فصل في مُفسِداتُ الصَّومِ
مُفسِداتُ الصَّومِ:
يَفسُدُ الصَّومُ بوَجهٍ عامٍّ كلَّما انتَفى شَرطٌ من شُروطِه، أو اختَلَّ أحَدُ أركانِه، كالرِّدَّةِ وكطُروءِ الحَيضِ، وكلِّ ما يُنافيه من أكلٍ وشُربٍ أو جِماعٍ ونَحوِهما، ودُخولِ شَيءٍ من خارِجِ البَدَنِ إلى جَوفِ الصائِمِ إلى غَيرِ ذلك كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ.
ومن هذه المُفسِدات ما هو مُتَّفَقٌ عليه، وما هو مُختلَفٌ فيه، ومنها ما يُوجِبُ القَضاءَ فقط، ومنها ما يُوجِبُ القَضاءَ مع الكَفَّارةِ على التَّفصيلِ الآتي:
ما يُبطِلُ الصِّيامَ:
١ - الأكلُ والشُّربُ عامِدًا ذاكِرًا لِصَومِه:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ من تَعمَّد الأكلَ والشُّربَ وهو صَحيحٌ مُقيمٌ في يَومٍ من شَهرِ رَمَضانَ أنَّه يَحرُمُ عليه، ويَجِبُ عليه القَضاءُ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، مَدَّ الأكلَ والشُّربَ إلى تَبيُّنِ الفَجرِ، ثم أمَرَ بالصِّيامِ عنهما.
стр. 2487
ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِه لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى من رِيحِ الْمِسْكِ، يَتْرُكُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ من أَجْلِي» (١).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: يُفطِرُ بالأكلِ والشُّربِ بالإجماعِ، وبدِلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وأجمَع العُلماءُ على الفِطرِ بالأكلِ والشُّربِ بما يُتَغذَّى به، فأمَّا ما لا يُتغَذَّى به فعامَّةُ أهلِ العِلمِ على أنَّ الفِطرَ يَحصُلُ به، لِدِلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ على تَحريمِ الأكلِ والشُّربِ على العُمومِ (٢).
وقال النَّوَويُّ ﵀: أجمَعت الأُمَّةُ على تَحريمِ الطَّعامِ والشَّرابِ على الصائِمِ، وهو مَقصودُ الصَّومِ، ودَليلُه الآيةُ الكَريمةُ والإجماعُ، وممَّن نقَل الإجماعَ فيه ابنُ المُنذِرِ (٣).
وقال أيضًا: إذا ابتلَع الصائِمُ ما لا يُؤكَلُ في العادةِ، كدِرهَمٍ ودينارٍ وتُرابٍ أو حَصاةٍ، أو حَشيشٍ أو نارٍ أو حَديدٍ أو خَيطٍ أو غَيرِ ذلك، أفطَر بلا خِلافٍ عندَنا، وبه قال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ وأحمَدُ وداودُ وجَماهيرُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلَفِ.
وحَكى أصحابُنا عن أبي طَلحةَ الأنصاريِّ الصَّحابيِّ ﵁، والحَسَنُ بنُ صالِحٍ وبَعضُ أصحابِ مالِكٍ أنَّه لا يُفطِرُ بذلك.
стр. 2488
وحَكَوْا عن أبي طَلحةَ أنَّه كان يَتناوَلُ البَرَدَ وهو صائِمٌ ويَبتَلِعُه ويَقولُ: ليس هو بطَعامٍ ولا شَرابٍ، واستدَلَّ أصحابُنا بما ذكَره المُصنِّفُ وبما رَواه البَيهَقيُّ بإسنادٍ حَسَنٍ، أو صَحيحٍ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قال: «إنَّما الوُضوءُ مما يَخرُجُ وليس مما يَدخُلُ، وإنَّما الفِطرُ مما دخَل وليس مما خرَج» (١).
إذا أكلَ أو شَرِب مُتعمِّدًا هل عليه كَفَّارةٌ أو لا؟
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أكلَ الصائِمُ أو شَرِب مُتعمِّدًا هل يَجِبُ عليه الكَفَّارةُ والقَضاءُ أو يَجِبُ عليه القَضاءُ فقط، وأنَّ الكَفَّارةَ تَجِبُ بسَببِ الجِماعِ فقط؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ من أفطَر مُتعمِّدًا بأكلٍ أو شُربٍ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ؛ لأنَّ الصَّومَ شَرعًا الامتِناعُ من الطَّعامِ والجِماعِ، فإذا ثبَت في وَجهٍ من ذلك شَيءٌ ثبَت في نَظيرِه، والجامِعُ بينَهما انتِهاكُ حُرمةِ الشَّهرِ بما يُفسِدُ الصَّومَ عَمدًا.
إلا أنَّ أبا حَنيفةَ اشترَط في وُجوبِ الكَفَّارةِ أنْ يَكونَ المُتناوِلُ مما يُتغَذَّى به، أو يُتداوى به، فأمَّا إنِ ابتلَع حَصاةً أو نَواةً فلا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ، وعن مالِكٍ فيمَن ابتلَع حَصاةً أو نَحوَها رِوايتان.
والكَفَّارةُ ككَفَّارةِ الظِّهارِ.
стр. 2489
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ أكلَ أو شَرِب مُتعمِّدًا يَجِبُ عليه القَضاءُ فقط دونَ الكَفَّارةِ.
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم: اختِلافُهم في جَوازِ قياسِ المُفطِرِ بالأكلِ والشُّربِ على المُفطِرِ بالجِماعِ.
فمَن رأى أنَّ شَبَهَهما فيه واحِدٌ وهو انتِهاكُ حُرمةِ الصَّومِ جعَل حُكمَهما واحِدًا.
ومَن رأى أنَّ الكَفَّارةَ -وإنْ كانت عِقابًا لِانتِهاك الحُرمةِ- أشَدُّ مُناسَبةً لِلجِماعِ منها لِغَيرِه، وذلك أنَّ المَقصودَ بالعِقابِ الرَّدعُ، والعِقابُ الأكبَرُ قد يُوضَعُ لِما إليه النَّفسُ أمْيَلُ، وهو لها أغلَبُ من الجِناياتِ، وإنْ كانت الجِنايةُ مُتقارِبةً، إذ كان المَقصودُ من ذلك التِزامَ الناسِ الشَّرائِعَ، وأنْ يَكونوا أخيارًا عُدولًا، كما قال تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾ [البقرة: ١٨٣] قال: هذه الكَفَّارةُ المُغلَّظةُ خاصَّةٌ بالجِماعِ، وهذا إذا كان ممَّن يَرى القياسَ.
وأمَّا مَنْ لا يَرى القياسَ فأمرُه بَيِّنٌ أنَّه ليس يَتعدَّى حُكمَ الجِماعِ إلى الأكلِ والشُّربِ.
وأمَّا ما رَوى مالِكٌ في: «المُوطَّأِ»: أنَّ رَجلًا أفطَر في رَمضانَ فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ بالكَفَّارةِ المَذكورةِ، فليس بحُجَّةٍ؛ لأنَّ قَولَ الراوي: فأفطَر، هو مُجمَلٌ، والمُجمَلُ ليس له عُمومٌ فيُؤخَذُ به، لكنَّ هذا قَولٌ على أنَّ
стр. 2490
الراويَ كان يَرى أنَّ الكَفَّارةَ كانت لِمَوضِعِ الإفطارِ، ولولا ذلك لَمَا عَبَّر بهذا اللَّفظِ، ولَذَكر النَّوعَ من الفِطرِ الذي أفطَر به (١).
إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قالوا: إنَّما تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ إذا نَوى الصِّيامَ ثم أفطَر، أمَّا مَنْ أصبَح من رَمضانَ لا يَنوي الصَّومَ فأكَل أو شَرِب أو جامَع فعليه قَضاءُ ذلك اليَومِ ولا كَفَّارةَ عليه (٢).
قال الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: (وكذلك إنْ أكَل أو شَرِب مُتعمِّدًا فعليه القَضاءُ والكَفَّارةُ عندَنا)، وعندَ الشافِعيِّ ﵀: لا كَفَّارةَ عليه؛ لأنَّ سَببَ وُجوبِ الكَفَّارةِ بالنَّصِّ المُواقَعةِ المُعدِمةِ لِلصَّومِ فلو أوجَب بالأكلِ كان بالقياسِ على المُواقَعةِ ولا مَدخَلَ لِلقياسِ في الكَفَّارةِ ألَا تَرى أنَّه لا تُقاسُ دَواعي الجِماعِ على الجِماعِ فيه، ولأنَّ الحُرمةَ تارةً تَكونُ لِأجلِ العِبادةِ، وتارةً لِعَدمِ المِلكِ، ثم ما يَتعلَّقُ بالأكلِ لا يَتعلَّقُ بالمُواقَعةِ متى كانت الحُرمةُ لِعَدمِ المِلكِ، فكذلك العِبادةُ، واستدَلَّ بالحَجِّ؛ فإنَّ ما يَتعلَّقُ بالمُواقَعةِ فيه، وهو فَسادُ النُّسُكِ لا يَتعلَّقُ بسائِرِ المَحظوراتِ، فكذلك الصَّومُ، والجامِعُ أنَّ هذه عِبادةٌ لِلكَفَّارةِ العُظمى فيها فتَختَصُّ بالمُواقَعةِ.
стр. 2491
(ولنا) حَديثُ أبي هُرَيرةَ أنَّ رَجُلًا قال: يا رَسولَ اللهِ، أفطَرتُ في رَمضانَ، فقال: «من غَيرِ مَرَضٍ ولا سَفَرٍ؟»، فقال: نَعَمْ، فقال: «أعتِقْ رَقبةً»، وإنَّما فَهِم رَسولُ اللهِ ﷺ من سُؤالِه الفِطرَ بما يُحوِجُه إليه كالمَرضِ والسَّفرِ، وذكَر أبو داودَ أنَّ الرَّجلَ قال: شَرِبتُ في رَمضانَ، وقال علِيٌّ ﵁: «إنَّما الكَفَّارةُ في الأكلِ والشُّربِ والجِماعِ»، ولأنَّ فِطرَه تَضمَّن هَتكَ حُرمةِ النَّصِّ فكان كالفِطرِ بالجِماعِ.
وبَيانُه أنَّ نَصَّ التَّحريمِ بالشَّهرِ يَتناوَلُ ما يَتناوَلُه نَصُّ الإباحةِ باللَّيالي وهَتكُ حُرمةِ النَّصِّ جِنايةٌ مُتكامِلةٌ ثم نَحنُ لا نُوجِبُ الكَفَّارةَ بالقياسِ، وإنَّما نُوجِبُها استِدلالًا بالنَّصِّ؛ لأنَّ السائِلَ ذكَر المُواقَعةَ وعَيَّنها ليس بجِنايةٍ، بل هو فِعلٌ في مَحلٍّ مَملوكٍ، وإنَّما الجِنايةُ الفِطريَّةُ، فتَبيَّن أنَّ المُوجِبَ لِلكَفَّارةِ فِطرٌ هو جِنايةٌ، ألَا تَرى أنَّ الكَفَّارةَ تُضافُ إلى الفِطرِ، والواجِباتِ تُضافُ إلى أسبابِها؟ والدَّليلُ عليه أنَّه لا تَجِبُ على الناسي لِانعدامِ الفِطرِ، والفِطرُ الذي هو جِنايةٌ مُتكامِلةٌ يَحصُلُ بالأكلِ كما يَحصُلُ بالجِماعِ، ولأنَّه آلةٌ له، وتَعلُّقُ الحُكمِ بالسَّببِ لا بالآلةِ، ثم إيجابُه في الأكلِ أوْلى؛ لأنَّ الكَفَّارةَ أُوجِبت زاجِرةً، ودُعاءُ الطَّبعِ في وَقتِ الصَّومِ إلى الأكلِ أكثَرُ منه إلى الجِماعِ، والصَّبرُ عنه أشَدُّ، فإيجابُ الكَفَّارةِ فيه أوْلى كما أنَّ حُرمةَ التَّأفيفِ تَقتَضي حُرمةَ الشَّتمِ بطَريقِ الأوْلى، ثم لِأجلِ العِبادةِ استَوى حُرمةُ الجِماعِ وحُرمةُ الأكلِ، بخِلافِ حالِ عَدمِ المِلكِ؛ فإنَّ حُرمةَ الجِماعِ أغلَظُ حتى تَزيدَ حُرمةُ الجِماعِ على حُرمةِ الأكلِ، وبخِلافِ الحَجِّ، فإنَّ حُرمةَ الجِماعِ فيه أقوى، حتى لا يَرتَفِعَ بالحَلقِ.
стр. 2492
والدَّليلُ على المُساواةِ هنا فَصلُ الناسي؛ فقد جَعلْنا النَّصَّ الوارِدَ في الأكلِ حالَ النِّسيانِ كالوارِدِ في الجِماعِ، فكذلك يَجعَلُ النَّصَّ الوارِدَ في إيجابِ الكَفَّارةِ بالمُواقَعةِ كالوارِدِ في الأكلِ، والدَّواعي تَبَعٌ فلا تَتكامَلُ به الجِنايةُ.
ثم حاصِلُ المَذهَبِ عندَنا أنَّ الفِطرَ متى حصَل بما يُتغَذَّى به أو يُتداوَى به تَتعلَّقُ الكَفَّارةُ به زَجرًا؛ فإنَّ الطِّباعَ تَدعو إلى الغِذاءِ وكذلك إلى الدَّواءِ لِحِفظِ الصِّحَّةِ أو إعادَتِها.
فأمَّا إذا تَناوَل ما لا يُتغَذَّى به كالتُّرابِ والحَصاةِ يَفسُدُ صَومُه إلا على قَولِ بَعضِ من لا يُعتمَدُ على قَولِه؛ فإنَّه يَقولُ: حُصولُ الفِطرِ بما يَكونُ به اقتِضاءُ الشَّهوةِ.
ولكنَّا نَقولُ: رُكنُ الصَّومِ الكَفُّ عن إيصالِ الشَّيءِ إلى باطِنِه، وقد انعَدَم ذلك بتَناوُلِ الحَصاةِ ثم لا كَفَّارةَ عليه إلا على قَولِ مالِكٍ رَحمه اللهُ تَعالى؛ فإنَّه قال: هو مُفطِرٌ غَيرُ مَعذورٍ، قال: وجِنايَتُه هنا أظهَرُ؛ إذ لا غَرضَ له في هذا الفِعلِ سِوى الجِنايةِ على الصَّومِ بخِلافِ ما يُتغذَّى به.
ولكنَّا نَقولُ: عَدمُ دُعاءِ الطَّبعِ إليه يُغني عن إيجابِ الكَفَّارةِ فيه زاجرًا كما لم نُوجِبِ الحَدَّ في شُربِ الدَّمِ والبَولِ بخِلافِ الخَمرِ، ثم تَمامُ الجِنايةِ بانعِدامِ رُكنِ الصَّومِ صُورةً ومَعنًى فانعِدامُ مَعنى ما يَحصُلُ به اقتِضاءُ الشَّهوةِ إذا انعَدَم لم تَتمَّ الجِنايةُ وفي النُّقصانِ شُبهةُ العَدمِ، والكَفَّارةُ تَسقُطُ بالشُّبهةِ (١).
стр. 2493
٢ - مَنْ أكَل أو شَرِب ناسيًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيمَن أكلَ أو شَرِب ناسيًا في نَهارِ رَمضانَ هل يَصحُّ صَومُه أو يَفسُدُ صَومُه ويَلزَمُه القَضاءُ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ صَومَه صَحيحٌ ولا يَجِبُ عليه القَضاءُ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وهو صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (١)، وفي لَفظٍ: «مَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ نَاسِيًا فلا يُفْطِرْ؛ فإنَّمَا هو رِزْقٌ رَزَقَهُ اللهُ» (٢).
وعن أبي هُرَيرةَ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أَفْطَرَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلا كَفَّارَةَ» (٣).
ولِغَيرِ ذلك من الأحاديثِ، ولأنَّها عِبادةٌ ذاتُ تَحليلٍ وتَحريمٍ، فكان في مَحظوراتِها ما يَختلِفُ عَمدُه وسَهوُه كالصَّلاةِ والحَجِّ (٤).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ مَنْ أكلَ أو شَرِب ناسيًا صَومُه يَفسُدُ، ويَجِبُ عليه القَضاءُ لِعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ وهذا لم يُتِمَّه، وقد حرَّم الإمساكَ، فأشبَهَ العامِدَ.
стр. 2494
ولأنَّ كلَّ فِعلٍ لا يَصحُّ الصَّومُ مع شَيءٍ من جِنسِه عَمدًا على وَجهٍ، فلا يَصحُّ مع سَهوِه كتَركِ النيَّةِ.
وأمَّا وُجوبُ القَضاءِ عليه؛ فلأنَّه مُكلَّفٌ حصَل منه أكلٌ في رَمضانَ كالعامِدِ؛ ولأنَّه أكلَ في صَومٍ مُفترَضٍ، لا يَسقُطُ بالمَرضِ كالمَريضِ.
ولأنَّ القَضاءَ إذا وجَب على المَريضِ مع كَونِه أعذَرَ من الناسي، كان بأنْ يَجِبَ على الناسي أوْلى.
وهذا كلُّه في الفَرضِ، أمَّا لو أكلَ أو شَرِب ناسيًا في التَّطوُّعِ فصَومُه صَحيحٌ؛ لأنَّ الأكلَ في التَّطوُّعِ لا يُبطِلُه.
قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: مَنْ أكلَ أو شَرِب ساهيًا أو ناسيًا في صيامِ تَطوُّعٍ فليس عليه قَضاءٌ، وليُتِمَّ يَومَه الذي أكلَ فيه أو شَرِب وهو مُتطوِّعٌ ولا يُفطِرْه (١).
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قال ابنُ العَربيِّ: تَمسَّك جَميعُ فُقهاءِ الأمصارِ بظاهِرِ هذا الحَديثِ -أي: حَديثِ «فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» - وتَطلَّع مالِكٌ إلى المَسألةِ من طَريقِها، فأشرَف عليه؛ لأنَّ الفِطرَ ضدُّ الصَّومِ والإمساكَ رُكنُ الصَّومِ، فأشبَهَ ما لو نَسيَ رَكعةً من الصَّلاةِ، قال: وقد رَوى الدارَقُطنيُّ فيه: «لا قَضاءَ عليكَ» فتأوَّله عُلماؤُنا على أنَّ مَعناه: لا قَضاءَ عليكَ الآنَ.
стр. 2495
قال الحافِظُ: وهذا تَعسُّفٌ وإنَّما أقولُ: لَيتَه صَحَّ فنَتَّبِعَه، ونَقولَ به، إلا على أصلِ مالِكٍ في أنَّ خَبرَ الواحِدِ إذا جاء بخِلافِ القَواعِدِ لم يُعمَلْ به، فلَمَّا جاء الحَديثُ الأولُ المُوافِقُ لِلقاعِدةِ في رَفعِ الإثمِ عَمِلنا به، وأمَّا الثاني فلا يُوافِقُها، فلم نَعمَلْ به.
وقال القُرطُبيُّ: احتجَّ به من أسقَط القَضاءَ وأُجيبَ بأنَّه لم يَتعرَّضْ فيه لِلقَضاءِ، فيُحمَلُ على سُقوطِ المُؤاخَذةِ؛ لأنَّ المَطلوبَ صيامُ يَومٍ لا خَرمَ فيه، لكنْ رَوى الدارَقُطنيُّ فيه سُقوطَ القَضاءِ، وهو نَصٌّ لا يَقبَلُ الاحتِمالَ، لكنَّ الشأنَ في صِحَّتِه؛ فإنْ صحَّ وجَب الأخذُ به وسقَط القَضاءُ. اه.
وأجاب بَعضُ المالِكيَّةِ بحَملِ الحَديثِ على صَومِ التَّطوُّعِ كما حَكاه ابنُ التِّينِ عن ابنِ شَعبانَ، وكذا قال ابنُ القَصَّارِ واعتلَّ بأنَّه لم يَقَعْ في الحَديثِ تَعيينُ رَمضانَ فيُحمَلُ على التَّطوُّعِ، وقال المُهلَّبُ وغَيرُه: لم يَذكُرْ في الحَديثِ إثباتَ القَضاءِ، فيُحمَلُ على سُقوطِ الكَفَّارةِ عنه، وإثباتِ عُذرِه ورَفعِ الإثمِ عنه وبَقاءِ نيَّتِه التي بَيَّتها. اه.
والجَوابُ عن ذلك كلِّه بما أخرَجه ابنُ خُزيمةَ وابنُ حِبَّانَ والحاكِمُ والدارَقُطنيُّ من طَريقِ مُحمدِ بنِ عَبدِ اللهِ الأنصاريِّ عن مُحمدِ بنِ عَمرٍو عن أبي سَلمةَ عن أبي هُرَيرةَ بلَفظِ: «مَنْ أفطَر في شَهرِ رَمضانَ ناسيًا فلا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارةَ» فعَيَّن رَمضانَ وصَرَّح بإسقاطِ القَضاءِ، قال الدارَقُطنيُّ: تَفرَّد به مُحمدُ بنُ مَرزوقٍ عن الأنصاريِّ، وتُعُقِّب بأنَّ ابنَ خُزيمةَ أخرَجه أيضًا عن إبراهيمَ بنِ مُحمدٍ الباهِليِّ وبأنَّ الحاكِمَ أخرَجه من طَريقِ أبي حاتِمٍ الرازيِّ كِلاهما عن الأنصاريِّ فهو المُنفرِدُ به كما قال
стр. 2496
البَيهَقيُّ وهو ثِقةٌ، والمُرادُ أنَّه انفرَد بذِكرِ إسقاطِ القَضاءِ فقط، لا بتَعيينِ رَمضانَ؛ فإنَّ النَّسائيَّ أخرَج الحَديثَ من طَريقِ عليِّ بنِ بَكَّارٍ عن مُحمدِ بنِ عَمرٍو ولَفظُه: «في الرَّجلِ يَأكُلُ في شَهرِ رَمضانَ ناسيًا، فقال: اللهُ أطعَمَه وسَقاه»، وقد ورَد إسقاطُ القَضاءِ من وَجهٍ آخَرَ عن أبي هُرَيرةَ أخرَجه الدارَقُطنيُّ من رِوايةِ مُحمدِ بنِ عيسى بنِ الطَّبَّاعِ عن ابنِ عُلَيَّةَ عن هِشامٍ عن ابنِ سِيرينَ ولَفظُه: «فإنَّما هو رِزقٌ ساقَه اللهُ إليه ولا قَضاءَ عليه»، وقال بعدَ تَخريجِه: هذا إسنادٌ صَحيحٌ، وكلُّهم ثِقاتٌ قُلتُ: لكنَّ الحَديثَ عندَ مُسلِمٍ وغَيرِه من طَريقِ ابنِ عُلَيَّةَ، وليس فيه هذه الزِّيادةُ، ورَوى الدارَقُطنيُّ أيضًا إسقاطَ القَضاءِ من رِوايةِ أبي رافِعٍ وأبي سَعيدٍ المَقبُريِّ والوَليدِ بنِ عَبدِ الرَّحمنِ وعَطاءِ بنِ يَسارٍ، كلِّهم عن أبي هُرَيرةَ، وأخرَج أيضًا من حَديثِ أبي سَعيدٍ رفَعه: «مَنْ أكَل في شَهرِ رَمضانَ ناسيًا فلا قَضاءَ عليه»، وإسنادُه -وإنْ كان ضَعيفًا- صالِحٌ لِلمُتابَعةِ، فأقَلُّ دَرجاتِ الحَديثِ بهذه الزِّيادةِ أنْ يَكونَ حَسَنًا فيَصلُحَ لِلاحتِجاجِ به، وقد وقَع الاحتِجاجُ في كَثيرٍ من المَسائِلِ بما هو دونَه في القُوَّةِ، ويُعتَضَدُ أيضًا بأنَّه قد أفتى به جَماعةٌ من الصَّحابةِ من غَيرِ مُخالَفةٍ لهم منهم -كما قاله ابنُ المُنذِرِ وابنُ حَزمٍ وغَيرُهما- عليُّ بنُ أبي طالِبٍ وزَيدُ بنُ ثابِتٍ وأبو هُريرةَ وابن عُمَرَ، ثم هو مُوافِقٌ لِقَولِه تَعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، فالنِّسيانُ ليس من كَسبِ القَلبِ، ومُوافِقٌ لِلقياسِ في إبطالِ الصَّلاةِ بعَمدِ الأكلِ، لا بنِسيانِه، فكذلك الصِّيامُ، وأمَّا القياسُ الذي ذكَره ابنُ العَربيُّ فهو في مُقابَلةِ النَّصِّ فلا يُقبَلُ، ورَدُّه لِلحَديثِ مع صِحَّتِه بكَونِه خَبرَ واحِدٍ خالَف القاعِدةَ ليس بمُسلَّمٍ؛ لأنَّه قاعِدةٌ مُستقِلَّةٌ بالصِّيامِ،
стр. 2497
فمَن عارَضه بالقياسِ على الصَّلاةِ أدخَلَ قاعِدةً في قاعِدةٍ، ولو فُتِح بابُ رَدِّ الأحاديثِ الصَّحيحةِ بمِثلِ هذا لَما بَقيَ من الحَديثِ إلا القَليلُ.
وفي الحَديثِ لُطفُ اللهِ بعِبادِه والتَّيسيرُ عليهم ورَفعُ المَشقَّةِ والحَرجِ عنهم، وقد رَوى أحمدُ لِهذا الحَديثِ سَببًا فأخرَج من طَريقِ أُمِّ حَكيمٍ بنتِ دِينارٍ عن مَولاتِها أُمِّ إسحاقَ أنَّها كانت عندَ النَّبيِّ ﷺ فأتى بقَصعةٍ من ثَريدٍ فأكلَت معه، ثم تَذكَّرت أنَّها كانت صائِمةً، فقال لها ذو اليَدَيْن: الآنَ بعدَما شَبِعتِ؟ فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «أتِمِّي صَومَكِ؛ فإنَّما هو رِزقٌ ساقَه اللهُ إليكِ»، وفي هذا رَدٌّ على مَنْ فرَّق بينَ قَليلِ الأكلِ وكَثيرِه.
ومِن المُستَظرَفاتِ ما رَواه عَبدُ الرَّزاقِ عن ابنِ جُرَيجٍ عن عَمرِو بنِ دِينارٍ أنَّ إنسانًا جاء إلى أبي هُرَيرةَ فقال: أصبَحتُ صائِمًا فنَسيتُ فطَعِمتُ، قال: لا بأسَ، قال: ثم دَخلتُ على إنسانٍ فنَسيتُ وطَعِمتُ وشَرِبتُ، قال: لا بأسَ، اللهُ أطعَمَكَ وسَقاكَ، ثم قال: دَخلتُ على آخَرَ فنَسيتُ فطَعِمتُ، فقال أبو هُرَيرةَ: أنتَ إنسانٌ لم تَتعَوَّدِ الصِّيامَ (١).
حُكمُ مَنْ سَمِع النِّداءَ والإناءُ على فَمِه:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وحَكاه البَيهَقيُّ والنَّوَويُّ عن عَوامِّ أهلِ العِلمِ على أنَّ الإنسانَ إنْ سَمِع النِّداءَ الثانيَ أو دخَل وَقتُ الفَجرِ الصادِقِ وكان يأكُلُ فليَقذِفْ ما في فَمِه ولا يَبتَلِعْه، وكذا إذا كان الإناءُ على فَمِه؛
стр. 2498
فإنَّه يُزيلُه عن فَمِه إذا سَمِعَ النِّداءَ ولْيُتِمَّ صَومَه، وأمَّا الحَديثُ الذي رَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ وَالإِنَاءُ على يَدِهِ فلا يَضَعْهُ حتى يَقضِيَ حاجَتَهُ منه» (١)، وفي رِوايةٍ: «وكان المُؤَذِّنُ يُؤذِّنُ إذا بَزَغَ الفَجْرُ» (٢)، فالمُرادُ بالنِّداءِ أذانُ بِلالٍ الأولِ، لِقَولِه ﷺ : «إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ فكُلوا واشرَبوا حتى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتومٍ»، والإناءُ مَرفوعٌ على أنَّه مُبتدَأٌ وخَبَرُه ما بَعدَه.
أو يَكونُ المُرادُ منه أنَّ تَحريمَ الأكلِ مُتعلِّقٌ بالفَجرِ لا بالأذانِ؛ فإنَّ المُؤذِّنَ قد يُبادِرُ بالأذانِ قبلَ الفَجرِ، فلا عِبرةَ بالأذانِ إذا لم يَعلَمْ بطُلوعِ الفَجرِ، وهذا الحُكمُ لِلعارِفينَ بالفَجرِ، وأمَّا العَوامُّ الذين لا يَعرِفونَ فعليهم بالاحتياطِ.
قال الإمامُ البَيهَقيُّ ﵀ بعدَ أنْ ساقَ الحَديثَ: وهذا إنْ صحَّ فهو مَحمولٌ عندَ عَوامِّ أهلِ العِلمِ على أنَّه ﷺ عَلِم أنَّ المُناديَ كان يُنادي قبلَ طُلوعِ الفَجرِ بحيث يَقَعُ شُربُه قُبَيلَ طُلوعِ الفَجرِ، وقَولُ الراوي: وكان المُؤذِّنون يُؤذِّنون إذا بزَغ، يَحتمِلُ أنْ يَكونَ خَبرًا مُنقطِعًا ممَّن دون أبي هُرَيرةَ، أو يَكونَ خَبرًا عن الأذانِ الثاني، وقَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يَدِه»، خَبرًا عن النِّداءِ الأولِ (٣).
стр. 2499
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: فَرعٌ: ذكَرنا أنَّ من طلَع الفَجرُ وفي فيه طَعامٌ فليَلفِظْه ويُتِمَّ صَومَه؛ فإنِ ابتلَعه بعدَ عِلمِه بالفَجرِ بطَل صَومُه، وهذا لا خِلافَ فيه. ودَليلُه حَديثُ ابنِ عُمَرَ وعائِشةَ ﵃ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ، فكُلوا واشرَبوا حتى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتومٍ»، رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ. وفي الصَّحيحِ أحاديثُ بمَعناه.
وأمَّا حَديثُ أبي هُرَيرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يَدِه فلا يَضَعْه حتى يَقضيَ حاجَتَه منه»، وفي رِوايةٍ «وكان المُؤذِّنُ يُؤذِّنُ إذا بزَغ الفَجرُ» فرَوى الحاكِمُ أبو عَبدِ اللهِ الرِّوايةَ الأُولى وقال: هذا صَحيحٌ على شَرطِ مُسلِمٍ.
ورَواهما البَيهَقيُّ ثم قال: وهذا إنْ صَحَّ مَحمولٌ عندَ عَوامِّ أهلِ العِلمِ على أنَّه ﷺ عَلِم أنَّه يُنادَى قبلَ طُلوعِ الفَجرِ بحيث يَقعُ شُربُه قُبَيلَ طُلوعِ الفَجرِ، قال: وقَولُه: «إذا بزَغ» يَحتمِلُ أنْ يَكونَ من كَلامِ مَنْ دونَ أبي هُرَيرةَ، أو يَكونَ خَبَرًا عن الأذانِ الثاني، ويَكونَ قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إذا سَمِع أحَدُكم النِّداءَ والإناءُ على يَدِه» خَبرًا عن النِّداءِ الأولِ لِيَكونَ مُوافِقًا لِحَديثِ ابنِ عُمَرَ وعائِشةَ ﵄ قال: وعلى هذا تَتَّفِقُ الأخبارُ وباللهِ التَّوفيقُ، واللهُ أعلَمُ (١).
وقال الإمامُ علِيٌّ القاريُّ ﵀: (وعن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ اللهِ: «إذا سَمِعَ النِّداءَ») أي: أذانَ الصُّبحِ («أحَدُكم والإناءُ») أي: الذي يأكُلُ منه
стр. 2500
أو يَشرَبُ منه («في يَدِه») جُملةٌ حاليَّةٌ («فلا يَضَعْه») أي: الإناءَ («حتى يَقضيَ حاجَتَه منه») أي: بالأكلِ والشُّربِ، وهذا إذا عُلِم أو ظُنَّ عَدمُ الطُّلوعِ، وقال ابنُ المَلِكِ: هذا إذا لم يَعلَمْ طُلوعَ الصُّبحِ، أمَّا إذا علِم أنَّه قد طلَع أو شَكَّ فيه فلا، وقال الخَطَّابيُّ: هذا مَبنيٌّ على قَولِه ﵊: «إنَّ بِلالًا يُؤذِّنُ بِلَيلٍ، فكُلوا واشرَبوا حتى يُؤذِّنَ ابنُ أُمِّ مَكتومٍ»، وفيه أنَّه لا يَظهَرُ حينَئِذٍ فائِدةُ القَيدِ.
قال: أو يَكونُ مَعناه أنْ يَسمَعَ النِّداءَ وهو شاكٌّ في الصُّبحِ، لِتَغييمِ الهَواءِ مَثَلًا، فلا يَقَعُ له العِلمُ بأذانِه أنَّ الفَجرَ قد طلَع لِعِلمِه أنَّ دَلائلَ الفَجرِ مَعدومةٌ، ولو ظهَرت لِلمُؤذِّنِ، لَظَهرتْ له أيضًا، فأمَّا إذا علِم طُلوعَه فلا حاجةَ إلى أذانِ الصارِخِ؛ فإنَّه مَأمورٌ بالإمساكِ إذا تَبيَّن له الخَيطُ الأبيضُ، من الخَيطِ الأسودِ. وقال الطَّيِّبيُّ: يُشعِرُ دَليلُ الخِطابِ بأنَّه لم يُفطِرْ إذا لم يَكُنِ الإناءُ في يَدِه، وقد سبَق أنَّ تَعجيلَ الإفطارِ مَسنونٌ، لكنَّ هذا من مَفهومِ اللَّقبِ، فلا يُعمَلُ به، وتَعقَّبه ابنُ حَجَرٍ في بابِ الصَّوابِ أنَّه ليس من مَفهومِ اللَّقبِ، والتَّقييدُ بالجُملةِ الحاليَّةِ له مَفهومٌ اتِّفاقًا. اه.
يَعني عندَ الشافِعيَّةِ، وإلا فعندَ الحَنفيَّةِ لا اعتبارَ بالمَفهومِ إلا في المَسألةِ لا في الأدِلَّةِ، وقال ابنُ حَجَرٍ -تَبعًا لِلطَّيِّبيِّ إيماءً-: ويَصِحُّ أنْ يُرادَ من الحَديثِ طَلبُ تَعجيلِ الفِطرِ، أي: إذا سَمِع أحَدُكم نِداءَ المَغرِبِ وصادَفَ ذلك أنَّ الإناءَ في يَدِه لِحالةٍ أُخرى، فليُبادِرْ بالفِطرِ منه، ولا يُؤخِّرْ إلى وَضعِه، وبهذا يَندفِعُ قَولُ الشارِحِ ووَجهُ اندِفاعِه أنَّ قَولَه: «والإناءُ في يَدِه» ليس لِلتَّقييدِ، بل لِلمُبالَغةِ في السُّرعةِ. اه.
стр. 2501
وهو في غايةٍ من البُعدِ مع أنَّ قَولَه لِحاجةٍ أُخرى، يَرُدُّه صَريحُ الحَديثِ حتى يَقضيَ حاجَتَه منه.
فالصَّوابُ أنَّه قَيدٌ احتِرازيٌّ في وَقتِ الصُّبحِ مُشعِرٌ بأنَّ بالإمكانِ سُرعةَ أكلِه وشُربِه، لِتَقارُبِ وَقتِه، واستدراكِ حاجَتِه واستِشرافِ نَفسِهِ وقُوَّةِ نَهمَتِه وتَوجُّهِ شَهوَتِه بجَميعِ هِمَّتِه مما يَكادُ يَخافُ عليه، إنَّه لو مُنِع منه لَما امتنَع، فأجازَه الشارِعُ رَحمةً عليه وتَدريجًا له، بالسُّلوكِ والسَّيرِ إليه، ولَعلَّ هذا كان في أولِ الأمرِ. ويُشيرُ إليه ما وقَع من الخِلافِ في الصُّبحِ المُرادِ في الصَّومِ؛ فقد ذكَر الشَّمَنيُّ أنَّ المُعتبَرَ أوَّلُ طُلوعِ الصُّبحِ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، وقبلَ استِنارَتِه، وهو مَرويُّ عن عُثمانَ وحُذَيفةَ وابنِ عَباسٍ، وطَلقِ بنِ عليٍّ وعَطاءِ بنِ أبي رَباحٍ والأعمَشِ، قال مَسروقٌ: لم يَكونوا يَعُدُّون الفَجرَ فَجرَكم، إنَّما كانوا يَعُدُّون الفَجرَ الذي يَملأُ البُيوتَ، قال شَمسُ الأئِمَّةِ الحَلوانيُّ: الأولُ أحوَطُ، والثاني أرفَقُ. اه.
ولَعلَّ هذا الحَديثَ مَبنيٌّ على الرِّفقِ، واللهُ تَعالى أعلَمُ، ويُؤيِّدُه لَفظُ التَّبيُّنِ في الآيةِ، قال ابنُ حَجَرٍ: وأمَّا ما نُقِلَ عن جُمهورِ الصَّحابةِ أنَّ المُرادَ بالفَجرِ في الآيةِ الإسفارُ، فهو مما كاد الإجماعُ أنْ يَنعقِدَ على خِلافِه (١).
٣ - الطَّعامُ الباقي بينَ أسنانِه إذا ابتلَعه:
قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع العُلماءُ على أنَّه لا شَيءَ على الصائِمِ فيما يَبلَعُه مما يَجري مع الرِّيقِ مما بينَ أسنانِه مما لا يَقدِرُ على رَدِّه، قال:
стр. 2502
فإنْ قَدِر على رَدِّه فابتلَعه عامِدًا، قال أبو حَنيفةَ: لا يُفطِرُ، وقال سائِرُ العُلماءِ: يُفطِرُ، وبه أقولُ (١).
وقال النَّوَويُّ ﵀: إذا بَقيَ في خُللِ أسنانِه طَعامٌ، فيَنبَغي أنْ يُخلِّلَه في الَّليلِ، ويُنقِّيَ فَمَه؛ فإنْ أصبَح صائِمًا وفي خُللِ أسنانِه شَيءٌ فابتلَعه عَمدًا، أفطَر بلا خِلافٍ عندَنا، وبه قال مالِكٌ وأبو يُوسُفَ وأحمَدُ.
وقال أبو حَنيفةَ: لا يُفطِرُ.
دَليلُنا: أنَّه ابتلَع ما يُمكِنُه الاحتِرازُ عنه، ولا تَدعو حاجَتُه إليه، فبطَل صَومُه، كما لو أخرَجه إلى يَدِه ثم ابتلَعه.
ولو ابتلَع شَيئًا يَسيرًا جِدًّا كحَبةِ سِمسِمٍ أو خَردَلٍ أو نَحوِهما أفطَر بلا خِلافٍ عندَنا، وبه قال جُمهورُ العُلماءِ، وقال المُتوَلِّي: يُفطِرُ عندَنا ولا يُفطِرُ عندَ أبي حَنيفةَ، كما قال في الباقي في خُللِ الأسنانِ (٢).
قال السَّرخَسيُّ الحَنفيُّ ﵀ في «المَبسوطِ»: وإنْ كان في أسنانِه شَيءٌ فابتلَعه لم يَضُرَّه؛ لأنَّ ما يَبقى بينَ الأسنانِ في حُكمِ التَّبعِ لِرِيقِه، فلِهذا لا يَفسُدُ الصَّومُ.
وهذا إذا كان دونَ الحِمَّصةِ؛ فإنَّ ذلك يَبقى بينَ الأسنانِ عادةً (٣).
стр. 2503
٤ - حُكمُ من أكلَ أو شَرِب وهو يَظُنُّ أنَّ الشَّمسَ قد غابَت أو أنَّ الفَجرَ لم يَطلُعْ:
اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ مَنْ أكلَ أو شَرِب وهو يَظُنُّ أنَّ الشَّمسَ قد غابَت أو أنَّ الفَجرَ لم يَطلُعْ، فبان الأمرُ بخِلافِ ذلك بعدَ إفطارِه أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ؛ لأنَّه أكلَ مُختارًا ذاكِرًا لِلصَّومِ، فأفطَر كما لو أكَل يَومَ الشَّكِّ، ولأنَّه جَهِل بوَقتِ الصِّيامِ فلم يُعذَرْ به كالجاهِلِ بأولِ رَمضانَ، ولأنَّه يُمكِنُ التَّحرُّزُ منه، فأشبَه أكلَ العامِدِ.
ولِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] وهذا قد أكلَ في النَّهارِ، وبما رَواه البُخاريُّ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن فاطِمةَ بِنتِ المُنذِرِ عن أسماءَ بِنتِ أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵂ قالت: «أَفْطَرْنَا على عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ يَومَ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ. قِيلَ لِهِشَامٍ: فَأُمِرُوا بِالْقَضَاءِ؟ قال: لَا بُدَّ من قَضَاءٍ» (١).
ولِما رَواه مالِكٌ في المُوطَّأِ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ عن أخيه خالِدٍ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁: «أَفْطَرَ ذَاتَ يَوْمٍ في رَمَضَانَ في يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ وَرَأَى أَنَّهُ قد أَمْسَى وَغَابَتِ الشَّمْسُ، فَجَاءَهُ رَجُلٌ فقال: يا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فقال عُمَرُ: الْخَطْبُ يَسِيرٌ، وَقَدِ اجْتَهَدْنَا» (٢). قال البَيهَقيُّ ﵀:
стр. 2504
قال مالِكٌ والشافِعيُّ: مَعنى: «الْخَطْبُ يَسِيرٌ»: قَضاءُ يَومٍ مَكانَه (١).
وقال أبو عُمَرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: والدَّليلُ على صِحَّةِ مَنْ قال: يَقضي اليَومَ إجماعُه على أنَّه لو غُمَّ هِلالُ رَمضانَ فأفطِروا ثم قامَت الحُجَّةُ برُؤيةِ الهِلالِ أنَّ عليهم القَضاءَ بعدَ إتمامِ صيامِهم يَومَهم (٢).
وقال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وقال مَعمَرٌ: سَمِعتُ هِشامًا، «لا أدرى، أقَضَوْا أم لا».
جُمهورُ العُلماءِ يَقولون بالقَضاءِ في هذه المَسألةِ، وقد رُوي ذلك عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ من رِوايةِ أهلِ الحِجازِ وأهلِ العِراقِ، فأمَّا رِوايةُ أهلِ الحِجازِ، فرَوى ابنُ جُرَيجٍ، عن زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه قال: «أفطَر الناسُ في شَهرِ رَمضانَ في يَومِ غَيمٍ ثم طلَعت الشَّمسُ، فقال عُمَرُ: الخَطبُ يَسيرٌ، وقد اجتَهَدنا، نَقضي يَومًا»، هكذا قال ابن جُرَيجٍ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن أبيه، وهو مُتَّصِلٌ.
ورِوايةُ مالِكٍ فى المُوطَّأِ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ، عن أخيه أنَّ عُمَرَ … وهي مُرسَلةٌ؛ لأنَّ خالِدَ بنَ أسلَمَ أخا زَيدٍ لم يُدرِكْ عُمَرَ، وأمَّا رِوايةُ أهلِ العِراقِ، فرَوى الثَّوريُّ، عن جَبَلةَ بنِ سُحَيمِ بنِ حَنظَلةَ، عن أبيه أنَّه شَهِدَ عُمَرَ، فذكَر
стр. 2505
القِصَّةَ، وقال: «يا هؤلاء، مَنْ كان أفطَر؛ فإنَّ قَضاءَ يَومٍ يَسيرٍ»، وجاء في رِوايةٍ أُخرى عن عُمَرَ أنَّه قال: «لا قَضاء عليه».
رَوى مَعمَرٌ، عن الأعمَشِ، عن زَيدِ بنِ أسلَمَ قال: «أفطَر الناسُ في زَمنِ عُمَرَ، فطلَعت الشَّمسُ فشَقَّ ذلك على الناسِ، فقالوا: نَقضي هذا اليَومَ؟ فقال عُمَرُ: ولِمَ نَقضي؟ واللهِ ما تَجانَفْنا الإثْمَ».
والرِّوايةُ الأُولى أوْلى بالصَّوابِ، وقد رَوى القَضاءُ عن ابنِ عَباسٍ ومُعاويةَ، وهو قَولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، والزُّهريِّ، ومالِكٍ، والثَّوريِّ، وأبي حَنيفةَ، والشافِعيِّ، وأحمدَ، وأبي ثَورٍ، وقال الحَسَنُ البَصريُّ: لا قَضاءَ عليه كالناسي، وهو قَولُ إسحاقَ وأهلِ الظاهِرِ.
وحُجَّةُ مَنْ أوجَب القَضاءَ إجماعُ العُلماءِ أنَّه لو غُمَّ هِلالُ رَمضانَ فأفطِروا، ثم قامَت البَيِّنةُ برُؤيةِ الهِلالِ أنَّ عليهم القَضاءَ بعدَ إتمامِ صيامِ يَومِهم، وقال المُهلَّبُ: ومِن حُجَّتِهم أيضًا قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ومن أفطَر ثم طلَعت الشَّمسُ فلم يُتِمَّ الصِّيامَ إلى اللَّيلِ كما أمرَه اللهُ فعليه القَضاءُ من أيامٍ أُخَرَ بنَصِّ كِتابِ اللهِ .
قال ابنُ القَصَّارِ: يَحتمِلُ ما رُوي عن عُمَرَ أنَّه قال: (لا نَقضي، واللهِ ما تَجانَفْنا الإثمَ)، أنْ يَكونَ ترَك القَضاءَ إذا لم يَعلَمْ، ووقَع الفِطرُ على الشَّكِّ، وتَكونَ الرِّوايةُ عنه بثُبوتِ القَضاءِ إذا وقَع الفِطرُ فى النَّهارِ بغَيرِ شَكٍّ (١).
стр. 2506
وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀: اختَلفَ الناسُ هل يَجِبُ القَضاءُ في هذه الصُّورةِ؟ فقال الأكثَرون: يَجِبُ، وذهَب إسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ وأهلُ الظاهِرِ إلى أنَّه لا قَضاءَ عليهم، وحُكمُهم حُكمُ مَنْ أكلَ ناسيًا وحُكي ذلك عن الحَسَنِ ومُجاهِدٍ واختُلِف فيه على عُمَرَ فرَوى زَيدُ بنُ وَهبٍ قال: كُنْتُ جالِسًا في مَسجِدِ رَسولِ اللهِ ﷺ في رَمضانَ في زَمنِ عُمَرَ فأتَيْنا بكأسٍ فيها شَرابٌ من بَيتِ حَفصةَ فشَرِبنا ونحن نَرى أنَّه من اللَّيلِ ثم انكشَف السَّحابُ، فإذا الشَّمسُ طالِعةٌ، قال: «فجعَل الناسُ يَقولون: نَقضي يَومًا مَكانَه، فسَمِع بذلك عُمَرُ فقال: واللهِ لا نَقضيه، وما تَجانَفا لِإثمٍ»، رَواه البَيهَقيُّ وغَيرُه.
وقد رَوى مالِكٌ في المُوطَّأِ عن زَيدِ بنِ أسلَمَ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أفطَر ذاتَ يَومٍ في رَمضانَ في يَومٍ ذي غَيمٍ ورأى أنَّه قد أمسى، وغابَت الشَّمسُ، فجاءَه رَجلٌ فقال له: يا أميرَ المُؤمِنين، قد طلَعت الشَّمسُ، فقال عُمَرُ: الخَطبُ يَسيرٌ، وقد اجتهَدْنا، قال مالِكٌ: يُريدُ بقَولِه: الخَطبُ يَسيرٌ: القَضاءَ، فيما نَرى واللهُ أعلَمُ.
وكذلك قال الشافِعيُّ: وهذا لا يُناقِضُ الأثَرَ المُتقدِّمَ.
وقَولُه: وقد اجتهَدْنا مُؤْذِنٌ بعَدمِ القَضاءِ، وقَولُه: الخَطبُ يَسيرٌ، إنَّما هو تَهوينٌ لِما فَعلوه، وتَيسيرٌ لِأمرِه.
ولكنْ قد رَواه الأثرَمُ والبَيهَقيُّ عن عُمَرَ، وفيه: مَنْ كان أفطَرَ فليَصُمْ يَومًا مَكانَه، وقدَّم البَيهَقيُّ هذه الرِّوايةَ على رِوايةِ زَيدِ بنِ وَهبٍ وجعَلها خَطأً وقال: تَظاهَرت الرِّواياتُ بالقَضاءِ، قال: وكان يَعقوبُ بنُ سُفيانَ
стр. 2507
الفارِسيُّ يَحمِلُ على زَيدِ بنِ وَهبٍ بهذه الرِّوايةِ المُخالِفةِ لِلرِّواياتِ المُتقدِّمةِ، قال: وزَيدٌ ثِقةٌ إلا أنَّ الخَطأَ عليه غَيرُ مَأمونٍ.
وفيما قاله نَظَرٌ؛ فإنَّ الرِّوايةَ لم تَتظاهَرْ عن عُمَرَ بالقَضاءِ، وإنَّما جاءت من رِوايةِ عليِّ بنِ حَنظَلةَ عن أبيه، وكان أبوه صَديقًا لِعُمَرَ، فذكَر القِصَّةَ وقال فيها: مَنْ كان أفطَر فليَصُمْ يَومًا مَكانَه.
وقدَّم البَيهَقيُّ هذه الرِّوايةَ على رِوايةِ زَيدِ بنِ وَهبٍ وجعَلها خَطأً، وقال: تَظاهَرت الرِّواياتُ بالقَضاءِ، قال: وكان يَعقوبُ بنُ سُفيانَ الفارِسيُّ يَحمِلُ على زَيدِ بنِ وَهبٍ بهذه الرِّوايةِ المُخالِفةِ لِلرِّواياتِ المُتقدِّمةِ، قال: وزَيدٌ ثِقةٌ إلا أنَّ الخَطأَ عليه غَيرُ مَأمونٍ، وفيما قاله نَظَرٌ؛ فإنَّ الرِّوايةَ لم تَتظاهَرْ عن عُمَرَ بالقَضاءِ، وإنَّما جاءت من رِوايةِ عليِّ بنِ حَنظَلةَ عن أبيه، وكان أبوه صَديقًا لِعُمَرَ فذكَر القِصَّةَ وقال فيها: من كان أفطَر فليَصُمْ يَومًا مَكانَه، ولم أرَ الأمرَ بالقَضاءِ صَريحًا إلا في هذه الرِّوايةِ، وأمَّا رِوايةُ مالِكٍ فليس فيها ذِكرٌ لِلقَضاءِ ولا لِعَدمِه، فتعارَضت رِوايةُ حَنظَلةَ ورِوايةُ زَيدِ بنِ وَهبٍ، وتَفضُلُها رِوايةُ زَيدِ بنِ وَهبٍ بقَدرِ ما بينَ حَنظَلةَ وبينَه من الفَضلِ، وقد رَوى البَيهَقيُّ بإسنادٍ فيه نَظَرٌ عن صُهَيبٍ أنَّه أمرَ أصحابَه بالقَضاءِ في قِصَّةٍ جرَت لهم مِثلِ هذه، فلو قُدِّرَ تَعارُضُ الآثارِ عن عُمَر لَكانَ القياسُ يَقتَضي سُقوطَ القَضاءِ؛ لأنَّ الجَهلَ ببَقاءِ اليَومِ كنِسيانِ الصَّومِ نَفسِه، ولو أكَل ناسيًا لِصَومِه لم يَجِبْ عليه قَضاؤُه والشَّريعةُ لم تُفرِّقْ بينَ الجاهِلِ والناسي؛ فإنَّ كلَّ واحِدٍ منهما قد فعَل ما يَعتقِدُ جَوازَه، وأخطأ في فِعلِه، وقد استوَيا في أكثَرِ الأحكامِ وفي رَفعِ الآثامِ، فما المُوجِبُ لِلفَرقِ بينَهما في هذا
стр. 2508
المَوضِعِ، وقد جعَل أصحابُ الشافِعيِّ وغَيرُهم الجاهِلَ المُخطِئَ أوْلى بالعُذرِ من الناسي في مَواضِعَ مُتعدِّدةٍ وقد يُقالُ: إنَّه في صُورةِ الصَّومِ أعذَرُ منه؛ فإنَّه مَأمورٌ بتَعجيلِ الفِطرِ استِحبابًا؛ فقد بادَرَ إلى أداءِ ما أُمِر به واستحَبَّه له الشارِعُ، فكيف يَفسُدُ صَومُه، وفَسادُ صَومِ الناسي أوْلى منه؛ لأنَّ فِعلَه غَيرُ مأذونٍ له فيه، بل غايَتُه أنَّه عَفوٌ، فهو دونَ المُخطِئِ الجاهِلِ في العُذرِ.
وبالجُملةِ لم يُفرَّقْ بينَهما في الحَجِّ ولا في مُفسِداتِ الصَّلاةِ، كحَملِ النَّجاسةِ وغَيرِ ذلك، وما قيلَ من الفَرقِ بينَهما بأنَّ الناسيَ غَيرُ مُكلَّفٍ، والجاهِلَ مُكلَّفٌ، إنْ أُريدَ به التَّكليفُ بالقَضاءِ فغَيرُ صَحيحٍ؛ لأنَّ هذا هو المُتنازَعُ فيه، وإنْ أُريدَ به أنَّ فِعلَ الناسي لا يَنتَهِضُ سَببًا لِلإثمِ، ولا يَتناوَلُه الخِطابُ الشَّرعيُّ، فكذلك فِعلُ المُخطِئِ، وإنْ أُريدَ أنَّ المُخطِئَ ذاكِرٌ لِصَومِه مُقدَّمٌ على قَطعِه ففِعلُه داخِلٌ تَحتَ التَّكليفِ بخِلافِ الناسي، فلا يَصحُّ أيضًا؛ لأنَّه يَعتقِدُ خُروجَ زَمنِ الصَّومِ وأنَّه مَأمورٌ بالفِطرِ فهو مُقدَّمٌ على فِعلِ ما يَعتقِدُه جائِزًا، وخَطَؤُه في بَقاءِ اليَومِ كنِسيانِ الآكِلِ في اليَومِ، فالفِعلانِ سَواءٌ، فكيف يَتعلَّقُ التَّكليفُ بأحَدِهما دونَ الآخَرِ وأجوَدُ ما فُرِّق به بينَ المَسألتَيْنِ أنَّ المُخطِئَ كان مُتمكِّنًا من إتمامِ صَومِه بأنْ يُؤخِّرَ الفِطرَ حتى يَتيقَّنَ الغُروبَ، بخِلافِ الناسي؛ فإنَّه لا يُضافُ إليه الفِعلُ، ولم يَكُنْ يُمكِنُه الاحتِرازُ، وهذا وإنْ كان فَرقًا في الظاهِرِ فهو غَيرُ مُؤثِّرٍ في وُجوبِ القَضاءِ، كما لم يُؤثِّرْ في الإثمِ اتِّفاقًا ولو كان مَنسوبًا إلى تَفريطٍ لَلَحِقَه الإثْمُ فلَمَّا اتَّفَقوا على أنَّ الإثمَ مَوضوعٌ عنه دَلَّ على أنَّ فِعلَه غَيرُ مَنسوبٍ فيه إلى تَفريطٍ لا سيَّما وهو مَأمورٌ بالمُبادَرةِ إلى الفِطرِ، والسَّببُ الذي دَعاه إلى
стр. 2509
الفِطرِ غَيرُ مَنسوبٍ إليه في الصُّورتَيْن وهو النِّسيانُ في مَسألةِ الناسي، وظُهورُ الظُّلمةِ وخَفاءُ النَّهارِ في صُورةِ المُخطِئِ فهذا أطعمَه اللهُ وسَقاه بالنِّسيانِ وهذا أطعَمَه اللهُ وسَقاه بإخفاءِ النَّهارِ، ولِهذا قال صُهَيبٌ: هي طُعمةُ اللهِ، ولكنَّ هذا أوْلى؛ فإنَّها طُعمةُ اللهِ إذنًا وإباحةً، وإطعامُ الناسي طُعمَتَه عَفوًا، ورَفعَ حَرجٍ، فهذا مُقتَضى الدَّليلِ (١).
٥ - حُكمُ من شَكَّ في طُلوعِ الفَجرِ فأكلَ أو شَرِب أو جامَع:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ من أكلَ أو شَرِب أو جامَع وهو شاكٌّ في طُلوعِ الفَجرِ ولم يَتبيَّنِ الأمرُ فليس عليه قَضاءٌ، وله الأكلُ والشُّربُ والجِماعُ حتى يَتيقَّنَ طُلوعَ الفَجرِ؛ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] مَدَّ الأكلَ إلى غايةِ التَّبيُّنِ، وقد يَكونُ شاكًّا قبلَ التَّبيُّنِ، فلو لَزِمه القَضاءُ لَحَرُم عليه الأكلُ.
ولَمَّا صَحَّ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قال: «كُلْ ما شكَكت حتى يَتبيَّنَ لكَ» وفي لَفظٍ: «كُلْ ما شَكَكْت حتى لا تَشُكَّ» (٢).
ولأنَّ الأصلَ بَقاءُ اللَّيلِ يَكونُ زَمانَ الشَّكِّ منه، ما لم يَعلَمْ يَقينَ زَوالِه، بخِلافِ غُروبِ الشَّمسِ، أي إنْ أَكَلَ شاكًّا غُروبَ الشَّمسِ ولم يَتبيَّنْ فعليه القَضاءُ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ النَّهارِ.
стр. 2510
وذهَب الإمامُ مالِكٌ إلى أنَّ مَنْ شَكَّ في طُلوعِ الفَجرِ فأكَل يَجِبُ عليه القَضاءُ؛ لأنَّ الأصلَ بَقاءُ الصَّومِ في ذِمَّتِه، فلا يَسقُطُ بالشَّكِّ، ولأنَّه أكَل شاكًّا في النَّهارِ واللَّيلِ، فلَزِمه القَضاءُ كما لو أكَل شاكًّا في غُروبِ الشَّمسِ (١).
٦ - الجِماعُ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ وَطِئَ في يَومٍ من رَمضانَ عامِدًا فقد عَصى اللهَ ورَسولَه ﷺ إذا كان مُقيمًا، وقد كان نَوى من اللَّيلِ، وعليه الكَفَّارةُ الكُبرى.
وهي: عِتقُ رَقبةٍ أو صيامُ شَهرَيْن مُتتابِعَيْن أو إطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا (٢).
لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
ولِما رَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ قال: بَيْنَمَا نَحْنُ جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ! هَلَكْتُ. قال: «ما لك؟» قال: وَقَعْتُ على امْرَأَتِي وأنا صَائِمٌ، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «هل
стр. 2511
تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟» قال: لَا. قال: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قال: لَا. فقال: «فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قال: لَا. قال: فَمَكَثَ النَّبيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ على ذلك أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ، وَالْعَرَقُ: الْمِكْتَلُ، قال: «أَيْنَ السَّائِلُ؟» فقال: أنا. قال: «خُذْ هذا فَتَصَدَّقْ بِهِ»، فقال الرَّجُلُ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، فَوَاللَّهِ ما بين لَابَتَيْهَا (يُرِيدُ الْحَرَّتَيْنِ) أَهْلُ بَيْتٍ أَفْقَرُ من أَهْلِ بَيْتِي، فَضَحِكَ النَّبيُّ ﷺ حتى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قال: «أَطْعِمْهُ أَهْلَكَ» (١).
هل تَجِبُ الكَفَّارةُ على التَّرتيبِ أو على التَّخييرِ؟
اختَلفَ الفُقهاءُ في الكَفَّارةِ، هل هي على التَّرتيبِ أو على التَّخييرِ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَشهورِ أنَّها على التَّرتيبِ ككَفَّارةِ الظِّهارِ؛ لِحَديثِ أبي هُرَيرةَ السابِقِ، وفيه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال لِلواقِعِ على امرأتِهِ: «هل تَجِدُ رَقَبَةً تُعْتِقُهَا؟ قال: لَا. قال: فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟ قال: لَا. فقال: فَهَلْ تَجِدُ إِطْعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟ قال: لَا. قال: فَمَكَثَ النَّبيُّ ﷺ فَبَيْنَا نَحْنُ على ذلك أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بِعَرَقٍ فيه تَمْرٌ … » الحَديثَ؛ فإنْ كان من أهلِ العِتقِ أعتَق؛ فإنْ لم يَجِدْ فصيامُ شَهرَيْن مُتتابِعَيْن؛ فإنْ لم يَستطِعْ فإطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا. ولأنَّ الحَديثَ نَصٌّ في المَسألةِ.
стр. 2512
وذهَب المالِكيَّةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الكَفَّارةَ على التَّخييرِ: إما عِتقُ رَقبةٍ، وإمَّا صيامُ شَهرَيْن مُتتابِعَيْن، وإمَّا إطعامُ سِتِّينَ مِسكينًا، والمُستحَبُّ عندَ المالِكيَّةِ الإطعامُ أكثَرَ من العِتقِ ومن الصِّيامِ؛ لِما رَوى أبو هُرَيرةَ ﵁: «أَنَّ رَجُلًا أَفْطَرَ في رَمَضَانَ فَأَمَرَهُ رَسولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُكَفِّرَ بِعِتْقِ رَقَبَةٍ، أو صِيَامِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ، أو إِطْعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا» (١).
ولَفظُ: «أو» لِلتَّخييرِ. ولأنَّها كَفَّارةٌ لم تَجِبْ عن إتلافٍ ولا عُذرٍ فدخَلها التَّخييرُ ككَفَّارةِ اليَمينِ (٢).
قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم في وُجوبِ التَّرتيبِ: تَعارُضُ ظواهِرِ الآثارِ في ذلك والأقيسةِ، وذلك أنَّ ظاهِرَ حَديثِ الأعرابيِّ المُتقدِّمِ يُوجِبُ أنَّها على التَّرتيبِ، إذ سألَه النَّبيُّ ﷺ عن الاستِطاعةِ عليها مُرتِّبًا إياها، وظاهِرُ ما رَواه مالِكٌ أنَّ رَجلًا أفطَر في رَمضانَ، فأمَره رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يُعتِقَ رَقبةً، أو يَصومَ شَهرَيْن مُتتابِعَيْن، أو يُطعِمَ سِتِّينَ مِسكينًا أنَّها على التَّخييرِ؛ إذْ (أو) إنَّما تَقتَضي في لِسانِ العَربِ التَّخييرَ، وإنْ
стр. 2513
كان ذلك من لَفظِ الراوي الصاحِبِ؛ إذْ كانوا هُمْ أقعَدَ بمَفهومِ الأحوالِ، ودِلالاتِ الأقوالِ.
وأمَّا الأقيسةُ المُعارِضةُ في ذلك فتَشبيهُها تارةً بكَفَّارةِ الظِّهارِ، وتارةً بكَفَّارةِ اليَمينِ، لكنَّها أشبَهُ بكَفَّارةِ الظِّهارِ منها بكَفَّارةِ اليَمينِ، وأُخِذ التَّرتيبُ من حِكايةِ لَفظِ الراوي.
وأمَّا استِحبابُ الابتِداءِ بالطَّعامِ، فمُخالِفٌ لِظَواهِرِ الآثارِ، وإنَّما ذهَب إلى هذا من طَريقِ القياسِ؛ لأنَّه رأى الصِّيامَ قد وقَع بَدَله الإطعامُ في مَواضِعَ شَتَّى من الشَّرعِ، وأنَّه مُناسِبٌ له أكثَرَ من غَيرِه، بدَليلِ قِراءةِ من قَرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، بالجَمعِ، ولذلك استحَبَّ هو وجَماعةٌ من العُلماءِ لِمَنْ مات وعليه صَومٌ أنْ يُكفِّرَ بالإطعامِ عنه، وهذا كأنَّه من بابِ تَرجيحِ القياسِ الذي تَشهَدُ له الأُصولُ على الأثَرِ الذي لا تَشهَدُ له الأُصولُ (١).
إذا كَرَّر الجِماعَ في رَمضانَ هل يَلزمُه كَفَّارةٌ واحِدةٌ أو لا؟
أجمَع الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ وَطِئَ في يَومٍ من رَمضانَ ثم كفَّر، ثم وَطئَ في يَومٍ آخرَ أنَّ عليه كَفَّارةً أُخرى (٢).
واختَلفُوا فيما إذا جامَع في يَومٍ من رَمضانَ، فلم يُكفِّرْ حتى جامَع في يَومٍ آخَرَ:
стр. 2514
فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في أصَحِّ الرِّوايتَيْن عنه إلى أنَّه يَلزمُه كَفارتان: لأنَّه تَكرَّر سَببُ وُجوبِ الكَفَّارةِ، وهو الجِماعُ، والحُكمُ يَتكرَّرُ بتَكرُّرِ سَببِه: لأنَّ كلَّ يَومٍ عِبادةٌ مُنفَرِدةٌ، وأفسَد صَومَ يَومَيْن من رَمضانَ فوجَب إخراجُ كَفَّارةٍ زائِدةٍ على كَفَّارةِ الأولِ، ولأنَّهما عِبادَتان لا يَلحَقُ إحداهما فَسادُ الأُخرى كالحَجَّتَيْن والعُمرَتَيْن.
وذهَب الحَنفيَّةُ وأبو بَكرٍ من الحَنابِلةِ، وهو ظاهِرُ اختيارِ الخِرَقيِّ إلى أنَّه إنَّما يَلزَمُه كَفَّارةٌ واحِدةٌ: لأنَّها جَزاءٌ عن جِنايةٍ يَتكرَّرُ سَببُها قبلَ استيفائِها؛ فيَجِبُ أنْ تَتداخَلَ كالحَدِّ.
ولِحَديثِ الأعرابيِّ المُتقدِّمِ؛ فإنَّه لَمَّا قال: واقَعتُ امرأتي، أمَرَه رَسولُ اللهِ ﷺ بإعتاقِ رَقبةٍ واحِدةٍ بقَولِه: «أعتِقْ رَقبةً»، وإنْ كان قَولُه: «واقَعتُ» يَحتمِلُ المَرَّةَ والتَّكرارَ ولم يَستفسِرْ، فدَلَّ على أنَّ الحُكمَ لا يَختلِفُ بالمَرَّةِ والتَّكرارِ.
قال الكاسانيُّ ﵀: ولأنَّ مَعنى الزَّجرِ لَازِمٌ في هذه الكَفَّارةِ، أعني: كَفَّارةَ الإفطارِ، بدَليلِ اختِصاصِ وُجوبِها بالعَمدِ المَخصوصِ في الجِنايةِ الخالِصةِ الخاليةِ عن الشُّبهةِ، بخِلافِ سائِرِ الكَفَّاراتِ، والزَّجرُ يَحصُلُ بكَفَّارةٍ واحِدةٍ بخِلافِ ما إذا جامَع فكَفَّر ثم جامَع؛ لأنَّه لَمَّا جامَع بعدَما كَفَّر عَلِم أنَّ الزَّجرَ لم يَحصُلْ بالأولِ (١).
стр. 2515
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم: تَشبيهُ الكَفَّاراتِ بالحُدودِ، فمَن شَبَّهها بالحُدودِ قال: كَفَّارةٌ واحِدةٌ تُجزِئُ في ذلك عن أفعالٍ كَثيرةٍ، كما يَلزَمُ الزانيَ جَلدٌ واحِدٌ، وإنْ زَنى ألفَ مَرَّةٍ، إذا لم يُحَدَّ لِواحِدةِ منها.
ومَن لم يُشبِّهْها بالحُدودِ جعَل لكُلِّ واحِدٍ من الأيامِ حُكمًا مُنفرِدًا بنَفسِه في هَتكِ الصَّومِ فيه، أوجَب في كلِّ يَومٍ كَفَّارةً.
قالوا: والفَرقُ بينَهما أنَّ الكَفَّارةَ فيها نَوعٌ من القُربةِ، والحُدودُ زَجرٌ مَحضٌ (١).
إذا كرَّر الجِماعَ في يَومٍ من رَمضانَ مَرَّتَيْن:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ مَنْ وَطِئَ وكَفَّرَ، ثم عادَ فوَطِئَ في يَومِه ثانيًا أنَّه لا تَجِبُ عليه كَفَّارةٌ ثانيةٌ ولا شَيءَ عليه بذلك الجِماعِ الثاني؛ لأنَّه لم يُصادِفْ صَومًا مُنعقِدًا بخِلافِ الجِماعِ الأولِ. ولأنَّه لم يَمنَعْ صِحَّتَه فلم يُوجِبْ شَيئًا كالجِماعِ في اللَّيلِ.
وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجِبُ عليه كَفَّارةٌ ثانيةٌ؛ لأنَّ الصَّومَ في رَمضانَ عِبادةٌ تَجِبُ الكَفَّارةُ بالجِماعِ فيها، فتَكرَّرت بتَكرُّرِ الوَطءِ إذا كان بعدَ التَّكفيرِ، كالحَجِّ، ولأنَّه وَطءٌ مُحرَّمٌ لِحُرمةِ رَمضانَ. فأوجَب الكَفَّارةَ كالأولِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: الوَطءُ الأولُ تَضمَّنَ هَتكَ الصَّومِ، وهو مُؤثِّرٌ في الإيجابِ، لا يَصحُّ إلحاقُ غَيرِه به.
стр. 2516
قُلنا: هو مُلغًى بمَن طلَع عليه الفَجرُ وهو مُجامِعٌ فاستَدامَ؛ فإنَّه تَلزَمُه الكَفَّارةُ مع أنَّه لم يَهتِكِ الصَّومَ (١).
٧ - مَنْ جامَع يَظُنُّ أنَّ الفَجرَ لم يَطلُعْ أو أنَّ الشَّمسَ قد غابَت فبان بخِلافِ ظَنِّه:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ مَنْ وَطِئَ ظانًّا أنَّ الشَّمسَ قد غَرَبت أو أنَّ الفَجرَ لم يَطلُعْ، فبانَ بخِلافِ ظَنِّه أنَّ القَضاءَ واجِبٌ عليه، ثم اختَلفُوا في الكَفَّارةِ.
فقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ: لا تَجِبُ عليه.
وقال الإمامُ أحمدُ: تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ (٢).
٨ - إذا طلَع الفَجرُ وهو مُجامِعٌ فاستمَرَّ في الجِماعِ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ الإنسانَ إذا طلَع عليه الفَجرُ وهو يُجامِعُ واستمَرَّ في الجِماعِ مع عِلمِه بطُلوعِ الفَجرِ بطَل صَومُه ووجَب عليه القَضاءُ اتِّفاقًا.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في مَوضِعَيْن:
стр. 2517
المَوضِعُ الأولُ: إذا طلَع عليه الفَجرُ وهو مُجامِعٌ ونزَع في الحالِ:
فقال الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ وهو اختيارُ ابنِ تَيميَّةَ والمَرداويِّ: صَومُه صَحيحٌ، لِما رَواه البَيهَقيُّ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمَرَ ﵄: «كان إذا نُودي بالصَّلاةِ، والرَّجلُ على امرأتِه، لم يَمنَعْه ذلك أنْ يَصومَ، إذا أرادَ الصِّيامَ، قام، واغتسَل، وأتَمَّ صيامَه» (١).
ولأنَّ الإخراجَ تَركٌ لِلجِماعِ، وما عُلِّق على فِعلِ شَيءٍ لا يَتعلَّقُ بتَركِه، كما لو حلَف ألَّا يَلبَس هذا الثَّوبَ وهو عليه، فبَدأ يَنزِعُه، لم يَحنَثْ، أو حلَف ألَّا يَدخُلَ دارًا وهو فيها، فخرج منها فكذلك هنا.
وقال المالِكيَّةُ: بطَل صَومُه ووجَب عليه القَضاءُ فقط؛ لأنَّه حُصولُ وَطءٍ في جُزءٍ من النَّهارِ، فأشبَهَ إذا استدامَ.
وفي قَولٍ لِلحَنابِلةِ: يَجِبُ القَضاءُ والكَفَّارةُ إنْ نزَع في الحالِ مع أولِ طُلوعِ الفَجرِ، وهو قَولُ ابنِ حامِدٍ والقاضي، ونَصَرَه ابنُ عَقيلٍ؛ لأنَّ النَّزعَ جِماعٌ يُلتَذُّ به، فتَعلَّق به ما يَتعلَّقُ بالاستِدامةِ كالإيلاجِ (٢).
المَوضِعُ الثاني: إذا استمَرَّ في الجِماعِ هل تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ أو لا؟
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه تَجِبُ عليه
стр. 2518
الكَفَّارةُ: لأنَّه ترَك صَومَ رَمضانَ بجِماعٍ، أثِمَ به لِحُرمةِ الصَّومِ، فوجَبت به الكَفَّارةُ، كما لو وَطِئَ بعدَ طُلوعِ الفَجرِ.
قال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ ﵀: إذا طلَع الفَجرُ وهو يُولِجُ … ؛ فإنِ استَدامَ قال أصحابُنا: عليه كَفَّارةٌ.
وتَخرَّج ذلك عندي على قَولِ ابنِ القاسِمِ، متى أكلَ ناسيًا، ثم أكلَ بعدَه عامِدًا؛ فإنَّه إنْ كان مُتأوِّلًا، فلا كَفَّارةَ عليه، وإنْ كان على وَجهِ الجُرأةِ وقَصدِ الهَتكِ، فعليه الكَفَّارةُ (١).
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّه إنِ استَدامَ في الجِماعِ ولم يَنزِعْ في الحالِ فعليه القَضاءُ دونَ الكَفَّارةِ؛ لأنَّ وَطأَه لم يُصادِفْ صَومًا صَحيحًا، فلم يُوجِبِ الكَفَّارةَ؛ لأنَّ الكَفَّارةَ إنَّما تَجِبُ بإفسادِ الصَّومِ، وإفسادُ الصَّومِ يَكونُ بعدَ وُجودِه، وبَقاؤُه في الجِماعِ يَمنَعُ وُجودَ الصَّومِ، فإذا امتنَع وُجودُه استَحالَ الإفسادُ، فلا تَجِبُ الكَفَّارةُ، ووُجوبُ القَضاءِ لِانعدامِ صَومِه اليَومَ لا لِإفسادِه بعدَ وُجودِه (٢).
المَرأةُ المَوطوءةُ في نَهارِ رَمضانَ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ المَرأةَ المَوطوءةَ في نَهارِ رَمضانَ مُطاوِعةً قد فسَد صَومُها، وعليها القَضاءُ.
إلا أنَّهم اختَلفُوا في وُجوبِ الكَفَّارةِ عليها:
стр. 2519
فقال أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ في قَولٍ وأحمدُ في أظهَرِ الرِّوايتَيْن عنه: أنَّه يَجِبُ عليها الكَفَّارةُ أيضًا كالرَّجلِ: لأنَّ سَببَ الكَفَّارةِ جِنايةُ الإفسادِ، لا الوِقاعُ نَفسُه، وقد شارَكتْه فيه، ولا يَتحمَّلُ عنها؛ لأنَّها عِبادةٌ أو عُقوبةٌ، لا يُجزِئُ عنها التَّحمُّلُ، ولأنَّها هَتكَتْ صَومَ رَمضانَ بالجِماعِ، فوَجبَ عليها الكَفَّارةُ كالرَّجلِ.
ولأنَّ الجِماعَ سَببٌ مُوجِبٌ لِلكَفَّارةِ، وجَب أنْ يَشترِكا فيما يَلزمُ به، إذا اشترَكا فيه كالقَتلِ، ولأنَّ جَميعَ الأحكامِ المُتعلِّقةِ بالوَطءِ في حَقِّ الوَاطِئِ، مَحكومٌ بها في حَقِّ المَوطوءةِ، من وُجوبِ الغُسلِ، والفِطرِ، والحَدِّ، والإحصانِ، والقَضاءِ، فكذلك وُجودُ الكَفَّارةِ.
وذهَب الإمامُ الشافِعيُّ في المَذهَبِ عندَه والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا كَفَّارةَ عليها: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَر الوَاطئَ في رَمضانَ بأنْ يُعتِقَ رَقبةً ولم يأمُرْ في المَرأةِ بشَيءٍ، مع عِلمِه بوُجودِ ذلك منها، ولأنَّه حَقُّ مالٍ يَتعلَّقُ بالوَطءِ من بَينِ جِنسِه، فكان على الرَّجلِ كالمَهرِ.
قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀ في «الأُمِّ»: وإذا كفَر أجزَأَ عنه وعن امرأتِه وكذلك في الحَجِّ والعُمرةِ، وبهذا مَضَتِ السُّنَّةُ، ألَا تَرى أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَقُلْ: تُكفِّرُ المَرأةُ وأنَّه لم يَقُلْ في الخَبرِ في الذي جامَع في الحَجِّ تُكفِّرُ المَرأةُ.
فإنْ قال قائِلٌ: فما بالُ الحَدِّ عليها في الجِماعِ ولا تَكونُ الكَفَّارةُ عليها؟
قيلَ: الحَدُّ لا يُشبِهُ الكَفَّارةَ؛ ألَا تَرى أنَّ الحَدَّ يَختلِفُ في الحُرِّ والعَبدِ والثَّيِّبِ والبِكرِ.
стр. 2520
فإنَّ مَذهَبَنا وما نَدَّعي إذا فرَّقت الأخبارُ بينَ الشَّيءِ أنْ يُفرَّقَ بينَه كما فرَّقت (١).
٩ - إذا جامَع ناسيًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ من جامَع ناسيًا لِصَومِه:
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّه لا يَفسُدُ صَومُه بذلك، ولا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ ولا القَضاءُ، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ أَكَلَ أو شَرِبَ نَاسِيًا فلا يُفْطِرْ؛ فإنَّمَا هو رِزْقٌ رَزَقَهُ الله» (٢).
وفي رِوايةٍ: «مَنْ نَسِيَ وهو صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ» (٣).
قالوا: فنَصَّ على الأكلِ والشُّربِ، وقِسْنا عليهما كلَّ ما يُبطِلُ الصَّومَ من الجِماعِ وغَيرِه.
وذهَب المالِكيَّةُ في المَذهَبِ والإمامُ أحمَدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَفسُدُ صَومُه بذلك، ويَجِبُ عليه القَضاءُ، ولا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا
стр. 2521
الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا لم يُتِمَّه، وقد حَرُم الإمساكُ، فأشبَهَ العامِدَ، ولأنَّ كلَّ فِعلٍ لا يَصحُّ الصَّومُ على شَيءٍ من جِنسِه عَمدًا على وَجهٍ لا يَصحُّ مع سَهوِه كتَركِ النيَّةِ.
وليس عليه الكَفَّارةُ الكُبرى: لأنَّها تَتبَعُ الإثْمَ بدَليلِ انتِفائِها مع عَدمِه، لِقَولِه ﷺ : «رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطأُ والنِّسْيانُ» (١).
وذهَب الحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهَبِ والإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ رَواها عنه مَعنُ بنُ عيسي والهَرَويُّ وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ من المالِكيَّةِ إلى أنَّه يَفسُدُ صَومُه ويَجِبُ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ الذي واقَع امرأتَه في رَمضانَ بالكَفَّارةِ ولم يَسألْه عن العَمدِ، ولو افتَرَق الحالُ لَسألَ واستَفصَل، ولأنَّه يَجِبُ التَّعليلُ بما تَناوَله لَفظُ السائِلِ، وهو الوُقوعُ على المَرأةِ في الصَّومِ، ولأنَّ السُّؤالَ كالمُعادِ في الجَوابِ فكأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: مَنْ وقَع على أهلِه في رَمضانَ فليُعتِقْ رَقبةً.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: ففي الحَديثِ ما يَدُلُ على العَمدِ، وهو قَولُه: «هَلَكتُ». ورُوي: «احتَرَقتُ».
قُلنا: يَجوزُ أنْ يُخبِرَ عن هَلَكتِه فيما يَعتقِدُه في الجِماعِ مع النِّسيانِ من إفسادِ الصَّومِ وخَوفِه من غَيرِ ذلك، ولأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ تُحرِّمُ الوَطءَ فاستَوى فيها عَمدُه وسَهوُه كالحَجِّ، ولأنَّ إفسادَ الصَّومِ ووُجوبَ الكَفَّارةِ حُكمانِ
стр. 2522
يَتعلَّقانِ بالجِماعِ لا تُسقِطُهما الشُّبهةُ، فاستَوى فيهما العَمدُ والسَّهوُ كسائِرِ أحكامِه (١).
وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَسألةُ الثانيةُ وهي إذا جامَع ناسيًا لِصَومِه؛ فإنَّ الشافِعيَّ وأبا حَنيفةَ يَقولانِ: لا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارةَ، وقال مالِكٌ: عليه القَضاءُ دونَ الكَفَّارةِ، وقالَ أحمدُ وأهلُ الظاهِرِ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ، وسَببُ اختِلافِهم في قَضاءِ الناسي مُعارَضةُ ظاهِرِ الأثرِ في ذلك القياسِ.
وأمَّا القياسُ فهو تَشبيهُ ناسي الصَّومِ بناسي الصَّلاةِ، فمَن شَبَّهه بناسي الصَّلاةِ أوجَبَ عليه القَضاءَ كوُجوبِه بالنَّصِّ على ناسي الصَّلاةِ.
وأمَّا الأثَرُ المُعارِضُ بظاهِرِه لِهذا القياسِ فهو ما أخرَجه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وهو صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ».
وهذا الأثَرُ يَشهَدُ به عُمومُ قَولِه ﵊: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اسْتُكْرِهُوا عليه».
ومِن هذا البابِ اختِلافُهم فيمَن ظَنَّ أنَّ الشَّمسَ قد غَرَبت فأفطَر ثم ظهَرت الشَّمسُ بعدَ ذلك، هل عليه قَضاءٌ أو لا؟ وذلك أنَّ هذا مُخطِئٌ
стр. 2523
والمُخطِئُ والناسيَ حُكمُها واحِدٌ، فكيفما قُلنا فتأثُّرُ النِّسيانِ في إسقاطِ القَضاءِ بَيِّنٌ واللهُ أعلَمُ.
وذلك أنَّا إنْ قُلنا: إنَّ الأصلَ هو ألَّا يَلزَمَ قَضاءٌ حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على ذلك وجَب أنْ يَكونَ النِّسيانُ لا يُوجِبُ القَضاءَ في الصَّومِ إذ لا دَليلَ ههنا على ذلك بخِلافِ الأمرِ في الصَّلاةِ.
وإنْ قُلنا: إنَّ الأصلَ هو إيجابُ القَضاءِ حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على رَفعِه عن الناسي؛ فقد دَلَّ الدَّليلُ في حَديثِ أبي هُرَيرةَ على رَفعِه عن الناسي، اللَّهمَّ إلا أنْ يَقولَ قائِلٌ: إنَّ الدَّليلَ الذي استَثنَى ناسيَ الصَّومِ من ناسي سائِرِ العِباداتِ التي رُفِع عن تارِكها الحَرجُ بالنَّصِّ هو قياسُ الصَّومِ على الصَّلاةِ لكنَّ إيجابَ القَضاءِ بالقياسِ فيه ضَعفٌ، وإنَّما القَضاءُ عندَ الأكثرِ واجِبٌ بأمرٍ مُتجدِّدٍ، وأمَّا مَنْ أوجَب القَضاءَ والكَفَّارةَ على المُجامِعِ ناسيًا فضَعيفٌ؛ فإنَّ تأثيرَ النِّسيانِ في إسقاطِ العُقوباتِ بَيِّنٌ في الشَّرعِ، والكَفَّارةُ من أنواعِ العُقوباتِ وإنَّما أصارَهم إلى ذلك أخذُهم بمُجمَلِ الصِّفةِ المَنقولةِ في الحَديثِ، أعني مِنْ أنَّه لم يَذكُرْ فيه أنَّه فعَل ذلك عَمدًا ولا نِسيانًا، لكنَّ مَنْ أوجَبَ الكَفَّارةَ على قاتِلِ الصَّيدِ ناسيًا لم يَحفَظْ أصلَه في هذا، مع أنَّ النَّصَّ إنَّما جاء في المُتعمِّدِ، وقد كان يجب على أهلِ الظاهِرِ أنْ يأخُذوا بالمُتَّفَقِ عليه، وهو إيجابُ الكَفَّارةِ على العامِدِ إلى أنْ يَدُلَّ الدَّليلُ على إيجابِها على الناسي أو يأخُذوا بعُمومِ قَولِه ﵊: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على التَّخصيصِ، ولكنْ كِلا الفَريقَيْن لم يَلزَمْ أصلَه، وليس في مُجمَلِ ما نُقِل من حَديثِ الأعرابيِّ حُجَّةً، ومَن قال مِنْ أهلِ الأُصولِ: إنَّ تَركَ التَّفصيلِ في
стр. 2524
اختِلافِ الأحوالِ من الشارِعِ بمَنزِلةِ العُمومِ في الأقوالِ، فضَعيفٌ؛ فإنَّ الشارِعَ لم يَحكُمْ قَطُّ إلا على مُفصَّلٍ، وإنَّما الإجمالُ في حَقِّنا (١).
١٠ - الاستِمناءُ باليَدِ:
اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ مَنْ استَمنَى بيَدِه فقد فعَل فِعلًا مُحرَّمًا، لكنْ لا يَفسُدُ صَومُه به إلا أنْ يُنزِلَ فيُفطِرَ بلا خِلافٍ، ويَجِبُ عليه القَضاءُ: لأنَّه إنزالٌ عن مُباشَرةٍ، فهو كالإنزالِ عن القُبلةِ، ولأنَّ الاستِمناءَ باليَدِ كالمُباشَرةِ فيما دونَ الفَرجِ من الأجنَبيَّةِ في الإثمِ والتَّعزيرِ، فكذلك في الإفطارِ.
إلا أنَّهم قد اختَلفُوا هل يَجِبُ عليه كَفَّارةٌ أو لا؟
فأوجَبَها المالِكيَّةُ ولم يُوجِبْها الجُمهورُ (الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ) (٢).
١١ - مَنْ باشَرَ فيما دونَ الفَرجِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ أنزلَ في يَومٍ من رَمضانَ بمُباشَرةٍ دونَ الفَرجِ فسَد صَومُه ووَجَب عليه القَضاءُ.
ثم اختَلفُوا في وُجوبِ الكَفَّارةِ:
فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا تَجِبُ الكَفَّارةُ: لأنَّه فِطرٌ بغَيرِ جِماعٍ تامٍّ، فأشبَهَ القُبلةَ، ولأنَّ الأصلَ عَدمُ وُجوبِ الكَفَّارةِ إلا فيما ورَد به
стр. 2525
الشَّرعُ، وقد ورَد الشَّرعُ بإيجابِ الكَفَّارةِ في الجِماعِ، وما سِواه ليس في مَعناه: لأنَّ الجِماعَ أغلَظُ، ولِهذا يَجِبُ به الحَدُّ في مِلكِ الغَيرِ، ولا يَجِبُ فيما سِواه، فبَقيَ على الأصلِ، وإنْ بلَغ ذلك السُّلطانَ عَزَّره؛ لأنَّه مُحرَّمٌ ليس فيه حَدٌّ ولا كَفَّارةٌ، فثبَت به التَّعزيرُ كالمُباشِرِ فيما دونَ الفَرجِ من الأجنَبيَّةِ؛ ولأنَّ الكَفَّارةَ تَفتقِرُ إلى كَمالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها تَندَرِئُ بالشُّبُهاتِ كالحُدودِ.
وقال الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ: تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه إنزالٌ عن مُباشَرةٍ أشبَهَ الإنزالَ عن جِماعٍ (١).
١٢ - الصائِمُ إذا فكَّر فأنزَلَ مَنيًّا:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ فكَّر فأنزَلَ صَومُه صَحيحٌ.
لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُها ما لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٢).
ولأنَّه لا نَصَّ في الفِطرِ به ولا إجماعَ، ولا يُمكِنُ قياسُه على المُباشَرةِ ولا تَكرارِ النَّظرِ؛ لأنَّه دونَهما في استِدعاءِ الشَّهوةِ وإفضائِه إلى الإنزالِ،