ احتَجَّ البُخاريُّ، على كَثرةِ مُخالَفتِه لِأبي حَنيفةَ، لكنَّ اتِّباعَ الأَحاديثِ قادَه إلى مُوافَقتِه (٤).
قالَ ابنُ رَشيدٍ: وافَقَ البُخاريُّ في هذه المَسألةِ الحَنفيةَ مع كَثرةِ مُخالَفتِه لهم، لكنْ قادَه إلى ذلك الدَّليلُ (٥).
أدِلَّةُ هذا الفَريقِ:
الدَّليلُ الأولُ:
ما رُويَ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «أَغْنوهم -أي: الفُقراءَ والمَساكينَ- عَنْ الطَّوافِ فِي هذا اليَومِ» (٦).
стр. 2318
فالمَقصودُ من هذا الحَديثِ هو دَفعُ حاجةِ الفُقراءِ والمَساكينِ وإِغناؤُهم، ولا يَختلِفُ ذلك بعدَ اتِّحادِ قَدرِ الماليَّةِ مع اختِلافِ صُورِ الأَموالِ، والإغناءُ يَتحقَّقُ بالقيمةِ كما يَتحقَّقُ بالطَّعامِ، ورُبَّما كانَت؛ إذ كَثرةُ الطَّعامِ عندَ الفَقيرِ تُحوِجُه إلى بَيعِها، والقيمةُ تُمكِّنُه من شِراءِ ما يَلزمُه من الأطعِمةِ والمَلابِسِ وسائِرِ الحاجاتِ.
قالَ السَّرخَسيُّ ﵀: والإغناءُ يَحصلُ بأداءِ القيمةِ كما يَحصلُ بأداءِ (الطَّعامِ) ورُبَّما يَكونُ سَدُّ الخَلةِ بأداءِ القيمةِ أظهَرَ ولا نَقولُ بأنَّ الواجِبَ حَقُّ الفَقيرِ ولكنِ الواجِبُ حَقُ اللهِ تعالَى خالِصًا، ولكنَّه مَصروفٌ إلى الفَقيرِ ليَكونَ كِفايةً له من اللهِ تعالَى عما وعَدَ له من الرِّزقِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّ الفَقيرِ أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِه له، فكانَ هذا نَظيرَ الجِزيةِ فإنَّها وجَبَت لكِفايةِ المُقاتِلةِ فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّهم أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِهم حتى تَتأدَّى بالقِيمةِ (١).
وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: فإنْ أَعطَى قيمةَ الحِنطةِ جازَ عندَنا؛ لأنَّ المُعتبَرَ حُصولُ الغِنى، وذلك يَحصلُ بالقيمةِ كما يَحصلُ بالحِنطةِ.
стр. 2319
وكانَ الفَقيهُ أبو جَعفرٍ ﵀ يَقولُ: أداءُ القيمةِ أفضَلُ؛ لأنَّه أقرَبُ إلى مَنفعةِ الفَقيرِ فإنَّه يَشتَري به لِلحالِ ما يَحتاجُ إليه، والتَّنصيصُ على الحِنطةِ والشَّعيرِ كانَ لأنَّ البِياعاتِ في ذلك الوَقتِ بالمَدينةِ يَكونُ بها، فأمَّا في دِيارِنا فالبِياعاتُ تَجري بالنُّقودِ، وهي أعَزُّ الأَموالِ، فالأداءُ منها أفضَلُ (١).
قالَ أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: وأَجازَ أَصحابُنا إِعطاءَ قيمةِ الطَّعامِ؛ لِما ثبَتَ أنَّ المَقصِدَ فيه حُصولُ النَّفعِ للمَساكينِ بهذا القَدرِ من المالِ ويَحصُلُ لهم من النَّفعِ بالقيمةِ مِثلُ حُصولِه بالطَّعامِ … ومع ذلك ليسَ يَمتنِعُ إِطلاقُ الاسمِ على من أَعطى غيرَه دَراهمَ يَشتَري بها ما يَأكلُه ويَلبسُه بأنْ يُقالَ: قد أطعَمَه وكَساه، وإذا كانَ إِطلاقُ ذلك سائِغًا انتَظمَه اللَّفظُ … ألَا تَرى أنَّ حَقيقةَ الإِطعامِ أنْ يُطعِمَه إيَّاه بأنْ يُبِيحَه له فيَأكلَه، ومع ذلك لو ملَّكَه إيَّاه ولم يَأكلْه المِسكينُ وباعَه أجزَأَه، وإنْ لم يَتناوَلْه حَقيقةُ اللَّفظِ بحُصولِ المَقصِدِ في وُصولِ هذا القَدرِ من المالِ إليه، وإنْ لم يُطعِمْه ولم يَنتفِعْ به مِنْ جِهةِ الأكلِ، وكذلك لو أَعطاه كِسوةً فلم يَكتَسِ بها وباعَها، وإنْ لم يَكنْ له كاسيًا بإِعطائِه؛ إذْ كانَ مُوصِّلًا إليه هذا القَدرَ من المالِ بإِعطائِه إيَّاه، ثبَتَ بذلك أنَّه ليسَ المَقصِدُ حُصولَ المَطعَمِ … وأنَّ المَقصِدَ وُصولُه إلى هذا القَدرِ من المالِ، فلا يَختلِفُ حينَئذٍ حُكمُ الدَّراهمِ والطَّعامِ، ألَا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدَّرَ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفَ صاعٍ من بُرٍّ أو صاعًا
стр. 2320
من تَمرٍ أو شَعيرٍ ثم قالَ: «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ»، فأخبَر أنَّ المَقصودَ حُصولُ الغِنى لهم عن المَسألةِ لا مِقدارُ الطَّعامِ بعَينِه؛ إذْ كانَ الغِنى عن المَسألةِ يَحصلُ بالقيمةِ كحُصولِه بالطَّعامِ، فإنْ قالَ قائِلٌ: لو جازَتِ القيمةُ وكانَ المَقصِدُ فيه حُصولَ هذا القَدرِ من المالِ للمَساكينِ لَما كانَ لذِكرِ الإِطعامِ فائِدةٌ مع تَفاوُتِ قيمَتِها في أكثَرِ الأَحوالِ، وفي ذِكرِه الطَّعامَ دِلالةٌ على أنَّه غيرُ جائِزٍ أنْ يَتعدَّاه إلى القيمةِ، وأنَّه ليسَ المَقصِدُ حُصولَ النَّفعِ بهذا القَدرِ من المالِ دونَ عَينِ الطَّعامِ، قيلَ له: ليسَ الأمرُ على ما ظَننتَ، وفي ذِكرِه الطَّعامَ أعظَمُ الفَوائِدِ، وذلك أنَّه ذكَرَها ودَلَّنا بما ذكَرَ على جَوازِ إِعطاءِ قيمَتِها ليَكونَ مُخيَّرًا بينَ أنْ يُعطيَ حِنطةً أو يُعطيَ دَراهمَ قِيمةً عن الحِنطةِ، فيَكونَ مُوسِّعًا في العُدولِ عن الأرفَعِ إلى الأوكَسِ إنْ تَفاوتَت القيمَتانِ أو عن الأوكَسِ إلى الأرفَعِ، أو يُعطيَ أيَّ المَذكورَينِ بأَعيانِهما كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «ومَن وجَبَت في إبلِه بِنتُ لَبونٍ فلم تُوجَدْ أُخذَ منه بِنتُ مَخاضٍ وشاتانِ أو عِشرونَ دِرهمًا» (١) فخيَّرَه في ذلك، وهو يَقدرُ على أنْ يَشتريَ بنتَ لَبونٍ وهي الفَرضُ المَذكورُ، وكما جعَلَ الدِّيةَ مِئةً من الإبلِ، واتَّفقَت الأُمةُ على أنَّها من الدَّراهمِ والدَّنانيرِ أيضًا قيمةً للإبلِ على اختِلافِهم فيها، وكمَن تَزوَّجَ امرأةً على عَبدٍ وسَطٍ فإنْ جاءَ به
стр. 2321
بعَينِه قُبِل منه، وإنْ جاءَ بقيمَتِه قُبلَت منه أيضًا، ولم يُبطِلْ جَوازَ أخذِ القيمةِ في هذه المَواضِعِ حُكمُ التَّسميةِ لغيرِها، فكذلك ما وصَفْنا (١).
وعن ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرَةً للصَّائمِ من اللَّغوِ والرَّفثِ وطُعمَةً للمَساكينِ» (٢).
قالوا: فبالنَّظرِ إلى المَعنى العامِّ لمَعنى الزَّكاةِ، وهو قَولُه ﷺ : «طُهرَةً للصَّائمِ وطُعمَةً للمَساكينِ»، وقَولُه: «أَغْنوهُم عَنْ الطَّوافِ فِي هذا اليَومِ» (٣). وجَدْنا إِشارةً إلى جَوازِ إِخراجِها من كلِّ ما هو طُعمةٌ للمَساكينِ، ولا نَحدُّه بحَدٍّ أو نُقيِّدُه بصِنفٍ، فإِلحاقُ غيرِ المَنصوصِ بالمَنصوصِ بجامِعِ العِلةِ مُتَّجهٌ (٤).
مُناقَشةُ هذا الاستِدلالِ:
قالَ الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: ولَعلَّ بعضَ من لا يُدرِكُ غَرضَ الشافِعيِّ ﵁ يَتساهَلُ في ذلك ويَلحَظُ المَقصودَ من سَدِّ الخَلةِ وما أبعَدَه عن التَّحصيلِ، فإنَّ سَدَّ الخَلةِ مَقصودٌ وليسَ هو كلَّ المَقصودِ، بل واجِباتُ الشَّرعِ ثَلاثةُ أَقسامٍ:
قِسمٌ هو تَعبُّدٌ مَحضٌ لا مَدخَلَ للحُظوظِ والأَغراضِ فيه.
стр. 2322
وذلك كرَميِ الجَمراتِ مَثلًا، إذ لا حَظَّ للجَمرةِ في وُصولِ الحَصى إليها، فمَقصودُ الشَّرعِ فيه الابتِلاءُ بالعَملِ ليُظهِرَ العَبدُ رِقَّه وعُبوديَّتَه بفِعلِ ما لا يُعقَلُ له مَعنًى؛ لأنَّ ما يُعقَلُ مَعناه قد يُساعِدُه الطَّبعُ عليه ويَدعوه إليه، فلا يَظهَرُ به خُلوصُ الرِّقِّ والعُبوديَّةِ؛ إذِ العُبوديَّةُ تَظهَرُ بأنْ تَكونَ الحَركةُ لحَقِّ أمرِ المَعبودِ فقط، لا لمَعنًى آخَرَ، وأكثَرُ أعمالِ الحَجِّ كذلك، ولذلك قالَ ﷺ في إِحرامِه: «لبَّيكَ بحَجةٍ حقًّا تَعبُّدًا ورِقًّا» حَديثُ «لبَّيكَ بحَجةٍ حقًّا تَعبُّدًا ورِقًّا» أخرَجه البزَّارُ والدَّارقُطنيُّ في «العِلل» من حَديثِ أنَسٍ تَنبيهًا على أنَّ ذلك إِظهارٌ للعُبوديَّةِ بالانقِيادِ لمُجرَّدِ الأمرِ وامتِثالِه كما أمَرَ من غيرِ استِئناسِ العَقلِ منه بما يَميلُ إليه ويَحثُّ عليه.
القِسمُ الثاني: من واجِباتِ الشَّرعِ ما المَقصودُ منه حَظٌّ مَعقولٌ وليسَ يُقصَدُ منه التَّعبُّدُ كقَضاءِ دَينِ الآدَميِّينَ ورَدِّ المَغصوبِ، فلا جَرمَ لا يُعتبَرُ فيه فِعلُه ونيَّتُه.
ومهما وصَلَ الحَقُّ إلى مُستحِقِّه بأخذِ المُستحَقِّ أو ببَدلٍ عنه عندَ رِضاه تأدَّى الوُجوبُ وسقَطَ خِطابُ الشَّرعِ.
فهذان قِسمانِ لا تَركيبَ فيهما يَشتَركُ في دَركِهما جَميعُ الناسِ.
والقِسمُ الثالِثُ: هو المُركَّبُ الذي يُقصَدُ منه الأَمرانِ جَميعًا، وهو حَظُّ العِبادِ وامتِحانُ المُكلَّفِ بالاستِعبادِ فيَجتمِعُ فيه تَعبُّدُ رَميِ الجِمارِ وحَظُّ رَدِّ الحُقوقِ، فهذا قِسمٌ في نَفسِه مَعقولٌ، فإنْ ورَدَ الشَّرعُ به وجَبَ الجَمعُ بينَ المَعنيِّين ولا يَنبَغي أنْ يَنسى أدَقَّ المَعنيَينِ وهو التَّعبُّدُ والاستِرقاقُ بسَببِ
стр. 2323
أَجلاهما، ولَعلَّ الأدَقَّ هو الأهَمُّ، والزَّكاةُ من هذا القَبيلِ ولم يَنتبِهْ له غيرُ الشافِعيِّ ﵁، فحَظُّ الفَقيرِ مَقصودٌ في سَدِّ الخَلةِ وهو جَليٌّ سابِقٌ إلى الأَفهامِ، وحَقُّ التَّعبُّدِ في اتِّباعِ التَّفاصيلِ مَقصودٌ للشَّرعِ.
وباعتِبارِه صارَت الزَّكاةُ قَرينةً للصَّلاةِ والحَجِّ في كَونِها من مَباني الإِسلامِ.
ولا شَكَّ في أنَّ على المُكلَّفِ تَعبًا في تمييزِ أَجناسِ مالِه وإِخراجِ حصَّةِ كلِّ مالٍ من نَوعِه وجِنسِه وصِفتِه ثم تَوزيعِه على الأَصنافِ الثَّمانيةِ كما سيَأتي، والتَّساهُلُ فيه غيرُ قادِحٍ في حَظِّ الفَقيرِ لكنَّه قادِحٌ في التَّعبُّدِ.
ويَدلُّ على أنَّ التَّعبُّدَ مَقصودٌ بتَعيينِ الأَنواعِ أُمورٌ ذكَرْناها في كُتبِ الخِلافِ من الفِقهيَّاتِ.
ومِن أوضَحِها أنَّ الشَّرعَ أوجَبَ في خَمسٍ من الإبلِ شاةً، فعدَلَ من الإبِلِ إلى الشاةِ ولم يَعدِلْ إلى النَّقدَينِ والتَّقويمِ، وإنْ قدَّرَ أنَّ ذلك لقلَّةِ النُّقودِ في أَيدي العَربِ بطَلَ بذِكرِه عِشرونَ دِرهمًا في الجُبرانِ مع الشاتَينِ فلم يُذكَرْ في الجُبرانِ قَدرُ النُّقصانِ من القِيمةِ، والمُقدَّرِ بعِشرينَ دِرهمًا وشاتَينِ، وإنْ كانَت الثِّيابُ والأمتِعةُ كلُّها في مَعناها.
فهذا وأمثالُه من التَّخصيصاتِ يَدلُّ على أنَّ الزَّكاةَ لم تُتركْ خاليةً عن التَّعبُّداتِ كما في الحَجِّ ولكنْ جُمعَ بينَ المَعنيَينِ، والأَذهانُ الضَّعيفةُ تَقصُرُ عن دَركِ المُركَّباتِ فهذا شأنُ الغَلطِ فيه (١).
стр. 2324
الدَّليلُ الثاني:
ما رَواه البُخاريُّ ﵀ في «صَحيحِه» عن مُعاذٍ:
قالَ البُخاريُّ: بَابُ العَرضِ في الزَّكاةِ: وقالَ طَاوُسٌ: «قالَ مُعَاذٌ ﵁ لأَهلِ اليَمنِ ائْتُونِي بعَرضٍ (١) ثِيابٍ خَميصٍ (٢) أو لَبيسٍ (٣) في الصَّدقةِ مَكانَ
стр. 2325
الشَّعيرِ وَالذُّرةِ أَهوَنُ عليكم وخَيرٌ لأَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينةِ» (١).
قالَ ابنُ رَشيدٍ (٢): وافَقَ البُخاريُّ في هذه المَسألةِ الحَنفيةَ مع كَثرةِ مُخالَفتِه لهم، لكنْ قادَه إلى ذلك الدَّليلُ (٣).
قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: احتَجَّ به أَصحابُنا في جَوازِ دَفعِ القيَمِ في الزَّكواتِ، ولِهذا قالَ ابنُ رَشيدٍ: وافَقَ البُخاريُّ في هذه المَسألةِ الحَنفيةَ مع كَثرةِ مُخالَفتِه لهم، لكنْ قادَه إلى ذلك الدَّليلُ (٤).
وقالَ ابنُ بَطالٍ ﵀: وقالَ (أي: أبو حَنيفةَ وأَصحابُه): وكانَ مُعاذٌ يَنقُلُ الصَّدقاتِ إلى المَدينةِ، فيَتولَّى رَسولُ اللهِ قِسمَتَها، فإنْ كانَت هذه الصَّدقةُ قد نقَلَها إلى المَدينةِ في حياةِ النَّبيِّ ﷺ فقسَمَها بينَ فُقراءِ المَدينةِ، فلا مَحالةَ أنَّه قد أقَرَّه على جَوازِ أخذِ البَدلِ فى الزَّكواتِ؛ لأنَّه قد علِمَ ﷺ أنَّ الزَّكواتِ ليسَ فيها ما هو من جِنسِ الثِّيابِ، وأنَّها لا
стр. 2326
تُؤخذُ إلا على وَجهِ البَدلِ، فصارَ إِقرارُه له على فِعلِه دِلالةً على الجَوازِ، وإنْ كانَ بعدَ مَوتِه فقد وضَعَها أبو بَكرٍ بحَضرةِ الصَّحابةِ في مَواضِعِها مع عِلمِهم أنَّ الثِّيابَ لا تَجبُ في الزَّكاةِ، فصارَ ذلك إِقرارًا منهم على جَوازِ أخذِ القيَمِ، فتَحصَّلَ للمسألةِ اتِّفاقٌ بينَ الصَّحابةِ (١).
مُناقَشةُ هذا الدَّليلِ:
لكنْ أجابَ الجُمهورُ عن قصَّةِ مُعاذٍ، ﵁ بعدَّةِ أجوِبةٍ. قلتُ: من جُملةِ ما قالوا:
أولًا: هو مُرسَلٌ. وقالَ الإِسماعيليُّ: حَديثُ طاوُسٍ لو كانَ صَحيحًا لَوجَبَ ذِكرُه ليُنتَهى إليه، وإنْ كانَ مُرسَلًا فلا حُجةَ فيه (٢).
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: هذا التَّعليقُ صَحيحُ الإِسنادِ إلى طاوُسٍ لكنَّ طاوُسًا لم يَسمَعْ من مُعاذٍ فهو مُنقطِعٌ، فلا يَغتَرَّ بقَولِ من قالَ، ذكَرَه البُخاريُّ بالتَّعليقِ الجازِمِ فهو صَحيحٌ عندَه؛ لأنَّ ذلك لا يُفيدُ إلا الصِّحةَ إلى مَنْ علَّقَ عنه، وأمَّا باقِي الإسنادِ فلا، إلا أنَّ إِيرادَه له في مَعرِضِ الاحتِجاجِ به يَقتَضي قُوتَه عندَه، وكأنَّه عضَّدَه عندَه الأَحاديثُ التي ذكَرَها في البابِ، وقد رَويْنا أثَرَ طاوُسٍ المَذكورَ في كِتابِ الخَراجِ ليَحيَى بنِ آدمَ من رِوايةِ ابنِ عُيينةَ عن إِبراهيمَ بنِ مَيسرةَ وعَمرِو بنِ دِينارٍ، فرَّقَهما كِلاهما عن طاوُسٍ (٣).
стр. 2327
ثانيًا: قالوا: المُرادُ بالصَّدقةِ الجِزيةُ. قالَ البَيهَقيُّ: وهذا الأليَقُ بمُعاذٍ ﵁، والأشبَهُ بما أمَرَ به النَّبيُّ ﷺ من أخْذِ الجِنسِ في الصَّدقاتِ وأخْذِ الدِّينارِ، وعَدلُه مَعافِرُ ثِيابِ اليَمنِ في الجِزيةِ. قالوا: ويَدلُّ عليه نَقلُه إلى المَدينةِ، ومَذهبُ مُعاذٍ أنَّ النَّقلَ في الصَّدقاتِ مُمتنَعٌ ويَدلُّ عليه إِضافتُها إلى المُهاجِرينَ والأَنصارِ، والجِزيةُ تُستحَقُّ بالهِجرةِ والنُّصرةِ وأمَّا الزَّكاةُ فتُستحَقُّ بالفَقرِ والمَسكنةِ (١).
وقالَ الحافِظُ: وقَولُه في الصَّدقةِ يَردُّ قَولَ من قالَ: إنَّ ذلك كانَ في الخَراجِ، وحَكى البَيهَقيُّ أنَّ بعضَهم قالَ فيه من الجِزيةِ بَدلُ الصَّدقةِ، فإنْ ثبَتَ ذلك سقَطَ الاستِدلالُ، لكنَّ المَشهورَ الأولُ، وقد رَواه ابنُ أبي شَيبةَ عن وَكيعٍ عن الثَّوريِّ عن إِبراهيمَ بنِ مَيسرةَ عن طاوُسٍ أنَّ مُعاذًا كانَ يَأخذُ العُروضَ في الصَّدقةِ وأجابَ الإِسماعيليُّ باحتِمالِ أنْ يَكونَ المَعنى: ائْتُوني به آخُذْه منكم مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ الذي آخُذُه شِراءً بما آخُذُه، فيَكونَ بقَبضِه قد بلَغَ مَحلَّه، ثم يَأخذَ مَكانَه ما يَشتَريه مما هو أوسَعُ عندَهم وأنفَعُ للآخِذِ، قالَ: ويُؤيِّدُه أنَّها لو كانَت من الزَّكاةِ لم تَكنْ مَردودةً على الصَّحابةِ، وقد أمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يَأخذَ الصَّدقةَ من أَغنيائِهم فيَرُدَّها على فُقرائِهم.
وأُجيبَ بأنَّه لا مانعَ من أنَّه كانَ يَحمِلُ الزَّكاةَ إلى الإمامِ ليَتولَّى قِسمَتها، وقد احتَجَّ به مَنْ يُجيزُ نَقلَ الزَّكاةِ من بَلدٍ إلى بَلدٍ، وهي مَسألةٌ خِلافيَّةٌ أيضًا.
стр. 2328
وقيلَ في الجَوابِ عن قصَّةِ مُعاذٍ: إنَّها اجتِهادٌ منه، فلا حُجةَ فيها، وفيه نَظرٌ؛ لأنَّه كانَ أعلَمَ الناسِ بالحَلالِ والحَرامِ، وقد بيَّنَ له النَّبيُّ ﷺ لمَّا أرسَلَه إلى اليَمنِ ما يَصنَعُ، وقيلَ: كانَت تلك واقِعةَ حالٍ، لا دِلالةَ فيها لاحتِمالِ أنْ يَكونَ عَلِم بأهلِ المَدينةِ حاجةً لذلك، وقد قامَ الدَّليلُ على خِلافِ عَملِه ذلك. وقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ: كانوا يُطلِقونَ على الجِزيةِ اسمَ الصَّدقةِ، فلعلَّ هذا منها، وتُعقِّب بقَولِه: «مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ» وما كانَت الجِزيةُ حينَئذٍ من أولئك من شَعيرٍ ولا ذُرةٍ إلا من النَّقدَينِ (١).
وقالَ العَينيُّ: وقالوا أيضًا: إنَّ قَولَه: «ائْتُونِي بعَرضٍ ثِيابٍ» مَعناه: آتُوني به آخُذْه منكم مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ اللذَينِ آخُذُهما شِراءً بما آخُذُه فيَكونُ بأخذِه قد بلَغَت مَحلَّه، ثم يَأخذُ مَكانَ ما يَشتَريه مما هو واسِعٌ عندَهم وأنفَعُ لِلآخذِ، وقالوا: لو كانَت هذه من الزَّكاةِ لم تَكنْ مَردودةً على أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينةِ دونَ غيرِهم، وكيف كانَ الوَجهُ في رَدِّه عليهم، وقد قالَ ﷺ : «تُؤخَذُ من أَغنيائِهم فتُردُّ في فُقرائِهم» (٢).
وقد رَدَّ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀ عن قَولِ الجُمهورِ هذا بقَولِه:
وأمَّا الجَوابُ عن ذلك كلِّه فهو أنَّ قَولَهم أنَّه مُرسَلٌ، فنَقولُ: المُرسَلُ حُجةٌ عندَنا.
وأنَّ قَولَهم: المُرادُ بالصَّدقةِ الجِزيةُ فالجَوابُ عنه من أربَعةِ أوجُهٍ.
стр. 2329
أولُها: أنَّه قالَ: مَكانَ الشَّعيرِ والذُّرةِ، وتلك غيرُ واجِبةٍ في الجِزيةِ بالإِجماعِ.
الثاني: أنَّ المَنصوصَ عليه لَفظُ الصَّدقةِ، كما في لَفظِ البُخاريِّ، والجِزيةُ صَغارٌ، لا صَدقةٌ، ومُسمِّيها الصَّدقةَ مُكابِرٌ.
الثالِثُ: قالَه حينَ بَعثَه رَسولُ اللهِ ﷺ لِأخذِ زَكاتِهم، وفعَلَه امتِثالًا لِما بُعثَ من أجلِه، وسَببُه هو الزَّكاةُ، فكيف يُحمَلُ على الجِزيةِ؟
الرابِعُ: أنَّ الخِطابَ مع المُسلِمينَ؛ لأنَّه يُبيِّنُ لهم ما فيه من النَّفعِ؛ لأنَّفسِهم وللمُهاجِرينَ والأَنصارِ، فلولا أنَّهم يُريدونَ المُهاجِرينَ والأَنصارَ لِما قالَ: خَيرًا لأَصحابِ النَّبيِّ ﷺ بالمَدينةِ وهُم المُهاجِرونَ والأَنصارُ؛ لأنَّ الكُفَّارَ لا يَختارونَ الخَيرَ لِلمهاجِرينَ والأَنصارِ، وأنَّ قَولَهم: مَذهبُ مُعاذٍ أنَّ النَّقلَ من الصَّدقاتِ مُمتنَعٌ، لا أصلَ له؛ لأنَّه لا يُنسَبُ إلى أحَدٍ من الصَّحابةِ مَذهبٌ في حَياةِ رَسولِ اللهِ ﷺ .
وأنَّ قَولَهم: ويَدلُّ عليه إِضافتُها إلى المُهاجِرينَ والأَنصارِ … إلى آخِرِه، ليسَ كذلك؛ لأنَّه لم يُضفِ الصَّدقةَ إليهم مُطلَقًا، بل أرادَ أنَّه خَيرٌ للفُقراءِ منهم، فكأنَّه قالَ: خَيرٌ للفُقراءِ منهم، فحَذفَ المُضافَ وأقامَ المُضافَ إليه مَقامَه وأعرَبه إِعرابَه، وما نقَلَ الزَّكاةَ إلى المَدينةِ إلاَّ بأمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، بعَثَه لذلك؛ ولأنَّه يَجوزُ نَقلُها إلى قَومٍ أحوَجَ من الفُقراءِ الذين هُمْ هناك، وفُقراءُ المُهاجِرينَ والأَنصارِ أحوَجُ للهِجرةِ وضِيقِ حالِ المَدينةِ في ذلك الوَقتِ.
стр. 2330
فإنْ قُلتَ: قد قيلَ: إنَّ الجِزيةَ كانَت يَومَئِذٍ من قَومٍ عَربٍ باسمِ الصَّدقةِ، فيَجوزُ أنْ يَكونَ مُعاذٌ أرادَ ذلك في قَولِه: في الصَّدقةِ؟
قُلتُ: قالَ السُّروجيُّ: قالَ هذا القاضِي أبو مُحمدٍ، ثم قالَ: ما أقبَحَ الجَورَ والظُّلمَ منه، وما أجهَلَه بالنَّقلِ، إنَّما جاءَت تَسميةُ الجِزيةِ بالصَّدقةِ من بَني تَغلِبَ ونَصارى العَربِ بالتِماسِهم في خِلافةِ عمرَ، رضِيَ اللهُ تعالَى عنه، قالَ: هي جِزيةٌ، فسَمُّوها ما شِئتُم، وما سَمَّاها المُسلِمونَ صَدقةً قَطُّ.
قُلتُ: قالَ الطَّرطُوشيُّ: قال مُعاذٌ: للمُهاجِرينَ والأَنصارِ بالمَدينةِ، وفي المُهاجِرينَ بَنو هاشِمٍ وبَنو عبدِ المُطَّلِبِ ولا يَحلُّ لهم الصَّدقةُ، وفي الأَنصارِ أَغنياءُ ولا يَحلُّ لهم الصَّدقةُ، فدَلَّ على أنَّ ذلك الجِزيةُ.
قُلتُ: قالَ السُّروجيُّ: رِكَّةُ ما قالَه ظاهِرةٌ جِدًّا، وهو تَعلَّقَ بحِبالِ الهَوى وخَبطةِ العَشواءِ؛ لأنَّه أرادَ بالمُهاجِرينَ والأَنصارِ من يَحلُّ له الصَّدقةُ، لا مَنْ تَحرُمُ عليه، وكذا الجِزيةُ لا تُصرَفُ إلى جَميعِ المُهاجِرينَ والأَنصارِ، بل إلى مَصارفِها المَعروفينَ. فافهَمْ.
فإنْ قُلتَ: إنَّ قصَّةَ مُعاذٍ اجتِهادٌ منه فلا حُجةَ فيها، قلتُ: كانَ مُعاذٌ أعلَمَ الناسِ بالحَلالِ والحَرامِ، وقد بيَّنَ له النَّبيُّ ﷺ لمَّا أرسَلَه إلى اليَمنِ ما يَصنَعُ به (١).
وقد رَدَّ داودُ الظاهِريُّ وابنُ حَزمٍ خبَرَ مُعاذٍ هذا مِنْ عدَّةِ وُجوهٍ.
قالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: قالَ عليٌّ: وهذا لا تَقومُ به حُجةٌ؛ لوُجوهٍ:
стр. 2331
أولُها: أنَّه مُرسَلٌ؛ لأنَّ طاوُسًا لم يُدرِكْ مُعاذًا ولا وُلدَ إلا بعدَ مَوتِ مُعاذٍ.
والثاني: أنَّه لو صَحَّ لَما كانَت فيه حُجةٌ؛ لأنَّه ليسَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، ولا حُجةَ إلا فيما جاءَ عنه ﵇.
والثالِثُ: أنَّه ليسَ فيه أنَّه قالَ ذلك في الزَّكاةِ، فالكَذبُ لا يَجوزُ، وقد يُمكِنُ لو صحَّ أنْ يَكونَ قالَه لِأهلِ الجِزيةِ، وكانَ يَأخذُ منهم الذُّرةَ والشَّعيرَ والعَرضَ مَكانَ الجِزيةِ.
والرابِعُ: أنَّ الدَّليلَ على بُطلانِ هذا الخبَرِ ما فيه من قَولِ مُعاذٍ: «خَيرٌ لِأهلِ المَدينةِ» وحاشا للهِ أنْ يَقولَ مُعاذٌ هذا، فيَجعلَ ما لم يُوجِبْه اللهُ تعالَى خَيرًا مما أوجَبه (١).
الدَّليلُ الثالِثُ:
ما رَواه الإمامُ أحمَدُ عن أبي عبدِ اللهِ الصُّنابِحيِّ قالَ: «رَأى رَسولُ اللَّهِ ﷺ في إبلِ الصَّدقةِ ناقَةً مُسنَّةً فغضِبَ، وقالَ: ما هذه؟ فقالَ: يا رَسولَ اللَّهِ إنِّي ارتَجعتُها ببَعيرَينِ من حاشيَةِ الصَّدقةِ، فسكَتَ».
وفي رِوايةٍ لِأبي يَعلى أَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أَبصَرَ ناقَةً حَسنةً فِي إبلِ الصَّدقةِ فقالَ: «قاتَلَ اللهُ صاحِبَ هذه النَّاقةِ». قالَ: يَا رَسولَ اللهِ إنِّي ارتَجعتُها ببَعيرَينِ مِنْ حَواشِي الإبلِ. فقالَ: «فنَعم إذًا» (٢).
стр. 2332
قالوا: إنَّ فيه دِلالةً على جَوازِ أخذِ القيمةِ فإنَّ أخْذَ الناقةِ ببَعيرَينِ إنَّما يَكونُ باعتِبارِ القيمةِ.
وقالَ الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: إنَّ أداءَ القيمةِ مَكانَ المَنصوصِ عليه في الزَّكاةِ والصَّدقاتِ والعُشورِ والكَفاراتِ جائِزٌ عندَنا؛ خِلافًا للشافِعيِّ ﵀ فظَنَّ بعضُ أَصحابِنا أنَّ القيمةَ بَدلٌ عن الواجِبِ حتى لقَّبوا هذه المَسألةَ بالأَبدالِ، وليسَ كذلك؛ فإنَّ المَصيرَ إلى البَدلِ لا يَجوزُ إلا عندَ عَدمِ الأصلِ، وأداءُ القيمةِ مع قيامِ عَينِ المَنصوصِ عليه في مِلكِه جائِزٌ عندَنا، حُجتُه في ذلك قَولُه ﷺ : «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ»، وهذا بَيانٌ لِما هو مُجمَلٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ الإِيتاءَ مَنصوصٌ عليه، والمُؤتَى غيرُ مَذكورٍ فالتَحقَ بَيانُه بمُجمَلِ الكِتابِ، فصارَ كأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: وآتُوا الزَّكاةَ من كلِّ أربَعينَ شاةً شاةً» فتَكونُ الشاةُ حقًّا للفَقيرِ بهذا النَّصِّ فلا يَجوزُ الاشتِغالُ بالتَّعليلِ لِإبطالِ حَقِّه من العَينِ، والمَعنى فيه أنَّ هذا حَقٌّ ماليٌّ مُقدَّرٌ بأَسنانٍ مَعلومةٍ شَرعًا فلا يَتأدَّى بالقيمةِ كالهَدايا والضَّحايا، أو يُقالُ: قُربةٌ تَعلَّقت بمَحلِّ عَينٍ فلا يَتأدَّى بغيرِه، كالسُّجودِ لِما تَعلَّقَ بالجَبهةِ والأنفِ لم يَتأدَّ بالخَدِّ والذَّقنِ، وجَوازُ أداءِ البَعيرِ عن خَمسٍ من الإبلِ عَندي باعتِبارِ النَّصِّ لا باعتِبارِ القيمةِ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «خُذْ من الإبِلِ الإبِلَ»، إلا أنَّه عندَ قلَّةِ الإبلِ أوجَبَ من خِلافِ الجِنسِ للتَّيسيرِ على أَربابِ الأَموالِ، فإذا سمَحَت نَفسُه بأداءِ البَعيرِ فقد ترَكَ هذا التَّيسيرَ، فجازَ
стр. 2333
باعتِبارِ النَّصِّ لا باعتِبارِ القيمةِ، ولنا قَولُه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فهو تَنصيصٌ على أنَّ المَأخوذَ مالٌ، وبَيانُ رَسولِ اللهِ ﷺ لِما ذُكرَ للتَّيسيرِ على أَربابِ المَواشي، لا لتَقييدِ الواجِبِ به، فإنَّ أَربابَ المَواشي تَعزُّ فيهم النُّقودُ، والأداءُ مما عندَهم أيسَرُ عليهم، ألَا تَرى أنَّه قالَ في خَمسٍ من الإبِلِ شاةٌ؟ وكَلمةُ «في» حَقيقةٌ للظَّرفِ، وعَينُ الشاةِ لا تُوجَدُ في الإبلِ فعرَفْنا أنَّ المُرادَ قَدرُها من المالِ ورَأى رَسولُ اللهِ ﷺ في إبلِ الصَّدقةِ ناقَةً كَوماءَ، فغضِبَ على المُصدِقِ، وقالَ: «ألَم أَنهَكم عن أَخذِ كَرائمِ أَموالِ الناسِ؟ فقالَ: أخَذتُها ببَعيرَينِ من إبلِ الصَّدقةِ».
وفي رِوايةٍ: «ارتَجعْتُها، فسكَتَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١)، وأخْذُ البَعيرِ ببَعيرَينِ إنَّما يَكونُ باعتِبارِ القيمةِ، وقالَ مُعاذٌ ﵁ في خُطبَتِه باليَمنِ: «ائْتُونِي بخَميسٍ آخُذُه منكم مَكانَ الصَّدقةِ، أو قالَ: مَكانَ الذُّرةِ والشَّعيرِ»، وذلك لا يَكونُ إلا باعتِبارِ القيمةِ والمَعنى فيه أنَّه ملَّك الفَقيرَ مالًا مُتقوَّمًا بنيَّةِ الزَّكاةِ فيَجوزُ، كما لو أدَّى بَعيرًا عن خَمسٍ من الإبلِ، وهذا لأنَّ المَقصودَ إِغناءُ الفَقيرِ، كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ» (٢). والإِغناءُ يَحصلُ بأداءِ القيمةِ كما يَحصلُ بأداءِ الشاةِ، ورُبَّما يَكونُ سَدُّ الخَلةِ بأداءِ القيمةِ أظهَرَ، ولا نَقولُ بأنَّ الواجِبَ حَقُّ الفَقيرِ، ولكنَّ الواجِبَ حَقُّ اللهِ تعالَى خالِصًا، ولكنَّه مَصروفٌ إلى الفَقيرِ ليَكونَ كِفايةً له من اللهِ تعالَى عما وعَدَ له من الرِّزقِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّ الفَقيرِ أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِه له، فكانَ هذا نَظيرَ الجِزيةِ، فإنَّها وجَبَت لكِفايةِ المُقاتِلةِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّهم أنَّه مَحلٌّ
стр. 2334
صالِحٌ لكِفايتِهم حتى تَتأدَّى بالقيمةِ بخِلافِ الهَدايا والضَّحايا، فإنَّ المُستحَقَّ فيها إِراقةُ الدَّمِ حتى ولو هلَكَ بعدَ الذَّبحِ قبلَ التَّصدُّقِ به لم يَلزمْه شَيءٌ، وإِراقةُ الدَّمِ ليسَ بمُتقوَّمٍ ولا مَعقولِ المَعنى، والسُّجودُ على الخَدِّ والذَّقنِ ليسَ بقُربةٍ أصلًا حتى إنَّه لا يُتنفَّلُ به ولا يُصارُ إليه عندَ العَجزِ، وما ليسَ بقُربةٍ لا يُقامُ مَقامَ القُربةِ، فأمَّا التَّصدُّقُ بالقيمةِ فقُربةٌ، وفيه سَدُّ خَلةِ الفَقيرِ فيَحصُلُ به ما هو المَقصودُ (١).
وقد ناقَشَ هذا الدَّليلَ فَضيلةُ الشَّيخِ عَطية سالِم ﵀ فقالَ: أمَّا الناقةُ الحَسنةُ التي رَآها ﷺ ، وأنَّها بَدلٌ من بَعيرَينِ، فهو من جِنسِ الاستِبدالِ بالجِنسِ عَملًا للمَصلَحةِ لم تَخرُجْ عن جِنسِ الواجِبِ (٢).
الدَّليلُ الرابِعُ:
ما رَواه البُخاريُّ ﵀ في بابِ العَرضِ في الزَّكاةِ:
قال: حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ قالَ: حدَّثَني أبي قالَ: حَدَّثَني ثُمامَةُ «أنَّ أَنسًا ﵁ حدَّثَه أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ كتَبَ له التي أمَرَ اللهُ رَسولَه ﷺ ومَن بلَغَتْ صَدقتُه بِنتَ مَخاضٍ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ، فإنْ لم يَكنْ عندَه بِنتُ مَخاضٍ على وَجهِها وعندَه ابنُ لَبونٍ فإنَّه يُقبَلُ منه وليسَ معه شَيءٌ» (٣).
стр. 2335
قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: مُطابَقتُه للتَّرجمةِ من حيثُ جَوازُ إِعطاءِ سِنٍّ من الإبلِ بَدلَ سِنٍّ أُخرى، ولمَّا صحَّ إِعطاءُ العامِلِ الجُبرانَ صحَّ العَكسُ أيضًا، ولمَّا جازَ أخذُ الشاةِ بَدلَ تَفاوُتِ سِنِّ الواجِبِ جازَ أخذُ العَرضِ بَدلَ الواجِبِ (١).
ورَواه البُخاريُّ أيضًا في بابِ مَنْ بلَغَتْ عندَه صَدقةُ بِنتِ مَخاضٍ وليسَت عندَه قالَ: «حدَّثَنا مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ قالَ: حدَّثَني أبي قالَ: حدَّثَني ثُمامَةُ أنَّ أَنسًا ﵁ حدَّثَه أنَّ أَبا بَكرٍ ﵁ كتَبَ له فَريضةَ الصَّدقةِ التي أمَرَ اللهُ رَسولَه ﷺ : مَنْ بلَغَتْ عندَه من الإبلِ صَدقةُ الجذَعةِ وليسَت عندَه جَذعَةٌ وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجعَلُ معَها شاتَينِ إنِ استَيسَرتا له أو عِشرينَ دِرهمًا، ومَن بلَغَتْ عندَه صَدقةُ الحِقَّةِ وليسَت عندَه الحِقَّةُ وعندَه الجَذعةُ فإنَّها تُقبلُ منه الجَذعةُ ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ، ومَن بلَغَتْ عندَه صَدقةُ الحِقَّةِ وليسَت عندَه إلا بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه بِنتُ لَبونٍ ويُعطِي شاتَينِ أو عِشرينَ دِرهمًا، ومَن بلَغَتْ صَدقتُه بِنتَ لَبونٍ وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ ويُعطِيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ، ومَن بلَغَتْ صَدقتُه بِنتَ لَبونٍ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ مَخاضٍ فإنَّها تُقبَلُ منه بِنتُ مَخاضٍ ويُعطِي معَها عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ» (٢).
стр. 2336
وقالَ العَينيُّ ﵀: وفي قَولِه: «أو عِشرينَ»، دَليلٌ على أنَّ دَفعَ القِيمِ في الزَّكاةِ جائِزٌ خِلافًا للشافِعيِّ، وأيضًا فإنَّ قَولَه تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]. جعَلَ فيه مَحلَّ الأخذِ ما يُسمَّى مالًا، ثم التَّقييدُ بأنَّها شاةٌ أو نَحوُها زِيادةٌ على كِتابِ اللهِ تَعالى، وأنَّه يَجري مَجرى النَّسخِ فلا يَجوزُ ذلك بخبَرِ الواحِدِ والقياسِ، وأمَّا ما ورَدَ من ذِكرِ عَينِ الشاةِ وذِكرِ عَينِ صِنفٍ من أَصنافِ الإبلِ والبَقرِ فلبَيانِ الواجِبِ بما سُمِّيَ، وتَخصيصُ المُسمَّى لبَيانِ أنَّه أيسَرُ على صاحِبِ الماشيةِ، ألَا تَرى أنَّه ﷺ لمَّا قالَ: في الخَمسِ من الإبلِ شاةٌ، وحَرفُ «في» حَقيقةً للظَّرفِ، وعَينُ الشاةِ لا تُوجَدُ في الإبلِ، عَرَفنا أنَّ المُرادَ قَدرُها من المالِ.
قالَ الخَطابيُّ: وفيه: دَليلٌ على أنَّ كلَّ واحِدةٍ من الشاةِ والعِشرينَ دِرهمًا أصلٌ في نَفسِه ليسَت ببَدلٍ، وذلك أنَّه خيَّرَه بحَرفِ: «أو».
قُلنا: لا دَليلَ له على هذا الكَلامِ، بل التَّخييرُ يَدلُّ على أنَّ الأصلَ قَدرُها من المالِ، كما قرَّرْناه (١).
مُناقَشةُ هذا الدَّليلِ:
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: ومَوضِعُ الدِّلالةِ منه قَبولُ ما هو أنفَسُ مما يَجبُ على المُتصدِّقِ، وإِعطاؤُه التَّفاوُتَ من جِنسِ غيرِ الجِنسِ الواجِبِ، وكذا العَكسُ لكنْ أجابَ الجُمهورُ عن ذلك بأنَّه لو كانَ كذلك لَكانَ يُنظَرُ إلى ما بينَ الشَّيئَينِ في القيمةِ، فكانَ العَرضُ يَزيدُ تارةً ويَنقُصُ أُخرى لاختِلافِ ذلك في الأمكِنةِ والأزمِنةِ، فلمَّا قدَّرَ الشارِعُ التَّفاوُتَ بمِقدارٍ مُعيَّنٍ لا يَزيدُ ولا يَنقُصُ
стр. 2337
كانَ ذلك هو الواجِبَ في الأصلِ في مِثلِ ذلك، ولولا تَقديرُ الشارِعِ بذلك لَتعيَّنَت بِنتُ المَخاضِ مَثلًا، ولم يَجزْ أنْ تُبدَّلَ بِنتُ لَبونٍ مع التَّفاوُتِ واللهُ أعلمُ (١).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فإذا بلَغَتْ خَمسًا وعِشرينَ ففِيها بِنتُ مَخاضٍ، فَإِنْ لم يَكنْ فيها بِنتُ مَخاضٍ فَابنُ لَبونٍ ذَكرٌ» (٢)، وفيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّه أمرَ أنْ يَأخذَ ابنَ لَبونٍ على وَجهِ البَدلِ عندَ عَدمِ بِنتِ مَخاضٍ، وأبو حَنيفةَ يُجيزُ أخْذَه على وَجهِ القيمةِ مع وُجودِ بِنتِ مَخاضٍ.
والثاني: نَصَّ على شَيئَينِ على التَّرتيبِ وأبو حَنيفةَ يُجيزُ ثالِثًا وهو القيمةُ، ويُسقِطُ التَّرتيبَ، ورُويَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «ومَن بلَغَت صَدقتُه جَذعةً وليسَت عندَه جَذعةٌ وعندَه حقَّةٌ فإنَّها تُؤخذُ منه ويَجعَلُ معها شاتَينِ إنِ استَيسَرَ، أو عِشرينَ دِرهمًا» (٣) وفيه دَليلانِ كالذي قبلَه.
стр. 2338
ثم قُدِّرَ البَدلُ من الدَّراهمِ بعِشرينَ دِرهمًا، والقيمةُ غيرُ مُقدَّرةٍ بالشَّرعِ كقِيمِ المُتلَفاتِ، وإنَّما البَدلُ مُقدَّرٌ بالشَّرعِ كالدِّياتِ، وهذا دَليلٌ ثالِثٌ من الخبَرِ، وهو أَقواها؛ ولأنَّه عدَلَ عن المَنصوصِ عليه إلى غيرِه فلم يُجزئْه كسُكنى دارِه، وهو أنْ يُسكِنَها الفُقراءَ مُدةً تَكونُ أُجرَتُها قَدرَ زَكاتِه؛ ولأنَّه إِخراجُ قيمةٍ في الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُجزِئَه، كما لو أخرَجَ نِصفَ صاعٍ تَمرًا وَسطًا عن صاعِ تَمرٍ رَديءٍ، أو أخرَجَ شاةً سَمينةً عن شاتَينِ مَهزولَتينِ؛ ولأنَّه حَقٌّ في مالٍ يُخرَجُ على وَجهِ الطُّهرةِ فلم يَجزْ إِخراجُ قيمَتِه كالعِتقِ في الكَفارةِ.
فإنْ قيلَ: هو باطِلٌ بجَزاءِ الصَّيدِ يَجوزُ عندَكم إِخراجُ قيمَتِه، قيلَ: غَلطٌ؛ لأنَّ القيمةَ ليسَت مُخرَجةً، وإنَّما يَتعذَّرُ بها البَدلُ المُخرَجُ، ألَا تَراه يُقوِّمُ الجَزاءَ دَراهمَ ثم تُصرفُ الدَّراهمُ في طَعامٍ ولا تُخرَجُ الدَّراهِمُ؟
ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مُقدَّرٍ مَأخوذٍ وهو الزَّكاةُ، ومُقدَّرٍ مَتروكٍ وهو النِّصابُ، فلمَّا ثبَتَ أنَّ القَدرَ المَتروكَ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه، وهو أنْ يَكونَ معه أربَعةٌ من الإبلِ ثَنايا تُساوي خَمسًا من الإبلِ دونَ الثَّنايا وجَبَ أنْ يَكونَ المِقدارُ المَأخوذُ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه.
وتَحريرُ ذلك قِياسًا أنَّه أحَدُ مُقدَّريِ الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُقيَّمَ غيرَ مَقامِه، وإنْ كانَ في معناه كالنِّصابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مالٍ مُزكًّى وقَدرٍ مُؤدًّى، فلمَّا كانَ المالُ المُزكَّى مُخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بعضٍ وجَبَ أنْ يَكونَ القَدرُ المُؤدَّى مَخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بَعضٍ.
стр. 2339
وتَحريرُ ذلك قِياسًا أنَّه أحَدُ نَوعَيِ الزَّكاةِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ في مالٍ مَخصوصٍ كالمالِ المُزكَّى (١).
وقالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: القَولُ في حَقيقةِ الصَّدقةِ أنَّه جُزءٌ من المالِ مُقدَّرٌ مُعيَّنٌ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: إنَّها جُزءٌ من المالِ مُقدَّرٌ، فجُوِّزَ إِخراجُ القيمةِ في الزَّكاةِ؛ إذْ زعَمَ أنَّ التَّكليفَ والابتِلاءَ إنَّما هو في نَقصِ الأَموالِ، وذُهلَ عن التَّوفيةِ لحَقِّ التَّكليفِ في تَعيينِ الناقِصِ، وأنَّ ذلك يُوازِي التَّكليفَ في قَدرِ الناقِصِ فإنَّ المالِكَ يُريدُ أنْ يَبقى مِلكُه بحالِه ويُخرِجَ من غيرِه عنه، فإذا مالَت نَفسُه إلى ذلك وعلِقَت به كانَ التَّكليفُ قَطعَ تلك العَلاقةِ التي هي بينَ القَلبِ وبينَ ذلك الجُزءِ من المالِ، فوجَبَ إِخراجُ ذلك الجُزءِ بعَينِه.
فإنْ قيلَ: فقد رَوى البُخاريُّ وغيرُه في كِتابِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ بالصَّدقةِ: «ومَن بلَغَت صَدقتُه بِنتَ مَخاضٍ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه ويُعطيه المُصدِّقُ عِشرينَ دِرهمًا أو شاتَينِ».
قُلنا: قد أجابَ عنه عُلماؤُنا بأربَعةِ أجوِبةٍ:
أحدُها: أنَّ هذا خبَرٌ واحِدٌ يُخالِفُ الأُصولَ وعندَهم إذا خالَفَ خبَرُ الواحِدِ الأُصولَ بطَلَ في نَفسِه.
الثاني: أنَّ هذا الحَديثَ لم يُخرجْ مُخرجَ التَّقويمِ بدَليلِ أنَّه لم يَقلْ: ومَن بلَغَت صَدقتُه بِنتَ مَخاضٍ وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُؤخذُ منه ويُعطَى عِشرينَ
стр. 2340
دِرهمًا، وإنَّما كانَ القياسُ أنْ يَقولَ: فإنَّها تُؤخذُ منه إذا عُرفَت قيمَتُها فلمَّا عَدلَ عن القيمةِ إلى التَّقديرِ والتَّحديدِ بتَعيينِ الشاتَينِ أو العِشرينَ دِرهمًا دَلَّ على أنَّه خرَجَ مَخرجَ العِبادةِ.
الثالِثُ: أنَّ هذا إنَّما جُوِّزَ في الجُبرانِ ضَرورةُ اختِلافِ السِّنينِ ولا ضَرورةَ إلى إِجزائِه في الأصلِ فبقِيَ على حالِه.
الرابِعُ: كِتابُ عُمرَ في الصَّدقةِ الذي رَواه مالِكٌ وعُملَ به في الأَقطارِ والأَمصارِ أَوْلى من كِتابِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ الذي لم يَجئْ إلا من طَريقٍ واحِدةٍ ولَعلَّه كانَ لقَضيَّةٍ في عَينٍ مَخصوصةٍ (١).
وقالَ فَضيلةُ الشَّيخِ عَطية سالِم ﵀: أمَّا التَّعويضُ بينَ الجَذَعةِ والمُسنَّةِ أو الحِقَّةِ إلى آخِرِه في الإبِلِ بشاتَينِ أو عِشرينَ دِرهَمًا، وهو المَنصوصُ في حَديثِ أنَسٍ في كِتابِ الأَنصباءِ المُتقدِّمِ … فليسَ في هذا دَليلٌ على قَبولِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ؛ لأنَّ نَصَّ الحَديثِ: فمَن وجَبَت عليه سِنٌّ مُعيَّنةٌ وليسَت عندَه، وعندَه أَعلى أو أنزَلُ منها فلِلعدالةِ بينَ المالِكِ والمِسكينِ جعَلَ الفَرقَ لعَدمِ الحَيفِ، ولم يَخرُجْ عن الأصلِ، وليسَ فيه أخذُ القِيمةِ مُستقلَّةً، بل فيه أخذُ المَوجودِ ثم جبْرُ الناقِصِ.
فلو كانَت القيمةُ بذاتِها وَحدَها تُجزِئُ لَصرَّحَ بها ﷺ ولا يَجوزُ هذا العَملُ إلا عندَ افتِقادِ المَطلوبِ، والأَصنافُ المَطلوبةُ في زَكاةِ الفِطرِ إذا عُدمَت أمكنَ الانتِقالَ الى المَوجودِ مما هو من جِنسِه لا إلى القيمةِ، وهذا واضِحٌ.
стр. 2341
وقالَ ابنُ حَجرٍ ﵀ في «الفَتحِ»: لو كانَت القيمةُ مَقصودةً لَاختلَفت حَسَبَ الزَّمانِ والمَكانِ، ولكنَّه تَقديرٌ شَرعيٌّ (١).
الدَّليلُ الخامِسُ:
ما قالَه الإمامُ البُخاريُّ ﵀ في بَابِ العَرضِ في الزَّكاةِ:
وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «تَصدَّقنَ ولَو من حُليِّكنَّ» (٢) قالَ البُخاريُّ: فلم يَستَثنِ صَدقةَ الفَرضِ من غيرِها، فجعَلَتِ المَرأَةُ تُلقِي خُرصَها وسِخابَها، ولم يَخُصَّ الذَّهبَ والفضَّةَ من العُروضِ (٣).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: ومَوضعُ الاستِدلالِ منه للعَرضِ قَولُه وسِخابَها؛ لأنَّه قِلادةٌ تُتَّخذُ من مِسكٍ وقَرَنفُلٍ ونحوِهما تُجعَلُ في العُنقِ، والبُخاريُّ فيما عُرفَ بالاستِقراءِ من طَريقَتِه يَتمسَّكُ بالمُطلَقاتِ تَمسُّكَ غيرِه بالعُموماتِ (٤).
وقالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: مُطابَقتُه للتَّرجمةِ في قَولِه: «خُرصَها وسِخابَها»؛ لأنَّه ﷺ أمَرَهنَّ بالصَّدقةِ ولم يُعيِّنِ الفَرضَ من غَيرِه، ثم إِلقاؤُهنَّ الخُرصَ والسِّخابَ وعَدمُ رَدِّه ﷺ إيَّاها منهُنَّ دَليلٌ على أخذِ العُروضِ في الزَّكاةِ.
стр. 2342
ويُفهَمُ من كَلامِه أنَّه لم يُفرِّقْ بينَ مَصارفِ الزَّكاةِ وبينَ مَصارفِ الصَّدقةِ؛ لأنَّ المَقصودَ منها القُربةُ، والمَصروفُ إليه الفَقيرُ والمُحتاجُ. وقالَ الإِسماعيليُّ: هذا حَثٌّ على الصَّدقةِ ولو مِنْ أنفَسِ مالٍ، وليسَ في ذلك فَرضٌ، فلو كانَ من الفَرضِ لَقالَ: أدِّينَ صَدقةَ أَموالِكنَّ.
قُلتُ: مَعنى: تَصدَّقْنَ: أدِّينَ صَدقاتِكنَّ، وهُنَّ أُمِرنَ بالصَّدقةِ، وهو يَتناوَلُ الفَرضَ والنَّفلَ، ولكنَّ هذا اللَّفظَ إذا أُطلِق يَكونُ المُرادُ منه الكَمالَ، وذلك لا يَكونُ إلَّا في الفَرضِ، ثم هذا التَّعليقُ قِطعةٌ من حَديثٍ لِابنِ عَباسٍ ﵄، أخرَجَه البُخاريُّ مَوصولًا، وقد تَقدَّمَ في العِيدَينِ في: بابِ العِلمِ الذي في المُصلَّى. قَولُه: «ولَو مِنْ حُليِّكنَّ»، أي: ولو كانَت صَدقتُكنَّ من حُليِّكنَّ، بضَمِّ الحاءِ وكَسرِ اللَّامِ وتَشديدِ الياءِ آخِرِ الحُروفِ: جَمعُ حَلْيٍ بفَتحِ الحاءِ وسُكونِ اللَّامِ، وهذا للمُبالَغةِ.
قَولُه: (فلَم يَستَثنِ صَدقةَ الفَرضِ من غيرِها) من كَلامِ البُخاريِّ. قَولُه: (خُرصَها)، بضَمِّ الخاءِ المُعجَمةِ وسُكونِ الراءِ وفي آخِرِه صادٌ مُهمَلةٌ: وهو الحَلقةُ التي تُعلَّقُ في الأُذنِ، وقالَ الكَرمانِيُّ: بكَسرِ الخاءِ أيضًا. قَولُه: (وسِخابَها)، بكَسرِ السِّينِ المُهمَلةِ وهي القِلادةُ. قَولُه: (ولم يَخصَّ) إلى آخِرِه من كَلامِ البُخاريِّ، ذكَرَه لكَيفيَّةِ استِدلالِه على أداءِ العَرضِ في الزَّكاةِ (١).
стр. 2343
ونُوقِشَ هذا الدَّليلُ:
قالَ القَسطلاَّنِيُّ ﵀: لكنَّ قَولَه: «ولَو مِنْ حُليِّكنَّ» يَدلُّ على أنَّها لم تَكنْ صَدقةً مَحدودةً على حَدِّ الزَّكاةِ، فلا حُجةَ فيه، والصَّدقةُ إذا أُطلقَت حُملَت على التَّطوُّعِ عُرفًا (١).
والجَوابُ عليه ما قالَه العَينيُّ من قَبلُ.
وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وأمَّا مِنْ وَجهِه فقالَ لمَّا أمرَ النَّبيُّ ﷺ النِّساءَ بالصَّدقةِ في ذلك اليَومِ، وأمْرُه على الوُجوبِ صارَتْ صَدقةً واجِبةً، ففيه نَظرٌ؛ لأنَّه لو كانَ للإِيجابِ هنا لَكان مُقدَّرًا وكانَت المُجازَفةُ فيه، وقَبولُ ما تَيسَّرَ غيرُ جائِزٍ (٢).
الدَّليلُ السادِسُ:
عُمومُ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]، فهو تَنصيصٌ على أنَّ المَأخوذَ مالٌ، والقيمةَ مالٌ، فأشبَهَت المَنصوصَ عليه.
قالوا: وأمَّا بَيانُ رَسولِ اللهِ لِما ذُكرَ من قَولِه: «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» (٣)، فقد قالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: فهو للتَّيسيرِ على أَربابِ
стр. 2344
المَواشي، لا لتَقييدِ الواجِبِ به، فإنَّ أَربابَ المَواشي تَعزُّ فيهم النُّقودُ والأداءُ مما عندَهم أيسَرُ عليهم.
ألَا تَرى أنَّه قالَ: «في خَمسٍ من الإبلِ شاةٌ»، وكَلِمة «في» حَقيقةٌ للظَّرفِ، وعَينُ الشاةِ لا تُوجَدُ في الإبلِ، فعَرَفنا أنَّ المُرادَ قَدرُها من المالِ «رَأى في إبلِ الصَّدقةِ ناقَةً كَوماءَ فغضِبَ على المُصدقِ وقالَ: ألَم أَنهَكُم عن أَخذِ كَرائمِ أَموالِ الناسِ؟ فقالَ: أخَذْتُها ببَعيرَينِ من إبلِ الصَّدقةِ»، وفي رِوايَةٍ: «ارْتجَعتُها، فسكَتَ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١) وأخْذُ البَعيرِ ببَعيرَينِ إنَّما يَكونُ باعتِبارِ القيمةِ.
وقالَ مُعاذٌ ﵁ في خُطبتِه باليَمنِ: «ائْتُوني بخَميسٍ آخُذْ منكم مَكانَ الصَّدقةِ، أو قالَ: مَكانَ الذُّرةِ والشَّعيرِ»، وذلك لا يَكونُ إلا باعتِبارِ القيمةِ.
стр. 2345
والمَعنى فيه أنَّه ملَّك الفَقيرَ مالًا مُتقوَّمًا بنيَّةِ الزَّكاةِ، فيَجوزُ كما لو أدَّى بَعيرًا عن خَمسٍ من الإبلِ، وهذا؛ لأنَّ المَقصودَ إِغناءُ الفَقيرِ كما قالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ» (١)، والإِغناءُ يَحصلُ بأداءِ القيمةِ كما يَحصلُ بأداءِ الشاةِ، ورُبَّما يَكونُ سَدُّ الخَلةِ بأداءِ القيمةِ أظهَرَ، ولا نَقولُ بأنَّ الواجِبَ حَقُّ الفَقيرِ، ولكنَّ الواجِبَ حَقُّ اللهِ تعالَى خالِصًا ولكنَّه مَصروفٌ إلى الفَقيرِ ليَكونَ كِفايةً له من اللهِ تعالَى عمَّا وعَدَ له من الرِّزقِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّ الفَقيرِ أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِه له، فكانَ هذا نَظيرَ الجِزيةِ؛ فإنَّها وجَبَت لِكفايةِ المُقاتِلةِ، فكانَ المُعتبَرُ في حَقِّهم أنَّه مَحلٌّ صالِحٌ لكِفايتِهم حتى تَتأدَّى بالقيمةِ بخِلافِ الهَدايا والضَّحايا، فإنَّ المُستحَقَّ فيها إِراقةُ الدَّمِ حتى لو هلَكَ بعدَ الذَّبحِ قبلَ التَّصدُّقِ به لم يَلزمْه شَيءٌ، وإِراقةُ الدَّمِ ليسَ بمُتقوَّمٍ ولا مَعقولِ المَعنى، والسُّجودُ على الخَدِّ والذَّقنِ ليسَ بقُربةٍ أصلًا حتى إنَّه لا يُتنفَّلُ به ولا يُصارُ إليه عندَ العَجزِ، وما ليسَ بقُربةٍ لا يُقامُ مَقامَ القُربةِ، فأمَّا التَّصدُّقُ بالقيمةِ فقُربةٌ، وفيه سَدُّ خَلةِ الفَقيرِ فيَحصُلُ به ما هو مَقصودٌ (٢).
стр. 2346
وقد نُوقِشَ هذا الاستِدلالُ بأنَّ السُّنةَ تُبيِّنُ القُرآنَ، وقد نَصَّ النَّبيُّ ﷺ على أَجناسٍ بعَينِها بقَولِه ﷺ : «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» (١)، وهذا بَيانٌ لما هو مُجمَلٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ الإِيتاءَ مَنصوصٌ عليه، والمُؤتَى غيرُ مَذكورٍ فالتحَقَ بَيانُه بمُجملِ الكِتابِ فصارَ كأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: «وآتُوا الزَّكاةَ من كلِّ أربَعينَ شاةً شاةً» فتَكونُ الشاةُ حَقًّا للفَقيرِ بهذا النَّصِّ، فلا يَجوزُ الاشتِغالُ بالتَّعليلِ لإبطالِ حَقِّه من العَينِ، والمَعنى فيه أنَّ هذا حَقٌّ ماليٌّ مُقدَّرٌ بأَسنانٍ مَعلومةٍ شَرعًا فلا يَتأدَّى بالقيمةِ كالهَدايا والضَّحايا، أو يُقالُ: قُربةٌ تَعلَّقَت بمَحلِّ عَينٍ فلا يَتأدَّى بغيرِه كالسُّجودِ لمَّا تَعلَّقَ بالجَبهةِ والأنفِ لم يَتأدَّ بالخَدِّ والذَّقنِ، فالقَولُ عندَئذٍ بجَوازِ القيمةِ مُخالَفةٌ للنَّصِّ، وخُروجٌ عن مَعنى التَّعبُّدِ (٢).
стр. 2347
وقالَ إمامُ الحَرمَينِ ﵀ في «الأساليب»: المُعتمَدُ في الدَّليلِ لِأَصحابِنا أنَّ الزَّكاةَ قُربةٌ للهِ تَعالى، وكلُّ ما كانَ كذلك فسَبيلُه أنْ يُتَّبعَ فيه أمرُ اللهِ تَعالى (١).
ولكنْ قد يُقالُ: إنَّ هذا سَببُ الخِلافِ في المَسألةِ هل هي قُربةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ لِلمَساكينِ، ولذلك قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم: هل الزَّكاةُ عِبادةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ لِلمَساكينِ؟
فمَن قالَ: هي عِبادةٌ قالَ: إنْ أخرَج من غيرِ تلك الأعيانِ لم يَجُزْ؛ لأنَّه إذا أتى بالعِبادةِ على غيرِ الجِهةِ المَأمورِ بها فهي فاسِدةٌ، ومَن قالَ: هي حَقٌّ لِلمَساكينِ فلا فَرقَ بينَ القيمةِ والعَينِ عندَه.
وقد قالَ الشافِعيةُ لنا أنْ نَقولَ: وإنْ سلَّمنا أنَّها حَقٌّ لِلمَساكينِ فالشارِعُ إنَّما علَّق الحَقَّ بالعَينِ قَصدًا منه لِتَشريكِ الفُقراءِ مع الأغنياءِ في أعيانِ الأَموالِ.
والحَنفيةُ تَقولُ: إنَّما خُصَّتْ بالذِّكرِ أعيانُ الأَموالِ تَسهيلًا على أربابِ الأَموالِ؛ لأنَّ كلَّ ذي مالٍ إنَّما يَسهُلُ عليه الإِخراجُ من نَوعِ المالِ الذي بينَ يدَيه، ولذلك جاءَ في بعضِ الأثَرِ أنَّه جعَلَ في الدِّيةِ على أهلِ الحُللِ حُللًا على ما يَأتي في كِتابِ الحُدودِ (٢).
стр. 2348
الدَّليلُ السابِعُ:
قالوا: إنَّ زَكاةَ الفِطرِ مِثلُ الجِزيةِ يُؤخَذُ فيها قَدرُ الواجِبِ كما تُؤخذُ عَينُه (١).
وقد نُوقشَ هذا الدَّليلُ بأنَّه لا دَليلَ فيه؛ إذْ زَكاةُ الفِطرِ فيها جانِبُ تَعبُّدٍ، وفيها ارتِباطٌ برُكنٍ في الإِسلامِ.
وأمَّا الجِزيةُ فهي عُقوبةٌ على أهلِ الذِّمةِ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ، فأيُّما أُخِذ منهم فهو وافٍ بالغَرضِ (٢).
الدَّليلُ الثامِنُ:
قالوا: ولأنَّه لمَّا جازَ العُدولُ عن العَينِ إلى الجِنسِ بالإِجماعِ، بأنْ يُخرِجَ زَكاةَ غَنمِه شاةً من غيرِ غَنمِه، أو أنْ يُخرِجَ عُشرَ أرضِه حَبًّا من غيرِ زَرعِه جازَ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ. ألَا تَرى أنَّه في حُقوقِ الآدَميِّينَ لمَّا لم يَجزِ العُدولُ من العَينِ إلى الجِنسِ لم يَجزِ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ.
وأجابَ المانِعونَ عن هذا: بأنَّ هذا قِياسُ العَكسِ، على أنَّ الواجِبَ عليه أنْ يُزكِّيَ من جِنسِ مالِه لا مِنْ عَينِ مالِه فلم يَكنْ في ذلك عادِلًا عما وجَبَ عليه إلى غيرِه وهو القيمةُ (٣).
стр. 2349
وقالَ المانِعونَ أيضًا: بأنَّ القاعِدةَ أنَّه «لا يُنتقَلُ إلى البَدلِ إلا عندَ فقد المُبدَلِ منه»، فما ذكَرَه المُجوِّزونَ مَشروطٌ بافتِقادِ العَينِ، والعُدولِ من جِنسٍ إلى جِنسٍ مَشروطٍ بافتِقادِ الجِنسِ الأولِ.
قالَ صاحِبُ «حَدائِق الأزهارِ»: «وتَجِبُ في العَينِ ثم الجِنسِ ثم القيمةِ حالَ الصَّرفِ».
قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: أقولُ: هذا صَوابٌ لِما قَدَّمنا من الأدِلَّةِ الدالةِ على وُجوبِ الزَّكاةِ في العَينِ فإذا تلِفَت العَينُ فالعُدولُ إلى الجِنسِ هو أقرَبُ إلى العَينِ من القيمةِ؛ لأنَّ جِنسَ الشَّيءِ يُوافِقُه في أغلَبِ الأَوصافِ فإذا لم يُوجَدِ الجِنسُ أجزَأتِ القيمةُ؛ لأنَّ لذلك غايةَ ما يُمكنُ من التَّخلُّصِ عن واجِبِ الزَّكاةِ (١).
لكنْ قد رَدَّ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀ بأنَّ هذا ليسَ ببَدلٍ، قالَ ﵀: ظَنَّ بعضُ أَصحابِنا أنَّ القيمةَ بَدلٌ عن الواجِبِ حتى لَقَّبوا هذه المَسألةَ بالأَبدالِ، وليسَ كذلك، فإنَّ المَصيرَ إلى البَدلِ لا يَجوزُ إلا عندَ عَدمِ الأصلِ، وأداءُ القيمةِ مع قيامِ عَينِ المَنصوصِ عليه في مِلكِه جائِزٌ عندَنا (٢).
وقد استَدلُّوا أيضًا بما رَواه ابنُ أبي شَيبةَ ﵀ في مُصنَّفِه في بابِ: في إِعطاءِ الدَّراهِمِ في زَكاةِ الفِطرِ:
стр. 2350
قال: حدَّثَنا أبو أُسَامَةَ عَنْ ابنِ عَونٍ قالَ: «سَمِعتُ كِتابَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ يُقرأُ إلى عَديٍّ بالبَصرَةِ -وعَديٌّ الوَالِي-: يُؤخَذُ من أَهلِ الدِّيوانِ من أُعطِيَّاتِهم عن كلِّ إِنسانٍ نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن قُرَّةَ قالَ: «جاءَنا كِتابُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفُ صاعٍ عن كلِّ إِنسانٍ أو قيمتُه نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن سُفْيانَ عن هِشامٍ عَنْ الحَسنِ قالَ: «لا بَأسَ أنْ تُعطَى الدَّراهمُ في صَدقةِ الفِطرِ».
وقالَ: حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن زُهَيرٍ قالَ: سمِعتُ أَبا إِسحاقَ يَقولُ: «أَدرَكتُهم وهم يُعطُونَ في صَدقةِ رَمضانَ الدَّراهمَ بقيمةِ الطَّعامِ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ:
هذا عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في عَصرِ التابِعينَ يُرسِلُ إلى عامِلِه، وعُلماءُ التابِعينَ مُتوافِرونَ، ولا يَخفى عليهم فِعلُ إمامِ المُسلِمينَ. وهذا أبو إِسحاقَ السَّبِيعيُّ -وهو من الطَّبقةِ الوُسطى من التابِعينَ أدرَكَ علِيًّا وبعضَ الصَّحابةِ ﵃ يُثبِتُ أنَّ ذلك كانَ مَعمولًا به في عَصرِهم، فقَولُه: أَدركتُهم، يَعني به الصَّحابةَ. وهذا هو الحَسنُ البَصريُّ ﵀ يَقولُ بذلك أيضًا.
ثانيًا: ذِكرُ أَقوالِ أَصحابِ القَولِ الثاني وأدِلَّتِهم وهُم الجُمهورُ القائِلونَ بعَدمِ جَوازِ إِعطاءِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ:
قالَ الإمامُ الخِرَقيُّ ﵀: «ومَن أَعطى القيمةَ لم تُجِزْئه».