← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

قالَ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا ما سِوى صَدقةِ الفِطرِ والكَفاراتِ والنُّذورِ فلا شَكَّ في أنَّ صَرفَها إلى فُقراءِ المُسلِمينَ أفضَلُ؛ لأنَّ الصَّرفَ إليهم يَقعُ إِعانةً لهم على الطاعةِ، وهل يَجوزُ صَرفُها إلى أهلِ الذِّمةِ؟ قال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ: يَجوزُ، وقالَ أبو يُوسفَ: لا يَجوزُ (١). واستدَلَّا على جَوازِ إِعطاءِ زَكاةِ الفِطرِ للكافِرِ الذِّميِّ بالكِتابِ والسُّنةِ والمَعقولِ: أولًا: الكِتابُ: قالَ اللهُ تَعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨)﴾ [الممتحنة: ٨]. قالَ الكاسانيُّ ﵀: وظاهِرُ هذا النَّصِّ يَقتَضي جَوازَ صَرفِ الزَّكاةِ إليهم؛ لأنَّ أداءَ الزَّكاةِ بِرٌّ بهم إلا أنَّ البِرَّ بطَريقِ الزَّكاةِ غيرُ مُرادٍ، عرَفْنا ذلك بحَديثِ مُعاذٍ ﵁ وإنَّما لا يَجوزُ صَرفُها إلى الحَربيِّ؛ لأنَّ في ذلك إِعانةً لهم على قِتالِنا، وهذا لا يَجوزُ، وهذا المَعنى لم يُوجَدْ في الذِّميِّ (٢). وقالَ تَعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٧١].

стр. 2417

فهذه الآيةُ الكَريمةُ تدلُّ على جَوازِ دَفعِ الصَّدقاتِ للفُقراءِ؛ لأنَّ لَفظَ «الصَّدقاتُ» شامِلٌ لصَدقةِ الفِطرِ بعُمومِه ولم يُفرِّقْ في الآيةِ بينَ فَقيرٍ وفَقيرٍ، كما أنَّه لم يُقيِّدْ ذلك بالإِسلامِ، فجازَ دَفعُها إلى الذِّميِّ (١). ثانيًا: السُّنةُ: أ- عَنْ سَعيدِ بنِ جُبيرٍ، قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَصدَّقُوا إلَّا على أَهلِ دِينِكم»، فأَنزَلَ اللَّهُ تعالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢]. قالَ: قالَ ﷺ : «تَصدَّقُوا على أَهلِ الأَديانِ» (٢). ب- عَنْ سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ «تَصدَّقَ على أَهلِ بَيتٍ مِنْ اليَهودِ بصَدقةٍ، فهي تَجرِي عليهم» (٣). دَلَّ الحَديثانِ على جَوازِ الصَّدقةِ على أهلِ الذِّمةِ، أمَّا الأولُ فلقَولِه ﷺ : «تَصدَّقوا على أهلِ الأَديانِ كلِّها»، ويَدخلُ فيهم أهلُ الذِّمةِ، وفي الصَّدقةِ عليهم بِرٌّ بهم، وهو مُتحقِّقٌ في زَكاةِ الفِطرِ ولم نُنهَ عنه فجازَ ذلك.

стр. 2418

وأمَّا الثاني فلفِعلِ النَّبيِّ ﷺ : الصَّدقةَ عليهم واستِمرارِها عليهم، ولَفظُ «الصَّدقةِ» عامٌّ يَشمَلُ صَدقةَ الفِطرِ كسائِرِ الصَّدقاتِ. ثالثًا: المَعقولُ، وهو مِنْ وَجهَينِ: أحَدُهما: أنَّ المَقصودَ من صَدقةِ الفِطرِ هو سَدُّ خَلةِ المُحتاجِ ودَفعُ حاجَتِه بفِعلٍ هو قُربةٌ من المُؤدِّي، وهذا المَقصودُ حاصِلٌ بالصَّرفِ إلى أهلِ الذِّمةِ فإنَّ الصَّدقةَ عليهم قُربةٌ بدَليلِ التَّطوُّعاتِ؛ لأنَّنا لم نُنْه عن المبَرَّةِ لمَن لم يُقاتِلْنا (١). الثاني: أنَّ العِلةَ في النَّهي عن التَّصدُّقِ على الكُفارِ؛ لأنَّ في ذلك إِعانةً لهم على قِتالِنا، وهذا لا يَجوزُ، وهذا المَعنى غيرُ مَوجودٍ في أهلِ الذِّمةِ فجازَ التَّصدُّقُ عليهم بصَدقةِ الفِطرِ وغيرِها من الصَّدقاتِ ما عدا صَدقةَ المالِ فهي خارِجةٌ لحَديثِ مُعاذٍ ﵁ (٢). حُكمُ اشتِراطِ النِّيةِ في أداءِ زَكاةِ الفِطرِ: اتَّفقَ عامَّةُ الفُقهاءِ على اشتِراطِ النِّيةِ في زَكاةِ الفِطرِ وأنَّه لا يَجوزُ إِخراجُها إلا بنيَّةٍ، قالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ إِخراجَ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ (٣).

стр. 2419

وقالَ الماوَرديُّ ﵀: إِخراجُ الزَّكاةِ لا يَصحُّ إلا بنيَّةٍ، فإنْ أخرَجَها بغيرِ نيَّةٍ لم يُجزِئْه، وبه قالَ العُلماءُ كافَّةً إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّ إِخراجَها لا يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ (١). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَذهبُ عامَّةِ الفُقهاءِ أنَّ النيَّةَ شَرطٌ في أداءِ الزَّكاةِ، إلا ما حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ: لا تَجبُ لها النِّيةُ (٢). وقد تَقدَّمَ ذلك مُفصَّلًا في كِتابِ الزَّكاةِ (٣). إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في وقتِ النِّيةِ متى تَكونُ؟ نَصَّ الحَنفيةُ على ضَرورةِ مُقارَنتِها للأَداءِ ولو حُكمًا، كما لودفَعَ بلا نيَّةٍ ثم نَوى والمالُ لا يَزالُ قائِمًا في مِلكِ الفَقيرِ، بخِلافِ ما إذا نَوى بعدَما استهلَكَه الفَقيرُ أو باعَه فلا تُجزِئُ عن الزَّكاةِ. والمُرادُ بالأداءِ الدَّفعُ إلى الفُقراءِ أو إلى الإمامِ؛ لأنَّ الزَّكاةَ قد تُؤدَّى مُفرَّقةً فيُتحَرَّجُ باستِحضارِ النِّيةِ عندَ أداءِ كلِّ دُفعةٍ فاكتُفِي بنيَّةٍ واحِدةٍ عندَ العَزلِ مَنعًا للحَرجِ (٤).

стр. 2420

وعندَ المالِكيةِ: تَجبُ نيَّةُ الزَّكاةِ عندَ عَزلِها أو دَفعِها لمُستحِقِّها ويَكفي أحَدُهما، فإنْ لم يَنوِ عندَ العَزلِ أو الدَّفعِ وإنَّما نَوى بعدَه أو قبلَه لم تُجزِئْه (١). وعندَ الشافِعيةِ وَجهانِ في جَوازِ تَقديمِ النِّيةِ على تَفرقةِ الزَّكاةِ، الأصَحُّ كما قالَ النَّوويُّ: الإِجزاءُ، كالصَّومِ للعُسرِ في إِيجابِ المُقارنةِ؛ ولأنَّ القَصدَ سَدُّ حاجةِ الفَقيرِ، وعلى هذا يَكفي نيَّةُ المُوكِّلِ عندَ الدَّفعِ إلى الوَكيلِ، وعلى الثاني يُشتَرطُ نيَّةُ الوَكيلِ عندَ الدَّفعِ إلى المَساكينِ ولو وكَّلَ وَكيلًا وفوَّضَ النِّيةَ إليه جازَ (٢). وعندَ الحَنابِلةِ: إنْ تَقدَّمَت النِّيةُ على الأداءِ بالزَّمنِ اليَسيرِ جازَ، وإنْ طالَ لم يَجزْ كسائِرِ العِباداتِ (٣). إِخراجُ زَكاةِ الفِطرِ عن الغيرِ بغيرِ إذْنِه: تَبيَّنَ مما سبَقَ أنَّه لا يَجوزُ إِخراجُ الزَّكاةِ إلا بنيَّةٍ من المُزكِّي وذلك إنَّما يَكونُ بفِعلِه، أوبعَملِه وإذْنِه بإِخراجِها، فإنْ أدَّى عمَّن تَلزمُه نَفقتُه بغيرِ إذنِهم جازَ، وإنْ أدَّى عن أجنَبيٍّ بغيرِ إذْنِه لا يَجوزُ. قالَ المَرغينانيُّ الحَنفيُّ ﵀: ولوأدَّى عنهم -أي: زَكاةَ الفِطرِ- أو عن زَوجَتِه بغيرِ أمرِهم أجزَأَه استِحسانًا؛ لثُبوتِ الإذنِ عادةً (٤).

стр. 2421

قالَ البابَرتيُّ ﵀: قَولُه: «ولوأدَّى عنهم» ظاهِرٌ، وهو استِحسانٌ، والقياسُ أنَّه لا يَصحُّ كما إذا أدَّى الزَّكاةَ بغيرِ إذنِهم. وَجهُ الاستِحسانِ أنَّ الصَّدقةَ فيها مَعنى المُؤنةِ فيَجوزُ أنْ تَسقُطَ بأداءِ الغَيرِ، وإنْ لم يُوجَدِ الإذنُ صَريحًا (١). وقالَ الخَرشيُّ ﵀ في «شَرح مُختصَرِ خَليلٍ»: وإنْ أدَّاها عنه أهلُه أجزَأَه، وإليه أشارَ بقَولِه: «وجازَ إِخراجُ أهلِه عنه» إذا ترَكَ عندَهم ما يُخرَجُ منه ووَثِق بِهم وأَوصاهم، زادَ في التَّوضيحِ: أو كانَت عادَتَهم (٢). قالَ القَرافيُّ ﵀: فإذا أخرَجَ أهلُه وكانَ ذلك عادَتَهم أو أمرَهم أجزَأَه، وإلا تُخرَجُ على الخِلافِ فيمَن أعتَقَ عن غيرِه بغيرِ إذنِه وعِلمِه والإِجزاءُ أحسَنُ (٣). وقالَ الحَطابُ ﵀: واستُحسِنَ في الطِّرازِ الإِجزاءُ وإنْ لم يَعلَمْ به ولم يَأمرْهم بذلك، ولم يَكنْ ذلك عُرفَه، ونَصُّه: فإنْ لم يُخرِجْها المُسافِرُ وأخرَجَها عنه أهلُه فقالَ في الكِتابِ: يُجزِئُه، وذلك له صُورتانِ: إحداهُما: أنْ يَكونَ أمَرَهم بذلك أو كانَ هو عُرفَهم معه فيُجزِئُ بلا إِشكالٍ وكأنَّه استنابَهم.

стр. 2422

والأُخرى: لم يَأمرْهم ولم يَكنْ ذلك عُرفَه معهم فهذا يُختلَفُ فيه على الخِلافِ فيمَن كفَّرَ عن غيرِه من غيرِ عِلمِه وإذنِه وأنَّ يُجزِئُه أحسَنُ (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قالَ أَصحابُنا: لو أخرَجَ إِنسانٌ الفِطرةَ عن أجنَبيٍّ بغيرِ إذنِه لا يُجزِئُه بلا خِلافٍ؛ لأنَّها عِبادةٌ فلا تَسقطُ عن المُكلَّفِ بها بغيرِ إذنِه، وإنْ أذِنَ فأخرَجَ عنه أجزَأَه، كما لو قالَ لغيرِه: اقضِ دَيْني، وكما لو وكَّلَه في دَفعِ زَكاةِ مالِه وفي ذَبحِ أُضحيَّتِه، ولو كانَ للإِنسانِ وَلدٌ صَغيرٌ مُوسِرٌ فحيثُ لا يَلزمُه فِطرَتُه فأخرَجَ الأبُ فِطرةَ الوَلدِ من مالِ نَفسِه جازَ بلا خِلافٍ، صرَّحَ به القاضِي أبو الطَّيبِ والبَندَنيجيُّ والبَغويُّ والأَصحابُ؛ لأنَّه يَستقِلُّ بتَمليكِ ابنِه الصَّغيرِ. ولو كانَ كَبيرًا رَشيدًا لم يَجزْ إلا بإذنِه؛ لأنَّه لا يَستقِلُّ بتَمليكِه، والجَدُّ كالأبِ، والمَجنونُ كالصَّبيِّ، قالَ البَغويُّ: لو أخرَجَ الوَليُّ فِطرةَ الصَّبيِّ والمَجنونِ من مالِ نَفسِه تَبرعًا، فإنْ كانَ أبًا أو جَدًّا جازَ، وكأنَّه ملَّكَه ذلك ثم تَولَّى الأداءَ عنه مما ملَّكَه. وإنْ كانَ وَصيًّا أو قَيمًا لم يَجزْ إلا بإذنِ القاضِي، فإذا أذِنَ جازَ ويَصيرُ كأنَّه بالإذنِ كأنَّ الصَّبيَّ تَملَّك منه وأذِنَ له في الإِخراجِ، وكلُّ هذا مُتفَقٌ عليه عندَ أَصحابِنا ونقَلَه عن الأَصحابِ (٢). وقالَ المَرداويُّ ﵀: لو أخرَجَ عمَّن لا تَلزمُه فِطرتُه بإذنِه أجزَأَ، وإلا فلا، قالَ أبو بَكرٍ الآجُريُّ: هذا قَولُ فُقهاءِ المُسلِمينَ (٣).

стр. 2423

وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن وجَبَت فِطرتُه على غيرِه كالمَرأةِ والنَّسيبِ الفَقيرِ إذا أخرَجَ عن نَفسِه بإذنِ مَنْ تَجبُ عليه صَحَّ بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّه نائِبٌ عنه، وإنْ أخرَجَ بغيرِ إذنِه ففيه وَجهانِ: أحَدُهما: يُجزِئُه؛ لأنَّه أخرَجَ فِطرتَه فأجزَأَه كالتي وجَبَت عليه. والثاني: لا يُجزِئُه؛ لأنَّه أدَّى ما وجَبَ على غيرِه بغيرِ إذْنِه فلم يَصحَّ كما لو أدَّى عن غيرِه (١).

стр. 2424

كتاب الصيام

стр. 2425

كتاب الصيام تَعريفُ الصِّيامِ: الصِّيامُ في اللُّغةِ: الإمساكُ، ويُستَعمَلُ في كلِّ إمساكٍ، يُقالُ: صامَ إذا سكَت، وصامَتِ الخَيلُ: وقَفت، قال اللهُ تَعالى لِمَريمَ ﵍: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ [مريم: ٢٦]. قال ابنُ عَباسٍ: صَمتًا. وقال أبو عُبَيدٍ: كلُّ مُمسِكٍ عن كَلامٍ أو طَعامٍ أو سَيرٍ فهو صائِمٌ. وقال النابِغةُ: خَيْلٌ صِيَامٌ وَخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ … تَحْتَ العَجَاجِ وأُخرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا أي أنَّ الخَيلَ مُوزَّعةٌ على ضُروبٍ، فبَعضُها مُمسِكٌ عن الكَرِّ على الأعداءِ، وبَعضُها غَيرُ مُمسِكٍ.

стр. 2426

وقال الخَليلُ: الصِّيامُ: قيامٌ بلا عَملٍ، والصَّومُ: الإمساكُ عن الطَّعامِ، وصامَ الفَرسُ أي: قامَ على غَيرِ اعتِلافٍ، وصامَ النَّهارُ صَومًا إذا قام قائِمُ الظَّهيرةِ واعتدَل، والصَّومُ رُكودُ الرِّيحِ، والصَّومُ: مَصدَرُ صامَ يَصومُ صَومًا وصِيامًا (١). والصَّومُ في الاصطِلاحِ: هو الإمساكُ عن المَطعَمِ والمَشرَبِ والمَنكَحِ مع النِّيَّةِ في زَمانٍ مَخصوصٍ لِمَنْ خُوطِب به وهو من أهلِه (٢). وقال النَّوَويُّ ﵀: هو إمساكٌ مَخصوصٌ عن شَيءٍ مَخصوصٍ في زَمنٍ مَخصوصٍ من شَخصٍ مَخصوصٍ (٣). وقال السَّرخَسيُّ ﵀: عِبارةٌ عن إمساكٍ مَخصوصٍ: وهو الكَفُّ عن قَضاءِ الشَّهوتَيْن: شَهوةِ البَطنِ وشَهوةِ الفَرجِ. من شَخصٍ مَخصوصٍ: وهو أنْ يَكونَ مُسلِمًا أو مُسلِمةً طاهِرةً من الحَيضِ والنِّفاسِ. في وَقتٍ مَخصوصٍ: وهو ما بعدَ طُلوعِ الفَجرِ إلى وَقتِ غُروبِ الشَّمسِ. بصِفةٍ مَخصوصةٍ: وهي أنْ يَكونَ على قَصدِ التَّقرُّبِ (٤).

стр. 2427

حُكمُ صَومِ شَهرِ رَمضانَ: أجمَعت الأُمَّةُ على أنَّ صَومَ شَهرِ رَمضانَ فَرضٌ واجِبٌ ورُكنٌ من أركانِ الإسلامِ وعلى كُفرِ من أنكَره وجحَده، والدَّليلُ على فَرضيَّتِه الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجماعُ والمَعقولُ. أمَّا الكِتابُ: فقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥]. فقَولُه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾، أي: فُرِض. وأمَّا السُّنَّةُ: ١ - فما رَواه الشَّيخانِ عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «بُنِيَ الْإِسْلَامُ على خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ» (١).

стр. 2428

٢ - ما رَوياه أيضًا عن طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ: أَنَّ أَعْرَابِيًّا جاء إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ ثَائِرَ الرَّأْسِ، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي مَاذَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ من الصَّلَاةِ؟ فقال: الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، إلا أَنْ تَطَوَّعَ شَيئًا، فقال: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ من الصِّيامِ؟ قال: «شَهْرَ رَمَضَانَ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ شَيئًا»، قال: أَخْبِرْنِي بِمَا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ من الزَّكَاةِ؟ قال: فَأَخْبَرَهُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بشرائِعِ الْإِسْلَامِ، قال: وَالَّذِي أَكْرَمَكَ لَا أَتَطَوَّعُ شَيئًا ولا أَنْقُصُ مِمَّا فَرَضَ اللهُ عَلَيَّ شَيئًا، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ، أو أُدخِلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ» (١). وأمَّا الإجماعُ: فقال النَّوَويُّ ﵀: وكَونُ صَومِ رَمضانَ رُكنًا وفَرضًا مُجمَعٌ عليه، ودَلائِلُ الكِتابِ والسُّنَّةِ والإجماعِ مُتظاهِرةٌ عليه، وأجمَعوا على أنَّه لا يَجِبُ غَيرُه (٢). وقال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ صيامَ شَهرِ رَمضانَ أحَدُ أركانِ الإسلامِ، وفَرضٌ من فُروضِه (٣). وقال الكاسانيُّ ﵀: الأُمَّةُ أجمَعت على فَرضيَّةِ صَومِ شَهرِ رَمضانَ لا يَجحَدُها إلا كافِرٌ (٤).

стр. 2429

وأمَّا المَعقولُ: فمِن وُجوهٍ: أحَدُها: أنَّ الصَّومَ وَسيلةٌ إلى شُكرِ النِّعمةِ؛ إذْ هو كَفَّ النَّفسِ عن الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ، وإنَّها من أجَلِّ النِّعَمِ وأعلاها، والامتِناعُ عنها زَمنًا مُعتبَرًا يُعرِّفُ بقَدرِها، إذِ النِّعمُ مَجهولةٌ له، فإذا فُقِدت عُرِفت، فيَحمِله ذلك على قَضاءِ حَقِّها بالشُّكرِ، وشُكرُ النِّعمِ فَرْضٌ عَقلًا وشَرعًا، وإليه أشار الرَّبُّ تَعالى في قَولِه في آيةِ الصِّيامِ: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٥]. والثاني: أنَّه وَسيلةٌ إلى التَّقوى؛ لأنَّه إذا انقادَت نَفسُه لِلامتِناعِ عن الحَلالِ طَمعًا في مَرضاةِ اللهِ تَعالى، وخَوفًا من أليم عِقابه، فأوْلى أنْ تَنقادَ لِلامتِناعِ عن الحَرامِ، فكان الصَّومُ سَببًا لِلاتِّقاءِ عن مَحارِمِ اللهِ تَعالى وأنَّه فَرضٌ، وإليه وقَعت الإشارةُ بقَولِه تَعالى في آخِرِ الصَّومِ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣]. والثالِثُ: أنَّ في الصَّومِ قَهرَ الطَّبعِ وكَسرَ الشَّهوةِ؛ لأنَّ النَّفسَ إذا شبِعت تمَنَّت الشَّهواتِ، وإذا جاعَت امتَنَعت عما تَهوى، ولذا قال النَّبيُّ ﷺ : «يا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، من اسْتَطَاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فإنَّه أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فإنَّه له وِجَاءٌ» (١). فكان الصَّومُ ذَريعةً إلى الامتِناعِ عن المَعاصي وأنَّه فَرضٌ (٢).

стр. 2430

والرابِعُ: أنَّ الصَّومَ مُوجِبٌ لِلرَّحمةِ والعَطفِ على المَساكينِ؛ فإنَّ الصائِمَ إذا ذاقَ ألَمَ الجُوعِ في بَعضِ الأوقاتِ ذكَر مَنْ هذا حالُه في جَميعِ الأوقاتِ، وتُسارِعُ إليه الرِّقَّةُ عليه والرَّحمةُ به بالإحسانِ إليه، فيَنالُ بذلك ما عندَ اللهِ تَعالى من حُسنِ الجَزاءِ. والخامِسُ: أنَّ في الصَّومِ مُوافَقةَ الفُقراءِ بتَحمُّلِ ما يَتحمَّلون أحيانًا، وفي ذلك رَفعُ حالِه عندَ اللهِ تَعالى (١). فَضلُ الصَّومِ: ورَد في فَضلِ الصَّومِ أحاديثُ كَثيرةٌ عن النَّبيِّ ﷺ نَذكُرُ منها ما يَلي: ١ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : قال اللهُ : «كُلُّ عَمَلِ بن آدَمَ له إلا الصِّيام، فإنَّه لي وأنا أَجْزِي بِهِ (٢) وَالصِّيامُ

стр. 2431

جُنَّةٌ (١) وإذا كان يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ (٢) ولا يَصْخَبْ (٣) فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إني امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيَدِه لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ الْمِسْكِ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إذا أَفْطَرَ فَرِحَ وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». هذا لَفظُ البُخاريِّ، ولِمُسلِمٍ: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إلى سَبْعمِئَةِ ضِعْفٍ» قال اللهُ : «إلا الصَّوْمَ فإنَّه لي وأنا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ من أَجْلِي، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ، وَلَخُلُوفُ فيه أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ الْمِسْكِ». وفي لَفظٍ لِلبُخاريِّ: «الصِّيامُ جُنَّةٌ، فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، وَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أو شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي صَائِمٌ، مَرَّتَيْنِ، وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِه لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى من رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ من أَجْلِي، الصِّيامُ لي وأنا أَجْزِي بِهِ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا» (٤).

стр. 2432

٢ - عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (١). ٣ - عن عَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الصِّيامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَومَ الْقِيَامَةِ، يَقولُ الصِّيامُ: أيْ رَبِّ، مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ، فشَفِّعْني فيه، وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فشَفِّعْني فيه، قال: فَيُشَفَّعَانِ» (٢). ٤ - عن حُذَيفةَ ﵁ قال: أَسْنَدْتُ النَّبيَّ ﷺ إلى صَدري، فقال: «مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللهِ خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ» (٣). ٥ - وعن أبي أُمامةَ ﵁ قال: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فقُلتُ: مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْكَ، قال: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فإنَّه لَا مِثْلَ له» (٤). ٦ - عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقًا كما بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» (٥).

стр. 2433

٧ - عن أبي موسى ﵁ قال: كُنَّا في الْبَحْرِ فَبَيْنَا نَحْنُ نَسِيرُ وقد رفَعنا الشِّرَاعَ وَلا نَرَى جَزِيرَةً وَلا شَيئًا إذْ سَمِعنا مُنَادِيًا يُنَادِي: يا أَهْلَ السَّفِينَةِ قِفُوا أُخبِرْكم، فَقُمْنَا نَنْظُرُ فلم نَرَ شَيئًا، فَنَادَى سَبْعًا، فلَمَّا كانت السَّابِعَةُ قُمْتُ فَقُلْتُ: يا هذا، أخبِرْنا ما تُرِيدُ أنُ تُخْبِرَنَا بِهِ؟ فإنَّك تَرَى حَالَنَا، وَلا نَسْتَطِيعُ أن نَقِفَ عليها، قال: «ألَا أُخْبِرُكُمْ بِقَضَاءٍ قَضَاهُ اللهُ على نَفْسِهِ؟ أيُّما عَبْدٍ أظمَأَ نَفْسَهُ في اللهِ في يَوْمٍ حَارٍّ أرواه اللَّهُ يَومَ الْقِيَامَةِ». زَادَ أبو أُسامةَ أحَدُ رُواةِ الحَديثِ: «فَكُنْتَ لا تَشاءُ أنْ تَرَى أبا مُوسَى صَائِمًا في يَوْمٍ بَعِيدٍ ما بَينَ الطَّرَفَيْنِ إلا رَأَيْتَه» (١). فَضلُ صَومِ رَمضانَ: ١ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁: عن النَّبيِّ ﷺ قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ، وَمَنْ قام لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِهِ» (٢). ٢ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كان يَقولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ ما بَيْنَهُنَّ إذا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ» (٣). ٣ - وعن كَعبِ بنِ عُجرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «احْضُروا المِنبَرَ»، فحضَرنا، فلَمَّا ارتَقى دَرجةً قال: «آمين»، فلَمَّا ارتَقى

стр. 2434

الدَّرجةَ الثانيةَ قال: «آمين»، فلَمَّا ارتَقى الدَّرجةَ الثالِثةَ قال: «آمين»، فلَمَّا نزَل قُلنا: يا رَسولَ اللهِ، سَمِعْنا منكَ اليَومَ شَيئًا ما كُنَّا نَسمَعُه، قال: «إنَّ جِبريلَ ﵇ عرَض لي فقال: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضانَ فلم يُغفَرْ له، قُلتُ: آمين، فلَمَّا رَقيتُ الثانيةَ قال: بَعُدَ مَنْ ذُكِرتُ عندَه فلم يُصلِّ عليكَ، فقُلتُ: آمين، فلَمَّا رَقيتُ الثالِثةَ قال: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أبواه الكِبَرَ عندَه أو أحَدُهما فلم يُدخِلاه الجَنَّةَ، قُلتُ: آمين» (١). ٤ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا دخَل شَهْرُ رَمَضَانَ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ» (٢). ٥ - وعن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا كان أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فلم يُفْتَحْ منها بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فلم يُغْلَقْ منها بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ من النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ» (٣). ٦ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «أَتَاكُمْ رَمَضَانُ شَهْرٌ مُبَارَكٌ فَرَضَ اللهُ عَلَيْكُمْ صِيَامَهُ، تُفْتَحُ فيه أَبْوَابُ السَّمَاءِ

стр. 2435

وَتُغْلَقُ فيه أَبْوَابُ الْجَحِيمِ، وَتُغَلُّ فيه مَرَدَةُ الشَّيَاطِينِ، لِلَّهِ فيه لَيْلَةٌ خَيْرٌ من أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَ خَيْرَهَا فَقَدْ حُرِمَ» (١). ٧ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ في كلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لِكُلِّ عَبْدٍ منهم دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ» (٢). يَعنى في رَمَضانَ. ٨ - عن عَمرِو بنِ مُرَّةَ الجُهَنيِّ ﵁ قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ شَهِدْتُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وَصَلَّيْتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ، وَأَدَّيْتُ الزَّكَاةَ، وَصُمْتُ رَمَضَانَ وَقُمْتُهُ، فَمِمَّنْ أَنَا؟ قَالَ: «مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» (٣). جَزاءُ المُفطِرين في نَهارِ رَمضانَ: عن أبي أُمامةَ الباهِليِّ ﵁ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إِذْ أَتَانِي رَجُلانِ فَأَخَذَا بِضَبْعَيَّ فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعْرًا فَقَالا لِي: اصْعَدْ، فقُلتُ: إنِّي لا أُطيقُه، فقالا: إنَّا سَنُسهِّلُه لك، فصَعِدتُ حَتَّى إِذَا كُنْتُ فِي سَوَاءِ الْجَبَلِ فَإِذَا أَنَا بِصَوْتٍ شَدِيدٍ فَقُلْتُ: مَا هَذِهِ الأَصْوَاتُ؟ فَقِيلَ: هَذَا عُوَاءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِي فَإِذَا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِينَ بِعَرَاقِيبِهِمْ مُشَقَّقَةٍ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُفْطِرُونَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِمْ» (٤). أي: يُفطِرون قبلَ وَقتِ الإفطارِ.

стр. 2436

فصل في أَنواعُ الصَّومِ الصَّوم الشَّرعيُّ منه واجِبٌ ومنه مَندوبٌ إليه، والواجِبُ ثَلاثةُ أقسامٍ: الأولُ: ما يَجِبُ لِلزَّمانِ نَفسِه، وهو صَومُ شَهرِ رَمَضانَ بعَينِه. والثاني: ما يَجِبُ لِعِلَّةٍ، وهو صيامُ الكَفَّاراتِ، ككَفَّارةِ القَتلِ والظِّهارِ واليَمينِ والإفطارِ في رَمَضانَ … إلخ. والثالِثُ: ما يَجِبُ بإيجابِ الإنسانِ ذلك على نَفسِه، وهو صيامُ النَّذرِ والذي يَتضمَّنُ هذا الكِتابُ القَولَ فيه من هذه الواجِباتِ هو صَومُ شَهرِ رَمَضانَ، وأمَّا صَومُ الكَفَّاراتِ فيُذكَرُ عندَ ذِكرِ المَواضِعِ التي تَجِبُ منها الكَفَّاراتُ وكذلك صَومُ النَّذرِ (١). ثُبوتُ هِلالِ شَهرِ رَمَضانَ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ صَومَ شَهرِ رَمَضانَ يَجِبُ برُؤيةِ الهِلالِ أو كَمالِ شَعبانَ ثَلاثينَ يَومًا عندَ عَدمِ الرُّؤيةِ، وخُلُوِّ المَطلَعِ عن حائِلٍ يَمنَعُ الرُّؤيةَ،

стр. 2437

لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (١). ثم اختَلفُوا فيما إذا حال دونَ مَطلَعِ الهِلالِ غَيمٌ، أو قَتَرٌ (٢) في لَيلةِ الثَّلاثينَ من شَعبانَ: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجِبُ صَومُه، ويَجِبُ إكمالُ شَعبانَ ثَلاثينَ يَومًا، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُبِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ» (٣). ولأن هذا اليَومَ يَومُ شكٍّ، وقد نَهى النَّبيُّ ﷺ عن صَومِ يَومِ الشَّكِّ -كما في الصَّحيحَيْن-؛ ولأن الأصل بَقاءُ الشَّهرِ، فلا يُنقَلُ عنه إلا بدَليلٍ، ولم يُوجَدْ. وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ أخرى إلى أنَّ الناسَ تَبَعٌ لِلإمامِ، فإنْ صامَ صاموا، وإنْ أفطَر أفطَروا؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «الصَّوْمُ يَومَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَومَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَومَ تُضَحُّونَ» (٤). قيلَ: مَعناه أنَّ الصَّومَ والفِطرَ مع الجَماعةِ وَعُظمِ الناسِ.

стр. 2438

وذهَب الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثالِثةِ عنه (وهي المَشهورةُ) إلى أنَّه يَجِبُ صَومُ ذلك اليَومِ، لِما رَوى نافِعٌ عن ابنِ عُمَرَ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فَلا تَصُومُوا حتى تَرَوُا الْهِلالَ وَلا تُفْطِرُوا حتى تَرَوْهُ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا له» (١). قال نافِعٌ: «كان ابنُ عُمَرَ إذا مَضى من شَعبانَ تِسعةٌ وعِشرونَ يَومًا بعَث مَنْ يَنْظُرُ له الهِلالَ، فإنْ رأى فذاك، وإذا لم يَرَ ولم يَحُلْ دونَ مَنظَرِه سَحابٌ ولا قَتَرٌ أصبَح مُفطِرًا، وإنْ حال دونَ مَنظَرِه سَحابٌ أو قَتَرٌ أصبَح صائِمًا» (٢). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومعنى «اقدُروا له»: ضَيِّقُوا له العَددَ من قَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧]. أي ضُيِّقَ عليه، وقَولِه : ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: ٢٦]، والتَّضييقُ له أنْ يَجعلَ شَعبانَ تِسعةً وعِشرينَ يَومًا، وقد فسَّره ابنُ عُمَرَ بفِعلِه وهو رَاوِيه وأعلَمُ بمَعناه، فيَجِبُ الرُّجوعُ إلى تَفسيرِه كما رُجِع إليه في تَفسيرِ التَّفرُّقِ في خيارِ المُتبايِعَيْن، ورُوي عن عُمَرَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال لِرَجلٍ: «هل صُمْتَ من سَرَرِ شَعْبَانَ شَيْئًا؟» قال: لا، وفي لَفظٍ: «أَصُمْتَ مِنْ سَرَرِ هَذَا الشَّهْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لا، قَالَ: فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ» (٣)، وسَرَرُ الشَّهرِ: آخِرُه، لَيالٍ يَستَتِرُ الهِلالُ فيها فلا يَظهَرُ، ولأنَّه شَكَّ في أحَدِ طَرَفيِ الشَّهرِ لم يَظهَرْ فيه أنَّه من غَيرِ رَمَضانَ فوجَب الصَّومُ، كالطَّوافِ الآخِرِ.

стр. 2439

قال علِيٌّ وأبو هُرَيرةَ وعائِشةُ ﵃: «لَأَنْ أصومَ يَومًا من شَعبانَ أحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفطِرَ يَومًا من رَمَضانَ»، ولأنَّ الصَّومَ يُحتاطُ له، ولذلك وجَب الصَّومُ بخَبرٍ واحِدٍ، ولم يُفطِرْ إلا بشَهادةِ اثنَيْن (١). كَيفيَّةُ ثُبوتِ هِلالِ رَمضانَ: اختَلفَ الفُقهاءُ في كَيفيَّةِ ثُبوتِ هِلالِ رَمَضانَ هل يَثبُتُ بشاهِدٍ واحِدٍ أو لا بُدَّ من شاهِدَيْن كسائِرِ الشُّهورِ؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَثبُتُ بشَهادةِ عَدلٍ واحِدٍ، لِحَديثِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قال: «تَرَاءَى الناسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَهُ وَأَمَرَ الناسَ بِصِيَامِهِ» (٢). وعن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: جاء أَعْرَابِيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: «إنِّي رأيتُ الْهِلَالَ، قال: يَعْنِي رَمَضَانَ، فقال: أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إلا اللهُ؟ قال: نَعَمْ، قال: أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسولُ اللَّهِ؟ قال: نَعَمْ، قال: يا بِلَالُ أَذِّنْ في الناسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا» (٣).

стр. 2440

ولِمَا رَوَتْ فاطِمةُ بِنتُ الحُسَينِ بنِ علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵃: «أَنَّ رَجُلًا شَهِدَ عِنْدَ عَلِيٍّ ﵁ على رُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ، فَصَامَ، وَأَحْسَبُهُ قال: وَأَمَرَ الناسَ أَنْ يَصُومُوا، وقال: أَصُومُ يَوْمًا من شَعْبَانَ أَحَبُّ إليَّ من أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا من رَمَضَانَ» (١). قالوا: ولأنَّ الإخبارَ برُؤيةِ الهِلالِ من الرِّوايةِ، وليس بشَهادةٍ؛ لأنَّه يَلزَمُ المُخبِرَ بالصَّومِ، ومَضمونُ الشَّهادةِ لا يُلزِمُ الشاهِدَ بشَيءٍ، والعَددُ ليس بشَرطٍ في الرِّوايةِ، فأمكَن قَبولُ خَبرِ الواحِدِ في رُؤيةِ الهِلالِ بالشُّروطِ الواجِبِ تَوافُرها في الراوي لِخَبرٍ دِينيٍّ، وهي: الإسلامُ والعَقلُ، والبُلوغُ والعَدالةُ (٢). وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُشترَطُ في رُؤيةِ هِلالِ رَمضانَ شَهادةُ عَدْلَيْنِ، لِما رَواه النَّسائيُّ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ زَيْدِ بنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ الناسَ في الْيَوْمِ الذي يُشَكُّ فيه، فقال: ألَا إنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وَسَاءَلْتُهُمْ، وأنَّهم حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ وَانْسُكُوا لها، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (٣). وقياسًا على شَوَّالٍ وسائِرِ الشُّهورِ (٤).

стр. 2441

رُؤيةُ هِلالِ شَوَّالٍ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَثبُتُ هِلالُ شَوَّالٍ ولا سائِرِ الشُّهورِ غَيرِ هِلالِ رَمَضانَ إلا بشَهادةِ رَجُلَيْن عَدْلَيْن؛ لِما رَواه حُسَينُ بنُ الحارِث الجَدَليُّ: أَنَّ أَمِيرَ مَكَّةَ خَطَبَ ثُمَّ قال: «عَهِدَ إِلَيْنَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَنْسُكَ لِلرُّؤْيَةِ، فَإِنْ لم نَرَهُ، وَشَهِدَ شَاهِدَا عَدْلٍ نَسَكْنَا بِشَهَادَتِهِمَا … » (١). الحَديثَ. ورَواه النَّسائيُّ عن حُسَينِ بنِ الحارِثِ الجَدَليِّ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ زَيْدِ بنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ خَطَبَ الناسَ في الْيَوْمِ الذي يُشَكُّ فيه فقال: ألَا إنِّي جَالَسْتُ أَصْحَابَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ وَسَاءَلْتُهُمْ وإنَّهم حَدَّثُونِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لها، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ، فَإِنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا» (٢). ولِما رَواه رِبعيُّ بنُ حِراشٍ عن رَجلٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قال: «اختَلفَ الناسُ في آخِرِ يَوْمٍ من رَمَضَانَ فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ بِاللَّهِ لَأَهَلَّا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً، فَأَمَرَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ الناسَ أَنْ يُفْطِرُوا وَأَنْ يَغْدُوا إلى مُصَلَّاهُمْ» (٣). وقياسًا على بَقيَّةِ الشَّهاداتِ التي ليست مالًا، وليس المَقصودُ منها المالَ، ويَطَّلِعُ عليها الرِّجالُ غالِبًا، مع أنَّه ليس فيه احتياطٌ لِلعِبادةِ، بخِلافِ هِلالِ رَمَضانَ (٤).

стр. 2442

اختِلافُ المَطالِعِ: اختِلافُ مَطالِعِ الهِلالِ أمرٌ واقِعٌ بينَ البِلادِ البَعيدةِ، كاختِلافِ مَطالِعِ الشَّمسِ، لكنْ هل يُعتبَرُ ذلك في بَدءِ صيامِ المُسلِمين وتَوقيتِ عيدَيِ الفِطرِ والأضحى وسائِرِ الشُّهورِ فتَختلِفَ بينَهم بَدءًا ونِهايةً أو لا يُعتبَرُ بذلك ويَتوحَّدُ المُسلِمون في صَومِهم وفي عيدِهم؟ وهذه المَسألةُ هي: «إذا رأى الهِلالَ أهلُ بَلدٍ دونَ غَيرِهم»؛ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيها على قولَيْن: فذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في المَذهبِ وبَعضُ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا عِبرةَ باختِلافِ المَطالِعِ، فإذا رأى الهلالَ أهلُ بَلدٍ لَزِم جَميعَ البِلادِ الصَّومُ؛ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ» (١). فقد أوجَب هذا الحديثُ الصَّومَ بمُطلَقِ الرُّؤيةِ لِجَميعِ المُسلِمين دونَ تَقَيُّدِها بمَكانٍ. وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: إنَّ هذا اليَومَ من شَهرِ رَمضانَ بشَهادةِ الثِّقاتِ فوجَب صَومُه على جَميعِ المُسلِمين؛ ولأنَّ شَهرَ رَمَضانَ ما بينَ الهِلالَيْن، وقد ثبَت أنَّ هذا اليَومَ منه في سائِرِ الأحكامِ من حُلولِ الدَّيْنِ ووُقوعِ الطَّلاقِ

стр. 2443

والعِتاقِ ووُجوبِ النُّذورِ وغَيرِ ذلك من الأحكام؛ فيَجِبُ صيامُه بالنَّصِّ والإجماعِ؛ ولأنَّ البَيِّنةَ العادِلةَ شَهِدت برُؤيةِ الهِلالِ؛ يَجِبُ الصَّومُ كما لو تَقارَبت البُلدانُ (١). وذهَب الشافِعيَّةُ في الأصَحِّ عندَهم وبَعضُ الحَنفيَّةِ وبَعضُ المالِكيَّةِ وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ اختارَه شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى أنَّه إذا اختلَفت المَطالِعُ وتباعَدت البُلدانُ لا يَجِبُ الصَّومُ على أهلِ البَلدِ الآخَرِ، وإنْ تَقارَبت البُلدانُ فحُكمُهما بَلدٌ واحِدٌ، ويَلزَمُ أهلَ البَلدِ الآخَرِ الصَّومُ بلا خِلافٍ. واستدَلُّوا على ذلك بأنَّ ابنَ عَباسٍ ﵄ لم يَعمَلْ برُؤيةِ أهلِ الشامِ لِحَديثِ كُرَيْبٍ أَنَّ أُمَّ الْفَضْلِ بِنْتَ الْحَارِثِ بَعَثَتْهُ إلى مُعَاوِيَةَ بِالشَّامِ، قال: فَقَدِمْتُ الشَّامَ فَقَضَيْتُ حَاجَتَهَا وَاسْتُهِلَّ عَلَيَّ رَمَضَانُ، وأنا بِالشَّامِ، فَرَأَيْتُ الْهِلَالَ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فَسَأَلَنِي عَبدُ اللَّهِ بنُ عَباسٍ ﵄ ثُمَّ ذَكَرَ الْهِلَالَ، فقال: «مَتَى رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ؟» فقُلتُ: رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، فقال: «أنتَ رَأَيْتَهُ؟»، فقُلتُ: نَعَمْ، وَرَآهُ الناسُ وَصَامُوا، وَصَامَ مُعَاوِيَةُ، فقال: «لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فلا نَزَالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلَاثِينَ أو

стр. 2444

نَرَاهُ»، فقُلتُ: أَوَلَا تَكْتَفِي بِرُؤْيَةِ مُعَاوِيَةَ وَصِيَامِهِ؟ فقال: «لَا، هَكَذَا أَمَرَنَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ » (١). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: المَسألةُ الثالِثةُ: إذا رأوُا الهِلالَ في رَمضانَ في بَلدٍ ولم يَرَوْه في غَيرِه، فإنْ تقارَبَ البَلَدانِ فحُكمُهما حُكمُ بَلدٍ واحِدٍ، ويَلزَمُ أهلَ البَلدِ الآخَرِ الصَّومُ بلا خِلافٍ، وإنْ تباعَدا فوَجهان مَشهورانِ في الطَّريقَتَيْن: أصَحُّهما: لا يَجِبُ الصَّومُ على أهلِ البَلدِ الآخَرِ، وبهذا قطَع المُصنِّفُ والشَّيخُ أبو حامِدٍ والبَندَنيجيُّ وآخَرون، وصَحَّحه العَبدَريُّ والرافِعيُّ والأكثَرون. والثاني: يَجِبُ، وبه قال الصَّيمَريُّ وصَحَّحه القاضي أبو الطَّيِّبِ والدارِميُّ وأبو علِيٍّ السِّنجيُّ وغَيرُهم، وأجابَ هؤلاء عن حَديثِ كُرَيبٍ عن ابنِ عَباسٍ أنه لم يَثبُتْ عندَه رُؤيةُ الهِلالِ في بَلدٍ آخَرَ بشَهادةِ عَدلَيْن، والصَّحيحُ الأولُ. وفيما يُعتبَرُ به البُعدُ والقُربُ ثَلاثةُ أوجُهٍ: أصَحُّها وبه قطَع جُمهورُ العِراقيِّين والصَّيدلانيُّ وغَيرُهم: أنَّ التَّباعُدَ يَختلِفُ باختِلافِ المَطالِعِ، كالحِجازِ والعِراقِ وخُراسانَ، والتَّقارُبُ ألَّا يَختلِفَ، كبَغدادَ والكُوفةِ والرَّيِّ وقَزوينَ؛ لأنَّ مَطلِعَ هؤلاء مَطلِعُ هؤلاء، فإذا رآه هؤلاء فعَدمُ رُؤيتِه لِلآخَرين لِتَقصيرِهم في التأمُّلِ أو لِعارِضٍ، بخِلافِ مُختلِفي المَطلِعِ.

стр. 2445

والثاني: الاعتبارُ باتِّحادِ الإقليمِ واختِلافِه، فإنِ اتَّحَد فمُتقارِبان وإلا فمُتباعِدان، وبهذا قال الصَّيمَريُّ وآخَرون. والثالِثُ: أنَّ التَّباعُدَ يَكونُ مَسافةَ القَصرِ، والتَّقارُبَ دُونَها، وبهذا قال الفَورانيُّ وإمامُ الحَرَمَيْن والغَزاليُّ والبَغَويُّ وآخَرون من الخُراسانيِّين، وادَّعى إمامُ الحَرَمَيْن الاتِّفاقَ عليه؛ لأنَّ اعتبارَ المَطالِعِ يُحوِجُ إلى حِسابٍ وتَحكيمِ المُنجِّمين، وقَواعِدُ الشَّرعِ تأبى ذلك، فوجَب اعتبارُ مَسافةِ القَصرِ التي علَّق الشَّرعُ بها كَثيرًا من الأحكامِ، وهذا ضَعيفٌ؛ لأنَّ أمرَ الهِلالِ لا تَعلُّق له بمَسافةِ القَصرِ، فالصَّحيحُ اعتبارُ المَطالِعِ كما سبَق. فعلى هذا لو شَكَّ في اتِّفاقِ المَطالِعِ لم يَلزَمِ الصَّومُ الذين لم يَرَوُا؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ الوُجوبِ، ولأنَّ الصَّومَ إنَّما يَجِبُ بالرُّؤيةِ لِلحَديثِ، ولم تَثبُتِ الرُّؤيةُ في حَقِّ هؤلاء، لِعَدمِ ثُبوتِ قُربِهم من بَلدِ الرُّؤيةِ، هذا الذي ذَكرتُه هو المَشهورُ لِلأصحابِ في الطَّريقَتَيْن. وانفرَد الماوَرديُّ والسَّرخَسيُّ بطريقَتَيْن أُخرَيَيْن، فقال الماوَرديُّ: إذا رأوه في بَلدٍ دون بَلدٍ فثَلاثةُ أوجُهٍ: أحَدُها: يَلزَمُ الذين لم يَرَوْا؛ لأنَّ فَرضَ رَمَضانَ لا يَختلِفُ باختِلافِ البِلادِ، وقد ثبَت رَمَضانُ. والثاني: لا يَلزَمُهم؛ لأنَّ الطَّوالِعَ والغَوارِبَ قد تَختلِفُ لِاختِلافِ البُلدانِ، وإنَّما خُوطِبَ كلُّ قَومٍ بمَطلَعِهم ومَغرِبِهم، ألَا تَرى الفَجرَ قد يَتقدَّمُ طُلوعُه في بَلدٍ ويَتأخَّرُ في بَلدٍ آخَرَ، وكذلك الشَّمسُ قد يَتعجَّلُ غُروبُها في بَلدٍ ويَتأخَّرُ في آخَرَ، ثم كلُّ بَلدٍ يُعتبَرُ طُلوعُ فَجرِه وغُروبُ شَمسِه في حَقِّ أهلِه فكذلك الهِلالُ.

стр. 2446

الثالِثُ: إنْ كانا من إقليمٍ لَزِمهم، وإلا فلا، هذا كَلامُ الماوَرديِّ. وقال السَّرخَسيُّ: إذا رآه أهلُ ناحِيةٍ دونَ ناحِيةٍ، فإنْ قَرُبت المَسافةُ لَزِمهم كلَّهم، وضابِطُ القُربِ أنْ يَكونَ الغالِبُ أنَّه إذا أبصَره هؤلاءِ لا يَخفى عليهم إلا لِعارِضٍ، سَواءٌ في ذلك مَسافةُ القَصرِ أو غَيرُها، قال: فإنْ بَعُدت المَسافةُ فثَلاثةُ أوجُهٍ: أحَدُها: يَلزَمُ الجَميعَ، واختارَه أبو علِيٍّ السِّنجيُّ. والثاني: لا يَلزَمُهم. والثالِثُ: إنْ كانت المَسافةُ بينَهما بحيث لا يُتصوَّرُ أنْ يُرى ولا يَخفى على أولئك بلا عارِضٍ لَزِمهم، وإنْ كانت بحيث يُتصوَّرُ أنْ يَخفى عليهم فلا. فحصَل في المَسألةِ سِتُّ وُجوهٍ: أحَدُها: يَلزَمُ كلَّ مَوضِعٍ منها. والثاني: يَلزَمُ أهلَ إقليمِ بَلدِ الرُّؤيةِ دونَ غَيرِهم. والثالِثُ: يَلزَمُ كلَّ بَلدٍ يُوافِقُ بَلدَ الرُّؤيةِ في المَطلِعِ دونَ غَيرِه، وهذا أصَحُّها. والرابِعُ: يَلزَمُ كلَّ بَلدٍ لا يُتصوَّرُ خَفاؤُه عنهم بلا عارِضٍ دونَ غَيرِهم، وهو فيما حَكاه السَّرخَسيُّ. والخامِسُ: يَلزَمُ مَنْ دونَ مَسافةِ القَصرِ دونَ غَيرِهم. والسادِسُ: لا يَلزَمُ غَيرَ بَلدِ الرُّؤيةِ، وهو فيما حَكاه الماوَرديُّ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 2447

فَرعٌ في مَذاهِبِ العُلماءِ فيما إذا رأى الهِلالَ أهلُ بَلدٍ دونَ غَيرِهم: مَذهَبُنا، ونقَل ابنُ المُنذِرِ عن عِكرِمةَ والقاسِمِ وسالِمٍ وإسحاقَ بنِ رَاهَوَيْهِ أنَّه لا يَلزَمُ غَيرَ أهلِ بَلدِ الرُّؤيةِ، وعن اللَّيثِ والشافِعيِّ وأحمدَ: يَلزَمُ الجَميعَ، قال: ولا أعلَمُه إلا قَولَ المَدنيِّ والكُوفيِّ، يَعني مالِكًا وأبا حَنيفةَ (١). حُكمُ الصِّيامِ في البِلادِ التي يَطولُ فيها النَّهارُ ويَقصُرُ فيها اللَّيلُ جِدًّا: مما هو مَعلومٌ أنَّ اللهَ أمرَ بالإمساكِ عن المُفطِراتِ من طُلوعِ الفَجرِ إلى اللَّيلِ. ولكنْ في بَعضِ الأماكِنِ كالدُّولِ الإسكندنافيةِ في شَمالِ أوروبا يَكونُ عندَهم اللَّيلُ أشهُرًا والنَّهارُ أشهُرًا، فكيف يَصومُ أهلُ تلك البِلادِ؟ وكذلك إذا كان النَّهارُ طَويلًا واللَّيلُ قَصيرًا جِدًّا بحيث لا يَقدِرون على الإفطارِ، كيف يَصومُ هؤلاءِ؟ فهذه المَسألةُ لم تُعرَفْ عندَ المُتقدِّمين من الفُقهاءِ لأنَّ هذا لم يَكُنْ مَوجودًا في البِلادِ التي فُتِحت آنَذاك، وأوَّلُ مَنْ تَكلَّم في هذا من الفُقهاءِ فيما وَقفتُ عليه هو الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀ من فُقهاءِ الشافِعيَّةِ، وحَكاه عمَّن تَقدَّمه من العُلماءِ، ثم تَبِعه في ذلك الإمامُ ابنُ عابِدين من فُقهاءِ الحَنفيَّةِ. وكانت صُورةُ المَسألةِ عندَهم في حُكمِ الصِّيامِ في البِلادِ التي يَطلُعُ الفَجرُ فيها بعدَ غُروبِ الشَّمسِ مُباشَرةً بحيث لا يَستطيعون الإفطارَ، أو إذا صَلَّوُا المَغرِبَ طلَع الفَجرُ ولم يَستطيعوا الإفطارَ.

стр. 2448

فقد أجاب الإمامُ السُّيوطيُّ ﵀ عن أسئِلةٍ في مِئةِ بَيتٍ من الشِّعرِ، ومنها هذه الأبياتُ: مَنْ عِنْدَهُمْ لَمْ تَغِبْ شَمْسُ النَّهَارِ سِوَى قَدْرَ الصَّلَاةِ وَيَبْدُو الْفَجْرُ فِي الْحِينِ وَالصَّوْمُ وَافَى فَإِنْ صَلَّوْا يَفُوتُهُمُ مِنَ الْعَشَا مَا بِهِ يَقْوَوْا لِفَرْضِينِ أَيَأْكُلُونَ فيَقْضُوا فَرْضَ مَغْرِبِهِمْ وَحُكْمُهُمْ فِي الْعَشَا مَاذَا أَجِيبُونِي فأجاب: وأمَّا السُّؤالُ التاسِعُ والخَمسونَ، والسِّتُّونَ: فجَوابُه أنَّ البُرهانَ الفَزاريَّ أفتى بوُجوبِ صَلاةِ العِشاءِ والحالةُ هذه. وأفتَى مُعاصِروه بأنَّها لا تَجِبُ عليهم؛ لِعَدمِ سَببِ الوُجوبِ في حَقِّهم، وهو الوَقتُ. ويُؤيِّدُ الأولَ الحَديثُ الوارِدُ في أيامِ الدَّجَّالِ؛ حيثُ قال فيه: «اقدُروا له قَدْرَه»، قال الزَّركَشيُّ في «الخادِمِ»: وعلى هذا يُحكَمُ لهم في رَمضانَ بأنَّهم يأكُلونَ باللَّيلِ إلى وَقتِ طُلوعِ الفَجرِ في أقرَبِ البِلادِ إليهم، ثم يُمسِكون ويُفطِرون بالنَّهارِ، كذلك قبلَ غُروبِ الشَّمسِ إذا غرَبت عندَ غَيرِهم كما يأكلُ المُسلِمون ويَصومون في أيامِ الدَّجَّالِ (١). وقال الإمامُ ابنُ عابِدين ﵀: لم أرَ من تَعرَّض عندَنا لِحُكمِ صَومِهم فيما إذا كان يَطلُعُ الفَجرُ عندَهم كما تَغيبُ الشَّمسُ أو بَعدَه بزَمانٍ

стр. 2449

لا يَقدِرُ فيه الصائِمُ على أكلِ ما يُقيمُ بِنيَتَه ولا يُمكِنُ أنْ يُقالَ بوُجوبِ مُوالاةِ الصَّومِ عليهم؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى الهَلاكِ. فإنْ قُلنا بوُجوبِ الصَّومِ يَلزَمُ القَولُ بالتَّقديرِ: وهل يُقدَّرُ لَيلُهم بأقرَبِ البِلادِ إليهم كما قاله الشافِعيَّةُ هنا أيضًا، أو يُقدَّرُ لهم بما يَسَعُ الأكلَ والشُّربَ، أو يَجِبُ عليهم القَضاءُ فقط دونَ الأداءِ، كلٌّ مُحتمَلٌ فليُتأمَّلْ. ولا يُمكِنُ القَولُ هنا بعَدمِ الوُجوبِ أصلًا كالعِشاءِ عندَ القائِلِ به فيها؛ لأنَّ عِلَّةَ عَدمِ الوُجوبِ فيها عندَ القائِلِ به عَدمُ السَّببِ، وفي الصَّومِ قد وُجِد السَّببُ، وهو شُهودُ جُزءٍ من الشَّهرِ وطُلوعُ فَجرِ كلِّ يَومٍ، هذا ما ظهَر لي واللهُ تَعالى أعلَمُ (١). وهذا الحُكمُ والكَلامُ المُتقدِّمُ في حَقِّ البِلادِ التي يَكونُ فيها طُلوعُ الفَجرِ مع غُروبِ الشَّمسِ وفيها ثَلاثةُ احتِمالاتٍ: الأول: يُقدَّرُ لَيلُهم بأقرَبِ البِلادِ إليهم، كما قاله الشافِعيَّةُ، وهو قَولٌ لِلحَنفيَّةِ. الثاني: يُقدَّرُ لهم بما يَسَعُ الأكلَ والشُّربَ، وهذا قَولٌ لِلحَنفيَّةِ. الثالِثُ: يَجِبُ عليهم القَضاءُ فقط دونَ الأداءِ، وهذا قَولٌ لِلحَنفيَّةِ. قال ابنُ عابِدين ﵀: كلٌّ مُحتمَلٌ فليُتأمَّلْ (٢).

стр. 2450

وأمَّا في البِلادِ التي يَكونُ فيها اللَّيلُ ولو قَدْرَ ساعةٍ أو ساعَتَيْن كما هو الحالُ في بِلادِ النَّرويجِ مَثلًا، يَصومون واحدةً وعِشرينَ ساعةً، فهناك ثَلاثُ ساعاتِ لَيلٍ، فهذا خارِجٌ عما أفتَى به فُقهاءُ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ، وعلى قَواعِدِهم أنَّه يَجِبُ الصِّيامُ عليهم، ولا يُقدَّرُ بأقرَبِ البِلادِ إليهم (١). وأمَّا البِلادُ التي يَكونُ النَّهارُ فيها نِصفَ العامِ واللَّيلُ نِصفَ العامِ فهذا يَكونُ فيه التَّقديرُ، كما في حَديثِ الدَّجَّالِ الذي رَواه مُسلِمٌ وغَيرُه عن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ ﵁ أنَّه قال: «قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ وما لُبْثُهُ في الأرضِ، قال: أرْبَعُونَ يوْمًا، يوْمٌ كسَنَةٍ ويَوْمٌ كشَهْرٍ ويَوْمٌ كجُمُعَةٍ وسَائِرُ أيَّامِهِ كأَيَّامِكُمْ، قُلْنا: يا رسُولَ اللَّهِ فذَلِكَ الْيَوْمُ الذي كسَنَةٍ أتَكْفِينَا فيه صلَاةُ يوْمٍ؟ قال: لا، اقْدُرُوا له قَدْرَهُ» (٢). قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا قَولُهم: «يا رَسولَ اللهِ، فذلك اليَومُ الذى كسَنةٍ أتَكفينا فيه صَلاةُ يَومٍ؟ قال: لا، اقدُروا له قَدْرَه»، فقال القاضي وغَيرُه: هذا حُكمٌ مَخصوصٌ بذلك اليَومِ شَرَعه لنا صاحِبُ الشَّرعِ، قالوا: ولولا هذا الحَديثُ ووُكلِنْا إلى اجتِهادِنا لاقتصَرْنا فيه على الصَّلواتِ الخَمسِ عندَ الأوقاتِ المَعروفةِ في غَيرِه من الأيامِ، ومَعنى اقدُروا له قَدْره

стр. 2451

أنَّه إذا مَضى بعدَ طُلوعِ الفَجرِ قَدرُ ما يَكونُ بينَه وبينَ الظُّهرِ كلَّ يَومٍ فصَلُّوا الظُّهرَ، ثم إذا مَضى بَعدَه قَدرُ ما يَكونُ بينَها وبينَ العَصرِ فصَلُّوا العَصرَ، وإذا مَضى بعدَ هذا قَدرُ ما يَكونُ بينَها وبينَ المَغربِ فصَلُّوا المَغرِبَ، وكذا العِشاءُ والصُّبحُ ثم الظُّهرُ ثم العَصرُ ثم المَغرِبُ وهكذا حتى يَنقَضي ذلك اليَومُ وقد وقَع فيه صَلواتُ سَنةٍ فَرائِضُ كلُّها مُؤدَّاةٌ فى وَقتِها، وأمَّا الثاني الذى كشَهرٍ، والثالِثُ الذى كجُمُعةٍ فقياسُ اليَومِ الأولِ أنْ يَقدُرَ لهما كاليَومِ الأولِ على ما ذَكَرناه، واللهُ أعلَمُ (١). وأيضًا قد ذكَر الإمامُ النَّوَويُّ ﵀ مَسألةً مُشابِهةً لِهذا في حَقِّ الأسيرِ ونَحوِه الذي لا يَعرِفُ اللَّيلَ من النَّهارِ ماذا يَفعَلُ؟ فقال ﵀: فَرعٌ: إذا لم يَعرِفِ الأسيرُ ونَحوُه اللَّيلَ ولا النَّهارَ، بل استَمرَّت عليه الظُّلمةُ دائِمًا فهذه مَسألةٌ مُهمَّةٌ قَلَّ مَنْ ذكَرها، وقد حَكى الإمامُ أبو بَكرٍ المَروَزيُ من أصحابِنا فيه ثَلاثةَ أوجُهٍ لِلأصحابِ. أحَدُها: يَصومُ ويَقضي؛ لأنَّه عُذرٌ نادِرٌ. والثاني: لا يَصومُ؛ لأنَّ الجَزمَ بالنِّيَّةِ لا يَتحقَّقُ مع جَهالةِ الوَقتِ. والثالِثُ: يَتحَرَّى ويَصومُ ولا يَقضي كيَومِ الغَيمِ في الصَّلاةِ. قُلتُ: الأصَحُّ أنَّه يَلزَمُه التَّحرِّي والصَّومُ ولا قَضاءَ عليه، هذا إذا لم يَظهَرْ له فيما بعدُ الخَطأُ؛ فإنْ تَبيَّنَ أنَّه صادَف اللَّيلَ لَزِمه القَضاءُ بلا خِلافٍ، واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢).

стр. 2452

ما يُستحَبُّ من الدُّعاءِ عندَ رُؤيةِ الهِلالِ: يُستحَبُّ أنْ يَدعوَ عندَ رُؤيةِ الهِلالِ بما رَواه التِّرمِذيُّ عن طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رَأَى الْهِلالَ قال: «اللَّهمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ» (١). ورَواه الدَّارِميُّ عن ابنِ عُمَرَ ﵄ بلَفظِ: كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا رَأَى الْهِلَالَ قال: «اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللهُ» (٢).

стр. 2453

فصل في شُروطُ وُجوبِ الصَّومِ شُروطُ وُجوبِ الصَّومِ: (أي: اشتِغالُ الذِّمَّةِ بالواجِبِ) وهي: أ- الإسلامُ: وهو شَرطٌ عامٌّ لِلخِطابِ بفُروعِ الشَّريعةِ، فأمَّا الكافِرُ؛ فإنْ كان أصليًّا لم يُطالَبْ به في حالِ كُفرِه: لأنَّه لا يَصِحُّ منه؛ فإنْ أسلَم لم يَجِبْ عليه القَضاءُ؛ لِقَولِه تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولأنَّ في إيجابِ قَضاءِ ما فات في حالِ الكُفرِ تَنفيرًا عن الإسلامِ. وكذلك المُرتَدُّ إذا أسلَمَ لا يَلزَمُه قَضاؤُه ولا يُطالَبُ بفِعلِه حالَ رِدَّتِه عندَ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمدَ. وقال الشافِعيُّ: يَلزمُه قَضاؤُه إذا أسلَمَ (١).

стр. 2454

ب- العَقلُ: يُشترَطُ لِوُجوبِ الصِّيامِ أنْ يَكونَ الصائِمُ عاقِلًا؛ إذْ لا فائِدةَ من تَوجُّهِ الخِطابِ بدونِه، فلا يَجِبُ الصَّومُ على المَجنونِ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ … وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يُفِيقَ» (١). قال النَّوَويُّ ﵀: المَجنونُ لا يَلزَمُه الصَّومُ في الحالِ بالإجماعِ لِلحَديثِ والإجماعِ (٢). ج- البُلوغُ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الصَّبيَّ لا يَجِبُ عليه صَومُ رَمَضانَ، ولا يَجِبُ عليه قَضاءُ ما فاتَ قبلَ البُلوغِ؛ لِما رَوى عليٌّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ: عن الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ على عَقْلِهِ حتى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حتى يَحْتَلِمَ» (٣). ولأنَّ الغَرضَ من التَّكليفِ هو الامتِثالُ، وذلك بالإدراكِ والقُدرةِ على الفِعلِ، والصِّبا والطُّفولةُ عَجزٌ. ونَصَّ الفُقهاءُ على أنَّه إذا أطاق الصَّبيُّ والصَّبيَّةُ المُميِّزانِ الصَّومَ فعلى الوَليِّ أنْ يأمُرَهما به لِسَبعٍ ويَضربَهُما على تَركه لِعَشرٍ، قياسًا على الصَّلاةِ.

стр. 2455

وقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: يَجِبُ على وَليِّه أمرُه بالصِّيامِ إذا أطاقَه، وضَربُه حينَئِذٍ إذا ترَكه لِيَعتادَه كالصَّلاةِ، إلا أنَّ الصَّومَ، أشَقُّ، فاعتُبِرت له الطاقةُ؛ لأنَّه قد يُطيقُ الصَّلاةَ مَنْ لا يُطيقُ الصَّومَ. وقال المالِكيَّةُ: يُكرَهُ له الصِّيامُ وليس الصَّومُ كالصَّلاةِ (١). شُروطُ وُجوبِ أدائِه: شُروطُ وُجوبِ الأداءِ الذي هو تَفريغُ ذِمَّةِ المُكلَّفِ عن الواجِبِ في وَقتِه المُعيَّنِ له (٢) هي: أ- الصِّحَّةُ والسَّلامةُ من المَرضِ: لِقَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥]. ب- الإقامةُ: لِلآيةِ نَفسِها. قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: وأمَّا الصِّحَّةُ والإقامةُ فشَرطان في وُجوبِ الصِّيامِ لا في صِحَّتِه، ولا في وُجوبِ القَضاءِ؛ فإنَّ وُجوبَ الصَّومِ يَسقُطُ عن المَريضِ والمُسافِرِ، ويَجِبُ عليهما القَضاءُ إنْ أفطَرا إجماعًا، ويَصحُّ صَومُهما إنْ صاما، خِلافًا لِلظاهِريَّةِ (٣).
следующие страницы →