← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

قالَ العَدويُّ ﵀: قَولُه: (لأنَّ حَلقَهما بِدعةٌ) أي: بِدعةٌ مُحرَّمةٌ في اللِّحيةِ في حَقِّ الرَّجلِ، وأمَّا المَرأةُ فقد تَقدَّم أنَّه يَجبُ عليها حَلقُ لِحيتِها (١). أمَّا الحَنابِلةُ فقالَ منهم ابنُ مُفلحٍ في الفُروعِ بعدَ أنْ ساقَ الأَحاديثَ: وهذه الصِّيغةُ تَقتَضي عندَ أَصحابِنا التَّحريمَ (٢). وقالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: ويَحرمُ حَلقُ اللِّحيةِ (٣). وقد نقَلَ ابنُ حَزمٍ ﵀: الإِجماعُ على حُرمةِ حَلقِ اللِّحيةِ، قالَ: واتَّفَقوا أنَّ حَلقَ جَميعِ اللِّحيةِ مُثلةٌ، لا تَجوزُ، وكذلك الخَليفةُ والفاضِلُ والعالِمُ (٤). أمَّا الشافِعيةُ: فقيلَ في «إِعانة الطَّالِبين»: (ويَحرمُ حَلقُ لِحيةٍ)، المُعتمدُ عندَ الغَزاليِّ وشَيخِ الإِسلامِ وابنِ حَجرٍ في «التُّحفة» والرَّمليِّ والخَطيبِ وغيرِهم الكَراهةُ. ثم قالَ: (فائِدةٌ) قالَ الشَّيخانِ: يُكرهُ حَلقُ اللِّحيةِ، واعتَرَضه ابنُ الرِّفعةِ في «حاشية الكافية» بأنَّ الشافِعيَّ ﵁ نَصَّ في «الأُم» على التَّحريمِ (٥).

стр. 282

قالَ الزَّركَشيُّ: وكذا الحَليميُّ في شُعبِ الإيمانِ وأُستاذُه القَفالُ الشاشيُّ في مَحاسنِ الشَّريعةِ. وقالَ الأذرَعيُّ: الصَّوابُ تَحريمُ حَلقِها جُملةً لغيرِ عِلةٍ (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: المُختارُ تَركُ اللِّحيةِ على حالِها، وألَّا يَتعرَّضَ لها بتَقصيرِ شَيءٍ أصلًا (٢). وقالَ أبو شامةَ من الشافِعيةِ: وقد حدَثَ قَومٌ يَحلِقون لِحاهُم، وهو أشَدُّ مما نُقلَ عن المَجوسِ من أنَّهم كانوا يَقصُّونها (٣). وأمَّا الأخذُ من اللِّحيةِ إذا طالَت فنَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا يَحرمُ الأخذُ من اللِّحيةِ فيما زادَ على قَبضةِ اليَدِ ويَجوزُ فيما زادَ، وقالَ الشافِعيةُ: يُكرهُ. وقد ورَدَ في ذلك حَديثٌ، ليسَ ضَعيفًا جِدًّا، عن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَأخذُ من لِحيَتِه من عَرضِها وطُولِها (٤).

стр. 283

قالَ الإمامُ المَوصليُّ الحَنفيُّ ﵀: وإِعفاءُ اللِّحى، قالَ مُحمدٌ عن أبي حَنيفةَ: تَركُها حتى تَكَثَّ وتَكثُرَ، والتَّقصيرُ فيها سُنةٌ، وهو أنْ يَقبضَ الرَّجلُ لِحيتَه فما زادَ على قَبضتِه قطَعَه؛ لأنَّ اللِّحيةَ زينةٌ وكَثرتُها من كَمالِ الزِّينةِ وطُولُها الفاحِشُ خِلافٌ للسُّنةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عابِدينَ ﵀: قَولُه: (والسُّنةُ فيها القَبضةُ) وهو أنْ يَقبضَ الرَّجلُ لِحيتَه فما زادَ منها على قَبضةٍ قطَعَه. كذا ذكَرَه مُحمدٌ في كِتابِ الآثارِ عن الإمامِ، قالَ: وبه نَأخذُ. فائِدةٌ: رَوى الطَّبرانِيُّ عن ابنِ عَباسٍ رَفعَه: «من سَعادةِ المَرءِ خِفةُ لِحيتِه». واشتُهِرَ أنَّ طُولَ اللِّحيةِ دَليلٌ على خِفةِ العَقلِ، وأنشَدَ بَعضُهم: ما أحدٌ طالَت له لِحيةٌ … فزادَت اللِّحيةُ في هَيئتِه إلا وما يَنقُصُ من عَقلِه … أكثَرُ مما زادَ في لِحيتِه لَطيفةٌ: نُقلَ عن هِشامِ بنِ الكَلبيِّ قالَ: حفِظتُ ما لم يَحفَظْه أحدٌ ونَسيتُ ما لم يَنسَه أحَدٌ، حفِظتُ القُرآنَ في ثَلاثةِ أيامٍ، وأرَدتُ أنْ أقطَعَ من لِحيَتي ما زادَ على القَبضةِ فنَسيتُ فقطَعتُ من أعلاها (٢).

стр. 284

وفي قَولٍ للحَنفيةِ: يَجبُ قَطعُ ما زادَ على «القُبضةِ» بالضَّمِّ، ومُقتَضاه الإثْمُ بتَركِه (١). وعنِ ابنِ القاسِمِ قالَ: سمِعتُ مالِكًا يَقولُ: لا بأسَ أنْ يُؤخذَ ما تَطايلَ من اللِّحيةِ وشَذَّ، قالَ: فقيلَ لمالِكٍ: فإذا طالَت جِدًّا؛ فإنَّ من اللِّحَى ما تَطولُ، قالَ: أرَى أنْ يُؤخذَ منها وتُقصَّرَ (٢). قالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وما استَحسَنه مالِكٌ من أنْ يُؤخذَ من اللِّحى إذا طالَت جِدًّا حَسنٌ ليسَ فيه ما يُخالِفُ أمرَ النَّبيِّ ﷺ بإِعفائِها، بل فيه ما يَدلُّ على ذلك بالمَعنى؛ لأنَّه إنَّما أمَرَ ﷺ بإِعفاءِ اللِّحي؛ لأنَّ حَلقَها أو قَصَّها تَشويهٌ ومُثلةٌ، وكذلك طُولُها … سَماجةٌ وشُهرةٌ، ولو ترَكَ بعضُ الناسِ الأخذَ من لِحيتِه لانتَهَت إلى سُرتِه أو إلى ما هو أسفَلَ من ذلك، وذلك مما يُستقبَحُ، وباللهِ التَّوفيقُ (٣). وقالَ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: وفي أخذِ ابنِ عُمرَ من آخِرِ لِحيتِه في الحَجِّ دَليلٌ على جَوازِ الأخذِ من اللِّحيةِ في غَيرِ الحَجِّ؛ لأنَّه لو كانَ غيرَ جائِزٍ ما جازَ في الحَجِّ؛ لأنَّهم أُمِروا أنْ يَحلِقوا أو يُقصِّروا إذا حَلُّوا مَحلَّ حَجِّهم ما نُهوا عنه في حَجِّهم.

стр. 285

وابنُ عُمرَ رَوى عن النَّبيِّ ﷺ : «أعفُوا اللِّحى» وهو أعلَمُ بمَعنى ما رَوى فكانَ المَعنى عندَه وعندَ جُمهورِ العُلماءِ الأخذُ من اللِّحيةِ ما تَطايَرَ، واللهُ أعلَمُ. ورُويَ عن عليٍّ ﵁ أنَّه كانَ يَأخذُ من لِحيتِه ما يَلي وَجهَه. وقالَ إِبراهيمُ: كانوا يَأخُذونَ من عَوارِضِ لِحاهُم. وكانَ إِبراهيمُ يَأخذُ من عارِضِ لِحيتِه. وعن أبي هُرَيرةَ أنَّه كانَ يَأخذُ من اللِّحيةِ ما فضَلَ عن القَبضةِ. وعن ابنِ عُمرَ مِثلُ ذلك، وعن الحَسنِ مِثلُه. وقال قَتادةُ: ما كانوا يأخُذونَ من طُولِها إلا في حَجٍّ أو عُمرةٍ كانوا يَأخُذونَ من العارِضَينَ (١). وقالَ القاضِي عِياضٌ ﵀: وأمَّا الأخذُ مِنْ طُولِها فحَسنٌ، قالَ: وتُكرهُ الشُّهرةُ في تَعظيمِها، كما يُكرهُ في قَصِّها وجَزِّها، قالَ: وقد اختَلَف السَّلفُ هل لذلك حَدٌّ؟ فمنهم مَنْ لم يُحدِّدْ شَيئًا في ذلك إلا أنَّه لا يَتركُها لحَدِّ الشُّهرةِ، ويَأخذُ منها، وكرِهَ مالِكٌ طُولهَا جِدًّا، ومنهم مَنْ حدَّدَ بما زادَ على القَبضةِ فيُزالُ، ومنهم من كرِهَ الأخذَ منها إلا في حَجٍّ أو عُمرةٍ (٢). وقالَ النَّفراويُّ المالِكيُّ ﵀: يَحرمُ حَلقُها إذا كانَت لرَجلٍ، وأمَّا قَصُّها فإنْ لم تَكنْ طالَت فكذلك، وأمَّا لو طالَت كَثيرًا فأشارَ إلى حُكمِه بقَولِه: قالَ

стр. 286

مالِكٌ ﵁: ولا بأسَ بالأخذِ من طُولِها إذا طالَت طُولًا كَثيرًا بحيث خرَجَت عن المُعتادِ لغالِبِ الناسِ فيُقصُّ الزائِدُ؛ لأنَّ بَقاءَه يَقبُحُ به المَنظرُ، وحُكمُ الأخذِ النَّدبُ فلا بأسَ هنا لمَا هو خَيرٌ من غيرِه، والمَعروفُ لا حَدَّ للمَأخوذِ، ويَنبَغي الاقتِصارُ على ما تَحسُنُ به الهَيئةُ، وقالَ الباجيُّ: يَقصُّ ما زادَ على القَبضةِ، ويَدلُّ عليه فِعلُ عُمرَ وأبي هُريرةَ؛ فإنَّهما كانا يَأخُذانِ من لِحيتَيهما ما زادَ على القَبضةِ، والمُرادُ بطُولِها طُولُ شَعرِها، فيَشملُ جَوانبَها، فلا بأسَ بالأخذِ منها أيضًا، ولمَّا كانَ قَولُه: قالَ مالِكٌ: ولا بأسَ، يُوهمُ انفِرادَ مالِكٍ بقَولِه قالَ، وقالَه -أي: نَدبُ الأخذِ من الطَّويلةِ، قبلَ مالِكٍ- غيرُ واحِدٍ من الصَّحابةِ وغيرُ واحِدٍ من التابِعينَ رَضيَ اللهُ عن الجَميعِ (١). وقالَ الحَنابِلةُ: لا يُكرهُ أخذُ ما زادَ على القَبضةِ. قالَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ولا يُكرهُ أخذُ ما زادَ على القَبضةِ، ونَصُّه: لا بأسَ بأخذِه وما تحتَ حَلقِه لفِعلِ ابنِ عُمرَ، لكنْ إنَّما فعَلَه إذا حَجَّ أو اعتمَرَ، رَواه البُخاريُّ، وفي «المُستوعِب»: وتَركُه أَولى، وقيلَ: يُكرهُ، وأخَذَ أحمَدُ من حاجِبَيه وعارِضَيه، نقَلَه ابنُ هانئٍ (٢). قالَ ابنُ هانئٍ: سألتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن الرَّجلِ يَأخذُ من عارِضَيه؟ قال: يَأخذُ من اللِّحيةِ ما فضَلَ عن القَبضةِ.

стр. 287

قُلتُ: فحَديثُ النَّبيِّ ﷺ : «أحفُوا الشَّواربَ وأعفُوا اللِّحى»؟ قالَ: يَأخذُ من طُولِها، ومِن تحتِ حَلقِه. ورَأيتُ أبا عبدِ اللَّهِ يَأخذُ من طُولِها، ومن تحتِ حَلقِه (١). وأمَّا الشافِعيةُ؛ فقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وجاءَ في رِوايةِ البُخاريِّ وفِّروا اللِّحى، فحصَلَ خَمسُ رِواياتٍ: «أعْفُوا، وأوْفُوا، وأرْخُوا، وأرْجُوا، ووَفِّروا»، ومَعناها كلِّها تَركُها على حالِها، هذا هو الظاهِرُ من الحَديثِ الذي تَقتَضيه ألفاظُه، وهو الذي قالَه جَماعةٌ من أَصحابِنا وغيرُهم من العُلماءِ (٢). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ أيضًا: وقد ذكَرَ العُلماءُ في اللِّحيةِ عَشرَ خِصالٍ مَكروهةٍ، بَعضُها أشَدُّ قُبحًا من بَعضٍ. إِحداها: خِضابُها بالسَّوادِ إلا لغَرضِ الجِهادِ. الثانيةُ: خِضابُها بالصُّفرةِ تَشبُّهًا بالصالِحينَ لا لاتِّباعِ السُّنةِ. الثالِثةُ: تَبييضُها بالكِبريتِ أو غيرِه استِعجالًا للشَّيخوخةِ لأجلِ الرِّياسةِ والتَّعظيمِ وإِيهامِ أنَّه من المَشايخِ. الرابِعةُ: نَتفُها أو حَلقُها أوَّلَ طُلوعِها إِيثارًا للمُرودةِ وحُسنِ الصُّورةِ. الخامِسةُ: نَتفُ الشَّيبِ.

стр. 288

السادِسةُ: تَصفيفُها طاقةً فَوقَ طاقةٍ تَصنُّعًا ليَستحسِنَه النِّساءُ وغيرُهنَّ. السابِعةُ: الزِّيادةُ فيها والنَّقصُ منها بالزِّيادةِ في شَعرِ العِذارِ من الصُّدغَينِ أو أخذِ بعضِ العِذارِ في حَلقِ الرأسِ ونَتفِ جانِبَي العَنفَقةِ وغيرِ ذلك. الثامِنةُ: تَسريحُها تَصنُّعًا لأجلِ الناسِ. التاسِعةُ: تَركُها شَعثةً مُلبَّدةً إظهارًا للزَّهادةِ وقِلةِ المُبالاةِ بنَفسِه. العاشِرةُ: النَّظرُ إلى سَوادِها وبَياضِها إِعجابًا وخُيلاءَ وغُرورًا بالشَّبابِ وفَخرًا بالمَشيبِ وتَطاولًا على الشَّبابِ. الحاديةَ عَشرةَ: عَقدُها وضَفرُها. الثانيةَ عَشرةَ: حَلقُها إلا إذا نبَتَ للمَرأةِ لِحيةٌ فيُستحبُّ لها حَلقُها، واللهُ أعلَمُ (١). ١٠ - السِّواكُ: تَعريفُ السِّواكِ لُغةً: السِّواكُ بكَسرِ السِّينِ، يُطلقُ على الفِعلِ، وهو الاستِياكُ، وعلى الآلةِ التي يُستاكُ بها، ويُقالَ في الآلةِ أيضًا: مِسواكٌ، بكَسرِ الميمِ، يُقالُ: ساكَ فاه يَسوكُه سَوكًا، وجَمعُه سُوُكٌ بضَمِّ السِّينِ والواوِ ككِتابٍ وكُتُبٍ. والسِّواكُ: مُشتقٌّ من ساكَ الشَّيءَ إذا دلَكَه (٢).

стр. 289

والسِّواكُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: يُطلقُ على الفِعلِ، وهو الاستِياكُ، وعلى الآلةِ التي يُستاكُ بها. وقد عرَّفَ الفُقهاءُ السِّواكَ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ: فعرَّفَه الحَنفيةُ بأنَّه اسمٌ لخَشبةٍ مُعيَّنةٍ للاستِياكِ (١). وعرَّفَه المالِكيةُ: بأنَّه استِعمالُ عُودٍ أو نَحوِه في الأَسنانِ لإِذهابِ الصُّفرةِ والرائِحةِ (٢). وعرَّفَه الشافِعيةُ والحَنابِلةُ: بأنَّه استِعمالُ عُودٍ أو نَحوِه في الأَسنانِ لإذهابِ التَّغيُّرِ ونَحوِه (٣). وأشمَلُ هذه التَّعريفاتِ تَعريفُ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ، فهو أعَمُّ من تَعريفِ الحَنفيةِ الذين قَصَروه على كَونِه اسمًا للخَشبِ الذي يُستاكُ به، وتَعريفُ المالِكيةِ الذين حَصَروا استِعمالَه على إذهابِ الصُّفرةِ والرائِحةِ.

стр. 290

حُكمُ السِّواكِ: اتَّفقَت المَذاهبُ الأربَعةُ على أنَّ السِّواكَ سُنةٌ وليسَ بواجِبٍ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: السِّواكُ سُنةٌ ليسَ بواجِبٍ في حالٍ من الأَحوالِ لا في الصَّلاةِ ولا في غيرِها بإِجماعِ مَنْ يُعتدُّ به في الإِجماعِ، وقد حَكى الشَّيخُ أبو حامِدٍ الإِسَفراينيُّ إمامُ أَصحابِنا العِراقيِّينَ عن داودَ الظاهِريِّ أنَّه أوجَبَه للصَّلاةِ وحَكاه الماوَرديُّ عن داودَ، وقالَ: هو عندَه واجِبٌ فإنْ ترَكَه لم تَبطُلْ صَلاتُه. وحَكى عن إِسحاقَ بنِ رَاهَوَيهِ أنَّه قالَ: هو واجِبٌ، فإنْ ترَكَه عَمدًا بطَلَت صَلاتُه. وقد أنكَرَ أَصحابُنا المُتأخِّرونَ على الشَّيخِ أبي حامِدٍ وغيرِه نَقلَ الوُجوبِ عن داودَ، وقالوا: مَذهبُه أنَّه سُنةٌ كالجَماعةِ، ولو صَحَّ إِيجابُه عن داودَ لم تَضرَّ مُخالفتُه في انعِقادِ الإِجماعِ على المُختارِ الذي عليه المُحقِّقونَ والأكثَرونَ، وأمَّا إِسحاقُ فلم يَصحَّ هذا المَحكيُّ عنه، واللهُ أعلَمُ (١).

стр. 291

واستدَلُّوا على سُنيتِه بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمَرتُهم بالسِّواكِ عِنْدَ كلِّ صَلاةٍ» (١). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لو كانَ واجِبًا لأمَرَهم به، شَقَّ أو لم يَشقَّ (٢). وقالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: يَعني: لأمَرتُهم أمرَ إِيجابٍ؛ لأنَّ المَشقةَ إنَّما تَلحقُ بالإِيجابِ لا بالنَّدبِ. واتَّفقَ أهلُ العِلمِ على أنَّه سُنةٌ مُؤكَّدةٌ لحَثِّ النَّبيِّ ﷺ ومُواظَبتِه عليه، وتَرغيبِه فيه ونَدبِه إليه (٣). أَوقاتُ استِحبابِ السِّواكِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على تَأكُّدِ استِحبابِ السِّواكِ في حالاتٍ، وانفرَدَ بَعضُهم بذِكرِ حالاتٍ لم يَذكرْها غيرُهم، وسأذكُرُ أَوقاتَ تأكُّدِه عندَ كلِّ مَذهبٍ، ومنه تَتبيَّنُ الأَوقاتُ التي اتَّفَقوا على تأكُّدِ استِحبابِه فيها. فعندَ الحَنفيةِ يَتأكَّدُ السِّواكُ في الأَحوالِ الآتيةِ: ١ - عندَ الوُضوءِ. ٢ - وعندَ القيامِ للصَّلاةِ. ٣ - وعندَ قِراءةِ القُرآنِ. ٤ - وعندَ القيامِ من النَّومِ.

стр. 292

٥ - وعندَما يَدخلُ البَيتَ. ٦ - وعندَ اجتِماعِ الناسِ. ٧ - وعندَ تَغيُّرِ الفَمِ. ٨ - وعندَ اصفِرارِ الأَسنانِ (١). ويَتأكَّدُ استِحبابُه عندَ المالِكيةِ في الأَحوالِ الآتيةِ: ١ - عندَ الوُضوءِ. ٢ - وعندَ الصَّلاةِ. ٣ - وعندَ قِراءةِ القُرآنِ. ٤ - وعندَ الانتِباهِ من النَّومِ. ٥ - وعندَ تَغيُّرِ الفَمِ. ٦ - وعندَ طُولِ السُّكوتِ. ٧ - وعندَ كَثرةِ الكَلامِ. ٨ - وعندَ أكلِ ما فيه رائِحةٌ (٢). ويَتأكَّدُ استِحبابُه عندَ الشافِعيةِ في الأَحوالِ الآتيةِ: ١ - عندَ الوُضوءِ.

стр. 293

٢ - وعندَ الصَّلاةِ سَواءٌ كانَ مُتطهِّرًا بماءٍ أو بتُرابٍ أو غيرَ مُتطهِّرٍ كمَن لم يَجدْ ماءً ولا تُرابًا. ٣ - وعندَ قِراءةِ القُرآنِ أو الحَديثِ أو العِلمِ الشَّرعيِّ أو ذِكرِ اللهِ تَعالى. ٤ - وعندَ القيامِ من النَّومِ. ٥ - وعندَ تَغيُّرِ الفَمِ أو أكلٍ أو جُوعٍ أو سُكوتٍ طَويلٍ أو كَلامٍ كَثيرٍ أو نَحوِ ذلك، وعندَ الاحتِضارِ، وفي السَّحَرِ. ٦ - وعندَ الأكلِ. ٧ - وبعدَ الوِترِ (١). ويَتأكَّدُ استِحبابُه عندَ الحَنابِلةِ في الأَحوالِ الآتيةِ: ١ - عندَ الوُضوءِ. ٢ - وعندَ الصَّلاةِ. ٣ - وعندَ دُخولِ المَسجدِ. ٤ - وعندَ قِراءةِ القُرآنِ. ٥ - وعندَ الانتِباهِ من النَّومِ. ٦ - وعندَ الغُسلِ. ٧ - وعندَ دُخولِ البَيتِ.

стр. 294

٨ - وعندَ إِطالةِ السُّكوتِ. ٩ - وعندَ صُفرةِ الأَسنانِ. ١٠ - وعندَ خُلوِّ المَعدةِ من الطَّعامِ (١). وممَّا تقدَّمَ يَتبيَّنُ أنَّ الفُقهاءَ مُتَّفِقونَ على تأكُّدِ استِحبابِ السِّواكِ في الحالاتِ التاليةِ: ١ - عندَ الوُضوءِ: لحَديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمَرتُهم بالسِّواكِ عِنْدَ كلِّ وُضوءٍ» (٢). ٢ - عندَ القيامِ للصَّلاةِ: لحَديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لَولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأمَرتُهم بالسِّواكِ عِنْدَ كلِّ صَلاةٍ» (٣). ٣ - عندَ القيامِ من النَّومِ: لحَديثِ حُذيفةَ بنِ اليَمانِ ﵁ قالَ: «كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا قامَ من اللَّيلِ يَشُوصُ فاهُ بالسِّواكِ» (٤).

стр. 295

٤ - عندَ دُخولِ المَنزلِ: لحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كانَ إذا دخَلَ بَيتَه بدَأَ بالسِّواكِ» (١). ٥ - عندَ تَغيُّرِ الفَمِ واصفِرارِ الأَسنانِ: لحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «السِّواكُ مَطهَرةٌ للفَمِ مَرضاةٌ للرَّبِّ» (٢). السِّواكُ للصائِمِ: سيَأتي الكَلامُ إنْ شاءَ اللهُ تَعالى عن حُكمِ السِّواكِ للصائِمِ في بابِ الصِّيامِ. مُباشَرةُ السِّواكِ باليَمينِ أم بالشِّمالِ؟ ذهَبَ الحَنفيةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُندبُ أنْ يُباشِرَ السِّواكَ بيَمينِه حالَ الاستِياكِ؛ لحَديثِ عائِشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «كان يُعجِبُه التَّيمُّنُ في تَنعُّلِه وتَرجُّلِه وطُهورِه، وفي شَأنِه كُلِّه» (٣). وفي رِوايةٍ: «وسِواكِه» (٤)، وجعَلوه من بابِ التَّطيُّبِ (٥).

стр. 296

وذهَبَ الحَنفيةُ في قَولٍ والعِراقيُّ من الشافِعيةِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ إلى أنَّه يَتسوَّكُ باليُسرى، وجعَلوه من بابِ إِزالةِ القاذُوراتِ. قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: إنَّ السِّواكَ إنْ كانَ من بابِ التَّطهيرِ استُحبَّ باليَمينِ كالمَضمَضةِ، وإنْ كانَ من بابِ إِزالةِ الأذَى فباليُسرى، والظاهِرُ الثاني (١). وقالَ العِراقيُّ ﵀: السِّواكُ المَأمورُ به هل الأَولى أنْ يُباشِرَه المُستاكُ بيَمينِه أو بشِمالِه؟ ذكَرَ بعضُ مُتأخِّري الحَنابِلةِ ممَّن رأيتُ أنَّه يَستاكُ بيَمينِه؛ لأنَّه ورَدَ في بعضِ طُرقِ حَديثِ عائِشةَ المَشهورِ: «كانَ يُعجِبُه التَّيمُّنُ في تَرجُّلِه وتَنعُّلِه وتَطهُّرِه وسِواكِه» وسمِعتُ بعضَ مَشايخِنا الشافِعيةِ يَبني ذلك على أنَّ السِّواكَ هل هو من بابِ التَّطهيرِ والتَّطيُّبِ أو مِنْ بابِ إِزالةِ القاذُوراتِ. فإنْ جعَلناه من بابِ التَّطيُّبِ استُحِبَّ أنْ يَكونَ بيَمينِه، وإنْ جعَلناه من بابِ إِزالةِ القاذُوراتِ استُحبَّ أنْ يَليَه بشِمالِه لحَديثِ عائِشةَ ﵂: «كانَت يَدُ رَسولِ اللهِ ﷺ اليُمنَى لطُهورِه وطَعامِه، وكانَت يَدُه اليُسرَى لخَلائِه وما كانَ من أَذًى» (٢) رَواه أبو داودَ بإِسنادٍ صَحيحٍ، وله من

стр. 297

حَديثِ حَفصةَ: «كانَ يَجعَلُ يَمينَه لطَعامِه وشَرابِه وثِيابِه، ويَجعَلُ شِمالَه لمَا سِوَى ذلك»، وما استدَلَّ به على أنَّه يُستحبُّ باليُمنى ليسَ فيه دِلالةٌ على ما ذهَبَ إليه؛ فإنَّ المُرادَ منه البَداءةُ بالشِّقِّ الأيمَنِ في التَّرجُّلِ، والبَداءةُ بلُبسِ النَّعلِ، والبَداءةُ بالأَعضاءِ اليُمنى في التَّطهُّرِ، والبَداءةُ بالجانِبِ الأيمَنِ من الفَمِ في الاستِياكِ، وأمَّا كَونُه يَفعلُ ذلك بيَمينِه فيَحتاجُ إلى نَقلٍ. والظاهِرُ أنَّه من بابِ إِزالةِ الأذَى كالامتِخاطِ ونَحوِه؛ فيَكونُ باليُسرى. وقد صرَّحَ أبو العَباسِ القُرطبيُّ من المالِكيةِ فقالَ في «المُفهمِ» حِكايةً عن مالِكٍ: لا يَتسوَّكُ في المَساجدِ؛ لأنَّه من بابِ إِزالةِ القَذرِ، واللهُ أعلَمُ (١). وسُئلَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀ عن الاستِياكِ باليُمنى أم باليُسرى؟ فذكَرَ أنَّ الأفضَلَ الاستِياكُ باليُسرى؛ لأنَّه مِنْ بابِ إِماطةِ الأذَى، فهو كالاستِنثارِ والامتِخاطِ، ونَحوِ ذلك ممَّا فيه إِزالةُ الأذَى، وذلك باليُسرى، كما أنَّ إِزالةَ النَّجاساتِ واجِبُها ومُستحَبُّها اليُسرى. ثم ذكَرَ أنَّ السِّواكَ ليسَ مِنْ بابِ إِكرامِ اليَمينِ (٢).

стр. 298

و مِن فوائِدِ السِّواكِ: قالَ في «إعانة الطالِبين»: منها أنَّه يُطهِّرُ الفَمَ ويُرضي الرَّبَّ ويُبيِّضُ الأَسنانَ ويُطيِّبُ النَّكهةَ ويُسوِّي الظَّهرَ ويَشدُّ اللَّثةَ ويُبطئُ الشَّيبَ ويُصفِّي الخِلقةَ ويُزكِّي الفِطنةَ ويُضاعِفُ الأجرَ ويُسهِّلُ النَّزعَ ويَذكرُ الشَّهادةَ عندَ المَوتِ. وإدامَتُه تُورثُ السَّعةَ والغِنى وتُيسِّرُ الرِّزقَ وتُطيِّبُ الفمَ وتُسكِّنُ الصُّداعَ وتُذهبُ جَميعَ ما في الأذَى والبَلغمِ وتُقوِّي الأَسنانَ وتُجلي البَصرَ وتَزيدُ في الحَسناتِ وتُفرحُ المَلائِكةَ فتُصافحُه لنُورِ وَجهِه وتُشيِّعُه إذا خرَجَ للصَّلاةِ ويُعطَى الكِتابَ باليَمينِ وتُذهبُ الجُذامَ وتُنمِّي المالَ والأَولادَ وتُؤانِسُ الإِنسانَ في قبْرِه ويَأتيه مَلكُ المَوتِ ﵇ عندَ قَبضِ رُوحِه في صُورةٍ حَسنةٍ (١). وقالَ الشَّيخُ أحمدُ الصاويُّ ﵀ (٢) وهو يَتكلَّمُ عن فَضائلِ السِّواكِ: وهي تَنتَهي إلى بِضعٍ وثَلاثينَ فَضيلةً، وقد نظَمَها الحافِظُ ابنُ حَجرٍ فقالَ: إنَّ السِّواكَ مُرضي الرَّحمنِ … وهكذا مُبيِّضُ الأَسنانِ ومُظهِرُ الشَّعرِ مُذكي الفِطنةْ … يَزيدُ في الفَصاحةِ وحُسنِه مُشدِدٌ اللَّثةِ أيضًا مُذهبُ … لبَخرٍ وللعَدوِّ مُرهِبُ كذا مُصفِّي خِلقةٍ ويَقطعُ … رُطوبةً وللغِذاءِ يَنْفَعُ

стр. 299

ومُبطئٌ للشَّيبِ والإِهرامِ … ومُهضِمُ الأكلِ من الطَّعامِ وقد غَدا مُذكِّرَ الشَّهادةِ … مُسهِّلَ النَّزعِ لدى الشَّهادةِ ومُورثٌ لسَعةٍ مع الغِنى … ومُذهِبٌ لألمٍ حتى العَنا وللصُّداعِ وعُروقِ الرأسِ … مُسكِّنٌ ووَجعِ الأَضراسِ يَزيدُ في مالٍ ويُنمي الوَلدا … مُطهِّرٌ للقَلبِ حالٌّ للصَّدا مُبيِّضٌ الوَجهِ وجالٍ للبَصرِ … ومُذهِبٌ لبَلغمٍ مع الحَفرِ مُيسِّرٌ مُوسِّعٌ للرِّزقِ … مُفرِّحٌ للكاتِبينَ الحَقِّ (١) وقالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: ومِن مَنافِعه أنَّه يُبطئُ الشَّيبَ، ويَحدُّ البَصرَ، وأحسَنُها أنَّه شِفاءٌ لمَا دونَ المَوتِ، وأنَّه يُسرعُ في المَشيِ على الصِّراطِ، ومنها أنَّه مَطهَرةٌ للفَمِ، ومَرضاةٌ للرَّبِّ، ومُفرحٌ للمَلائِكةِ، ومَجلاةٌ للبَصرِ ويُذهبُ البَخرَ والحَفرَ، ويُبيضُ الأَسنانَ، ويَشدُّ اللَّثةَ ويَهضِمُ الطَّعامَ، ويَقطعُ البَلغمَ، ويُضاعِفُ الصَّلاةَ، ويُطهِّرُ طَريقَ القُرآنِ، ويَزيدُ في الفَصاحةِ، ويُقوِّي المَعدةَ، ويُسخِطُ الشَّيطانَ، ويَزيدُ في الحَسناتِ، ويَقطعُ المَرةَ، ويُسكِّنُ عُروقَ الرأسِ ووَجعَ الأَسنانِ، ويُطيِّبُ النَّكهةَ، ويُسهِّلُ خُروجَ الرُّوحِ. قالَ في «النَّهر»: ومَنافِعُه وصَلَت إلى نَيِّفٍ وثَلاثينَ مَنفَعةً، أَدناها إِماطةُ الأذَى، وأَعلاها تَذكيرُ الشَّهادةِ عندَ المَوتِ، رزَقَنا اللهُ ذلك بمَنِّه وكَرمِه (٢).

стр. 300

الاستِياكُ بالأُصبعِ: للفُقهاءِ في الاستِياكِ بالأُصبعِ ثَلاثةُ أَقوالٍ: القَولُ الأولُ: تُجزئُ الأُصبعُ في الاستِياكِ مُطلقًا، وهو قَولٌ لكلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابِلةِ. والقَولُ الثاني: تُجزئُ الأُصبعُ عندَ عَدمِ وُجودِ غيرِها، وهو مَذهبُ الحَنفيةِ، وهو قَولٌ لكلٍّ من المالِكيةِ والشافِعيةِ. واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - بحَديثِ أنَسٍ ﵁ أنَّ رَجلًا من الأَنصارِ من بَني عَمرِو بنِ عَوفٍ قالَ: يا رَسولَ اللهِ، إنَّك رَغَّبتَنا في السِّواكِ فهل دونَ ذلك؟ قالَ: «قال أُصبُعاكَ سِواكٌ عندَ وُضوئِك تُمِرُّهما على أَسنانِك، إنَّه لا عَملَ لمَن لا نيَّةَ له، ولا أجرَ لمَن لا حِسبةَ له» (١). ٢ - بحَديثِ أنَسٍ عن النَّبيِّ ﷺ : «يُجزئُ مِنْ السِّواكِ الأَصابعُ» (٢). ٣ - بحُصولِ المَقصودِ من السِّواكِ (٣). والقَولُ الثالِثُ: لا تُجزئُ الأُصبُعُ في الاستِياكِ، وهو قَولٌ ثالِثٌ للشافِعيةِ، وهو الأصَحُّ عندَهم، والقَولُ الثاني عندَ الحَنابِلةِ، وعلَّلوا ذلك بما يلي:

стр. 301

١ - أنَّه لم يَرِدْ به الشَّرعُ. ٢ - أنَّه لا يُسمَّى سِواكًا ولا يَحصلُ به الإِنقاءُ حُصولَه بالعُودِ. وقد اختارَ القَولَ الأولَ الإمامُ النَّوويُّ حيثُ قالَ: وأمَّا الأُصبعُ فإنْ كانَت لَيِّنةً لم يَحصلْ بها السِّواكُ بلا خِلافٍ، وإنْ كانَت خَشِنةً ففيها أوجُهٌ: الصَّحيحُ المَشهورُ: لا يَحصلُ؛ لأنَّها لا تُسمَّى سِواكًا، ولا هي في مَعناه، بخِلافِ الأُشنانِ ونَحوِ ذلك؛ فإنَّه -وإنْ لم يُسمَّ سِواكًا- في مَعناه، وبهذا الوَجهِ قطَعَ المُصنِّفُ والجُمهورُ. والثاني: يَحصلُ لحُصولِ المَقصودِ، وبهذا قطَعَ القاضِي حُسينٌ والمَحامِليُّ في «اللُّباب»، والبَغويُّ، واختارَه الرُّويانِيُّ في كِتابِه «البَحر». والثالِثُ: إنْ لم يَقدرْ على عُودٍ ونَحوِه حصَلَ وإلا فلا، حَكاه الرافِعيُّ: ومَن قالَ بالحُصولِ فدَليلُه ما ذكَرْناه من حُصولِ المَقصودِ، وأمَّا الحَديثُ المَرويُّ عن أنَسٍ عن النَّبيِّ ﷺ «يَجزي من السِّواكِ الأَصابعُ»، فحَديثٌ ضَعيفٌ، ضَعَّفه البَيهَقيُّ وغيرُه، والمُختارُ الحُصولُ لمَا ذكَرناه (١)، وأيَّدَه الحافِظُ العِراقيُّ. وقالَ ابنُ قُدامةَ: الصَّحيحُ أنَّه يُصيبُ بقَدرِ ما يَحصلُ من الإنقاءِ، ولا يَتركُ القَليلَ من السُّنةِ للعَجزِ عن كَثيرِها (٢).

стр. 302

باب في الوُضوءِ الوُضوءُ في اللُّغةِ: من الوَضاءةِ، أي: الحُسنِ والنَّظافةِ، والوُضوءُ بالضَّمِّ الفِعلُ، وبالفَتحِ: الماءُ يُتوضَّأُ به (١). والوُضوءُ شَرعًا: عرَّفَه الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ، منها: قالَ الحَنفيةُ: الوُضوءُ: هو الغَسلُ والمَسحُ على أَعضاءٍ مَخصوصةٍ (٢). وقالَ المالِكيةُ: هو طَهارةٌ مائيةٌ تَتعلَّقُ بأَعضاءٍ مَخصوصةٍ، وهي الأَعضاءُ الأربَعةُ على وَجهِ الخُصوصِ (٣). وقالَ الشافِعيةُ: هو أفعالٌ مَخصوصةٌ مُفتتَحةٌ بالنِّيةِ، أو هو استِعمالُ الماءِ في أَعضاءٍ مَخصوصةٍ مُفتتَحًا بالنِّيةِ (٤).

стр. 303

وقالَ الحَنابِلةُ: هو استِعمالُ ماءٍ طَهورٍ في الأَعضاءِ الأربَعةِ، وهي الوَجهُ واليَدانِ والرأسُ والرِّجلانِ على صِفةٍ مَخصوصةٍ في الشَّرعِ، بأنْ يَأتي بها مُرتَّبةً مُتواليةً مع باقي الفُروضِ (١). مَشروعيةُ الوُضوءِ: الوُضوءُ مَشروعٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ: أمَّا الكِتابُ: فقَولُه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فهذه الآيةُ دالَّةٌ على فَرضيةِ الوُضوءِ، أو هي -كما يَقولُ القُرطبيُّ ﵀ -: آيةُ الوُضوءِ. وظاهِرُها يَقتَضي وُجوبَ الوُضوءِ على كلِّ قائِمٍ إلى الصَّلاةِ (٢)، ولكنَّ جُمهورَ العُلماءِ قالوا: مَعناه إذا قُمتُم إلى الصَّلاةِ وأنتُم مُحدِثونَ، وإنَّما أضمَرَ «وأنتُم مُحدِثونَ» كَراهةَ أنْ يَفتتِحَ آيةَ الطَّهارةِ بذِكرِ الحَدثِ، كما قالَ: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]، ولم يَقُلْ: «هُدًى للضالِّين الصائِرين إلى التَّقوَى بعدَ الضَّلالِ»، كَراهةَ أنْ يَفتتحَ أُولى الزَّهراوَينِ بذِكرِ الضَّلالةِ (٣).

стр. 304

وأمَّا السُّنةُ: فقَولُه ﷺ : «لا تُقبَلُ صَلاةٌ بغَيرِ طُهورٍ» (١). قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا الحَديثُ نَصٌّ في وُجوبِ الطَّهارةِ للصَّلاةِ، وقد أجمَعَت الأُمةُ على أنَّ الطَّهارةَ شَرطٌ في صِحةِ الصَّلاةِ. قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: هذا الحَديثُ نَصٌّ في وُجوبِ الطَّهارةِ للصَّلاةِ، وقد أجمَعَت الأُمةُ على أنَّ الطَّهارةَ شَرطٌ في صِحةِ الصَّلاةِ. وقالَ أيضًا: وأجمَعَت الأُمةُ على تَحريمِ الصَّلاةِ بغيرِ طَهارةٍ من ماءٍ أو تُرابٍ، ولا فَرقَ بينَ الصَّلاةِ المَفروضةِ والصَّلاةِ النافِلةِ (٢). فَضيلةُ الوُضوءِ: قد ورَدَ في فَضلِ الوُضوءِ وسُقوطِ الخَطايا به وغُفرانِ الذُّنوبِ منه عِدةُ أَحاديثَ عن النَّبيِّ ﷺ ، منها: ١ - ما رَواهُ أبو مالِكٍ الأشعَريُّ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «الطُّهورُ شَطرُ الإِيمانِ» (٣). أي: نِصفُ الإيمانِ.

стр. 305

٢ - ما رُويَ عن عُثمانَ بنِ عَفانَ ﵁ أنَّه تَوضَّأ ثم قالَ: رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ توَضَّأ مِثلَ وُضوئي هذا، ثم قالَ: «مَنْ تَوضَّأَ هكذا غُفرَ له ما تَقدَّمَ مِنْ ذَنبِه» (١). ٣ - وعن عُثمانَ ﵁ قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ تَوضَّأ فأحسَنَ الوُضوءَ خرَجَت خطاياه من جَسَدِه حتى تَخرُجَ من تَحتِ أَظفارِه» (٢). ٤ - ورَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «إذا توَضَّأ العَبدُ المُسلمُ (أو المُؤمنُ) فغسَلَ وَجهَه خرَجَ من وَجهِه كلُّ خَطيئةٍ نظَرَ إليها بعَينَيه مع الماءِ (أو مع آخِرِ قَطرِ الماءِ) فإذا غسَلَ يَدَيه خرَجَ من يَدَيه كلُّ خَطيئةٍ كان بطَشَتها يَداه مع الماءِ (أو مع آخِرِ قَطرِ الماءِ) فإذا غسَلَ رِجلَيه خرَجَت كلُّ خَطيئةٍ مشَتها رِجلاه مع الماءِ (أو مع آخِرِ قَطرِ الماءِ) حتى يَخرجَ نَقيًّا من الذُّنوبِ» (٣).

стр. 306

٥ - ما رَواه عُقبةُ بنُ عامِرٍ ﵁ قالَ: كانَت علينا رِعايةُ الإبِلِ فجاءَت نَوبَتي فرَوَّحتُها بعَشيٍّ فأدرَكتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قائِمًا يُحدِّثُ الناسَ، فأدرَكتُ مِنْ قَولِه: «ما مِنْ مُسلمٍ يَتوضَّأُ فيُحسنُ وُضوءَه ثم يَقومُ فيُصلِّي رَكعَتينِ يُقبِلُ عليهما بقَلبِه ووَجهِه إلا وجَبَت له الجَنةُ» قالَ: فقُلتُ: ما أجوَدَ هذه! فإذا قائِلٌ بينَ يَدَيَّ يَقولُ: التي قبلَها أجوَدُ، فنظَرتُ فإذا عُمرُ قالَ: إنِّي قد رأيتُكَ جِئتَ آنِفًا، قالَ: «ما مِنكم من أحَدٍ يَتوضَّأُ فيَبلُغُ (أو فيُسبِغُ) الوُضوءَ ثم يَقولُ: أشهَدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمدًا عبدُ اللهِ ورَسولُه، إلا فُتحَت له أبوابُ الجَنةِ الثَّمانيةُ يَدخلُ من أيِّها شاءَ» (١). ٦ - وقد ورَدَ في فَضلِ الوُضوءِ على المَكارهِ ما رَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «ألَا أدُلُّكم على ما يَمحو اللهُ به الخَطايا ويَرفعُ به الدَّرجاتِ؟ قالوا: بَلى يا رَسولَ اللهِ، قالَ: إسباغُ الوُضوءِ على المَكارهِ، وكَثرةُ الخُطى إلى المَساجدِ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ فذلِكم الرِّباطُ» (٢). ٧ - ما ورَدَ أنَّه تَميُّزٌ لهذه الأُمةِ عندَ وُرودِ الحَوضِ ما رَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ أُمَّتي يُدعَونَ يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلين من آثارِ الوُضوءِ، فمَن استَطاعَ منكم أنْ يُطيلَ غُرَّتَه فليَفعَلْ» (٣).

стр. 307

شُروطُ الوُضوءِ: الشَّرطُ هو ما يَلزمُ من عَدمِه العَدمُ ولا يَلزمُ مِنْ وُجودِه الوُجودُ. وشُروطُ الوُضوءِ ثَلاثةٌ: ١ - منها ما هو شَرطٌ في وُجوبِه، وهي ما يَتوقَّفُ عليه وُجوبُ الوُضوءِ، أو هي ما إذا اجتمَعَت وجَبَت الطَّهارةُ على الشَّخصِ. ٢ - ومنها ما هو شَرطٌ في صِحتِه، وهي ما تَتوقَّفُ عليه صِحةُ الوُضوءِ، أو هي ما لا تَصحُّ الطَّهارةُ إلا به، ولا تَلازُمَ بينَ النَّوعَينِ، بل بينَهما عُمومٌ وَجهيٌّ. ٣ - ومنه ما هو شَرطٌ في وُجوبِه وصِحتِه مَعًا، وهي ما تَتوقَّفُ عليه صِحةُ الوُضوءِ ووُجوبُه (١). أولاً: شُروطُ وُجوبِ الوُضوءِ: ١ - العَقلُ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ العَقلَ من شُروطِ وُجوبِ الوُضوءِ إذْ لا خِطابَ بدونِ العَقلِ، وقد صرَّحَ المالِكيةُ بأنَّ العَقلَ شَرطٌ في وُجوبِ الوُضوءِ وصِحتِه مَعًا، ونَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ العَقلَ شَرطٌ لصِحةِ الوُضوءِ (٢).

стр. 308

٢ - البُلوغُ: ذهَبَ الفُقهاءُ إلى أنَّ البُلوغَ شَرطٌ في وُجوبِ الوُضوءِ، فلا يَجبُ على الصَّبيِّ لعَدمِ تَكليفِ القاصِرِ، أمَّا الصَّبيُّ المُميِّزُ فيَصحُّ وُضوؤُه (١). ٣ - الإِسلامُ: صرَّحَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ عندَهم بأنَّ الإِسلامَ شَرطٌ لوُجوبِ الوُضوءِ، إذْ لا يُخاطَبُ كافِرٌ بفُروعِ الشَّريعةِ، فلا يَجبُ الوُضوءُ على الكافِرِ. ويَرى المالِكيةُ في مُقابلِ المَشهورِ عندَهم أنَّ الإِسلامَ شَرطٌ في الوُجوبِ والصِّحةِ مَعًا. ويَرى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ أنَّ الإِسلامَ شَرطٌ في صِحةِ الوُضوءِ (٢). ٤ - انقِطاعُ ما يُنافي الوُضوءَ من حَيضٍ ونِفاسٍ: ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ انقِطاعَ ما يُنافي الوُضوءَ من حَيضٍ ونِفاسٍ شَرطُ وُجوبِ الوُضوءِ وصِحتِه مَعًا (٣).

стр. 309

٥ - وُجودُ الماءِ المُطلقِ الطَّهورِ الكافي: اختَلفَ الفُقهاءُ هل مِنْ شَرطِ وُجوبِ الوُضوءِ وُجودُ الماءِ المُطلقِ الطَّهورِ الكافي لكلِّ أَعضاءِ الوُضوءِ أو يَجبُ الوُضوءُ وإنْ كانَ ما مَعه من الماءِ لا يَكفي لجَميعِ أَعضاءِ الوُضوءِ ثم يَتيمَّمُ للباقي؟ فنَصَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ على أنَّ مِنْ شُروطِ وُجوبِ الوُضوءِ وُجودَ الماءِ المُطلقِ الطَّهورِ الكافي، فلا يَجبُ الوُضوءُ على مَنْ عَدِمَ الماءَ أو على واجِدِ ماءٍ قَليلٍ لا يَكفيه، فلو غَسلَ بعضَ الأعضاءِ بما وجَدَه من الماءِ فعَملُه باطِلٌ ولا يَصحُّ أنْ يَكونَ وُضوءًا، فلا قُدرةَ إلا بالماءِ الكافي لجَميعِ الأَعضاءِ مَرةً مَرةً، وغيرُه كالعَدمِ. ولأنَّ في الجَمعِ بينَهما جَمعًا بينَ بَدلٍ ومُبدَلٍ، فكانَ كمَن وجَدَ بعضَ الرَّقبةِ في الكَفارةِ، وهذا قَولُ أكثَرِ العُلماءِ. ولأنَّ المُوالاةَ شَرطٌ عندَ مَنْ يَقولُ بها يَفوتُ بتَركِ غَسلِ الباقي فبطَلَت طَهارتُه، وحينَئذٍ يَلزمُه التَّيممُ ويَكونُ حُكمُه كفاقِدِ الماءِ (١). وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهما إلى أنَّه يُشترطُ وُجودُ الماءِ المُطلقِ والعِلمُ بأنَّه مُطلقٌ، ولو ظَنًّا عندَ الاشتِباهِ، ولا يُشترطُ أنْ يَكونَ كافيًا لجَميعِ أَعضاءِ الوُضوءِ أو الغُسلِ، فإنْ وجَدَ ماءً لا يَكفيه لزِمَه استِعمالُه وتَيممَ للباقي؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: ٤٣]،

стр. 310

وهذا واجِدٌ، وقالَ النَّبيُّ ﷺ : «إذا أمَرتُكم بأمرٍ فأْتوا منه ما استَطعتُم» (١) (٢). ٦ - القُدرةُ على استِعمالِ الماءِ: نَصَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ على أنَّ مِنْ شُروطِ وُجوبِ الوُضوءِ القُدرةَ على استِعمالِ الماءِ المُطهِّرِ، فلا يَجبُ على عاجِزٍ كالمَريضِ، ولا على فاقِدِ الماءِ. وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّه لا يَجبُ -أي: الوُضوءُ- على عاجِزٍ على استِعمالِ المُطهِّرِ ولا على مَنْ قُطعَت يَداه من المِرفَقينِ، ورِجلاه من الكَعبَينِ (٣). ٧ - وُجودُ الحَدثِ: اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ وُجودَ الحَدثِ المُوجبِ للوُضوءِ شَرطٌ لوُجوبِ الوُضوءِ فلا يَجبُ على المُتوضِّئِ الذي لم يُنقَضْ وُضوؤُه.

стр. 311

وعندَ الشافِعيةِ أوجُهٌ في وَقتِ وُجوبِ الوُضوءِ: أحدُها: أنَّه يَجبُ بخُروجِ الحَدثِ، ويَكونُ وُجوبًا مُوسَّعًا ما لم يَدخلِ الوَقتُ ويَبقى ما يَسعُه ويَسعُ الصَّلاةَ فَقط. والثاني: أنَّ مُوجبَه دُخولُ الوَقتِ، أي: دُخولُ وَقتِ الصَّلاةِ، أو القيامُ إلى الصَّلاةِ ويُعبَّرُ عنه بإرادةِ القيامِ إلى الصَّلاةِ أو نَحوِها مما يَتوقَّفُ عليه. قالَ ابنُ حَجرٍ الهَيتميُّ ﵀: وبَعضُهم عبَّرَ بالأولِ، وهو أظهَرُ؛ لأنَّه المُحقِّقُ للوُجوبِ، وبَعضُهم بالثاني؛ لأنَّه أوفَقُ لدَليلِ هذا الوَجهِ وهو قَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآيةَ، ومَعنى كَونِ الإِرادةِ أو دُخولِ الوَقتِ مُوجِبًا أنَّه سَببٌ للمُوجِبِ، وهو القيامُ إلى الصَّلاةِ إذْ وُجوبُها مُوجِبٌ للوُضوءِ. ويُؤيِّدُ القَولَ الثانيَ قَولُه ﷺ : «إنَّما أُمِرتُ بالوُضوءِ إذا قُمتُ إلى الصَّلاةِ» (١). والثالِثُ: يَجبُ بالأمرَينِ مَعًا، بالحَدثِ مع القيامِ إلى الصَّلاةِ، قالَ النَّوويُّ: وهو الراجِحُ عندَ أَصحابِنا. ونَصَّ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ على أنَّ سَببَ وُجوبِ الوُضوءِ الحَدثُ، كما ذكَرَه ابنُ عَقيلٍ وغيرُه.

стр. 312

وقالَ أبو الخَطابِ في «الانتِصار»: يَجبُ بإرادةِ الصَّلاةِ بعدَ الحَدثِ. قالَ ابنُ الجَوزيِّ ﵀: لا تَجبُ الطَّهارةُ عن حَدثٍ ونَجسٍ قبلَ إرادةِ الصَّلاةِ، بل يُستحبُّ. قالَ في الفُروعِ: ويَتوجَّهُ قياسُ المَذهبِ أنَّه يَجبُ بدُخولِ الوَقتِ لوُجوبِ الصَّلاةِ إذَنْ، ووُجوبُ الشَّرطِ بوُجوبِ المَشروطِ. أمَّا إذا شَكَّ في الحَدثِ وتَيقَّنَ الطَّهارةَ فلا يَجبُ عليه الوُضوءُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، ويَرى المالِكيةُ في المَشهورِ أنَّ عليه الوُضوءَ وُجوبًا، وقيلَ: استِحبابًا (١). ٨ - ضِيقُ الوَقتِ: نَصَّ الحَنفيةُ على أنَّ من شُروطِ وُجوبِ الوُضوءِ ضِيقَ الوَقتِ. وقالوا: إنَّ هذا شَرطٌ للوُجوبِ المُضيَّقِ، لتَوجُّهِ الخِطابِ مُضيَّقًا حينَئذٍ ومُوسَّعًا في ابتِدائِه، بمَعنى أنَّ وُجوبَ الوُضوءِ مُوسَّعٌ بدُخولِ الوَقتِ كالصَّلاةِ، فإذا ضاقَ الوَقتُ -أي: وَقتُ الصَّلاةِ- صارَ الوُجوبُ فيهما، -أي: الوُضوءِ والصَّلاةِ- مُضيَّقًا (٢).

стр. 313

ونَصَّ المالِكيةُ أيضًا على أنَّ مِنْ شُروطِ وُجوبِ الوُضوءِ دُخولَ الوَقتِ -أي: دَخولَ وَقتِ الصَّلاةِ الحاضِرةِ أو تَذكُّرَ الفائِتةِ- فلا يَجبُ الوُضوءُ قبلَ دُخولِ الوَقتِ. أمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ منهم ابنُ مُفلحٍ ﵀ في «الفُروع»: ويَتوجَّه قياسُ المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ بدُخولِ الوَقتِ لوُجوبِ الصَّلاةِ إذَنْ، ووُجوبُ الشَّرطِ بوُجوبِ المَشروطِ (١). ٩ - بُلوغُ دَعوةِ النَّبيِّ ﷺ -: قد صرَّحَ المالِكيةُ بأنَّ من شُروطِ وُجوبِ الوُضوءِ بُلوغَ دَعوةِ النَّبيِّ ﷺ إلى المُكلَّفِ (٢).

стр. 314

ثانيًا: شُروطُ صِحةِ الوُضوءِ: ١ - صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّ من شُروطِ صِحةِ الوُضوءِ عُمومَ البَشرةِ بالماءِ الطَّهورِ -أي: أنْ يَعمَّ الماءُ جَميعَ المَحلِّ الواجِبِ استِعمالُه فيه- حتى لو بَقيَ مِقدارُ مَغرزِ إبرةٍ لم يُصبْه الماءُ من المَفروضِ غَسلُه لم يَصحَّ الوُضوءُ (١). وقالَ الشافِعيةُ: إنَّ مِنْ شُروطِ الوُضوءِ أنْ يَغسِلَ مع المَغسولِ جُزءًا يَتصلُ بالمَغسولِ. قالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: فشُروطُه -أي: الوُضوءِ- أنْ يَغسلَ مع المَغسولِ جُزءًا يَتصلُ بالمَغسولِ ويُحيطَ به ليَتحقَّقَ به استِيعابُ المَغسولِ (٢). ٢ - زَوالُ ما يَمنعُ وُصولَ الماءِ إلى الجَسدِ: نَصَّ الحَنفيةُ والمالِكيةُ على أنَّ مِنْ شُروطِ صِحةِ الوُضوءِ زَوالَ ما يَمنعُ وُصولَ الماءِ إلى الجَسدِ لجِرمِه الحائِلِ كشَمعٍ وشَحمٍ وعَجينٍ وطِينٍ وجِلدِ السَّمكِ والخُبزِ المَمضوغِ الجافِّ والدَّرنِ اليابِسِ في الأنفِ بخِلافِ الطِّبِّ والرَّمصِ، وهو ما جمُدَ في المُوقِ، وهو مُؤخِّرُ العَينِ أو الماقِ وهو مُقدِّمُها

стр. 315

إذا كانَ يَبقى خارِجَ العَينِ بعدَ تَغميضِها، ومنها المِدادُ، أي: الحِبرُ، بيَدِ الكاتِبِ، ونَحوُ ذلك من الأَوساخِ المُتجسدةِ على الأَبدانِ (١). واعتبَرَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إِزالةَ مانِعِ وُصولِ الماءِ إلى البَشرةِ من شُروطِ الوُضوءِ. وزادَ الشافِعيةُ ألَّا يَكونَ على العُضوِ ما يُغيرُ الماءَ تَغيُّرًا مُضرًّا، قالَ في «الإِمداد»: ومنه الطِّيبُ الذي يُحسَّنُ به الشَّعرُ على أنَّه قد يَنشَفُ فيَمنعُ وُصولَ الماءِ للباطِنِ فيَجبُ إِزالتُه. قالَ الشَّروانِيُّ في حاشيتِه: وهذا هو الراجِحُ من الخِلافِ في ذلك (٢). قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فإنْ لبَّدَ رأسَه بشَيءٍ يَحولُ بينَ الماءِ وبينَ أنْ يَصلَ إلى شَعرِه وأُصولِه كانَ عليه غَسلُه حتى يَصلَ إلى بَشرتِه وشَعرِه، وإنْ لبَّدَه بشَيءٍ لا يَحولُ دونَ ذلك فهو كالعَقصِ والضَّفرِ الذي لا يَمنعُ الماءَ الوُصولَ إليه، وليسَ عليه حَلُّه ويَكفيه أنْ يَصلَ الماءُ إلى الشَّعرِ والبَشرةِ (٣).

стр. 316

٣ - انقِطاعُ الحَدثِ حالَ التَّوضُّؤِ: ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ انقِطاعَ الحَدثِ حالَ التَّوضُّؤِ شَرطٌ لصِحةِ الوُضوءِ، فلا يَصحُّ الوُضوءُ حالَ خُروجِ الحَدثِ أو مَسِّ الذَّكرِ ونَحوِه؛ لأنَّه بظُهورِ بَولٍ وسَيلانٍ ناقِضٍ لا يَصحُّ الوُضوءُ (١)، وهذه يُسمِّيها العُلماءُ انقِطاعَ ما يُوجِبُه. ٤ - العِلمُ بكَيفيةِ الوُضوءِ: قد ذكَرَ الشافِعيةُ ضِمنَ شُروطِ الوُضوءِ العِلمَ بكَيفيةِ الوُضوءِ بمَعنى أنَّه لا بدَّ للمُتوضِّئِ من التَّمييزِ بينَ فُروضِ الوُضوءِ وسُننِه على تَفصيلٍ في ذلك حاصِلُه: أنَّه مَتى مَيَّزَ فُروضَ الوُضوءِ من سُننِه أو اعتقَدَه كلَّه فُروضًا صَحَّ من العالِمِ والعامِّيِّ وهاتان صُورَتان. وإنِ اعتقَدَه كلَّه سُننًا أو علِمَ أنَّ فيه فُروضًا وسُننًا ولم يُميِّزْ بينَها واعتقَدَ بفَرضٍ مُعيَّنٍ نَفلًا بطَلَ -أي: الوُضوءُ- من العالِمِ والعامِّيِّ وهاتان صُورَتان. وإنِ اعتقَدَ أنَّ فيه فُروضًا وسُننًا ولم يُميِّزْ بينَها ولم يَعتقدْ بفَرضٍ مُعيَّنٍ نَفلًا كأنْ كان كُلَّما سُئلَ عن شَيءٍ منه هل هو فَرضٌ أو سُنةٌ يَقولُ: لا أَدري، صَحَّ من العامِّيِّ الوُضوءُ دونَ العالِمِ وهذه صُورةٌ واحِدةٌ.

стр. 317

فالصُّورُ خَمسٌ، اثنَتانِ تَصحانِ من العامِّيِّ والعالِمِ، واثنَتانِ تَبطُلانِ منهما، وواحِدةٌ تَصحُّ من العامِّيِّ وتَبطُلُ من العالِمِ، وهذا الشَّرطُ مع هذا التَّفصيلِ عامٌّ في جَميعِ العِباداتِ كالصَّلاةِ والصَّومِ ونَحوِ ذلك، واستَثنَى بَعضُهم الحَجَّ (١). ٥ - عَدمُ الصارِفِ عن الوُضوءِ: وهذا الشَّرطُ ذكَرَه الشافِعيةُ أيضًا، وجَعَلوه من شُروطِ الوُضوءِ، وهو عَدمُ صارِفٍ عن الوُضوءِ، ويُعبَّرُ عنه بدَوامِ النِّيةِ حُكمًا: بألَّا يَأتي بمُنافٍ للنِّيةِ كرَدةٍ أو تَعليقٍ «إنْ شاءَ اللهُ» لا بنيَّةِ التَّبرُّكِ، أو كقَطعٍ للنِّيةِ، فلو قطَعَ النِّيةَ في أثناءِ الوُضوءِ احتاجَ في بَقيةِ الأَعضاءِ إلى نيةٍ جَديدةٍ (٢). ٦ - جَرْيُ الماءِ على العُضوِ: صرَّحَ الشافِعيةُ أيضًا بأنَّ من شُروطِ الوُضوءِ جَريانَ الماءِ على العُضوِ بلا خِلافٍ، فلا يَكفي أنْ يَمسَّ العُضوَ الماءُ؛ لأنَّه لا يُسمَّى غَسلًا، أي: المَسُّ المَذكورُ، وأنَّ المَأمورَ فيه في الآيةِ الشَّريفةِ الغَسلُ.

стр. 318

قالَ في «النِّهايةِ»: ولا يَمنعُ مَنْ عَدَّ هذا شَرطًا كَونَه مَعلومًا من مَفهومِ الغَسلِ؛ لأنَّه قد يُرادُ بالغُسلِ ما يَعمُّ النَّضحَ (١). ٧ - النِّيةُ: نَصَّ الحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهم على أنَّ النِّيةَ شَرطٌ من شُروطِ الوُضوءِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، أي: لا عَملَ جائِزٌ ولا فاضِلٌ إلا بنيَّةٍ؛ ولأنَّ النَّصَّ دَلَّ على الثَّوابِ في كلِّ وُضوءٍ ولا ثَوابَ في غيرِ مَنويٍّ إِجماعًا؛ ولأنَّ النيَّةَ للتَّمييزِ؛ ولأنَّه عِبادةٌ من شَرطِها النِّيةُ؛ لأنَّ ما لم يُعلمْ إلا من الشارِعِ فهو عِبادةٌ كالصَّلاةِ وغيرِها. وفي قَولٍ عندَهم أنَّها فَرضٌ (٢)، وسيَأتي بَيانُ ذلك في فُروضِ الوُضوءِ. ٨ - إِباحةُ الماءِ: ذهَبَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ صِحةِ الوُضوءِ إِباحةَ الماءِ، فلا يَصحُّ الوُضوءُ بالماءِ المَغصوبِ؛ لحَديثِ: «مَنْ

стр. 319

عمِلَ عَملًا ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (١)، فلا يَصحُّ الوُضوءُ بماءٍ مُحرَّمِ الاستِعمالِ كالمَغصوبِ ونَحوِه. وعن الإمامِ أحمدَ ﵀ رِوايةٌ: تَصحُّ الطَّهارةُ بالماءِ المَغصوبِ ولكنْ مع الكَراهةِ (٢). شُروطُ الوُضوءِ في حَقِّ صاحِبِ الضَّرورةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ الوُضوءِ قبلَ دُخولِ وَقتِ الصَّلاةِ، وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك ابنُ المُنذرِ والنَّوويُّ وغيرُهما. قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ تطهَّرَ بالماءِ قبلَ وَقتِ الصَّلاةِ طَهارتُه كامِلةٌ (٣). واستَثنَى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أَصحابَ الضَّرورةِ؛ فإنَّهم اشتَرَطوا لوُضوءِ صاحِبِ الضَّرورةِ -وهو مَنْ به حَدثٌ دائِمٌ كالمُستحاضةِ ومَن به سَلسُ بَولٍ أو رِيحٍ أو غائِطٍ ونَحوِهم- دُخولَ وَقتِ الصَّلاةِ ولو ظَنًّا، أي: سَواءٌ كانَ دُخولُه يَقينًا أو كانَ ظَنًّا فيما إذا كانَ اشتَبَه عليه الوَقتُ أو دخَلَ أو لا، فاجتهَدَ فأدَّاه اجتِهادُه إلى دُخولِه؛ لأنَّ طَهارتَه طَهارةُ ضَرورةٍ فتَقيَّدت

стр. 320

بدُخولِ الوَقتِ كالتَّيممِ، فإذا تَوضَّأ قبلَ دُخولِ الوَقتِ بطَلَ الوُضوءُ بدُخولِه كالتَّيممِ؛ لأنَّه لا حاجةَ إليه إذَنْ. واشتَرَطوا له أيضًا تَقدُّمَ الاستِنجاءِ أو الاستِجمارِ على الوُضوءِ؛ لأنَّه يُشتَرطُ لطُهرِه تَقدُّمُ إِزالةِ النَّجاسةِ. وزادَ الشافِعيةُ اشتِراطَ التَّحفظِ مِثلَ الحَشوِ والعَصبِ إذا احتِيجَ إليه، والمُوالاةِ بينَ الاستِنجاءِ والتَّحفظِ والمُوالاةِ بينَ الاستِنجاءِ والتَّحفظِ وبينَ الوُضوءِ والمُوالاةِ بينَ الوُضوءِ والصَّلاةِ (١).
следующие страницы →