أنَّه إذا مَضى بعدَ طُلوعِ الفَجرِ قَدرُ ما يَكونُ بينَه وبينَ الظُّهرِ كلَّ يَومٍ فصَلُّوا الظُّهرَ، ثم إذا مَضى بَعدَه قَدرُ ما يَكونُ بينَها وبينَ العَصرِ فصَلُّوا العَصرَ، وإذا مَضى بعدَ هذا قَدرُ ما يَكونُ بينَها وبينَ المَغربِ فصَلُّوا المَغرِبَ، وكذا العِشاءُ والصُّبحُ ثم الظُّهرُ ثم العَصرُ ثم المَغرِبُ وهكذا حتى يَنقَضي ذلك اليَومُ وقد وقَع فيه صَلواتُ سَنةٍ فَرائِضُ كلُّها مُؤدَّاةٌ فى وَقتِها، وأمَّا الثاني الذى كشَهرٍ، والثالِثُ الذى كجُمُعةٍ فقياسُ اليَومِ الأولِ أنْ يَقدُرَ لهما كاليَومِ الأولِ على ما ذَكَرناه، واللهُ أعلَمُ (١).
وأيضًا قد ذكَر الإمامُ النَّوَويُّ ﵀ مَسألةً مُشابِهةً لِهذا في حَقِّ الأسيرِ ونَحوِه الذي لا يَعرِفُ اللَّيلَ من النَّهارِ ماذا يَفعَلُ؟ فقال ﵀: فَرعٌ: إذا لم يَعرِفِ الأسيرُ ونَحوُه اللَّيلَ ولا النَّهارَ، بل استَمرَّت عليه الظُّلمةُ دائِمًا فهذه مَسألةٌ مُهمَّةٌ قَلَّ مَنْ ذكَرها، وقد حَكى الإمامُ أبو بَكرٍ المَروَزيُ من أصحابِنا فيه ثَلاثةَ أوجُهٍ لِلأصحابِ.
أحَدُها: يَصومُ ويَقضي؛ لأنَّه عُذرٌ نادِرٌ.
والثاني: لا يَصومُ؛ لأنَّ الجَزمَ بالنِّيَّةِ لا يَتحقَّقُ مع جَهالةِ الوَقتِ.
والثالِثُ: يَتحَرَّى ويَصومُ ولا يَقضي كيَومِ الغَيمِ في الصَّلاةِ.
قُلتُ: الأصَحُّ أنَّه يَلزَمُه التَّحرِّي والصَّومُ ولا قَضاءَ عليه، هذا إذا لم يَظهَرْ له فيما بعدُ الخَطأُ؛ فإنْ تَبيَّنَ أنَّه صادَف اللَّيلَ لَزِمه القَضاءُ بلا خِلافٍ، واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢).
стр. 2452
ما يُستحَبُّ من الدُّعاءِ عندَ رُؤيةِ الهِلالِ:
يُستحَبُّ أنْ يَدعوَ عندَ رُؤيةِ الهِلالِ بما رَواه التِّرمِذيُّ عن طَلحةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا رَأَى الْهِلالَ قال: «اللَّهمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْيُمْنِ وَالإِيمَانِ وَالسَّلامَةِ وَالإِسْلامِ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللهُ» (١).
ورَواه الدَّارِميُّ عن ابنِ عُمَرَ ﵄ بلَفظِ: كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا رَأَى الْهِلَالَ قال: «اللهُ أَكْبَرُ، اللَّهمَّ أَهِلَّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسَّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالتَّوْفِيقِ لِمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، رَبُّنَا وَرَبُّكَ اللهُ» (٢).
стр. 2453
فصل في شُروطُ وُجوبِ الصَّومِ
شُروطُ وُجوبِ الصَّومِ:
(أي: اشتِغالُ الذِّمَّةِ بالواجِبِ) وهي:
أ- الإسلامُ:
وهو شَرطٌ عامٌّ لِلخِطابِ بفُروعِ الشَّريعةِ، فأمَّا الكافِرُ؛ فإنْ كان أصليًّا لم يُطالَبْ به في حالِ كُفرِه: لأنَّه لا يَصِحُّ منه؛ فإنْ أسلَم لم يَجِبْ عليه القَضاءُ؛ لِقَولِه تَعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨]، ولأنَّ في إيجابِ قَضاءِ ما فات في حالِ الكُفرِ تَنفيرًا عن الإسلامِ.
وكذلك المُرتَدُّ إذا أسلَمَ لا يَلزَمُه قَضاؤُه ولا يُطالَبُ بفِعلِه حالَ رِدَّتِه عندَ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمدَ.
وقال الشافِعيُّ: يَلزمُه قَضاؤُه إذا أسلَمَ (١).
стр. 2454
ب- العَقلُ:
يُشترَطُ لِوُجوبِ الصِّيامِ أنْ يَكونَ الصائِمُ عاقِلًا؛ إذْ لا فائِدةَ من تَوجُّهِ الخِطابِ بدونِه، فلا يَجِبُ الصَّومُ على المَجنونِ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ … وَعَنْ الْمَجْنُونِ حتى يُفِيقَ» (١).
قال النَّوَويُّ ﵀: المَجنونُ لا يَلزَمُه الصَّومُ في الحالِ بالإجماعِ لِلحَديثِ والإجماعِ (٢).
ج- البُلوغُ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الصَّبيَّ لا يَجِبُ عليه صَومُ رَمَضانَ، ولا يَجِبُ عليه قَضاءُ ما فاتَ قبلَ البُلوغِ؛ لِما رَوى عليٌّ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثَلَاثَةٍ: عن الْمَجْنُونِ الْمَغْلُوبِ على عَقْلِهِ حتى يُفِيقَ، وَعَنِ النَّائِمِ حتى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حتى يَحْتَلِمَ» (٣).
ولأنَّ الغَرضَ من التَّكليفِ هو الامتِثالُ، وذلك بالإدراكِ والقُدرةِ على الفِعلِ، والصِّبا والطُّفولةُ عَجزٌ.
ونَصَّ الفُقهاءُ على أنَّه إذا أطاق الصَّبيُّ والصَّبيَّةُ المُميِّزانِ الصَّومَ فعلى الوَليِّ أنْ يأمُرَهما به لِسَبعٍ ويَضربَهُما على تَركه لِعَشرٍ، قياسًا على الصَّلاةِ.
стр. 2455
وقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: يَجِبُ على وَليِّه أمرُه بالصِّيامِ إذا أطاقَه، وضَربُه حينَئِذٍ إذا ترَكه لِيَعتادَه كالصَّلاةِ، إلا أنَّ الصَّومَ، أشَقُّ، فاعتُبِرت له الطاقةُ؛ لأنَّه قد يُطيقُ الصَّلاةَ مَنْ لا يُطيقُ الصَّومَ.
وقال المالِكيَّةُ: يُكرَهُ له الصِّيامُ وليس الصَّومُ كالصَّلاةِ (١).
شُروطُ وُجوبِ أدائِه:
شُروطُ وُجوبِ الأداءِ الذي هو تَفريغُ ذِمَّةِ المُكلَّفِ عن الواجِبِ في وَقتِه المُعيَّنِ له (٢) هي:
أ- الصِّحَّةُ والسَّلامةُ من المَرضِ: لِقَولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥].
ب- الإقامةُ: لِلآيةِ نَفسِها.
قال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: وأمَّا الصِّحَّةُ والإقامةُ فشَرطان في وُجوبِ الصِّيامِ لا في صِحَّتِه، ولا في وُجوبِ القَضاءِ؛ فإنَّ وُجوبَ الصَّومِ يَسقُطُ عن المَريضِ والمُسافِرِ، ويَجِبُ عليهما القَضاءُ إنْ أفطَرا إجماعًا، ويَصحُّ صَومُهما إنْ صاما، خِلافًا لِلظاهِريَّةِ (٣).
стр. 2456
ج- خُلُوُّ المَرأةِ من الحَيضِ والنِّفاسِ؛ لأنَّ الحائِضَ والنُّفساءَ ليستا أهلًا لِلصَّومِ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أليس إذا حاضَتْ لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ» (١).
ولِحَديثِ عائِشةَ ﵂ لَمَّا سألتها مُعاذةُ: «ما بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ ولا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فقالت: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، قالت: كان يُصِيبُنَا ذلك فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ولا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (٢). فالأمرُ بالقضاءِ فَرعُ وُجوبِ الأداءِ.
والإجماعُ مُنعَقِدٌ على مَنعِهما من الصَّومِ وعلى وُجوبِ القَضاءِ عليهما كما سيأتي (٣).
стр. 2457
فصل في شُروطُ صِحَّةِ الصَّومِ
شُروطُ صِحَّةِ الصَّومِ:
أ- الطَّهارةُ من الحَيضِ والنِّفاسِ:
أجمَع الفُقهاءُ على أنَّ الحائِضَ والنُّفَساءَ لا يَحِلُّ لهما الصَّومُ، وإنَّما يُفطِران ويَقضيان، وإذا صامتا لا يَصِحُّ منهما، فَرضًا كان أو نَفلًا؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أليس إذا حاضَت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ» (١) فإذا رأت المَرأةُ الدَّمَ ساعةً من نَهارٍ فسَد صَومُها، وقد نقَل النَّوَويُّ وابنُ جَريرٍ وابنُ قُدامةَ وابنُ هُبَيرةَ وغَيرُهم الإجماعَ على ذلك.
قال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: قَولُه ﷺ : «أليس إذا حاضَت لم تُصَلِّ، ولم تَصُمْ؟» نَصٌّ أنَّ الحائِضَ يَسقُطُ عنها فَرضُ الصَّلاةِ، ولا يَجوزُ لها الصَّومُ في أيامِ حَيضِها، والأُمَّةُ على ذلك، وأجمَعوا أنَّ عليها قَضاءَ ما ترَكت من الصِّيامِ، ولا قَضاءَ عليها لِلصَّلاةِ، إلا طائِفةً من الخَوارِجِ يَرَوْن عليها قَضاءَ الصَّلاةِ، وعُلماءُ الأُمَّةِ من السَّلفِ والخَلفِ على خِلافِهم (٢).
стр. 2458
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الحائِضَ والنُّفساءَ لا يَحِلُّ لهما الصَّومُ وأنَّهما يُفطِران رَمَضانَ ويَقضيانِ وأنَّهما إذا صامَتا لم يُجزِئْهما الصَّومُ، وقد قالت عائِشةُ ﵂: «كُنَّا نَحيضُ على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ فنُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّومِ ولا نُؤمَرُ بقَضاءِ الصَّلاةِ» مُتَّفَقٌ عليه، والأمرُ إنَّما هو لِلنَّبيِّ ﷺ ، وقال أبو سَعيدٍ: قال النَّبيُّ ﷺ : «أليس إحداكُن إذا حاضَت لم تُصَلِّ ولم تَصُمْ؟ فذلك من نُقصانِ دِينِها» رَواه البُخاريُّ.
والحائِضُ والنُّفَساءُ سَواءٌ؛ لأنَّ دمَ النِّفاسِ هو دَمُ الحَيضِ، وحُكمَه حُكمُه، ومتى وُجِدَ الحَيضُ في جُزءٍ من النَّهارِ فسَد صَومُ ذلك اليَومِ سَواءٌ وُجِد في أوَّلِه أو في آخِرِه، ومتى نَوَت الحائِضُ الصَّومَ وأمسَكت مع عِلمِها بتَحريمِ ذلك أثِمَت ولم يُجزِئْها (١).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: أجمَعت الأُمَّةُ على تَحريمِ الصَّومِ على الحائِضِ والنُّفساءِ وعلى أنَّه لا يَصحُّ صَومُها، كما قَدَّمنا، نقَله عن ابنِ جَريرٍ، وكذا نقَل الإجماعَ غَيرُه.
قال إمامُ الحَرَمَيْن: وكَونُ الصَّومِ لا يَصحُّ منها لا يُدرَكُ معناه؛ فإنَّ الطَّهارةَ ليست مَشروطةً فيها (٢).
стр. 2459
وقال الإمامُ ابنُ رَجَبٍ ﵀: وقد أجمَعت الأُمَّةُ على أنَّ الحائِضَ لا تَصومُ في أيامِ حَيضِها، وأنَّ صَومَها غَيرُ صَحيحٍ وليس مُعتَدًّا به، وأنَّ عليها قَضاءَ الصَّومِ إذا طَهُرت (١).
كما اتَّفَقوا أيضًا على وُجوبِ قَضاءِ رَمَضانَ عليها لِحَديثِ عائِشةَ ﵂ لَمَّا سألَتْها مُعاذةُ: «ما بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ ولا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟ فقالت: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي أَسْأَلُ، قالت: كان يُصِيبُنَا ذلك فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ ولا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» (٢). فالأمر بالقَضاءِ فَرعُ وُجوبِ الأداءِ.
ونقَل الإجماعَ على ذلك ابنُ المُنذِرِ وابنُ جَريرٍ والتِّرمِذيُّ والنَّوَويُّ وابنُ هُبَيرةَ وغَيرُهم.
стр. 2460
قال الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: وأجمَع العُلماءُ على أنَّ الحائِضَ تَقضي الصَّومَ ولا تَقضي الصَّلاةَ؛ لِحَديثِ مُعاذةَ (١).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وأجمَعت الأُمَّةُ أيضًا على وُجوبِ قَضاءِ صَومِ رَمضانَ عليها، نقَل الإجماعَ فيه التِّرمِذيُّ وابنُ المُنذِرِ وابنُ جَريرٍ وأصحابُنا وغَيرُهم (٢).
وقال أيضًا: لا يَصحُّ صَومُ الحائِضِ والنُّفَساءِ، ولا يَجِبُ عليهما، ويَحرُمُ عليهما ويَجِبُ قَضاؤُه. وهذا كلُّه مُجمَعٌ عليه (٣).
واتَّفَقوا أيضًا على أنَّ الحَيضَ لا يَقطَعُ التَّتابُعَ في صَومِ الكَفَّاراتِ؛ لأنَّه يُنافي الصَّومَ، ولا تَخلو عنه ذاتُ الأقراءِ في الشَّهرِ غالِبًا، والتَّأخيرُ إلى سِنِّ اليأسِ فيه خَطَرٌ، واستَثنى الحَنفيَّةُ من ذلك كَفَّارةَ اليَمينِ ونَحوَها (٤).
ب- خُلُوُّه عمَّا يُفسِدُ الصَّومَ بطُروئِه عليه كالجِماعِ (٥).
ج- النِّيَّةُ: وذلك؛ لأنَّ صَومَ رَمَضانَ عِبادةٌ فلا يَجوزُ إلا بنيَّةٍ كسائِرِ العِباداتِ (٦)، ولِحَديثِ: «إنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٧).
والإمساكُ قد يَكونُ لِلعادةِ أو لِعَدمِ الاستِشهاءِ أو لِلمَرضِ أو لِلرِّياضةِ، فلا يَتعيَّنُ إلا بنيَّةٍ كالقيامِ إلى الصَّلاةِ والحَجِّ.
قال النَّوَويُّ ﵀: لا يَصحُّ صَومٌ في حالٍ من الأحوالِ إلا بنيَّةٍ، ومَحلُّ النيَّةِ القَلبُ، ولا يُشترَطُ نُطقُ اللِّسانِ بلا خِلافٍ، ولا يَكفي عن نيَّةِ القَلبِ بلا خِلافٍ (٨).
стр. 2461
وقال الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على وُجوبِ النيَّةِ لِلصَّومِ المَفروضِ في شَهرِ رَمَضانَ، وأنَّه لا يَجوزُ إلا بنيَّةٍ (١).
صِفةُ النِّيَّةِ:
صِفةُ النِّيَّةِ، أنْ تَكونَ جازِمةً، مُعيَّنةً، مُبيَّتةً، مُجدَّدةً على ما يلي:
أولًا: الجَزمُ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهَبِ على أنَّه يُشترَطُ الجَزمُ في نيَّةِ الصَّومِ قَطعًا لِلتَّردُّدِ، حتى لو نَوى لَيلةَ الشَّكِّ صيامَ الغَدِ، إنْ كان من رَمَضانَ فهو فَرضٌ، وإلا فهو نَفلٌ، لم يَصحَّ صَومُه ولم يُجزِئْه، إنْ ظهَر أنَّه من رَمَضانَ، لِعَدمِ جَزمِه بالنيَّةِ ولا يَصيرُ صائِمًا لِعَدمِ الجَزمِ، فصارَ كما إذا نَوى أنَّه إنْ وجَد غَداءً غَدًا يُفطِرُ، وإذا لم يَجِدْ يَصُومُ.
وإنْ قال ذلك لَيلةَ الثَّلاثينَ من رَمَضانَ، صَحَّ صَومُه إنْ بان منه؛ لأنَّه بُني على أصلٍ لم يَثبُتْ زَوالُه ولا يَقدَحُ تَردُّدُه؛ لأنَّه حُكمُ صَومِه مع الجَزمِ، بخِلافِ ما لو قاله لَيلةَ الثَّلاثينَ من شَعبانَ؛ لأنَّه لا أصلَ معه يُبنَى عليه، بل الأصلُ بَقاءُ شَعبانَ (٢).
стр. 2462
وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ إلى أنَّ مَنْ نَوى إنْ كان غدًا رَمَضانَ فهو فَرضٌ وإلا فهو نَفلٌ صَحَّ، ويُجزِئُه عن رَمَضانَ (١).
وهذا هو قَولُ الحَنفيَّةِ أيضًا، قال المَرغينانيُّ ﵀: وإنْ نَوى عن رَمَضانَ إنْ كان غَدًا منه وعن التَّطوُّعِ إنْ كان من شَعبانَ يُكرَهُ: لأنَّه ناوٍ لِلفَرضِ من وَجهٍ، ثم إنْ ظهَر أنَّه من رَمَضانَ أجزأه عنه، وإنْ ظهَر أنَّه من شَعبانَ جازَ عن نَفلِه؛ لأنَّه يَتأدَّى بأصلِ النيَّةِ، ولو أفسَده يَجِبُ ألَّا يَقضيَه؛ لِدُخولِ الإسقاطِ في عَزيمَتِه من وَجهٍ (٢).
ثانيًا: التَّعيينُ:
ذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهَبِ إلى أنَّه يَجِبُ تَعيينُ النيَّةِ في كلِّ صَومٍ واجِبٍ، وهو أنْ يَعتقِدَ أنْ يَصومَ غَدًا من رَمَضانَ أو مِنْ قَضائِه أو من كَفَّارَتِه أو من نَذرِه؛ فإنْ لم يُعيِّنْ لم يُجزِئْه، وإنْ نَوى صَومًا مُطلَقًا أو نَوى صَومَ التَّطوُّعِ لم يُجزِئْه.
واستدَلُّوا على اشتِراطِ تَعيينِ النيَّةِ بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى» (٣). فهذا ظاهِرٌ في اشتِراطِ التَّعيينِ؛ لأنَّ أصلَ النيَّةِ فَهمُ اشتِراطِه من أولِ الحَديثِ: «إنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، ولأنَّه صَومٌ واجِبٌ،
стр. 2463
وجَب تَعيينُ النيَّةِ له كطَوافِ الزِّيارةِ، فلو طاف يَنوي الوَداعَ أو طافَ بنيَّةِ الطَّوافِ مُطلَقًا لم يُجزِئْه عن طَوافِ الزِّيارةِ.
ولأنَّ الصَّومَ عبادةٌ مُضافةٌ إلى وَقتٍ، يَجِبُ التَّعيينُ في نيَّتها، كالصَّلواتِ الخَمسِ، ولأنَّ التَّعيينَ مَقصودٌ في نَفسِه، فيُجزِئُ التَّعيينُ عن نيَّةِ الفَريضةِ في الفَرضِ، والواجِبِ في الواجِبِ (١).
وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُشترَطُ تَعيينُ النيَّةِ لِرَمضانَ، فيَصحُّ بنيَّةٍ مُطلَقةٍ، وبنيَّةِ نَفلٍ لَيلًا، وبنيَّةِ فَرضٍ تَردَّد فيها (٢).
وذهَب الحَنفيَّةُ في التَّعيينِ إلى تَقسيمِ الصِّيامِ إلى قِسمَيْن:
القِسمُ الأولُ: لا يُشترَطُ فيه التَّعيينُ: وهو: أداءُ رَمضانَ، والنَّذرُ المُعيَّنُ زَمانُه، وكذا النَّفلُ؛ فإنَّه يَصحُّ بمُطلَقِ نيَّةِ الصَّومِ من غَيرِ تَعيينٍ.
وذلك؛ لأنَّ رَمضانَ مِعيارٌ -كما يَقولُ الأُصوليُّون- وهو مُضيَّقٌ، لا يَسَعُ غَيرَه عن جِنسِه، وهو الصَّومُ، فلم يُشرَعْ فيه صَومٌ آخَرُ، فكان مُتعيَّنًا لِلفَرضِ، والمُتعيَّنُ لا يَحتاجُ إلى تَعيينٍ، والنَّذرُ المُعيَّنُ مُعتبَرٌ بإيجابِ اللهِ تَعالى، فيُصامُ كلٌّ منهما بمُطلَقِ النيَّةِ، وبأصلِها، وبنيَّةِ نَفلٍ، لِعَدمِ المُزاحِمِ كما يَقولُ الحَصكَفيُّ (٣).
стр. 2464
وكلُّ يَومٍ مُعيَّنٌ لِلنَّفلِ، ما عدا رَمضانَ، والأيامَ المُحرَّمَ صَومُها، وما يُعيِّنُه المُكلَّفُ بنَفسِه، فكلُّ ذلك مُتعيَّنٌ ولا يَحتاجُ إلى التَّعيينِ.
والقِسمُ الثاني: يُشترَطُ فيه التَّعيينُ: وهو: قَضاءُ رَمضانَ، وقَضاءُ ما أفسَده من النَّفلِ، وصَومُ الكَفَّاراتِ بأنواعِها، والنَّذرُ المُطلَقُ عن التَّقييدِ بزَمانٍ، سَواءٌ كان مُعلَّقًا بشَرطٍ أو كان مُطلَقًا؛ لأنَّه ليس له وَقتٌ مُعيَّنٌ، فلم يَتأدَّ إلا بنيَّةٍ مَخصوصةٍ قَطعًا لِلمُزاحَمةِ (١).
ثالثًا: تَبييتُ النِّيَّةِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ ما يَثبُتُ في الذِّمَّةِ من الصَّومِ كقَضاءِ رَمضانَ، وكقَضاءِ النَّذرِ والكَفَّاراتِ لا يَجوزُ صَومُه إلا بنيَّةٍ من اللَّيلِ (٢).
واختَلفُوا في صَومِ رَمضانَ والنَّذرِ المُعيَّنِ هل يَصحُّ أنْ يَكونَ بنيَّةٍ من النَّهارِ أو يُشترَطُ أنْ تَكونَ النيَّةُ لَيلًا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ تَبييتَ النيَّةِ في صَومِ رَمضانَ وغَيرِه من الصَّومِ الواجِبِ شَرطٌ في صِحَّةِ الصَّومِ، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ حَفصةَ: «مَنْ لم يُجْمِعِ الصِّيامَ قبلَ الْفَجْرِ فلا صِيَامَ له».
стр. 2465
وفي لَفظٍ: «مَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيْلِ فلا صِيَامَ له» (١).
ولأنَّه صَومُ فَرضٍ افتَقَر إلى النيَّةِ من اللَّيلِ كالقَضاءِ والنُّذورِ، ولأنَّ النيَّةَ شَرطٌ في الصَّومِ الشَّرعيِّ، يَجِبُ ألَّا يُجزِئَ الصَّومُ متى مَضى بَعضُ اليَومِ عارِيًا منها، ولأنَّها عِبادةٌ تُؤدَّى وتُقضى وجَب أنْ يَستوفيَ فيها وَقتَ النيَّةِ في الأداءِ والقَضاءِ كالصَّلاةِ.
والتَّبييتُ: إيقاعُ النيَّةِ في اللَّيلِ، ما بينَ غُروبِ الشَّمسِ إلى طُلوعِ الفَجرِ، فلا تَكفي النيَّةُ قبلَ الغُروبِ عندَ الجميعِ، ولا بعدَ الفَجرِ؛ لأنَّ النيَّةَ القَصدُ، وقَصدُ الماضي مُحالٌ عَقلًا.
ولو قارَن الغُروبَ أو الفَجرَ، أو شَكَّ، لم يَصحَّ كما هو قَضيَّةُ التَّبييتِ.
وفي قَولٍ لِلمالِكيَّةِ يَصحُّ لو قارَنتِ الفَجرَ، كما في تَكبيرةِ الإحرامِ؛ لأنَّ الأصلَ في النِّيَّةِ المُقارَنةُ لِلمَنويِّ (٢).
ولا تُجزِئُ بعدَ الفَجرِ، وتُجزِئُ مع طُلوعِ الفَجرِ إنِ اتَّفَق ذلك، وهو قَولُ عَبدِ الوَهَّابِ، وصَوَّبَه اللَّخميُّ وابنُ رُشدٍ من المالِكيَّةِ، وإنْ رَوى ابنُ عَبدِ الحَكَمِ أنَّها لا تُجزِئُ مع الفَجرِ، وكَلامُ القَرافيِّ وابنِ بَشيرٍ وابنِ الحاجِبِ يَدُلُّ على أنَّ المُقارَنةَ لِلفَجرِ هي الأصلُ، لكنْ رُخِّص تَقدُّمُها عليه لِلمَشقَّةِ في مُقارَنتِها له (٣).
стр. 2466
والصَّحيحُ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: أنَّه لا يُشترَطُ في تَبييتِ النِّيَّةِ النِّصفُ الآخَرُ من اللَّيلِ، بل تَصحُّ في أيِّ جُزءٍ من اللَّيلِ، لِإطلاقِه في الحَديثِ: «لَا صِيَامَ لِمَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيْلِ» من غَيرِ تَفصيلٍ، ولأنَّه نَوى من اللَّيلِ فصَحَّ صَومُه، كما لو نَوى في النِّصفِ الأخيرِ.
ولأنَّ تَخصيصَ النِّيَّةِ بالنِّصفِ الأخيرِ من اللَّيلِ يَقضي إلى تَفويتِ الصَّومِ؛ لأنَّه وَقتُ النَّومِ وكَثيرٌ من الناسِ لا يَنتبِهُ فيه ولا يَذكُرُ الصَّومَ، والشارِعُ إنَّما رخَّص في تَقديمِ النيَّةِ على ابتدائِه، لِحَرجِ اعتبارِها عندَه، فلا يَخصُّها بمَحلٍّ لا تَندَفعُ المَشقَّةُ بتَخصيصِها به، ولأنَّ تَخصيصَها بالنِّصفِ الأخيرِ تَحكُّمٌ من غَيرِ دَليلٍ.
والصَّحيحُ أيضًا: أنَّه لا يَضُرُّ لو فعَل بعدَ النِّيَّةِ ما يُنافي الصَّومَ من الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ ما دام في اللَّيلِ؛ لأنَّه لم يَتلبَّسْ بالعِبادةِ.
والصَّحيحُ أيضًا: أنَّه لا يَجِبُ تَجديدُ النِّيَّةِ إذا نامَ بعدَها ثم انتَبه قبلَ الفَجرِ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه لا يُشترَطُ تَبييتُ النيَّةِ في رَمضانَ ولا في النَّذرِ المُعيَّنِ ولا النَّفلِ؛ فلو لم يَنوِ باللَّيلِ حتى أصبَحَ أجزأتْه النِّيَّةُ ما بينَه وبينَ الزَّوالِ -نِصفَ النَّهارِ- فيَنوي قبلَ الزَّوالِ لِيَكونَ الأكثَرُ مَنويًّا، فيَكونَ
стр. 2467
له حُكمُ الكُلِّ، فلو نَوى بعدَ ذلك لا يَجوزُ؛ لِخُلُوِّ الأكثَرِ من النيَّةِ، تَغليبًا لِلأكثَرِ.
إلا أنَّ الأفضَلَ أنْ يَصومَ بنيَّةٍ مُعيَّنةٍ مُبيَّتةٍ لِلخُروجِ من الخِلافِ (١).
واستَدَلَّ الحَنفيَّةُ على ما ذهَبوا إليه من عَدمِ اشتِراطِ تَبييتِ النيَّةِ وصِحَّتِها حتى إلى نِصفِ النَّهارِ بما يَلي:
١ - ما رَوى ابنُ عَباسٍ ﵁ أنَّ الناسَ أصبَحوا يَومَ الشَّكِّ، فقَدِم أعرابيٌّ وشَهِد برُؤيةِ الهِلالِ، فقال ﵊: «أتَشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنِّي رَسولُ اللهِ؟»، فقال: نَعَمْ، فقال ﷺ : «اللهُ أكبَرُ، يَكفي المُسلِمين أحَدُهم، فصامَ وأمَرَ بالصِّيامِ، وأمَرَ مُنادِيًا فنادَى: ألَا مَنْ أكلَ فلا يأكُلْ بَقيَّةَ يَومِه، ومَن لم يَأكُلْ فليَصُمْ» (٢)؛ فقد أمَرَ بالصَّومِ وأنَّه يَقتَضي
стр. 2468
القُدرةَ على الصَّومِ الشَّرعيِّ، ولو شُرِطت النِّيَّةُ من اللَّيلِ لَما كان قادِرًا عليه، فدَلَّ على عَدمِ اشتِراطِها (١).
٢ - وعن سَلَمَةَ بنِ الْأَكْوَعِ ﵁ قال: «أَمَرَ النَّبيُّ ﷺ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ أَنْ أَذِّنْ في الناسِ أَنَّ مَنْ كان أَكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ، وَمَنْ لم يَكُنْ أَكَلَ فَلْيَصُمْ؛ فإنَّ الْيَوْمَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ» (٢).
وكان صَومُ عاشُوراءَ واجِبًا ثم نُسِخ بفَرضِ رَمضانَ (٣).
النِّيَّةُ في صَومِ النَّفلِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَومَ النَّفلِ كلَّه يَجوزُ بنيَّةٍ من النَّهارِ قبلَ الزَّوالِ ولا تُشترَطُ من اللَّيلِ، بشَرطِ ألَّا يَكونَ فعَل ما يُفطِرُه قبلَ النيَّةِ، لِحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالت: «دخَل عَلَيَّ النَّبيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ فقال: هل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟ فَقُلْنَا: لَا، قال: فإنَّي إِذَنْ صَائِمٌ» (٤).
стр. 2469
ولأنَّ النَّفلَ أخَفُّ من الفَرضِ، والدَّليلُ عليه أنَّه يَجوزُ تَركُ القيامِ في النَّفلِ مع القُدرةِ، ولا يَجوزُ في الفَرضِ فكذا الصِّيامُ (١) إلا أنَّهم اختَلفُوا فيما لو نَوى بعدَ الزَّوالِ.
فذهَب الحَنابِلةُ في المَذهَبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى جَوازِ النِّيَّةِ في النَّفلِ قبلَ الزَّوالِ وبعدَه؛ لِحَديثِ عائِشةَ المُتقدِّمِ، وحَديثِ صَومِ عاشُوراءَ، وأنَّه قَولُ مُعاذٍ وحُذيفةَ وابنِ مَسعودٍ ﵃ ولم يُعلَمْ لهم مُخالِفٌ، ولأنَّه نَوى في جُزءٍ من النَّهارِ فأشبَه ما لو نَوى في أوَّلِه، ولأنَّ جَميعَ اللَّيلِ وَقتٌ لِنِيَّةِ الفَرضِ فكذا جَميعُ النَّهارِ وَقتٌ لِنيَّةِ النَّفلِ (٢).
فعلى هذا هل يُحكَمُ له بالصَّومِ من أوَّلِ النَّهارِ فيُثابُ مِنْ طُلوعِ الفَجرِ أو يُحكَمُ له مِنْ وَقتِ النِّيَّةِ فقط، ولا يُحسَبُ له ثَوابُ ما قبلَه؟
فذهَب أكثَرُ الشافِعيَّةِ وأبو الخَطَّابِ من الحَنابِلةِ إلى أنَّه يُحكَمُ له بذلك من أوَّلِ النَّهارِ ويُثابُ من طُلوعِ الفَجرِ؛ لأنَّ الصَّومَ لا يَتبعَّضُ في اليَومِ بدَليلِ ما لو أكلَ في بَعضِه لم يُجزِئْه صيامُ باقيه، فإذا وُجِد في بَعضِ اليَومِ دَلَّ على أنَّه صائِمٌ من أوَّلِه، ولأنَّه لو أدرَك بَعضَ الرَّكعةِ أو بَعضَ الجَماعةِ كان مُدرِكًا لِجَميعِها.
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهَبِ وأبو إسحاقَ المَرُّوذِيُّ من الشافِعيَّةِ إلى أنَّه يُحكَمُ له بالصَّومِ الشَّرعيِّ المُثابِ عليه من وَقتِ النِّيَّةِ؛ لأنَّ ما قبلَ النيَّةِ
стр. 2470
لم يَنوِ صيامَه، فلا يَكونُ صائِمًا فيه؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ»، ولأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ مَحضةٌ لا تُوجَدُ بغَيرِ نيَّةٍ كسائِرِ العِباداتِ المَحضةِ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ وبَعضُ الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ نيَّةُ النَّفلِ بعدَ الزَّوالِ؛ لأنَّ النيَّةَ لم تَصحَبْ مُعظَمَ العِبادةِ، فأشبَهَ إذا نَوى مع غُروبِ الشَّمسِ، ويُخالِفُ النِّصفَ الأولَ؛ لأنَّ النيَّةَ هناك صَحِبت مُعظَمَ العِبادةِ، ومُعظَمُ الشَّيءِ يَجوزُ أنْ يَقومَ مَقامَ الجَميعِ، ولِهذا لو أدرَك مُعظَمَ الرَّكعةِ مع الإمامِ جُعِل مُدرِكًا لِلرَّكعةِ، ولو أدرَك دونَ المُعظَمِ لم يُجعَلْ مُدرِكًا لها (٢).
وذهَب المالِكيَّةُ والمُزَنيُّ وأبو يَحيى البَلخيُّ من الشافِعيَّةِ إلى أنَّه يُشترَطُ في صَومِ النَّفلِ نيَّةٌ مُبيَّتةٌ من اللَّيلِ لِعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيْلِ فلا صِيَامَ له» (٣)، ولأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ من شَرطِ صِحَّتِها النيَّةُ وجَب أنْ يَستوي نَفلُها وفَرضُها كالصَّلاةِ، ولأنَّ النيَّةَ بعدَ الفَجرِ كالنيَّةِ بعدَ الزَّوالِ (٤).
стр. 2471
رابِعًا: تَجديدُ النيَّةِ لكلِّ يَومٍ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ من نَوى الصِّيامَ كلَّ لَيلةٍ من لَيالي شَهرِ رَمَضانَ فصامَ صيامُه تامٌّ (١).
إلا أنَّهم اختَلفُوا فيمَن نَوى في أولِ لَيلةٍ أنَّه يَصومُ شَهرَ رَمضانَ كلَّه، هل تُجزِئُه نيَّةٌ واحِدةٌ لِشَهرِ رَمضانَ كلِّه، أو لا بُدَّ لكلِّ يَومٍ من نيَّةٍ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهَبِ إلى أنَّ كلَّ يَومٍ من رَمضانَ يَفتقِرُ إلى نيَّةٍ، فلو نَوى في أوَّلِ لَيلةٍ من رَمضانَ صَومَ الشَّهرِ كلِّه لم تَصحَّ هذه النيَّةُ لِغَيرِ اليَومِ الأولِ؛ لأنَّ صَومَ كلِّ يَومٍ عِبادةٌ مُستقلَّةٌ يَدخُلُ وَقتُها بطُلوعِ الفَجرِ، ويَخرُجُ وَقتُها بغُروبِ الشَّمسِ، لا يَفسُدُ بصيامِ اليَومِ الذي قبلَه، ولا بفَسادِ اليَومِ الذي بعدَه، فلم تَكفِه نيَّةٌ واحِدةٌ كالصَّلواتِ.
ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ لم يُبَيِّتِ الصِّيامَ من اللَّيْلِ فلا صِيَامَ له» (٢).
وذهَب المالِكيَّةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه تُجزِئُه نيَّةٌ واحِدةٌ لِجَميعِ الشَّهرِ ما لم يَفسَخْها، فلو نَوى في أولِ لَيلةٍ من رَمضانَ صَومَ جَميعِه كَفاه لِجَميعِه، ولا يَحتاجُ إلى النيَّةِ لكلِّ يَومٍ لِعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى»، ولأنَّه عِبادةٌ واحِدةٌ فكَفَتْه نيَّةٌ واحِدةٌ، كالحَجِّ ورَكعاتِ الصَّلاةِ، ولأنَّه نَوى في زَمنٍ يَصلُحُ جِنسُه لِنيَّةِ الصَّومِ، فجاز كما لو نَوى كلَّ يَومٍ في لَيلَتِه.
стр. 2472
إلا أنَّه يُشترَطُ ألَّا يَنقطِعَ تَتابُعُ الصَّومِ بالسَّفرِ والمَرضِ ونَحوِهما مما يَقطَعُ وُجوبَ التَّتابُعِ؛ فإنِ انقَطَع به لم تَكفِ النيَّةُ الواحِدةُ، بل لا بُدَّ من تَبييتِها كلَّما أرادَ الصَّومَ، ولو تَمادى على الصَّومِ في سَفرِه أو مَرضِه، ومِثلُ ما تَقدَّم ما لو انقطَع بحَيضٍ أو نِفاسٍ أو جُنونٍ فلا بُدَّ فيه من إعادةِ النيَّةِ ولو حصَل المانِعُ بعدَ الغُروبِ وزالَ قبلَ الفَجرِ.
إلا أنَّه تُندَبُ النيَّةُ كلَّ لَيلةٍ فيما تَكفي فيه النيَّةُ الواحِدةُ.
وكذلك الحُكمُ في كلِّ صَومٍ مُتتابِعٍ من قَضاءٍ أو كَفَّارةٍ أو نَذرٍ مُتتابِعٍ كمَن نذَر أنْ يَصومَ شَهرًا بعَينِه على الخِلافِ السابِقِ (١).
استِمرارُ النيَّةِ:
اشتَرط الفُقهاءُ الدَّوامَ على النيَّةِ، فلو نَوى الصِّيامَ من اللَّيلِ ثم رجَع عن نيَّتِه قبلَ طُلوعِ الفَجرِ لا يَصيرُ صائِمًا.
قال النَّوَويُّ ﵀: قال المُتولِّي: لو نَوى في اللَّيلِ ثم قطَع النيَّةَ قبلَ الفَجرِ سقَط حُكمُها؛ لأنَّ تَركَ النيَّةِ ضِدُّ النيَّةِ، بخِلافِ ما لو أكلَ في اللَّيلِ بعدَ النيَّةِ لا تَبطُلُ؛ لأنَّ الأكلَ ليس ضِدَّها (٢).
стр. 2473
وقال الطَّحطاويُّ الحَنفيُّ ﵀: ويُشترَطُ الدَّوامُ عليها، فلو نَوى من اللَّيلِ ثم رجَع عن نيَّتِه قبلَ طُلوعِ الفَجرِ، صَحَّ رُجوعُه ولا يَصيرُ صائِمًا، ولو أفطَر فلا شَيءَ عليه إلا القَضاءَ، بانقِطاعِ النيَّةِ بالرُّجوعِ، فلا كَفَّارةَ عليه في رَمضانَ، لِشُبهةِ خِلافِ مَنْ اشتَرط التَّبييتَ، إلا إذا جدَّد النيَّةَ، بأنْ يَنويَ الصَّومَ في وَقتِ النيَّةِ، تَحصيلًا لها؛ لأنَّ الأُولى غَيرُ مُعتبَرةٍ بسَببِ الرُّجوعِ عنها (١).
ولا تَبطُلُ النيَّةُ بقَولِه: «أصومُ غَدًا إنْ شاءَ اللهُ»، إن قصَد التَّبرُّكَ أو وُقوعَ الصَّومِ وبَقاءَ الحياةِ إلى تَمامِه بمَشيئةِ اللهِ تَعالى، كما لا يَفسُدُ الإيمانُ بقَولِه: «أنا مُؤمِنٌ إنْ شاءَ اللهِ تَعالى».
قال القاضي من الحَنابِلةِ: وكذا تَقولُ في سائِرِ العِباداتِ لا تَفسُدُ بذِكرِ المَشيئةِ في نيَّتِها، اه، أي: إذا لم يَقصِدِ الشَّكَّ ولا التَّردُّدَ.
أمَّا لو قصَد بالمَشيئةِ الشَّكَّ بأنْ شَكَّ هل يَصومُ أو لا؟ أو قصَد بها التَّردُّدَ في العَزمِ فلم يَجزِمْ بالنيَّةِ، أو التَّردُّد في القَصدِ بأنْ تَردَّد هل يَنوي الصَّومَ بعدَ ذلك جَزمًا أو لا؟ لم يَصحَّ صَومُه (٢).
стр. 2474
لو نَوى الإفطارَ في أثناءِ النَّهارِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا نَوى الصائِمُ الإفطارَ في أثناءِ النَّهارِ هل يُفطِرُ بذلك أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهَبِ وابنُ حامِدٍ من الحَنابِلةِ إلى أنَّه لا يُفطِرُ بذلك، كما لو نَوى التَّكلُّمَ في صَلاتِه ولم يَتكلَّمْ.
قال البَيجوريُّ ﵀: ويَضُرُّ رَفضُ النيَّةِ لَيلًا، ولا يَضُرُّ نَهارًا (١).
وذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهَبِ وبَعضُ الشافِعيَّةِ إلى أنَّه يُفطِرُ بذلك؛ لأنَّ النيَّةَ شَرطٌ في جَميعِه، فإذا قطَعها في أثنائِه بَقيَ البَقيَّةُ بغَيرِ نيَّةٍ فبطَل، وإذا بطَل البَعضُ بَطَل الجَميعُ؛ لأنَّه لا يَنفرِدُ بَعضُه عن بَعضٍ (٢).
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: فيمَن أصبَح في رَمضانَ يَنوي الإفطارَ فلم يأكُلْ حتى غرَبت الشَّمسُ.
(قُلتُ): لو أنَّ رَجُلًا أصبَح ونيَّتُه الإفطارُ في رَمضانَ فلم يأكُلْ ولم يَشرَبْ حتى غابَتِ الشَّمسُ أو مَضى أكثَرُ النَّهارِ، أعليه القَضاءُ والكَفَّارةُ فقال: نَعَمْ، (قُلتُ): وهذا قَولُ مالِكٍ؟ قال: نَعَمْ، (قُلتُ): وإنْ أصبَح يَنوي الإفطارَ في رَمضانَ ثم نَوى الصِّيامَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ؟ (قال ابن القاسِمِ): عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ، (قُلتُ): أرأيتَ إذا نَوى الإفطارَ في رَمضانَ يَومَه كلَّه إلا أنَّه لم يأكُلْ
стр. 2475
ولم يَشرَبْ، (فقال): قد قال مالِكٌ في ذلك شَيئًا فلا أدري، الكَفَّارةَ قال والقَضاءَ أو القَضاءَ ولا كَفارةَ عليه، وأحَبُّ ذلك إليَّ أنْ يَكونَ الكَفَّارةُ فيه مع القَضاءِ، (قُلتُ): أرأيتَ لو أنَّ رَجُلًا أصبَح يَنوي الفِطرَ في رَمضانَ مُتعمِّدًا غَيرَ أنَّه لم يأكُلْ ولم يَشرَبْ، ثم بَدا له الرُّجوعُ إلى الصِّيامِ بعدَما قد نَوى الإفطارَ، (قال): بلَغني عن مالِكٍ أنَّه قال: عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ، قال: ولم أسمَعْه منه، (قال ابنُ القاسِمِ): وعليه القَضاءُ والكَفَّارةُ (١).
قال النَّوَويُّ ﵀: هذا إذا جزَم بنيَّةِ الخُروجِ في الحالِ، فلو تَردَّد في الخُروجِ منه، أو علَّق الخُروجَ على دُخولِ زَيدٍ مَثلًا، فالمَذهَبُ -وبه قطَع الأكثَرون- لا يَبطُلُ، وَجهًا واحِدًا (٢).
وقال الحَنابِلةُ في «المَذهَبِ»: ومَن نَوى الفِطرَ بطَل صَومُه، وكذا لو تَردَّد في الفِطرِ بطَل صَومُه أو نَوى إنْ وَجَدتُ طَعامًا أكَلتُ وإلا أجِدْ طَعامًا أتمَمتُ بطَل صَومُه، لِتَردُّدِه في النيَّةِ كما تَبطُلُ الصَّلاةُ بفَسخِ النيَّةِ؛ إذِ استِصحابُ حُكمِها إلى فَراغِ كلِّ عِبادةٍ شَرطٌ.
وصَحَّ صَومُ اليَومِ الذي نَوى الإفطارَ فيه نَفلًا بغَيرِ رَمضانَ، نَصَّ عليه لِصِحَّةِ نيَّةِ صَومِ نَفلٍ نَهارًا ولو بعدَ الزَّوالِ، وكذا لو نَوى الإفطارَ في صَومِ النَّفلِ ثم نَوى الصِّيامَ صَحَّ لِصِحَّةِ نيَّةِ النَّفلِ من النَّهارِ ولو بعدَ الزَّوالِ (٣).
стр. 2476
الإغماءُ والجُنونُ والسُّكْرُ بعدَ النيَّةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا نَوى الصِّيامَ من اللَّيلِ، ثم طرَأ عليه إغماءٌ أو جُنونٌ أو سُكرٌ قبلَ طُلوعِ الفَجرِ:
فإنْ أفاق في أيِّ جُزءٍ من النَّهارِ وكان قد نَوى من اللَّيلِ ثم أُغمي عليه باقيَه فقد ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ صَومَه صَحيحٌ.
قال الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ من وُجِدت منه إفاقةٌ في بَعضِ النَّهارِ، ثم أُغميَ عليه باقيَه صَومُه صَحيحٌ (١).
إلا أنَّ المالِكيَّةَ قالوا: المُغمَى عليه إمَّا أنْ يُغمَى عليه قبلَ الفَجرِ أو بَعدَه؛ فإنْ أُغميَ عليه قبلَ الفَجرِ وأفاقَ بعدَه بكَثيرٍ لم يُجزِئْه بلا خِلافٍ، وإنْ أفاقَ بعدَه بيَسيرٍ لم يُجزِئْه على المَشهورِ.
وإنْ أُغميَ عليه بعدَ الفَجرِ؛ فإنْ أفاقَ بعدَه بمُدَّةٍ يَسيرةٍ أجزأه، وإنْ أفاق بعدَ الزَّوالِ أو عندَه لم يُجزِئْه.
والسَّكرانُ بحَلالٍ كالمُغمَى عليه في التَّفصيلِ المَذكورِ، ومن سَكِر بحَرامٍ لَيلًا واستمَرَّ على سُكرِه فعليه القَضاءُ من بابِ أوْلى لِتَسبُّبِه ولم يَجُزْ له استِعمالُ المُفطِرِ بَقيَّةَ يَومِه، والنائِمُ يَنوي في أولِ الشَّهرِ ثم يَنامُ جَميعَ الشَّهرِ صَحَّ صَومُه وبَرِئت ذِمَّتُه وليس مِثلُه السَّكرانُ بحَلالٍ.
وحُكمُ المَجنونِ حُكمُ المُغمى عليه (٢).
стр. 2477
إلا أنَّهم اختَلفُوا فيما إذا أُغمي عليه ولم يُفِقْ إلا بعدَ غُروبِ الشَّمسِ هل يَصحُّ صَومُه أو لا؟
فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ صَومُه؛ لأنَّ الصَّومَ هو الإمساكُ مع النيَّةِ، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «قال اللهُ تَعالى: كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ له إلا الصِّيامَ فَهُوَ لي وأنا أَجْزِي بِهِ، إنَّما يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ من أَجْلِى» (١)، فأضافَ تَركَ الطَّعامِ والشَّرابِ إليه، فإذا كان مُغمًى عليه فلا يُضافُ الإمساكُ إليه، فلم يُجزِئْه، ولأنَّ النيَّةَ أحَدُ رُكنَيِ الصَّومِ لم تُجزِئْ وَحدَها كالإمساكِ وَحدَه.
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى صِحَّةِ صَومِه؛ لأنَّ نيَّتَه قد صَحَّت، وزَوالُ الاستِشعارِ بعدَ ذلك لا يَمنَعُ الصَّومَ، كالنَّومِ.
واختَلفُوا فيما إذا أفاق في أثناءِ النَّهارِ ولم يَكُنْ نَوى من اللَّيلِ هل يَصحُّ صَومُه أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه لو أفاق قبلَ الزَّوالِ ونَوى الصَّومَ أجزأه؛ لأنَّ صَومَ رَمضانَ يَجوزُ بنيَّةٍ قبلَ الزَّوالِ وإنْ أفاقَ بعدَ الزَّوالِ لا يَصحُّ صَومُه (٢).
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ صِحَّةِ صَومِه (٣).
стр. 2478
إذا أفاقَ المَجنونُ بعدَ مُضيِّ الشَّهرِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا أفاق المَجنونُ بعدَ مُضيِّ الشَّهرِ، هل يَلزَمُه القَضاءُ أو لا؟
فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في القَديمِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَلزَمُه قَضاءُ ما مَضى، وإنْ مَضى عليه سُنونَ: لأنَّ الجُنونَ لا يَمنَعُ وُجوبَ الصَّومِ، وإنَّما يَمنَعُ أداءَه، فإذا أفاقَ لَزِمه قَضاؤُه؛ ولِعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وهذا شاهِدٌ لِلشَّهرِ مَريضًا، فلَزِمه عِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ، ولأنَّ الجُنونَ لا يُنافي وُجوبَ الصَّومِ؛ لأنَّه مَعنًى يُزيلُ العَقلَ حالَ الحياةِ، فلم يَمنَعْ وُجوبَ الصَّومِ، كحالِ الإغماءِ والنَّومِ والسُّكرِ.
وذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَلزَمُه قَضاءُ ما مَضى؛ لأنَّه صَومٌ فاتَ في حالٍ سقَط فيه التَّكليفُ لِنَقصٍ، فلم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو فات في حالِ الصِّغَرِ والكُفرِ.
قال الحَنفيَّةُ: هذا فيما إذا كان الجُنونُ مُستوعِبًا بأنْ جُنَّ قبلَ دُخولِ شَهرِ رَمضانَ وأفاقَ بعدَ مُضيِّه فلا قَضاءَ عليه (١).
стр. 2479
إذا أفاقَ المَجنونُ في أثناءِ الشَّهرِ:
واختَلفُوا أيضًا فيما إذا أفاق المَجنونُ في أثناءِ الشَّهرِ.
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَلزَمُه صَومُ ما بَقيَ ويَقضي ما مَضى، لِوُجودِ السَّببِ والأهليَّةِ بالذِّمَّةِ، والمَقصودُ بالسَّببِ هو شُهودُه بَعضَ الشَّهرِ، وذلك هو تَقديرُ الآيةِ: فمَن شَهِد منكم بَعضَ الشَّهرِ فليَصُمِ الشَّهرَ كلَّه؛ لأنَّ الضَّميرَ يَرجِعُ إلى المَذكورِ دونَ المُضمَرِ، والمَجنونُ الذي لم يَستغرِقْ جُنونُه الشَّهرَ قد شَهِد بَعضَ الشَّهرِ، فيَصومُ كلَّه.
ولأنَّ الجُنونَ لا يُنافي الصَّومَ، بدَليلِ ما لو جُنَّ في أثناءِ الصَّومِ لم يَفسُدْ، فإذا وُجِد في بَعضِ الشَّهرِ، وجَب القَضاءُ، كالإغماءِ.
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنَّما يَلزَمُه صَومُ ما أفاقَ فيه، ولا يَلزمُه قَضاءُ ما فاتَه في حالِ الجُنونِ؛ لأنَّه صَومٌ فات في حالٍ يَسقُطُ فيه التَّكليفُ لِنَقصٍ، فلم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو فات في حالِ الصِّغرِ والكُفرِ.
وهذا الخِلافُ في المَجنونِ، أمَّا المُغمى عليه فيَجِبُ عليه القَضاءُ بغَيرِ خِلافٍ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: على المُغمى عليه القَضاءُ بغَيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّ مُدَّتَه لا تَتطاوَلُ غالِبًا ولا تَثبُتُ الوِلايةُ على صاحِبِه فلم يَزُلِ التَّكليفُ به، وقَضاءُ العِباداتِ، كالنَّومِ (١).
стр. 2480
فصل في سُنَن الصَّومِ ومُستحَبَّاتُه
سُننُ الصَّومِ ومُستحَبَّاتُه كَثيرةٌ، أهَمُّها:
١ - السُّحورُ:
أجمَعت الأُمَّةُ على أنَّ السُّحورَ مَندوبٌ إليه، مُستحَبٌّ لا إثْمَ على مَنْ ترَكه، قاله ابنُ المُنذِرِ وغَيرُه (١).
لِما في الصَّحيحَيْن عن أنَسٍ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «تَسَحَّرُوا؛ فإنَّ في السَّحُورِ بَرَكَةً» (٢).
ورَوى الإمامُ أحمَدُ عن أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أحَدُكم جَرْعَةً من مَاءٍ؛ فإنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على المُتَسَحِّرِينَ» (٣).
ورَوى أبو داودَ عن العِرباضِ بنِ ساريةَ ﵁ قال: «دَعَانِي رَسولُ اللَّهِ ﷺ إلى السَّحُورِ في رَمَضَانَ، فقال: هَلُمَّ إلى الْغَدَاءِ الْمُبَارَكِ» (٤).
стр. 2481
ورَوى مُسلِمٌ عن عَمرِو بنِ العاصِ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «فَصْلُ ما بينَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ» (١).
٢ - تأخيرُ السُّحُورِ إلى وَقتِ السَّحَرِ:
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: اتَّفَق أصحابُنا وغَيرُهم من العُلماءِ على أنَّ السُّحورَ سُنَّةٌ، وأنَّ تأخيرَه أفضَلُ، وعلى أنَّ تَعجيلَ الفِطرِ سُنَّةٌ بعدَ تَحقُّقِ غُروبِ الشَّمسِ؛ لأنَّ فيهما إعانةً على الصَّومِ، ولأنَّ فيهما مُخالَفةً لِلكُفَّارِ. ولأنَّ مَحلَّ الصَّومِ هو النَّهارُ، فلا مَعنى لِتأخيرِ الفِطرِ والامتِناعِ من السُّحورِ في آخِرِ اللَّيلِ، ولأنَّه بغُروبِ الشَّمسِ صارَ مُفطِرًا، فلا فائِدةَ في تأخيرِ الفِطرِ (٢).
والدَّليلُ على ذلك ما في الصَّحيحَيْن عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ أنَّ زَيدَ بنَ ثابِتٍ حَدَّثَهُ: «أَنَّهُمْ تَسَحَّرُوا مع النَّبيِّ ﷺ ثُمَّ قَامُوا إلى الصَّلَاةِ. قُلتُ: كَمْ بَيْنَهُمَا؟ قال: قَدْرُ خَمْسِينَ أو سِتِّينَ، يَعْنِي آيةً» (٣).
وفي الصَّحيحَيْن عن ابنِ عُمَرَ ﵁ قال: كان لِرَسولِ اللهِ ﷺ مُؤذِّنان: بِلالٌ وابنُ أُمِّ مَكتومٍ الأعمى، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حتى يُؤَذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» قال: «ولم يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلا أَنْ يَنْزِلَ هذا وَيَرْقَى هذا» (٤).
стр. 2482
ورَوى البُخاريُّ عن سَهلِ بنِ سَعدٍ قال: «كُنْتُ أَتَسَحَّرُ في أَهْلِي ثُمَّ يَكُونُ سُرْعَةٌ بِي أَنْ أُدْرِكَ صَلَاةَ الْفَجْرِ مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ ».
وفي رِوايةٍ: «كُنْتُ أَتَسَحَّرُ في أَهْلِي ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ » (١).
٣ - يُستحَبُّ تَعجيلُ الإفطارِ بعدَ تَحقُّقِ غُروبِ الشَّمسِ:
ففي الصَّحيحَيْن عن سَهلِ بنِ سَعدٍ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَا يَزَالُ الناسُ بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ» (٢).
ورَوى مُسلِمٌ عن أبي عَطيَّةَ قال: دَخَلْتُ أنا وَمَسْرُوقٌ على عائِشةَ فَقُلْنَا: يا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، رَجُلَانِ من أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ ﷺ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، قالت: «أَيُّهُمَا الذي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ الصَّلَاةَ؟ قال: قُلْنَا عَبدُ اللَّهِ، يَعْنِي ابنَ مَسْعُودٍ، قالت: كَذَلِكَ كان يَصْنَعُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ »، زَادَ أبو كُرَيْبٍ وَالْآخَرُ أبو مُوسَى (٣).
ورَواه النَّسائيُّ عن أبي عَطِيَّةَ بلَفظِ: قال: قُلتُ لِعائِشةَ: فِينَا رَجُلَانِ من أَصْحَابِ النَّبيِّ ﷺ أَحَدُهُمَا يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ، وَالْآخَرُ يُؤَخِّرُ الْإِفْطَارَ وَيُعَجِّلُ السُّحُورَ، قالت: «أَيُّهُمَا الذي يُعَجِّلُ الْإِفْطَارَ
стр. 2483
وَيُؤَخِّرُ السُّحُورَ؟ قُلتُ: عَبدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ، قالت: هَكَذَا كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ» (١).
ولأنَّ في تَعجيلِه مُخالَفةً لِلكُفَّارِ؛ فقد رَوى أبو داود عن أبي هُرَيرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا يَزَالُ الدِّينُ ظَاهِرًا ما عَجَّلَ الناسُ الْفِطْرَ؛ لأنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى يُؤَخِّرُونَ».
ورَواه ابنُ ماجه بلَفظِ: «لَا يَزَالُ الناسُ بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الْفِطْرَ، عَجِّلُوا الْفِطْرَ؛ فإنَّ الْيَهُودَ يُؤَخِّرُونَ» (٢).
ولأنَّ مَحَلَّ الصَّومِ هو النَّهارُ، فلا معنى لِتأخيرِ الفِطرِ.
٤ - ويُستحَبُّ أنْ يَكونَ الإفطارُ على رُطَبَاتٍ؛ فإنْ لم يَجِدْ فعلى تَمْرٍ؛ فإنْ لم يَجِدْ فعلى الماءِ، لِما رَواه أبو داودَ وغَيرُه عن أنَسِ بنِ مالِكٍ ﵁ قال: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ يُفْطِرُ على رُطَبَاتٍ قبلَ أَنْ يُصَلِّيَ؛ فإنْ لم تَكُنْ رُطَبَاتٌ فَعَلَى تَمَرَاتٍ؛ فإن لم تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ من مَاءٍ» (٣).
عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ عَنِ الرَّبَابِ عَنْ عَمِّهَا سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إذَا أَفْطَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى تَمْرٍ؛ فإنَّهُ بَرَكَةٌ؛ فإنْ لَمْ يَجِدْ تَمْرًا فَالْمَاءُ؛ فإنَّهُ طَهُورٌ» (٤).
стр. 2484
٥ - ويُستحَبُّ أنْ يَقولَ: ذهَب الظَّمأُ وابتَلَّتِ العُروقُ وثبَت الأجرُ إنْ شاءَ اللهُ: لِما رواه أبو داودَ عن ابنِ عُمَرَ ﵄ قال: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أَفْطَرَ قال: ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الْأَجْرُ إنْ شَاءَ اللهُ» (١).
٦ - ويُستحَبُّ أنْ يَدعوَ الصائِمُ في كلِّ وَقتٍ وعندَ إفطارِه:
فعن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «ثَلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٌ: دَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ المُظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ» (٢).
٧ - ويُستحَبُّ الجُودُ والاجتِهادُ والإكثارُ من فِعلِ الخَيرِ في رَمضانَ:
الجُودُ مُستحَبٌّ في كلِّ وَقتٍ، وهو في رَمضانَ آكَدُ، وفي العَشرِ الأواخِرِ أفضَلُ، اقتِداءً برَسولِ اللهِ ﷺ وبالسَّلفِ، ولأنَّه شَهرٌ شَريفٌ، فالحَسَنةُ فيه أفضَلُ من غَيرِه، ولأنَّ الناسَ يَشتَغِلون فيه بصيامِهم وزيادةِ طاعاتِهم عن المَكاسِبِ؛ فيَحتاجون إلى المُواساةِ وإعانَتِهم (٣).
ففي الصَّحيحَيْن عن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدَ الناسِ، وكان أَجْوَدَ ما يَكُونُ في رَمَضَانَ حين يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ وكان يَلْقَاهُ في كلِّ لَيْلَةٍ من رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ الْقُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَجْوَدُ بِالْخَيْرِ من الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ» (٤)، أي: في الإسراعِ والعُمومِ.
стр. 2485
٨ - وتُستحَبُّ دَعوةُ الصائِمِ لِلإفطارِ:
فقد رَوى التِّرمِذيُّ عن زَيدِ بنِ خالِدٍ الجُهنيِّ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كان له مِثْلُ أَجْرِهِ غَيرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ من أَجْرِ الصَّائِمِ شَيئًا» (١).
٩ - التَّرفُّعُ عما يُحبِطُ ثَوابَ الصَّومِ:
ومن أهمِّ ما يَنبَغي أنْ يَترفَّعَ الصائِمُ ويَحذَرَه: ما يُحبِطُ صَومَه من المَعاصي الظاهِرةِ والباطِنةِ، فيَصونَ لِسانَه عن اللَّغوِ والهَذَيانِ والكَذبِ، والغِيبةِ والنَّميمةِ، والفُحشِ والجَفاءِ، والخُصومةِ والمِراءِ، ويَكُفَّ جَوارِحَه عن جَميعِ الشَّهواتِ والمُحرَّماتِ ويَشتَغِلَ بالعِبادةِ، وذِكرِ اللهِ، وتِلاوةِ القُرآنِ وهذا -كما يَقولُ الغَزاليُّ-: هو سِرُّ الصَّومِ (٢) وفي الصَّحيحَيْن من حَديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ قال اللهُ تَعالى: «كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ له إلا الصِّيامَ؛ فإنَّه لي وأنا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيامُ جُنَّةٌ، وإذا كان يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ، فلا يَرْفُثْ، ولا يَصْخَبْ؛ فإنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ» (٣).
وعن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» (٤).
стр. 2486
فصل في مُفسِداتُ الصَّومِ
مُفسِداتُ الصَّومِ:
يَفسُدُ الصَّومُ بوَجهٍ عامٍّ كلَّما انتَفى شَرطٌ من شُروطِه، أو اختَلَّ أحَدُ أركانِه، كالرِّدَّةِ وكطُروءِ الحَيضِ، وكلِّ ما يُنافيه من أكلٍ وشُربٍ أو جِماعٍ ونَحوِهما، ودُخولِ شَيءٍ من خارِجِ البَدَنِ إلى جَوفِ الصائِمِ إلى غَيرِ ذلك كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ.
ومن هذه المُفسِدات ما هو مُتَّفَقٌ عليه، وما هو مُختلَفٌ فيه، ومنها ما يُوجِبُ القَضاءَ فقط، ومنها ما يُوجِبُ القَضاءَ مع الكَفَّارةِ على التَّفصيلِ الآتي:
ما يُبطِلُ الصِّيامَ:
١ - الأكلُ والشُّربُ عامِدًا ذاكِرًا لِصَومِه:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ من تَعمَّد الأكلَ والشُّربَ وهو صَحيحٌ مُقيمٌ في يَومٍ من شَهرِ رَمَضانَ أنَّه يَحرُمُ عليه، ويَجِبُ عليه القَضاءُ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، مَدَّ الأكلَ والشُّربَ إلى تَبيُّنِ الفَجرِ، ثم أمَرَ بالصِّيامِ عنهما.
стр. 2487
ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِه لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى من رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ من أَجْلِي» (١).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: يُفطِرُ بالأكلِ والشُّربِ بالإجماعِ، وبدِلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وأجمَع العُلماءُ على الفِطرِ بالأكلِ والشُّربِ بما يُتَغذَّى به، فأمَّا ما لا يُتغَذَّى به فعامَّةُ أهلِ العِلمِ على أنَّ الفِطرَ يَحصُلُ به، لِدِلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ على تَحريمِ الأكلِ والشُّربِ على العُمومِ (٢).
وقال النَّوَويُّ ﵀: أجمَعت الأُمَّةُ على تَحريمِ الطَّعامِ والشَّرابِ على الصائِمِ، وهو مَقصودُ الصَّومِ، ودَليلُه الآيةُ الكَريمةُ والإجماعُ، وممَّن نقَل الإجماعَ فيه ابنُ المُنذِرِ (٣).
وقال أيضًا: إذا ابتلَع الصائِمُ ما لا يُؤكَلُ في العادةِ، كدِرهَمٍ ودينارٍ وتُرابٍ أو حَصاةٍ، أو حَشيشٍ أو نارٍ أو حَديدٍ أو خَيطٍ أو غَيرِ ذلك، أفطَر بلا خِلافٍ عندَنا، وبه قال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأحمَدُ وداودُ وجَماهيرُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلَفِ.
وحَكى أصحابُنا عن أبي طَلحةَ الأنصاريِّ الصَّحابيِّ ﵁، والحَسَنُ بنُ صالِحٍ وبَعضُ أصحابِ مالِكٍ أنَّه لا يُفطِرُ بذلك.
стр. 2488
وحَكَوْا عن أبي طَلحةَ أنَّه كان يَتناوَلُ البَرَدَ وهو صائِمٌ ويَبتَلِعُه ويَقولُ: ليس هو بطَعامٍ ولا شَرابٍ، واستدَلَّ أصحابُنا بما ذكَره المُصنِّفُ وبما رَواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ، أو صَحيحٍ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قال: «إنَّما الوُضوءُ مما يَخرُجُ وليس مما يَدخُلُ، وإنَّما الفِطرُ مما دخَل وليس مما خرَج» (١).
إذا أكلَ أو شَرِب مُتعمِّدًا هل عليه كَفَّارةٌ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أكلَ الصائِمُ أو شَرِب مُتعمِّدًا هل يَجِبُ عليه الكَفَّارةُ والقَضاءُ أو يَجِبُ عليه القَضاءُ فقط، وأنَّ الكَفَّارةَ تَجِبُ بسَببِ الجِماعِ فقط؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ من أفطَر مُتعمِّدًا بأكلٍ أو شُربٍ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ؛ لأنَّ الصَّومَ شَرعًا الامتِناعُ من الطَّعامِ والجِماعِ، فإذا ثبَت في وَجهٍ من ذلك شَيءٌ ثبَت في نَظيرِه، والجامِعُ بينَهما انتِهاكُ حُرمةِ الشَّهرِ بما يُفسِدُ الصَّومَ عَمدًا.
إلا أنَّ أبا حَنيفةَ اشترَط في وُجوبِ الكَفَّارةِ أنْ يَكونَ المُتناوِلُ مما يُتغَذَّى به، أو يُتداوى به، فأمَّا إنِ ابتلَع حَصاةً أو نَواةً فلا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ، وعن مالِكٍ فيمَن ابتلَع حَصاةً أو نَحوَها رِوايتان.
والكَفَّارةُ ككَفَّارةِ الظِّهارِ.
стр. 2489
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ أكلَ أو شَرِب مُتعمِّدًا يَجِبُ عليه القَضاءُ فقط دونَ الكَفَّارةِ.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافُهم في جَوازِ قياسِ المُفطِرِ بالأكلِ والشُّربِ على المُفطِرِ بالجِماعِ.
فمَن رأى أنَّ شَبَهَهما فيه واحِدٌ وهو انتِهاكُ حُرمةِ الصَّومِ جعَل حُكمَهما واحِدًا.
ومَن رأى أنَّ الكَفَّارةَ -وإنْ كانت عِقابًا لِانتِهاك الحُرمةِ- أشَدُّ مُناسَبةً لِلجِماعِ منها لِغَيرِه، وذلك أنَّ المَقصودَ بالعِقابِ الرَّدعُ، والعِقابُ الأكبَرُ قد يُوضَعُ لِما إليه النَّفسُ أمْيَلُ، وهو لها أغلَبُ من الجِناياتِ، وإنْ كانت الجِنايةُ مُتقارِبةً، إذ كان المَقصودُ من ذلك التِزامَ الناسِ الشَّرائِعَ، وأنْ يَكونوا أخيارًا عُدولًا، كما قال تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣] قال: هذه الكَفَّارةُ المُغلَّظةُ خاصَّةٌ بالجِماعِ، وهذا إذا كان ممَّن يَرى القياسَ.
وأمَّا مَنْ لا يَرى القياسَ فأمرُه بَيِّنٌ أنَّه ليس يَتعدَّى حُكمَ الجِماعِ إلى الأكلِ والشُّربِ.
وأمَّا ما رَوى مالِكٌ في: «المُوطَّأِ»: أنَّ رَجلًا أفطَر في رَمضانَ فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ بالكَفَّارةِ المَذكورةِ، فليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّ قَولَ الراوي: فأفطَر، هو مُجمَلٌ، والمُجمَلُ ليس له عُمومٌ فيُؤخَذُ به، لكنَّ هذا قَولٌ على أنَّ
стр. 2490
الراويَ كان يَرى أنَّ الكَفَّارةَ كانت لِمَوضِعِ الإفطارِ، ولولا ذلك لَمَا عَبَّر بهذا اللَّفظِ، ولَذَكر النَّوعَ من الفِطرِ الذي أفطَر به (١).
إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا: إنَّما تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ إذا نَوى الصِّيامَ ثم أفطَر، أمَّا مَنْ أصبَح من رَمضانَ لا يَنوي الصَّومَ فأكَل أو شَرِب أو جامَع فعليه قَضاءُ ذلك اليَومِ ولا كَفَّارةَ عليه (٢).
قال الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: (وكذلك إنْ أكَل أو شَرِب مُتعمِّدًا فعليه القَضاءُ والكَفَّارةُ عندَنا)، وعندَ الشافِعيِّ ﵀: لا كَفَّارةَ عليه؛ لأنَّ سَببَ وُجوبِ الكَفَّارةِ بالنَّصِّ المُواقَعةِ المُعدِمةِ لِلصَّومِ فلو أوجَب بالأكلِ كان بالقياسِ على المُواقَعةِ ولا مَدخَلَ لِلقياسِ في الكَفَّارةِ ألَا تَرى أنَّه لا تُقاسُ دَواعي الجِماعِ على الجِماعِ فيه، ولأنَّ الحُرمةَ تارةً تَكونُ لِأجلِ العِبادةِ، وتارةً لِعَدمِ المِلكِ، ثم ما يَتعلَّقُ بالأكلِ لا يَتعلَّقُ بالمُواقَعةِ متى كانت الحُرمةُ لِعَدمِ المِلكِ، فكذلك العِبادةُ، واستدَلَّ بالحَجِّ؛ فإنَّ ما يَتعلَّقُ بالمُواقَعةِ فيه، وهو فَسادُ النُّسُكِ لا يَتعلَّقُ بسائِرِ المَحظوراتِ، فكذلك الصَّومُ، والجامِعُ أنَّ هذه عِبادةٌ لِلكَفَّارةِ العُظمى فيها فتَختَصُّ بالمُواقَعةِ.