الشافِعيةِ، وبه قالَ عُمرُ بنُ الخَطابِ وعلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ، وابنُ عباسٍ وحُذيفةُ ﵃ من الصَّحابةِ، ومِن التابِعينَ قالَ به سَعيدُ بنُ جُبَيرٍ وإِبراهيمُ النَّخَعيُّ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، وأبو العالِيةِ (١).
قالَ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: ولا يُروى عن الصَّحابةِ خِلافُه، فصارَ إِجماعًا من السَّلفِ لا يَسعُ أحَدًا خِلافُه لظُهورِه واستِفاضتِه فيهم من غيرِ خِلافٍ ظهَر من أحدٍ مِنْ نُظرائِهم (٢).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: لا بأسَ أنْ يُعطيَ صَدقةَ الفِطرِ عنه وعن عيالِه مِسكينًا واحِدًا (٣).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: ونُدبَ إِيثارُ المُضطَّرِ -أي: المُحتاجِ- على غيرِه بأنْ يَزدادَ في إِعطائِه منها دونَ عُمومِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، فلا يُندَبُ إلا أنْ يَقصِدَ الخُروجَ من خِلافِ الشافِعيِّ (٤).
стр. 2382
وقالَ البُهوتيُّ ﵀: فلو اقتَصرَ رَبُّ المالِ في دَفعِ الزَّكاةِ على صِنفٍ منها -أي: من الأَصنافِ الثَّمانيةِ- أو اقتَصرَ على واحِدٍ منه أجزَأَه ذلك، نَصَّ عليه، وهو قَولُ عُمرَ وحُذيفةَ وابنِ عباسٍ (١).
واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو عَدمُ وُجوبِ تَعميمِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ وجَوازُ الاقتِصارِ على صِنفٍ واحِدٍ أو على شَخصٍ واحِدٍ- بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ.
أولًا: الكِتابُ:
قولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
فهذه الآيةُ تدلُّ على جَوازِ إِيتاءِ الصَّدقاتِ إلى صِنفٍ واحِدٍ لِما اشتَملَت عليه من لَفظِ ﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ فنَصَّت الآيةُ على صِنفٍ واحِدٍ وهُم الفُقراءُ، ولو وجَبَ تَعميمُ الأَصنافِ لَما اقتَصرَ على الفُقراءِ؛ ولأنَّ لَفظَ الصَّدقاتِ في الآيةِ عامٌّ يَشمَلُ صَدقةَ الفِطرِ كسائِرِ الصَّدقاتِ.
وقالَ القُرطبيُّ ﵀: والصَّدقةُ متى أُطلِقت في القُرآنِ فهي صَدقةُ الفَرضِ (٢).
стр. 2383
ثانيًا: السُّنةُ:
أ - عَنْ ابنِ عَباسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افْتَرضَ علَيهم خَمسَ صَلَواتٍ فِي كلِّ يَومٍ ولَيلَةٍ، فإِنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ افتَرضَ علَيهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أغْنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١).
فهذا دَليلٌ على أنَّه لا يَجبُ استِيعابُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ، وجَوازِ الاقتِصارِ على صِنفٍ واحِدٍ، وذلك لِما اشتَملَ عليه من قَولِه ﷺ : «تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» فنَصَّ على صِنفٍ واحِدٍ وهُم الفُقراءُ، فدَلَّ ذلك على جَوازِ صَرفِ الصَّدقةِ إليهم وهُم صِنفٌ واحِدٌ.
ب- عَنْ قَبيصَةَ بنِ مُخارِقٍ الهِلالِيِّ قالَ: تَحمَّلتُ حَمالَةً، فأتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أَسأَلُه فيها، فقالَ: «أَقمْ حتى تأْتِيَنا الصَّدقةُ، فنَأمُرَ لكَ بها … » الحَديثَ (٢).
وهذا الحَديثُ أيضًا يَدلُّ على جَوازِ الاقتِصارِ في دَفعِ الصَّدقةِ على صِنفٍ واحِدٍ، وذلك لقَولِه ﷺ : «أَقمْ حتى تَأتِيَنا الصَّدقةُ، فنَأْمرَ لكَ بها»، فأخبَرَ ﷺ أنَّه سيَأمرُ لقَبيصةَ بالصَّدقةِ إذا أتَتْ، وقَبيصةُ شَخصٌ واحِدٌ، فإذا جازَ دَفعُ الصَّدقةِ لشَخصٍ واحِدٍ، فإنَّه يَدلُّ على عَدمِ وُجوبِ استِيعابِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ.
стр. 2384
ج- عَنْ سَلمةَ بْنِ صَخْرٍ قالَ: ابنُ العَلاءِ البَياضِيُّ قالَ: كُنْتُ امرَأً أُصِيبُ مِنْ النِّساءِ ما لَا يُصيبُ غيرِي، فلمَّا دخَلَ شَهرُ رَمضانَ خِفتُ أنْ أُصِيبَ مِنْ امرَأتِي شَيئًا يُتابَعُ بِي حتى أُصبحَ، فَظاهَرتُ منها حتى يَنسَلخَ شَهرُ رَمضانَ، فبَيْنا هي تَخدُمُني ذاتَ لَيلةٍ؛ إذْ تَكشَّفَ لِي منها شَيءٌ، فلَم ألبَثْ أنْ نَزوْتُ عليها، فلمَّا أَصبَحتُ خرَجْتُ إلى قَومِي فأَخبَرتُهم الخبَرَ، وقُلتُ امْشُوا معِي إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، قَالُوا: لا واللَّهِ، فانطَلقْتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فأَخبَرتُه، فقالَ: «أنتَ بذاكَ يا سَلمَةُ؟»، قلتُ: أَنا بذاكَ يا رَسولَ اللهِ، مَرتَينِ، وأَنا صابِرٌ لأَمرِ اللهِ، فَاحكُمْ فِيَّ ما أَراكَ اللَّهُ، قالَ: «حرِّرْ رَقبَةً»، قلتُ: والَّذي بعَثَك بالحَقِّ ما أَملِكُ رقَبةً غيرَها، وضرَبْتُ صَفْحَةَ رَقبَتي، قالَ: «فصُمْ شَهرَينِ مُتتابعَينِ»، قالَ: وهلْ أَصبْتُ الذي أَصبْتُ إِلَّا مِنْ الصِّيامِ؟ قالَ: «فأَطعِمْ وَسقًا مِنْ تَمرٍ بينَ سِتينَ مِسكينًا»، قلتُ: والَّذي بعَثَك بالحَقِّ لقد بِتْنا وَحشَينِ ما لَنا طَعامٌ، قالَ: «فانْطَلقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُريقٍ فلْيَدفعْها إليكَ … » (١).
ففي هذا الحَديثِ أمرَ النَّبيُّ ﷺ بصَدقةِ بَني زُريقٍ لِرجلٍ واحِدٍ، بقَولِه: «فانْطلِقْ إلى صاحِبِ صَدقةِ بَني زُريقٍ فلْيَدفعْها إليكَ»، فدَلَّ ذلك على جَوازِ الاقتِصارِ في دَفعِ الصَّدقةِ لصِنفٍ واحِدٍ، وأنَّه لا يَجبُ التَّعميمُ في الصَّدقةِ؛ إذ لو كانَ التَّعميمُ واجبًا لَما أمَرَ النَّبيُّ ﷺ بدَفعِ صَدقةِ بَني زُريقٍ لرَجلٍ واحِدٍ.
стр. 2385
قالَ الإمامُ الخَطابيُّ ﵀: وفيه حُجةٌ (أي: الحَديثِ) لمَن ذهَبَ إلى جَوازِ أنْ يَضعَ الرَّجلُ صَدقتَه في صِنفٍ واحِدٍ من الأَصنافِ السِّتةِ، ولا يُفرِّقَها في السِّهامِ (١).
ثالثًا: المَعقولُ: وهو مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: كما أنه لا يَجبُ تَعميمُ الصِّنفِ الواحِدِ، فكذلك لا يَجبُ تَعميمُ الأَصنافِ.
قالَ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ: والذي جَعلْناه فَيصلًا بينَنا وبينَهم أنَّ الأُمةَ اتَّفقَت على أنَّه لو أَعطى كلَّ صِنفٍ حَظَّه لم يَجبْ تَعميمُه، فكذلك تَعميمُ الأَصنافِ واللهُ أعلمُ (٢).
الثاني: هو أنَّ التَّعميمَ لكلِّ الأَصنافِ فيه حَرجٌ ومَشقَّةٌ وذلك مُنتَفٍ شَرعًا بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
وأمَّا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
فإنَّ المُرادَ بالآيةِ الأَصنافُ التي يَجوزُ الدَّفعُ إليهم، لا تَعيينُ الدَّفعِ لهم (٣).
قالَ ابنُ كَثيرٍ ﵀: إنَّما ذُكِرت الأَصنافُ ههنا لبَيانِ المَصرِفِ لا لوُجوبِ استِيعابِ الإِعطاءِ (٤).
стр. 2386
الثاني: قَولُهم بأنَّ الآيةَ اشتَملَت على لَفظِ ﴿إِنَّمَا﴾ وهي تَقتَضي الحَصرَ في وُقوفِ الصَّدقاتِ على الأَصنافِ المَذكورينَ، فغيرُ مُسلَّمٍ لهم به؛ لأنَّه ليسَ في هذا الاستِدلالِ ما يَدلُّ على وُجوبِ الاستيعابِ للأَصنافِ، وإنَّما يَدلُّ على أنَّ الأَصنافَ مَحصورةٌ في هؤلاءِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ فتُثبِتُهم وتَنفي مَنْ عَداهم.
وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: قَولُه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ﴾ للحَصرِ، وإنَّما تُثبِتُ المَذكورَ وتَنفي ما عَداه، والمَعنى: ليسَت الصَّدَقةُ لغيرِ هؤلاء، بل لِهؤلاء، فالمُثبَتُ من جِنسِ المَنفيِّ، ومَعلومٌ أنَّه لم يَقصِدْ تَبيينَ المِلكِ بل قصَدَ تَبيينَ الحِلِّ، أي: لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغيرِ هؤلاء، فيَكونُ المَعنى: بل تَحلُّ لَهم … إلخ (١).
الثالِثُ: قَولُهم: إنَّ اللَّامَ في قَولِه تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لَامُ التَّمليكِ، ثم عطَف عليها بواوِ العَطفِ «التَّشريكِ» فدَلَّ ذلك على وُجوبِ الاستِيعابِ، فغيرُ مُسلَّمٍ لهم به؛ لأنَّ اللَّامَ هنا ليسَت للتَّمليكِ، وإنَّما للاختِصاصِ والاستِحقاقِ، وهو أنَّهم المُستحِقُّونَ لها والمُختصُّونَ بها دونَ غيرِهم.
وقالَ الزَّبيديُّ الحَنفيُّ ﵀: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] اللَّامُ في هذا البابِ لبَيانِ جِهةِ المُستحِقِّ لا للتَّشريكِ والقِسمةِ، بل كلُّ صِنفٍ مما ذكَرَه اللهُ يَجوزُ للإِنسانِ دَفعُ صَدقتِه كلِّها إليه دونَ بَقيَّةِ الأَصنافِ ويَجوزُ إلى واحِدٍ من الصِّنفِ؛ لأنَّ كلَّ
стр. 2387
صِنفٍ منهم لا يُحصَى، والإِضافةُ إلى مَنْ لا يُحصَى لا تَكونُ للتَّمليكِ وإنَّما هو لبَيانِ الجِهةِ فيه فيَتناوَلُ الجِنسَ، وهو الواحِدُ، ألَا تَرى أنَّ من حلَفَ لا يَشربُ ماءَ الدِّجلةِ فشرِبَ منه جَرعةً واحِدةً حنَثَ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ على شُربِه كلِّه، فعُلمَ أنَّ هذه الأَصنافَ الثَّمانيةَ بجُملتِهم للزَّكاةِ مِثلُ الكَعبةِ للصَّلاةِ، وكلُّ صِنفٍ منهم مِثلُ جُزءٍ من الكَعبةِ، واستِقبالُ جُزءٍ من الكَعبةِ كافٍ، وقَولُه تَعالى: ﴿إِنَّمَا﴾ هو لإِثباتِ المَذكورِ ونَفيِ ما عداه، وهو حَصرٌ لجِنسِ الصَّدقاتِ على هذه الأَصنافِ المَعدودةِ، وأنَّها مُختصَّةٌ بهم مُنحصِرةٌ عليهم، كأنَّه قالَ: إنَّما هي لهم، وليسَت لغيرِهم (١).
القَولُ الثاني: أنَّه يَجبُ تَعميمُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ في زَكاةِ الفِطرِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ وداودَ وابنِ حَزمٍ الظاهِريِّ ورِوايةٌ عن أحمدَ اختارَها أبو الخَطابِ وغيرُه من الحَنابِلةِ (٢).
قالَ الماوَرديُّ ﵀: قالَ الشافِعيُّ ﵀: «ويَقسِمُها على من تُقسَمُ عليه زَكاةُ المالِ». قالَ: وهذا كما قالَ: مَصرِفُ زَكاةِ الفِطرِ، مَصرِفُ زَكاةِ المالِ في الأَصنافِ المَذكورينَ في كِتابِ اللهِ تَعالى.
وقالَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ: إنْ تَولَّى إِخراجَه بنَفسِه جازَ أنْ يَقتصِرَ على صِنفٍ واحِدٍ من جُملةِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ، فيَدفعَها إلى ثَلاثةٍ من أيِّ
стр. 2388
الأَصنافِ شاءَ، ولا يَجوزُ أنْ يَقتصِرَ على أقلَّ من ثَلاثةٍ، وإنْ دفَعَها إلى الإمامِ لم يُعطِها إلا في جَميعِ الأَصنافِ، وفصَلَ بينَهما للضَّرورةِ؛ ولأنَّ الإمامَ يُمكِنُه وَضعُها في جَميعِهم من غيرِ مَشقَّةٍ مع اتِّساعِ المالِ، وكَثرةِ الصَّدقاتِ، ورَبُّ المالِ إنْ كُلِّفَ ذلك شَقَّ عليه، وإنْ كُلفَ تَفريقَ صاعٍ على أَربعةٍ وعِشرينَ حِصةُ كلِّ واحِدٍ منهم غيرُ مُؤثِّرةٍ في حالِه، ورُبَّما بعَثَه قِلتُها على الامتِناعِ من أَخذِها (١).
وقالَ النَّوويُّ ﵀: يَجبُ استيعابُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ عندَ القُدرةِ عليهم، فإنْ فرَّقَ بنَفسِه أو فرَّقَ الإمامُ وليسَ هناك عامِلٌ فرَّقَ على السَّبعةِ.
وحُكيَ قَولٌ أنَّه إذا فرَّقَ بنَفسِه سقَطَ أيضًا نَصيبُ المُؤلَّفةِ، والمَشهورُ ما سبَقَ.
ومتى فُقِد صِنفٌ فأكثَرُ قُسِّم المالُ على الباقينَ.
فإنْ لم يُوجَدْ أحَدٌ من الأَصنافِ حُفظَت الزَّكاةُ حتى يُوجَدوا أو يُوجَدَ بعضُهم، وإذا قسَّمَ الإمامُ لزِمَه استِيعابُ آحادِ كلِّ صِنفٍ ولا يَجوزُ الاقتِصارُ على بَعضِهم؛ لأنَّ الاستِيعابَ لا يَتعذَّرُ عليه، وليسَ المُرادُ أنَّه يَستوعِبُهم بزَكاةِ كلِّ شَخصٍ، بل يَستوعِبُهم من الزَّكاةِ المُختلَطةِ في يدِه وله أنْ يَخصَّ بعضَهم بنَوعٍ من المالِ وآخَرينَ بنَوعٍ، وإنْ قسَّمَ المالِكُ فإنْ أمكَنَه الاستِيعابُ بأنْ كانَ المُستحِقونَ في البَلدِ مَحصورينَ يَفي بهم المالُ فقد أطلَقَ في التِّتمةِ أنَّه يَجبُ الاستِيعابُ، وفي «التَّهذيب» أنَّه يَجبُ لو جوَّزْنا
стр. 2389
نَقلَ الصَّدقةِ، وإنْ لم نُجوِّزْه لم يَجبْ، لكنْ يُستحَبُّ وإنْ لم يُمكِنْ سقَط الوُجوبُ والاستِحبابُ، ولكنْ لا يَنقصُ الذين ذكَرَهم اللهُ تعالَى بلَفظِ الجَمعِ من الفُقراءِ وغيرِهم عن ثَلاثةٍ إلا العامِلَ فيَجوزُ أنْ يَكونَ واحِدًا، وهل يُكتَفَى في ابنِ السَّبيلِ بواحِدٍ؟ فيه وَجهانِ أصَحُّهما المَنعُ كالفُقراءِ.
قالَ بعضُهم: ولا يَبعُدُ طَردُ الوَجهَينِ في الغُزاةِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ بغيرِ لَفظِ الجَمعِ.
فلو صرَفَ ما عليه إلى اثنَينِ مع القُدرةِ على الثالِثِ غُرِّمَ للثالِثِ.
وفي قَدرِه قَولانِ:
المَنصوصُ في الزَّكاةِ أنَّه يُغرَّمُ ثُلثَ نَصيبِ ذلك الصِّنفِ، والقياسُ أنَّه يُغرَّمُ قَدرًا لو أَعطاه في الابتِداءِ أجزَأَه؛ لأنَّه الذي فرَّطَ فيه، ولو صرَفَه إلى واحِدٍ فعلى الأولِ يَلزمُه الثُّلثانِ، وعلى الثاني أقَلُّ ما يَجوزُ صَرفُه إليهما.
قُلتُ: هكذا قالَ أَصحابُنا رحِمَهم اللهُ تَعالى: إنَّ الأقيَسَ هو الثاني. ثم الجُمهورُ أطلَقوا القولَينِ هكذا.
قالَ صاحِبُ «العُدة»: قُلنا: يَضمَنُ الثُّلثَ، ففيه وَجهانِ، أحَدُهما: أنَّ المُرادَ إذا كانوا سُوُّوا في الحاجةِ، حتى لو كانَ حاجةُ هذا الثُّلثِ حينَ استحَقَّ التَّفرِقةَ مثلَ حاجةِ الآخَرينَ جَميعًا.
ضُمنَ له نِصفُ السَّهمِ ليَكونَ معه مِثلُها؛ لأنَّه يُستحَبُّ التَّفرِقةُ على قَدرِ حَوائجِهم.
والثاني: لا فَرقَ. واللهُ أعلمُ.
стр. 2390
ولو لم يُوجَدْ إلا دونَ الثَّلاثةِ من صِنفٍ يَجبُ إِعطاءُ ثَلاثةٍ منهم، وهذا هو الصَّحيحُ ومُرادُه إذا كانَ الثَّلاثةُ مُتعيَّنينَ أَعطى مَنْ وجَدَ.
وهل يُصرَفُ باقِي السَّهمِ إليه إذا كانَ مُستحِقًّا أو يُنقَلُ إلى بَلدٍ آخَرَ؟ قالَ المُتولِّي: هو كما لو لم يُوجَدْ بعضُ الأَصنافِ في البَلدِ، وسيَأتي بَيانُه إنْ شاءَ اللهُ تَعالى.
قُلتُ: الأصَحُّ أنْ يُصرَفَ إليه، وممَّن صحَّحَه الشَّيخُ نَصرٌ المَقدسيُّ، ونقَلَه هو وصاحِبُ «العُدةِ» وغيرُهما عن نَصِّ الشافِعيِّ ﵀، ودَليلُه ظاهِرٌ واللهُ أعلمُ.
فَرعٌ: التَّسويةُ بينَ الأَصنافِ واجِبةٌ:
وإنْ كانَت حاجةُ بعضِهم أشَدَّ إلا أنَّ العامِلَ لا يُزادُ على أُجرةِ عَملِه كما سبَقَ.
وأمَّا التَّسويةُ بينَ آحادِ الصِّنفِ سَواءٌ استُوعِبوا أو اقتُصرَ على بعضِهم فلا تَجبُ، لكنْ يُستحَبُّ عندَ تَساوِي الحاجاتِ، هذا إذا قسَمَ المالِكُ.
قالَ في التَّتمةِ: فأمَّا إنْ قسَمَ الإمامُ فلا يَجوزُ تَفضيلُ بعضِهم عندَ تَساوِي الحاجاتِ؛ لأنَّ عليه التَّعميمَ فتَلزمُه التَّسويةُ والمالِكُ لا تَعميمَ عليه، فلا تَسويةَ.
قُلتُ: هذا التَّفصيلُ الذي في التَّتمةِ -وإنْ كانَ قَويًّا في الدَّليلِ- هو خِلافُ مُقتَضى إِطلاقِ الجُمهورِ استِحبابَ التَّسويةِ، وحيثُ لا يَجبُ الاستِيعابُ، قالَ أَصحابُنا: يَجوزُ الدَّفعُ إلى المُستحِقينَ من المُقيمينَ بالبَلدِ والغُرباءِ،
стр. 2391
ولكنَّ المُستَوطنينَ أفضَلُ؛ لأنَّهم جِيرانُه، واللهُ أعلمُ (١).
واستدَلُّوا على أنَّه يَجبُ استِيعابُ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالزَّكاةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: الكِتابُ:
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
فهذه الآيةُ الكَريمةُ تدلُّ على وُجوبِ تَعميمِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ الذين ذُكِروا في الآيةِ بالصَّدقاتِ وذلك من وُجوهٍ:
أحدُها: أنَّه جعَلَ ما انطلَقَ اسمُ الصَّدقةِ عليه مُستحَقًّا لمَن اشتَملَت الآيةُ عليه (٢).
الثاني: أنَّ الآيةَ اشتَملَت على لَفظِ ﴿إِنَّمَا﴾ وهي أداةُ حَصرٍ تَقتَضي الحَصرَ في وَقوفِ الصَّدقاتِ على الأَصنافِ الثَّمانيةِ المَذكورينَ في الآيةِ.
الثالِثُ: أنَّ اللَّامَ في قَولِه تَعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ لَامُ التَّمليكِ، ثم عطَفَ من يَملِكُ إلى مَنْ يَملِكُ بواوِ العَطفِ، كقَولِك: «المالُ لِزَيدٍ وعَمرٍو وبَكرٍ»، فلا بدَّ من التَّسويةِ بينَ المَذكورينَ (٣).
стр. 2392
ثانيًا: السُّنةُ:
عن زيادِ بنِ الحَرثِ الصُّدائيِّ صاحِبِ رَسولِ اللهِ ﷺ قالَ: أتَيتُ رَسولَ الله ﷺ فبايَعْتُه، فذكَرَ حَديثًا طَويلًا، قالَ: فأَتاه رَجلٌ، فقالَ: أَعطِني مِنْ الصَّدقةِ، فقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ تعالَى لَم يَرضَ بحُكمِ نَبيٍّ ولا غيرِه فِي الصَّدقاتِ، حتى حَكمَ فيها هو، فجزَّأَها ثَمانيَةَ أَجزاءٍ، فإنْ كُنْتَ مِنْ تلك الأَجزاءِ أَعطَيتُك حقَّك» (١).
دَلَّ هذا الحَديثُ على وُجوبِ استيعابِ الأَصنافِ الثَّمانيةِ بالصَّدقاتِ وذلك لِما اشتَملَ عليه مِنْ لَفظِ «فجزَّأَها ثَمانِيةَ أَجزاءٍ»، فجعَلَ الصَّدقاتِ ثَمانيةَ أَجزاءٍ لكلِّ صِنفٍ جُزءًا، ثم أكَّدَ ذلك بقَولِه ﷺ : «فإنْ كُنْتَ مِنْ تلك الأَجزاءِ أَعطَيتُك حقَّك»، فأثبَتَ أنَّ لكلِّ جُزءٍ -أي: صِنفٍ- حقًّا في الصَّدقاتِ يَجبُ وُصولُه إليه.
قالَ الإمامُ الخَطابيُّ ﵀: قُلتُ في قَولِه: «فإنْ كُنْتَ مِنْ تلك الأَجزاءِ أَعطَيتُك حقَّك»، دَليلٌ على أنَّه لا يَجوزُ جَمعُ الصَّدقةِ كلِّها في صِنفٍ واحِدٍ وأنَّ الواجِبَ تَفرِقتُها على أهلِ الأسهُمِ بحِصصِهم، ولو كانَ مَعنى الآيةِ بَيانَ المَحلِّ دونَ بَيانِ الحصَصِ لم يَكنْ للتَّجزِئةِ مَعنًى، ويَدلُّ على صحَّةِ ذلك قَولُه «أَعطَيتُك حقَّك»، فبيَّنَ أنَّ لكلِّ أهلِ جُزءٍ على حِدةٍ حقًّا (٢).
стр. 2393
ثالِثًا: المَعقولُ:
وهو قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ الأَموالِ بجامِعِ الوُجوبِ في كلٍّ، فوجَبَ ألَّا يَختصَّ بها صِنفٌ مع وُجودِ غيرِه كزَكواتِ الأَموالِ (١).
حُكمُ دَفعِ زَكاةِ الجَماعةِ لِواحِدٍ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ دَفعِ زَكاةِ الجَماعةِ للواحِدِ هل يَجوزُ أو لا؟ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه يَجوزُ دَفعُ زَكاةِ الجَماعةِ للواحِدِ وهو مَذهبُ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابِلةِ (٢).
قالَ الإمامُ مالِكٌ ﵀: لا بأسَ أنْ يُعطيَ صَدقةَ الفِطرِ عنه وعن عيالِه مِسكينًا واحِدًا (٣).
وقالَ خَليلٌ ﵀: ودَفعُ صاعٍ لمَساكينَ وآصاعٍ لواحِدٍ (٤).
قالَ الخَرشيُّ: يَعني أنَّه يَجوزُ دَفعُ صاعٍ واحِدٍ من زَكاةِ الفِطرةِ لجَماعةِ مَساكينَ، وكذلك يَجوزُ دَفعُ آصُعٍ منها لمِسكينٍ واحِدٍ وإنْ كانَ خِلافَ الأفضَلِ (٥).
стр. 2394
وقالَ الإمامُ الخَرشيُّ ﵀: ويَجوزُ أنْ يُعطيَ الواحِدُ ما يَلزمُ الجَماعةَ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وبهذا قالَ مالِكٌ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ وأَصحابُ الرأيِ (١).
واستدَلُّوا على جَوازِ دَفعِ زَكاةِ الجَماعةِ للواحِدِ بالمَعقولِ وهو من وُجوهٍ:
أحدُها: قالوا: إنَّ الزَّكاةَ لم تَجبْ لِأحَدٍ مُعيَّنٍ فجازَ صَرفُها لواحِدٍ؛ لأنَّهم أدَّوْا ما وجَبَ عليهم.
الثاني: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ الأَموالِ بجامِعِ أنَّ كُلًّا منهما صَدقةٌ واجِبةٌ وزَكاةُ الأَموالِ يَجوزُ فيها إِعطاءُ صَدقةِ الجَماعةِ للواحِدِ فكذلك زَكاةُ الفِطرِ.
الثالِثُ: أنَّه لم يَرِدْ دَليلٌ يَمنَعُ من دَفعِ زَكاةِ الجَماعةِ للواحِدِ فبقِيَ على الأصلِ، وهو الجَوازُ.
القَولُ الثاني: لا يَجوزُ دَفعُ زَكاةِ الجَماعةِ للواحِدِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ (٢).
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: ولم يَجزْ أنْ يَقتصِرَ من كلِّ صِنفٍ على أقَلَّ من ثَلاثةٍ (٣).
стр. 2395
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: ولكنْ لا يَنقُصُ الذين ذكَرَهم اللهُ تعالَى بلَفظِ الجَمعِ من الفُقراءِ وغيرِهم عن ثَلاثةٍ إلا لِعامِلٍ، فيَجوزُ أنْ يَكونَ واحِدًا (١).
واستدَلُّوا على عَدمِ جَوازِ دَفعِ زَكاةِ الجَماعةِ لواحِدٍ بما سبَقَ الاستدِلالُ به على وُجوبِ تَعميمِ الأَصنافِ بالزَّكاةِ، ولكنْ لِكَثرتِه وطُولِه أحبَبتُ ألَّا أُعيدَه هنا، وقد أَغنى ما سبَقَ عن إِعادَتِه وذِكرِه هنا.
حُكمُ تَفريقِ زَكاةِ الواحِدِ على الجَماعةِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في جَوازِ تَفريقِ زَكاةِ الواحِدِ على الجَماعةِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إِعطاءُ الجَماعةِ ما يَلزمُ الواحِدَ لا نَعلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه صرَفَ صَدقتَه فبَرئَ منها كما لو دفَعَها لِواحِدٍ (٢).
واستدَلَّ الفُقهاءُ على جَوازِ تَفرِقةِ زَكاةِ الواحِدِ على الجَماعةِ بالكِتابِ والمَعقولِ:
أولًا: الكِتابُ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
стр. 2396
فهذه الآيةُ الكَريمةُ تدلُّ على أنَّ الصَّدقاتِ إنَّما تُصرَفُ للأَصنافِ الثَّمانيةِ، وصَدقةُ الفِطرِ من هذه الصَّدقاتِ، والإِطلاقُ في الآيةِ يَدلُّ على أنَّ من دفَعَ الزَّكاةَ إلى مُستحِقِّها تُجزِئُه، ومَن دفَعَ زَكاةَ فِطرِه إلى جَماعةٍ فقد أَعطاها إلى مُستحِقِّيها فجازَ ذلك.
ثانيًا: المَعقولُ، وهو من وُجوهٍ:
أحدُها: أنَّ مَنْ أخرَجَ زَكاةَ فِطرِه وفرَّقَها على جَماعةٍ فقد أدَّى ما أُمرَ به إلى مُستحِقِّيه فبَرئَت منه ذمَّتُه فصحَّ ذلك.
الثاني: تَفريقُ الزَّكاةِ على جَماعةٍ يَشتمِلُ على سَدِّ حاجةِ أكثَرَ من فَقيرٍ، وعَدمُ تَفريقِها يَحتمِلُ أنْ يُؤدِّيَ إلى انحِصارِ الزَّكاةِ في بعضِ الفُقراءِ دونَ بعضٍ، ولا شَكَّ أنَّ سَدَّ حاجةِ الأكثَرِ أَوْلى من سَدِّ حاجةِ الأقَلِّ، وهذا يُؤكِّدُ أنَّ تَفريقَ الزَّكاةِ على جَماعةٍ أَوْلى.
الثالِثُ: أنَّه لم يُوجَدْ دَليلٌ من الكِتابِ والسُّنةِ يَمنَعُ تَفريقَ الزَّكاةِ، بل الأدِلَّةُ جاءَت بلَفظِ الجَمعِ كما في آيةِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾ (١)، وحَديثِ مُعاذٍ (٢) وغيرِهما، لذلك يَجوزُ تَفريقُ زَكاةِ الواحِدِ على الجَماعةِ.
حُكمُ دَفعِ الزَّوجِ زَكاتَه لزَوجتِه الفَقيرةِ:
لا خِلافَ بينَ العُلماءِ على أنَّه لا يَجوزُ للزَّوجِ أنْ يَدفعَ زَكاةَ فِطرِه لزَوجتِه وإنْ كانَت فَقيرةً؛ لأنَّها غَنيَّةٌ بغِناه.
стр. 2397
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الرَّجلَ لا يُعطي زَوجتَه من الزَّكاةِ؛ لأنَّ نَفقتَها عليه، وهي غَنيَّةٌ بغِناه (١).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ للرَّجلِ أنْ يُخرِجَ زَكاتَه إلى زَوجتِه (٢).
وقالَ الكاسانيُّ ﵀: ولا يَجوزُ أنْ يَدفعَ الرَّجلُ الزَّكاةَ إلى زَوجتِه بالإِجماعِ (٣).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا الزَّوجةُ فلا يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إليها إِجماعًا (٤).
وقالَ في مَوضعٍ آخَرَ: ولا يَجوزُ دَفعُها -أي: زَكاةِ الفِطرِ- إلى مَنْ لا يَجوزُ دَفعُ زَكاةِ المالِ إليه (٥).
ومَحلُّ المَنعِ من ذلك إِعطاؤُها الزَّكاةَ لتُنفِقَها على نَفسِها، فأمَّا لو أَعطاها ما تَدفَعُه في دينِها أو لتُنفِقَه على غيرِها من المُستحِقِّينَ فلا بأسَ على ما صرَّحَ به المالِكيةُ، وقَريبٌ منه ما قالَه الشافِعيةُ من أنَّ المَمنوعَ إِعطاؤُها من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ، أمَّا مِنْ سَهمٍ آخَرَ هي مُستحِقَّةٌ له فلا
стр. 2398
بأسَ، وهو ما يُفهَمُ أيضًا من كَلامِ شَيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ ﵀، وقد تَقدَّمَت المَسألةُ في أَحكامِ الزَّكاةِ (١).
حُكمُ دَفعِ الزَّوجةِ زَكاةَ فِطرِها لزَوجِها الفَقيرِ:
اختَلفَ العُلماءُ في دَفعِ الزَّوجةِ زَكاةَ فِطرِها لزَوجِها الفَقيرِ هل يَجوزُ أو لا؟ على قولَينِ:
القَولُ الأولُ: يَجوزُ أنْ تَدفعَ الزَّوجةُ زَكاةَ فِطرِها لزَوجِها الفَقيرِ. وهو قَولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ من الحَنفيةِ، وهو قَولُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ في رِوايةٍ والظاهِريَّةِ (٢).
стр. 2399
قالَ الكاسانيُّ ﵀: قالَ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: تَدفعُ الزَّوجةُ زَكاتَها إلى زَوجِها (١).
وقالَ الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: ذهَبَ قَومٌ إلى أنَّ المرأةَ جائِزٌ لها أنْ تُعطيَ زَوجَها من زَكاةِ مالِها … وممَّن ذهَبَ الى ذلك أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- (٢).
وقالَ الدَّرديرُ ﵀: وللزَّوجةِ دَفعُها لزَوجِها الفَقيرِ (٣).
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: إنَّما جزَمَ هنا بجَوازِ دَفعِها لزَوجِها الفَقيرِ دونَ زَكاةِ المالِ فإنَّ فيها قولَينِ بالمَنعِ والكَراهةِ للفَرقِ بقلَّةِ النَّفعِ بالنِّسبةِ لزَكاةِ المالِ (٤).
قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وللزَّوجةِ إِعطاءُ زَوجِها الحُرِّ من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ إذا كانَ كذلك، بل يُسَنُّ كما قالَه الماوَرديُّ (٥).
واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو جَوازُ دَفعِ الزَّوجةِ زَكاةَ فِطرِها لزَوجِها الفَقيرِ- بالسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: السُّنةُ:
عن زَينبَ امرأةِ عبدِ اللهِ قالَت: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «تَصدَّقنَ، يا مَعشَرَ النِّساءِ، ولَو مِنْ حُليِّكنَّ» قالَت: فرجَعْتُ إلى عبدِ اللهِ فقُلتُ: إنَّك
стр. 2400
رَجلٌ خَفِيفُ ذاتِ اليدِ، وإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قد أمَرَنا بالصَّدقةِ، فأْتِه فاسأَله، فإنْ كانَ ذلك يُجزِئ عنِّي وإلَّا صرَفتُها إلى غيرِكم، قالَت: فَقالَ لِي عبدُ اللهِ: بل ائْتِيه أنتِ، قالَت: فانطَلقتُ، فإذَا امرَأةٌ مِنْ الأَنصارِ ببابِ رَسولِ اللهِ ﷺ حاجَتِي حاجَتُها، قالَت: وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ قد أُلقِيَتْ عليه المَهابَةُ، قالَت: فخرَجَ علينا بِلالٌ فقُلنا له: ائْتِ رَسولَ اللهِ ﷺ ، فأَخبِرهُ أنَّ امرَأتَينِ بالبابِ تَسألَانِك: أتُجزِئُ الصَّدقةُ عنهما على أَزواجِهما، وعلى أَيتامٍ فِي حُجورِهما؟ ولا تُخبِره مَنْ نحنُ، قالَت: فدَخلَ بِلالٌ على رَسولِ اللهِ ﷺ فسأَلَه، فَقالَ له رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ هُما؟» فقالَ: امرَأةٌ مِنْ الأَنصارِ وزَينبُ، فَقالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أيُّ الزَّيانبِ؟» قالَ: امرَأةُ عبدِ اللهِ، فَقالَ لَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لهما أَجرانِ: أَجرُ القَرابةِ، وأَجرُ الصَّدقةِ» (١).
فدَلَّ هذا الحَديثُ على جَوازِ دَفعِ الزَّوجةِ زَكاتَها إلى زَوجِها الفَقيرِ وذلك من وَجهَينِ:
أحدُهما: قَولُه: «أَتُجزئُ الصَّدقةُ عنهما، على أَزواجِهما، وعلى أَيتامٍ فِي حُجورِهما؟» فلَفظُ: «أتُجزئُ» إنَّما يُقالُ في الواجِبِ كما هو في عُرفِ الفُقهاءِ، وعليه يَجوزُ أنْ تَدفعَ المَرأةُ زَكاتَها لزَوجِها الفَقيرِ.
الثاني: رَسولُ اللهِ ﷺ حينَما سُئلَ عن الصَّدقةِ لم يُسألْ: هل هي تَطوُّعٌ أو واجِبٌ، وتَركُ الاستِفصالِ يُنزَلُ مَنزلةَ العُمومِ فكأنَّه قالَ: تُجزِئُ عنكِ فَرضًا كانَ أو تَطوُّعًا.
стр. 2401
ثانيًا: المَعقولُ: وهو من وُجوهٍ:
أحَدُهما: هو أنَّ الزَّوجَ فَقيرٌ، وهو الوَصفُ الذي يَستحِقُّ به الزَّكاةَ، وإذا وُجدَ السَّببُ ثبَتَ الحُكمُ إلا بدَليلٍ يَمنَعُ ذلك، وقد وُجِد السَّببُ في الزَّوجِ وهو الفَقرُ، ولم يُوجَدْ من الكِتابِ ولا من السُّنةِ نَصٌّ يَدلُّ على أنَّه لا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تَدفعَ زَكاتَها لزَوجِها، والقاعِدةُ تَقولُ: «الأصلُ فيمَن يَنطبِقُ عليه وَصفُ الاستِحقاقِ أنَّه مُستحِقٌّ، وتُجزِئُ الزَّكاةُ إليه إلا بدَليلٍ»، ولا نَعلَمُ مانِعًا من ذلك إلا من كانَ إذا أَعطاها له أسقَطَ عن نَفسِه بذلك واجِبًا.
الثاني: من المُتَّفقِ عليه جَوازُ دَفعِ الزَّكاةِ للأَقاربِ الذين لا تَجبُ نَفقتُهم، ومن المَعلومِ أنَّ عِصمةَ النَّسبِ أَقوى سَببًا من عِصمةِ الزَّوجيَّةِ، فعِصمةُ النَّسبِ لا يُمكنُ قَطعُها، وعِصمةُ الزَّوجيَّةِ يُمكنُ قَطعُها، فإذا جازَ واستُحِبَّ الدَّفعُ إلى الأهلِ والأَقاربِ الذين لا تَلزَمُهم نَفقتُهم جازَ كذلك دَفعُ الزَّوجةِ زَكاتَها لزَوجِها؛ إذْ لا تَجبُ عليها نَفقتُه (١).
والثالِثُ: ما قالَه ابنُ قُدامةَ ﵀ في بَيانِ وَجهِ الجَوازِ: ولأنَّه (أي: الزَّوجَ) لا تَجبُ نَفقتُه عليها، لا يُمنَعُ دَفعُ الزَّكاةِ إليه كالأجنَبيِّ، ويُفارِقُ الزَّوجةَ فإنَّ نَفقتَها واجِبةٌ عليه؛ ولأنَّ الأصلَ جَوازُ الدَّفعِ لدُخولِ الزَّوجِ في عُمومِ الأَصنافِ المُسمَّيْن في الزَّكاةِ وليسَ في المَنعِ نَصٌّ، ولا إِجماعٌ، وقِياسُه على ما ثبَتَ المَنعُ في حَقِّه غيرُ صَحيحٍ لوُضوحِ الفَرقِ بينَهما فيَبقَى جَوازُ الدَّفعِ ثابِتًا (٢).
стр. 2402
القَولُ الثاني: لا يَجوزُ للزَّوجةِ أنْ تَدفعَ زَكاةَ فِطرِها لزَوجِها الفَقيرِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والثَّوريِّ والحَسنِ البَصريِّ وأحمدَ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه (١).
قالَ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ ﵀: وقالَ الحَسنُ البَصريُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأحمدُ في رِوايةٍ وأبو بَكرٍ من الحَنابِلةِ: لا يَجوزُ للمَرأةِ أنْ تُعطيَ زَوجَها من زَكاةِ مالِها (٢).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الزَّوجةُ ففيها رِوايتانِ إحداهُما: لا يَجوزُ دَفعُها إليه، وهو اختِيارُ أبي بَكرٍ ومَذهبُ أبي حَنيفةَ (٣).
وقالَ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: وهل يَجوزُ للمَرأةِ دَفعُ زَكاتِها إلى زَوجِها … فيه رِوايتانِ … إحداهُما: لا يَجوزُ، وهو الصَّحيحُ (٤).
واستدَلَّ أَصحابُ هذا القَولِ لمَذهبِهم -وهو أنَّه لا يَجوزُ أنْ تَدفعَ الزَّوجةُ زَكاةَ فِطرِها لزَوجِها الفَقيرِ- بالمَعقولِ، وهو من وَجهَينِ:
أحَدُهما: قياسُ الزَّوجةِ على الزَّوجِ؛ لأنَّه أحَدُ الزَّوجَينِ، فكما لا يَجوزُ أنْ تُدفَعَ إليها اتِّفاقًا كذلك لا يَجوزُ لها أنْ تُدفعَ إليه، وذلك لِلاشتِراكِ في المَنافعِ عادةً؛ ولأنَّ كلًّا منهما لا تُقبَلُ شَهادتُه للآخَرِ؛ ولأنَّ الزَّوجَ لا يُقطَعُ بسَرقةِ مالِ امرأتِه.
стр. 2403
الثاني: أنَّ الزَّوجةَ تَنتفِعُ بدَفعِها إليه؛ لأنَّه إنْ كانَ عاجِزًا عن الإِنفاقِ عليها يُمَكَّنُ بأخذِ الزَّكاةِ من الإِنفاقِ، فيَلزمُه، وإنْ لم يَكنْ عاجِزًا ولكنَّه أيسَرُ بها لزِمَته نَفقةُ المُوسِرينَ فتَنتفِعُ بها في الحالَينِ فلم يَجزْ لها ذلك (١).
هذا الخِلافُ الذي سبَقَ ذِكرُه في هذه المَسألةِ إنَّما هو في زَكاةِ المالِ، وأمَّا زَكاةُ الفِطرِ فإنَّ الخِلافَ فيها غيرُ وارِدٍ إلا على قَولِ الحَنفيةِ والظاهِريَّةِ ومَن وافَقَهم أنَّ زَكاةَ الفِطرِ تَجبُ على الزَّوجةِ عن نَفسِها، أمَّا على قَولِ الجُمهورِ الذين يُوجِبونَ زَكاةَ فِطرِ الزَّوجةِ على زَوجِها، فلا يَتأتَّى هذا، اللَّهمَّ إلا إذا كانَ الزَّوجُ مُعسِرًا عاجِزًا عن دَفعِ الزَّكاةِ عن زَوجتِه وهي مُوسِرةٌ غَنيَّةٌ ففي هذه الحالةِ يُرَدُّ هذا الخِلافُ على قَولِ مَنْ يَرى أنَّها تَلزمُها الزَّكاةُ عن نَفسِها.
стр. 2404
فصل في مَنْ لا يَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ لهم
الأقارِبُ الذين تَلزَمُه نَفقَتُهم:
اتَّفقَت كَلمةُ العُلماءِ على أنَّه لا يَجوزُ للمُزكِّي أنْ يَدفعَ زَكاتَه إلى مَنْ تَلزمُه نَفقتُهم (١).
قالَ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الزَّكاةَ لا يَجوزُ دَفعُها إلى الوالِدَينِ في الحالِ التي يُجبَرُ الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم (٢).
وقالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ والمَولودينَ عَلَوا أو سَفَلوا إلا مالِكًا، فإنَّه قالَ في
стр. 2405
الجَدِّ والجَدَّة فمَن وراءَهما: يَجوزُ دَفعُها إليهم، وكذلك إلى بَني البَنينِ لسُقوطِ نَفقتِهم عندَه (١).
وقالَ المَرداويُّ ﵀: إنْ كانَ الوالِدانِ وإنْ عَلَوا، والوَلَدُ وإنْ سفَلَ في حالِ وُجوبِ نَفقتِهم عليه لم يَجزْ دَفعُها إليهم إِجماعًا (٢).
والمَقصودُ بالوالِدَينِ يَعني الأبَ والأُمَّ وإنْ عَلَوا يَعني آباءَهما وأُمَّهاتِهما وإنِ ارتَفعَت دَرجَتُهم من الدافِعِ كأبَويِ الأبِ وأبي الأُمِّ وأبَويْ كلِّ واحِدٍ منهم وإنْ علَت دَرجتُهم، مَنْ يَرثُ منهم ومَن لا يَرِث.
والمَقصودُ بالوَلدِ وإنْ سفَلَ: وإنْ نزَلَت دَرجتُه من أولادِه البَنينَ والبَناتِ، الوارِثُ وغَيرُ الوارِثِ (٣).
وقد علَّلَ الفُقهاءُ هذا: بأنَّ مَنافعَ الأَملاكِ مُتَّصِلةٌ ومُشتَركةٌ بينَ المُؤدِّي والمُؤدَّى إليه في العادةِ (٤).
فلا يَجوزُ دَفعُ زَكاتِه إليهم؛ لأنَّهم أغنياءُ بما يَستحِقُّونَه من النَّفقةِ عليهم (٥)؛ ولأنَّه يَجبُ عليه أنْ يُخرِجَ الزَّكاةَ عنهم (٦).
стр. 2406
ولأنَّ دَفعَ زَكاتِه إليهم تُغنيهم عن نَفقَتِه وتُسقِطُها عنه ويَعودُ نَفعُها إليه، فكأنَّه دفَعَها إلى نَفسِه فلم تَجزْ كما لو قَضى بها دَينَه (١).
لكنْ قد قيَّدَ العُلماءُ كابنِ المُنذِرِ وغيرِه نَقلَ الإِجماعِ على عَدمِ جَوازِ الدَّفعِ إلى الوالِدَينِ بالحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهم على النَّفقةِ عليهم، فإذا لم تَتحقَّقْ هذه الحالُ بأنْ كانَ الوَلدُ مُعسِرًا وملَكَ نِصابًا تَجبُ فيه الزَّكاةُ فقد قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا كانَ الوَلدُ أو الوالِدُ فَقيرًا أو مِسكينًا، وقُلنا في بعضِ الأَحوالِ: «لا تَجبُ نَفقتُه» يَجوزُ لوالِدِه ووَلدِه دَفعُ الزَّكاةِ إليه من سَهمِ الفُقراءِ والمَساكينِ بلا خِلافٍ؛ لأنَّه حينَئذٍ كالإِجماعِ (٢).
وقالَ الإمامُ المَرداويُّ ﵀: إنْ كانَ الوالِدانِ وإنْ عَلَوا والوَلدُ وإنْ سفَلَ في حالِ وُجوبِ نَفقتِهم عليه لم يَجزْ إليهم إِجماعًا، وإنْ كانوا في حالٍ لا تَجبُ نَفقتُهم عليه كوَلدِ البِنتِ وغيرِه ممَّن ذُكرَ كما إذا لم يَتَّسعْ للنَّفقةِ مالُه لم يَجزْ أيضًا دَفعُها إليهم على الصَّحيحِ من المَذهبِ، ونَصَّ عليه، وعليه أكثَرُ الأَصحابِ.
وقيلَ: يَجوزُ والحالةُ هذه، اختارَه القاضِي في «المُجرَّد» والشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ (أي: ابنُ تَيميَّةَ) وصاحِبُ «الفائقِ» وذكَرَه المَجدُ، وهو ظاهِرُ كَلامِ أبي الخَطابِ، وأطلَقَ في «الواضِح» في جَدٍّ وابنِ ابنٍ مَحجوبَينِ وَجهَينِ (٣).
стр. 2407
قُلتُ: فقد ذكَرَ المَرداويُّ ﵀ قَولًا عندَ بعضِ الحَنابِلةِ بجَوازِ ذلك في الحالةِ التي لا يَجوزُ فيها الدَّفعُ إليهم على النَّفقةِ.
وقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ عن دَفعِها إلى والِدَيه ووَلدِه الذين لا تَلزمُه نَفقتُهم: هل يَجوزُ أو لا؟
فأجابَ: الذين يَأخذونَ الزَّكاةَ صِنفانِ: صِنفٌ يَأخذُ لِحاجَتِه كالفَقيرِ والغارِمِ لمَصلَحةِ نَفسِه.
وصِنفٌ يَأخذُها لِحاجةِ المُسلِمينَ، كالمُجاهِدِ والغارِمِ في إِصلاحِ ذاتِ البَينِ، فهؤلاء يَجوزُ دَفعُها إليهم وإنْ كانوا من أَقاربِه، وأمَّا دَفعُها إلى الوالِدَينِ إذا كانا غارِمَينِ أو مُكاتَبينِ ففيها وَجهانِ، والأظهَرُ جَوازُ ذلك، وأمَّا إنْ كانا فَقيرَينِ وهو عاجِزٌ عن نَفقَتِهما فالأَقوى جَواز دَفعِها إليهما في هذه الحالِ؛ لأنَّ المُقتَضى مَوجودٌ والمانِعَ مَفقودٌ، فوجَبَ العَملُ بالمُقتَضي السالِمِ من المُعارِضِ المُقاوِمِ (١).
وقالَ ﵀ في «الاختيارات»: ويَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ إلى الوالِدَينِ وإنْ عَلَوا، وإلى الوَلدِ وإنْ سفَلَ إذا كانوا فُقَراءَ وهو عاجِزٌ عن نَفقتِهم؛ لوُجودِ المُقتَضي السالِمِ عن المُعارِضِ المُقاوِمِ، وهو أحَدُ القولَينِ في مَذهبِ أحمدَ.
وكذا إنْ كانوا غارِمينَ أو مُكاتَبينَ، أو أبناءَ سَبيلٍ.
وهو أحَدُ القولَينِ أيضًا.
стр. 2408
وإنْ كانَت الأُمُّ فَقيرةً ولها أولادٌ صِغارٌ لهم مالٌ ونَفقتُها تَضرُّ بهم، أُعطِيَت من زَكاتِهم.
ومَن كانَ في عيالِه مَنْ لا تَجبُ عليه نَفقتُهم، فله أنْ يُعطيَهم من الزَّكاةِ ما يَحتاجونَ إليه مما لم تَجْرِ عادَتُه بإنفاقِه من مالِه (١).
وقالَ ابنُ التِّينِ ﵀: يَجوزُ دَفعُ الصَّدقةِ الواجِبةِ إلى الوَلدِ بشَرطَينِ:
أحَدُهما: أنْ يَتولَّى غيرُه صَرفَها إليه.
والآخَرُ: ألَّا يَكونَ في عيالِه، فإنْ كانَ في عيالِه وقصَدَ إِعطاءَه فرَوى مُطرِّفٌ عن مالِكٍ: لا يَنبَغي له أنْ يَفعلَ ذلك، فإنْ فعَلَه فقد أساءَ ولا يَضمَنُ إنْ لم يَقطَعْ عن نَفسِه إِنفاقَه عليهم. قالَ ابنُ حَبيبٍ: فإنْ قطَعَ الإنفاقَ عن نَفسِه بذلك لم يُجزِئْه (٢).
فتَبيَّنَ مما سبَقَ أنَّ العُلماءَ إنَّما قيَّدوا عَدمَ جَوازِ الدَّفعِ إلى الوالِدَينِ وغيرِهما بالحالِ التي يُجبَرُ فيها الدافِعُ إليهما على النَّفقةِ عليهما، أمَّا إذا لم تَتحقَّقْ هذه الحالُ فيَجوزُ عندَ الشافِعيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها بعضُ أَصحابِه ونَصرَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميَّةَ؛ لأنَّ المُقتَضيَ مَوجودٌ والمانِعَ مَفقودٌ في هذه الحالِ، فوجَبَ العَملُ بالمُقتَضي السالِمِ من المُعارِضِ المُقاوِمِ.
стр. 2409
إِعطاءُ زَكاةِ الفِطرِ إلى الأَغنياءِ:
اتَّفقَ العُلماءُ على أنَّ الزَّكاةَ لا تَجوزُ لغَنيِّ؛ لأنَّ اللهَ جعَلَها للفُقراءِ والمَساكينِ، والغَنيُّ غيرُ داخِلٍ فيهم (١) واستدَلُّوا على ذلك بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: الكِتابُ:
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠].
وَجهُ الاستِدلالِ من هذه الآيةِ هو أنَّ اللهَ أخبَر فيها بأنَّ الصَّدقاتِ للفُقراءِ والمَساكينِ، وأنَّ الغَنيَّ غيرُ داخِلٍ فيهم، فلا يَجوزُ صَرفُ الزَّكاةِ إليه.
ثانيًا: السُّنةُ:
١ - عَنْ ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليَمنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افتَرضَ عليهم خَمسَ صَلواتٍ فِي كلِّ
стр. 2410
يَومٍ ولَيلةٍ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمهم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً فِي أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (١).
٢ - عَنْ عُبيدِ اللَّهِ بنِ عَديِّ بنِ الخِيارِ، قالَ: أَخبَرنِي رَجُلانِ أنَّهما أتَيا النَّبيَّ ﷺ فِي حَجةِ الوَداعِ، وهو يُقسِّمُ الصَّدقةَ، فسأَلَاه منها، فرفَعَ فينا البصَرَ وخفَضَه، فرَآنا جَلدَينِ، فقالَ: «إنْ شِئتُما أَعطَيتُكما، ولا حَظَّ فيها لغَنيٍّ، ولا لقَويٍّ مُكتسِبٍ» (٢).
٣ - عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: «لَا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ، ولا لذِي مِرةٍ سَويٍّ» (٣).
فهذه الأَحاديثُ صَريحةٌ في أنَّ الصَّدقةَ لا تَجوزُ للأَغنياءِ وأنَّها حَقٌّ للفُقراءِ.
ثالِثًا: المَعقولُ:
وهو: أنَّ أخْذَ الغَنيِّ منها يَمنَعُ وُصولَها إلى أهلِها ويُخِلُّ بحِكمةِ وُجوبِها، وهي إِغناءُ الفُقراءِ بها (٤).
стр. 2411
إِعطاءُ المُزكِّي زَكاتَه لعَبدِه:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُعطيَ المُزكِّي زَكاتَه لعبدِه.
قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ المَفروضةِ إلى مُكاتَبِه أو عبدِه (١).
وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀: واتَّفقوا على أنَّه لا يَجوزُ دَفعُها إلى عبدِه (٢).
استدَلَّ الفُقهاءُ على عَدمِ جَوازِ إِعطاءِ المُزكِّي زَكاتَه إلى عبدِه بالمَعقولِ وهو مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ نَفقةَ العَبدِ واجِبةٌ على سَيدِه، فهو غَنيٌّ بغِناه، وما يُدفعُ إليه لا يَملِكُه وإنَّما يَملِكُه سَيدِه فكأنَّه دُفعَ إليه (٣).
الثاني: قياسُ دَفعِ زَكاةِ المَولى لعبدِه على دَفعِ زَكاةِ الزَّوجِ لزَوجَتِه بجامِعِ انتِفاعِ المُزكِّي بزَكاتِه، وسُقوطِ النَّفقةِ الواجِبةِ عليه في كلٍّ، والزَّوجُ لا يَجوزُ أنْ يُعطيَ زَكاتَه لزَوجتِه بالاتِّفاقِ. فكذلك المَولى لا يَجوزُ أنْ يُعطيَ عَبدَه زَكاتَه.
стр. 2412
حُكمُ إِعطاءِ زَكاةِ الفِطرِ لعَبدِ الغيرِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ إِعطاءُ المُزكِّي زَكاتَه لعبدِ الغيرِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ سَيدُه غَنيًّا أو فَقيرًا، إلا أَبا حَنيفةَ ﵀ جوَّزَ دَفعَها إلى عبدِ الغيرِ إذا كانَ سَيدُه فَقيرًا وهو مَدينٌ دَينًا مُستغرِقًا لرَقبتِه (١).
قالَ الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واختلَفوا في عبدِ الغيرِ. فقالَ مالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ: لا يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إليه أيضًا على الإِطلاقِ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: لا يَدفَعُها إلى عبدِ الغيرِ إذا كانَ مالِكُه غَنيًّا، فإنْ كانَ فَقيرًا جازَ دَفعُها إليه (٢).
استدَلَّ العُلماءُ على عَدمِ جَوازِ دَفعِ المُزكِّي زَكاتَه إلى عبدِ الغيرِ مُطلقًا بالمَعقولِ، وهو مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ العبدَ تَجبُ نَفقتُه على سَيدِه، فهو غَنيٌّ بغِناه فلا يَجوزُ الدَّفعُ إليه.
الثاني: العَبدُ لا يَملِكُ ما يُدفعُ إليه، وإنَّما يَملِكُه سَيدُه، فكأنَّه دفَعَ إلى السَّيدِ، والزَّكاةُ دَينٌ وأمانةٌ فلا يَدفَعْها إلى مَنْ لم يأذَنْ له المُستحِقُّ، إذًا لا يَجوزُ دَفعُها إلى العبدِ (٣).
стр. 2413
وأمَّا الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀ فقد استدَلَّ على قَولِه بجَوازِ دَفعِ الزَّكاةِ إلى عبدِ الغيرِ إذا كانَ سَيدُه فَقيرًا وهو مَدينٌ دَينًا مُستغرِقًا لرَقبتِه بالمَعقولِ، وهو:
أنَّ العبدَ إذا كانَ مَدينًا دَينًا مُستغرِقًا لرَقبتِه فإنَّ سَيدَه لا يَملِكُ كَسبَه كالمُكاتَبِ، لذلك يَجوزُ دَفعُ الزَّكاةِ إليه؛ ولأنَّه يَندرِجُ في عُمومِ الفُقراءِ (١).
حُكمُ دَفعِ زَكاةِ الفِطرِ إلى الكافِرِ:
بعدَ اتِّفاقِ الفُقهاءِ على عَدمِ دَفعِ زَكاةِ المالِ إلى الكافِرِ اختلَفوا في جَوازِ إِعطاءِ الكافِرِ من زَكاةِ الفِطرِ هل يَجوزُ أو لا؟
القَولُ الأولُ: لا يَجوزُ إِعطاءُ الكافِرِ من زَكاةِ الفِطرِ مُطلقًا سَواءٌ كانَ حَربيًّا أو ذمِّيًّا، وهو مَذهبُ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ وأبي يُوسفَ من الحَنفيةِ (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختلَفوا في زَكاةِ الفِطرِ … فقالَ مالِكٌ واللَّيثُ وأحمدُ وأبو ثَورٍ: لا يُعطَونَ (٣).
стр. 2414
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا يَجوزُ دَفعُها إلى مَنْ لا يَجوزُ دَفعُ زَكاةِ المالِ إليه، ولا يَجوزُ دَفعُها إلى ذمِّيٍّ، وبهذا قالَ مالِكٌ واللَّيثُ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ (١).
واستدَلَّ الجُمهورُ على عَدمِ جَوازِ إِعطاءِ الكافِرِ من زَكاةِ الفِطرِ مُطلقًا سَواءٌ كانَ ذمِّيًّا أو حَربيًّا بالسُّنةِ والمَعقولِ.
أولًا: السُّنةُ:
عَنْ ابنِ عَباسٍ ﵄: أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَثَ مُعاذًا ﵁ إلى اليَمَنِ، فقالَ: «ادعُهم إلى شَهادةِ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأنِّي رَسولُ اللهِ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ قد افتَرضَ عليهم خَمسَ صَلواتٍ في كلِّ يومٍ ولَيلةٍ، فإنْ هم أَطاعُوا لذلك، فأَعلِمْهم أنَّ اللهَ افتَرضَ عليهم صَدقةً في أَموالِهم تُؤخذُ مِنْ أَغنِيائِهم وتُردُّ على فُقرائِهم» (٢).
دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّ الزَّكاةَ تُؤخذُ من أَغنياءِ المُسلِمينَ وتُردُّ في فُقرائِهم، أي: فُقراءِ المُسلِمينَ، ودَفعُ الزَّكاةِ إلى الكافِرِ دَفعٌ إلى غيرِ من أرشدَ الرَّسولُ ﷺ بالدَّفعِ إليه فهو عُدولٌ عن المَنصوصِ عليه لذلك هو لا يَجوزُ.
قالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: وفيه أنَّ الزَّكاةَ لا تُدفَعُ إلى الكافِرِ لعَودِ الضَّميرِ في «فُقرائِهم» إلى المُسلِمينَ، سَواءٌ قُلنا بخُصوصِ البَلدِ أو العُمومِ (٣).
стр. 2415
ثانيًا: المَعقولُ وهو من وُجوهٍ:
أحدُها: قياسُ زَكاةِ الفِطرِ على زَكاةِ المالِ بجامِعِ الوُجوبِ في كلٍّ وزَكاةُ المالِ لا يَجوزُ دَفعُها إلى الكافِرِ بالإِجماعِ فكذلك زَكاةُ الفِطرِ.
الثاني: أنَّ زَكاةَ الفِطرِ حقٌّ في مالٍ على وَجهِ الطُّهرةِ فلم يَجزْ صَرفُها إلى كافِرٍ كزَكاةِ المالِ.
الثالِثُ: أنَّ الزَّكاةَ حَقٌّ أوجَبَه اللهُ في أَموالِ الأَغنياءِ من المُسلِمينَ يُعطَى للمُستحِقينَ له من المُسلِمينَ، فلا يَجوزُ صَرفُ هذا الحَقِّ إلى غيرِهم.
قالَ الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فجُعلَ من تُدفعُ الصَّدقةُ إليه فَقيرًا ومَن تُؤخذُ الصَّدقةُ منه غَنيًّا، فلمَّا لم تُؤخذِ الصَّدقةُ إلا من غَنيٍّ مُسلِمٍ وجَبَ ألَّا تُدفعَ الصَّدقةُ إلا إلى فَقيرٍ مُسلِمٍ (١).
الرابِعُ: أنَّ في دَفعِ الزَّكاةِ للكافِرِ -وإنْ كانَ ذمِّيًّا- عَونًا له على مَعصيةِ اللهِ ، والعَونُ على مَعصيةِ اللهِ لا يَجوزُ.
القَولُ الثاني: يَجوزُ دَفعُ زَكاةِ الفِطرِ إلى الكافِرِ الذِّميِّ إلا أنَّ الدَّفعَ إلى المُسلِمينَ أَوْلى وأفضَلُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ الشَّيبانِيِّ (٢).
стр. 2416
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا ما سِوى صَدقةِ الفِطرِ والكَفاراتِ والنُّذورِ فلا شَكَّ في أنَّ صَرفَها إلى فُقراءِ المُسلِمينَ أفضَلُ؛ لأنَّ الصَّرفَ إليهم يَقعُ إِعانةً لهم على الطاعةِ، وهل يَجوزُ صَرفُها إلى أهلِ الذِّمةِ؟ قال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: يَجوزُ، وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَجوزُ (١).
واستدَلَّا على جَوازِ إِعطاءِ زَكاةِ الفِطرِ للكافِرِ الذِّميِّ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ:
أولًا: الكِتابُ:
قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨].
قالَ الكاسانيُّ ﵀: وظاهِرُ هذا النَّصِّ يَقتَضي جَوازَ صَرفِ الزَّكاةِ إليهم؛ لأنَّ أداءَ الزَّكاةِ بِرٌّ بهم إلا أنَّ البِرَّ بطَريقِ الزَّكاةِ غيرُ مُرادٍ، عرَفْنا ذلك بحَديثِ مُعاذٍ ﵁ وإنَّما لا يَجوزُ صَرفُها إلى الحَربيِّ؛ لأنَّ في ذلك إِعانةً لهم على قِتالِنا، وهذا لا يَجوزُ، وهذا المَعنى لم يُوجَدْ في الذِّميِّ (٢).
وقالَ تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].
стр. 2417
فهذه الآيةُ الكَريمةُ تدلُّ على جَوازِ دَفعِ الصَّدقاتِ للفُقراءِ؛ لأنَّ لَفظَ «الصَّدقاتُ» شامِلٌ لصَدقةِ الفِطرِ بعُمومِه ولم يُفرِّقْ في الآيةِ بينَ فَقيرٍ وفَقيرٍ، كما أنَّه لم يُقيِّدْ ذلك بالإِسلامِ، فجازَ دَفعُها إلى الذِّميِّ (١).
ثانيًا: السُّنةُ:
أ- عَنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَصدَّقُوا إلَّا على أَهلِ دِينِكم»، فأَنزَلَ اللَّهُ تعالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. قالَ: قالَ ﷺ : «تَصدَّقُوا على أَهلِ الأَديانِ» (٢).
ب- عَنْ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ «تَصدَّقَ على أَهلِ بَيتٍ مِنْ اليَهودِ بصَدقةٍ، فهي تَجرِي عليهم» (٣).
دَلَّ الحَديثانِ على جَوازِ الصَّدقةِ على أهلِ الذِّمةِ، أمَّا الأولُ فلقَولِه ﷺ : «تَصدَّقوا على أهلِ الأَديانِ كلِّها»، ويَدخلُ فيهم أهلُ الذِّمةِ، وفي الصَّدقةِ عليهم بِرٌّ بهم، وهو مُتحقِّقٌ في زَكاةِ الفِطرِ ولم نُنهَ عنه فجازَ ذلك.
стр. 2418
وأمَّا الثاني فلفِعلِ النَّبيِّ ﷺ : الصَّدقةَ عليهم واستِمرارِها عليهم، ولَفظُ «الصَّدقةِ» عامٌّ يَشمَلُ صَدقةَ الفِطرِ كسائِرِ الصَّدقاتِ.
ثالثًا: المَعقولُ، وهو مِنْ وَجهَينِ:
أحَدُهما: أنَّ المَقصودَ من صَدقةِ الفِطرِ هو سَدُّ خَلةِ المُحتاجِ ودَفعُ حاجَتِه بفِعلٍ هو قُربةٌ من المُؤدِّي، وهذا المَقصودُ حاصِلٌ بالصَّرفِ إلى أهلِ الذِّمةِ فإنَّ الصَّدقةَ عليهم قُربةٌ بدَليلِ التَّطوُّعاتِ؛ لأنَّنا لم نُنْه عن المبَرَّةِ لمَن لم يُقاتِلْنا (١).
الثاني: أنَّ العِلةَ في النَّهي عن التَّصدُّقِ على الكُفارِ؛ لأنَّ في ذلك إِعانةً لهم على قِتالِنا، وهذا لا يَجوزُ، وهذا المَعنى غيرُ مَوجودٍ في أهلِ الذِّمةِ فجازَ التَّصدُّقُ عليهم بصَدقةِ الفِطرِ وغيرِها من الصَّدقاتِ ما عدا صَدقةَ المالِ فهي خارِجةٌ لحَديثِ مُعاذٍ ﵁ (٢).
حُكمُ اشتِراطِ النِّيةِ في أداءِ زَكاةِ الفِطرِ:
اتَّفقَ عامَّةُ الفُقهاءِ على اشتِراطِ النِّيةِ في زَكاةِ الفِطرِ وأنَّه لا يَجوزُ إِخراجُها إلا بنيَّةٍ، قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ (٣).
стр. 2419
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: إِخراجُ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ، فإنْ أخرَجَها بغيرِ نيَّةٍ لم يُجزِئْه، وبه قالَ العُلماءُ كافَّةً إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّ إِخراجَها لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ (١).
وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَذهبُ عامَّةِ الفُقهاءِ أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ، إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: لا تَجبُ لها النِّيةُ (٢).
وقد تَقدَّمَ ذلك مُفصَّلًا في كِتابِ الزَّكاةِ (٣).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في وقتِ النِّيةِ متى تَكونُ؟
نَصَّ الحَنفيةُ على ضَرورةِ مُقارَنتِها للأَداءِ ولو حُكمًا، كما لودفَعَ بلا نيَّةٍ ثم نَوى والمالُ لا يَزالُ قائِمًا في مِلكِ الفَقيرِ، بخِلافِ ما إذا نَوى بعدَما استهلَكَه الفَقيرُ أو باعَه فلا تُجزِئُ عن الزَّكاةِ.
والمُرادُ بالأداءِ الدَّفعُ إلى الفُقراءِ أو إلى الإمامِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ قد تُؤدَّى مُفرَّقةً فيُتحَرَّجُ باستِحضارِ النِّيةِ عندَ أداءِ كلِّ دُفعةٍ فاكتُفِي بنيَّةٍ واحِدةٍ عندَ العَزلِ مَنعًا للحَرجِ (٤).
стр. 2420
وعندَ المالِكيةِ: تَجبُ نيَّةُ الزَّكاةِ عندَ عَزلِها أو دَفعِها لمُستحِقِّها ويَكفي أحَدُهما، فإنْ لم يَنوِ عندَ العَزلِ أو الدَّفعِ وإنَّما نَوى بعدَه أو قبلَه لم تُجزِئْه (١).
وعندَ الشافِعيةِ وَجهانِ في جَوازِ تَقديمِ النِّيةِ على تَفرقةِ الزَّكاةِ، الأصَحُّ كما قالَ النَّوويُّ: الإِجزاءُ، كالصَّومِ للعُسرِ في إِيجابِ المُقارنةِ؛ ولأنَّ القَصدَ سَدُّ حاجةِ الفَقيرِ، وعلى هذا يَكفي نيَّةُ المُوكِّلِ عندَ الدَّفعِ إلى الوَكيلِ، وعلى الثاني يُشتَرطُ نيَّةُ الوَكيلِ عندَ الدَّفعِ إلى المَساكينِ ولو وكَّلَ وَكيلًا وفوَّضَ النِّيةَ إليه جازَ (٢).
وعندَ الحَنابِلةِ: إنْ تَقدَّمَت النِّيةُ على الأداءِ بالزَّمنِ اليَسيرِ جازَ، وإنْ طالَ لم يَجزْ كسائِرِ العِباداتِ (٣).
إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عن الغيرِ بغيرِ إذْنِه:
تَبيَّنَ مما سبَقَ أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ إلا بنيَّةٍ من المُزكِّي وذلك إنَّما يَكونُ بفِعلِه، أوبعَملِه وإذْنِه بإِخراجِها، فإنْ أدَّى عمَّن تَلزمُه نَفقتُه بغيرِ إذنِهم جازَ، وإنْ أدَّى عن أجنَبيٍّ بغيرِ إذْنِه لا يَجوزُ.
قالَ المَرغينانيُّ الحَنفيُّ ﵀: ولوأدَّى عنهم -أي: زَكاةَ الفِطرِ- أو عن زَوجَتِه بغيرِ أمرِهم أجزَأَه استِحسانًا؛ لثُبوتِ الإذنِ عادةً (٤).