← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا لم يُتِمَّه، وقد حَرُم الإمساكُ، فأشبَهَ العامِدَ، ولأنَّ كلَّ فِعلٍ لا يَصحُّ الصَّومُ على شَيءٍ من جِنسِه عَمدًا على وَجهٍ لا يَصحُّ مع سَهوِه كتَركِ النيَّةِ. وليس عليه الكَفَّارةُ الكُبرى: لأنَّها تَتبَعُ الإثْمَ بدَليلِ انتِفائِها مع عَدمِه، لِقَولِه ﷺ : «رُفِعَ عن أُمَّتي الخَطأُ والنِّسْيانُ» (١). وذهَب الحَنابِلةُ في ظاهِرِ المَذهَبِ والإمامُ مالِكٌ في رِوايةٍ رَواها عنه مَعنُ بنُ عيسي والهَرَويُّ وهو قَولُ ابنِ الماجِشونِ من المالِكيَّةِ إلى أنَّه يَفسُدُ صَومُه ويَجِبُ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَرَ الذي واقَع امرأتَه في رَمضانَ بالكَفَّارةِ ولم يَسألْه عن العَمدِ، ولو افتَرَق الحالُ لَسألَ واستَفصَل، ولأنَّه يَجِبُ التَّعليلُ بما تَناوَله لَفظُ السائِلِ، وهو الوُقوعُ على المَرأةِ في الصَّومِ، ولأنَّ السُّؤالَ كالمُعادِ في الجَوابِ فكأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: مَنْ وقَع على أهلِه في رَمضانَ فليُعتِقْ رَقبةً. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ قيلَ: ففي الحَديثِ ما يَدُلُ على العَمدِ، وهو قَولُه: «هَلَكتُ». ورُوي: «احتَرَقتُ». قُلنا: يَجوزُ أنْ يُخبِرَ عن هَلَكتِه فيما يَعتقِدُه في الجِماعِ مع النِّسيانِ من إفسادِ الصَّومِ وخَوفِه من غَيرِ ذلك، ولأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ تُحرِّمُ الوَطءَ فاستَوى فيها عَمدُه وسَهوُه كالحَجِّ، ولأنَّ إفسادَ الصَّومِ ووُجوبَ الكَفَّارةِ حُكمانِ

стр. 2522

يَتعلَّقانِ بالجِماعِ لا تُسقِطُهما الشُّبهةُ، فاستَوى فيهما العَمدُ والسَّهوُ كسائِرِ أحكامِه (١). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَسألةُ الثانيةُ وهي إذا جامَع ناسيًا لِصَومِه؛ فإنَّ الشافِعيَّ وأبا حَنيفةَ يَقولانِ: لا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارةَ، وقال مالِكٌ: عليه القَضاءُ دونَ الكَفَّارةِ، وقالَ أحمدُ وأهلُ الظاهِرِ عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ، وسَببُ اختِلافِهم في قَضاءِ الناسي مُعارَضةُ ظاهِرِ الأثرِ في ذلك القياسِ. وأمَّا القياسُ فهو تَشبيهُ ناسي الصَّومِ بناسي الصَّلاةِ، فمَن شَبَّهه بناسي الصَّلاةِ أوجَبَ عليه القَضاءَ كوُجوبِه بالنَّصِّ على ناسي الصَّلاةِ. وأمَّا الأثَرُ المُعارِضُ بظاهِرِه لِهذا القياسِ فهو ما أخرَجه البُخاريُّ ومُسلِمٌ عن أبي هُرَيرةَ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ نَسِيَ وهو صَائِمٌ فَأَكَلَ أو شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ؛ فإنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». وهذا الأثَرُ يَشهَدُ به عُمومُ قَولِه ﵊: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اسْتُكْرِهُوا عليه». ومِن هذا البابِ اختِلافُهم فيمَن ظَنَّ أنَّ الشَّمسَ قد غَرَبت فأفطَر ثم ظهَرت الشَّمسُ بعدَ ذلك، هل عليه قَضاءٌ أو لا؟ وذلك أنَّ هذا مُخطِئٌ

стр. 2523

والمُخطِئُ والناسيَ حُكمُها واحِدٌ، فكيفما قُلنا فتأثُّرُ النِّسيانِ في إسقاطِ القَضاءِ بَيِّنٌ واللهُ أعلَمُ. وذلك أنَّا إنْ قُلنا: إنَّ الأصلَ هو ألَّا يَلزَمَ قَضاءٌ حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على ذلك وجَب أنْ يَكونَ النِّسيانُ لا يُوجِبُ القَضاءَ في الصَّومِ إذ لا دَليلَ ههنا على ذلك بخِلافِ الأمرِ في الصَّلاةِ. وإنْ قُلنا: إنَّ الأصلَ هو إيجابُ القَضاءِ حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على رَفعِه عن الناسي؛ فقد دَلَّ الدَّليلُ في حَديثِ أبي هُرَيرةَ على رَفعِه عن الناسي، اللَّهمَّ إلا أنْ يَقولَ قائِلٌ: إنَّ الدَّليلَ الذي استَثنَى ناسيَ الصَّومِ من ناسي سائِرِ العِباداتِ التي رُفِع عن تارِكها الحَرجُ بالنَّصِّ هو قياسُ الصَّومِ على الصَّلاةِ لكنَّ إيجابَ القَضاءِ بالقياسِ فيه ضَعفٌ، وإنَّما القَضاءُ عندَ الأكثرِ واجِبٌ بأمرٍ مُتجدِّدٍ، وأمَّا مَنْ أوجَب القَضاءَ والكَفَّارةَ على المُجامِعِ ناسيًا فضَعيفٌ؛ فإنَّ تأثيرَ النِّسيانِ في إسقاطِ العُقوباتِ بَيِّنٌ في الشَّرعِ، والكَفَّارةُ من أنواعِ العُقوباتِ وإنَّما أصارَهم إلى ذلك أخذُهم بمُجمَلِ الصِّفةِ المَنقولةِ في الحَديثِ، أعني مِنْ أنَّه لم يَذكُرْ فيه أنَّه فعَل ذلك عَمدًا ولا نِسيانًا، لكنَّ مَنْ أوجَبَ الكَفَّارةَ على قاتِلِ الصَّيدِ ناسيًا لم يَحفَظْ أصلَه في هذا، مع أنَّ النَّصَّ إنَّما جاء في المُتعمِّدِ، وقد كان يجب على أهلِ الظاهِرِ أنْ يأخُذوا بالمُتَّفَقِ عليه، وهو إيجابُ الكَفَّارةِ على العامِدِ إلى أنْ يَدُلَّ الدَّليلُ على إيجابِها على الناسي أو يأخُذوا بعُمومِ قَولِه ﵊: «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» حتى يَدُلَّ الدَّليلُ على التَّخصيصِ، ولكنْ كِلا الفَريقَيْن لم يَلزَمْ أصلَه، وليس في مُجمَلِ ما نُقِل من حَديثِ الأعرابيِّ حُجَّةً، ومَن قال مِنْ أهلِ الأُصولِ: إنَّ تَركَ التَّفصيلِ في

стр. 2524

اختِلافِ الأحوالِ من الشارِعِ بمَنزِلةِ العُمومِ في الأقوالِ، فضَعيفٌ؛ فإنَّ الشارِعَ لم يَحكُمْ قَطُّ إلا على مُفصَّلٍ، وإنَّما الإجمالُ في حَقِّنا (١). ١٠ - الاستِمناءُ باليَدِ: اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ مَنْ استَمنَى بيَدِه فقد فعَل فِعلًا مُحرَّمًا، لكنْ لا يَفسُدُ صَومُه به إلا أنْ يُنزِلَ فيُفطِرَ بلا خِلافٍ، ويَجِبُ عليه القَضاءُ: لأنَّه إنزالٌ عن مُباشَرةٍ، فهو كالإنزالِ عن القُبلةِ، ولأنَّ الاستِمناءَ باليَدِ كالمُباشَرةِ فيما دونَ الفَرجِ من الأجنَبيَّةِ في الإثمِ والتَّعزيرِ، فكذلك في الإفطارِ. إلا أنَّهم قد اختَلفُوا هل يَجِبُ عليه كَفَّارةٌ أو لا؟ فأوجَبَها المالِكيَّةُ ولم يُوجِبْها الجُمهورُ (الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ) (٢). ١١ - مَنْ باشَرَ فيما دونَ الفَرجِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ أنزلَ في يَومٍ من رَمضانَ بمُباشَرةٍ دونَ الفَرجِ فسَد صَومُه ووَجَب عليه القَضاءُ. ثم اختَلفُوا في وُجوبِ الكَفَّارةِ: فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا تَجِبُ الكَفَّارةُ: لأنَّه فِطرٌ بغَيرِ جِماعٍ تامٍّ، فأشبَهَ القُبلةَ، ولأنَّ الأصلَ عَدمُ وُجوبِ الكَفَّارةِ إلا فيما ورَد به

стр. 2525

الشَّرعُ، وقد ورَد الشَّرعُ بإيجابِ الكَفَّارةِ في الجِماعِ، وما سِواه ليس في مَعناه: لأنَّ الجِماعَ أغلَظُ، ولِهذا يَجِبُ به الحَدُّ في مِلكِ الغَيرِ، ولا يَجِبُ فيما سِواه، فبَقيَ على الأصلِ، وإنْ بلَغ ذلك السُّلطانَ عَزَّره؛ لأنَّه مُحرَّمٌ ليس فيه حَدٌّ ولا كَفَّارةٌ، فثبَت به التَّعزيرُ كالمُباشِرِ فيما دونَ الفَرجِ من الأجنَبيَّةِ؛ ولأنَّ الكَفَّارةَ تَفتقِرُ إلى كَمالِ الجِنايةِ؛ لأنَّها تَندَرِئُ بالشُّبُهاتِ كالحُدودِ. وقال الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ: تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ؛ لأنَّه إنزالٌ عن مُباشَرةٍ أشبَهَ الإنزالَ عن جِماعٍ (١). ١٢ - الصائِمُ إذا فكَّر فأنزَلَ مَنيًّا: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ مَنْ فكَّر فأنزَلَ صَومُه صَحيحٌ. لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اللهَ تَجاوَزَ عَنْ أُمَّتي ما حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسُها ما لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» (٢). ولأنَّه لا نَصَّ في الفِطرِ به ولا إجماعَ، ولا يُمكِنُ قياسُه على المُباشَرةِ ولا تَكرارِ النَّظرِ؛ لأنَّه دونَهما في استِدعاءِ الشَّهوةِ وإفضائِه إلى الإنزالِ،

стр. 2526

ويُخالِفُهما في التَّحريمِ إذا تَعلَّق ذلك بالأجنبيَّةِ أو الكَراهةِ إنْ كان في زَوجةٍ فيَبقَى على الكَراهةِ. ونقَل الإمامُ النَّوَويُّ عن صاحِبِ الحاوي «الماوَرديِّ» قَولَه: أمَّا إذا فكَّر بقَلبِه من غَيرِ نَظرٍ فتَلذَّذ فأنزَلَ، فلا قَضاءَ عليه، ولا كَفَّارةَ بالإجماعِ، قال: وإذا كرَّر النَّظرَ فأنزَل أثِمَ، وإنْ لم يَجِبِ القَضاءُ (١). وذهَب المالِكيَّةُ وأبو حَفصٍ البَرمَكيُّ وهو اختيارُ ابنِ عَقيلٍ من الحَنابِلةِ إلى أنَّ مَنْ فكَّر فأنزَل فسَد صَومُه ويَجِبُ عليه القَضاءُ؛ لأنَّ الفِكرةَ تُستحضَرُ، فتَدخُلُ تحتَ الاختيارِ، بدَليلِ تأثيمِ صاحبِها في مُساكَنتِها في بِدعةٍ أو كُفرٍ، ومَدَح اللهُ الذين يَتفكَّرون في خَلقِ السَّمواتِ والأرضِ، ونَهى النَّبيَّ ﷺ عن التَّفكُّرِ في ذاتِ اللهِ، وأمَرَ بالتَّفكُّرِ في آلائِه، ولو كان غَيرَ مَقدورٍ عليها لم يَتعلَّقْ ذلك بها، كالاحتِلامِ (٢). وحاصِلُ مَذهَبِ المالِكيَّةِ أنَّه إنْ أمْنَى بمُجرَّدِ الفِكرِ أو النَّظرِ من غَيرِ استِدامةٍ لهما فلا كَفَّارةَ قَطعًا، ويَجِبُ عليه القَضاءُ إلا أنْ يَكونَ ذلك غَلبةً ويَعسُرَ عليه فلا قَضاءَ أيضًا لِلمَشقَّةِ، وإنِ استَدامَهما حتى أنزَل؛ فإنْ كانت عادَتُه الإنزالَ بهما عندَ الاستِدامةِ فالكَفَّارةُ قَطعًا، وإنْ كانت عادَتُه عَدَمَ الإنزالِ بهما عندَ الاستِدامةِ فخالَفَ عادَتَه وأمْنى فقَولانِ أظهَرُهما سُقوطُ الكَفَّارةِ (٣).

стр. 2527

١٣ - إذا نظَر الصائِمُ فأنزَلَ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا نظَر الصائِمُ فأنزَل: فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: صَومُه صَحيحٌ، ولا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارةَ؛ لأنَّه أنزَل عن غَيرِ مُباشَرةٍ، أشبَهَ الإنزالَ بالفِكرِ، ولأنَّه لا تُوجَدُ صُورةُ الجِماعِ ولا مَعناه، وهو الإنزالُ عن مُباشَرةٍ، فلم يَبطُلْ صَومُه، كما لو نام فاحتَلمَ. وقال الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ: عليه القَضاءُ ولا كَفَّارةَ عليه؛ لأنَّه إنزالٌ بفِعلٍ يَلتَذُّ به ويُمكِنُ التَّحرُّزُ منه، فأفسَدَ الصَّومَ كالإنزالِ باللَّمسِ. واختَلفُوا أيضًا فيما إذا كرَّر النَّظرَ فأنزَل: فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: صَومُه صَحيحٌ ولا قَضاءَ عليه ولا كَفَّارةَ. وقال مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ: صَومُه فاسِدٌ وعليه القَضاءُ والكَفَّارةُ. وقال الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى واختارَها الخِرَقيُّ: أنَّ عليه القَضاءَ فقط (١). وحاصِلُ مَذهَبِ المالِكيَّةِ أنَّه إنْ أمْنَى بمُجرَّدِ الفِكرِ أو النَّظرِ من غَيرِ استِدامةٍ لهما، فلا كَفَّارةَ قَطعًا ويَجِبُ عليه القَضاءُ إلا أنْ يَكونَ ذلك غَلبةً ويَعسُرَ عليه فلا قَضاءَ أيضًا لِلمَشقَّةِ، وإنِ استَدامَهما حتى أنزَل؛

стр. 2528

فإنْ كانت عادَتُه الإنزالَ بهما عندَ الاستِدامةِ فالكَفَّارةُ قَطعًا، وإنْ كانت عادَتُه عَدَمَ الإنزالِ بهما عندَ الاستِدامةِ فخالَفَ عادَتَه وأمْنى فقَولانِ أظهَرُهما سُقوطُ الكَفَّارةِ (١). ١٤ - الصائِمُ إذا لمَس فأمْذى: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصائِمِ إذا لمَس أو قبَّلَ فأمْذى: فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا يُفطِرُ بذلك وصَومُه صَحيحٌ؛ لأنَّه خارجٌ لا يُوجِبُ الغُسلَ فأشبَهَ البَولَ. وقال الإمامان مالِكٌ وأحمدُ: يَفسُدُ صَومُه وعليه القَضاءُ؛ لأنَّه خارِجٌ تَخلَّلَه الشَّهوةُ خرَج بالمُباشَرةِ فأفسَدَ الصَّومَ كالمَنيِّ، وفارَقَ البَولَ بهذا (٢). ١٥ - إذا نظَر الصائِمُ فأمْذَى: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصائِمِ إذا نظَر فأمْذى: فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: صَومُه صَحيحٌ ولا يُفطِرُ بذلك؛ لأنَّه لا نَصَّ في الفِطرِ به، ولا يُمكِنُ قياسُه على إنزالِ المَنيِّ لِمُخالَفتِه إيَّاه في الأحكامِ فيَبقَى على الأصلِ. وقال الإمامُ مالِكٌ: يَقضي يَومًا مَكانَه (٣).

стр. 2529

١٦ - القَيءُ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الصائِمَ إذا ذرَعه القَيءُ (١) فصَومُه صَحيحٌ ولا شَيءَ عليه: قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه لا شَيءَ على الصائِمِ إذا ذرَعه القَيءُ (٢). وقال الإمامُ ابنُ بَطَّالٍ ﵀: وأجمَع الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ ذرَعه القَيءُ فلا قَضاءَ عليه (٣)، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَيْسَ عليه قَضَاءٌ، وَمَنِ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ» (٤). وأمَّا من قاء عامِدًا فقال ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على إبطالِ صَومِ مَنِ استَقاءَ عامِدًا (٥) لِلحَديثِ السابِقِ لِما رَواه فَضَالَةُ بنُ عُبَيدٍ قال: «دَعَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ بشَرَابٍ فقال له بَعْضُنَا: ألَمْ تُصْبِحْ صَائِمًا يا رَسولَ اللَّهِ؟ قال: بَلَى، وَلَكنِّي قِئْتُ» (٦). وفي لَفظٍ عن فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ يُحدِّثُ «أَنَّ النَّبيَّ ﷺ خَرَجَ عليهم في يَوْمٍ كان يَصُومُهُ فَدَعَا بِإِنَاءٍ فَشَرِبَ، فَقُلْنَا: يا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هذا يَوْمٌ كُنْتَ تَصُومُهُ، قال: أَجَلْ، وَلَكِنِّي قِئْتُ» (٧).

стр. 2530

إلا أنَّني وَجدتُ ابنَ هُبَيرةَ في الإفصاحِ قد نقَل خِلافًا في الذي يُفطِرُ منه، فقال ﵀: واختَلفُوا فيما إذا قاء عامِدًا. فقال مالِكٌ والشافِعيُّ: يُفطِرُ. وقال أبو حَنيفةَ: لا يُفطِرُ، إلا أنْ يَكونَ مِلءَ فيه. ورُويَ عن أحمدَ رِواياتٌ في القَيءِ الذي يَنقُضُ الوُضوءَ ويُفطِرُ: إحداها: لا يُفطِرُ إلا بالفاحِشِ منه، وهي المَشهورةُ. والثانية: بمِلءِ الفَمِ. والثالِثةُ: بما كان في نِصفِ الفَمِ. وعنه رِوايةٌ أُخرى رابِعةٌ في انتِقاضِ الوُضوءِ بالقَيءِ قَليلِه وكَثيرِه. وهي في الفِطرِ أيضًا، إلا أنَّ القَيءَ الذي يُفسِدُ الصَّومَ على اختِلافِ مَذهَبِه في صِفتِه؛ فإنَّه لم يَختلِفْ مَذهَبُه في اشتِراطِ التَّعمُّدِ فيه (١). وقال ابنُ بَطَّالٍ ﵀: واختَلفُوا فيمَن استَقاءَ، فقال مالِكٌ، واللَّيثُ والثَّوريُّ، وأبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: مَنْ استَقاءَ عامِدًا فعليه القَضاءُ، وعليه الجُمهورُ، رُوي ذلك عن علِيٍّ، وابنِ عُمَرَ، وأبي هُرَيرةَ.

стр. 2531

وقال الأوزاعيُّ وأبو ثَورٍ: عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ مِثلَ كَفَّارةِ الآكِلِ عامِدًا في رَمضانَ، وهو قَولُ عَطاءٍ، واحتَجُّوا بحَديثِ الأوزاعيِّ عن يَعيشَ بنِ الوَليدِ بنِ هِشامٍ أنَّ أباه حَدَّثه قال: حَدَّثنا مَعدانُ بنُ طَلحةَ أنَّ أبا الدَّرداءِ حَدَّثه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قاءَ فأفطَرَ»، قالوا: وإذا كان القَيءُ يُفطِرُ الصائِمَ فعلى مَنْ تَعمَّده ما على مَنْ تَعمَّد الأكلَ والشُّربَ والجِماعَ القَضاءُ والكَفَّارةُ، وتأوَّل الفُقهاءُ هذا الحَديثَ قالوا: مَعنى قاء: استَقاءَ، قال الطَّحاويُّ: ويَجوزُ أنْ يَكونَ قَولُه: «قاءَ فأفطَر»: قاءَ فضَعُفَ فأفطَر، وقد يَجوزُ هذا في اللُّغةِ، وقد رَوى هذا المَعنى مُحمدُ بنُ إسحاقَ، عن يَزيدَ بنِ أبي حَبيبٍ، عن أبي مَرزوقٍ، عن فَضالةَ بنِ عُبَيدٍ: أنَّ رَسولَ اللهِ دَعا بإناءٍ فشَرِب، فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، هذا يَومٌ كُنْتَ تَصومُه، قال: «أجَلْ، إنِّي قِئتُ فأفطَرتُ»، وهذا مَعناه: ولكِنِّي قِئتُ فضَعُفتُ عن الصِّيامِ فأفطَرتُ، وليس في هذَيْن الحَديثَيْن دَليلٌ على أنَّ القَيءَ كان مُفطِرًا له، إنَّما فيهما أنَّه قاءَ فأفطَر بعدَ ذلك (١). ١٧ - الحِجامةُ لِلصائِمِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصائِمِ إذا احتجَم هل يُفطِرُ بذلك أو لا؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ (الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ) إلى أنَّ الحِجامةَ لا تُفطِرُ الصائِمَ، لِما رَواه ابنُ عَباسٍ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو صَائِمٌ» (٢).

стр. 2532

ولِحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قال: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرْخَصَ في الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ» (١). وعن ثابِتٍ أنَّه قال لِأنسِ بنِ مالِكٍ: «أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ على عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: لَا، إلا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» (٢). ولأنَّه دَمٌ خارِجٌ من البَدنِ فأشبَهَ الفَصدَ. قالوا: ويُحمَلُ قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (٣) على المَجازِ بمَعنى أنَّه سيَؤُولُ أمرُهما إلى الفِطرِ، وممَّا يُؤيِّدُ هذا ما رَواه أبو داودَ عن عَبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي لَيلَى عن رَجُلٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «نَهى عَنِ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ ولم يُحَرِّمْهَا إِبْقَاءً على أَصْحَابِهِ … » (٤). فدَلَّ على أنَّه إنَّما كَرِه ذلك في حَقِّ مَنْ كان يَضعُفُ به ويُؤكِّدُه حَديثُ ثابِتٍ المُتقدِّمُ أنَّه قال لِأنَسٍ: «أكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الْحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ على عَهْدِ النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: «لَا، إلا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ» (٥).

стр. 2533

وذهَب الحَنابِلةُ إلى أنَّ الحِجامةَ تُفطِرُ الحاجِمَ والمَحجومَ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (١). قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: الفِطرُ بالحِجامةِ على وَفقِ الأُصولِ والقياسِ من جِنسِ الفِطرِ بدَمِ الحَيضِ والاستِقاءةِ وبالاستِمناءِ، وإذا كان كذلك فبأيِّ وَجهٍ أراد إخراجَ الدَّمِ أفطَرَ كما أنَّه بأيِّ وَجهٍ أخرَج القَيءَ أفطَرَ سَواءٌ جذَب القَيءَ بإدخالِ يَدِه أو بشَمِّ ما يُقيئُه، أو وَضعِ يَدِه تحتَ بَطنِه واستِخراجِ القَيءِ، فتلك طُرُقٌ لِإخراجِ القَيءِ وهذه طُرُقٌ لِإخراجِ الدَّمِ، ولِهذا كان خُروجُ الدَّمِ بهذا، وهذا سَواءٌ في (بابِ الطَّهارةِ) فتَبيَّن بذلك كَمالُ الشَّرعِ واعتِدالُه وتَناسُبُه، وأنَّ ما ورَد من النُّصوصِ ومَعانيها؛ فإنَّ بَعضَه يُصدِّقُ بَعضًا ويُوافِقُه ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ [النساء: ٨٢]. وأمَّا الحاجِمُ؛ فإنَّه يَجتذِبُ الهَواءَ في القارورةِ بامتِصاصِه، والهَواءُ يَجتذِبُ ما فيها، فرُبَّما صَعِد مع الهَواءِ شَيءٌ من الدَّمِ ودخَل في حَلقِه وهو لا يَشعُرُ، والحِكمةُ إذا كانت خَفيَّةً أو مُنتشِرةً عُلِّقَ الحُكمُ بالمَظنَّةِ كما أنَّ النائِمَ الذي تَخرُجُ منه الرِّيحُ ولا يَدري يُؤمَرُ بالوُضوءِ، فكذلك الحاجِمُ يَدخُلُ شَيءٌ من الدَّمِ مع رِيقِه إلى بَطنِه وهو لا يَدري والدَّمُ من أعظَمِ المُفطِراتِ؛ فإنَّه حَرامٌ في نَفسِه لِما فيه من طُغيانِ الشَّهوةِ والخُروجِ عن العَدلِ والصائِمُ أُمِرَ بحَسمِ مادَّتِه فالدَّمُ يَزيدُ الدَّمَ فهو من جِنسِ المَحظورِ

стр. 2534

فيُفطِرُ الحاجِمُ لِهذا كما يَنتَقِضُ وُضوءُ النائِمِ وإنْ لم يَستيقِنْ خُروجَ الرِّيحِ منه؛ لأنَّه يَخرُجُ ولا يَدري، وكذلك الحاجِمُ قد يَدخُلُ الدَّمُ في حَلقِه وهو لا يَدري، وأمَّا الشارِطُ فليس بحاجِمٍ، وهذا المَعنى مُنتَفٍ فيه، فلا يُفطِرُ الشارِطُ، وكذلك لو قُدِّر حاجِمٌ لا يَمُصُّ القارَورةَ بل يَمتَصُّ غَيرَها أو يأخُذُ الدَّمَ بطَريقٍ أُخرى لم يُفطِرْ. والنَّبيُّ ﷺ كَلامُه خرَج على الحاجِمِ المَعروفِ المُعتادِ، وإذا كان اللَّفظُ عامًّا وإنْ كان قَصدُه شَخصًا بعَينِه فيَشترِكُ في الحُكمِ سائِرُ النَّوعِ لِلعادةِ الشَّرعيَّةِ من أنَّ ما ثبَت في حَقِّ الواحِدِ من الأُمَّةِ ثبَت في حَقِّ الجَميعِ فهذا أبلَغُ، فلا يَثبُتُ بلَفظِه ما يَظهَرُ لَفظًا ومَعنًى أنَّه لم يَدخُلْ فيه مع بُعدِه عن الشَّرعِ والعَقلِ واللهُ أعلَمُ (١). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا الحِجامةُ؛ فإنَّ فيها ثَلاثةَ مَذاهِبَ، قَومٌ قالوا: إنَّها تُفطِرُ وإنَّ الإمساكَ عنها واجِبٌ، وبه قال أحمدُ وداودُ والأوزاعيُّ وإسحاقُ بنُ رَاهَوَيْهِ، وقَومٌ قالوا: إنَّها مَكروهةٌ لِلصَّائِمِ وليست تُفطِرُ، وبه قال مالِكٌ والشافِعيُّ والثَّوريُّ، وقَومٌ قالوا: إنَّها غَيرُ مَكروهةٍ ولا مُفطِرةٍ، وبه قال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ.

стр. 2535

وسَببُ اختِلافِهم تَعارُضُ الآثارِ الوارِدةِ في ذلك، وذلك أنَّه ورَد في ذلك حَديثان، أحَدُهما ما رُوي من طَريقِ ثَوبانَ ومِن طَريقِ رافِعِ بنِ خَديجٍ أنَّه ﵊ قال: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ». وحَديثُ ثَوبانَ هذا كان يُصحِّحُه أحمدُ. والحَديثُ الثاني حَديثُ عِكرِمةَ عن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «احْتَجَمَ وهو صَائِمٌ». وحَديثُ ابنِ عَباسٍ هذا صَحيحٌ، فذهَب العُلماءُ في هذَيْن الحَديثَيْن ثَلاثةَ مَذاهبَ: أحَدُها: مَذهَبُ التَّرجيحِ. والثاني: مَذهَبُ الجَمعِ. والثالِثُ: مَذهَبُ الإسقاطِ عندَ التَّعارُضِ والرُّجوعِ إلى البَراءةِ الأصليَّةِ إذا لم يَعلَمِ الناسِخَ من المَنسوخِ. فمَن ذهَب مَذهبَ التَّرجيحِ قال بحَديثِ ثَوبانَ، وذلك أنَّ هذا مُوجِبٌ حُكمًا، وحَديثُ ابنِ عَباسٍ رافِعُه، والمُوجِبُ مُرجَّحٌ عندَ كَثيرٍ من العُلماءِ على الرافِعِ؛ لأنَّ الحُكمَ إذا ثبَت بطَريقٍ يُوجِبُ العَملَ لم يَرتفِعْ إلا بطَريقٍ يُوجِبُ العَملَ برَفعِه، وحَديثُ ثَوبانَ قد وجَب العَملُ به، وحَديثُ ابنِ عَباسٍ يَحتمِلُ أنْ يَكونَ ناسِخًا ويَحتمِلُ أنْ يَكونَ مَنسوخًا، وذلك شَكٌّ والشَّكُّ لا يُوجِبُ عَملًا ولا يَرفَعُ العِلمَ المُوجِبَ لِلعَملِ، وهذا على طَريقةِ مَنْ لا يَرى الشَّكَّ مُؤثِّرًا في العِلمِ.

стр. 2536

ومَن رامَ الجَمعَ بينَهما حُمِل حَديثُ النَّهيِ على الكَراهةِ وحَديثُ الاحتِجامِ على رَفعِ الحَظرِ. ومَن أسقَطَهما لِلتَّعارُضِ قال بإباحةِ الاحتِجامِ لِلصائِمِ (١). ١٨ - مَنْ تَمضمَض أو استَنشَق فدخَل الماءُ إلى حَلقِه: اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ الصائِمَ لا يُفطِرُ بالمَضمَضةِ سَواءٌ كان في الطَّهارةِ أو غَيرِها، وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ عُمَرَ سألَه عن القُبلةِ لِلصائِمِ؟ فقال ﷺ : «أَرَأَيْتَ لو مَضْمَضْتَ من الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلتُ: لَا بَأْسَ بِهِ، قال: فَمَهْ» (٢). ولأنَّ الفَمَ في حُكمِ الظاهِرِ لا يُبطِلُ الصَّومَ بالوُصولِ إليه كالأنفِ والعَينِ. إلا أنَّهم قد اختَلفُوا فيما إذا تَمضمَض أو استَنشَق فدخَل الماءُ إلى حَلقِه هل يُفطِرُ بذلك أو لا؟ وهذا لا يَخلو من حالتَيْن كما يلي: الحالةُ الأُولى: أنْ يُبالِغَ في المَضمَضةِ والاستِنشاقِ: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الصائِمَ إذا بالَغ في المَضمَضةِ والاستِنشاقِ فدخَل شَيءٌ في حَلقِه أفطَر بذلك لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ لِلَقيطِ بنِ صَبِرةَ: «وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٣).

стр. 2537

فالنَّبيُّ ﷺ نَهى عن المُبالَغةِ حِفظًا لِلصَّومِ، فدَلَّ ذلك على أنَّه يُفطِرُ به؛ لأنَّه لو لم يَكُنْ وُصولُ الماءِ في المُبالَغةِ مَنهيًّا عنه في الصَّوم، لم يَكُنْ لِلنَّهيِ عن المُبالَغةِ مَعنًى، ولأنَّ المُبالَغةَ مَنهيٌّ عنها في الصَّومِ، وما تَولَّد من سَببٍ مَنهيٍّ عنه فهو كالمُباشَرةِ، كما لو جُرِح إنسانٌ فماتَ، جعَل كأنَّه باشَرَ قَتلَه، ولأنَّه وُصِل بفِعلٍ مَنهيٍّ عنه فأشبَهَ التَّعمُّدَ فعُلِم أنَّه مُنِع ذلك في الصَّومِ احتياطًا وتَحرُّزًا من سَبقِ الماءِ إلى الحَلقِ، فدَلَّ ذلك على أنَّه متى حصَل وَقَع به الفِطرُ، ولأنَّه أوصَلَ الماءَ إلى جَوفِه، ذاكِرًا لِصَومِه فأفطَر، كما لو تَعمَّدَ شُربَه. وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لو بالَغ في المَضمَضةِ أو الاستِنشاقِ فدخَل الماءُ في حَلقِه لا يُفطِرُ بذلك؛ لأنَّه وصَل من غَيرِ قَصدٍ فأشبَهَ غُبارَ الدَّقيقِ إذا نخَله. الحالةُ الثانيةُ: ألَّا يُبالِغَ في المَضمَضةِ والاستِنشاقِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الصائِمِ إذا لم يُبالِغْ في المَضمَضةِ أو الاستِنشاقِ إلا أنَّه سبَقه الماءُ إلى حَلقِه هل يُفطِرُ بذلك أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُفطِرُ بذلك ويَبطُلُ صَومُه، لِحَديثِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ المُتقدِّمِ، فشَبَّه القُبلةَ بالمَضمَضةِ، فإذا قبَّلَ فأنزَل بطَل صَومُه، فكذلك إذا تَمضمَض فنزَل الماءُ إلى جَوفِه، وجَب أنْ يَبطُلَ صَومُه، ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ لِلَقيطِ بنِ صَبِرةَ: «وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (١).

стр. 2538

فعُلِم أنَّه منَع ذلك في الصَّومِ احتِياطًا وتَحرُّزًا من سَبْق الماءِ إلى الحَلقِ، فدَلَّ ذلك على أنَّه مَتى حصَل وقَع به الفِطرُ، واعتِبارًا به إذا كان عن مُبالَغةٍ، ولأنَّه أوصَل الماءَ إلى جَوفِه، ذاكِرًا لِصَومِه فأفطَر، كما لو تَعمَّدَ شُربَه. وذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَبطُلُ صَومُه بذلك؛ لأنَّه وصَل إلى جَوفِه بغَيرِ اختيارِه، فلم يَبطُلْ صَومُه كغُبارِ الدَّقيقِ، وغَربَلةِ الدَّقيقِ، ولأنَّه وصَل إلى حَلقِه من غَيرِ إسرافٍ ولا قَصدٍ، فأشبَهَ ما لو طارَت ذُبابةٌ إلى حَلقِه (١). ١٩ - الحَيضُ والنِّفاسُ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الحائِضَ أو النُّفَساءَ إذا حاضَت أو نُفِستْ، ولو في اللَّحظةِ الأخيرةِ من النَّهارِ فقد فسَد صَومُها وعليها قَضاءُ ذلك اليَومِ. واتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ المَرأةَ الحائِضَ إذا انقَطع حَيضُها قبلَ الفَجرِ، ونوَت الصَّومَ، صَومُها صَحيحٌ، وإنْ أخَّرت الغُسلَ حتى تُصبِحَ أو حتى تَطلُعَ الشَّمسُ: لأنَّها مُحدِثةٌ زال حَدَثُها قبلَ الفَجرِ، ولم يَبقَ عليها سِوى فِعلِ التَّطهيرِ فصَحَّ صَومُها كالجُنُبِ والمُحدِثِ، لكنْ بشَرطِ أنْ تَنويَ الصِّيامَ من اللَّيلِ (٢).

стр. 2539

٢٠ - الاستِعاطُ: الاستِعاطُ: افتِعالٌ من السَّعوطِ، مِثلَ «رَسولٌ»: دَواء يُصيبُ في الأنفِ (١). والاستِعاطُ والإسعاطُ عندَ الفُقهاءِ: إيصالُ الشَّيءِ إلى الدِّماغِ من الأنفِ (٢). اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا استعَط بدُهنٍ أو ماءٍ أو غَيرِهما، فوصَل إلى دِماغِه: فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ: يُفطِرُ بذلك، وإنْ لم يَصِلْ إلى حَلقِه؛ لِحَديثِ لَقيطِ بنِ صَبِرةَ، وفيه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٣). فدَلَّ على أنَّه إذا وصَل إلى الدِّماغِ شَيءٌ بطَل صَومُه، ولأنَّ الدِّماغَ أحَدُ الجَوفَيْن، فبطَل الصَّومُ بالواصِلِ إليه كالبَطنِ، وأنَّ فيه مَعنى الفِطرِ؛ فإنَّ الواصِلَ إلى الدِّماغِ فيه صَلاحُه وتَغذيَتُه، فيُفطِرُه. وقال الإمامُ مالِكٌ ﵀: مَتى وصَل إلى دِماغِه، ولم يَصِلْ إلى حَلقِه لم يُفطِرْه؛ لأنَّه ما لم يَصِلْ إلى الحَلقِ، لا يُوجِبِ الفِطرَ (٤).

стр. 2540

٢١ - مُداوَمةُ الآمةِ والجائِحةِ والجِراحِ: الآمةُ: جِراحةٌ في الرأسِ. والجائِحةُ: جِراحةٌ في البَطنِ. والمُرادُ بهذا -كما يَقولُ الكاسانيُّ ﵀: ما يَصِلُ إلى الجَوفِ من غَيرِ المَخارِقِ الأصليَّةِ (١). فإنْ داوى الصائِمُ الآمةَ أو الجائِحةَ أو الجِراحَ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيه: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا داوى فوصَل على داخِلِ دِماغِه صَومُه فاسِدٌ ويَجِبُ عليه القَضاءُ: لأنَّ الصَّومَ هو الإمساكُ عن كلِّ ما يَصِلُ إلى الجَوفُ، وهذا ما أمسَك، ولأنَّه واصِلٌ إلى جَوفِه باختيارِه، فأشبَهَ ما لو أكَل، ولأنَّه إذا بطَل الصَّومُ بما وصَل إلى الجَوفِ مما ليس بأكلٍ، كالسَّعوطِ والحُقنةِ، فكذلك إذا دخَل الدَّواءُ عن طَريقِ تَداوي الجائِفةِ أو المأمومةِ. قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لو داوى جُرحَه فوصَل الدَّواءُ إلى جَوفِه أو دِماغِه أفطَر عندَنا سَواءٌ كان الدَّواءُ رَطبًا أو يابِسًا (٢). أمَّا إذا شَكَّ في وُصولِ الدَّواءِ إلى الجَوفِ، فعندَ الحَنفيَّةِ بَعضُ التَّفصيلِ والخِلافِ: فإنْ كان الدَّواءُ رَطبًا، فعندَ أبي حَنيفةَ الظاهِرُ هو

стр. 2541

الوُصولُ لِوُجودِ المَنفَذِ إلى الجَوفِ، وهو السَّببُ، فيُبنى الحُكمُ على الظاهِرِ، وهو الوُصولُ عادةً. وقال الصاحبان: لا يُفطِرُ لِعَدمِ العِلمِ به، فلا يُفطِرُ بالشَّكِّ، فهما يُعتبَران المَخارِقَ الأصليَّةَ؛ لأنَّ الوُصولَ إلى الجَوفِ من المَخارِقِ الأصليَّةِ مُتيَقَّنٌ به، ومِن غَيرِهما مَشكوكٌ به، فلا نَحكُمُ بالفَسادِ مع الشَّكِّ. وأمَّا إذا كان الدَّواءُ يابِسًا، فلا فِطرَ اتِّفاقًا؛ لأنَّه لم يَصِلْ إلى الجَوفِ ولا إلى الدَّماغِ. لكنْ قال البابَرتيُّ ﵀: وأكثَرُ مَشايِخِنا على أنَّ العِبرةَ بالوَصلِ، حتى إذا عَلِم أنَّ الدَّواءَ اليابِسَ وصَل إلى جَوفِه، لم يَفسُدْ صَومُه عندَه، إلا أنَّه ذكَر الرَّطبَ واليابِسَ بِناءً على العادةِ، وإذا لم يَعلَمْ يَقينًا فسَد عندَ أبي حَنيفةَ، نَظرًا إلى العادةِ، لا عِندَهما (١). وذهَب المالِكيَّةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى عَدمِ الإفطارِ بمُداواةِ الجِراحِ؛ لأنَّه ليس بمَنفذٍ إلى الجَوفِ، فحُصولُ الشَّيءِ، فيه لا يُوجِبُ الإفطارَ، كداخِلِ الفَمِ والأنفِ. وقال الدَّرديريُّ، مُعلِّلًا عَدمَ الإفطارِ بوَضعِ الدُّهنِ على الجائِحةِ والجُرحِ الكائِنِ في البَطنِ الواصِلِ لِلجَوفِ: أنَّه لا يَصِلُ لِمَحلِّ الطَّعامِ والشَّرابِ وإلا ماتَ من ساعَتِه (٢).

стр. 2542

وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والأظهَرُ أنَّه لا يُفطِرُ بشَيءٍ من ذلك؛ فإنَّ الصِّيامَ من دينِ المُسلِمين الذي يَحتاجُ إلى مَعرِفتِه الخاصُّ والعامُّ، فلو كانت هذه الأُمورُ مما حَرَّمها اللهُ ورَسولُه ﷺ في الصِّيام، ويَفسُدُ الصَّومُ بها لَكان هذا مما يَجِبُ على الرَّسولِ بَيانُه، ولو ذكَر ذلك لَعَلِمَه الصَّحابةُ وبلَّغوه الأُمَّةَ كما بَلَّغوا سائِرَ شَرعِه، فلَمَّا لم يَنقُلْ أحَدٌ من أهلِ العِلمِ عن النَّبيِّ ﷺ في ذلك حَديثًا صَحيحًا ولا ضَعيفًا ولا مُسنَدًا ولا مُرسَلًا عُلِم أنَّه لم يُذكَرْ شَيءٌ من ذلك. والذين قالوا: إنَّ هذه الأُمورَ تُفطِرُ، كالحُقنةِ ومُداواةِ المأمومةِ والجائِفةِ لم يكنْ معهم حُجَّةٌ عن النَّبيِّ ﷺ وإنَّما ذكَروا ذلك بما رأوْه من القياسِ، وأقوى ما احتَجُّوا به قَولُه ﷺ : «وَبَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا»؛ قالوا: فدَلَّ ذلك على أنَّ ما وصَل إلى الدِّماغِ يُفطِرُ الصائِمَ إذا كان بفِعلِه، وعلى القياسِ كلُّ ما وصَل إلى جَوفِه بفِعلِه من حُقنةٍ وغَيرِها سَواءٌ كان ذلك في مَوضِعِ الطَّعامِ والغِذاءِ أو غَيرِه من حَشوِ جَوفِه. وإذا كان عُمدتُهم هذه الأقيسةَ ونَحوَها لم يَجُزْ إفسادُ الصَّومِ بمِثلِ هذه الأقيسةِ لِوُجوهٍ: ثم ذكَرها ﵀ (١).

стр. 2543

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2544

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2546

٢٢ - الاحتِقانُ (الحُقنةُ الشَّرَجيَّةُ): الاحتِقانُ: صَبُّ الدَّواءِ أو إدخالُ نَحوِه في الدُّبُرِ (١) وقد يَكونُ بمائِعٍ أو بغَيرِه: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ الاحتِقانَ بالمائِعِ من الماءِ -وهو الغالِبُ- أو غَيرِ الماءِ، يَفسُدُ الصَّومُ ويُوجِبُ القَضاءَ. مُعلِّلين ذلك بأنَّه يَصِلُ به الماءَ إلى الجَوفِ من مَنفَذٍ مَفتوحٍ، وبأنَّ غَيرُ المُعتادِ كالمُعتادِ في الواصِلِ، ولأنَّه أبلَغُ وأوْلى بوُجوبِ القَضاءِ من الاستِعاطِ بسَببِ الفَريضةِ الفاسِدةِ.

стр. 2547

ولِقَولِ ابنِ عَباسٍ ﵄: «الْفِطْرُ مِمَّا دخَل وَلَيْسَ مِمَّا خَرَجَ» (١). أمَّا الاحتِقانُ بالجامِدِ ففيه بَعضُ الخِلافِ: فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ ما يَدخُلُ إلى الجَوفِ من الدُّبُرِ بالحُقنةِ يُفطِرُ؛ لأنَّه واصِلٌ إلى الجَوفِ باختيارِه، فأشبَهَ الأكلَ (٢). وكذلك دُخولُ طَرفِ إصبَعٍ في المَخرَجِ حالَ الاستِنجاءِ يُفطِرُ، قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: لو أدخَل الرَّجلُ إِصْبَعَه أو غَيرَها في دُبُرِه، أو أدخَلت المَرأةُ إصبَعَها أو غَيرَها في دُبُرِها أو قُبُلِها، وبَقيَ البَعضُ خارِجًا، بطَل الصَّومُ باتِّفاقِ أصحابِنا (٣). وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ تَغَيُّبَ القُطنِ ونَحوهِ من الجَوامِدِ الجافَّةِ يُفسِدُ الصَّومَ، وعَدَمَ التَّغيُّبِ لا يُفسِدُه، كما لو بَقيَ طَرَفُه خارِجًا؛ لأنَّ عَدمَ تَمامِ الدُّخولِ كعَدمِ دُخولِ شَيءٍ بالمَرَّةِ، كإدخالِ الإصبَعِ غَيرِ المَبلولةِ، أمَّا المَبلولةُ بالماءِ والدُّهنِ فيُفسِدُه (٤). وخَصَّ المالِكيَّةُ الإفطارَ وبُطلانَ الصَّومِ بالحُقنةِ المائِعةِ نَصًّا. وقالوا: احترَز (خَليلٌ) بالمائِعِ عن الحُقنةِ بالجامِدِ، فلا قَضاءَ فيها، ولا في فَتائِلَ عليها دُهنٌ لِخِفَّتِها.

стр. 2548

وفي المُدوَّنةِ: قال ابنُ القاسِمِ: سُئِل مالِكٌ عن الفَتائِلِ تُجعَلُ لِلحُقنةِ؟ قال مالِكٌ: أرى ذلك خَفيفًا، ولا أرى عليه شَيئًا، قال مالِكٌ: وإنِ احتقَن بشَيءٍ يَصِلُ إلى جَوفِه، فأرى عليه القَضاءَ، قال ابنُ القاسِمِ: ولا كَفَّارةَ عليه (١). وخُلاصةُ مَذهَبِ المالِكيَّةِ في الحُقنةِ أربَعةُ أقوالٍ: أحَدُها: وهو المَشهورُ المَنصوصُ عليه في مُختصَرِ خَليلٍ: الإفطارُ بالحُقنةِ المائِعةِ. الثاني: أنَّ الحُقنةَ تُفطِرُ مُطلَقًا. الثالِثُ: أنَّ استِعمالَ الحُقنةِ مَكروهٌ. قال ابنُ حَبيبٍ ﵀: وكان مَنْ مَضى من السَّلفِ وأهلِ العِلمِ يَكرَهون التَّعالُجَ بالحُقَنِ إلا من ضَرورةٍ غالِبةٍ، لا تُوجَدُ عن التَّعالُجِ بها مَندوحةٌ، فلِهذا استُحِبَّ قَضاءُ الصَّومِ باستِعمالِها. الرابِعُ: أنَّها لا تُفطِرُ، واستَحسَنه اللَّخميُّ: لأنَّ ذلك لا يَصِلُ إلى المَعِدةِ، ولا مَوضعَ يَتصرَّفُ منه ما يُغَذِّي الجِسمَ بحالٍ (٢). وهذا هو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ ﵀ وقد سبَق كَلامُه في المَسألةِ السابِقةِ (٣).

стр. 2549

٢٣ - الحُقنةُ المُتَّخذةُ في مَسلَكِ البَولِ: يُعبِّرُ عنه الفُقهاءُ بالتَّقطيرِ وهو على هذا التَّفصيلِ: الأولُ: التَّقطيرُ في إحليلِ الرَّجلِ، أي: الذَّكرِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ ومالِكٌ وأحمدُ والشافِعيَّةُ في وَجهٍ وهو اختيارُ شَيخِ الإسلامِ ابنِ تَيميَّةَ إلى أنَّه لا يُفطِرُ، سَواءٌ أوصَل إلى المَثانةِ أو لم يَصِلْ؛ لأنَّه ليس باطِنُ الذَّكرِ والجَوفِ مَنفَذًا، وإنَّما يَخرُجُ البَولُ مُرشَّحًا، فالذي يَترُكه فيه، لا يَصِلُ إلى الجَوفِ فلا يُفطِرُه، كالذي يَترُكُه في فيه ولم يَبتَلِعْه (١). قال البُهوتيُّ ﵀: لو قطَّر فيه، أو غيَّب فيه شَيئًا فوصَل إلى المَثانةِ لم يَبطُلْ صَومُه (٢). أمَّا الشافِعيَّةُ فقال النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا إذا قطَّر في إحليلِه شَيئًا ولم يَصِلْ إلى المَثانةِ، أو زرَّق فيه مِيلًا ففيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ: أصَحُّها: يُفطِرُ، وبه قطَع الأكثَرون. والثاني: لا. والثالِثُ: إنْ جاوَز الحَشفةَ أفطَرَ وإلا فلا، واللهُ أعلَمُ (٣).

стр. 2550

الثاني: التَّقطيرُ في فَرجِ المَرأةِ: ذهَب الحَنفيَّةُ في الأصَحِّ والمالِكيَّةُ في المَذهَبِ وهو ما يُؤخَذُ من كَلامِ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ الذين نَصُّوا على الإحليلِ فقط إلى فَسادِ الصَّومِ به، وعَلَّله الكَمالُ بنُ الهُمامِ بأنَّه شَبيهٌ بالحُقنةِ. ووَجهٌ عندَ المالِكيَّةِ: استِجماعُ شَرطَيْن: أحَدُهما: أنَّه من المَنفَذِ السافِلِ الواسِعِ. والآخَرُ: الاحتِقانُ بالمائِعِ. وقد نَصَّ الدَّرديرُ ﵀ على الإفطارِ به، ونَصَّ الدُّسوقيُّ على وُجوبِ القَضاءِ على المَشهورِ، ومُقابِلُه لابنِ حَبيبٍ استِحبابُ القَضاءِ، بسَبَبِ الحُقنةِ من المائِعِ المُوصِّلةِ إلى المَعِدةِ، من الدُّبُرِ أو فَرجِ المَرأةِ. كما نَصَّ الدَّرديرُ على أنَّ الاحتِقانَ بالجامِدِ، لا قَضاءَ فيه، ولا في الفَتائِلِ التي عليها دُهنٌ (١). ٢٤ - الكُحلُ لِلصائِمِ: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما إذا اكتحَل الصائِمُ بما يَصِلُ إلى حَلقِه، إمَّا

стр. 2551

لِرُطوبَتِه، كالأشيافِ (١)، أو لِحِدَّتِه: «كالذَّرُورِ المُطَيَّبِ» (٢). فقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: لا يُفطِرُ. لِما رَوَت عائِشةُ ﵂ قالت: «اكْتَحَلَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وهو صَائِمٌ» (٣). ولِما رَوى أبو داودَ أنَّ أنسَ بنَ مالِكٍ ﵁: «كان يَكْتَحِلُ وهو صَائِمٌ» (٤). ولأنَّ العَينَ ليست بمَنفَذٍ، فلم يَبطُلِ الصَّومُ بما وصَل بها، وسَواءٌ وجَد طَعمَه في حَلقِه أو لا؛ لأنَّ المَوجودَ في حَلقِه أثَرُه داخِلًا من المَسامِّ، والمُفطِرُ الداخِلُ من المَنافِذِ كالمَدخَلِ والمَخرجِ، لا من المَسامِّ الذي هو خَلَلُ البَدنِ لِلاتِّفاقِ فيمَن شرَع في الماءِ يَجِدُ بَردَه في بَطنِه ولا يُفطِرُ. وقال الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ: إنْ وجَد طَعمَه في حَلقِه أو عَلِم وُصولَه إليه يُفطِرُ، وإلا فلا؛ لأنَّه أوصَل إلى حَلقِه ما هو مَمنوعٌ من تَناوُلِه فأفطَر كما لو أوصلَه من أنفِه (٥).

стр. 2552

فصل في عَوارِضُ الإفطارِ عَوارِضُ الإفطارِ: المُرادُ بالعَوارِضِ: ما يُبيحُ عَدَمَ الصَّومِ. وهي: المَرضُ، والسَّفرُ، والحَملُ، والرَّضاعُ، والهَرمُ، وإرهاقُ الجُوعِ والعَطشِ (١) لكنْ بَعضُها مُرخَّصٌ وبَعضُها مُبيحٌ مُطلَقٌ لا مُوجِبٌ. أولاً: المَرضُ: المَرضُ هو: كلُّ ما خرَج به الإنسانُ عن حَدِّ الصِّحَّةِ من عِلَّةٍ (٢). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على إباحةِ الفِطرِ لِلمَريضِ في الجُملةِ (٣). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: إذا أصبَح الصَّحيحُ صائِمًا ثم مَرِض، جازَ له الفِطرُ بلا خِلافٍ (٤).

стр. 2553

والأصلُ فيه قَولُه تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. واتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ المَريضَ الذي يَخافُ زِيادةً في مَرضِه بالصَّوم أو إبطاءَ البُرءِ أو فَسادَ عُضوٍ، له أن يُفطِرَ ويَقضيَ، بل يُسَنُّ فِطرُه، ويُكرهُ إتمامُه؛ لأنَّه قد يُفضي إلى الهَلاكِ، فيَجِبُ الاحتِرازُ عنه (١). المَرضُ الذي يُباحُ له الفِطرُ: قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀ نَقلًا عن القاضي عِياضٍ: جُمهورُ العُلماءِ على أنَّ المَرضَ المُبيحَ لِلفِطرِ هو ما يَشُقُّ معه الصَّومُ، وأباحَه بَعضُهم لِكُلِّ مَريضٍ، هذا آخِرُ كَلامِ القاضي (٢). وقال النَّوَويُّ ﵀ أيضًا: المَريضُ العاجِزُ عن الصَّومِ لِمَرضٍ يُرجى زَوالُه، لا يَلزمُه الصَّومُ في الحالِ، ويَلزَمُه القَضاءُ، لِما ذكَره المُصنِّفُ، هذا إذا لَحِقه مَشقَّةٌ ظاهِرةٌ بالصَّومِ، ولا يُشترَطُ أنْ يَنتهيَ إلى حالةٍ لا يُمكِنُه فيها الصَّومُ، بل قال أصحابُنا: شَرطُ إباحةِ الفِطرِ أنْ يَلحَقَه مَشقَّةٌ يَشُقُّ احتِمالُها، وأمَّا المَرضُ اليَسيرُ الذي لا يَلحَقُه به مَشقَّةٌ ظاهِرةٌ، لم يَجُزْ له الفِطرُ بلا خِلافٍ عندَنا، خِلافًا لِأهلِ الظاهِرِ.

стр. 2554

قال أصحابُنا: ثم المَرضُ المُجوِّزُ لِلفِطرِ إنْ كان مُطيقًا فله تَركُ النيَّةِ باللَّيلِ، وإنْ كان يُحَمُّ ويَنقَطِعُ، ووَقتُ الحُمَّى لا يَقدِرُ على الصَّومِ، وإذا لم تَكُنْ حُمَّى يَقدِرُ عليها؛ فإنَّ كان مَحمومًا وَقتَ الشُّروعِ في الصَّومِ فله تَركُ النيَّةِ، وإلا فعليه أنْ يَنويَ من اللَّيلِ، ثم إنْ عاد المَرَضُ واحتاجَ إلى الفِطرِ أفطَر، واللهُ أعلَمُ (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: المَرضُ المُبيحُ لِلفِطرِ هو الشَّديدُ الذي يَزيدُ بالصَّومِ أو يُخشَى تَباطُؤُ بُرئِه، قيلَ لِأحمدَ: متى يُفطِرُ المَريضُ؟ قال: إذا لم يَستطِعْ. قيل: مِثلَ الحُمَّى؟ قال: وأيُّ مَرضٍ أشَدُّ من الحُمَّى. وحُكي عن بَعضِ السَّلفِ أنَّه أباحَ الفِطرَ بكلِّ مَرضٍ حتى من وَجعِ الإصبَعِ والضِّرسِ لِعُمومِ الآيةِ فيه، ولأنَّ المُسافِرَ يُباحُ له الفِطرُ وإنْ لم يَحتَجْ إليه، فكذلك المَريضُ. ولنا: أنَّه شاهِدٌ لِلشَّهرِ لا يُؤذيه الصَّومُ فلَزمه كالصَّحيحِ، والآيةُ مَخصوصةٌ بالمُسافِرِ والمَريضِ جَميعًا بدَليلِ أنَّ المُسافِرَ لا يُباحُ له الفِطرُ في السَّفرِ القَصيرِ والفَرقُ بينَ المُسافِرِ والمَريضِ أنَّ السَّفرَ اعتُبِرت فيه المَظِنَّةُ وهو السَّفرُ الطَّويلُ حيثُ لم يُمكِنِ اعتبارُ الحِكمةِ بنَفسِها. فإنَّ قَليلَ المَشقَّةِ لا يُبيحُ وكَثيرَها لا ضابِطَ له في نَفسِه، فاعتُبِرت بمَظِنَّتِها وهو السَّفرُ الطَّويلُ، فدارَ الحُكمُ مع المَظِنَّةِ وُجودًا وعَدمًا والمَرضُ لا ضابِطَ له؛ فإنَّ الأمراضَ تَختلِفُ، منها ما يَضُرُّ صاحِبَه الصَّومُ،

стр. 2555

ومنها ما لا أثَرَ لِلصَّومِ فيه، كوَجعِ الضِّرسِ وجُرحٍ في الأُصبُعِ والدُّمَّلِ والقُرحةِ اليَسيرةِ والجَرَبِ وأشباهِ ذلك، فلم يَصلُحِ المَرضُ ضابِطًا، وأمكَن اعتبارُ الحِكمةِ وهو ما يُخافُ منه الضَّررُ، فوجَب اعتِبارُه. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنْ تَحمَّلَ المَريضُ وصامَ مع هذا فقد فعَل مَكروهًا، لِما يَتضمَّنُه من الإضرارِ بنَفسِه، وتَركِه تَخفيفَ اللهِ تَعالى، وقَبولَ رُخصتِه، ويَصحُّ صَومُه ويُجزِئُه؛ لأنَّه عَزيمةٌ ترَكها رُخصةً، فإذا تَحمَّله أجزأه كالمَريضِ الذي يُباحُ له تَركُ الجُمُعةِ إذا حضَرها، والذي يُباحُ له تَركُ القيامِ إذا قامَ فيها (١). الصَّحيحُ الذي يَخافُ المَرضَ: تقدَّم أنَّ شِدَّةَ المَرضِ تُجيزُ الفِطرَ لِلمَريضِ إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في الصَّحيحِ إذا خافَ الشِّدَّةَ أو التَّعَبَ هل يُباحُ له الفِطرُ أو لا؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في الجُملةِ عندَهم أنَّ الصَّحيحَ إذا خاف المَرضَ بغَلبةِ الظَّنِّ بأمارةٍ وتَجرِبةٍ أو بإخبارِ طَبيبٍ أنَّ له الفِطرَ. قال الحَنفيَّةُ: إنْ خاف الصَّحيحُ المَرضَ بغَلبةِ الظَّنِّ بأمارةٍ وتَجرِبةٍ، أو بإخبارٍ مِنْ طَبيبٍ حاذِقٍ مُسلِمٍ مَستورٍ فله الفِطرُ؛ فإنْ خافَه بمُجرَّدِ الوَهمِ فليس له الفِطرُ (٢).

стр. 2556

وقال الشافِعيَّةُ: مَنْ غلَبه الجُوعُ والعَطشُ فخاف الهَلاكَ لَزِمه الفِطرُ، وإنْ كان صَحيحًا مُقيمًا، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ويَلزمُه القَضاءُ كالمَريضِ. وإنْ تَعدَّى المَريضُ بفِعلِ ما أمرَضه يُباحُ له تَركُ الصَّومِ، إذا وجَد به ضَررًا شديدًا، لكنَّهم شَرَطوا لِجَوازِ فِطرِه نيَّةَ التَّرخيصِ كما قال الرَّمليُّ واعتمَدَه. وفرَّقوا بينَ المَرضِ المُطبِقِ وبينَ المَرضِ المُتقطِّعِ: فإنْ كان المَرضُ مُطبِقًا، فله تَركُ النيَّةِ في اللَّيلِ. وإنْ كان يُحَمُّ ويَنقطِعُ، نُظِرَ: فإنْ كان مَحمومًا وَقتَ الشُّروعِ في الصَّومِ فله تَركُ النيَّةِ، وإلا فعليه أنْ يَنويَ من اللَّيلِ فإنِ احتاجَ إلى الإفطارِ أفطَرَ. ومِثلُ ذلك: الحَصادُ والبِناءُ والحارِسُ -ولو مُتبرِّعًا- فتَجِبُ عليهم النيَّةُ لَيلًا، ثم إنْ لَحِقتْهم مَشقَّةٌ أفطَروا (١). أمَّا الحَنابِلةُ فقال ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنَّ الذي يَخشى المَرضَ بالصِّيامِ كالمَريضِ الذي يُخافُ زيادَتُه في إباحةِ الفِطرِ؛ لأنَّ المَريضَ إنَّما أُبيحَ له الفِطرُ خَوفًا مما يَتجدَّدُ بصيامِه من زِيادةِ المَرضِ وتَطاوُلِه، فالخَوفُ من تَجدُّدِ المَرضِ في مَعناه.

стр. 2557

قال أحمدُ فيمَن به شَهوةٌ غالِبةٌ لِلجِماعِ يَخافُ أنْ تَنشَقَّ أُنثَياه فله الفِطرُ، وقال في الجاريةِ تَصومُ إذا حاضَت؛ فإنْ جهَدها الصَّومُ فلتُفطِرْ ولتَقضِ، يَعني: إذا حاضَت وهي صَغيرةٌ لم تَبلُغْ خَمسَ عَشرةَ سَنةً. قال القاضي: هذا إذا كانت تَخافُ المَرضَ بالصِّيامِ أُبيحَ لها الفِطرُ وإلا فلا. فَصلٌ: ومَن أُبيحَ له الفِطرُ لِشِدَّةِ شَبَقِه إنْ أمكَنه استِدفاعُ الشَّهوةِ بغَيرِ جِماعٍ كالاستِمناءِ بيَدِه أو بيَدِ امرأتِه أو جاريَتِه لم يَجُزْ له الجِماعُ؛ لأنَّه فِطرٌ لِلضَّرورةِ، فلَم تُبَحْ له الزِّيادةُ على ما تَندَفِعُ به الضَّرورةُ كأكلِ المَيتةِ عندَ الضَّرورةِ، وإنْ جامَع فعليه الكَفَّارةُ، وكذلك إنْ أمكَنَه دَفعُها بما لا يُفسِدُ صَومَ غَيرِه كوَطءِ زَوجَتِه أو أمَتِه الصَّغيرةِ أو الكِتابيَّةِ أو مُباشَرةِ الكَبيرةِ المُسلِمةِ دونَ الفَرجِ، أو الاستِمناءِ بيَدِها أو بيَدِه لم يُبَحْ له إفسادُ صَومِ غَيرِه؛ لأنَّ الضَّرورةَ إذا اندَفَعت لم يُبَحْ له ما وراءَها كالشِّبعِ من المَيتةِ إذا اندفَعت الضَّرورةُ بسَدِّ الرَّمقِ، وإنْ لم تَندفِعِ الضَّرورةُ إلا بإفسادِ صَومِ غَيرِه أُبيحَ ذلك؛ لأنَّه مما تَدعو الضَّرورةُ إليه، فأُبيحَ كفِطرِه، وكالحامِلِ والمُرضِعِ تُفطِران خَوفًا على وَلَدَيْهما. فإنْ كان له امرأتان حائِضٌ وطاهِرةٌ صائِمةٌ ودَعَتْه الضَّرورةُ إلى وَطءِ إحداهما احتمَل وَجهَيْن، أحَدُهما وَطءُ الصائِمةِ أوْلى؛ لأنَّ اللهَ تَعالى نَصَّ على النَّهيِ عن وَطءِ الحائِضِ في كِتابِه، ولأنَّ وَطأها فيه أذًى لا يَزولُ بالحاجةِ إلى الوَطءِ.

стр. 2558

والثاني يَتخيَّرُ؛ لأنَّ وَطءَ الصائِمةِ يُفسِدُ صيامَها، فتَتعارَضُ المَفسَدتان فيَتساوَيان (١). وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الصَّحيحَ إذا خافَ الشِّدَّةَ أو التَّعبَ لا يَجوزُ له الفِطرُ، إذا حصَل له بالصَّومِ مُجرَّدُ شِدَّةِ تَعبٍ، وإنْ قيلَ بجَوازِ فِطرِه. قال الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: (و) جازَ الفِطرُ (بمَرضٍ خافَ) أي: ظَنَّ لِقَولِ طَبيبٍ عارِفٍ أو تَجرِبةٍ أو لِمُوافِقٍ في المِزاجِ (زيادَتَه أو تَماديَه) بأنْ يَتأخَّرَ البُرءُ، وكذا إنْ حصَل لِلمَريضِ بالصَّومِ شِدَّةُ تَعبٍ بخِلافِ الصَّحيحِ. قال الدُّسوقيُّ: قَولُه: (بخِلافِ الصَّحيحِ) أي؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ إذا حصَل له بالصَّومِ مُجرَّدُ شِدَّةِ تَعبٍ، وهذا هو المَشهورُ، وسيأتي لِلشارِحِ قَولٌ آخَرُ بجَوازِ فِطرِه، وكذلك لو خاف الصَّحيحُ حُصولَ أصلِ المَرضِ بصَومِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ على المَشهورِ؛ إذ لَعَلَّه لا يَنْزِلُ به المَرضُ إذا صام، وقيل: يَجوزُ له الفِطرُ. وقال الدَّرديرُ أيضًا: ووجَب الفِطرُ لِمَريضٍ وصَحيحٍ إنْ خاف على نَفسِه بصَومِه هَلاكًا أو شَديدَ أذًى كتَعطيلِ مَنفَعةٍ مِنْ سَمْعٍ أو بَصَرٍ أو غَيرِهما لِوُجوبِ حِفظِ النَّفسِ، وأمَّا الجَهدُ الشَّديدُ فيُبيحُ الفِطرَ لِلمَريضِ، وقيلَ: والصَّحيحُ أيضًا (٢).

стр. 2559

ولَخَّص ابنُ جُزَيٍّ من المالِكيَّةِ أحوالَ المَريضِ بالنِّسبةِ إلى الصَّومِ، وقال: لِلمَريضِ أحوالٌ: الأُولى: ألَّا يَقدِرَ على الصَّومِ أو أنْ يَخافَ الهَلاكَ من المَرضِ أو الضَّعفَ إنْ صامَ فالفِطرُ عليه واجِبٌ. والثانية: أنْ يَقدِرَ على الصَّومِ بمَشقَّةٍ، فالفِطرُ له جائِزٌ، وقال ابنُ العَربيِّ: مُستحَبٌّ. والثالِثةُ: أنْ يَقدِرَ بمَشقَّةٍ، ويَخافَ زيادةَ المَرضِ، ففي وُجوبِ فِطرِه قَولان. الرابِعةُ: ألَّا يَشُقَّ عليه، وألا يَخافَ زيادةَ المَرضِ فلا يُفطِرَ عندَ الجُمهورِ خِلافًا لِابنِ سِيرينَ (١). ثانيًا: السَّفَرُ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ لِلمسافِرِ أنْ يَترخَّصَ بالفِطرِ، وعليه القَضاءُ، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولِما رَوَت عائِشةُ ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قال لِلنَّبِيِّ ﷺ : «أَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كَثِيرَ الصِّيامِ، فقال: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» (٢). وقد نقَل الإجماعَ على ذلك النَّوَويُّ وابنُ قُدامةَ وابنُ هُبَيرةَ وابنُ حَزمٍ وغَيرُهم (٣).

стр. 2560

صِحَّةُ الصَّومِ في السَّفرِ: ذهَب الأئِمَّةُ الأربَعةُ إلى أنَّ المُسافِرَ لو صام في سَفرِه صَومُه صَحيحٌ مُجزِئٌ عنه، لِما رَوت عائشة ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قال لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كَثِيرَ الصِّيامِ، فقال: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» (١). وقال أنَسٌ ﵁: «كُنَّا نُسَافِرُ مع النَّبيِّ ﷺ فلَم يَعِبِ الصَّائِمُ على الْمُفْطِرِ ولا الْمُفْطِرُ على الصَّائِمِ» (٢)، ولِغَيرِ ذلك من الأحاديثِ (٣). الأفضَلُ الصَّومُ في السَّفرِ أم الفِطرُ؟ اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ في: أيُّهما أفضَلُ لِلمُسافِرِ هل الصَّومُ أو الفِطرُ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ الصَّومَ أفضَلُ من الفِطرِ، إذا لم يُجهِدْه الصَّومُ ولم يُضعِفْه، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ كانت له حَمُولَةٌ تَأْوِي إلى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حيثُ أَدْرَكَهُ» (٤).
следующие страницы →