← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

فصل في ما لا يُفسِد الصِّيامَ ما لا يُفسِدُ الصِّيامَ: أولًا: الأكلُ والشُّربُ في حالِ النِّسيانِ، وقد تَقدَّم ذِكرُه. ثانيًا: الجِماعُ في حالِ النِّسيانِ، وقد تَقدَّم أيضًا. ثالثًا: الاحتِلامُ: قال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الصائِمَ إذا نامَ في يَومٍ من شَهرِ رَمضانَ فاحتَلمَ في نَومِه لا يَفسُدُ صَومُه (١). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: إذا احتَلمَ لا يُفطِرُ بالإجماعِ؛ لأنَّه مَغلوبٌ كمَن طارَت ذُبابةٌ فوقَعت في جَوفِه بغَيرِ اختيارِه (٢). وكذلك لو احتَلمَ في اللَّيلِ وأمكَنه الاغتِسالُ قبلَ الفَجرِ ولم يَغتسِلْ. وقال الماوَرديُّ ﵀: أجمَعت الأُمَّةُ على أنَّه إنِ احتَلمَ باللَّيلِ أو احتَلمَ في النَّهارِ فصَومُه صَحيحٌ (٣). لِحَديثِ عائِشةَ وأُمِّ سَلمةَ ﵄:

стр. 2592

«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وهو جُنُبٌ من أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» (١). رابعًا: الصائِمُ إذا أصبَح جُنبًا: اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ مَنْ أصبَح صائِمًا بالنيَّةِ وهو جُنُبٌ سَواءٌ من احتلامٍ أو مِنْ جِمَاعٍ صَومُه صَحيحٌ، وإنْ أخَّرَ الاغتِسالَ إلى ما بعدَ طُلوعِ الفَجرِ، مع استِحبابِهم له الغُسلَ قبلَ طُلوعِه، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ويَلزمُ بالضَّرورةِ أنْ يُصبِحَ جُنُبًا إذا باشَر إلى طُلوعِ الفَجرِ. ولِما رَوتْ عائِشةُ وأُمُّ سَلمةَ ﵄ «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كان يُصْبِحُ جُنُبًا من غَيْرِ حُلُمٍ ثُمَّ يَصُومُ» (٢). وعن عائِشةَ ﵂: أَنَّ رَجُلًا جاء إلى النَّبيِّ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ من وَرَاءِ الْبَابِ فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وأنا جُنُبٌ أَفَأَصُومُ؟ فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «وأنا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وأنا جُنُبٌ فَأَصُومُ. فقال: لَسْتَ مِثْلَنَا يا رَسُولَ اللَّهِ، قد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ، فقال: واللهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِي» (٣) (٤).

стр. 2593

خامِسًا: البَلَلُ في الفَمِ: مما لا يُفسِدُ الصَّومَ البَلَلُ الذي يَبقَى في الفَمِ بعدَ المَضمَضةِ، إذا ابتلَعه الصائِمُ مع الرِّيقِ بشَرطِ أنْ يَبصُقَ بعدَ مَجِّ الماءِ، لِاختِلاطِ الماءِ بالبُصاقِ، فلا يَخرُجُ بمُجرَّدِ المَجِّ، ولا تُشترَطُ المُبالَغةُ في البَصقِ؛ لأنَّ الباقيَ بعدَه مُجرَّدُ بَلَلٍ ورُطوبةٍ، لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ عنه (١). سادِسًا: ابتِلاعُ الرِّيقِ: قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: ابتِلاعُ الرِّيقِ لا يُفطِرُ بالإجماعِ إذا كان على العادةِ؛ لأنَّه يَعسُرُ الاحتِرازُ منه (٢). وقال أيضًا: اتَّفَق العُلماءُ على أنَّه إذا ابتلَع رِيقَ غَيرِه أفطَر (٣). سابِعًا: دُخولُ الغُبارِ ونَحوِه حَلقَ الصائِمِ: قال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الغُبارَ، والدُّخانَ، أو الذُّبابَ، أو البَقَّ إذا دخَل حَلقَ الصائِمِ؛ لا يُفسِدُ صَومَه (٤) لِعَدمِ قُدرَتِه على الامتِناعِ عنه، ولا يُمكِنُ الاحتِرازُ منه.

стр. 2594

ثامِنًا: ابتِلاعُ ما بينَ الأسنانِ: قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع العُلماءُ على أنَّه لا شَيءَ على الصائِمِ فيما يَبلَعُه مما يَجري مع الرِّيقِ مما بينَ أسنانِه مما لا يَقدِرُ على رَدِّه. قال: فإنْ قَدِر على رَدِّه فابتَلَعه عامِدًا قال أبو حَنيفةَ: لا يُفطِرُ، وقال سائِرُ العُلماءِ: يُفطِرُ، وبه أقولُ (١). تاسِعًا: ابتِلاعُ النُّخامةِ: النُّخامةُ هي: النُّخاعةُ، وهي ما يُخرِجُه الإنسانُ من حَلقِه، من مَخرَجِ الخاءِ المُعجَمةِ. قال الفَيُّوميُّ: هكذا قيَّده ابنُ الأثيرِ، وهكذا قال المُطرِّزيُّ، وزادَ: ما يَخرُجُ من الخَيشومِ عندَ التَّنَحنُحِ (٢). ومَذهبُ الحَنفيَّةِ والمُعتمَدُ عندَ المالِكيَّةِ أنَّ النُّخامةَ سَواءٌ أكانت مُخاطًا نازِلًا من الرأسِ، أو بَلغَمًا صاعِدًا من الباطِنِ، بالسُّعالِ أو التَّنَحنُحِ -ما لم يَفحُشِ البَلغَمَ- لا يُفطِرُ مُطلَقًا. وفي نُصوصِ المالِكيَّةِ: أنَّ البَلغَمَ لا يُفطِرُ مُطلَقًا، ولو وصَل إلى طَرفِ اللِّسانِ، لِمَشقَّتِه، خِلافًا لِخَليلٍ، الذي رأى الفَسادَ، فيما إذا أمكَن طَرحُه، بأنْ جاوَز الحَلقَ، ثم أرجَعه وابتلَعه، وأنَّ عليه القَضاءَ.

стр. 2595

وفي رِوايةٍ عن أحمدَ أنَّ ابتِلاعَ النُّخامةِ لا يُفطِرُ؛ لأنَّه مُعتادٌ في الفَمِ غَيرُ واصِلٍ من خارِجٍ، فأشبَهَ الرِّيقَ (١). وعندَ الشافِعيَّةِ هذا التَّفصيلُ: إنِ اقتلَع النُّخامةَ من الباطِنِ، ولَفَظَها فلا بأسَ بذلك في الأصَحِّ؛ لأنَّ الحاجةَ إليه مما يَتكرَّرُ، وفي قَولٍ: يُفطِرُ بها كالاستِقاءِ. ولو صَعِدت بنَفسِها، أو بسُعالِه، ولفَظَها لم يُفطِرْ جَزمًا، ولو ابتلَعها بعدَ وُصولِها إلى ظاهِرِ الفَمِ، أفطَرَ جَزمًا (٢). وإذا حصَلت في ظاهِرِ الفَمِ، يَجِبُ قَطعُ مَجراها إلى الحَلقِ، ومَجُّها؛ فإنْ ترَكها مع القُدرةِ على ذلك، فوصَلت إلى الجَوفِ، أفطَر في الأصَحِّ، لِتَقصيرِه، وفي قَولٍ: لا يُفطِرُ؛ لأنَّه لم يَفعَلْ شَيئًا، وإنَّما أمسَك عن الفِعلِ ولو ابتلَعها بعدَ وُصولِها إلى ظاهِرِ الفَمِ، أفطَر جَزمًا. ونَصَّ الحَنابِلةُ على أنَّه يَحرُمُ على الصائِمِ بَلعُ نُخامةٍ، إذا حصَلت في فَمِه، ويُفطِرُ بها إذا بلَعها، سَواءٌ أكانَت في جَوفِه أو في صَدرِه، بعدَ أنْ تَصِلَ إلى فَمِه؛ لأنَّها مِنْ غَيرِ الفَمِ، فأشبَهَ القَيءَ، ولأنَّه أمكَن التَّحرُّزُ منها فأشبَهَ الدَّمَ (٣).

стр. 2596

من أجلِ هذا الخِلافِ، نَبَّه ابن الشِّحنةِ على أنَّه يَنبَغي إلقاءُ النُّخامةِ، حتى لا يَفسُدَ صَومُه على قَولِ الإمامِ الشافِعيِّ، ولِيَكونَ صَومُه صَحيحًا بالاتِّفاقِ لِقُدرتِه على مَجِّها (١). عاشِرًا: الغِيبةُ والنَّميمةُ والشَّتمُ والكَذِبُ: قال ابنُ هُبَيرةَ: واتَّفَقوا: -أي: الأئِمَّةُ الأربَعةُ- على أنَّ الغِيبةَ والكَذبَ يُكرَهان لِلصائِمِ، ولا يُفطِرانِه، وصَومُه صَحيحٌ في الحُكمِ (٢) لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا كان يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فلا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ ولا يَسْخَبْ؛ فإنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أو قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ: إني امْرُؤٌ صَائِمٌ … » رَواه البُخاريُّ ومُسلِمٌ من حَديثِ أبي هُرَيرةَ. ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ» رَواه البُخاريُّ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَجِبُ على الصائِمِ أنْ يُنزِّهَ صَومَه عن الكَذِبِ والغِيبةِ والشَّتمِ. قال أحمدُ: يَنبَغي لِلصائِمِ أنْ يَتعاهَدَ صَومَه من لِسانِه، وألَّا يُماريَ، وأنْ يَصونَ صَومَه، كانوا إذا صاموا قعَدوا في المَساجِدِ، وقالوا: نَحفَظُ صَومَنا، وألَّا يَغتَابَ أحَدًا ولا يَعمَلَ عَملًا يَجرَحُ به صَومَه (٣).

стр. 2597

قال النَّوَويُّ ﵀: فلو اغتاب في صَومِه عَصى ولم يَبطُلْ صَومُه عندَنا، وبه قال مالِكٌ وأبو حَنفيةَ وأحمدُ والعُلماءُ كافَّةً، إلا الأوزاعيَّ، فقال: يَبطُلُ الصَّومُ بالغِيبةِ ويَجِبُ قَضاؤُه، واحتَجَّ بحَديثِ أبي هُرَيرةَ المَذكورِ وبحَديثِه أيضًا أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ لم يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ في أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»، رَواه البُخاريُّ وعنه أيضًا قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «رُبَّ صَائِمٍ ليس له مِنْ صِيَامِهِ إلا الْجُوعُ وَرُبَّ قَائِمٍ ليس له من قِيَامِهِ إلا السَّهَرُ» رَواه النَّسائيُّ وابنُ ماجَه في سُنَنَيْهما ورَواه الحاكِمُ في المُستدرَكِ قال: وهو صَحاحٌ على شَرطِ البُخاريِّ، وعنه أاضًا قال: «قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «لَيْسَ الصِّيامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ» رَواه البَيهَقيُّ ورَواه الحاكِمُ وقال: هو صَحيحٌ على شَرطِ مُسلِمٍ. وبالحَديثِ الآخَرِ: «خَمسٌ يُفطِرْنَ الصائِمَ: الغِيبةُ والنَّميمةُ والكَذِبُ والقُبلةُ واليَمينُ الفاجِرةُ». وأجابَ أصحابُنا عن هذه الأحاديثِ سِوى الأخيرِ بأنَّ المُرادَ أنَّ كَمالَ الصَّومِ وفَضيلتَه المَطلوبةَ إنَّما يَكونانِ بصيانَتِه عن اللَّغوِ والكَلامِ الرَّديءِ لا أنَّ الصَّومَ يَبطُلُ به (وأمَّا) الحَديثُ الأخيرُ: «خَمْسٌ يُفْطِرْنَ الصَّائِمَ» فحَديثٌ باطِلٌ لا يُحتَجُّ به، وأجابَ عنه الماوَرديُّ والمُتولِّي وغَيرُهما بأنَّ المُرادَ بُطلانُ الثَّوابِ لا الصَّومُ نَفسُه (١). وقد ذكَر في فَتحِ القَديرِ أنَّه قد وقَع إجماعٌ على أنَّ المُرادَ ذَهابُ الثَّوابِ لا الصِّيامُ نَفسُه (٢).

стр. 2598

فصل في مَكروهاتُ الصَّومِ مَكروهاتُ الصَّومِ: أ- مَضغُ العِلكِ: قال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه يُكرَهُ مَضغُ العِلكِ الذي يَزيدُه المَضغُ قُوَّةً في الصَّومِ (١). وجاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: في ذَوقِ الطَّعامِ ومَضغِ العِلكِ والشَّيءِ يَدخُلُ في حَلقِ الصائِمِ. (قُلتُ): أكان مالِكٌ يَكرَهُ أنْ يَذوقَ الصائِمُ الشَّيءَ مِثلَ العَسلِ والمِلحِ وما أشبَهَه وهو صائِمٌ ولا يُدخِلَه جَوفَه (فقال): نَعَمْ، لا يَذُوقُ شَيئًا، (قال): ولقد سألتُه عن الرَّجلِ يَكونُ في فيه الحَفرُ فيُداويه في رَمضان ويَمُجُّ الدَّواءَ (فقال): لا يَفعَلُ ذلك، ولقد كَرِه مالِكٌ لِلذي يَعمَلُ الأوتارَ أوتارَ العَقِبِ أنْ يَمُرَّ ذلك في فيه يَمضُغُه أو يُملِّسَه بفيه (قال ابنُ القاسِمِ): وكُرِه مالِكٌ

стр. 2599

لِلصائِمِ مَضغُ العِلكِ ومَضغُ الطَّعامِ لِلصَّبيِّ (قُلتُ): أرأيتَ الصائِمَ يَدخُلُ حَلقَه الذُّبابُ أو الشَّيءُ يَكونُ بينَ أسنانِه فَلقةُ الحَبَّةِ أو نَحوُها فيَبتَلِعُه مع رِيقِه (قال مالِكٌ): لا شَيءَ عليه، (قال مالِكٌ) وكذلك لو كان في الصَّلاةِ لم يَقطَعْ عليه أيضًا صَلاتَه (ابنُ وَهبٍ) عن يُونُسَ بنِ يَزيدَ عن ابنِ شِهابٍ أنَّه كَرِه لِلصائِمِ مَضغَ العِلكِ وكَرِه ذلك عَطاءُ بنُ أبي رَباحٍ (١). وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قال أصحابُنا: يُكرَهُ مَضغُ العِلكِ لِلصائِمِ ومَضغُ الطَّعامِ إلا ألَّا يَجِدَ بُدًّا لِلصَّبيِّ، وكذلك مالِكٌ والثَّوريُّ من غَيرِ استِثناءٍ. وقال الشافِعيُّ: أكرَهُ العِلكَ؛ لأنَّه يَجلِبُ الرِّيقَ وإنْ مَضغَه لم يُفطِرْه (٢). وقال المَوصِليُّ ﵀: يُكرَهُ لِلصائِمِ مَضغُ العِلكِ … لِما فيه من تَعريضِ صَومِه لِلفَسادِ، وهذا في العِلكِ المُلتصِقِ بَعضُه ببَعضٍ، أمَّا إذا كان غَيرَ مُلتَئِمٍ؛ فإنَّه يُفطِرُه؛ لأنَّه لا يَلتَئِمُ إلا بانفِصالِ أجزاءٍ تَنقَطِعُ منه، وذلك مُفسِدٌ لِلصَّومِ (٣). وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: قال الشافِعيُّ: والعِلكُ بكَسرِ العَينِ هو هذا المَعروفُ، ويَجوزُ فَتحُ العَينِ ويَكونُ المُرادُ الفِعلَ، وهو مَضغُ العِلكِ، وإدارَتُه …

стр. 2600

قال الشافِعيُّ والأصحابُ: يُكرَهُ لِلصائِمِ العِلكُ؛ لأنَّه يَجمَعُ الرِّيقَ ويُورِثُ العَطشَ والقَيءَ، ورَوى البَيهَقيُّ بإسنادِه عن أُمِّ حَبيبةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ أنَّها قالت: لا يَمضَغُ العِلكَ الصائِمُ، ولَفظُ الشافِعيِّ في مُختصَرِ المُزنيِّ (وأكرَهُ العِلكَ؛ لأنَّه يَحلِبُ الفَمَ) قال صاحِبُ الحاوي: رُوِيتْ هذه اللَّفظةُ بالجيمِ وبالحاءِ، فمَن قال بالجيمِ فمَعناه: يَجمَعُ الرِّيقَ فرُبَّما ابتلَعه، وذلك يُبطِلُ الصَّومَ في أحَدِ الوَجهَيْن ومَكروهٌ في الآخَرِ، قال: وقد قيلَ: معناه: يُطيِّبُ الفَمَ ويُزيلُ الخُلوفَ، قال: ومَن قاله بالحاءِ فمَعناه يَمتَصُّ الرِّيقَ ويُجهِدُ الصائِمَ فيُورِثُ العَطشَ. قال أصحابُنا: ولا يُفطِرُ بمُجرَّدِ العِلكِ، ولا بنُزولِ الرِّيقِ منه إلى جَوفِه؛ فإنْ تَفتَّت فوصَل من جِرمِه شَيءٌ إلى جَوفِه عَمدًا أفطَر، وإنْ شَكَّ في ذلك لم يُفطِرْ، ولو نزَل طَعمُه في جَوفِه أو رِيحُه دونَ جِرمِه لم يُفطِرْ؛ لأنَّ ذلك الطَّعمَ بمُجاوَرةِ الرِّيقِ له، هذا هو المَذهبُ وبه قطَع الجُمهورُ، وحَكى الدارِميُّ وَجهًا عن ابنِ القَطَّانِ أنَّه إنِ ابتلَع الرِّيقَ وفيه طَعمُه أفطَر وليس بشَيءٍ (١). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُكرَهُ مَضغُ العِلكِ القَويِّ الذي لا يَتحلَّلُ منه شَيءٌ فأمَّا ما يَتحلَّلُ منه أجزاءٌ يَجِدُ طَعمَها في حَلقِه فلا يَحِلُّ مَضغُه إلا أنْ يَكونَ لا يَبلَعُ ريقَه؛ فإنْ بلَعه فوجَد طَعمَه في حَلقِه أفطَرَه، وإنْ وجَد طَعمَ ما لا يَتحلَّلُ منه شَيءٌ في حَلقِه ففيه وَجهان:

стр. 2601

أحَدُهما: يُفطِرُه كالكُحلِ. والثاني: لا يُفطِرُه؛ لأنَّ مُجرَّدَ الطَّعمِ لا يُفطِرُ كمَن لَطَّخ باطِنَ قَدمَيْه بالحَنظَلِ فوجَد مَرارَتَه في حَلقِه لم يُفطِرْه (١). ب- القُبلةُ لِلصائِمِ: اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّه تُكرَهُ القُبلةُ لِمَنْ لا يأمَنُ منها أنْ تُثيرَ شَهوتَه (٢). والأصلُ في ذلك ما رَوت عائِشةُ ﵂ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وهو صَائِمٌ، وكان أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» (٣). ثم اختَلفُوا فيمَن لا يَخشى ذلك هل تُكرَهُ له أو لا؟ فذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُكرَهُ له ذلك لِحَديثِ عائِشةَ المُتقَدِّمِ، ولِما رَواه مُسلِمٌ عن عَمرِو بنِ أبي سَلمةَ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ؟ فقال له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «سَلْ هذه لِأُمِّ سَلَمَةَ». فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُ ذلك، فقال: يا رَسُولَ اللَّهِ، قد غَفَرَ اللهُ لكَ ما تَقَدَّمَ من ذَنْبِكَ وما تَأَخَّرَ. فقال له رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أَمَا واللهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ له (٤).

стр. 2602

وعن عُمَرَ ﵁ قال: هَشَشْتُ يَوْمًا فَقَبَّلْتُ وأنا صَائِمٌ، فَأَتَيْتُ النَّبيَّ ﷺ فقُلتُ: صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا، فقَبَّلتُ وأنا صَائِمٌ، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أَرَأَيْتَ لو تَمَضْمَضْتَ بِمَاءٍ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلتُ: لا بَأْسَ بِذَلِكَ، فقال رَسولُ اللَّهِ: فَفِيمَ؟» (١)، ولِغَيرِ ذلك من الأدِلَّةِ. قال النَّوَويُّ ﵀: تُكرهُ القُبلةُ على مَنْ حَرَّكت شَهوَتَه وهو صائِمٌ، ولا تُكرَهُ لِغَيرِه، لكنَّ الأوْلى تَركُها، ولا فَرقَ بينَ الشَّيخِ والشابِّ في ذلك، فالاعتبارُ بتَحريكِ الشَّهوةِ وخَوفِ الإنزالِ؛ فإنْ حَرَّكت شَهوةَ شابٍّ أو شَيخٍ قَويٍّ كُرِهت، وإنْ لم تُحرِّكْها لِشَيخٍ أو شابٍّ ضَعيفٍ لم تُكرَهْ والأوْلى تَركُها، وسَواءٌ قبَّلَ الخَدَّ أو الفَمَ أو غَيرَهما، وهكذا المُباشَرةُ باليَدِ والمُعانَقةُ لهما حُكمُ القُبلةِ، ثم الكَراهةُ لِمَنْ حَرَّكت شَهوَته كَراهةُ تَحريمٍ عندَ المُصنِّفِ وشَيخِه القاضي أبي الطَّيِّبِ والعَبدَريِّ وغَيرِهم. وقال آخَرون: كَراهةُ تَنزيهٍ، ما لم يُنزِلْ، وصَحَّحه المُتولِّي. قال الرافِعيُّ وغَيرُه: الأصَحُّ كَراهةُ تَحريمٍ، وإذا قبَّلَ ولم يُنزِلْ، لم يَبطُلْ صَومُه بلا خِلافٍ عندَنا، سَواءٌ قُلنا: كَراهةُ تَحريمٍ، أو قُلنا: كَراهةُ تَنزيهٍ (٢). وذهَب الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُكرَهُ له ذلك لِحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالت: «كان النَّبيُّ ﷺ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وهو صَائِمٌ، وكان أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ» (٣).

стр. 2603

ولأنَّ القُبلةَ والمُباشَرةَ من دَواعي الوَطءِ، فلا يَأمَنُ مِنْ أنْ تُثيرَ شَهوَتَه، فتَدعو إلى الازديادِ والإكثارِ، ويَجُرُّ ذلك إلى فَسادِ الصَّومِ، ولأنَّها عِبادةٌ حُرِّمَ فيها الوَطءُ، فجازَ أنْ يَتعلَّقَ المَنعُ بالقُبلةِ كالحَجِّ (١). ج- الحِجامةُ: وقد سبَق بَيانُ حُكمِها. د- المُبالَغةُ في المَضمَضةِ والاستِنشاقِ في الصَّومِ: لِحَديثِ لَقيطِ بنِ صَبِرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «بَالِغْ في الِاسْتِنْشَاقِ إلا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا» (٢).

стр. 2604

فصل في ما لا يُكرهُ في الصَّوم ما لا يُكرَهُ في الصَّومِ: أ- السِّواكُ لِلصائِمِ: لا خِلافَ بينَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ في جَوازِ السِّواكِ لِلصائِمِ قبلَ الزَّوالِ، وإنَّما اختَلفُوا في حُكمِه بعدَ الزَّوالِ على قولَيْن: القَولُ الأولُ: أنَّ السِّواكَ جائِزٌ مُطلَقًا في أولِ النَّهارِ وفي آخِرِه، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ وأحمدَ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وابنُ القَيِّمِ وهو قَولُ النَّوَويِّ من الشافِعيَّةِ (١). واستدَلَّ على ذلك بما يَلي: ١ - بحَديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ على أُمَّتِي أو على الناسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مع كلِّ صَلَاةٍ» (٢).

стр. 2605

ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ: أنَّه يَدخُلُ في عُمومِه كلُّ صَلاةٍ لِلصائِمِ والمُفطِرِ (١). ٢ - بحَديثِ عائِشةَ ﵂ قالت: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا دخَل بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ» (٢). ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ: أنَّه عامٌّ في أيِّ وَقتٍ دَخلَ، سَواءٌ كان صائِمًا أو غَيرَ صائِمٍ قبلَ الزَّوالِ أو بعدَ الزَّوالِ، وعلى كلِّ حالٍ (٣). ٣ - بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ» (٤). ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ: أنَّ فيه حَثًّا على السِّواكِ دونَ تَقيُّدٍ بزَمنٍ مُعيَّنٍ ويَدخُلُ فيه وَقتُ ما بعدَ الزَّوالِ. ٤ - بحَديثِ عامِرِ بنِ رَبيعةَ ﵁ قال: «رأيتُ النَّبيَّ ﷺ ما لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وهو صَائِمٌ» (٥). ٥ - بما رَوى عَبدُ الرَّحمنِ بنُ غَنمٍ قال: «سَأَلْتُ مُعَاذَ بنَ جَبَلٍ ﵁ أَتَسَوَّكُ وأنا صَائِمٌ؟ قال: نَعَمْ، قُلتُ: أَيَّ النَّهارِ أتَسوَّكُ؟ قال: أَيَّ النَّهارِ

стр. 2606

شِئتَ إنْ شِئْتَ غُدْوَةً وَإِنْ شِئْتَ عَشِيَّةً، قُلتُ: فإنَّ الناسَ يَكْرَهُونَهُ عَشِيَّةً، قال: وَلِمَ؟ قُلتُ: يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ من رِيحِ الْمِسْكِ» فقال: سُبْحَانَ اللَّهِ، لقد أَمَرَهُمْ رَسولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّوَاكِ حين أَمَرَهُمْ وهو يَعْلَمُ أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بِفَمِ الصَّائِمِ خُلُوفٌ، وَإِنِ اسْتَاكَ، وما كان بِالَّذِي يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُنْتِنُوا أَفْوَاهَهُمْ عَمْدًا ما في ذلك مِنَ الْخَيْرِ شَيْءٌ بَلْ فيه شَرٌّ إِلا مَنِ ابتُلي بِبَلاءٍ لا يَجِدُ مَنهُ بُدًّا» (١). القَولُ الثاني: أنَّ السِّواكَ يُكرَهُ لِلصائِمِ بعدَ الزَّوالِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأحمدَ في المَشهورِ عنه (٢). واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي: ١ - بحَديثِ أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بيَدِه لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى من رِيحِ الْمِسْكِ» (٣).

стр. 2607

ووَجهُ الدِّلالةِ من الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد بيَّن أنَّ خُلوفَ فَمِ الصائِمِ أطيَبُ عندَ اللهِ من رِيحِ المِسكِ، والسِّواكُ يَقطَعُ ذلك، فوجَب أنْ يُكرَهَ (١). ٢ - بحَديثِ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ؛ فإنَّه ليس من صَائِمٍ تَيْبَسُ شَفَتَاهُ بِالْعَشِيِّ إلَّا كَانَتَا نُورًا بَيْن عَيْنَيْهِ يَومَ الْقِيَامَةِ» (٢). ولأنَّه أثَرُ عِبادةٍ مَشهودٌ له بالطِّيبِ فكُرِه إزالَتُه كدَمِ الشَّهيدِ (٣). وكما أنَّ دَمَ الشُّهداءِ مَشهودٌ له بالطِّيبِ ويُترَكُ له غُسلُ الشَّهيدِ، مع أنَّ غُسلَ المَيِّتِ واجِبٌ، فإذا ترَك الواجِبَ لِلمُحافَظةِ على بَقاءِ الدَّمِ المَشهودِ له بالطِّيبِ، فتَركُ السِّواكِ الذي ليس هو واجِبًا لِلمُحافَظةِ على بَقاءِ الخُلوفِ المَشهودِ له بذلك أوْلى (٤). وقد أجابوا عن أدِلَّةِ أصحابِ القَولِ الأولِ: بأنَّها عامَّةٌ مَخصوصةٌ والمُرادُ بها غَيرُ الصائِمِ آخِرَ النَّهارِ (٥). وأجاب أصحابُ القَولِ الأولِ عن أدِلَّةِ أصحابِ القَولِ الثاني بما يَلي:

стр. 2608

ادِّعاءُ أنَّ السِّواكَ يَقطَعُ فَمَ الصائِمِ رَدَّ عليه ابنُ القَيِّمِ ﵀ من سِتَّةِ أوْجُهٍ: الوَجهُ الأولُ: أنَّ المَضمَضةَ أبلَغُ من السِّواكِ في قَطعِ خُلوفِ الفَمِ، وقد أجمَع على مَشروعيَّتِها لِلصائِمِ. الوَجهُ الثاني: أنَّ رِضوانَ اللهِ أكبَرُ من استِطابَتِه لِخُلوفِ فَمِ الصائِمِ. الوَجهُ الثالِثُ: أنَّ مَحبَّتَه لِلسِّواكِ أعظَمُ من مَحبَّتِه لِخُلوفِ فَمِ الصائِمِ. الوَجهُ الرابِعُ: أنَّ السِّواكَ لا يَمنَعُ طِيبَ الخُلوفِ الذي يُزيلُه السِّواكُ عندَ اللهِ يَومَ القيامةِ. الوَجهُ الخامِسُ: أنَّ الخُلوفُ لا يَزولُ بالسِّواكِ؛ لأنَّ سَببَه قائِمٌ، وهو خُلُوُّ المَعدةِ من الطَّعامِ. الوَجهُ السادِسُ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّم أُمَّتَه ما يُستحَبُّ وما يُكرَهُ لهم في الصِّيامِ، ولم يَجعَلِ السِّواكَ من المَكروهِ (١). حَديثُ خَبَّابٍ ﵁ حَديثٌ ضَعيفٌ لا يُحتَجُّ به كما سبَق في التَّخريجِ. قَولُهم: إنَّه أثَرُ عِبادةٍ مَشهودٌ له بالطِّيبِ فكُرِه إزالَتُه كدَمِ الشَّهيدِ. أُجيبَ عنه: بأنَّ أثَرَ العِبادةِ اللائِقِ به الإخفاءُ بخِلافِ الشَّهيدِ؛ فإنَّ غَرضَ الشارِعِ من بَقاءِ دَمِ الشَّهيدِ لِيَشهَدَ له على خَصمِه يَومَ القيامةِ، وأيضًا؛ فإنَّ دَمَ الشَّهيدِ قد جاءَ النَّصُّ بعَدمِ إزالَتِه حيثُ إنَّه يُبعَثُ على ما قُتِلَ عليه،

стр. 2609

اللَّونُ لَونُ الدَّمِ والرِّيحُ رِيحُ المِسكِ بخِلافِ إزالةِ رائِحةِ الفَمِ؛ فإنَّه لم يَنُصَّ على عَدمِ إزالةِ أثَرِه (١). ب- المَضمَضةُ والاستِنشاقُ في غَيرِ الوُضوءِ والغُسلِ لا يُكرَهُ ذلك ولا يُفطِرُ لِما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ ﵁ سألَه عن القُبلةِ لِلصائِمِ؟ فقال ﷺ : «أَرَأَيْتَ لو مَضْمَضْتَ من الْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ؟ قُلتُ: لَا بَأْسَ بِهِ، قال: «فَمَهْ» (٢). ولأنَّ الفَمَ في حُكمِ الظاهِرِ، فلا يَبطُلُ الصَّومُ بالواصِلِ إليه كالأنفِ والعَينِ. لكنْ قَيَّده المالِكيَّةُ بما إذا كان لِعَطشٍ ونَحوِه، وكَرِهوه لِغَيرِ مُوجِبٍ؛ لأنَّ فيه تَغريرًا ومُخاطَرةً، وذلك لِاحتِمالِ سَبقِ شَيءٍ من الماءِ إلى الحَلقِ، فيُفسِدُ الصَّومَ حينَئِذٍ (٣). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا المَضمَضةُ لِغَيرِ الطَّهارةِ؛ فإنْ كانت لِحاجةٍ كغَسلِ فَمِه عندَ الحاجةِ إليه ونَحوِه فحُكمُه حُكمُ المَضمَضةِ لِلطَّهارةِ، وإنْ كان عابِثًا أو تَمضمَضَ من أجلِ العَطشِ كُرِه، وسُئِل أحمدُ عن الصائِمِ يَعطَشُ فيَتمَضمَضُ ثم يَمُجُّه، قال: يَرُشُّ على صَدرِه أحَبُّ إلَيَّ (٤).

стр. 2610

ولا بأسَ أنْ يَصُبَّ الماءَ على رَأسِه من الحَرِّ والعَطشِ؛ لِما رُوي عن بَعضِ أصحابِ رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «لقد رَأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ على رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ أو مِنَ الْحَرِّ» (١). وقال الحَنفيةُ: لا يُكرَهُ المَضمَضةُ والاستِنشاقُ والاغتِسالُ والتَّلفُّفُ بثَوبٍ مُبتَلٍّ لِلتَّبرُّدِ ودَفعِ الحَرِّ على المُفتَى به عِندَهم، وهو قَولُ أبي يُوسُفَ ﵀ لِلحَديثِ السابِقِ. قال ابنُ عابِدين ﵀: ولأنَّ هذه الأشياءَ فيها عَونٌ له على العِبادةِ ودَفعِ الضَّجرِ الطَّبيعيِّ، وكَرِهها أبو حَنيفةَ لِما فيها من إظهارِ الضَّجرِ في العِبادةِ (٢). ج- اغتِسالُ الصائِمِ: قال النَّوَويُّ ﵀: يَجوزُ لِلصائِمِ أنْ يَنزِلَ إلى الماءِ ويَنغَطِسَ فيه ويَصُبَّه على رأسِه، سَواءٌ كان في حَمَّامٍ أو غَيرِه، ولا خِلافَ في هذا (٣)، لِما رَوى أبو بَكرِ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ عن بَعضِ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ قال: «لقد رأيتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ بِالْعَرْجِ يَصُبُّ الْمَاءَ على رَأْسِهِ مِنَ الْعَطَشِ، أو مِنَ الْحَرِّ» (٤).

стр. 2611

وعن عائِشةَ وأُمِّ سَلمةَ ﵄ قالتا: «نَشهَدُ على رَسولِ اللهِ ﷺ ، إنْ كان لَيُصْبِحُ جُنُبًا من جِمَاعٍ ثُمَّ يَغْتَسِلُ ثُمَّ يُصْبِحُ صَائِمًا» (١). قَضاءُ رَمضانَ: مَنْ أفطَر أيامًا من رَمضانَ، كالمَريضِ والمُسافِرِ ونَحوِهما، قَضى بعدَه ما فاتَه؛ لأنَّ القَضاءَ يَجِبُ أنْ يَكونَ بعدَه، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، ومَن فاتَه صَومُ رَمضانَ كلِّه تامًّا كان رَمضانُ، أو ناقِصًا، قَضى عَددَ أيامِه، سَواءٌ ابتَدأه من أولِ الشَّهرِ أو من أثنائِه كأعدادِ الصَّلَواتِ الفائِتةِ؛ لأنَّ القَضاءَ يَجِبُ أنْ يَكونَ بعَددِ ما فاتَه، لِقَولِه تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. ويَجوزُ أنْ يَقضيَ يَومَ شِتاءٍ عن يَومِ صَيفٍ وعَكسُه بأنْ يَقضيَ يَومَ صَيفٍ عن يَومِ شِتاءٍ لِعُمومِ الآيةِ (٢). قَضاءُ رَمضانَ يَكونُ على التَّراخي: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ قَضاءَ رَمضانَ يَكونُ على التَّراخي، لكنْ قَيَّدوا ذلك بما إذا لم يَفُتْ وَقتُ قَضائِه، بأنْ يَهِلَّ رَمضانُ آخَرُ لِقَولِ عائِشةَ ﵂: «كان

стр. 2612

يَكُونُ عَلَيَّ الصَّوْمُ من رَمَضَانَ، فما أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إلا في شَعْبَانَ، وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسولِ اللهِ ﷺ » (١). ولا يَجوزُ عندَهم تأخيرُ قَضاءِ رَمضانَ إلى رَمضانَ آخَرَ من غَيرِ عُذرٍ، بل عليه قَضاؤُه قبلَ مَجيِ رَمضانَ السَّنةَ القابِلةَ؛ لأنَّ عائِشةَ ﵂ لم تُؤَخِّرْه إلى ذلك، ولو أمكَنَها لَأخَّرتْه، ولأنَّ الصَّومَ عِبادةٌ مُتكرِّرةٌ، لم يَجُزْ تأخيرُ الأُولى عن الثانيةِ كالصَّلواتِ المَفروضةِ؛ فإنْ أخَّرَه إلى رَمضانَ آخَّرَ لِغَيرِ عُذرٍ، أَثِمَ ويَلزمُه صَومُ رَمضانَ الحاضِرِ ويَلزمُه بعدَ ذلك قَضاءُ رَمضانَ الفائِتِ، ويَلزمُه بمُجرَّدِ دُخولِ رَمضانَ الثاني عن كلِّ يَومٍ من الفائِتِ مُدٌّ مِنْ طَعامٍ، إطعامُ مِسكينٍ، مع القَضاءِ. واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه الدارَقُطنيُّ في سُنَنِه (٢) عن ابنِ عَباسٍ وأبي هُرَيرةَ ﵄ قالا فِيمَنْ عليه صَومٌ فلَم يَصُمْه حتى أدرَكه رَمضانُ آخَرُ: «يُطعِمُ عن الأولِ». وقال الدارَقُطنيُّ: إسنادُه صَحيحٌ، ولَفظُ رِوايةِ أبي هُرَيرةَ: «مَنْ مَرِضَ في رَمضانَ، ثم صَحَّ ولم يَصُمْ حتى أدرَكَه رَمضانُ آخَرُ قال: يَصومُ الذي أدرَكه ويُطعِمُ عن الأولِ لكلِّ يَومٍ مُدًّا مِنْ حِنْطةٍ لكُلِّ مِسكينٍ، فإذا فرَغ في هذا صامَ الذي فَرَّطَ فيه» (٣). ورُوِيَ بمَعنى هذا عن ابنِ عُمَرَ ﵄ رَواه الدارَقُطنيُّ أيضًا (٤).

стр. 2613

وهذا المَنقولُ عن ابنِ عَباسٍ وأبي هُرَيرةَ وابنِ عُمَرَ لم يَرِدْ عن غَيرِهم من الصَّحابةِ خِلافُه، ولأنَّها عِبادةٌ مُؤقَّتةٌ؛ فإنْ أخَّرها بغَيرِ عُذرٍ حتى دخَل وَقتُ عِبادةٍ أُخرى مِنْ جِنسِها، كان مُفرِّطًا عاصيًا، كالصَّلاةِ، ولأنَّها عِبادةٌ يَدخُلُ في جُبرانِها المالُ؛ فإنْ أخَّرها بتَفريطٍ حتى فاتَ وَقتُها، لَزمَه كَفَّارةٌ كالحَجِّ. أمَّا إذا كان عليه قَضاءُ رَمضانَ أو بَعضِه وكان مَعذورًا، في تأخيرِ القَضاءِ بأنِ استمَرَّ مَرضُه أو سَفرُه ونَحوُهما جازَ له التَّأخيرُ ما دام عُذرُه ولو بَقيَ سِنينَ ولا تَلزَمُه الفِديةُ بهذا التَّأخيرِ، وإنْ تَكرَّرت رَمضاناتٌ، وإنَّما عليه القَضاءُ فقط؛ لأنَّه يَجوزُ تأخيرُ أداءِ رَمضانَ بهذا العُذرِ، فتأخيرُ القَضاءِ أوْلى بالجَوازِ (١). قال الحَطَّابُ ﵀: تَنبيهٌ والمَشهورُ أنَّه لا يَجِبُ قَضاءُ رَمضانَ على الفَورِ. وقال في الذَّخيرةِ: يَجوزُ تأخيرُه إلى شَعبانَ ويَحرُمُ بعدَه. وقيلَ: يَجِبُ القَضاءُ على الفَورِ. نقَل القَولَيْن الرَّجراجيُّ وغَيرُه. وقال ابنُ بَشيرٍ: لا خِلافَ أنَّه لا يَجِبُ على الفَورِ.

стр. 2614

وتَبِعه ابنُ الحاجِبِ على حِكايةِ الاتِّفاقِ، وكذلك ابنُ ناجي في شَرحِ المُدوَّنةِ. وحَصَّل ابنُ عَرفةَ فيه ثَلاثةَ أقوالٍ، الأولُ: أنَّه على الفَورِ، الثاني: أنَّه على التَّراخي لِبَقاءِ قَدْرِه قبلَ تاليه بشَرطِ السَّلامةِ؛ فإنْ صَحَّ بعدَ رَمضانَ قَدرَ زَمانِ القَضاءِ ولم يَقضِ فيه ثم أصابَه مَرضٌ أو سَفرٌ واتَّصل ذلك إلى رَمضانَ التالي فعليه القَضاءُ. الثالِثُ: أنَّه على التَّراخي حتى يَبقَى قَدرُ ما عليه من الأيامِ من شَعبانَ مُطلَقًا، واعتُرِض على ابنِ الحاجِبِ في حِكايَتِه الاتِّفاقَ. وقال في الإكمالِ في شَرحِ قَولِ عائِشةَ ﵂: يَكونُ على الصَّومِ من رَمضانَ فلا أستطيعُ أنْ أقضيَه إلا في شَعبانَ لِلشُّغلِ برَسولِ اللهِ ﷺ ، فيه حُجَّةٌ على أنَّ قَضاءَ رَمضانَ ليس واجِبًا على الفَورِ، خِلافًا لِلدَّاووديِّ في إيجابِه من ثاني شَوَّالٍ وأنَّه آثِمٌ متى لم يُتِمَّه، فإذا لم يَكُنْ على الفَورِ فَوَقتُه مُوسَّعٌ مُقيَّدٌ ببَقيَّةِ السَّنةِ ما لم يَدخُلْ رَمضانُ آخَرُ، لكنَّ الاستِحبابَ المُبادَرةُ (١). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: ظاهِرُ ما في كِتابِ الصِّيامِ من المُدوَّنةِ أنَّ قَضاءَ رَمضانَ على الفَورِ: لأنَّه قال فيمَن أفطَر في رَمضانَ في سَفرٍ أو مَرضٍ ثم قَدِم فأقامَ شَهرًا، أو صَحَّ شَهرًا ثم مات، وأوصى أنْ يُطعَمَ عنه؛ ذلك يَكونُ في ثُلثِه مَبدأً. وكذلك على مَذهَبِه (٢).

стр. 2615

وقال ابنُ الحاجِبِ ﵀: ولا يَجِبُ قَضاءُ رَمضانَ على الفَورِ اتِّفاقًا؛ فإنْ أخَّرَه إلى رَمضانَ آخَرَ من غَيرِ عُذرٍ فالفِديةُ اتِّفاقًا (١). وقال المَرداويُّ ﵀: قَولُه: ويُستحَبُّ التَّتابُعُ في قَضاءِ رَمضانَ، ولا يَجِبُ هذا المَذهبُ وعليه الأصحابُ، ونَصَّ عليه وذكَره القاضي في الخِلافِ في أنَّ الزَّكاةَ تَجِبُ على الفَورِ إنْ قُلنا: إنَّ قَضاءَ رَمضانَ على الفَورِ، واحتَجَّ بنَصِّه في الكَفَّارةِ ويأتي في البابِ الذي يَليه هل يَصحُّ التَّطوُّعُ بالصِّيامِ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ لهم أو لا؟ (٢) وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والمُزنيُّ من الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في وَجهٍ إلى أنَّ قَضاءَ رَمضانَ على التَّراخي مُطلَقًا بلا قَيدٍ، فلو جاء رَمضانُ آخَرُ، ولم يَقضِ الفائِتَ، قَدَّمَ صَومَ الأداءِ على القَضاءِ، حتى لو نَوى الصَّومَ عن القَضاءِ لم يَقعْ إلا عن الأداءِ، ولا فِديةَ عليه بالتَّأخيرِ إليه لِإطلاقِ النَّصِّ وهو قَولُه تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ من غَيرِ قَيدٍ، فكان وُجوبُ القَضاءِ على التَّراخي، فلا يَلزَمُه بالتَّأخيرِ شَيءٌ غَيرُ أنَّه تارِكٌ لِلأوْلَى من المُسارَعةِ. ولأنَّه صَومٌ واجِبٌ، فلم يَجِبْ في تأخيرِه كَفَّارةٌ، كما لو أخَّر الأداءَ والنَّذرَ، ولم يَثبُتْ حَديثٌ مَرفوعٌ يَنُصُّ على وُجوبِ الفِديةِ (٣).

стр. 2616

قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: الكَلامُ في كَيفيَّةِ وُجوبِ القَضاءِ أنَّه على الفَورِ أو على التَّراخي كالكَلامِ في كَيفيَّةِ الوُجوبِ في الأمرِ المُطلَقِ عن الوَقتِ أصلًا كالأمرِ بالكَفَّاراتِ والنُّذورِ المُطلَقةِ ونَحوِها، وذلك على التَّراخي عندَ عامَّةِ مَشايخِنا، ومَعنى التَّراخي عندَهم أنَّه يَجِبُ في مُطلَقِ الوَقتِ غَيرَ عَينٍ، وخيارُ التَّعيينِ إلى المُكلَّفِ، ففي أيِّ وَقتٍ شُرِع فيه تَعيينُ ذلك الوَقتِ لِلوُجوبِ، وإنْ لم يُشرَعْ، يَتضيَّقُ الوُجوبُ عليه في آخِرِ عُمُرِه في زَمانٍ يَتمكَّنُ فيه من الأداءِ قبلَ مَوتِه. وحَكى الكَرخيُّ عن أصحابِنا أنَّه على الفَورِ، والصَّحيحُ هو الأولُ، وعندَ عامَّةِ أصحابِ الحَديثِ الأمرُ المُطلَقُ يَقتَضي الوُجوبَ على الفَورِ على ما عُرِف في أُصولِ الفِقهِ. وحَكى القُدُوريُّ عن الكَرخيِّ أنَّه كان يَقولُ في قَضاءِ رَمضانَ: إنَّه مُؤقَّتٌ بما بينَ رَمضانَيْن، وهذا غَيرُ سَديدٍ بل المَذهبُ عندَ أصحابِنا أنَّ وُجوبَ القَضاءِ لا يَتوقَّتُ، لِما ذكَرنا أنَّ الأمرَ بالقَضاءِ مُطلَقٌ عن تَعيينِ بَعضِ الأوقاتِ دونَ بَعضٍ فيَجري على إطلاقِه، ولِهذا قال أصحابُنا: إنَّه لا يُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ ولو كان الوُجوبُ على الفَورِ لَكُرِه له التَّطوُّعُ قبلَ القَضاءِ؛ لأنَّه يَكونُ تأخيرًا لِلواجِبِ عن وَقتِه المُضيَّقِ وأنَّه مَكروهٌ، وعلى هذا قال أصحابُنا: إنَّه إذا أخَّرَ قَضاءَ رَمضانَ حتى دخَل رَمضانُ آخَرُ فلا فِديةَ عليه. وقال الشافِعيُّ: عليه الفِديةُ كأنَّه قال بالوُجوبِ على الفَورِ مع رُخصةِ التَّأخيرِ إلى رَمضانَ آخَرَ، وهذا غَيرُ سَديدٍ لِما ذكَرنا أنَّه لا دِلالةَ في الأمرِ

стр. 2617

على تَعيينِ الوَقتِ فالتَّعيينُ يَكونُ تَحكُّمًا على الدَّليلِ، والقَولُ بالفِديةِ باطِلٌ؛ لأنَّها تَجِبُ خَلَفًا عن الصَّومِ عندَ العَجزِ عن تَحصيلِه عَجزًا لا تُرجَى معه القُدرةُ عادةً كما في حَقِّ الشَّيخِ الفاني، ولم يُوجَدِ العَجزُ؛ لأنَّه قادِرٌ على القَضاءِ فلا مَعنى لِإيجابِ الفِديةِ (١). التَّتابُعُ في قَضاءِ رَمضانَ: اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ قَضاءَ شَهرِ رَمضانَ يُجزِئُ مُتفرِّقًا، وأنَّ التَّتابُعَ أحسَنُ. وذلك لِعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولأنَّه صَومٌ لا يَتعلَّقُ بزَمانٍ بعَينِه، فلم يَجِبْ فيه التَّتابُعُ، كالنَّذرِ المُطلَقِ. والتَّتابُعُ أحسَنُ؛ لأنَّ فيه المُبادَرةَ إلى أداءِ الفَرضِ، والمُسارَعةَ إلى إسقاطِ الواجِبِ (٢). حُكمُ التَّطوُّعِ بالصَّومِ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ: اختَلفَ فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ في حُكمِ مَنْ عليه أيامٌ يَجِبُ عليه قَضاؤُها من شَهرِ رَمضانَ هل يَجوزُ له أنْ يَتطوَّعَ بالصَّومِ قبلَ أنْ يَقضيَ ما عليه أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى جَوازِ التَّطوُّعِ بالصَّومِ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ من غَيرِ كَراهةٍ، لِكَونِ القَضاءِ لا يَجِبُ على

стр. 2618

الفَورِ؛ لأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بوَقتٍ مُوسَّعٍ فجازَ التَّطوُّعُ في وَقتِها قبلَ فِعلِها كالصَّلاةِ يَتطوَّعُ في أولِ وَقتِها. قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: قال أصحابُنا: لا يُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ، ولو كان الوُجوبُ على الفَورِ لَكُرِه له التَّطوُّعُ قبلَ القَضاءِ؛ لأنَّه يَكونُ تأخيرًا لِلواجِبِ عن وَقتِه المُضيَّقِ وهو مَكروهٌ (١). وذهَب المالِكيَّةُ في الراجِحِ عندَهم والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُكرَهُ التَّطوُّعُ قبلَ قَضاءِ ما عليه من رَمضانَ. قال ابنُ رُشدٍ ﵀: مَسألةٌ: وسُئِلَ مالِكٌ عن الرَّجلِ يَكونُ عليه قَضاءُ رَمضانَ، أيَصومُ يَومَ عاشُوراءَ قبلَ قَضاءِ رَمضانَ؟ قال: ما يُعجِبُني ذلك، وعَسى به أنْ يَكونَ خَفيفًا؛ قيلَ له: أفيَصومُه في قَضاءِ رَمضانَ؟ قال: لا بأسَ به. قال مُحمدُ بنُ رُشدٍ: قَولُه ما يُعجِبُني، وعَسى به أنْ يَكونَ خَفيفًا؛ مَعناه أنِّي أكرَهُ ذلك كَراهيةً خَفيفةً، وكَراهيَتُه له أنْ يَصومَه تَطوُّعًا، يَقتَضي أنَّ المُستحَبَّ عندَه أنْ يَصومَه في قَضاءِ ما عليه من رَمضانَ؛ وقَولُه بعدَ ذلك: لا بأسَ أنْ يَصومَه في قَضاءِ رَمضانَ مُخالِفٌ لذلك؛ إذْ لا يُقالُ في الشَّيءِ المُستحَبِّ فِعلُه: لا بأسَ أنْ يَفعَلَ، وإنَّما يُقالُ ذلك في المُباحِ الذي فِعلُه وتَركُه سَواءٌ؛ وفي سَماعِ ابنِ وَهبٍ، قيلَ له: أفيَصومُه في قَضاءِ رَمضانَ؟ قال: لا.

стр. 2619

مَعناه: لا يَنبَغي له أنْ يَفعلَ، ويَصومُه تَطوُّعًا أحسَنُ؛ فهَذه ثَلاثةُ أقوالٍ: أحَدُها: أنَّ الاختيارَ أنْ يُصامَ لِقَضاءِ رَمضانَ. والثاني: أنَّ الاختيارَ أنْ يُصامَ تَطوُّعًا ويُؤخِّرَ قَضاءَ رَمضانَ. والثالِثُ: أنَّ الأمرَيْن سَواءٌ، يَفعَلُ الفاعِلُ أيَّهما شاءَ؛ وهذا الاختِلافُ إنَّما يُتصوَّرُ على القَولِ بأنَّ قَضاءَ رَمضانَ على التَّراخي، بدَليلِ قَولِ عائِشةَ ﵂ «إنْ كان لَيَكونُ عليَّ الصِّيامُ من رَمضانَ، فما أستطيعُ أنْ أصومَه حتى يأتيَ شَعبانُ، لِلشُّغلِ برَسولِ اللهِ ﷺ »؛ إذْ لو كان القَضاءُ على الفَورِ، لَما منَعها من ذلك الشُّغلُ، والواجِبُ على التَّراخي تَعجيلُه أفضَلُ؛ فلَمَّا كان إنْ صام يَومَ عاشوراءَ تَطوُّعًا، وأخَّر القَضاءَ، أحرَزَ فَضلَ اليَومِ، وفاتَه تَعجيلُ القَضاءِ؛ وإنْ صامَه لِلقَضاءِ، أحرَز تَعجيلَ القَضاءِ، وفاته فَضلُ صَومِ النَّهارِ؛ وقَع الاختِلافُ. فوَجهُ القَولِ بأنَّ صَومَه تَطوُّعًا أحسَنُ، هو أنَّ فَضيلةَ صَومِه قد ورَدت الآثارُ عن النَّبيِّ ﵊ بالنَّصِّ عليها، وقَدرِها، وفَضيلةُ تَأجيلِ القَضاءِ إنَّما عُلِمت بالنَّظرِ والقياسِ، فذلك فيها مَعدومٌ؛ وأيضًا فقد رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ صلَّى رَكعتَيِ الفَجرِ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ قبلَ صَلاةِ الصُّبحِ، وقَضاءُ الصَّلاةِ يَكونُ على الفَورِ، فكيف بقَضاءِ الصِّيامِ الذي هو على التَّراخي؟ ووَجهُ القَولِ بأنَّ صيامَه لِلقَضاءِ أحسَنُ، هو أنَّه إنْ صامَه تَطوُّعًا لم يأمَنْ أنْ تَخترِمَه المَنيَّةُ قبلَ القَضاءِ؛ فلا يُقبَلَ منه التَّطوُّعُ على ظاهِرِ ما جاء عن أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ «مِنْ أنَّه لا يُقبَلُ من أحَدٍ نافِلةٌ

стр. 2620

وعليه فَريضةٌ حتى يُؤدِّيَها»؛ ووَجهُ القَولِ في تَخييرِ الفاعِلِ فيما شاءَ من ذلك، وهو أنَّ الدَّلائلَ استَوت عندَه، وأنَّ استِواءَها دَليلٌ على التَّخييرِ، وهذا نَحوُ قَولِه في الإبِلِ إذا زادَت على العِشرينَ ومِئةٍ واحِدةً، جعَل الساعي مُخيَّرًا لَمَّا استَوت عندَه الأدِلَّةُ في مِقدارِ الزِّيادةِ المَذكورةِ في الحَديثِ، إنْ كان المُرادُ بها ما كانت من قَليلٍ أو كَثيرٍ أو زيادةٍ بغَيرِ الفَرضِ، ظاهِرُ ما في كِتابِ الصِّيامِ من المُدوَّنةِ أنَّ قَضاءَ رَمضانَ على الفَورِ: لأنَّه قال فيمَن أفطَر في رَمضانَ في سَفرٍ أو مَرضٍ ثم قدِم فأقامَ شَهرًا، أو صَحَّ شَهرًا ثم مات، وأوصى أنْ يُطعِمَ عنه؛ ذلك يَكونُ في ثُلثِه مَبدأً. وكذلك على مَذهبِه فيما لو مَرِض شَعبانَ كلَّه بعدَ أنْ صَحَّ شَهرًا، لَوَجَب عليه الإطعامُ؛ فعلى هذا لا يَجوزُ له أنْ يَصومَ يَومَ عاشوراءَ إذا كان عليه قَضاءُ رَمضانَ، فيأتي في المَسألةِ أربَعةُ أقوالٍ (١). وقال الحَطَّابُ ﵀: (وتَطوُّعٌ قبلَ نَذرٍ أو قَضاءٍ)، يَعني أنَّه يُكرَهُ التَّطوُّعُ بالصَّومِ لِمَنْ عليه نَذرٌ من الصِّيامِ أو عليه قَضاءُ رَمضانَ، وهذا في النَّذرِ المَضمونِ، وأمَّا النَّذرُ المُعيَّنُ فإذا جاء زَمنُه لم يَجُزْ له التَّطوُّعُ فيه؛ فإنْ فعَل أثِمَ ولَزمَه القَضاءُ، قاله في جامِعِ الأُمَّهاتِ لِلثَّعالِبيِّ ناقِلًا له عن المُنتَقَى. ويُفهَمُ منه أنَّ التَّطوُّعَ بالصَّومِ قبلَ النَّذرِ المُعيَّنِ إذا لم يَجِئْ زَمنُه لا يُكرَهُ وهو ظاهِرٌ.

стр. 2621

تَنبيهاتٌ، الأولُ الظاهِرُ أنَّ كلَّ صَومٍ واجِبٍ في مَعنى النَّذرِ كما يُفهَمُ من كَلامِ اللَّخميِّ ومن كَلامِ صاحِبِ الطِّرازِ الآتي. الثاني قال في الطِّرازِ؛ فإنْ تَطوَّعَ صَحَّ صَومُه. قال ابنُ نافِعٍ في المَجموعةِ: يَتمُّ تَطوُّعُه ثم يَقضي ما عليه، وقد أخطأ في تَطوُّعِه قبلَه، وهذا بَيِّنٌ؛ فإنَّ الزَّمانَ صالِحٌ لِلتَّطوُّعِ وغَيرِه فأيُّهما وقَع صَحَّ، وإنَّما كان القَضاءُ أوجَبَ؛ لأنَّ الثالِثَ قال في التَّوضيحِ واختَلفَ في المُتأكَّدِ من نافِلةِ الصَّومِ كعاشوراءَ، هل المُستحَبُّ أنْ يَقضيَ فيه رَمضانَ ويُكرَهُ أنْ يَصومَه تَطوُّعًا وهو قَولُه في سَماعِ ابنِ وَهبٍ أو هو مُخيَّرٌ، ثَلاثةُ أقوالٍ حَكاها في البَيانِ أمَّا دونَ ذلك مَنْ تَطوَّع الصِّيامَ فالمَنصوصُ كَراهةُ فِعلِه قبلَ القَضاءِ. قُلتُ: والمَسألةُ في رَسمِ المُحرَّمِ من سَماعِ ابنِ القاسِمِ من كِتابِ الصِّيامِ، وأطالَ ابنُ رُشدٍ فيها الكَلامَ، وقال: إنَّ هذا كلَّه على القَولِ بأنَّ قَضاءَ رَمضانَ على التَّراخي، وأمَّا على القَولِ بأنَّه على الفَورِ وهو ظاهِرُ المُدوَّنةِ في كِتابِ الصِّيامِ فلا يَجوزُ له أنْ يَصومَ يَومَ عاشوراءَ إذا كان عليه قَضاءُ رَمضانَ. قال: فيأتي في المَسألةِ أربَعةُ أقوالٍ. وقال في المُدوَّنةِ: وجائِزٌ أنْ يَقضيَ رَمضانَ في العَشرِ الأُوَلِ من ذي الحِجَّةِ. قال أبو الحَسنِ: استحَبَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ أنْ يَقضيَ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ.

стр. 2622

وقاله ابنُ القاسِمِ وسالِمٌ قال: ويَقضي في يَومِ عاشوراءَ. قال ابنُ يُونُسَ: إنَّما استَحَبُّوا ذلك لِفَضلِها، فإذا لم يَكُنِ التَّطوُّعُ قَضى فيها الواجِبَ (١). وقال الإمامُ الخِرشيُّ ﵀: وتَطوُّعٌ قبلَ نَذرٍ أو قَضاءٍ أي: ومما هو مَكروهٌ التَّطوُّعُ بعِبادةٍ من صَومٍ أو صَلاةٍ أو غَيرِهما قبلَ بَراءةِ الذِّمَّةِ من واجِبٍ عليه من تلك العِبادةِ من نَذرٍ غَيرِ مُعيَّنٍ أو قَضاءٍ لِما عليه منها، لِارتِهانِ الذِّمَّةِ بذلك فيَسعى في بَراءَتِها؛ فإنْ فعَل صَحَّ تَطوُّعُه لِعَدمِ تَعيُّنِ الزَّمنِ لِشَيءٍ منها، ثم يأتي بما عليه، وخرَج بغَيرِ المُعيَّنِ المُعيَّنُ فلا يَجوزُ في زَمنِه غَيرُه وإنْ فعَل لَزمَه قَضاؤُه، وانظُر هل تَطوُّعُه صَحيحٌ أو لا، لِتَعيُّنِ الزَّمنِ لِغَيرِه ولا كَراهةَ في التَّطوُّعِ قبلَه لِعَدمِ اشتِغالِ الذِّمَّةِ به قبلَ زَمنِه (٢). وقال الدُّسوقيُّ ﵀: قَولُه: (وكُرِه تَطوُّعٌ بصيامٍ) حاصِلُه أنَّه يُكرَهُ التَّطوُّعُ بالصَّومِ لِمَنْ عليه صَومٌ واجِبٌ كالمَنذورِ والقَضاءِ والكَفَّارةِ، وذلك لِما يَلزَمُ من تأخيرِ الواجِبِ وعَدمِ فَوريَّتِه، وهذا بخِلافِ الصَّلاةِ؛ فإنَّه يَحرُمُ كما تَقدَّمَ وظاهِرُ المُصنِّفِ الكَراهةَ مُطلَقًا سَواءٌ كان صَومُ التَّطوُّعِ الذي قَدَّمَه على الصَّومِ الواجِبِ غَيرَ مُؤكَّدٍ أو كان مُؤكَّدًا كعاشوراءَ، وتاسُوعِ ذي الحِجَّةِ، وهو كَذلك على الراجِحِ ففي ابنِ عَرفةَ ابنُ رُشدٍ في تَرجيحِ صَومِ يَومِ عَرفةَ قَضاءً أو تَطوُّعًا ثالِثُها سَواءٌ، والأرجَحُ الأولُ يَعني أنَّه اختَلفَ في

стр. 2623

صَومِ يَومِ عَرفةَ لِمَنْ عليه قَضاءٌ، فقيل: إنَّ صَومَه قَضاءً أرجَحُ وأفضَلُ من صَومِه تَطوُّعًا، وصَومُه تَطوُّعًا مَكروهٌ، وقيلَ: بالعَكسِ، وقيلَ: هُما سَواءٌ لا أرجَحيَّةَ لِأحدِهما على الآخَرِ والأرجَحُ القَولُ الأولُ، وهو أوَّلُ سَماعِ ابنِ القاسِمِ واختارَه سَحنونٌ، والقَولُ الثاني سَماعُ ابنِ وَهبٍ، والقَولُ الثالِثُ آخِرُ سَماعِ ابنِ القاسِمِ. واعلَمْ أنَّ مَنْ عليه قَضاءً من رَمضانَيْن يَبدَأُ بأوَّلِهما ويُجزِئُ العَكسُ كذا في المَوَّاقِ (١). وقال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: مَنْ فاتَه شَيءٌ من رَمضانَ استُحِبَّ أنْ يَقضيَه مُتتابِعًا، ويُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ بصَومٍ، قاله الجُرجانيُّ (٢). وقال الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: وقَضيَّةُ قَولِ المَحامِليِّ تَبعًا لِشَيخِه الجُرجانيِّ: يُكرَهُ لِمَنْ عليه قَضاءُ رَمضانَ أنْ يَتطوَّعَ بالصَّومِ كَراهةَ صَومِها لِمَنْ أفطَره بعُذرٍ فيُنافي ما مَرَّ إلا أنْ يَجمَعَ بأنَّه ذو وَجهَيْن أو يَحمِلَ ذاك على مَنْ لا قَضاءَ عليه كصَبيٍّ بلَغ وكافِرٍ أسلَم، وهذا على مَنْ عليه قَضاءٌ، وإذا ترَكها في شَوَّالٍ لذلك أو غَيرِه سُنَّ قَضاؤُها مما بعدَه، وتُحصَّلُ السَّنةُ بصَومِها مُتفرِّقةً، ولكنَّ تَتابُعَها واتِّصالَها بيَومِ العيدِ أفضَلُ مُبادَرةً إلى العِبادةِ، ولِما في التَّأخيرِ من الآفاتِ، ولو صامَ في شَوَّالٍ قَضاءً أو نَذرًا أو

стр. 2624

غَيرَهما أو في نَحوِ يَومِ عاشوراءَ حصَل له ثَوابُ تَطوُّعِها كما أفتى به الوالِدُ ﵀ تَبعًا لِلبارزيِّ والأصفونيِّ والناشِريِّ والفَقيهِ عليِّ بنِ صالِحٍ الحَضرَميِّ وغَيرِهم، لكنْ لا يَحصُلُ له الثَّوابُ الكامِلُ المُرتَّبُ على المَطلوبِ لا سيَّما مَنْ فاتَه رَمضانُ وصامَ عنه شَوَّالًا؛ لأنَّه لم يَصدُقْ عليه المَعنى المُتقدِّمُ وما أفتى به الوالِدُ ﵀ أيضًا أنَّه يُستحَبُّ لِمَنْ فاتَه رَمضانُ وصامَ عنه شَوَّالًا أنْ يَصومَ سِتَّةً من ذي القَعدةِ؛ لأنَّه يُستحَبُّ قَضاءُ الصَّومِ الراتِبِ، وهو مَحمولٌ على مَنْ قصَد فِعلَها بعدَ صَومِ شَوَّالٍ فيَكونُ صارِفًا عن حُصولِها عن السُّنَّةِ، فسقَط القَولُ بأنَّه لا يَتأتَّى إلا على القَولِ بأنَّ صَومَها لا يَحصُلُ بغَيرِها، أمَّا إذا قُلنا بحُصولِه وهو الظاهِرُ فلا يُستحَبُّ قَضاؤُها (١). وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَحرُمُ التَّطوُّعُ قبلَ قَضاءِ ما عليه من صَومٍ واجِبٍ من قَضاءِ رَمضانَ أو نَذرٍ ولا يَصحُّ تَطوُّعُه بالصَّومِ قبلَ قَضاءِ ما عليه من رَمضانَ، نَصَّ عليه نَقلُ حَنبَلٍ أنَّه لا يَجوزُ، بل يَبدأُ بالفَرضِ حتى يَقضيَه وإنْ كان عليه نَذرٌ صامَه، يَعني بعدَ الفَرضِ لِما رُوي عن أبي هُرَيرةَ ﵁ مَرفوعًا قال: «مَنْ أدْرَكَ رَمَضَانَ وعَلَيْهِ من رَمَضَانَ شَيءٌ لم يَقضِه لم يُتقَبَّلْ منه، ومَنْ صامَ تَطَوُّعًا وَعَلَيهِ من رَمَضَانَ شَيءٌ لم يَقضِه؛ فإنَّه لا يُتقَبَّلُ منه حتى يَصُومَهُ» (٢).

стр. 2625

ولأنَّه عِبادةٌ يَدخُلُ في جُبرانِها المالُ، فلَم يَصحَّ التَّطوُّعُ بها قبلَ أداءِ فَرضِها كالحَجِّ، ولأنَّه عِبادةٌ جازَ تأخيرُها تَخفيفًا، فإذا لم يُؤدِّه لَزمَه الأصلُ (١). قال الإمامُ المَرداويُّ ﵀: ومنها: هل يَجوزُ لِمَنْ عليه صَومُ فَرضٍ أنْ يَتطوَّعَ بالصَّومِ قبلَه، فيه رِوايتان، وأطلَقهما في الهِدايةِ والمُغني والمَجدِ في شَرحِه والشَّرحِ والفُروعِ والفائِقِ. إحداهما: لا يَجوزُ ولا يَصحُّ وهو المَذهبُ، نَصَّ عليه في رِوايةِ حَنبَلٍ وقال في الحاويَيْن لم يَصحَّ في أصَحِّ الرِّوايتَيْن واختارَه ابنُ عَبدوسٍ في تَذكِرتِه وجزَم به في المَذهبِ ومَسبوكِ الذَّهَبِ والإفاداتِ والمنورِ وقدَّمه في المُستوعِبِ والخُلاصةِ والمُحرَّرِ والرِّعايَتَيْن وابن رَزينٍ في شَرحِه وهو مِنْ مُفرَداتِ المَذهبِ. والرِّوايةُ الثانيةُ: يَجوزُ ويَصحُّ، قدَّمه في النَّظمِ، قال في القاعِدةِ الحاديةَ عَشرةَ: جازَ على الأصَحِّ، قُلتُ: وهو الصَّوابُ. فعلى المَذهبِ وهو عَدمُ الجَوازِ فهل يُكرَهُ القَضاءُ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ أو لا يُكرَهُ فيه رِوايَتان وأطلَقهما في المُغني والشَّرحِ وشَرحِ المَجدِ والفائِقِ والفُروعِ. قُلتُ: الصَّوابُ عَدمُ الكَراهةِ.

стр. 2626

وهذه الطَّريقةُ هي الصَّحيحةُ، وهي طَريقةُ المَجدِ في شَرحِه وتابَعَه في الفُروعِ، وقال: هذه الطَّريقةُ هي الصَّحيحةُ، قال المُصنِّفُ في المُغني، وهذا أقوى عِندي قال في الفُروعِ؛ لأنَّا إذا حَرَّمنا التَّطوُّعَ قبلَ الفَرضِ كان أبلَغَ من الكَراهةِ فلا تَصحُّ تَفريعًا عليه. ولنا طَريقةٌ أُخرى قالها بَعضُ الأصحابِ، وهي: إنْ قُلنا بعَدمِ جَوازِ التَّطوُّعِ قبلَ صَومِ الفَرضِ لم يُكرَهِ القَضاءُ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ بل يُستحَبُّ لِئلَّا يَخلوَ من العِبادةِ بالكُلِّيَّةِ، وإنْ قُلنا بالجَوازِ كُرِه القَضاءُ فيها لِتَوفيرِها على التَّطوُّعِ لِبَيانِ فَضلِه فيها مع فَضلِ القَضاءِ، قال في المُغني: قاله بَعضُ أصحابِنا. وقال في الرِّعايَتَيْن والحاويَيْن: ويُباحُ قَضاءُ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ وعنه يُكرَهُ، وقال في الكُبرى أيضًا: ويَحرُمُ نَفلُ الصَّومِ قبلَ قَضاءِ فَرضِه لِحُرمتِه نَصَّ عليه، وعنه يَجوزُ. فائِدةٌ: لو اجتمَع ما فُرِض شَرعًا ونَذرٌ بُدِئ بالمَفروضِ شَرعًا إنْ كان لا يَخافُ فَوتَ المَنذورِ، وإنْ خيفَ فَوتُه بُدِئ به ويُبدَأُ بالقَضاءِ أيضًا إنْ كان النَّذرُ مُطلَقًا (١). الجَمعُ والتَّشريكُ بينَ قَضاءِ رَمضانَ وصَومِ التَّطوُّعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّشريكِ في النِّيَّةِ في الصِّيامِ، بأنْ يَنويَ أنْ يَصومَ مَثلًا سِتَّةً من شَوَّالٍ أو عَشرَ ذي الحِجَّةِ وبنيَّةِ قَضاءِ ما عليه، هل يَصحُّ أو لا؟ وهل يَقعُ عنهما أو يَقعُ تَطوُّعًا أو لا يَقعُ أصلًا عن واحِدٍ منهما؟

стр. 2627

فقال الحَنفيَّةُ: إذا نَوى في الصَّومِ القَضاءَ والتَّطوُّعَ يَكونُ تَطوُّعًا ولا يُجزِئُه عن القَضاءِ عندَ الإمامِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ. وقال الإمامُ أبو يُوسُفَ: يُجزِئُه عن القَضاءِ ويَبطُلُ التَّطوُّعُ، ورَواه الحَسَنُ عن أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الفَرضَ أقوى، فتَندَفِعُ نيَّةُ الأدنى كمَن نَوى حَجَّةَ الإسلامِ والتَّطوُّعَ (١). وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى جَوازِ التَّشريكِ والجَمعِ بينَ نيَّةِ القَضاءِ ونيَّةِ التَّطوُّعِ كصيامِ السِّتِّ بنيَّةِ قَضاءِ الدَّينِ وتَحصيلِ ثَوابِ النَّفلِ. قال الإمامُ الزَّرقانيُّ ﵀: (فائِدةٌ) قال البَدرُ: انظُرْ لو صامَ يَومَ عَرفةَ عن قَضاءٍ عليه ونَوى به القَضاءَ وعَرفةَ معًا فالظاهِرُ أنَّه يُجزِئُ عنهما معًا قياسًا على مَنْ نَوى بغُسلِه الجَنابةَ والجُمُعةَ؛ فإنَّه يُجزِئُ عنهما معًا وقياسًا

стр. 2628

على مَنْ صلَّى الفَرضَ ونَوى التَّحيَّةَ وانظُرِ النَّقلَ في المَسألةِ، وكذلك يُقالُ في عاشوراءَ وتاسُوعاءَ ونَحوِهما، تأمَّلْ (١). وقال الدُّسوقيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّه يُؤخَذُ من هذه المَسألةِ صِحَّةُ نيَّةِ صَومِ عاشوراءَ لِلفَضيلةِ والقَضاءِ، ومالَ إليه ابنُ عَرفةَ، ويُؤخَذُ منه أيضًا أنَّ من كَبَّر تَكبيرةً واحِدةً ناويًا بها الإحرامَ والرُّكوعَ؛ فإنَّها تُجزِئُه وأنَّه إنْ سلَّم تَسليمةً واحِدةً ناويًا بها الفَرضَ والرَّدَّ؛ فإنَّها تُجزِئُه، وبه قال ابنُ رُشدٍ (٢). وأمَّا الشافِعيَّةُ فقال الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: ولو صامَ في شَوَّالٍ قَضاءً أو نَذرًا أو غَيرَهما أو في نَحوِ يَومِ عاشُوراءَ حصَل له ثَوابُ تَطوُّعِها كما أفتَى به الوالِدُ ﵀ تَبعًا لِلبارِزيِّ والأصفونيِّ والناشِريِّ والفَقيهِ عليِّ بنِ صالِحٍ الحَضرَميِّ وغَيرِهم، لكنْ لا يَحصُلُ له الثَّوابُ الكامِلُ المُرتَّبُ على المَطلوبِ لا سيَّما مَنْ فاتَه رَمضانُ وصامَ عنه شَوَّالًا؛ لأنَّه لم يَصدُقْ عليه المَعنى المُتقدِّمُ (٣). وسُئِل شِهابُ الدِّينِ الرَّمليُّ ﵀ عن شَخصٍ عليه صَومٌ مِنْ رَمضانَ وقَضاءٌ في شَوَّالٍ هل يَحصُلُ له قَضاءُ رَمضانَ وثَوابُ سِتَّةٍ أيامٍ من شَوَّالٍ وهل في ذلك نَقلٌ؟ (فأجابَ) بأنَّه يَحصُلُ بصَومِه قَضاءُ رَمضانَ وإنْ نَوى به غَيرَه ويَحصُلُ له ثَوابُ سِتَّةٍ من شَوَّالٍ، وقد ذكَر المَسألةَ جَماعةٌ من المُتأخِّرينَ (٤).

стр. 2629

وقال في «حاشيةِ الشَّرقاويِّ على شَرحِ التَّحريرِ»: «ولو صامَ فيه [أي: في شَهرِ شَوَّالٍ] قَضاءً عن رَمضانَ أو غَيرِه نَذرًا أو نَفلًا آخَرَ، حَصَل له ثَوابُ تَطوُّعِها؛ إذِ المَدارُ على وُجودِ الصَّومِ في سِتَّةِ أيامٍ من شَوَّالٍ … ، لكنْ لا يَحصُلُ له الثَّوابُ الكامِلُ المُترتِّبُ على المَطلوبِ إلا بنيَّةِ صَومِها عن خُصوصِ السِّتَّةِ من شَوَّالٍ، ولا سيَّما من فاتَه رَمضانُ: لأنَّه لم يَصدُقْ أنَّه صامَ رَمضانَ وأتبَعه سِتَّةً من شَوَّالٍ» (١). وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ (وابنُ حَزمٍ وهو ما حَكاه عن مُتقدِّمي العُلماءِ) (٢) إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّشريكُ في النيَّةِ في الصَّومِ بينَ صَومِ فَرضٍ

стр. 2630

ومَندوبٍ بأنْ يَصومَ قَضاءَ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ مَثلًا ويَحصُلَ على ثَوابِ القَضاءِ والتَّطوُّعِ. قال ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ويُباحُ قَضاءُ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ وعنه يُكرَهُ. والرِّوايةُ الثانيةُ: يُكرَهُ، وقد عَلَّل بأنَّ القَضاءَ فيه يَفوتُ به فَضلُ صيامِه تَطوُّعًا، وبهذا عَلَّل الإمامُ أحمدُ وغَيرُه، ذكَره ابنُ رَجبٍ في اللَّطائِفِ وقال: وقد قيلَ: إنَّه يَحصُلُ به فَضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ أيضًا (١).
следующие страницы →