← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

وقال الشافِعيَّةُ: مَنْ غلَبه الجُوعُ والعَطشُ فخاف الهَلاكَ لَزِمه الفِطرُ، وإنْ كان صَحيحًا مُقيمًا، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] وقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥] ويَلزمُه القَضاءُ كالمَريضِ. وإنْ تَعدَّى المَريضُ بفِعلِ ما أمرَضه يُباحُ له تَركُ الصَّومِ، إذا وجَد به ضَررًا شديدًا، لكنَّهم شَرَطوا لِجَوازِ فِطرِه نيَّةَ التَّرخيصِ كما قال الرَّمليُّ واعتمَدَه. وفرَّقوا بينَ المَرضِ المُطبِقِ وبينَ المَرضِ المُتقطِّعِ: فإنْ كان المَرضُ مُطبِقًا، فله تَركُ النيَّةِ في اللَّيلِ. وإنْ كان يُحَمُّ ويَنقطِعُ، نُظِرَ: فإنْ كان مَحمومًا وَقتَ الشُّروعِ في الصَّومِ فله تَركُ النيَّةِ، وإلا فعليه أنْ يَنويَ من اللَّيلِ فإنِ احتاجَ إلى الإفطارِ أفطَرَ. ومِثلُ ذلك: الحَصادُ والبِناءُ والحارِسُ -ولو مُتبرِّعًا- فتَجِبُ عليهم النيَّةُ لَيلًا، ثم إنْ لَحِقتْهم مَشقَّةٌ أفطَروا (١). أمَّا الحَنابِلةُ فقال ابنُ قُدامةَ ﵀: والصَّحيحُ أنَّ الذي يَخشى المَرضَ بالصِّيامِ كالمَريضِ الذي يُخافُ زيادَتُه في إباحةِ الفِطرِ؛ لأنَّ المَريضَ إنَّما أُبيحَ له الفِطرُ خَوفًا مما يَتجدَّدُ بصيامِه من زِيادةِ المَرضِ وتَطاوُلِه، فالخَوفُ من تَجدُّدِ المَرضِ في مَعناه.

стр. 2557

قال أحمدُ فيمَن به شَهوةٌ غالِبةٌ لِلجِماعِ يَخافُ أنْ تَنشَقَّ أُنثَياه فله الفِطرُ، وقال في الجاريةِ تَصومُ إذا حاضَت؛ فإنْ جهَدها الصَّومُ فلتُفطِرْ ولتَقضِ، يَعني: إذا حاضَت وهي صَغيرةٌ لم تَبلُغْ خَمسَ عَشرةَ سَنةً. قال القاضي: هذا إذا كانت تَخافُ المَرضَ بالصِّيامِ أُبيحَ لها الفِطرُ وإلا فلا. فَصلٌ: ومَن أُبيحَ له الفِطرُ لِشِدَّةِ شَبَقِه إنْ أمكَنه استِدفاعُ الشَّهوةِ بغَيرِ جِماعٍ كالاستِمناءِ بيَدِه أو بيَدِ امرأتِه أو جاريَتِه لم يَجُزْ له الجِماعُ؛ لأنَّه فِطرٌ لِلضَّرورةِ، فلَم تُبَحْ له الزِّيادةُ على ما تَندَفِعُ به الضَّرورةُ كأكلِ المَيتةِ عندَ الضَّرورةِ، وإنْ جامَع فعليه الكَفَّارةُ، وكذلك إنْ أمكَنَه دَفعُها بما لا يُفسِدُ صَومَ غَيرِه كوَطءِ زَوجَتِه أو أمَتِه الصَّغيرةِ أو الكِتابيَّةِ أو مُباشَرةِ الكَبيرةِ المُسلِمةِ دونَ الفَرجِ، أو الاستِمناءِ بيَدِها أو بيَدِه لم يُبَحْ له إفسادُ صَومِ غَيرِه؛ لأنَّ الضَّرورةَ إذا اندَفَعت لم يُبَحْ له ما وراءَها كالشِّبعِ من المَيتةِ إذا اندفَعت الضَّرورةُ بسَدِّ الرَّمقِ، وإنْ لم تَندفِعِ الضَّرورةُ إلا بإفسادِ صَومِ غَيرِه أُبيحَ ذلك؛ لأنَّه مما تَدعو الضَّرورةُ إليه، فأُبيحَ كفِطرِه، وكالحامِلِ والمُرضِعِ تُفطِران خَوفًا على وَلَدَيْهما. فإنْ كان له امرأتان حائِضٌ وطاهِرةٌ صائِمةٌ ودَعَتْه الضَّرورةُ إلى وَطءِ إحداهما احتمَل وَجهَيْن، أحَدُهما وَطءُ الصائِمةِ أوْلى؛ لأنَّ اللهَ تَعالى نَصَّ على النَّهيِ عن وَطءِ الحائِضِ في كِتابِه، ولأنَّ وَطأها فيه أذًى لا يَزولُ بالحاجةِ إلى الوَطءِ.

стр. 2558

والثاني يَتخيَّرُ؛ لأنَّ وَطءَ الصائِمةِ يُفسِدُ صيامَها، فتَتعارَضُ المَفسَدتان فيَتساوَيان (١). وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ إلى أنَّ الصَّحيحَ إذا خافَ الشِّدَّةَ أو التَّعبَ لا يَجوزُ له الفِطرُ، إذا حصَل له بالصَّومِ مُجرَّدُ شِدَّةِ تَعبٍ، وإنْ قيلَ بجَوازِ فِطرِه. قال الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: (و) جازَ الفِطرُ (بمَرضٍ خافَ) أي: ظَنَّ لِقَولِ طَبيبٍ عارِفٍ أو تَجرِبةٍ أو لِمُوافِقٍ في المِزاجِ (زيادَتَه أو تَماديَه) بأنْ يَتأخَّرَ البُرءُ، وكذا إنْ حصَل لِلمَريضِ بالصَّومِ شِدَّةُ تَعبٍ بخِلافِ الصَّحيحِ. قال الدُّسوقيُّ: قَولُه: (بخِلافِ الصَّحيحِ) أي؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ إذا حصَل له بالصَّومِ مُجرَّدُ شِدَّةِ تَعبٍ، وهذا هو المَشهورُ، وسيأتي لِلشارِحِ قَولٌ آخَرُ بجَوازِ فِطرِه، وكذلك لو خاف الصَّحيحُ حُصولَ أصلِ المَرضِ بصَومِه؛ فإنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ على المَشهورِ؛ إذ لَعَلَّه لا يَنْزِلُ به المَرضُ إذا صام، وقيل: يَجوزُ له الفِطرُ. وقال الدَّرديرُ أيضًا: ووجَب الفِطرُ لِمَريضٍ وصَحيحٍ إنْ خاف على نَفسِه بصَومِه هَلاكًا أو شَديدَ أذًى كتَعطيلِ مَنفَعةٍ مِنْ سَمْعٍ أو بَصَرٍ أو غَيرِهما لِوُجوبِ حِفظِ النَّفسِ، وأمَّا الجَهدُ الشَّديدُ فيُبيحُ الفِطرَ لِلمَريضِ، وقيلَ: والصَّحيحُ أيضًا (٢).

стр. 2559

ولَخَّص ابنُ جُزَيٍّ من المالِكيَّةِ أحوالَ المَريضِ بالنِّسبةِ إلى الصَّومِ، وقال: لِلمَريضِ أحوالٌ: الأُولى: ألَّا يَقدِرَ على الصَّومِ أو أنْ يَخافَ الهَلاكَ من المَرضِ أو الضَّعفَ إنْ صامَ فالفِطرُ عليه واجِبٌ. والثانية: أنْ يَقدِرَ على الصَّومِ بمَشقَّةٍ، فالفِطرُ له جائِزٌ، وقال ابنُ العَربيِّ: مُستحَبٌّ. والثالِثةُ: أنْ يَقدِرَ بمَشقَّةٍ، ويَخافَ زيادةَ المَرضِ، ففي وُجوبِ فِطرِه قَولان. الرابِعةُ: ألَّا يَشُقَّ عليه، وألا يَخافَ زيادةَ المَرضِ فلا يُفطِرَ عندَ الجُمهورِ خِلافًا لِابنِ سِيرينَ (١). ثانيًا: السَّفَرُ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ لِلمسافِرِ أنْ يَترخَّصَ بالفِطرِ، وعليه القَضاءُ، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولِما رَوَت عائِشةُ ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قال لِلنَّبِيِّ ﷺ : «أَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كَثِيرَ الصِّيامِ، فقال: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» (٢). وقد نقَل الإجماعَ على ذلك النَّوَويُّ وابنُ قُدامةَ وابنُ هُبَيرةَ وابنُ حَزمٍ وغَيرُهم (٣).

стр. 2560

صِحَّةُ الصَّومِ في السَّفرِ: ذهَب الأئِمَّةُ الأربَعةُ إلى أنَّ المُسافِرَ لو صام في سَفرِه صَومُه صَحيحٌ مُجزِئٌ عنه، لِما رَوت عائشة ﵂: أَنَّ حَمْزَةَ بنَ عَمْرٍو الْأَسْلَمِيَّ قال لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَأَصُومُ في السَّفَرِ؟ وكان كَثِيرَ الصِّيامِ، فقال: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ» (١). وقال أنَسٌ ﵁: «كُنَّا نُسَافِرُ مع النَّبيِّ ﷺ فلَم يَعِبِ الصَّائِمُ على الْمُفْطِرِ ولا الْمُفْطِرُ على الصَّائِمِ» (٢)، ولِغَيرِ ذلك من الأحاديثِ (٣). الأفضَلُ الصَّومُ في السَّفرِ أم الفِطرُ؟ اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ في: أيُّهما أفضَلُ لِلمُسافِرِ هل الصَّومُ أو الفِطرُ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في وَجهٍ إلى أنَّ الصَّومَ أفضَلُ من الفِطرِ، إذا لم يُجهِدْه الصَّومُ ولم يُضعِفْه، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ كانت له حَمُولَةٌ تَأْوِي إلى شِبَعٍ فَلْيَصُمْ رَمَضَانَ حيثُ أَدْرَكَهُ» (٤).

стр. 2561

ولأنَّ الصَّومَ في رَمضانَ أفضَلُ الوَقتَيْن، والصَّومَ في أفضَلِ وَقتَيِ الصَّومِ أفضَلُ منه في غَيرِه. ولِحَديثِ حَمزةَ بنِ عَمرٍو الأسلَميِّ المُتقدِّمِ وفيه: «إنْ شِئْتَ فَصُمْ، وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ». فمَن خُيِّرَ بينَ الصَّومِ والفِطرِ، كان الصَّومُ له أفضلَ، كالتَّطوُّعِ. ولأنَّه إذا أفطَر فقد أخَّر الصَّومَ عن وَقتِه، ولأنَّ الإتيانَ بالفُروضِ في أوقاتِها أفضَلُ، ولأنَّه يأمَنُ الفَواتَ، ويَحوزُ الثَّوابَ، وتَبرَأُ ذِمَّتُه. وقد دَلَّت الآياتُ على أنَّ الصَّومَ عَزيمةٌ، والفِطرَ رُخصةٌ، والعَزيمةُ أفضَلُ من الرُّخصةِ ما لم تَعُدْ بضَرَرٍ. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: ما كان رُخصةً فالأفضَلُ تَركُ الرُّخصةِ (١). وقيَّد الحَنفيَّةُ أفضَليَّةَ الصَّومِ أيضًا بما إذا لم يَكُنْ مُعظَمُ رُفقَتِه مُفطِرين، أو مُشتَرِكين في النَّفَقةِ؛ فإنْ كانوا كذلك فالأفضَلُ فِطرُه مُوافَقةً لِلجَماعةِ (٢). وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ وابنُ حَبيبٍ وعَبدُ المَلِكِ بنُ الماجِشونِ وابنُ عَبدِ البَرِّ من المالِكيَّةِ إلى أنَّ الفِطرَ لِلمُسافِرِ أفضَلُ، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليس مِنَ الْبِرِّ الصَّوْمُ في السَّفَرِ». وفي رِوايةٍ: «عَلَيْكُمْ بِرُخْصَةِ اللَّهِ الذي رَخَّصَ لَكُمْ» (٣).

стр. 2562

وعن عَبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كما يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ» (١). وعن جابِرٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إلى مَكَّةَ في رَمَضَانَ، فَصَامَ حتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ الناسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ من مَاءٍ فَرَفَعَهُ حتى نَظَرَ الناسُ إليه، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ له بَعْدَ ذلك: إِنَّ بَعْضَ الناسِ قد صَامَ، فقال: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (٢). قال ابنُ حَبيبٍ: ولأنَّه آخِرُ الأمرَيْن من رَسولِ اللهِ ﷺ (٣). لكنْ قال النَّوَويُّ والكَمالُ بنُ الهُمامِ -رحمهما الله-: إنَّ الأحاديثَ التي تَدُلُّ على أفضَليَّةِ الفِطرِ، مَحمولةٌ على مَنْ يَتضرَّرُ بالصَّومِ، وفي بَعضِها التَّصريحُ بذلك، ولا بُدَّ من هذا التأويلِ، لِيُجمَعَ بينَ الأحاديثِ، وذلك أوْلى من إهمالِ بَعضِها، أو ادِّعاءِ النَّسخِ، من غَيرِ دَليلٍ قاطِعٍ (٤).

стр. 2563

شُروطُ صِحَّةِ الفِطرِ في السَّفرِ: يُشترَطُ في السَّفرِ المُرخِّصِ في الفِطرِ ما يَلي: أ- أنْ يَكونَ السَّفرُ طَويلًا ممَّا تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا المَعنى المَعقولُ من إجازةِ الفِطرِ في السَّفرِ فهو المَشقَّةُ، ولَمَّا كانت لا تُوجَدُ في كلِّ السَّفرِ، وجَب أنْ يَجوزَ الفِطرُ في السَّفرِ الذي فيه المَشقَّةُ. ولَمَّا كان الصَّحابةُ كأنَّهم مُجمِعون على الحَدِّ في ذلك، وجَب أنْ يُقاسَ ذلك على الحَدِّ في قَصرِ الصَّلاةِ (١). وقال الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا السَّفرُ فالمُرخَّصُ منه هو مُطلَقُ السَّفرِ المُقدَّرِ، والأصلُ فيها قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]، أي: فمَن كان منكم مَريضًا، أو على سَفرٍ فأفطَر بعُذرِ المَرضِ والسَّفرِ، فعِدَّةٌ من أيامٍ أُخَرَ، دَلَّ على أنَّ المَرضَ والسَّفرَ سبَبَا الرُّخصةِ، ثم السَّفرُ والمَرضُ -وإنْ أُطلِقَ ذِكرُهما في الآيةِ- المُرادُ منهما المُقيَّدُ؛ لأنَّ مُطلَقَ السَّفرِ ليس بسَببِ الرُّخصةِ: لأنَّ حَقيقةَ السَّفرِ هي الخُروجُ عن الوَطنِ، أو الظُّهورُ، وذا يَحصُلُ بالخُروجِ إلى الضَّيعةِ، ولا تَتعلَّقُ به الرُّخصةُ، فعُلِم أنَّ المُرخَّصَ سَفرٌ مُقدَّرٌ بتَقديرٍ مَعلومٍ، وهو الخُروجُ عن الوَطنِ على قَصدِ مَسيرةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ فصاعِدًا عندَنا (٢).

стр. 2564

ومُدَّةُ السَّفرِ المُجوِّزِ لِلفِطرِ عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ هي مَسيرةُ يَومَيْن مُعتدلَيْن بلا لَيلةٍ، أو مَسيرةُ لَيلتَيْن بلا يَومٍ، أو مَسيرةُ يَومٍ ولَيلةٍ (١). وهي ما تُعادِلُ (٤، ٨٦) كيلو مترًا، وقد سبَق بَيانُ ذلك في كِتابِ الصَّلاةِ في صَلاةِ المُسافِرِ. ب- ألَّا يَعزِمَ المُسافِرُ على الإقامةِ في خِلالِ سَفرِه مُدَّةَ أربَعةِ أيَّامٍ بلَياليها عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ، وأكثَرَ من أربَعةِ أيامٍ عندَ الحَنابِلةِ، وهي نِصفُ شَهرٍ أو خَمسةَ عَشَرَ يَومًا عندَ الحَنفيَّةِ (٢). ج- ألَّا يَكونَ سَفرُه في مَعصيةٍ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُشترَطُ في السَّفرِ المُرخِّصِ لِلفِطرِ ألَّا يَكونَ في مَعصيةٍ، فلا يُفطِرَ عاصٍ بسَفرِه، كأنْ خرَج لِقَطعِ الطَّريقِ أو لِقِتالِ المُسلِمين ظُلمًا أو لِلتِّجارةِ في الخَمرِ والمُحرَّماتِ إلى غَيرِ ذلك، وذلك لأنَّ الفِطرَ رُخصةٌ وتَخفيفٌ، فلا يَستحِقُّها عاصٍ بسَفَرِه. ولأنَّ التَّرخيصَ شُرِع لِلإعانةِ على تَحصيلِ المَقصِدِ المُباحِ تَوصُّلًا إلى المَصلَحةِ، فلو شُرِع الفِطرُ ههنا لَكانَ إعانةً على المُحرَّمِ تَحصيلًا لِلمَفسَدةِ، والشَّرعُ مُنزَّهٌ عن هذا (٣).

стр. 2565

أمَّا الحَنفيَّةُ فلم يَشترِطوا أنْ يَكونَ السَّفرُ مُباحًا، بل أجازوا الفِطرَ في سَفرِ المَعصيةِ أيضًا. قالوا: لأنَّ النُّصوصَ التي ورَدت لم تُفرِّقْ بين سَفرٍ وسَفرٍ، فوجَب العَملُ بعُمومِ النُّصوصِ وإطلاقِها؛ ولأنَّ نَفسَ السَّفرِ ليس بمَعصيةٍ وإنَّما المَعصيةُ ما يَكونُ بعدَه أو يُجاوِرُه. والرُّخصةُ تَتعلَّقُ بالسَّفرِ لا بالمَعصيةِ (١). د- أنْ يُجاوِزَ المَدينةَ وما يَتَّصِلُ بها والبِناءاتِ والأفنيةَ والأخبيةَ (٢). قال ابنُ قُدامةَ: لا يُباحُ له الفِطرُ حتى يُخلِّفَ البُيوتَ وَراءَ ظَهرِه، يَعني أنَّه يُجاوِزُها ويَخرُجُ من بينِ بُنيانِها. وقال الحَسَنُ: يُفطِرُ في بَيتِه إنْ شاءَ يَومَ يُريدُ أنْ يَخرُجَ، ورُوي نَحوُه عن عَطاءٍ. قال ابنُ عَبدِ البَرِّ: قَولُ الحَسنِ قَولٌ شاذٌّ، وليس الفِطرُ لِأحَدٍ في الحَضرِ في نَظرٍ ولا أثَرٍ، وقد رُوي عن الحَسنِ خِلافُه. وقد رَوى مُحمدُ بنُ كَعبٍ قال: «أَتَيْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ في رَمَضَانَ وهو يُرِيدُ سَفَرًا، وقد رُحِّلَتْ له رَاحِلَتُهُ وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ،

стр. 2566

فقُلتُ له: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ» (١). قال التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسَنٌ. ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وهذا شاهِدٌ ولا يُوصَفُ بكَونِه مُسافِرًا حتى يَخرُجَ من البَلدِ، ومهما كان في البَلدِ فله أحكامُ الحاضِرين، ولذلك لا يَقصُرُ الصَّلاةَ، وأمَّا أنَسٌ فيَحتمِلُ أنَّه كان قد برَز من البَلدِ خارِجًا منه، فأتاه مُحمدُ بنُ كَعبٍ في مَنزِلِه ذلك (٢). وقال التِّرمذيُّ ﵀ بعدَ أنْ ذكَر هذا الحَديثَ: وقد ذهَب بَعضُ أهلِ العِلمِ إلى هذا الحَديثِ وقالوا: لِلمُسافِرِ أنْ يُفطِرَ في بَيتِه قبلَ أنْ يَخرُجَ وليس له أنْ يَقصُرَ الصَّلاةَ حتى يَخرُجَ من جِدارِ المَدينةِ أو القَريةِ، وهو قَولُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الحَنظَليِّ (٣). وقال الإمامُ البَغَويُّ ﵀: وقال الحَسَنُ: إذا أصبَح المُقيمُ على نيَّةِ السَّفرِ في يَومِه، جازَ له أنْ يُفطِرَ في بَيتِه، وبه قال إسحاقُ، ويُروى ذلك عن أنسِ بنِ مالِكٍ أنَّه كان يُريدُ سَفرًا، وقد رُحِّلت له راحِلتُه، ولَبِس ثيابَ السَّفرِ، فدَعا بطَعامٍ، فأكَل، فقيلَ له: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثم رَكِب. وأكثَرُ أهلِ العِلمِ على أنَّه إذا طلَع الفَجرُ قبلَ أنْ يَخرُجَ، فعليه أنْ يَصومَ ذلك اليَومَ. وأجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ له القَصرُ ما لم يَخرُجْ عن البَلدِ (٤).

стр. 2567

وقال الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: بابُ الوَقتِ الذي لِلمُسافِرِ أنْ يُفطِرَ فيه عندَ خُروجِه: واختَلفُوا في الوَقتِ الذي يُفطِرُ فيه الخارِجُ إلى السَّفرِ، فقالت طائِفةٌ: يُفطِرُ من يَومِه إذا خرَج مُسافِرًا، هذا قَولُ عَمرِو بنِ شُرَحبيلَ، والشَّعبيِّ. وقال أحمدُ: يُفطِرُ إذا برَز عن البُيوتِ. وقال إسحاقُ: لا، بل حين يَضعُ رِجلَيْه في الرَّحلِ. وقال الحَسَنُ البَصريُّ: يُفطِرُ إنْ شاءَ في بَيتِه يَومَ يُريدُ أنْ يَخرُجَ. قال أبو بَكرٍ: قَولُ أحمدَ صَحيحٌ؛ لأنَّهم يَقولون: مَنْ أصبَح صائِمًا صَحيحًا، ثم اعتَلَّ يُفطِرُ بَقيَّةَ يَومِه، وكذلك إذا أصبَح في الحَضرِ، ثم خرَج إلى السَّفرِ فله كذلك أنْ يُفطِرَ. وقالت طائِفةٌ: لا يُفطِرُ يَومَه ذلك، كذلك قال الزُّهريُّ، ومَكحولٌ، ويَحيى الأنصاريُّ، ومالِكٌ، والأوزاعيُّ، والشافِعيُّ، وأبو ثَورٍ، وأصحابُ الرأيِ (١). واختَلفُوا فيما إذا أكلَ في هذه الصُّورةِ أكلَ قبلَ مُغادَرةِ بَلدِه هل عليه كَفَّارةٌ أو لا؟ فقال مالِكٌ: لا، وقال أشهَبُ: هو مُتأوَّلٌ، وقال غَيرُهما: يُكفِّرُ. قال ابنُ جُزَيٍّ: فإنْ أفطَر قبلَ الخُروجِ، ففي وُجوبِ الكَفَّارةِ عليه ثَلاثةُ أقوالٍ، يُفرِّقُ في الثالِثِ، بينَ أنْ يُسافِرَ فتَسقُطَ، أو لا، فتَجِبَ (٢).

стр. 2568

تَبييتُ نيَّةِ الفِطرِ من اللَّيلِ لِمَنْ أرادَ السَّفرَ: قال الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: واتَّفَقوا في الذي يُريدُ السَّفرَ في رَمضانَ أنَّه لا يَجوزُ له أنْ يُبيِّتَ الفِطرَ؛ لأنَّ المُسافِرَ لا يَكونُ مُسافِرًا بالنيَّةِ وإنَّما يَكونُ مُسافِرًا بالنُّهوضِ في سَفرِه أو بالأخذِ في أُهبَتِه، وليست النيَّةُ في السَّفرِ كالنيَّةِ في الإقامةِ؛ لأنَّ المُسافِرَ إذا نَوى الإقامةَ كان مُقيمًا في الحينِ؛ لأنَّ الإقامةَ لا تَفتَقِرُ إلى عَملٍ، والمُقيمَ إذا نَوى السَّفرَ لم يَكُنْ مُسافِرًا حتى يأخُذَ في سَفرِه ويَبرُزَ عن الحَضرِ فيَجوزَ له حينَئِذٍ تَقصيرُ الصَّلاةِ وأحكامُ المُسافِرِ إلا مِنْ جَعلِ تأهُّبِه لِلسَّفرِ وعَملِه فيه كالسَّفرِ والبُروزِ عن الحَضرِ لَزِمه ألَّا يَجِبَ عليه في أكلِه قبلَ خُروجِه. وقد أجمَعوا على أنَّه لو مَشى في سَفرِه حتى تَغيبَ بُيوتُ القَريةِ والمِصرِ فنزَل فأكَل ثم أعاقَه عائِقٌ عن النُّهوضِ في ذلك السَّفرِ لم تَلزَمْه كَفَّارةٌ (١). وَقتُ جَوازِ الفِطرِ لِلمُسافِرِ: في وَقتِ جَوازِ الفِطرِ لِلمُسافِرِ ثَلاثةُ أحوالٍ: الحالةُ الأُولى: أنْ يَبدأَ السَّفرَ قبلَ الفَجرِ، أو يَطلُعَ الفَجرُ وهو مُسافِرٌ ويَنويَ الفِطرَ، فيَجوزُ له الفِطرُ إجماعًا؛ لأنَّه ابتَدأ السَّفرَ في زَمانٍ يَجوزُ له الفِطرُ فيه، ولأنَّه مُتَّصِفٌ بالسَّفرِ عندَ وُجودِ سَببِ الوُجوبِ (٢).

стр. 2569

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَبدأَ السَّفرَ بعدَ الفَجرِ، بأنْ يَطلُعَ الفَجرُ وهو مُقيمٌ ببَلدِه، ثم يُسافِرَ بعدَ طُلوعِ الفَجرِ أو في خِلالِ النَّهارِ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ هل يَجوزُ له الفِطرُ في هذه الحالةِ أو لا يَجوزُ ويَلزَمُه الإفطارُ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَجوزُ له الفِطرُ ويَلزمُه إتمامُ الصِّيامِ؛ لأنَّها عِبادةٌ تَختلِفُ بالسَّفرِ والحَضرِ فوجَب إذا ابتَدأها في الحَضرِ ثم طَرأ عليه السَّفرُ أنْ يُغلِّبَ حُكمَ الحَضرِ كالصَّلاةِ والمَسحِ على الخُفَّيْن، ولأنَّه قد خلَط إباحةً بحَظرٍ، ولا بُدَّ من تَغليبِ أحَدِهما في الحُكمِ، فكان تَغليبُ الحَضرِ أوْلى. ومع ذلك إنْ أفطَر فلا كَفَّارةَ عليه عندَ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في المَشهورِ، وذلك لِلشُّبهةِ في آخِرِ الوَقتِ، ولأنَّه لَمَّا سافَر بعدَ الفَجرِ صارَ من أهلِ الفِطرِ، فسقَطت عنه الكَفَّارةُ. والصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ أنَّه يَحرُمُ عليه الفِطرُ حتى لو أفطَر بالجِماعِ لَزمتْه الكَفَّارةُ (١). وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ والمُزَنيُّ وغَيرُه من الشافِعيَّةِ وحَكاه ابنُ هُبَيرةَ عن المَدنيِّين من أصحابِ مالِكٍ إلى أنَّ مَنْ نَوى الصَّومَ في الحَضرِ ثم سافَر في أثناءِ اليَومِ، طَوعًا أو كَرهًا له الفِطرُ في ذلك اليَومِ بعدَ خُروجِه ومُفارَقتِه بُيوتَ قَريَتِه العامِرةِ، وخُروجِه من بينِ بُنيانِها؛ لِعُمومِ قولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ولِحَديثِ جابِرٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ

стр. 2570

حتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَصَامَ الناسُ معه، فَقِيلَ له: إنَّ الناسَ قد شَقَّ عليهم الصِّيامُ، وَإِنَّ الناسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ من مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ، فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فقال: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (١). ولِحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «خَرَجَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ إلى مَكَّةَ في شَهْرِ رَمَضَانَ فَصَامَ حتى مَرَّ بِغَدِيرٍ في الطَّرِيقِ، وَذَلِكَ في نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. قال: فَعَطِشَ الناسُ وَجَعَلُوا يَمُدُّونَ أَعْنَاقَهُمْ وَتَتُوقُ أَنْفُسُهُمْ إليه. قال: فَدَعَا رَسولُ اللَّهِ ﷺ بِقَدَحٍ فيه مَاءٌ فأمسَكَه على يَدِهِ، حتى رَآهُ الناسُ، ثُمَّ شَرِبَ، فَشَرِبَ الناسُ» (٢). وكذلك حَديثُ عُبَيدِ بنِ جُبَيرٍ قال: «رَكِبْتُ مع أبي بَصْرَةَ الغِفاريِّ صَاحِبِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ في سَفِينَةٍ مِنَ الْفُسْطَاطِ في رَمَضَانَ، فَدَفَعَ، ثُمَّ قَرَّبَ غَدَاءَهُ، ثُمَّ قال: اقْتَرِبْ، فقُلتُ: أَلَسْتَ بينَ الْبُيُوتِ؟ فقال أبو بَصْرَةَ: أَرَغِبْتَ عن سُنَّةِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ ؟» (٣). وكذلك حَديثُ مُحمدِ بنِ كَعبٍ قال: «أَتَيْتُ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ في رَمَضَانَ وهو يُرِيدُ سَفَرًا، وقد رُحِّلَتْ له رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ فَدَعَا بِطَعَامٍ فَأَكَلَ، فقُلتُ له: سُنَّةٌ؟ قال: سُنَّةٌ، ثُمَّ رَكِبَ» (٤).

стр. 2571

قال ابنُ القَيِّمِ ﵀ بعدَ ذِكرِ هذا الأثَرِ: وفيه حُجَّةٌ لِمَنْ جَوَّز لِلمُسافِرِ الفِطرَ في يَومٍ سافِرٍ في أثنائِه، وهو إحدى الرِّوايتَيْن عن الإمامِ أحمدَ، وقَولُ عَمرِو بنِ شُرَحبيلَ والشَّعبيِّ وإسحاقَ، وحَكاه عن أنَسٍ وهو قَولُ داودَ وابنِ المُنذِرِ. وقال مالِكٌ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ: لا يُفطِرُ. وهو قَولُ الزُّهريِّ والأوزاعيِّ ومَكحولٍ (١). وقالوا: ولأنَّ السَّفرَ مَعنًى لو وُجِد لَيلًا واستمَر في النَّهارِ لَأباحَ الفِطرَ، فإذا وُجِد في أثنائِه أباحَه كالمَرضِ؛ ولأنَّه أحَدُ الأمرَيْن المَنصوصِ عليهما في إباحةِ الفِطرِ بهما، فإباحَتُه في أثناءِ النَّهارِ كالآخَرِ (٢). وقال الذين أباحوه من الشافِعيَّةِ: إنَّه تَغليبٌ لِحُكمِ السَّفرِ (٣). وقد نَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّ الأفضَلَ لِمَنْ سافَر في أثناءِ يَومٍ نَوى صَومَه إتمامُ صَومِ ذلك اليَومِ، خُروجًا من خِلافِ مَنْ لم يُبَحْ له الفِطرُ، كما هو مَذهبُ الجُمهورِ، تَغليبًا لِحُكمِ الحَضرِ، كالصَّلاةِ (٤).

стр. 2572

الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يُفطِرَ قبلَ مُغادَرةِ بَلدِه: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه لا يَجوزُ لِمَنْ أرادَ السَّفرَ أنْ يُفطِرَ قبلَ أنْ يُغادِرَ مَحلَّ إقامَتِه؛ لأنَّ رُخصةَ السَّفرِ لا تَتحقَّقُ بدُونِه، كما لا تَبقى بدُونِه، ولَمَّا يَتحقَّقِ السَّفرُ بَعدُ، بل هو مُقيمٌ وشاهِدٌ، وقد قال اللهُ تَعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وهذا شاهِدٌ ولا يُوصَفُ بكَونِه مُسافِرًا حتى يَخرُجَ من البَلدِ، ومهما كان في البَلدِ فله أحكامُ الحاضِرين، ولذلك لا يَقصُرُ الصَّلاةَ (١)، وقد تَقدَّم بَيانُ ذلك. ويَتَّصِلُ بهذه المَسائِلِ في إفطارِ المُسافِرِ: مَنْ نَوى الصَّومَ لَيلاً وهو مُسافِرٌ وأصبَح صائِمًا: اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو نَوى في سَفرِه الصَّومَ لَيلًا، وأصبَح صائِمًا، مِنْ غَيرِ أنْ يَنقُضَ عَزيمَتَه قبلَ الفَجرِ هل يَحِلُّ له الفِطرُ أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في وَجهٍ إلى أنَّه لا يَحِلُّ له الفِطرُ في ذلك اليَومِ، ولو أفطَر لا تَجِبُ عليه الكَفَّارةُ لِلشُّبهةِ. وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: كان مالِكٌ يُوجِبُ عليه القَضاءَ والكَفَّارةَ، وقد رُوي عنه أنَّه لا كَفَّارةَ عليه، وهو قَولُ أكثَرِ أصحابِه إلا عَبدَ المَلِكِ؛ فإنَّه قال: مَنْ أفطَر بجِماعٍ كَفَّرَ؛ لأنَّه لا يَقوَى بذلك على سَفرِه ولا عُذْرَ له، وعلى ذلك مَذاهِبُ سائِرِ الفُقهاءِ بالحِجازِ والعِراقِ أنَّه لا كَفَّارةَ عليه.

стр. 2573

قال أبو عُمَرَ: الحُجَّةُ في سُقوطِ الكَفَّارةِ واضِحةٌ من جِهةِ النَّظرِ؛ لأنَّه مُتأوِّلٌ غَيرُ هاتِكٍ لِحُرمةِ صَومِه عندَ نَفسِه، وهو مُسافِرٌ قد دخَل في عُمومِ إباحةِ الفِطرِ (١). وقال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: مَنْ كان في سَفرٍ، فأصبَح على نيَّةِ الصَّومِ، لم يَجُزْ له الفِطرُ إلا بعُذرٍ، كالتَّغذِّي لِلقاءِ العَدُوِّ، وأجازَه مُطَرِّفٌ من غَيرِ عُذرٍ، وعلى المَشهورِ: إنْ أفطَر ففي وُجوبِ الكَفَّارةِ ثَلاثةُ أقوالٍ: يُفرِّقُ في الثالِثِ بينَ أنْ يُفطِرَ بجِماعٍ فتَجِبَ، أو بغَيرِه فلا تَجِبَ (٢). لكنَّ الذي في شُروحِ خَليلٍ، وفي «حاشيةِ الدُّسوقيِّ»: أنَّه إذا بَيَّتَ نيَّةَ الصَّومِ في السَّفرِ وأصبَح صائِمًا فيه ثم أفطَر، لَزمَتْه الكَفَّارةُ سَواءٌ أفطَر مُتأوِّلًا أو لا. وهذا هو مَنصوصُ المُدوَّنةِ، فجاءَ فيها: الصِّيامُ في السَّفرِ: (قال ابنُ القاسِمِ) قال مالِكٌ: الصِّيامُ في رَمضانَ في السَّفرِ أحَبُّ إلَيَّ لِمَنْ قَوِيَ عليه، (قال) فقُلتُ لِمالِكٍ: فلو أنَّ رَجلًا أصبَح في السَّفرِ صائِمًا في رَمضانَ ثم أفطَر مُتعمِّدًا من غَيرِ عِلَّةٍ ماذا عليه؟ (قال) القَضاءُ مع الكَفَّارةِ مِثلَ مَنْ أفطَر في الحَضَرِ (قال): وسألتُ مالِكًا عن هذا غَيرَ مَرَّةٍ ولا عامٍ، فكُلَّ ذلك يَقولُ لي: عليه الكَفَّارةُ، وذلك أنِّي رأيتُه أو قاله لي: إنَّما كانت له السَّعةُ في أنْ يُفطِرَ أو يَصومَ، فإذا صام فليس له أنْ يَخرُجَ منه إلا بعُذرٍ من اللهِ؛ فإنْ أفطَر

стр. 2574

مُتعمِّدًا كانت عليه الكَفَّارةُ مع القَضاءِ (قال): فقُلتُ لِمالِكٍ: فلو أنَّ رَجُلًا أصبَح في حَضرٍ في رَمضانَ صائِمًا ثم سافَر فأفطَر، (قال): ليس عليه إلا قَضاءُ يَومٍ، ولا أُحِبُّ أنْ يُفطِرَ؛ فإنْ أفطَرَ فليس عليه إلا قَضاءُ يَومٍ. (قُلتُ): ما الفَرقُ بينَ هذا الذي صامَ في السَّفرِ ثم أفطَر، وبينَ هذا الذي صامَ في الحَضرِ ثم سافَر من يَومِه ذلك فأفطَرَه عندَ مالِكٍ؟ (قال): قال لنا مالِكٌ، أو فَسَّر لنا عنه؛ لأنَّ الحاضِرَ كان مِنْ أهلِ الصَّومِ فخرَج مُسافِرًا فصارَ من أهلِ الفِطرِ، فمِن ههنا سقَطت عنه الكَفَّارةُ، ولأنَّ المُسافِرَ كان مُخيَّرًا في أنْ يُفطِرَ وفي أنْ يَصومَ، فلَمَّا اختارَ الصِّيامَ وترَك الرُّخصةَ صار مِنْ أهلِ الصِّيامِ؛ فإنْ أفطَر فعليه ما على أهلِ الصِّيامِ من الكَفَّارةِ. وقد قال المَخزوميُّ وابنُ كِنانةَ وأشهَبُ في الذي يَصومُ في السَّفرِ في رَمضانَ ثم يُفطِرُ: إنَّ عليه القَضاءَ ولا كَفَّارةَ عليه، إلا أنَّ أشهَبَ قال: إنْ تأوَّل أنَّ له الفِطرَ فله الفِطرُ؛ لأنَّ اللهَ قد وضَع عنه الصِّيامَ، (قال أشهَبُ): وإنْ أصبَح صائِمًا في السَّفرِ ثم دخَل على أهلِه نَهارًا فأفطَر فعليه القَضاءُ والكَفَّارةُ ولا يُعذَرُ أحَدٌ في هذا، (وقال) المَخزوميُّ وابنُ كِنانةَ فيمَن أصبَح في الحَضرِ صائِمًا ثم خرَج إلى السَّفرِ فأفطَر يَومَه ذلك: عليه القَضاءُ والكَفَّارةُ؛ لأنَّ الصَّومَ وجَب عليه في الحَضرِ (١).

стр. 2575

وذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ وابنُ عَبدِ البَرِّ ومُطرِّفٌ من المالِكيَّةِ إلى أنَّه لو أصبَح صائِمًا في السَّفرِ ثم أرادَ الفِطرَ، جازَ له الفِطرُ من غَيرِ عُذرٍ؛ لأنَّ العُذرَ قائِمٌ -وهو السَّفرُ- أو لِدَوامِ العُذرِ (١). وممَّا استدَلُّوا به حَديثُ ابنِ عَباسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلى مَكَّةَ في رَمَضَانَ فَصَامَ حتى بَلَغَ الْكَدِيدَ أَفْطَرَ فَأَفْطَرَ الناسُ» (٢). وحَديثُ جابِرٍ ﵁: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ إلَى مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فَصَامَ حتى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، وَصَامَ الناسُ معه، فَقِيلَ له: إنَّ الناسَ قد شَقَّ عليهم الصِّيامُ، وَإِنَّ الناسَ يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ من مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَشَرِبَ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْهِ، فَأَفْطَرَ بَعْضُهُمْ وَصَامَ بَعْضُهُمْ فَبَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا صَامُوا، فقال: أُولَئِكَ الْعُصَاةُ أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (٣). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا نَصٌّ صَريحٌ لا يُعرَّجُ على مَنْ خالَفه (٤).

стр. 2576

وقال ابنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: فهذه الآثارُ كُلُّها تُبيِّنُ لكَ أنَّ لِلصائِمِ أنْ يُفطِرَ في سَفرِه بعدَ دُخولِه في الصَّومِ مُختارًا له في رَمضانَ (١). وزادَ الحَنابِلةُ أنَّ له الفِطرَ بما شاءَ، من جِماعٍ وغَيرِه، كأكلٍ وشُربٍ: لأنَّ مَنْ أُبيحَ له الأكلُ أُبيحَ له الجِماعُ، كمَن لم يَنْوِ، ولا كَفَّارةَ عليه بالوَطءِ، لِحُصولِ الفِطرِ بالنيَّةِ قبلَ الجِماعِ، فيَقعُ الجِماعُ بعدَه (٢). انقِطاعُ رُخصةِ السَّفرِ: تَسقُطُ رُخصةُ السَّفرِ بأمرَيْن اتِّفاقًا: الأولُ: إنْ عاد المُسافِرُ إلى بَلدِه، ودخَل وَطنَه، وهو مَحلُّ إقامَتِه، ولو كان دُخولُه بشَيءٍ نَسيَه، يَجِبُ عليه الصَّومُ كما لو قَدِم لَيلًا، أو قَدِم قبلَ نِصفِ النَّهارِ عندَ الحَنفيَّةِ (٣). أمَّا لو قَدِم نَهارًا، ولم يَنْوِ الصَّومَ لَيلًا، أو قَدِم بعدَ نِصفِ النَّهارِ عندَ الحَنفيَّةِ ولم يَكُنْ نَوى الصَّومَ قَبلًا؛ فإنَّه يُمسِكُ بَقيَّةَ النَّهارِ لِحُرمةِ الوَقتِ ولا يَجِبُ ذلك عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ؛ لأنَّه أفطَرَ لِعُذرٍ. ويَجِبُ عليه الإمساكُ عندَ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ (٤).

стр. 2577

الثاني: إذا نَوى المُسافِرُ الإقامةَ مُطلَقًا، أو مُدَّةَ الإقامةِ -وهي أربَعةُ أيامٍ بلياليها عندَ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ، وأكثَرُ من أربَعةِ أيامٍ عندَ الحَنابِلةِ، ونِصفُ شَهرٍ أو خَمسةَ عَشَرَ يَومًا عندَ الحَنفيَّةِ- في مَكانٍ واحِدٍ وكان المَكانُ صالِحًا لِلإقامةِ، لا كالسَّفينةِ والمَفازةِ ودارِ الحَربِ؛ فإنَّه يَصيرُ مُقيمًا بذلك، فيُتِمُّ الصَّلاةَ ويَصومُ ولا يُفطِرُ في رَمضانَ لانقِطاعِ حُكمِ السَّفرِ (١). وصرَّح الشافِعيَّةُ على الصَّحيحِ بأنَّه يَحرُمُ عليه الفِطرُ إنْ نَوى الإقامةَ في السَّفرِ وكان قد نَوى الصَّومَ من اللَّيلِ قبلَ أنْ يَتناوَل مُفطِرًا لِانتِفاءِ المُبيحِ. وفي قَولٍ: يَجوزُ له الفِطرُ، اعتِبارًا بأوَّلِ اليَومِ (٢). وقال ابنُ جُزَيٍّ ﵀: إنَّ السَّفرَ لا يُبيحُ قَصرًا إلا بالنِّيَّةِ والفِعلُ بخِلافِ الإقامةِ؛ فإنَّها تُوجِبُ الصَّومَ والإتمامَ بالنيَّةِ دونَ الفِعلِ (٣). وإذا لم يَنْوِ الإقامةَ ولكنَّه أقامَ لِقَضاءِ حاجةٍ له، بلا نيَّةِ إقامةٍ، ولا يَدري مَتى تَنقَضي، أو كان يَتوقَّعُ انقضاءَها في كلِّ وَقتٍ؛ فإنَّه يَجوزُ له أنْ يُفطِرَ، كما يَقصُرُ لِلصَّلاةِ. قال الحَنفيَّةُ: ولو بَقيَ على ذلك سِنينَ. فإنْ ظنَّ أنَّها لا تَنقَضي إلا فَوقَ أربَعةِ أيامٍ عندَ الجُمهورِ، أو خَمسةَ عَشَرَ يَومًا عندَ الحَنفيَّةِ؛ فإنَّه يُعتبَرُ مُقيمًا، فلا يُفطِرُ ولا يَقصُرُ، إلا أنْ يَكونَ

стр. 2578

الفَرض قِتالًا -كما يَقولُ الغَزاليُّ-؛ فإنَّه يَترخَّصُ على أظهَرِ القَولَيْن، أو دخَل المُسلِمون أرضَ الحَربِ أو حاصَروا حِصنًا فيها، أو كانت المُحاصَرةُ لِلمِصرِ على سَطحِ البَحرِ؛ فإنَّ لِسَطحِ البَحرِ حُكمَ دارِ الحَربِ (١). والدَّليلُ على ذلك ما رَواه ابنُ عَباسٍ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزَا غَزْوَةَ الْفَتْحِ في رَمَضَانَ وصَامَ حتى إذا بَلَغَ الْكَدِيدَ، الْمَاءَ الذي بينَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ، أَفْطَرَ، فلم يَزَلْ مُفْطِرًا حتى انْسَلَخَ الشَّهْرُ» (٢). ومَعلومٌ أنَّ الفَتحَ كان لِعَشرٍ بَقينَ من رَمضانَ، فعُلِم أنَّ النَّبيَّ ﷺ أفطَر بمَكةَ عَشرةَ أيامٍ أو أحَدَ عَشَرَ على اختِلافِ الرِّواياتِ، ولا شَكَّ أنَّ فِطرَه في هذه المُدَّةِ لا يَنفي الفِطرَ فيما زاد عليهما؛ «ولأنَّه ﷺ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصَّلاةَ» (٣). ونَجِدُ أنَّ الفِطرَ كالقَصرِ الذي نَصُّوا عليه في صَلاةِ المُسافِرِ من حيثُ التَّرخيصُ؛ فإنَّ المُسافِرَ له سائِرُ رُخصِ السَّفرِ (٤). ثالثًا: الحَملُ والرَّضاعُ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ لِلحامِلِ والمُرضِعِ أنْ تُفطِرا في رَمضانَ، إنْ خافَتا على نَفْسَيْهما أو على وَلَدَيْهما المَرضَ أو زيادَتَه، أو الضَّررَ أو

стр. 2579

الهَلاكَ، فالوَلدُ من الحامِلِ بمَنزِلةِ عُضوٍ منها، فالإشفاقُ عليه من ذلك كالإشفاقِ منه على بَعضِ أعضائِها (١). قال الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: ويَجِبُ (يَعني الفِطرُ) إنْ خافَتا هَلاكًا أو شَديدَ أذًى، ويَجوزُ إنْ خافَتا عليه المَرضَ أو شَديدَ أذًى (٢). ونَصَّ الحَنابِلةُ على كَراهةِ صَوْمِهما كالمَريضِ (٣). والدَّليلُ على تَرخيصِ الفِطرِ لهما قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. قال الكاسانيُّ ﵀: وليس المُرادُ عَينَ المَرضِ؛ فإنَّ المَريضَ الذي لا يَضُرُّه الصَّومُ ليس له أنْ يُفطِرَ، فكان ذِكرُ المَرضِ كِنايةً عن أمرٍ يَضُرُّ الصَّومُ معه وهو مَعنى المَرضِ، وقد وُجِد ههنا فتَدخلان تَحتَ رُخصةِ الإفطارِ (٤). وقد صرَّح المالِكيَّةُ بأنَّ الحَملَ مَرضٌ حَقيقةً، والرَّضاعَ في حُكمِ المَرضِ وليس مَرضًا حَقيقةً (٥).

стр. 2580

ومن الأدِلَّةِ أيضًا قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عن المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ وَعَنِ الحَامِلِ أو المُرْضِعِ الصَّوْمَ أو الصِّيامَ». وفي لَفظٍ: «عَنِ الحُبْلَى وَالمُرْضِعِ» (١). إلا أنَّ العُلماءَ قد اختَلفُوا في الحامِلِ والمُرضِعِ إذا أفطَرَتا ماذا عليهما؟ وجُملةُ ذلك أنَّ الحامِلَ والمُرضِعَ إذا خافَتا على نَفْسَيْهما أو على وَلدَيْهما فلهما الفِطرُ، وعليهما القَضاءُ باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لأنَّهما بمنزِلةِ المَريضِ الخائِفِ على نَفسِه؛ لأنَّه إذا وجَب الفِطرِ لِلخَوفِ على النَّفسِ، فعندَ عَدمِه أوْلى، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ عن المُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الحَامِلِ أو المُرْضِعِ الصَّوْمَ أو الصِّيامَ». وفي لَفظٍ: «عَنِ الحُبْلَى وَالمُرْضِعِ» (٢). فكما أنَّ المُسافِرَ يَجِبُ عليه القَضاءُ إذا أفطَر فكذا الحامِلُ والمُرضِعُ. إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا هل يَجِبُ عليها الكَفَّارةُ أو لا؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّهما ليس عليهما إلا القَضاءُ فحَسبُ، ولا يَجِبُ عليهما الكَفَّارةُ؛ لأنَّه لا دَليلَ على وُجوبِ الكَفَّارةِ ولأنَّهما بمَنزِلةِ المَريضِ الخائِفِ على نَفسِه وهو لا يَجِبُ عليه الكَفَّارةُ إذا أفطَر.

стр. 2581

وعن الإمامِ مالِكٍ رِواياتٌ: إحداها: أنَّ الكَفَّارةَ واجِبةٌ عليهما، عن كُلِّ يَومٍ مُدٌّ من حِنطةٍ أو شَعيرٍ أو تَمرٍ. والثانيةُ: أنَّ الكَفَّارةَ واجِبةٌ عليهما، لكنَّها مُختلِفةٌ باختِلافِ صِفتِها، فعلى المُرضِعِ مُدَّانِ، وعلى الحامِلِ مُدُّ. والثالِثةُ: أنَّها تَجِبُ على المُرضِعِ دونَ الحامِلِ؛ لأنَّ الحامِلَ مَريضةٌ، والمُرضِعَ ليست بمَريضةٍ. أمَّا إنْ خافَتا على وَلدَيْهما فأفطَرَتا: فاختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو أفطَرت الحامِلُ أو المُرضِعُ بسَببِ الخَوفِ على وَلَدَيْهما هل يَجِبُ عليهما الفِديةُ أو لا؟ فذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّ عليهما القَضاءَ والفِديةَ، وهي إطعامُ مِسكينٍ عن كلِّ يَومٍ، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] وهُما داخِلتان في عُمومِ الآيةِ. ولِما رَواه البَيهَقيُّ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «رُخِّصَ لِلشَّيخِ الكَبيرِ والعَجوزِ الكَبيرةِ في ذلك وهُما يُطيقان الصَّومَ أنْ يُفطِرا إنْ شاءا ويُطعِما كل يَومٍ مِسكينًا ولا قَضاءَ عليهما، ثم نُسِخَ ذلك في هذه الآيةِ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وثبَت لِلشَّيخِ الكَبيرِ والعَجوزِ الكَبيرةِ إذا كانا لا يُطيقان الصَّومَ، والحُبلى والمُرضِعِ إذا خافَتا أفطَرتا وأطعَمتا كلَّ يَومٍ مِسكينًا» (١).

стр. 2582

وقال الحَنفيَّةُ: لا فِديةَ عليهما؛ لأنَّه إفطارٌ بعُذرٍ؛ فإنَّ الحامِلَ والمُرضِعَ مأمورتان بصيانةِ الوَلدِ مَقصودتان، وهي لا تَتأتَّى بدونِ الإفطارِ، وعندَ الخَوفِ كانت مَأمورةً بالإفطارِ، والأمرُ بالإفطارِ مع الكَفَّارةِ التي بِناؤُها على الوُجوبِ عن الإفطارِ لا يَجتَمِعان. ولِما رَوى أنَسُ بنُ مالِكٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ وَضَعَ عن الْمُسَافِرِ الصَّوْمَ وَشَطْرَ الصَّلَاةِ، وَعَنِ الْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الصَّوْمَ -أو الصِّيامَ- واللهِ لقد قالَهما رَسولُ اللهِ ﷺ ، أحَدَهما أو كِلَيْهما» (١)، ولم يأمُرْه بكَفَّارةٍ. وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ الحامِلَ لا فِديةَ عليها؛ لأنَّها مُفطِرةٌ بعُذرٍ كالحائِضِ، ولأنَّ التَّكفيرَ بالفِطرِ إنَّما يَجِبُ على وَجهِ الهَتكِ، فإذا لم يَكُنْ هَتْكٌ لم يَجِبِ، اعتبارًا بالحامِلِ والمَريضِ. أمَّا المُرضِعُ فعندَهم فيها قَولانِ: أحَدُهما: عليها الفِديةُ؛ لأنَّ العُذرَ ليس بمَوجودٍ بها، وإنَّما هو لِأجلِ غَيرِها فضَعُفَ أمرُها عن الحامِلِ والمَريضِ.

стр. 2583

والثاني: لا فِديةَ عليها، قياسًا على المَريضِ بجامِعِ الإباحةِ ولِما تَقدَّم ذِكرُه في الحامِلِ (١). رابِعًا: الشَّيخوخةُ والهَرمُ والمَريضُ الذي لا يُرجَى بُرؤُه: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الشَّيخَ الكَبيرَ والمَرأةَ العَجوزَ العاجزَيْن عن الصَّومِ لهما أنْ يُفطِرا ويَدخُلُ في حُكمِهما المَريضُ الذي لا يُرجَى بُرؤُه. قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الشَّيخَ الكَبيرَ والعَجوزَ العاجزَيْن عن الصَّومِ لهما أنْ يُفطِرا (٢). قال البُهوتيُّ ﵀: ومَن يَعجِزْ عن الصَّومِ لِكِبَرٍ أو مَرضٍ لا يُرجَى بُرؤُه أفطَر، أي: له ذلك إجماعًا، لِعَدمِ وُجوبِه -أي: الصَّومِ- عليه؛ لأنَّه عاجِزٌ عنه فلا يُكَلَّفُ به (٣). وقال النَّوَويُّ ﵀: الشَّيخُ الكَبيرُ الذي يُجهِدُه الصَّومُ، أي: يُلحِقُ به مَشقَّةً شَديدةً، والمَريضُ الذي لا يُرجَى بُرؤُه لا صَومَ عليهما بلا خِلافٍ (٤).

стр. 2584

لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ولِقَولِه : ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ولِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]؛ فقد قيل في بَعضِ وُجوهِ التَّأويلِ: إنَّ: «لا» مُضمَرةٌ في الآيةِ، والمَعنى: وعلى الذين لا يُطيقُونَه، كما في قَولِه تَعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦]، أي: ألا تَضِلُّوا (١). وعن عَطاءٍ أنَّه سَمِعَ ابنَ عَباسٍ يَقرأُ هذه الآيةَ فقال ابنُ عَباسٍ: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ، هو الشَّيْخُ الْكَبِيرُ وَالْمَرْأَةُ الْكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» (٢). والآيةُ في مَحلِّ الاستِدلالِ، حتى على القَولِ بنَسخِها كما ذهَب إليه الجُمهورُ؛ لأنَّهما إنْ ورَدت في الشَّيخِ الفاني، كما ذهَب إليه بَعضُ السَّلفِ، فظاهِرٌ، وإنْ ورَدت لِلتَّخييرِ فكذلك؛ لأنَّ النَّسخَ إنَّما يَثبُتُ في حَقِّ القادِرِ على الصَّومِ، فبَقيَ الشَّيخُ الفاني على حالِه كما كان (٣). إلا أنَّ الحَنفيَّةَ قَيَّدوا عَجزَ الشَّيخوخةِ والهَرمِ، بأنْ يَكونَ مُستمِرًّا، فلو لم يَقدِرْ على الصَّومِ لِشِدَّةِ الحَرِّ مَثلًا، كان لهما أنْ يُفطِرا ويَقضياه في الشِّتاءِ (٤).

стр. 2585

إلا أنَّهم قد اختَلفُوا فيما عليهما لو أفطَرا: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَلزمُه الفِديةُ، وهي مُدٌّ مِنْ طَعامٍ لكلِّ يَومٍ، لِقَولِ ابنِ عَباسٍ المُتقدِّمِ. ولِما رُوي أنَّ أنَسًا ﵁: «ضَعُفَ عن الصَّوْمِ سَنَةً قبلَ مَوْتِهِ فَأَفْطَرَ وَأَطْعَمَ عن كلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا» (١)، ولأنَّ أداءَ الصَّومِ واجِبٌ، فجازَ أنْ يَسقُطُ إلى الكَفَّارةِ. قال الكاسانيُّ ﵀: ولأنَّ الصَّومَ لَمَّا فاتَه مَسَّت الحاجةُ إلى الجابِرِ، وتَعذَّر جَبرُه بالصَّومِ فيُجبَرُ بالفِديةِ وتُجعَلُ الفِديةُ مَثلًا لِلصَّومِ شَرعًا في هذه الحالةِ لِلضَّرورةِ كالقيمةِ في ضَمانِ المُتلَفاتِ (٢). وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى عَدمِ وُجوبِ الفِديةِ؛ لأنَّه مُفطِرٌ بعُذرٍ، فلم يَلزمْه إطعامٌ، كالمَريضِ والمُكرَهِ، ولأنَّه مُفطِرٌ لا يَلزمُه القَضاءُ، فلم يَلزمْه إطعامٌ كالطِّفلِ، ولأنَّ القَضاءَ إذا لم يَكُنْ لِاتِّصالِ العُذرِ، لا يَجِبُ بفَواتِه إطعامٌ، كالمَريضِ إذا اتَّصل به المَرضُ إلى أنْ مات، ولأنَّ الإطعامَ في الأُصولِ يَجِبُ في الصِّيامِ لِتأخُّرِ الصَّومِ، أو القَضاءِ، فأمَّا لِسُقوطِه جُملةً فليس في الأُصولِ كالطِّفلِ (٣).

стр. 2586

خامِسًا: إرهاقُ الجُوعِ والعَطشِ: ذهَب الفُقهاءُ إلى أنَّ مَنْ غلَبه الجُوعُ والعَطشُ، فخاف الهَلاكَ؛ فإنَّه يُفطِرُ ويَقضي. قال النَّوَويُّ ﵀: مَنْ غلَبه الجُوعُ والعَطشُ، فخافَ الهَلاكَ، لَزِمه الفِطرُ، وإنْ كان صَحيحًا مُقيمًا؛ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ [النساء: ٢٩]. وقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ويَلزمُه القَضاءُ كالمَريضِ واللهُ أعلَمُ (١). وقال المالِكيَّةُ: فإنْ خافَ على نَفسِه حَرُمَ عليه الصِّيامُ، وذلك لأنَّ حِفظَ النَّفسِ والمَنافِعِ واجِبٌ (٢). وقال الكاسانيُّ الحَنفيُّ ﵀: وأمَّا الجُوعُ والعَطشُ الشَّديدُ الذي يُخافُ منه الهَلاكُ: فمُبِيحٌ مُطلَقٌ بمَنزِلةِ المَرضِ الذى يُخافُ منه الهَلاكُ بسَببِ الصَّومِ (٣).

стр. 2587

لكنْ قيَّده الحَنفيَّةُ بأمرَيْن: الأولُ: أنْ يَخافَ على نَفسِه الهَلاكَ، بغَلبةِ الظَّنِّ، لا بمُجرَّدِ الوَهمِ، أو يَخافُ نُقصانَ العَقلِ، أو ذَهابَ بَعضِ الحَواسِّ، كالحامِلِ والمُرضِعِ إذا خافَتا على نَفْسَيْهما الهَلاكَ أو على وَلَدَيْهما. الثاني: ألَّا يَكونَ ذلك بإتعابِ نَفسِه؛ إذْ لو كان به تَلزمُه الكَفَّارةُ، وقيلَ: لا (١). وألحَقه بَعضُ الفُقهاءِ بالمَرضِ فقال الحِصنيُّ: واعلَمْ أنَّ غَلبةَ الجُوعِ والعَطشِ كالمَرضِ (٢). وقال القَليوبيُّ: ومِثلُ المَرضِ غَلبةُ جُوعٍ وعَطَشٍ، لا نَحوَ صُداعٍ، ووَجعِ أُذُنٍ وسِنٍّ خَفيفٍ. ومَثَّلوا له بأربابِ المِهنِ الشاقَّةِ، كالحَصَّادِ والبَنَّاءِ والحارِسِ، لكنْ قالوا: يَجِبُ عليه أنْ يَنويَ الصِّيامَ لَيلًا؛ فإنْ لَحِقتْه مَشقَّةٌ أفطَر (٣). أمَّا الحَنفيَّةُ فجاء في الدُّرِّ المُختارِ قَولُه: [فُروعٌ] لا يَجوزُ أنْ يَعملَ عَملًا يَصِلُ به إلى الضَّعفِ، فيَخبِزُ نِصفَ النَّهارِ ويَستريحُ الباقيَ؛ فإنْ قال: لا يَكفيني، كُذِّبَ بأقصَرِ أيامِ الشِّتاءِ؛ فإنْ أجهَدَ الْحُرُّ نَفسَه بالعَملِ حتى مَرِض فأفطَر ففي كَفَّارَتِه قَولان، قُنْيَةٌ وفي البَزَّازيةِ: لو صامَ عجَز عن القيامِ صامَ وصَلَّى قاعِدًا جَمعًا بينَ العبادَتَيْن.

стр. 2588

قال ابنُ عابِدين: (قَولُه: لا يَجوزُ، إلخ) عَزاه في البَحرِ إلى القُنيةِ. وقال في التاتارخانيَّةِ: وفي الفَتاوى سُئِل عليُّ بنُ أحمدَ عن المُحترِفِ إذا كان يَعلَمُ أنَّه لو اشتغَل بحِرفَتِه يَلحَقُه مَرضٌ يُبيحُ الفِطرَ، وهو مُحتاجٌ لِلنَّفَقةِ، هل يُباحُ له الأكلُ قبلَ أنْ يَمرَضَ؟ فمنَع من ذلك أشَدَّ المَنعِ، وهكذا حَكاه عن أُستاذِه الوَبريِّ، وفيها: سألتُ أبا حامِدٍ عن خَبَّازٍ يَضعُفُ في آخِرِ النَّهارِ، هل له أنْ يَعمَلَ هذا العَملَ؟ قال: لا، ولكنْ يَخبِزُ نِصفَ النَّهارِ ويَستريحُ في الباقي؛ فإنْ قال: لا يَكفيه كُذِّب بأيامِ الشِّتاءِ؛ فإنَّها أقصَرُ فما يَفعَلُه اليَومَ. اه مُلخَّصًا. وقال الرَّمليُّ: وفي: «جامِعِ الفَتاوى»: ولو ضَعُف عن الصَّومِ لِاشتِغالِه بالمَعيشةِ فله أنْ يُفطِرَ ويُطعِمَ عن كلِّ يَومٍ نِصفَ صاعٍ. اه. أي: إذا لم يُدرِكْ عِدَّةً من أيَّامٍ أُخَرَ يُمكِنُه الصَّومُ فيها، وإلا وجَب عليه القَضاءُ، وعلى هذا الحَصَّادُ إذا لم يَقدِرْ عليه مع الصَّومِ ويَهلِكُ الزَّرعُ بالتَّأخيرِ فلا شَكَّ في جَوازِ الفِطرِ والقَضاءِ وكذا الخَبَّازُ. وقَولُه: (كُذِّب إلخ) فيه نَظَرٌ؛ فإنَّ طُولَ النَّهارِ وقِصَرَه لا دَخلَ لهما في الكِفايةِ؛ فقد يَظهَرُ صِدقُه في قَولِه: لا يَكفيني، فيُفوَّضُ إليه حَملًا لِحالِه على الصَّلاحِ، فتأمَّلْ. اه كَلامُ الرَّمليِّ: أي؛ لأنَّ الحاجةَ تَختلِفُ صَيفًا وشِتاءً، وغَلاءً ورُخصًا، وقِلَّةَ عِيالٍ وضِدَّها، ولكنْ ما نقَله عن: «جامِعِ الفَتاوى» صَوَّره في: «نُورِ الإيضاحِ» وغَيرِه بمَن نذَر صَومَ الأبَدِ، ويُؤيِّدُه إطلاقُ قَولِه: يُفطِرُ ويُطعِمُ، وكَلامُنا في صَومِ رَمضانَ.

стр. 2589

والذي يَنبَغي في مَسألةِ المُحترِفِ حيثُ كان الظاهِرُ أنَّ ما مَرَّ من تَفقُّهاتِ المَشايِخِ لا مِنْ مَنقولِ المَذهَبِ أنْ يُقالَ: إذا كان عندَه ما يَكفيه وعِيالَه لا يَحِلُّ له الفِطرُ؛ لأنَّه يَحرُمُ عليه السُّؤالُ من الناسِ؛ فالفِطرُ أوْلى، وإلا فله العَملُ بقَدرِ ما يَكفيه، ولو أداه إلى الفِطرِ يَحِلُّ له إذا لم يُمكِنْه العَملُ في غَيرِ ذلك مما لا يُؤدِّي به إلى الفِطرِ، وكذا لو خاف هَلاكَ زَرعِه أو سَرقَتَه ولم يَجِدْ من يَعمَلُ له بأُجرةِ المِثلِ، وهو يَقدِرُ عليها؛ لأنَّ له قَطعَ الصَّلاةِ لِأقلَّ من ذلك لكنْ لو كان أجْرُ نَفسِه في العَملِ مُدَّةً مَعلومةً فجاء رَمضانُ، فالظاهِرُ أنَّ له الفِطرَ وإنْ كان عندَه ما يَكفيه إذا لم يَرضَ المُستأجِرُ بفَسخِ الإجارةِ كما في الظِّئرِ؛ فإنَّه يَجِبُ عليها الإرضاعُ بالعَقدِ، ويَحِلُّ لها الإفطارُ إذا خافَت على الوَلدِ فيَكونُ خَوفُه على نَفسِه أوْلى، فتأمَّلْ. هذا ما ظهَر لي واللهُ تَعالى أعلَمُ. (قَولُه: فإنْ أجهَدَ الحُرُّ إلخ) قال في الوَهبانيَّةِ: فإنْ أجهَد الإنسانُ بالشُّغلِ نَفسَه … فأفطَر في التَّكفيرِ قَولَيْن سَطَّروا قال الشُّرُنبُلاليُّ: صُورَتُه: صائِمٌ أتعَب نَفسَه في عَملٍ حتى أجهَده العَطشُ فأفطَر لَزمتْه الكَفَّارةُ، وقيلَ: لا، وبه أفتى البَقاليُّ، وهذا بخِلافِ الأمَةِ إذا أجهَدَتْ نَفسَها؛ لأنَّها مَعذورةٌ تحتَ قَهرِ المَولَى، ولها أنْ تَمتنِعَ من ذلك وكذا العَبدُ. وظاهِرُه وهو الذي في الشُّرُنبُلاليَّةِ عن المُنتَقى تَرجيحُ وُجوبِ الكَفَّارةِ.

стр. 2590

قُلتُ: مُقتَضى قَولِه: ولها أنْ تَمتنِعَ لُزومُ الكَفَّارةِ عليها أيضًا، لو فَعلت مُختارةً يَكونُ ما قبلَه مَحمولًا على ما إذا كان بغَيرِ اختيارِها، بدَليلِ التَّعليلِ، واللهُ أعلَمُ (١). وقال الحَطَّابُ في «مَواهِبِ الجَليلِ»: يَقعُ السُّؤالُ في زَمانِنا إذا وقَع الصِّيامُ في زَمانِ الصَّيفِ فهل يَجوزُ لِلأجيرِ الخُروجُ لِلحَصادِ مع الضَّرورةِ لِلفِطرِ أو لا، وكانت الفُتيا عندَنا إنْ كان مُحتاجًا لِصَنعَتِه لِمَعاشِه ما له منها بُدٌّ فله ذلك وإلا كُرِه، وأمَّا مالِكُ الزَّرعِ فلا خِلافَ في جَوازِ جَمعِه زَرعَه وإنْ أدَّى إلى فِطرِه، وإلا وقَع في النَّهيِ عن إضاعةِ المالِ. وكذا غَزلُ النِّساءِ الكَتَّانَ وتَرقيقُ الخَيطِ بأفواهِهِنَّ؛ فإنْ كان الكَتَّانُ مِصريًّا فجائِزٌ مُطلَقًا، وإنْ كان دَمَنِيًّا له طَعمٌ يَتحلَّلُ فهي كذوي الصِّناعاتِ إنْ كانت ضَعيفةً ساغَ لها ذلك، وإنْ كانت غَيرَ مُحتاجةٍ كُرِه لها ذلك في نَهارِ رَمضانَ (٢). وقال أبو بَكرٍ الآجُريُّ من الحَنابِلةِ: مَنْ صَنعَتُه شاقَّةٌ؛ فإنْ خافَ بالصَّومِ تَلفًا أفطَر وقَضى إنْ ضَرَّه تَركُ الصَّنعةِ؛ فإنْ لم يَضُرَّه تَركُها -أي: تَركُ الصَّنعةِ- أثِمَ بالفِطرِ ويَترُكُها، وإنْ لم يَنتَفِ التَّضرُّرُ بتَركِها فلا إثْمَ عليه بالفِطرِ لِلعُذرِ، قال: هذا قَولُ الفُقهاءِ ﵏ (٣).

стр. 2591

فصل في ما لا يُفسِد الصِّيامَ ما لا يُفسِدُ الصِّيامَ: أولًا: الأكلُ والشُّربُ في حالِ النِّسيانِ، وقد تَقدَّم ذِكرُه. ثانيًا: الجِماعُ في حالِ النِّسيانِ، وقد تَقدَّم أيضًا. ثالثًا: الاحتِلامُ: قال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الصائِمَ إذا نامَ في يَومٍ من شَهرِ رَمضانَ فاحتَلمَ في نَومِه لا يَفسُدُ صَومُه (١). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: إذا احتَلمَ لا يُفطِرُ بالإجماعِ؛ لأنَّه مَغلوبٌ كمَن طارَت ذُبابةٌ فوقَعت في جَوفِه بغَيرِ اختيارِه (٢). وكذلك لو احتَلمَ في اللَّيلِ وأمكَنه الاغتِسالُ قبلَ الفَجرِ ولم يَغتسِلْ. وقال الماوَرديُّ ﵀: أجمَعت الأُمَّةُ على أنَّه إنِ احتَلمَ باللَّيلِ أو احتَلمَ في النَّهارِ فصَومُه صَحيحٌ (٣). لِحَديثِ عائِشةَ وأُمِّ سَلمةَ ﵄:

стр. 2592

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وهو جُنُبٌ من أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» (١). رابعًا: الصائِمُ إذا أصبَح جُنبًا: اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ مَنْ أصبَح صائِمًا بالنيَّةِ وهو جُنُبٌ سَواءٌ من احتلامٍ أو مِنْ جِمَاعٍ صَومُه صَحيحٌ، وإنْ أخَّرَ الاغتِسالَ إلى ما بعدَ طُلوعِ الفَجرِ، مع استِحبابِهم له الغُسلَ قبلَ طُلوعِه، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ويَلزمُ بالضَّرورةِ أنْ يُصبِحَ جُنُبًا إذا باشَر إلى طُلوعِ الفَجرِ. ولِما رَوتْ عائِشةُ وأُمُّ سَلمةَ ﵄ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كان يُصْبِحُ جُنُبًا من غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ» (٢). وعن عائِشةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ من وَرَاءِ الْبَابِ فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وأنا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ؟ فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «وأنا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وأنا جُنُبٌ فَأَصُومُ. فقال: لَسْتَ مِثْلَنَا يا رَسُولَ اللَّهِ، قد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، فقال: واللهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» (٣) (٤).

стр. 2593

خامِسًا: البَلَلُ في الفَمِ: مما لا يُفسِدُ الصَّومَ البَلَلُ الذي يَبقَى في الفَمِ بعدَ المَضمَضةِ، إذا ابتلَعه الصائِمُ مع الرِّيقِ بشَرطِ أنْ يَبصُقَ بعدَ مَجِّ الماءِ، لِاختِلاطِ الماءِ بالبُصاقِ، فلا يَخرُجُ بمُجرَّدِ المَجِّ، ولا تُشترَطُ المُبالَغةُ في البَصقِ؛ لأنَّ الباقيَ بعدَه مُجرَّدُ بَلَلٍ ورُطوبةٍ، لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ عنه (١). سادِسًا: ابتِلاعُ الرِّيقِ: قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: ابتِلاعُ الرِّيقِ لا يُفطِرُ بالإجماعِ إذا كان على العادةِ؛ لأنَّه يَعسُرُ الاحتِرازُ منه (٢). وقال أيضًا: اتَّفَق العُلماءُ على أنَّه إذا ابتلَع رِيقَ غَيرِه أفطَر (٣). سابِعًا: دُخولُ الغُبارِ ونَحوِه حَلقَ الصائِمِ: قال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الغُبارَ، والدُّخانَ، أو الذُّبابَ، أو البَقَّ إذا دخَل حَلقَ الصائِمِ؛ لا يُفسِدُ صَومَه (٤) لِعَدمِ قُدرَتِه على الامتِناعِ عنه، ولا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه.

стр. 2594

ثامِنًا: ابتِلاعُ ما بينَ الأسنانِ: قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع العُلماءُ على أنَّه لا شَيءَ على الصائِمِ فيما يَبلَعُه مما يَجري مع الرِّيقِ مما بينَ أسنانِه مما لا يَقدِرُ على رَدِّه. قال: فإنْ قَدِر على رَدِّه فابتَلَعه عامِدًا قال أبو حَنيفةَ: لا يُفطِرُ، وقال سائِرُ العُلماءِ: يُفطِرُ، وبه أقولُ (١). تاسِعًا: ابتِلاعُ النُّخامةِ: النُّخامةُ هي: النُّخاعةُ، وهي ما يُخرِجُه الإنسانُ من حَلقِه، من مَخرَجِ الخاءِ المُعجَمةِ. قال الفَيُّوميُّ: هكذا قيَّده ابنُ الأثيرِ، وهكذا قال المُطرِّزيُّ، وزادَ: ما يَخرُجُ من الخَيشومِ عندَ التَّنَحنُحِ (٢). ومَذهبُ الحَنفيَّةِ والمُعتمَدُ عندَ المالِكيَّةِ أنَّ النُّخامةَ سَواءٌ أكانت مُخاطًا نازِلًا من الرأسِ، أو بَلغَمًا صاعِدًا من الباطِنِ، بالسُّعالِ أو التَّنَحنُحِ -ما لم يَفحُشِ البَلغَمَ- لا يُفطِرُ مُطلَقًا. وفي نُصوصِ المالِكيَّةِ: أنَّ البَلغَمَ لا يُفطِرُ مُطلَقًا، ولو وصَل إلى طَرفِ اللِّسانِ، لِمَشقَّتِه، خِلافًا لِخَليلٍ، الذي رأى الفَسادَ، فيما إذا أمكَن طَرحُه، بأنْ جاوَز الحَلقَ، ثم أرجَعه وابتلَعه، وأنَّ عليه القَضاءَ.

стр. 2595

وفي رِوايةٍ عن أحمدَ أنَّ ابتِلاعَ النُّخامةِ لا يُفطِرُ؛ لأنَّه مُعتادٌ في الفَمِ غَيرُ واصِلٍ من خارِجٍ، فأشبَهَ الرِّيقَ (١). وعندَ الشافِعيَّةِ هذا التَّفصيلُ: إنِ اقتلَع النُّخامةَ من الباطِنِ، ولَفَظَها فلا بأسَ بذلك في الأصَحِّ؛ لأنَّ الحاجةَ إليه مما يَتكرَّرُ، وفي قَولٍ: يُفطِرُ بها كالاستِقاءِ. ولو صَعِدت بنَفسِها، أو بسُعالِه، ولفَظَها لم يُفطِرْ جَزمًا، ولو ابتلَعها بعدَ وُصولِها إلى ظاهِرِ الفَمِ، أفطَرَ جَزمًا (٢). وإذا حصَلت في ظاهِرِ الفَمِ، يَجِبُ قَطعُ مَجراها إلى الحَلقِ، ومَجُّها؛ فإنْ ترَكها مع القُدرةِ على ذلك، فوصَلت إلى الجَوفِ، أفطَر في الأصَحِّ، لِتَقصيرِه، وفي قَولٍ: لا يُفطِرُ؛ لأنَّه لم يَفعَلْ شَيئًا، وإنَّما أمسَك عن الفِعلِ ولو ابتلَعها بعدَ وُصولِها إلى ظاهِرِ الفَمِ، أفطَر جَزمًا. ونَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه يَحرُمُ على الصائِمِ بَلعُ نُخامةٍ، إذا حصَلت في فَمِه، ويُفطِرُ بها إذا بلَعها، سَواءٌ أكانَت في جَوفِه أو في صَدرِه، بعدَ أنْ تَصِلَ إلى فَمِه؛ لأنَّها مِنْ غَيرِ الفَمِ، فأشبَهَ القَيءَ، ولأنَّه أمكَن التَّحرُّزُ منها فأشبَهَ الدَّمَ (٣).
следующие страницы →