وقد نُوقِشَ هذا الاستِدلالُ بأنَّ السُّنةَ تُبيِّنُ القُرآنَ، وقد نَصَّ النَّبيُّ ﷺ على أَجناسٍ بعَينِها بقَولِه ﷺ : «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» (١)، وهذا بَيانٌ لما هو مُجمَلٌ في كِتابِ اللهِ تَعالى؛ لأنَّ الإِيتاءَ مَنصوصٌ عليه، والمُؤتَى غيرُ مَذكورٍ فالتحَقَ بَيانُه بمُجملِ الكِتابِ فصارَ كأنَّ اللهَ تعالَى قالَ: «وآتُوا الزَّكاةَ من كلِّ أربَعينَ شاةً شاةً» فتَكونُ الشاةُ حَقًّا للفَقيرِ بهذا النَّصِّ، فلا يَجوزُ الاشتِغالُ بالتَّعليلِ لإبطالِ حَقِّه من العَينِ، والمَعنى فيه أنَّ هذا حَقٌّ ماليٌّ مُقدَّرٌ بأَسنانٍ مَعلومةٍ شَرعًا فلا يَتأدَّى بالقيمةِ كالهَدايا والضَّحايا، أو يُقالُ: قُربةٌ تَعلَّقَت بمَحلِّ عَينٍ فلا يَتأدَّى بغيرِه كالسُّجودِ لمَّا تَعلَّقَ بالجَبهةِ والأنفِ لم يَتأدَّ بالخَدِّ والذَّقنِ، فالقَولُ عندَئذٍ بجَوازِ القيمةِ مُخالَفةٌ للنَّصِّ، وخُروجٌ عن مَعنى التَّعبُّدِ (٢).
стр. 2347
وقالَ إمامُ الحَرمَينِ ﵀ في «الأساليب»: المُعتمَدُ في الدَّليلِ لِأَصحابِنا أنَّ الزَّكاةَ قُربةٌ للهِ تَعالى، وكلُّ ما كانَ كذلك فسَبيلُه أنْ يُتَّبعَ فيه أمرُ اللهِ تَعالى (١).
ولكنْ قد يُقالُ: إنَّ هذا سَببُ الخِلافِ في المَسألةِ هل هي قُربةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ لِلمَساكينِ، ولذلك قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم: هل الزَّكاةُ عِبادةٌ أو حَقٌّ واجِبٌ لِلمَساكينِ؟
فمَن قالَ: هي عِبادةٌ قالَ: إنْ أخرَج من غيرِ تلك الأعيانِ لم يَجُزْ؛ لأنَّه إذا أتى بالعِبادةِ على غيرِ الجِهةِ المَأمورِ بها فهي فاسِدةٌ، ومَن قالَ: هي حَقٌّ لِلمَساكينِ فلا فَرقَ بينَ القيمةِ والعَينِ عندَه.
وقد قالَ الشافِعيةُ لنا أنْ نَقولَ: وإنْ سلَّمنا أنَّها حَقٌّ لِلمَساكينِ فالشارِعُ إنَّما علَّق الحَقَّ بالعَينِ قَصدًا منه لِتَشريكِ الفُقراءِ مع الأغنياءِ في أعيانِ الأَموالِ.
والحَنفيةُ تَقولُ: إنَّما خُصَّتْ بالذِّكرِ أعيانُ الأَموالِ تَسهيلًا على أربابِ الأَموالِ؛ لأنَّ كلَّ ذي مالٍ إنَّما يَسهُلُ عليه الإِخراجُ من نَوعِ المالِ الذي بينَ يدَيه، ولذلك جاءَ في بعضِ الأثَرِ أنَّه جعَلَ في الدِّيةِ على أهلِ الحُللِ حُللًا على ما يَأتي في كِتابِ الحُدودِ (٢).
стр. 2348
الدَّليلُ السابِعُ:
قالوا: إنَّ زَكاةَ الفِطرِ مِثلُ الجِزيةِ يُؤخَذُ فيها قَدرُ الواجِبِ كما تُؤخذُ عَينُه (١).
وقد نُوقشَ هذا الدَّليلُ بأنَّه لا دَليلَ فيه؛ إذْ زَكاةُ الفِطرِ فيها جانِبُ تَعبُّدٍ، وفيها ارتِباطٌ برُكنٍ في الإِسلامِ.
وأمَّا الجِزيةُ فهي عُقوبةٌ على أهلِ الذِّمةِ عن يَدٍ وهُم صاغِرونَ، فأيُّما أُخِذ منهم فهو وافٍ بالغَرضِ (٢).
الدَّليلُ الثامِنُ:
قالوا: ولأنَّه لمَّا جازَ العُدولُ عن العَينِ إلى الجِنسِ بالإِجماعِ، بأنْ يُخرِجَ زَكاةَ غَنمِه شاةً من غيرِ غَنمِه، أو أنْ يُخرِجَ عُشرَ أرضِه حَبًّا من غيرِ زَرعِه جازَ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ. ألَا تَرى أنَّه في حُقوقِ الآدَميِّينَ لمَّا لم يَجزِ العُدولُ من العَينِ إلى الجِنسِ لم يَجزِ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ.
وأجابَ المانِعونَ عن هذا: بأنَّ هذا قِياسُ العَكسِ، على أنَّ الواجِبَ عليه أنْ يُزكِّيَ من جِنسِ مالِه لا مِنْ عَينِ مالِه فلم يَكنْ في ذلك عادِلًا عما وجَبَ عليه إلى غيرِه وهو القيمةُ (٣).
стр. 2349
وقالَ المانِعونَ أيضًا: بأنَّ القاعِدةَ أنَّه «لا يُنتقَلُ إلى البَدلِ إلا عندَ فقد المُبدَلِ منه»، فما ذكَرَه المُجوِّزونَ مَشروطٌ بافتِقادِ العَينِ، والعُدولِ من جِنسٍ إلى جِنسٍ مَشروطٍ بافتِقادِ الجِنسِ الأولِ.
قالَ صاحِبُ «حَدائِق الأزهارِ»: «وتَجِبُ في العَينِ ثم الجِنسِ ثم القيمةِ حالَ الصَّرفِ».
قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: أقولُ: هذا صَوابٌ لِما قَدَّمنا من الأدِلَّةِ الدالةِ على وُجوبِ الزَّكاةِ في العَينِ فإذا تلِفَت العَينُ فالعُدولُ إلى الجِنسِ هو أقرَبُ إلى العَينِ من القيمةِ؛ لأنَّ جِنسَ الشَّيءِ يُوافِقُه في أغلَبِ الأَوصافِ فإذا لم يُوجَدِ الجِنسُ أجزَأتِ القيمةُ؛ لأنَّ لذلك غايةَ ما يُمكنُ من التَّخلُّصِ عن واجِبِ الزَّكاةِ (١).
لكنْ قد رَدَّ الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀ بأنَّ هذا ليسَ ببَدلٍ، قالَ ﵀: ظَنَّ بعضُ أَصحابِنا أنَّ القيمةَ بَدلٌ عن الواجِبِ حتى لَقَّبوا هذه المَسألةَ بالأَبدالِ، وليسَ كذلك، فإنَّ المَصيرَ إلى البَدلِ لا يَجوزُ إلا عندَ عَدمِ الأصلِ، وأداءُ القيمةِ مع قيامِ عَينِ المَنصوصِ عليه في مِلكِه جائِزٌ عندَنا (٢).
وقد استَدلُّوا أيضًا بما رَواه ابنُ أبي شَيبةَ ﵀ في مُصنَّفِه في بابِ: في إِعطاءِ الدَّراهِمِ في زَكاةِ الفِطرِ:
стр. 2350
قال: حدَّثَنا أبو أُسَامَةَ عَنْ ابنِ عَونٍ قالَ: «سَمِعتُ كِتابَ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ يُقرأُ إلى عَديٍّ بالبَصرَةِ -وعَديٌّ الوَالِي-: يُؤخَذُ من أَهلِ الدِّيوانِ من أُعطِيَّاتِهم عن كلِّ إِنسانٍ نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن قُرَّةَ قالَ: «جاءَنا كِتابُ عُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ في صَدقةِ الفِطرِ نِصفُ صاعٍ عن كلِّ إِنسانٍ أو قيمتُه نِصفُ دِرهمٍ».
وقالَ: حدَّثَنا وَكيعٌ عن سُفْيانَ عن هِشامٍ عَنْ الحَسنِ قالَ: «لا بَأسَ أنْ تُعطَى الدَّراهمُ في صَدقةِ الفِطرِ».
وقالَ: حدَّثَنا أبو أُسامةَ عن زُهَيرٍ قالَ: سمِعتُ أَبا إِسحاقَ يَقولُ: «أَدرَكتُهم وهم يُعطُونَ في صَدقةِ رَمضانَ الدَّراهمَ بقيمةِ الطَّعامِ» (١).
وَجهُ الاستِدلالِ:
هذا عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ في عَصرِ التابِعينَ يُرسِلُ إلى عامِلِه، وعُلماءُ التابِعينَ مُتوافِرونَ، ولا يَخفى عليهم فِعلُ إمامِ المُسلِمينَ. وهذا أبو إِسحاقَ السَّبِيعيُّ -وهو من الطَّبقةِ الوُسطى من التابِعينَ أدرَكَ علِيًّا وبعضَ الصَّحابةِ ﵃ يُثبِتُ أنَّ ذلك كانَ مَعمولًا به في عَصرِهم، فقَولُه: أَدركتُهم، يَعني به الصَّحابةَ. وهذا هو الحَسنُ البَصريُّ ﵀ يَقولُ بذلك أيضًا.
ثانيًا: ذِكرُ أَقوالِ أَصحابِ القَولِ الثاني وأدِلَّتِهم وهُم الجُمهورُ القائِلونَ بعَدمِ جَوازِ إِعطاءِ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ:
قالَ الإمامُ الخِرَقيُّ ﵀: «ومَن أَعطى القيمةَ لم تُجِزْئه».
стр. 2351
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: قالَ أبو داودَ: قيلَ لِأحمدَ وأنا أسمَعُ: «أُعطي دَراهمَ؟» -يَعني في صَدقةِ الفِطرِ- قالَ: «أَخافُ ألَّا يُجزِئَه خِلافُ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ »، وقالَ أبو طالِبٍ: قالَ لي أحمدُ: «لا يُعطي قيمَتَه»، قيلَ له: «قَومٌ يَقولونَ: عُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ كانَ يَأخذُ بالقيمةِ»، قالَ: «يَدَعونَ قَولَ رَسولِ اللهِ ﷺ ويَقولونَ: قالَ فُلانٌ؟».
قالَ ابنُ عمرَ: فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، وقالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩]، وقالَ: «قَومٌ يَردُّونَ السُّننَ: قالَ فُلانٌ، قال فُلانٌ».
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وظاهِرُ مَذهبِه أنَّه لا يُجزِئُه إِخراجُ القيمةِ في شَيءٍ من الزَّكواتِ، وبه قالَ مالِكٌ والشافِعيُّ (١).
وقالَ المَرداويُّ ﵀: قَولُه: ولا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ، هذا المَذهبُ مُطلَقًا، أَعني: سَواءٌ كانَ ثَمَّ حاجةٌ أو لا، لمَصلَحةٍ أو لا، لفِطرةٍ وغيرِها، وعنه تُجزِئُ القيمةُ مُطلَقًا، وعنه يُجزِئُ في غيرِ الفِطرةِ.
وعنه تُجزِئُ لِلحاجةِ من تَعذُّرِ الفَرضِ ونَحوِه، نقَلَها جَماعةٌ، منهم القاضِي في التَّعليقِ، وصَحَّحها جَماعةٌ، منهم ابنُ تَميمٍ وابنُ حِمدانَ واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ.
وقيلَ: ولمَصلَحةٍ أيضًا، واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا وذكَرَ بعضُهم رِوايةً: تُجِزئُ لِلحاجةِ.
стр. 2352
وقالَ ابنُ البنَّا في «شَرح المُحرَّرِ»: إذا كانَت الزَّكاةُ جُزءًا لا يُمكنُ قِسمَتُه جازَ صَرفُ ثَمنِه إلى الفُقراءِ، قالَ: وكذا كلُّ ما يُحتاجُ إلى بَيعِه، مثلَ أنْ يَكونَ بَعيرًا لا يَقدِرُ على المَشيِ، وعنه تُجزِئُ القيمةُ، وهي الثَّمنُ لمُشتَري ثَمرَتِه التي لا تَصيرُ تَمرًا أو زَبيبًا عن الساعي قبلَ جُدادِه، والمَذهبُ: لا يَصحُّ شِراؤُه فلا تُجزِئُ القيمةُ على ما يَأتي (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا (أي: مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ) على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ. إلا أبا حَنيفةَ فإنَّه قالَ: يَجوزُ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قد ذكَرْنا أنَّ مَذهبَنا أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في شَيءٍ من الزَّكواتِ، وبه قالَ مالِكٌ وأحمَدُ وداودُ (٣).
وقالَ ابنُ حَزمٍ ﵀: لا يُجزِئُ إِخراجُ بعضِ الصاعِ شَعيرًا وإِخراجُ بعضِه تَمرًا، ولا تُجزِئُ قيمةٌ أصلًا؛ لأنَّ كلَّ ذلك غيرُ ما فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ ، والقيمةُ في حُقوقِ الناسِ لا تَجوزُ إلا بتَراضٍ منهم، وليسَ للزَّكاةِ مالِكٌ بعَينِه فيَجوزُ رِضاه أو إِبراؤُه (٤).
جاءَ في كُتبِ المالِكيةِ -كما في حاشيةِ الدُّسوقيِّ وغيرِه- أنَّه قالَ: دَفعُ القيمةِ لا يُجزئُ.
стр. 2353
قالَ الدُّسوقيُّ: وقد تبِعَ فيه المُصنِّفُ ابنَ الحاجِبِ وابنَ بَشيرٍ. وقد اعتَرضَه في «التَّوضيحِ» بأنَّه خِلافُ ما في «المُدوَّنة». ونَصُّه المَشهورُ في إِعطاءِ القيمةِ أنَّه مَكروهٌ لا مُحرَّمٌ (١).
قُلتُ: هذا في الزَّكاةِ عُمومًا، أمَّا زَكاةُ الفِطرِ فالمَنصوصُ الذي نقَلَه ابنُ قُدامةَ والنَّوويُّ وابنُ هُبيرةَ وغيرُهم عن الإمامِ مالِكٍ عَدمُ الإِجزاءِ.
وقالَ الزَّرقانِيُّ ﵀: ولا يَجوزُ إِخراجُ قيمَتِها عَينًا ولا عَرضًا (٢).
أدِلَّةُ المانِعينَ:
الدَّليلُ الأولُ:
ما رَوى ابنُ عمرَ ﵄ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ … » (٣).
стр. 2354
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا عدَلَ عن ذلك فقد ترَكَ المَفروضَ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ»، «وفي مِئتَي دِرهمٍ خَمسةُ دَراهمَ» (١)، وهو وارِدٌ بَيانًا لمُجملِ قَولِه تَعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النساء: ٧٧]، فتَكونُ الشاةُ المَذكورةُ هي الزَّكاةَ المَأمورَ بها والأمرُ يَقتَضي الوُجوبَ.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ فرَضَ الصَّدقةَ على هذا الوَجهِ وأمرَ بها أنْ تُؤدَّى ففي كِتابِ أبي بَكرٍ الذي كتَبَه في الصَّدقاتِ أنَّه قالَ: هذه الصَّدقةُ التي فرَضَها رَسولُ اللهِ ﷺ وأمرَ بها أنْ تُؤدَّى، وكانَ فيه «فِي خَمسٍ وعِشرينَ مِنْ الإبلِ بِنتُ مَخاضٍ، فإنْ لَم تَكنْ بِنتُ مَخاضٍ، فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ» (٢) وهذا يَدلُّ على أنَّه أرادَ عَينَها لتَسميتِه إيَّاها، وقَولُه: «فإِنْ لَم تَكنْ بِنتُ مَخاضٍ، فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ» لو أرادَ الماليَّةَ أو القيمةَ لم يَجزْ؛ لأنَّ خَمسًا وعِشرينَ لا تَخلو من ماليَّةِ بِنتِ مَخاضٍ، وكذلك قَولُه: «فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ»، فإنَّه لو أرادَ الماليَّةَ لزِمَه ماليَّةُ بِنتِ مَخاضٍ دونَ ماليَّةِ ابنِ لَبونٍ.
وقد رَوى أبو داودَ وابنُ ماجَهْ بإِسنادَيْهما عن مُعاذٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَه إلى اليَمنِ فقالَ: «خُذِ الحَبَّ مِنْ الحَبِّ، والشَّاةَ مِنْ الغنَمِ، والبَعيرَ مِنْ الإبلِ، والبَقرَ مِنْ البَقرِ» (٣) ولأنَّ الزَّكاةَ وجَبَت لدَفعِ حاجةِ
стр. 2355
الفَقيرِ وشُكرًا لنِعمةِ المالِ والحاجاتُ مُتنوِّعةٌ، يَنبَغي أنْ يَتنوَّعَ الواجِبُ ليَصلَ إلى الفَقيرِ من كلِّ نَوعٍ ما تَندفِعُ به حاجَتُه ويَحصلُ شُكرُ النِّعمةِ بالمُواساةِ من جِنسِ ما أنعَمَ اللهُ عليه به؛ ولأنَّ مُخرِجَ القيمةِ قد عدَلَ عن المَنصوصِ فلم يُجزِئْه كما لو أخرَجَ الرَّديءَ مَكانَ الجَيدِ (١).
وقالَ الإمامُ الآمِديُّ ﵀: ومِن جُملةِ التَّأويلاتِ البَعيدةِ ما يَقولُه أَصحابُ أبي حَنيفةَ في قَولِه ﷺ : «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» من أنَّ المُرادَ به مِقدارُ قيمةِ الشاةِ، وذلك لأنَّ قَولَه: «في كلِّ أَربَعينَ شاةً شاةٌ» قَويُّ الظُّهورِ في وُجوبِ الشاةِ عَينًا حيثُ إنَّه خصَّصَها بالذِّكرِ، ولا بدَّ في ذلك من إِضمارِ حُكمٍ، وهو إمَّا النَّدبُ أو الوُجوبُ، وإِضمارُ النَّدبِ مُمتنِعٌ لعَدمِ اختِصاصِ الشاةِ الواحِدةِ من النِّصابِ به فلم يَبقَ غيرُ الواجِبِ.
ولا يَخفى أنَّه يَلزَمُ من تَأويلِ ذلك -بالحَملِ على وُجوبِ مِقدارِ قيمةِ الشاةِ بِناءً على أنَّ المَقصودَ إنَّما هو دَفعُ حاجاتِ الفُقراءِ وسَدُّ خَلاتِهم- جَوازُ دَفعِ القيمةِ، وفيه رَفعُ الحُكمِ، وهو وُجوبُ الشاةِ بما استُنبِطَ منه من العِلةِ، وهي دَفعُ حاجاتِ الفُقراءِ واستِنباطُ العِلةِ من الحُكمِ إذا كانَت مُوجِبةً لرَفعِه كانَت باطِلةً (٢).
стр. 2356
قالَ الماوَرديُّ: قالَ الشافِعيُّ ﵁: «ولا يُجزِئُه ذهَبٌ عن ورِقٍ، ولا ورِقٌ عن ذَهبٍ؛ لأنَّه غيرُ ما وجَبَ عليه».
قالَ الماوَرديُّ: وهذا كما قالَ: إِخراجُ القيَمِ في الزَّكواتِ لا يَجوزُ، وكذا في الكَفاراتِ حتى يُخرَجَ المَنصوصُ عليه بَدلًا أو مُبدَلًا. وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ إِخراجُ القيَمِ في الزَّكواتِ والكَفاراتِ، إلا أنْ يَكونَ عِتقًا، فكلُّ مالٍ جازَ أنْ يَكونَ مُتموَّلًا، إلا أنْ يَكونَ سُكنى دارٍ، أو مِنْ جِنسِ مَنصوصٍ عليه، كإِخراجِ نِصفِ صاعِ تَمرٍ بَدلًا من صاعٍ من زَبيبٍ، واختَلفَ أَصحابُه في إِخراجِ القيمةِ، هل هي الواجِبُ أو بَدلٌ عن الواجِبِ؟ على مَذهَبينِ: وقالَ مالِكٌ: يَجوزُ إِخراجُ الوَرِقِ عن الذَّهبِ، والذَّهبِ عن الورِقِ لا غيرُ، واستدَلُّوا بما رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ في صَدقةِ الفِطرِ: «أَغْنوهُم عنِ المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ»، والإِغناءُ قد يَكونُ بدَفعِ القيمةِ، كما يَكونُ بدَفعِ الأصلِ، وبما رُويَ عنه ﷺ أنَّه قالَ: «فِي خَمسٍ وعِشرينَ مِنْ الإبلِ بِنتُ مَخاضٍ، فإنْ لَم تَكنْ بِنتُ مَخاضٍ، فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ» (١)، فنَصَّ على دَفعِ القيمةِ. وبما رُويَ عن مُعاذٍ أنَّه قالَ لِأهلِ اليَمنِ حينَ بعَثَه رَسولُ اللهِ ﷺ والِيًا عليهم: «ائْتُونِي بخَميسٍ أو لَبيسٍ آخُذُه منكم مَكانَ الذُّرةِ والشَّعيرِ فإنَّه أَهوَنُ عليكم، وأَنفَعُ للمُهاجِرينَ
стр. 2357
والأَنصارِ بالمَدينةِ»، فأمَرَهم بدَفعِ الثيابِ بَدلًا عن الذُّرةِ والشَّعيرِ، وهو لا يَقولُ ذلك في حياةِ النَّبيِّ ﷺ إلا تَوقيفًا، قالوا: ولأنَّه مالٌ مُزكًّى جازَ إِخراجُ قيمَتِه كمالِ التِّجارةِ. قالوا: ولأنَّ القيمةَ مالٌ جازَ إِخراجُها في الزَّكاةِ كالمَنصوصِ عليه، قالوا: ولأنَّه لمَّا جازَ في الزَّكاةِ العُدولُ عن العَينِ إلى الجِنسِ، وهو أنْ يُخرِجَ زَكاةَ غَنمِه من غيرِها جازَ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ، ألَا تَرى أنَّ في حُقوقِ الآدميِّينَ لمَّا لم يَجزِ العُدولُ من العَينِ إلى الجِنسِ لم يَجزِ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ.
والدِّلالةُ على صحَّةِ ما ذهَبْنا إليه: رِوايةُ عَطاءِ بنِ يَسارٍ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ «أمَرَه أنْ يَأخذَ مِنْ الحَبِّ حَبًّا، ومِن الغَنمِ غَنمًا، ومِن الإبلِ إبلًا، ومِن البَقرِ بَقرًا» (١) فاقتَضى ظاهِرُ أمْرِه ألَّا يَجوزَ الأخذُ من غيرِه.
ورَوى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ قالَ: قال رَسولُ اللهِ ﷺ عن صَدقةِ الفِطرِ من رَمضانَ: «صَاعًا مِنْ تَمرٍ أو صاعًا مِنْ شَعيرٍ، على كلِّ حُرٍّ وعَبدٍ ذَكرٍ أو أُنثى مِنْ المُسلِمينَ» (٢) فخيَّرَه بينَ التَّمرِ والشَّعيرِ دونَ غَيرِهما، والمُخالِفُ خيَّرَه بينَهما أو بينَ قيمةِ أحَدِهما، وظاهِرُ الخبَرِ يَمنَعُ منهما.
стр. 2358
ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «فإذَا بلَغَتْ خَمسًا وعِشرينَ ففِيها بِنتُ مخاضٍ، فإنْ لَم تَكنْ فابنُ لَبونٍ ذكرٌ» (١) وفيه دَليلانِ:
أحَدُهما: أنَّه أمَر أنْ يَأخذَ ابنَ لَبونٍ على وَجهِ البَدلِ عندَ عَدمِ بِنتِ مَخاضٍ، وأبو حَنيفةَ يُجيزُ أخْذَه على وَجهِ القيمةِ مع وُجودِ بِنتِ مَخاضٍ.
والثاني: أنَّه نَصَّ على شَيئَينِ على التَّرتيبِ، وأبو حَنيفةَ يُجيزُ ثالِثًا، وهو القيمةُ، ويُسقِطُ التَّرتيبَ.
ورُوي عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قالَ: «ومَن بلَغَتْ صَدقتُه جَذَعةً وليسَت عندَه جَذَعةٌ وعندَه حِقَّةٌ فإنَّها تُؤخذُ منه ويَجعَلُ معها شاتَينِ إنِ استَيسَرَ، أو عِشرِينَ دِرهمًا» (٢) وفيه دَليلانِ كالذي قبلَه، ثم قدَّرَ البَدلَ من الدَّراهمِ بعِشرينَ دِرهمًا، والقيمةُ غيرُ مُقدَّرةٍ بالشَّرعِ كقيَمِ المُتلَفاتِ، وإنَّما البَدلُ مُقدَّرٌ بالشَّرعِ كالدِّياتِ، وهذا دَليلٌ ثالِثٌ من الخبَرِ، وهو أَقواها؛ ولأنَّه عدَلَ عن المَنصوصِ عليه إلى غيرِه فلم يُجزِئْه كسُكنى دارِه، وهو أنْ يُسكِنَها الفُقراءَ مُدةً تَكونُ أُجرتُها قَدرَ زَكاتِه؛ ولأنَّه إِخراجُ قيمةٍ في الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُجزِئَه، كما لو أخرَجَ نِصفَ صاعٍ تَمرًا وسَطًا عن صاعِ تَمرٍ رَديءٍ، أو أخرَجَ شاةً سَمينةً عن شاتَينِ مَهزولتَينِ؛ ولأنَّه حَقٌّ في مالٍ يُخرَجُ على وَجهِ الطُّهرةِ فلم يَجزْ إِخراجُ قيمَتِه كالعِتقِ في الكَفارةِ، فإنْ قيلَ: هو باطِلٌ بجَزاءِ الصَّيدِ يَجوزُ عندَكم إِخراجُ قيمَتِه، قيلَ: غَلطٌ؛ لأنَّ القيمةَ
стр. 2359
ليسَت مُخرَجةً، وإنَّما يَتعذَّرُ بها البَدلُ المُخرَجُ، ألَا تَراه يُقوِّمُ الجَزاءَ دَراهمَ ثم تُصرَفُ الدَّراهمُ في طَعامٍ ولا تُخرَجُ الدَّراهِمُ، ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مُقدَّرٍ مَأخوذٍ وهو الزَّكاةُ، ومُقدَّرٍ مَتروكٍ وهو النِّصابُ، فلمَّا ثبَتَ أنَّ القَدرَ المَتروكَ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه، وهو أنْ يَكونَ معه أربَعةٌ من الإبِلِ ثَنايا تُساوي خَمسًا من الإبِلِ دونَ الثَّنايا وجَبَ أنْ يَكونَ المِقدارُ المَأخوذُ لا يَقومُ مَقامَه ما كانَ في مَعناه.
وتَحريرُ ذلك قياسًا أنَّه أحَدُ مُقدِّري الزَّكاةِ، فوجَبَ ألَّا يُقيمَ غيرَه مَقامَه، وإنْ كانَ في مَعناه كالنِّصابِ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ تَشتمِلُ على مالٍ مُزكًّى وقَدرٍ مُؤدًّى، فلمَّا كانَ المالُ المُزكَّى مَخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بَعضٍ وجَبَ أنْ يَكونَ القَدرُ المُؤدَّى مَخصوصًا في بعضِ الأَموالِ دونَ بعضٍ.
وتَحريرُ ذلك قِياسًا أنَّه أحَدُ نَوعَيِ الزَّكاةِ، فوجَبَ أنْ يَكونَ في مالٍ مَخصوصٍ كالمالِ المُزكَّى، فأمَّا الجَوابُ عن قَولِه: «أَغْنوهُم عن المَسأَلةِ في مثلِ هذا اليَومِ» فهو مُجمَلٌ؛ لأنَّه لم يَذكُرْ قَدرَ ما يَستغنونَ به ولا جِنسَه، وقد رَواه ابنُ عُمرَ مُفسَّرًا، فكانَ الأخذُ به أَوْلى.
وأمَّا الاحتِجاجُ بقَولِه: «فإنْ لَم تَكنِ ابنَةُ مَخاضٍ فابنُ لَبونٍ ذَكرٌ»، فهو دِلالةٌ عليهم من وَجهَينِ ذكَرْناهما.
وأمَّا احتِجاجُهم بحَديثِ مُعاذٍ فلا دِلالةَ فيه؛ لأنَّه وارِدٌ في الجِزيةِ لا في الزَّكاةِ، ألَا تَرى أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَرَه أنْ يَأخذَ في الزَّكاةِ من الحَبِّ حَبًّا، ثم عقَّبَ ذلك بالجِزيةِ فقالَ: «خُذْ من كلِّ حالِمٍ دِينارًا، أو عَدلَه
стр. 2360
مِنْ مَعافِرِ اليَمنِ». فإن قيلَ: فقد قالَ مُعاذٌ: «آخُذُه منكم مَكانَ الذُّرةِ والشَّعيرِ» وذلك غيرُ واجِبٍ في الجِزيةِ، قيلَ: يَجوزُ أنْ يَكونَ مُعاذٌ عقَد معهم الجِزيةَ على أخذِ الشَّعيرِ من زُروعِهم، يُوضِّحُ أنَّ ذلك من الجِزيةِ لا من الزَّكاةِ أنَّ مُعاذًا قالَ: فإنَّه أنفَعُ للمُهاجِرينَ والأَنصارِ بالمَدينةِ، والزَّكاةُ لا يَجوزُ نَقلُها من جِيرانِ المالِ إلى غيرِهم، سيَّما عندَ مُعاذٍ الذي يَقولُ: «أيُّما رَجلٍ انتَقلَ مِنْ مِخلافِ عَشيرتِه إلى غيرِ مِخلافِ عَشيرتِه فعُشرُه وصَدقتُه فِي مِخلافِ عَشيرتِه» (١)، فثبَتَ أنَّ ذلك في الجِزيةِ التي يَجوزُ نَقلُها.
وأمَّا قِياسُهم على مالِ التِّجارةِ فغيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ الزَّكاةَ تَجبُ في قيمةِ المَفرضِ، وتُخرَجُ زَكاةُ القيمةِ إلا أنَّها تَجبُ في الفَرضِ وتُخرَجُ قيمةُ الفَرضِ، وأما قِياسُهم على المَنصوصِ عليه فباطِلٌ بإِخراجِ نِصفِ صاعٍ عن صاعٍ، وشاةٍ عن شاتَينِ، ثم المَعنى في الأصلِ أنَّه مَنصوصٌ عليه، فلذلك جازَ إِخراجُه، وليسَت القيمةُ مَنصوصًا عليها، فلذلك لم يَجزْ إِخراجُها، وأمَّا قَولُهم: لمَّا جازَ العُدولُ من العَينِ إلى الجِنسِ جازَ العُدولُ من جِنسٍ إلى جِنسٍ، فهذا قياسُ العَكسِ، على أنَّ الواجِبَ عليه أنْ يُزكِّيَ من جِنسِ مالِه لا من عَينِ مالِه فلم يَكنْ في ذلك عادِلًا عمَّا وجَبَ عليه إلى غيرِه (٢).
стр. 2361
وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ:
قالَ الشافِعيُ ﵁: «ولا تُقوَّمُ الزَّكاةُ، ولو قُوِّمت كانَ لو أدَّى ثمَنَ صاعِ زَبيبٍ ضَروعٍ أدَّى ثَمنَ آصُعِ حِنطةٍ».
قالَ الماوَرديُّ: قد ذكَرْنا أنَّ دَفعَ القيَمِ في الزَّكَواتِ لا يَجوزُ، ولا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في زَكاةِ الفِطرِ، فلو أخرَجَ قيمةَ الصاعِ دَراهمَ أو دَنانيرَ لا يَجوزُ لِما مَضى؛ ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ نَصَّ على قَدرٍ مُتَّفقٍ في أَجناسٍ مُختلِفةٍ، فسَوَّى بَينَ قَدرِها مع اختِلافِ أَجناسِها وقيَمِها فدَلَّ على أنَّ الاعتِبارَ بقَدرِ المَنصوصِ عليه دونَ قيمَتِه؛ ولأنَّه لو جازَ اعتِبارُ القيمةِ فيه لَوجَبَ إذا كانَت قيمةُ صاعٍ من زَبيبٍ ضَروعٍ، وهو الزَّبيبُ الكِبارُ أَضعافَ حِنطةٍ فأخرَجَ من الزَّبيبِ نِصفَ صاعٍ قيمَتُه من الحِنطةِ صاعٌ أنْ يُجزِئَه، فلمَّا أجمَعوا على أنَّه لا يُجزِئُه، وإنْ كانَ بقيمةِ المَنصوصِ عليه دَلَّ على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ دونَ المَنصوصِ عليه (١).
الدَّليلُ الثاني:
ما رَواه أبو داودَ عن مُعاذِ بن جَبلٍ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ بعَثَه إلى اليَمنِ فقالَ: «خُذِ الحَبَّ من الحَبِّ والشَّاةَ من الغَنمِ والبَعيرَ من الإبلِ والبَقرَةَ من البَقرِ» (٢).
стр. 2362
قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: قد استدَلَّ بهذا الحَديثِ مَنْ قالَ: تَجبُ الزَّكاةُ من العَينِ ولا يُعدَلُ عنها إلى القيمةِ إلا عندَ عَدمِها وعَدمِ الجِنسِ … والحَقُّ أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ من العَينِ لا يُعدَلُ عنها إلى القيمةِ إلا لِعُذرٍ (١).
قالوا: ولأنَّ الزَّكاةَ فُرضَت دَفعًا لِحاجةِ الفَقيرِ، وحاجاتُه مُتنوِّعةٌ، فيَنبَغي أنْ يَتنوَّعَ الواجِبُ ليَتنوَّعَ ما يَصلُ إليه، ووجَبَت شُكرًا لنِعمةِ المالِ، ويَحصلُ ذلك بالمُواساةِ ممَّا أنعَمَ اللَّهُ به عليه.
ولأنَّ الزَّكاةَ قُربةٌ للَّهِ تَعالى، وما كانَ كذلك فسَبيلُه الاتِّباعُ، ولو جازَتِ القيمةُ لَبيَّنَها النَّبيُّ ﷺ (٢).
إلا أنَّ ابنَ التُّركمانِيِّ ﵀ قالَ في الجَوهَرِ النَّقيِّ بعدَما ساقَ هذا الحَديثَ قالَ: والمَقصودُ من الزَّكاةِ سَدُّ خَلةِ المُحتاجِ والقيمةُ في ذلك تَقومُ مَقامَ تلك الأَجناسِ، فوجَبَ أنْ تَجوزَ عنها، وهذا كما عيَّنَ ﵇ الأَحجارَ لِلاستِنجاءِ ثم اتَّفقَ الجَميعُ على جَوازِه بالخرَقِ والخَشبِ ونَحوِها لحُصولِ الاتِّقاءِ بها كما يَحصلُ بالأَحجارِ، وإنَّما عيَّنَ ﵇ تلك الأَجناسَ في الزَّكاةِ تَسهيلًا على أَربابِ الأَموالِ كما مَرَّ؛ لأنَّ كلَّ ذي مالٍ إنَّما يَسهُلُ عليه الإِخراجُ من نَوعِ المالِ الذي عندَه كما جاءَ في بعضِ الآثارِ أنَّه ﵇ جعَلَ في الدِّيةِ على أهلِ الحُللِ حُللًا (٣).
стр. 2363
الدَّليلُ الثالِثُ:
ما قالَه ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: أنَّ التَّكليفَ والابتِلاءَ بإِخراجِ الزَّكاةِ ليسَ بنَقصِ الأَموالِ فقط -كما فهِمَ أبو حَنيفةَ- فإنَّ هذا ذُهولٌ عن التَّوفيةِ لحَقِّ التَّكليفِ في تَعيينِ الناقِصِ وأنَّ ذلك يُوازِي التَّكليفَ في قَدرِ الناقِصِ فإنَّ المالِكَ يُريدُ أنْ يَبقى مِلكُه بحالِه ويُخرِجُ من غيرِه عنه، فإذا مالَتْ نَفسُه إلى ذلك وعُلِّقت به كانَ التَّكليفُ قَطعَ تلك العَلاقةِ التي هي بينَ القَلبِ وبينَ ذلك الجُزءِ من المالِ، فوجَبَ إِخراجُ ذلك الجُزءِ بعَينِه.
الدَّليلُ الرابِعُ:
أنَّ النَّبيَّ ﷺ عيَّنَ الزَّكاةَ من أَجناسٍ مُختلِفةٍ وقِيَمُها مُختلِفةٌ غالِبًا، فلو كانَت القيمةُ مُعتبَرةً لَكانَ الواجِبُ صاعًا من جِنسٍ، وما يُقابِلُ قيمَتَه من الأَجناسِ الأُخرى.
قالَ النَّوويُّ ﵀: إنَّه ﷺ ذكَرَ أشياءَ قِيَمُها مُختلِفةٌ وأوجَبَ في كلِّ نَوعٍ منها صاعًا، فدَلَّ على أنَّ المُعتبَرَ صاعٌ، ولا نظَرَ إلى قيمَتِه (١).
الدَّليلُ الخامِسُ:
وهو أنَّ إِخراجَ القيمةِ مُخالِفٌ لِما كانَ عليه العَملُ في زَمانِ النَّبيِّ ﷺ والصَّحابةِ ﵃ حيثُ كانوا يُخرِجونَها صاعًا من طَعامٍ، وذلك لِما رَواه البُخاريُّ عن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قالَ: «كُنا نُعطِيها
стр. 2364
في زَمانِ النَّبيِّ ﷺ صاعًا من طَعامٍ أو صاعًا من تَمرٍ أو صاعًا من شَعيرٍ أو صاعًا من زَبيبٍ … » (١).
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قَولُه: «كُنا نُعطِيها»، أي: زَكاةَ الفِطرِ، قَولُه: «في زَمانِ النَّبيِّ ﷺ » هذا حُكمُه الرَّفعُ لإِضافَتِه إلى زَمنِه ﷺ ففيه إِشعارٌ باطَّلاعِه على ذلك وتَقريرِه له، ولا سيَّما في هذه الصُّورةِ التي كانَت تُوضَعُ عندَه وتُجمَعُ بأمرِه وهو الآمِرُ بقَبضِها وتَفرقَتِها (٢).
وقالَ أبو الوَليدِ الباجيُّ المالِكيُّ ﵀: قَولُه: «كُنا نُخرجُ زَكاةَ الفِطرِ» يُلحَقُ عندَ أكثَرِ أهلِ العِلمِ بالمُسنَدِ، وهو مَذهبُ مالِكٍ والشافِعيِّ؛ لأنَّ الصَّحابيَّ إذا أخبَرَ بفِعلٍ من الشَّرعِ وأضافَ ذلك إلى زَمنِ النَّبيِّ ﷺ فالظاهِرُ أنَّه أضافَهُ إلى النَّبيِّ ﷺ على أنَّ هذا الحَديثِ رَواه داودُ بنُ قَيسٍ عن عِياضِ بن عبدِ اللهِ فقالَ: «كُنا نُخرِجُ إذْ كانَ فِينا رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ» فذكَرَه فصرَّحَ برَفعِه فإذا كانَ الأمرُ المُضافُ مما يَظهَرُ ويَتبيَّنُ ولا يَخفى مِثلُه على النَّبيِّ ﷺ ولم يُنكِرْه وأقَرَّ عليه فإنَّه حُجةٌ؛ لأنَّه ﷺ لا يُقرُّ على المُنكَرِ، وإِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ يَكثرُ المُخرِجونَ لها والآخِذونَ ويَتكرَّرُ ذلك حتى إنَّه لا يُمكنُ أنْ يَخفى أمرُها عن النَّبيِّ ﷺ وهو بينَ أظهُرِهم، فثبَتَ أنَّ الخبَرَ حُجةٌ وأنَّه مُسنَدٌ (٣).
стр. 2365
وقالَ الإمامُ حَمدُ بنُ ناصِرِ بنِ عُثمانَ التَّميميُّ الحَنبليُّ ﵀ ونقَلَه عنه أيضًا فَضيلةُ الشَّيخِ عَطية سالِم ﵀ قالَ ﵀: إنَّ القَولَ بالقيمةِ فيه مُخالِفةٌ للأُصولِ من جِهتَينِ:
الجِهةُ الأُولى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا ذكَر تلك الأَصنافَ لم يَذكُرْ معها القيمةَ، ولو كانَت جائِزةً لَذكرَها مع ما ذُكِر، كما ذُكرَ العِوَضُ في زَكاةِ الإبِلِ، وهو ﷺ أشفَقُ وأرحَمُ بالمِسكينِ من كلِّ إِنسانٍ.
الجِهةُ الثانيةُ: وهي القاعِدةُ العامَّةُ، أنَّه لا يَنتقِلُ إلى البَدلِ إلا عندَ فَقدِ المُبدَلِ عنه، وأنَّ الفَرعَ إذا كانَ يَعودُ على الأصلِ بالبُطلانِ فهو باطِلٌ.
كما ردَّ ابنُ دَقيقِ العِيدِ ﵀ على الحَنابِلةِ قَولَهم: «إنَّ الأُشنانَ يُجزِئُ عن التُّرابِ في الوُلوغِ»، أي؛ لأنَّه ليسَ من جِنسِه ويَسقطُ العَملُ به.
وكذلك لو أنَّ كلَّ الناسِ أخَذوا بإِخراجِ القيمةِ لَتعطَّلَ العَملُ بالأَجناسِ المَنصوصةِ، فكأنَّ الفَرعَ الذي هو القيمةُ سيَعودُ على الأصلِ الذي هو الطَّعامُ بالإِبطالِ، فيَبطُلُ.
ومِثلُ ما يَقولُه بعضُ الناسِ اليَومَ في الهَديِ بمنًى مِثلًا بمِثلٍ، عِلمًا بأنَّ الأَحنافَ لا يُجيزونَ القيمةَ في الهَديِ؛ لأنَّ الهَديَ فيه جانِبُ تَعبُّدٍ، وهو النُّسكُ.
ويُمكنُ أنْ يُقالَ لهم أيضًا: إنَّ زَكاةَ الفِطرِ فيها جانِبُ تَعبُّدٍ فهي طُهرةٌ للصائِمِ وطُعمةٌ للمَساكينِ، كما أنَّ عَملياتِ شِرائِها ومَكيلِها وتَقديمِها فيها
стр. 2366
إِشعارٌ بهذه العِبادةِ، أمَّا تَقديمُها نَقدًا فلا يَكونُ فيها فَرقٌ عن أيِّ صَدقةٍ من الصَّدقاتِ، من حيثُ الإِحساسُ بالواجِبِ والشُّعورُ بالإِطعامِ (١).
الدَّليلُ السادِسُ:
أنَّ الزَّكاةَ قُربةٌ وعِبادةٌ مَفروضةٌ من جِنسٍ مُتعيَّنٍ فلا يُجزِئُ إِخراجُها من غيرِ الجِنسِ المُعيَّنِ، كما لا يُجزِئُ إِخراجُها في غيرِ الوَقتِ المُعيَّنِ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وقالَ إمامُ الحَرمَينِ في الأَساليبِ: المُعتمَدُ في الدَّليلِ لأَصحابِنا أنَّ الزَّكاةَ قُربةٌ للهِ تَعالى، وكلُّ ما كانَ كذلك سَبيلُه أنْ يُتَّبعَ فيه أمرُ اللهِ تَعالى، ولو قالَ إِنسانٌ لوَكيلِه: "اشتَرِ ثَوبًا" وعلِمَ الوَكيلُ أنَّ غَرضَه التِّجارةُ ولو وجَدَ سِلعةً هي أنفَعُ لمُوكِّلِه لم يَكنْ له مُخالَفتُه وإنْ رآه أنفَعَ، فما يَجبُ للهِ تعالَى بأمرِه أَوْلى بالاتِّباعِ (٢).
الدَّليلُ السابِعُ:
حَديثُ أنَسٍ ﵁ في الصَّدقةِ، وفيه: «ومَن بلَغَتْ عندَه صَدقةُ الحِقَّةِ وليسَت عندَه وعندَه بِنتُ لَبونٍ فإنَّها تُقبَلُ منه ويَجعَلُ معَها شاتَينِ إنِ استَيسَرَتا له أو عِشرينَ دِرهمًا» (٣).
قالَ المَجدُ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والجُبراناتُ المُقدَّرةُ في حَديثِ أبي بَكرٍ تدلُّ على أنَّ القيمةَ لا تُشرَعُ، وإلا كانَت تلك الجُبراناتُ عَبثًا.
стр. 2367
قالَ الإمامُ الشَّوكانِيُّ ﵀: قَولُه -أي: المَجدِ-: (والجُبراناتُ) بضَمِّ الجيمِ جَمعُ جُبرانٍ وهو ما يُجبَرُ به الشَّيءُ، وذلك نحوُ قَولِه في حَديثِ أبي بَكرٍ السابِقِ: «ويَجعَلُ معَها شاتَينِ إنِ استَيسَرَتا له، أو عِشرينَ دِرهمًا»، فإنَّ ذلك ونحوَه يَدلُّ على أنَّ الزَّكاةَ واجِبةٌ في العَينِ. ولو كانَت القيمةُ هي الواجِبةَ لَكانَ ذِكرُ ذلك عَبثًا؛ لأنَّها تَختلِفُ باختِلافِ الأَزمِنةِ والأمكِنةِ فتَقديرُ الجُبرانِ بمِقدارٍ مَعلومٍ يُناسِبُ تَعلُّقَ الوُجوبِ بالقيمةِ (١).
القَولُ الثالِثُ: أنَّه يَجوزُ عندَ الحاجةِ، وهو رِوايةٌ عندَ الحَنابِلةِ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀.
قالَ المَرداويُّ ﵀: قَولُه: ولا يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ.
هذا هو المَذهبُ مُطلَقًا، أَعني سَواءٌ كان ثَمَّ حاجةٌ أو لا لمَصلَحةٍ أو لا لفِطرةٍ وغيرِها، وعنه تُجزِئُ القيمةُ مُطلقًا وعنه يُجزِئُ في غيرِ الفِطرةِ.
وعنه تُجزِئُ لِلحاجةِ من تَعذُّرِ الفَرضِ ونَحوِه، نقَلَها جَماعةٌ منهم القاضِي في التَّعليقِ، وصَحَّحها جَماعةٌ منهم ابنُ تَميمٍ وابنُ حِمدانَ، واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ.
وقيلَ: ولمَصلَحةٍ أيضًا، واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ أيضًا، وذكَرَ بعضُهم رِوايةً تُجزِئُ لِلحاجةِ (٢).
أقولُ: وقد شكَّكَ بعضُهم في نِسبةِ هذا القَولِ لابنِ تَيميَّةَ ﵀ ولا داعيَ للتَّشكيكِ في نِسبةِ هذا القَولِ لابنِ تَيميَّةَ، فقد جاءَ في اختياراتِ ابنِ
стр. 2368
تَيميَّةَ لبُرهانِ الدِّينِ بنِ القَيمِ (١٣٨) ما نَصُّه: وأنَّه يَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في زَكاةِ المالِ وزَكاةِ الفِطرِ.
وقالَ في «اختِيارات البَعليِّ» (١٥٣): ويَجوزُ إِخراجُ القيمةِ في الزَّكاةِ للعُدولِ إلى الحاجةِ والمَصلَحةِ.
ومما يُقوِّي ذلك أنَّ ابنَ تَيميَّةَ يَرى جَوازَ إِخراجِ نِصفِ الصاعِ في القَمحِ. وهذا يَدلُّ على اعتِبارِ القيمةِ عندَه، وهو بهذا يُوافِقُ الأَحنافَ في هذه المَسألةِ بالذاتِ.
وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: عمَّن أخرَجَ القيمةَ في الزَّكاةِ فإنَّه كَثيرًا ما يَكونُ أنفَعَ للفَقيرِ هل هو جائِزٌ أو لا؟
فأجابَ: وأمَّا إِخراجُ القيمةِ في الزَّكاةِ والكَفارةِ ونحوِ ذلك فالمَعروفُ من مَذهبِ مالِكٍ والشافِعيِّ أنَّه لا يَجوزُ، وعندَ أبي حَنيفةَ يَجوزُ، وأحمدُ ﵀ قد منَع القيمةَ في مَواضعَ وجوَّزَها في مَواضعَ، فمِن أَصحابِه مَنْ أقَرَّ النَّصَّ ومنهم من جعَلَها على رِوايتَينِ.
والأظهَرُ في هذا أنَّ إِخراجَ القيمةِ لغيرِ حاجةٍ ولا مَصلَحةٍ راجِحةٍ مَمنوعٌ منه، ولِهذا قدَّرَ النَّبيُّ ﷺ الجُبرانَ بشاتَينِ أو عِشرينَ دِرهمًا ولم يَعدِلْ إلى القيمةِ؛ ولأنَّه متى جُوِّز إِخراجُ القيمةِ مُطلقًا فقد يَعدلُ المالِكُ إلى أَنواعٍ رَديئةٍ، وقد يَقعُ في التَّقويمِ ضَررٌ؛ ولأنَّ الزَّكاةَ مَبناها على المُواساةِ، وهذا مُعتبَرٌ في قَدرِ المالِ وجِنسِه، وأما إِخراجُ القيمةِ لِلحاجةِ أو المَصلحةِ أو العَدلِ فلا بأسَ به، مثلَ أنْ يَبيعَ ثَمرَ بُستانِه أو زَرعِه بدَراهمَ،
стр. 2369
فهنا إِخراجُ عُشرِ الدَّراهمِ يُجزِئُه ولا يُكلَّفُ أنْ يَشتريَ ثَمرًا أو حِنطةً؛ إذْ كانَ قد ساوَى الفُقراءَ بنَفسِه، وقد نَصَّ أحمدُ على جَوازِ ذلك.
ومِثلَ أنْ يَجبَ عليه شاةٌ في خَمسٍ من الإبلِ وليسَ عندَه مَنْ يَبيعُه شاةً، فإِخراجُ القيمةِ هنا كافٍ ولا يُكلَّفُ السَّفرَ إلى مَدينةٍ أُخرى ليَشتريَ شاةً، ومِثلَ أنْ يَكونَ المُستحِقُّونَ للزَّكاةِ طلَبوا منه إِعطاءَ القيمةِ لكَونِها أنفَعَ فيُعطيهم إيَّاها أو يَرى الساعي أنَّ أخْذَها أنفَعُ للفُقراءِ كما نُقلَ عن مُعاذِ بنِ جَبلٍ أنَّه كانَ يَقولُ لِأهلِ اليَمنِ: «ائْتُوني بخَميصٍ أو لَبيسٍ أسهَلُ عليكم وخَيرٌ لمَن في المَدينةِ من المُهاجِرينَ والأَنصارِ» وهذا قد قيلَ إنَّه قالَه في الزَّكاةِ، وقيلَ في الجِزيةِ (١).
وقالَ ﵀ في مَوضعٍ آخَرَ: فَصلٌ: ولِلناسِ في إِخراجِ القِيَمِ في الزَّكاةِ ثَلاثةُ أَقوالٍ:
أحدُها: أنَّه يُجزِئُ بكلِّ حالٍ كما قالَه أبو حَنيفةَ.
والثاني: لا يُجزئُ بحالٍ كما قالَه الشافِعيُّ.
والثالِثُ: أنَّه لا يُجزِئُ إلا عندَ الحاجةِ مثلَ من تَجبُ عليه شاةٌ في الإبِلِ وليسَت عندَه، ومِثلَ مَنْ يَبيعُ عِنبَه ورُطبَه قبلَ اليُبسِ، وهذا هو المَنصوصُ عن أحمدَ صَريحًا، فإنَّه منَعَ من إِخراجِ القِيَمِ، وجوَّزَه في مَواضعَ لِلحاجةِ، لكنْ مِنْ أَصحابِه مَنْ نقَلَ عنه جَوازَه فجعَلوا عنه في إِخراجِ القيمةِ رِوايتَينِ، واختَاروا المَنعَ؛ لأنَّه المَشهورُ عنه كقَولِ الشافِعيِّ، وهذا القَولُ أعدَلُ الأَقوالِ كما ذكَرْنا
стр. 2370
مِثلَه في الصَّلاةِ، فإنَّ الأدلَّةَ المُوجِبةَ للعَينِ نَصًّا وقِياسًا كسائِرِ أدلَّةِ الوُجوبِ.
ومَعلومٌ أنَّ مَصلَحةَ وُجوبِ العَينِ قد يُعارِضُها أَحيانًا في القيمةِ من المَصلَحةِ الراجِحةِ وفي العَينِ من المَشقَّةِ المَنفيَّةِ شَرعًا (١).
سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀ أيضًا: عن تاجِرٍ هل يَجوزُ أنْ يُخرِجَ من زَكاتِه الواجِبةِ عليه صِنفًا يَحتاجُ إليه؟
فأجابَ: الحَمدُ للهِ، إذا أَعطاه دَراهِمَ أجزَأَ بلا رَيبٍ.
وأمَّا إذا أَعطاه القيمةَ ففيه نِزاعٌ هل يَجوزُ مُطلقًا أو لا يَجوزُ مُطلقًا أو يَجوزُ في بعضِ الصُّورِ لِلحاجةِ أو المَصلَحةِ الراجِحةِ على ثَلاثةِ أَقوالٍ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وهذا القَولُ أعدَلُ الأَقوالِ.
فإنْ كانَ آخِذُ الزَّكاةِ يُريدُ أنْ يَشتريَ بها كِسوةً فاشتَرى رَبُّ المالِ له بها كِسوةً وأَعطاه فقد أحسَنَ إليه، وأمَّا إذا قوَّمَ هو الثِّيابَ التي عندَه وأَعطاها فقد يُقوِّمُها بأكثَرَ من السِّعرِ وقد يَأخذُ الثِّيابَ من لا يَحتاجُ إليها بل يَبيعُها فيُغرَّمَ أُجرةَ المُنادي، ورُبَّما خسِرت فيَكونُ في ذلك ضَررٌ على الفُقراءِ.
والأَصنافُ التي يَتَّجِرُ فيها يَجوزُ أنْ يُخرِجَ عنها جَميعًا دَراهمَ بالقيمةِ، فإنْ لم يَكنْ عندَه دَراهِمُ فأَعطى ثَمنَها بالقيمةِ فالأظهَرُ أنَّه يَجوزُ؛ لأنَّه واسَى الفُقراءَ فأَعطاهم من جِنسِ مالِه (٢).
стр. 2371
فصل مَصارِفِ زَكاةِ الفِطرِ
تَوزيعُ المُكلَّفِ زَكاةَ الفِطرِ بنَفسِه أو دَفعُها إلى الإمامِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على جَوازِ دَفعِ المُكلَّفِ زَكاةَ الفِطرِ بنَفسِه أو دَفعِها إلى الإمامِ إلا أنَّهم اختلَفوا: أيُّهما أفضَلُ؟ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: يُستحَبُّ أنْ يُفرِّقَها الإِنسانُ بنَفسِه وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اتَّفقَ أَصحابُنا على أنَّ الأفضَلَ أنْ يُفرِّقَ الفِطرةَ بنَفسِه، كما أشارَ إليه الشافِعيُّ بهذا النَّصِّ، وأنَّه لو دفَعَها إلى الإمامِ أو الساعي أو مَنْ تُجمَعُ عندَه الفِطرةُ لِلناسِ وأذِنَ له في إِخراجِها أجزَأَه، ولكنَّ تَفريقَه بنَفسِه أفضَلُ من هذا كلِّه، وممَّنَ صرَّحَ بهذا الماوَرديُّ والمَحامِليُّ في التَّجريدِ والبَغويُّ والسَّرخَسيُّ وسائِرُ الأَصحابِ، قالَ
стр. 2372
الماوَرديُّ: قالَ الشافِعيُّ: تَفريقُها بنَفسِه أحَبُّ إليَّ من أنْ يَطرحَها عندَ مَنْ تُجمَعُ عندَه (١).
وقالَ الإمامُ المَرداويُّ ﵀: الصَّحيحُ من المَذهبِ أنَّ تَفريقَ الفِطرةِ بنَفسِه أفضَلُ، وعنه دَفعُها إلى الإمامِ العادِلِ أفضَلُ. نقَلَه المَروزِيُّ (٢).
واستدَلُّوا على أنَّ الأفضلَ أنْ يَدفعَ الإِنسانُ زَكاةَ الفِطرِ بنَفسِه بالمَعقولِ وهو مِنْ وُجوهٍ:
١ - أنَّ المُزكِّي إذا قامَ بتَفريقِ زَكاتِه بنَفسِه فإنَّه يَتيقَّنُ وُصولَها لمُستحِقِّها، ولا شَكَّ أنَّ ما يُتيقَّنُ وُصولُه إلى مُستحِقِّه أفضَلُ مما لا يُتيقَّنُ وُصولُه، وهو دَفعُها إلى السُّلطانِ (٣).
٢ - تَفرِقةُ المُزكِّي لِزَكاتِه بنَفسِه مُباشَرةً تَفريجُ كُربةٍ لِمُستحِقِّها وإِغناؤُه بها مع إِعطائِها للأَوْلى بها من مَحاويجِ أَقاربِه وذَوي رَحمِه وصِلةٌ لرَحمِه بها، فكانَ أَوْلى من إِعطائِها للسُّلطانِ (٤).
٣ - ممَّا يُعلَمُ من تَتبُّعِ نُصوصِ الشَّريعةِ أنَّ الإِسرارَ بالصَّدقةِ أفضَلُ من إِعلانِها غالِبًا، والإِسرارُ بالصَّدقةِ لا يَتحقَّقُ على الوَجهِ الشَّرعيِّ المَطلوبِ إلا إذا فرَّقَ صاحِبُ المالِ زَكاتَه بنَفسِه، وهذا يُؤكِّدُ أنَّ تَفريقَ رَبِّ المالِ زَكاتَه ومُباشَرتَه أفضَلُ.
стр. 2373
القَولُ الثاني: يُستحَبُّ دَفعُها إلى الإمامِ وهو مَذهبُ المالِكيةِ والإمامِ أحمدَ في رِوايةٍ (١).
قالَ الإمامُ الخِرشيُّ ﵀: قَولُه: ولِلإمامِ العادِلِ -أي: ونُدبَ دَفعُها إلى الإمامِ العَدلِ- وظاهِرُ المُدوَّنةِ الوُجوبُ، ولَعلَّ المُؤلِّفَ حمَلها على الاستِحبابِ، ولَعلَّ الفَرقَ بينَها وبينَ زَكاةِ الأَموالِ -من أنَّه يَجبُ دَفعُها لِلإمامِ العَدلِ- مَشقَّةُ دَفعُ المالِ على النَّفسِ بخِلافِ الفِطرِ (٢).
واستدَلُّوا على أنَّ المُستحَبَّ أنْ يَدفعَ المُزكِّي زَكاةَ فِطرِه إلى الإمامِ بما يَلي:
عَنْ نافِعٍ، أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ كانَ «يَبعثُ بزَكاةِ الفِطرِ إلى الذي تُجمَعُ عندَه قبلَ الفِطرِ بيَومَينِ أو ثَلاثةٍ» (٣).
فهذا الأثَرُ يَدلُّ على أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ كانَ يَبعَثُ بزَكاةِ فِطرِه إلى الذي تُجمَعُ عندَه، وهو الإمامُ أو نائِبُه، فدَلَّ هذا على أنَّ دَفعَها إلى الإمامِ أفضَلُ ولو كانَ تَفريقُ المُكلَّفِ بزَكاةِ الفِطرِ بنَفسِه أفضَلَ لَما عدَلَ ابنُ عُمرَ وهو مِنْ أحرَصِ الصَّحابةِ على اتِّباعِ السُّنةِ كما هو مَعروفٌ عنه.
ولأنَّ الإمامَ أعرَفُ بأهلِ الحاجةِ؛ لأنَّهم يَقصِدونَه.
стр. 2374
قالَ أبو الوَليدِ الباجيُّ ﵀: إنَّ أهلَ الحاجةِ والفاقةِ إنَّما يَقصِدونَ الإمامَ ويَطلُبونَ منه لِكَونِ بَيتِ المالِ بيدَيه، فإنْ كانَ من أهلِ العَدلِ، فدفَعَ هذه الحُقوقِ إليه أَوْلى ليَضَعها في نَوائبِ المُسلِمينَ، وما يَعتَريه من ضَروراتِهم. لذلك يُستحَبُّ دَفعُها إلى الإمامِ (١).
يُستدَلُّ لِهذا القَولِ بما رَواه البُخاريُّ عن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: وكَّلَني رَسولُ اللهِ ﷺ بحِفظِ زَكاة رَمضانَ، فأَتانِي آتٍ فجعَلَ يَحثُو مِنْ الطَّعامِ فأخَذْتُه، وقُلتُ: واللهِ لأَرفَعنَّك إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: إنِّي مُحتاجٌ، وعَليَّ عِيالٌ ولِي حاجَةٌ شَديدَةٌ، قالَ: فخلَّيْتُ عنه، فأَصبَحتُ، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : «يا أَبا هُريرةَ، ما فعَلَ أَسيرُكَ البارِحةَ»، قالَ: قلتُ: يَا رَسولَ اللهِ، شَكا حاجَةً شَديدَةً، وعِيالًا، فرَحِمتُه، فخلَّيْتُ سَبيلَهُ، قالَ: «أَما إنَّه قد كذَبَك، وسيَعودُ»، فعرَفْتُ أنَّه سيَعودُ؛ لقَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ : «إنَّه سيَعودُ، فرصَدْتُه»، فجاءَ يَحثُو مِنْ الطَّعامِ، فأخَذْتُه، فقُلتُ: لأَرفعَنَّك إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قالَ: دَعنِي فإنِّي مُحتاجٌ وعلَيَّ عِيالٌ، لا أَعودُ، فرحِمتُه، فخلَّيْتُ سَبيلَه، فأَصبَحتُ، فَقالَ لِي رَسولُ اللهِ ﷺ : «يَا أَبا هُريرةَ، ما فعَلَ أَسيرُكَ»، قلتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، شَكا حَاجَةً شَديدَةً، وعِيالًا، فرحِمْتُه، فخَلَّيْتُ سَبيلَه، قالَ: «أَما إنَّه قد كذَبَك وسيَعودُ»، فرصَدْتُه الثَّالثةَ، فجاءَ يَحثُو مِنْ الطَّعامِ، فأخَذْتُه، فقُلتُ: لأَرفعَنَّك إلى رَسولِ اللهِ، وهذا آخرُ ثَلاثِ مرَّاتٍ،
стр. 2375
أنَّك تَزعمُ لا تَعودُ، ثُم تَعودُ، قالَ: دَعنِي أُعلِّمكَ كلِمَاتٍ يَنفَعُك اللَّهُ بها، قلتُ: ما هو؟ قالَ: إذَا أَويْتَ إلى فِراشِك، فَاقرَأْ آيةَ الكُرسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، حتى تَختِمَ الآيةَ، فإنَّك لَنْ يَزالَ عليك مِنْ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقربنَّكَ شَيطانٌ حتى تُصبِحَ، فخلَّيْتُ سَبيلَه، فأَصبَحْتُ فَقالَ لِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «مَا فعَلَ أَسيرُكَ البارِحَةَ»، قلتُ: يَا رَسولَ اللَّهِ، زعَمَ أنَّه يُعلِّمُني كلِماتٍ يَنفعُني اللَّهُ بها، فخَلَّيتُ سَبيلَه، قالَ: «ما هي؟»، قلتُ: قالَ لي: إذَا أوَيْتَ إلى فِراشِكَ فَاقرَأْ آيةَ الكُرسِيِّ مِنْ أوَّلِها حتى تَختِمَ الآيةَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وقالَ لِي: لَنْ يَزالَ عليك مِنْ اللَّهِ حافِظٌ، ولا يَقرَبُك شَيطانٌ حتى تُصبِحَ -وكانُوا أَحرَصَ شَيءٍ على الخَيرِ-، فَقالَ النَّبيُّ ﷺ : «أَما إنَّه قد صدَقَك وهو كذُوبٌ، تَعلَمُ من تُخاطِبُ منذُ ثَلاثِ لَيالٍ يا أَبا هُريرةَ»، قالَ: لا، قالَ: «ذاكَ شَيطانٌ» (١).
أفادَ هذا الحَديثُ أنَّ زَكاةَ رَمضانَ كانَت تُجمَعُ عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ وقد وكَّلَ أَبا هُريرةَ بحِفظِها، وهذا يَدلُّ على أنَّ دَفعَها إلى الإمامِ أَوْلى كما كانَ ذلك في عَهدِه ﷺ .
مَصارفُ زَكاةِ الفِطرِ:
اختَلفَ العُلماءُ في مَصارفِ زَكاةِ الفِطرِ هل تُصرَفُ للأَصنافِ الثَّمانيةِ الذين يُصرَفُ لهم زَكاةُ المالِ أو هي خاصَّةٌ بالفُقراءِ والمَساكينِ فقط؟ على قولَينِ:
стр. 2376
القَولُ الأولُ: أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هُمْ الفُقراءُ والمَساكينُ دونَ غَيرِهم، فلا تُصرَفُ لِعامِلٍ عليها، ولا لمُؤلَّفٍ قَلبُه، ولا في الرِّقابِ، ولا للغارِمِ ولا المُجاهِدِ ولا ابنِ السَّبيلِ يَتوصَّلُ بها إلى بَلدِه، بل لا تُعطَى إلا بوَصفِ الفَقرِ، ومن أُعطِيَ من هؤلاء فإنَّما يُعطَى بوَصفِ الفَقرِ وهو مَذهبُ المالِكيةِ وجَماعةٍ من الحَنابِلةِ منهم شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيمِ (١).
قالَ الدَّرديرُ ﵀: (وإنَّما تُدفَعُ لحُرٍّ مُسلِمٍ فَقيرٍ) غيرِ هاشِميٍّ، فتُدفَعُ لِمالِكِ نِصابٍ لا يَكفيه عامَه، فأَوْلى من لا يَملِكُه لا لِعامِلٍ عليها ومُؤلَّفٍ قَلبُه ولا في الرِّقابِ ولا لِغارمٍ ومُجاهِدٍ وغَريبٍ يَتوصَّلُ بها لبَلدِه، بل بوَصفِ الفَقرِ (٢).
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ﵀: لا يَجوزُ دَفعُها إلا لمَن يَستحِقُّ الكَفارةَ وهو مَنْ يَأخذُ لحاجَتِه، ولا تُصرَفُ في المُؤلَّفةِ والرِّقابِ وغيرِ ذلك، قالَ: وهذا القَولُ أَقوى في الدَّليلِ (٣).
وقالَ ابنُ القَيمِ ﵀: وكانَ مِنْ هَديِه ﷺ تَخصيصُ المَساكينِ بهذه الصَّدَقةِ ولم يَكنْ يَقسِمُها على الأَصنافِ الثَّمانيةِ قَبضةً
стр. 2377
قَبضةً، ولا أمرَ بذلك ولا فعَلَه أحَدٌ من الصَّحابةِ، ولا مَنْ بعدَهم، بل أحَدُ القولَينِ عندَنا أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُها إلا على المَساكينِ خاصَّةً (١).
واستدَلُّوا على أنَّ زَكاةَ الفِطرِ إنَّما تُصرَفُ للفُقراءِ والمَساكينِ دونَ غيرِهم بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: السُّنةُ:
أ - عن عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ ﵄ قالَ: «فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ طُهرةً للصَّائمِ مِنْ اللَّغوِ والرَّفثِ، وطُعمَةً للمَساكينِ، مَنْ أدَّاها قبلَ الصَّلاةِ، فهي زَكاةٌ مَقبولَةٌ، ومَن أدَّاها بعدَ الصَّلاةِ، فهي صَدقَةٌ مِنْ الصَّدقاتِ» (٢).
فهذا الحَديثُ يَدلُّ على أنَّ صَدقةَ الفِطرِ إنَّما تُصرَفُ للمَساكينِ خاصَّةً دونَ غيرِهم لِما اشتَملَ عليه من لَفظِ: «وطُعمَةً للمَساكِينِ» فخَصَّ المَساكينَ بها دونَ غَيرِهم.
قالَ الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: وفيه دَليلٌ على أنَّ الفِطرةَ تُصرَفُ في المَساكينِ دونَ غيرِهم من مَصارفِ الزَّكاةِ (٣).
ب - عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابنِ عُمرَ قالَ: فرَضَ رَسولُ اللهِ ﷺ زَكاةَ الفِطرِ وقالَ: «أَغْنوهُم فِي هذا اليَومِ» (٤).
стр. 2378
وَجهُ الاستِدلالِ من هذا الحَديثِ هو ما اشتَملَ عليه من أمرِه ﷺ بإِغناءِ الفُقراءِ في هذا اليَومِ من قَولِه: «أَغْنوهُم فِي هذا اليَومِ»، أي: الفُقراءَ والمَساكينَ، فدَلَّ ذلك على أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ إنَّما هو للفُقراءِ والمَساكينِ خاصَّةً.
ثانيًا: المَعقولُ:
وهو: أنَّ مِقدارَ الواجِبِ على المُكلَّفِ في زَكاةِ الفِطرِ صاعٌ من طَعامٍ، فإذا قُلنا: إنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هو مَصرِفُ زَكاةِ المالِ، وُزِّعَ الصاعُ على ثَمانيةِ أَصنافٍ، أو حتى على بعضِهم، وأخَذَ كلُّ واحِدٍ منهم حَفنةً من الصاعِ فإنَّه لا يَحصلُ الإِغناءُ المُرادُ من مَشروعيَّةِ الزَّكاةِ للفُقراءِ والمَساكينِ في يومِ الفِطرِ، فتَبيَّنَ من هذا أنَّ زَكاةَ الفِطرِ خاصَّةٌ بالفُقراءِ والمَساكينِ دونَ غيرِهم (١).
القَولُ الثاني: أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هو مَصرِفُ زَكاةِ المالِ، أي: صَرفُها في الأَصنافِ الثَّمانيةِ، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في قَولٍ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ والظاهِريَّةِ (٢).
стр. 2379
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وتُقسَّمُ زَكاةُ الفِطرِ على مَنْ تُقسَّمُ عليه زَكاةُ المالِ لا يُجزِئُ فيها غيرُ ذلك (١).
وقالَ الخِرقيُّ ﵀: ويُعطِي صَدقةَ الفِطرِ لمَن يَجوزُ أنْ يُعطَى صَدقةَ الأَموالِ (٢).
واستدَلُّوا على أنَّ مَصرِفَ زَكاةِ الفِطرِ هو نَفسُه مَصرِفُ زَكاةِ المالِ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: الكِتابُ:
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
اشتَملَت الآيةُ الكَريمةُ على ذِكرِ مَنْ تُصرَفُ لهم الصَّدقاتُ، ولَفظُ الصَّدقاتِ عامٌّ، فيَشمَلُ جَميعَ الصَّدقاتِ، ومنها صَدقةُ الفِطرِ؛ لأنَّها واجِبةٌ فتُدفَعُ إلى مَنْ تُدفَعُ لهم سائِرُ الصَّدقاتِ الواجِبةِ وهُم الأَصنافُ الثَّمانيةُ المَذكورونَ في الآيةِ.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀ بعدَ ذِكرِ الآيةِ: فجعَلَ ما انطَلقَ اسمُ الصَّدقةِ عليه مُستحِقًّا لمَن اشتَملَت الآيةُ عليه، ولأنَّها صَدقةٌ واجِبةٌ وجَبَ ألَّا يَختَصَّ بها صِنفٌ مع وُجودِ غيرِه كزَكواتِ المالِ (٣).
стр. 2380
ثانيًا: السُّنةُ:
عن زيادِ بنِ الحَرثِ الصُّدائيِّ صاحِبِ رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: أتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فبايَعتُه، فذكَرَ حَديثًا طَويلًا، قالَ: فأَتاه رَجلٌ، فقالَ: أعْطِني مِنْ الصَّدقةِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تعالَى لَم يَرضَ بحُكمِ نَبيٍّ ولا غيرِه فِي الصَّدقاتِ، حتى حَكمَ فيها هو، فجزَّأَها ثَمانِيةَ أَجزاءٍ، فإِنْ كُنْتَ مِنْ تِلكَ الأَجْزاءِ أَعطَيتُك حقَّكَ» (١).
دَلَّ هذا الحَديثُ على ما دلَّت عليه الآيةُ السابِقةُ من أنَّ الصَّدقةَ تُعطَى للأَصنافِ الثَّمانيةِ؛ لأنَّ لَفظَ «الصَّدقةِ» عامٌّ في الحَديثِ فيَشمَلُ صَدقةَ الفِطرِ كسائِرِ الصَّدقاتِ فدَلَّ ذلك على صَرفِها في الأَصنافِ الثَّمانيةِ كزَكاةِ المالِ.
ثالثًا: المَعقولُ:
وهو: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ الأَموالِ بجامِعِ الوُجوبِ في كلٍّ، وزَكاةُ الأَموالِ مَصرِفُها الأَصنافُ الثَّمانيةُ، فكذلك زَكاةُ الفِطرِ.
هل يُشتَرطُ تَعميمُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ في الزَّكاةِ أو الاقتِصارُ على صِنفٍ واحِدٍ:
على القَولِ بأنَّ مَصرِفَ الزَّكاةِ الأَصنافُ الثَّمانيةُ هل يَجبُ تَعميمُ الزَّكاةِ على الأَصنافِ الثَّمانيةِ أو يَجوزُ الاقتِصارُ على صِنفٍ واحِدٍ؟ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: لا يَجبُ تَعميمُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ، بل يَجوزُ الاقتِصارُ على صِنفٍ واحِدٍ وهو قَولُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ وبعضِ
стр. 2381
الشافِعيةِ، وبه قالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ وعلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ، وابنُ عباسٍ وحُذيفةُ ﵃ من الصَّحابةِ، ومِن التابِعينَ قالَ به سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ وإِبراهيمُ النَّخَعيُّ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، وأبو العالِيةِ (١).
قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: ولا يُروى عن الصَّحابةِ خِلافُه، فصارَ إِجماعًا من السَّلفِ لا يَسعُ أحَدًا خِلافُه لظُهورِه واستِفاضتِه فيهم من غيرِ خِلافٍ ظهَر من أحدٍ مِنْ نُظرائِهم (٢).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: لا بأسَ أنْ يُعطيَ صَدقةَ الفِطرِ عنه وعن عيالِه مِسكينًا واحِدًا (٣).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: ونُدبَ إِيثارُ المُضطَّرِ -أي: المُحتاجِ- على غيرِه بأنْ يَزدادَ في إِعطائِه منها دونَ عُمومِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، فلا يُندَبُ إلا أنْ يَقصِدَ الخُروجَ من خِلافِ الشافِعيِّ (٤).
стр. 2382
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: فلو اقتَصرَ رَبُّ المالِ في دَفعِ الزَّكاةِ على صِنفٍ منها -أي: من الأَصنافِ الثَّمانيةِ- أو اقتَصرَ على واحِدٍ منه أجزَأَه ذلك، نَصَّ عليه، وهو قَولُ عُمرَ وحُذيفةَ وابنِ عباسٍ (١).
واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو عَدمُ وُجوبِ تَعميمِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ وجَوازُ الاقتِصارِ على صِنفٍ واحِدٍ أو على شَخصٍ واحِدٍ- بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ.
أولًا: الكِتابُ:
قولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
فهذه الآيةُ تدلُّ على جَوازِ إِيتاءِ الصَّدقاتِ إلى صِنفٍ واحِدٍ لِما اشتَملَت عليه من لَفظِ ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ فنَصَّت الآيةُ على صِنفٍ واحِدٍ وهُم الفُقراءُ، ولو وجَبَ تَعميمُ الأَصنافِ لَما اقتَصرَ على الفُقراءِ؛ ولأنَّ لَفظَ الصَّدقاتِ في الآيةِ عامٌّ يَشمَلُ صَدقةَ الفِطرِ كسائِرِ الصَّدقاتِ.
وقالَ القُرطبيُّ ﵀: والصَّدقةُ متى أُطلِقت في القُرآنِ فهي صَدقةُ الفَرضِ (٢).
стр. 2383
ثانيًا: السُّنةُ:
أ - عَنْ ابنِ عَباسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افْتَرضَ علَيهم خَمسَ صَلَواتٍ فِي كلِّ يَومٍ ولَيلَةٍ، فإِنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ افتَرضَ علَيهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أغْنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١).
فهذا دَليلٌ على أنَّه لا يَجبُ استِيعابُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ، وجَوازِ الاقتِصارِ على صِنفٍ واحِدٍ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من قَولِه ﷺ : «تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» فنَصَّ على صِنفٍ واحِدٍ وهُم الفُقراءُ، فدَلَّ ذلك على جَوازِ صَرفِ الصَّدقةِ إليهم وهُم صِنفٌ واحِدٌ.
ب- عَنْ قَبيصَةَ بنِ مُخارِقٍ الهِلالِيِّ قالَ: تَحمَّلتُ حَمالَةً، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أَسأَلُه فيها، فقالَ: «أَقمْ حتى تأْتِيَنا الصَّدقةُ، فنَأمُرَ لكَ بها … » الحَديثَ (٢).
وهذا الحَديثُ أيضًا يَدلُّ على جَوازِ الاقتِصارِ في دَفعِ الصَّدقةِ على صِنفٍ واحِدٍ، وذلك لقَولِه ﷺ : «أَقمْ حتى تَأتِيَنا الصَّدقةُ، فنَأْمرَ لكَ بها»، فأخبَرَ ﷺ أنَّه سيَأمرُ لقَبيصةَ بالصَّدقةِ إذا أتَتْ، وقَبيصةُ شَخصٌ واحِدٌ، فإذا جازَ دَفعُ الصَّدقةِ لشَخصٍ واحِدٍ، فإنَّه يَدلُّ على عَدمِ وُجوبِ استِيعابِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ.
стр. 2384
ج- عَنْ سَلمةَ بْنِ صَخْرٍ قالَ: ابنُ العَلاءِ البَياضِيُّ قالَ: كُنْتُ امرَأً أُصِيبُ مِنْ النِّساءِ ما لَا يُصيبُ غيرِي، فلمَّا دخَلَ شَهرُ رَمضانَ خِفتُ أنْ أُصِيبَ مِنْ امرَأتِي شَيئًا يُتابَعُ بِي حتى أُصبحَ، فَظاهَرتُ منها حتى يَنسَلخَ شَهرُ رَمضانَ، فبَيْنا هي تَخدُمُني ذاتَ لَيلةٍ؛ إذْ تَكشَّفَ لِي منها شَيءٌ، فلَم ألبَثْ أنْ نَزوْتُ عليها، فلمَّا أَصبَحتُ خرَجْتُ إلى قَومِي فأَخبَرتُهم الخبَرَ، وقُلتُ امْشُوا معِي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قَالُوا: لا واللَّهِ، فانطَلقْتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فأَخبَرتُه، فقالَ: «أنتَ بذاكَ يا سَلمَةُ؟»، قلتُ: أَنا بذاكَ يا رَسولَ اللهِ، مَرتَينِ، وأَنا صابِرٌ لأَمرِ اللهِ، فَاحكُمْ فِيَّ ما أَراكَ اللَّهُ، قالَ: «حرِّرْ رَقبَةً»، قلتُ: والَّذي بعَثَك بالحَقِّ ما أَملِكُ رقَبةً غيرَها، وضرَبْتُ صَفْحَةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتتابعَينِ»، قالَ: وهلْ أَصبْتُ الذي أَصبْتُ إِلَّا مِنْ الصِّيامِ؟ قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ سِتينَ مِسكينًا»، قلتُ: والَّذي بعَثَك بالحَقِّ لقد بِتْنا وَحشَينِ ما لَنا طَعامٌ، قالَ: «فانْطَلقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُريقٍ فلْيَدفعْها إليكَ … » (١).
ففي هذا الحَديثِ أمرَ النَّبيُّ ﷺ بصَدقةِ بَني زُريقٍ لِرجلٍ واحِدٍ، بقَولِه: «فانْطلِقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُريقٍ فلْيَدفعْها إليكَ»، فدَلَّ ذلك على جَوازِ الاقتِصارِ في دَفعِ الصَّدقةِ لصِنفٍ واحِدٍ، وأنَّه لا يَجبُ التَّعميمُ في الصَّدقةِ؛ إذ لو كانَ التَّعميمُ واجبًا لَما أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بدَفعِ صَدقةِ بَني زُريقٍ لرَجلٍ واحِدٍ.
стр. 2385
قالَ الإمامُ الخَطابيُّ ﵀: وفيه حُجةٌ (أي: الحَديثِ) لمَن ذهَبَ إلى جَوازِ أنْ يَضعَ الرَّجلُ صَدقتَه في صِنفٍ واحِدٍ من الأَصنافِ السِّتةِ، ولا يُفرِّقَها في السِّهامِ (١).
ثالثًا: المَعقولُ: وهو مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: كما أنه لا يَجبُ تَعميمُ الصِّنفِ الواحِدِ، فكذلك لا يَجبُ تَعميمُ الأَصنافِ.
قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ: والذي جَعلْناه فَيصلًا بينَنا وبينَهم أنَّ الأُمةَ اتَّفقَت على أنَّه لو أَعطى كلَّ صِنفٍ حَظَّه لم يَجبْ تَعميمُه، فكذلك تَعميمُ الأَصنافِ واللهُ أعلمُ (٢).
الثاني: هو أنَّ التَّعميمَ لكلِّ الأَصنافِ فيه حَرجٌ ومَشقَّةٌ وذلك مُنتَفٍ شَرعًا بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
فإنَّ المُرادَ بالآيةِ الأَصنافُ التي يَجوزُ الدَّفعُ إليهم، لا تَعيينُ الدَّفعِ لهم (٣).
قالَ ابنُ كَثيرٍ ﵀: إنَّما ذُكِرت الأَصنافُ ههنا لبَيانِ المَصرِفِ لا لوُجوبِ استِيعابِ الإِعطاءِ (٤).