وهذه الطَّريقةُ هي الصَّحيحةُ، وهي طَريقةُ المَجدِ في شَرحِه وتابَعَه في الفُروعِ، وقال: هذه الطَّريقةُ هي الصَّحيحةُ، قال المُصنِّفُ في المُغني، وهذا أقوى عِندي قال في الفُروعِ؛ لأنَّا إذا حَرَّمنا التَّطوُّعَ قبلَ الفَرضِ كان أبلَغَ من الكَراهةِ فلا تَصحُّ تَفريعًا عليه.
ولنا طَريقةٌ أُخرى قالها بَعضُ الأصحابِ، وهي: إنْ قُلنا بعَدمِ جَوازِ التَّطوُّعِ قبلَ صَومِ الفَرضِ لم يُكرَهِ القَضاءُ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ بل يُستحَبُّ لِئلَّا يَخلوَ من العِبادةِ بالكُلِّيَّةِ، وإنْ قُلنا بالجَوازِ كُرِه القَضاءُ فيها لِتَوفيرِها على التَّطوُّعِ لِبَيانِ فَضلِه فيها مع فَضلِ القَضاءِ، قال في المُغني: قاله بَعضُ أصحابِنا.
وقال في الرِّعايَتَيْن والحاويَيْن: ويُباحُ قَضاءُ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ وعنه يُكرَهُ، وقال في الكُبرى أيضًا: ويَحرُمُ نَفلُ الصَّومِ قبلَ قَضاءِ فَرضِه لِحُرمتِه نَصَّ عليه، وعنه يَجوزُ.
فائِدةٌ: لو اجتمَع ما فُرِض شَرعًا ونَذرٌ بُدِئ بالمَفروضِ شَرعًا إنْ كان لا يَخافُ فَوتَ المَنذورِ، وإنْ خيفَ فَوتُه بُدِئ به ويُبدَأُ بالقَضاءِ أيضًا إنْ كان النَّذرُ مُطلَقًا (١).
الجَمعُ والتَّشريكُ بينَ قَضاءِ رَمضانَ وصَومِ التَّطوُّعِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ التَّشريكِ في النِّيَّةِ في الصِّيامِ، بأنْ يَنويَ أنْ يَصومَ مَثلًا سِتَّةً من شَوَّالٍ أو عَشرَ ذي الحِجَّةِ وبنيَّةِ قَضاءِ ما عليه، هل يَصحُّ أو لا؟ وهل يَقعُ عنهما أو يَقعُ تَطوُّعًا أو لا يَقعُ أصلًا عن واحِدٍ منهما؟
стр. 2627
فقال الحَنفيَّةُ: إذا نَوى في الصَّومِ القَضاءَ والتَّطوُّعَ يَكونُ تَطوُّعًا ولا يُجزِئُه عن القَضاءِ عندَ الإمامِ مُحمدِ بنِ الحَسنِ.
وقال الإمامُ أبو يُوسُفَ: يُجزِئُه عن القَضاءِ ويَبطُلُ التَّطوُّعُ، ورَواه الحَسَنُ عن أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الفَرضَ أقوى، فتَندَفِعُ نيَّةُ الأدنى كمَن نَوى حَجَّةَ الإسلامِ والتَّطوُّعَ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى جَوازِ التَّشريكِ والجَمعِ بينَ نيَّةِ القَضاءِ ونيَّةِ التَّطوُّعِ كصيامِ السِّتِّ بنيَّةِ قَضاءِ الدَّينِ وتَحصيلِ ثَوابِ النَّفلِ.
قال الإمامُ الزَّرقانيُّ ﵀: (فائِدةٌ) قال البَدرُ: انظُرْ لو صامَ يَومَ عَرفةَ عن قَضاءٍ عليه ونَوى به القَضاءَ وعَرفةَ معًا فالظاهِرُ أنَّه يُجزِئُ عنهما معًا قياسًا على مَنْ نَوى بغُسلِه الجَنابةَ والجُمُعةَ؛ فإنَّه يُجزِئُ عنهما معًا وقياسًا
стр. 2628
على مَنْ صلَّى الفَرضَ ونَوى التَّحيَّةَ وانظُرِ النَّقلَ في المَسألةِ، وكذلك يُقالُ في عاشوراءَ وتاسُوعاءَ ونَحوِهما، تأمَّلْ (١).
وقال الدُّسوقيُّ ﵀: واعلَمْ أنَّه يُؤخَذُ من هذه المَسألةِ صِحَّةُ نيَّةِ صَومِ عاشوراءَ لِلفَضيلةِ والقَضاءِ، ومالَ إليه ابنُ عَرفةَ، ويُؤخَذُ منه أيضًا أنَّ من كَبَّر تَكبيرةً واحِدةً ناويًا بها الإحرامَ والرُّكوعَ؛ فإنَّها تُجزِئُه وأنَّه إنْ سلَّم تَسليمةً واحِدةً ناويًا بها الفَرضَ والرَّدَّ؛ فإنَّها تُجزِئُه، وبه قال ابنُ رُشدٍ (٢).
وأمَّا الشافِعيَّةُ فقال الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: ولو صامَ في شَوَّالٍ قَضاءً أو نَذرًا أو غَيرَهما أو في نَحوِ يَومِ عاشُوراءَ حصَل له ثَوابُ تَطوُّعِها كما أفتَى به الوالِدُ ﵀ تَبعًا لِلبارِزيِّ والأصفونيِّ والناشِريِّ والفَقيهِ عليِّ بنِ صالِحٍ الحَضرَميِّ وغَيرِهم، لكنْ لا يَحصُلُ له الثَّوابُ الكامِلُ المُرتَّبُ على المَطلوبِ لا سيَّما مَنْ فاتَه رَمضانُ وصامَ عنه شَوَّالًا؛ لأنَّه لم يَصدُقْ عليه المَعنى المُتقدِّمُ (٣).
وسُئِل شِهابُ الدِّينِ الرَّمليُّ ﵀ عن شَخصٍ عليه صَومٌ مِنْ رَمضانَ وقَضاءٌ في شَوَّالٍ هل يَحصُلُ له قَضاءُ رَمضانَ وثَوابُ سِتَّةٍ أيامٍ من شَوَّالٍ وهل في ذلك نَقلٌ؟
(فأجابَ) بأنَّه يَحصُلُ بصَومِه قَضاءُ رَمضانَ وإنْ نَوى به غَيرَه ويَحصُلُ له ثَوابُ سِتَّةٍ من شَوَّالٍ، وقد ذكَر المَسألةَ جَماعةٌ من المُتأخِّرينَ (٤).
стр. 2629
وقال في «حاشيةِ الشَّرقاويِّ على شَرحِ التَّحريرِ»: «ولو صامَ فيه [أي: في شَهرِ شَوَّالٍ] قَضاءً عن رَمضانَ أو غَيرِه نَذرًا أو نَفلًا آخَرَ، حَصَل له ثَوابُ تَطوُّعِها؛ إذِ المَدارُ على وُجودِ الصَّومِ في سِتَّةِ أيامٍ من شَوَّالٍ … ، لكنْ لا يَحصُلُ له الثَّوابُ الكامِلُ المُترتِّبُ على المَطلوبِ إلا بنيَّةِ صَومِها عن خُصوصِ السِّتَّةِ من شَوَّالٍ، ولا سيَّما من فاتَه رَمضانُ: لأنَّه لم يَصدُقْ أنَّه صامَ رَمضانَ وأتبَعه سِتَّةً من شَوَّالٍ» (١).
وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ (وابنُ حَزمٍ وهو ما حَكاه عن مُتقدِّمي العُلماءِ) (٢) إلى أنَّه لا يَصحُّ التَّشريكُ في النيَّةِ في الصَّومِ بينَ صَومِ فَرضٍ
стр. 2630
ومَندوبٍ بأنْ يَصومَ قَضاءَ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ مَثلًا ويَحصُلَ على ثَوابِ القَضاءِ والتَّطوُّعِ.
قال ابنُ مُفلِحٍ ﵀: ويُباحُ قَضاءُ رَمضانَ في عَشرِ ذي الحِجَّةِ وعنه يُكرَهُ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: يُكرَهُ، وقد عَلَّل بأنَّ القَضاءَ فيه يَفوتُ به فَضلُ صيامِه تَطوُّعًا، وبهذا عَلَّل الإمامُ أحمدُ وغَيرُه، ذكَره ابنُ رَجبٍ في اللَّطائِفِ وقال: وقد قيلَ: إنَّه يَحصُلُ به فَضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ أيضًا (١).
стр. 2631
ونَصُّ ابنُ رَجبٍ ﵀: وقد قيلَ: إنَّه يَحصُلُ به فَضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ بها، وهذا على قَولِ مَنْ يَقولُ: إنْ نَذَر صيامَ شَهرٍ فصامَ رَمضانَ أجزأه عن فَرضِه ونَذرِه مُتوَجَّهٌ (١).
فقد نَصَّ على أنَّه قيلَ: إنَّه يَحصُلُ به فَضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ أيضًا، فالأصلُ أنَّه لا يَجوزُ، وفي قَولٌ أنَّه يَحصُلُ به الثَّوابُ فيَجوزُ التَّشريكُ على هذا القَولِ، أمَّا على المَذهبِ فلا يَجوزُ.
مَسائِلُ تَتعلَّقُ بالقَضاءِ:
الأُولى: مَنْ أخَّر قَضاءَ رَمضانَ -وكَذا النَّذرُ والكَفَّارةُ- لِعُذرٍ، بأنِ استمَرَّ مَرضُه أو سَفرُه أو إغماؤُه أو حَيضُها أو نِفاسُها أو حَملُها أو إرضاعُها ونَحوُ ذلك بالمَوتِ ولم يَتمكَّنْ من القَضاءِ فلا شَيءَ عليه، ولا يُصَامُ عنه، ولا يُطْعَمُ عنه، وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لأنَّه فَرضٌ لم يَتمكَّنْ منه إلى المَوتِ فسقَط حُكمُه كالحَجِّ.
وفي رِوايةٍ عندَ الحَنابِلةِ: يُطعَمُ عنه كالشَّيخِ الكَبيرِ.
وقال أبو الخَطَّابِ ﵀: يُحتمَلُ أنْ يَجبَ الصَّومُ عنه أو التَّكفيرُ، لكنَّ المَذهبَ هو الأولُ (٢).
стр. 2632
الثانيةُ: لو أفطَر بعُذرٍ وزالَ العُذرُ وتَمكَّنَ من القَضاءِ، ولم يَقضِ حتى ماتَ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُطعَمُ عنه ولا يَجوزُ أنْ يُصامَ عنه أو يَجوزُ الصَّومُ عنه؟ على تَفصيلٍ في ذلك:
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجِبُ في تَرِكَتِه إطعامُ مِسكينٍ لكلِّ يَومٍ، ولا يَصحُّ صيامُ وَلِيِّه عنه؛ لأنَّ الصَّومَ واجِبٌ بأصلِ الشَّرعِ لا يُقضى عنه؛ لأنَّه لا تَدخُلُه النِّيابةُ في الحياةِ فكذلك بعدَ المَماتِ كالصَّلاةِ.
وذهَب الشافِعيُّ في القَديمِ -وهو اختيارُ النَّوَويِّ، وهو قَولُ أبي الخَطَّابِ من الحَنابِلةِ- إلى أنَّه يَجوزُ لِوَلِيِّه أنْ يَصومَ عنه، ويَصحُّ ذلك، ويُجزِئُه عن الإطعامِ، وتُبرأُ به ذِمَّةُ المَيِّتِ، لكنْ لا يَلزمُ الوَليَّ الصَّومُ، بل هو إلى خِيرَتِه، لِحَديثِ عائِشةَ ﵂ عن النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عنه وَلِيُّه» (١).
وقال الحَنابِلةُ: مَنْ مات وعليه صَومٌ مَنذورٌ صامَ عنه وَلِيُّه على الصَّحيحِ من المَذهبِ، وهو اختيارُ النَّوَويِّ من الشافِعيَّةِ.
قال في «الإنصافِ»: يُستحَبُّ لِلوَليِّ فِعلُه. واعلَمْ أنَّه إذا كان له تَرِكةٌ وجَب فِعلُه فيُستحَبُّ لِلوَليِّ الصَّومُ، وله أنْ يَدفعَ إلى مَنْ يَصومُ عنه مِنْ تَرِكَتِه عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا؛ فإنْ لم يَكُنْ له تَرِكةٌ لم يَلزَمْه شَيءٌ (٢).
стр. 2633
واستدَلَّ الحَنابِلةُ والنَّوَويُّ على ذلك بما يأتي:
١ - بحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: جاء رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ [وفي رِوايةٍ: «صَومُ نَذرٍ»] أَفَأَقْضِيهِ عنها؟ قال: نَعَمْ، قال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (١).
٢ - بحَديثِ بُرَيدةَ ﵁ قال: بَينَا أنا جَالِسٌ عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فقالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ على أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قال: فقال: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ»، قالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّه كان عليها صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عنها؟ قال: «صُومِي عنها … »، الحَديثَ (٢).
٣ - بحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄: «أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَنَجَّاهَا اللهُ، فلم تَصُمْ حتى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ ابْنَتُهَا أو أُخْتُهَا إلى رَسولِ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عنها» (٣).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قال: (ومَن نذَر أنْ يَصومَ فماتَ قبلَ أنْ يأتيَ به صامَ عنه وَرثَتُه مِنْ أقارِبه، وكذلك كلُّ ما كان مِنْ نَذرِ طاعةٍ.
стр. 2634
يَعني: مَنْ نذَر حَجًّا أو صيامًا أو صَدقةً أو عِتقًا أو اعتِكافًا أو صَلاةً أو غَيرَه من الطاعاتِ وماتَ قبلَ فِعلِه فَعَله الوَليُّ عنه، وعن أحمدَ في الصَّلاةِ: لا يُصلَّى عن المَيِّتِ؛ لأنَّها لا بَدلَ لها بحالٍ، وأمَّا سائِرُ الأعمالِ فيَجوزُ أنْ يَنوبَ الوَليُّ عنه فيها، وليس بواجِبٍ عليه، ولكنْ يُستحَبُّ له ذلك على سَبيلِ الصِّلةِ له، والمَعروفِ، وأفتى بذلك ابنُ عَباسٍ في امرأةٍ نَذرَت أنْ تَمشيَ إلى قُباءَ فماتَت ولم تَقضِه أنْ تَمشيَ ابنَتُها عنها، ورَوى سَعيدٌ عن سُفيانَ عن عَبدِ الكَريمِ بنِ أبي أُمَيَّةَ «أنَّه سأل ابنَ عَباسٍ عن نَذرٍ كان على أُمِّه من اعتِكافٍ: قال: صُمْ عنها واعتَكِفْ عنها».
وقال: حَدَّثنا أبو الأحوَصِ عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ عن عامِرِ بنِ شُعَيبٍ «أنَّ عائِشةَ اعتَكفَت عن أخيها عَبدِ الرَّحمنِ بعدَما ماتَ».
وقال مالِكٌ: لا يَمشي أحَدٌ عن أحَدٍ ولا يُصلِّي ولا يَصومُ عنه، وكذلك سائِرُ أعمالِ البَدنِ قياسًا على الصَّلاةِ.
وقال الشافِعيُّ: يَقضي عنه الحَجَّ ولا يَقضي الصَّلاةَ قَولًا واحِدًا، ولا يَقضي الصَّومَ في أحَدِ القَولَيْن، ويُطعِمُ عنه لكلِّ يَومٍ مِسكينًا؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ مات وعليه صيامُ شَهرٍ فليُطعَمْ عنه مَكانَ كلِّ يَومٍ مِسكينٌ» أخرَجه ابنُ ماجَهْ.
وقال أهلُ الظاهِرِ يَجِبُ القَضاءُ على وَليِّه بظاهِرِ الأخبارِ الوارِدةِ فيه.
وجُمهورُ أهلِ العِلمِ على أنَّ ذلك ليس بواجِبٍ على الوَليِّ إلا أنْ يَكونَ حَقًّا في المالِ ويَكونَ لِلمَيِّتِ تَرِكةٌ وأمرُ النَّبيِّ ﷺ في هذا مَحمولٌ على النَّدبِ والاستِحبابِ بدَليلِ قَرائِنَ في الخَبرِ:
стр. 2635
منها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ شَبَّهَه بالدَّينِ، وقَضاءُ الدَّينِ عن المَيِّتِ لا يَجِبُ على الوارِثِ ما لم يُخلِّفْ تَرِكةً يَقضي بها.
ومنها: أنَّ السائِلَ سألَ النَّبيَّ ﷺ هل يَفعَلُ ذلك أو لا، وجَوابُه يَختلِفُ باختِلافِ مُقتَضى سُؤالِه؛ فإنْ كان مُقتَضاه السُّؤالَ عن الإباحةِ فالأمرُ في جَوابِه يَقتَضي الإباحةَ، وإنْ كان السُّؤالُ عن الإجزاءِ فأمْرُه يَقتَضي الإجزاءَ، كقَولِهم: «أنُصلِّي في مَرابِضِ الغَنمِ؟ قال: صَلُّوا في مَرابِضِ الغَنمِ» وإنْ كان سُؤالُهم عن الوُجوبِ فأمْرُه يَقتَضي الوُجوبَ كقَولِهم: «أنتَوضَّأُ من لُحومِ الإبِلِ؟ قال: تَوضَّؤُوا مِنْ لُحومِ الإبِلِ» وسُؤالُ السائِلِ في مَسألتِنا كان عن الإجزاءِ، فأمرُ النَّبيِّ ﷺ بالفِعلِ يَقتَضيه لا غَيرُ.
ولنا على جَوازِ الصِّيامِ عن المَيِّتِ: ما رَوَت عائِشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ مات وعليه صيامٌ صامَ عنه وَليُّه».
وعن ابنِ عَباسٍ قال: جاء رَجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي ماتَت وعليها صَومُ شَهرٍ أفأصومُ عنها؟ قال: «أرأيتَ لو كان على أُمِّكَ دَينٌ أكُنتَ قاضيَه؟ قال: نَعَمْ، قال: فدَينُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى»، وفي رِوايةٍ قال: جاءتِ امرأةٌ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعليها صَومٌ، أفأصومُ عنها؟ قال: «أرأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَينٌ فقَضَيتِه كان يُؤدِّي ذلك عنها؟ قالت: نَعَمْ. قال: صُومي عن أُمِّكِ» مُتَّفَقٌ عليه.
وعن ابنِ عَباسٍ «أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ الأنصاريَّ استَفتَى النَّبيَّ ﷺ في نَذرٍ كان على أُمِّه فتُوُفِّيت قبلَ أنْ تَقضيَه فأفتاه بأنْ يَقضيَه، فكانت سُنَّةً بَعدُ».
стр. 2636
وعنه «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبيَّ ﷺ فقال: إنَّ أُختي نَذَرت أنْ تَحُجَّ وإنَّها ماتَتْ، فقال النَّبيُّ ﷺ : لو كان عليها دَينٌ أكُنتَ قاضيَه؟ قال: نَعَمْ. قال: فاقضِ اللهَ فهو أحَقُّ بالقَضاءِ» رَواهما البُخاريُّ وهذا صَريحٌ في الصَّومِ والحَجِّ ومُطلَقٌ في النَّذرِ، وما عدا المَذكورَ في الحَديثِ يُقاسُ عليه وحَديثُ ابنِ عُمَرَ في الصَّومِ الواجِبِ بأصلِ الشَّرعِ ويَتعيَّنُ حَملُه عليه جَمعًا بينَ الحَديثَيْن، ولو قُدِّر التَّعارُضُ لَكانت أحاديثُنا أصَحَّ وأكثَرَ وأوْلى بالتَّقديمِ.
إذا ثبَت هذا فإنَّ الأوْلى أنْ يَقضيَ النَّذرَ عنه وارِثُه؛ فإنْ قَضاه غَيرُه أجزأه عنه، كما لو قَضى عنه دَينَه؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ شَبَّهه بالدَّينِ وقاسَه عليه، ولأنَّ ما يَقضيه الوارِثُ إنَّما هو تَبرُّعٌ منه، وغَيرُه مِثلُه في التَّبرُّعِ وإنْ كان النَّذرُ في مالٍ تَعلَّقَ بتَرِكَتِه (١).
مِقدارُ الفِديةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في مِقدارِ الفِديةِ الواجِبِ إخراجُها هل هي نِصفُ صاعٍ أو مُدٌّ؟
فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ مِقدارَ الفِديةِ مُدٌّ عن كلِّ يَومٍ.
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ المِقدارَ الواجِبَ في هذه الفِديةِ هو صاعٌ من تَمرٍ، أو صاعٌ من شَعيرٍ، أو نِصفُ صاعٍ من حِنطةٍ، وذلك عن كلِّ يَومٍ يُفطِرُه، يُطعِمُ به مِسكينًا.
وعندَ الحَنابِلةِ الواجِبُ مُدُّ بُرٍّ، أو نِصفُ صاعٍ من تَمرٍ، أو شَعيرٍ (٢).
стр. 2637
فصل في صَومُ التَّطوُّعِ
فَضلُ صَومِ التَّطوُّعِ:
ورَد في فَضلِ صَومِ التَّطوُّعِ أحاديثُ كَثيرةٌ، منها:
١ - حَديثُ سَهلٍ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «إِنَّ في الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ له الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ منه الصَّائِمُونَ يَومَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ منه أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَقُومُونَ، لَا يَدْخُلُ منه أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فإذا دَخَلُوا أُغْلِقَ، فلم يَدْخُلْ منه أَحَدٌ» (١).
٢ - ما رَواه أبو سَعيدٍ الخُدرِيُّ ﵁ قال: سَمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ بَعَّدَ اللهُ وَجْهَهُ عن النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا» (٢)، وغَيرُ ذلك من الأحاديثِ.
النيَّةُ في صَومِ التَّطوُّعِ: سَبَق بَيانُها.
стр. 2638
ما يُستحَبُّ صيامُه من الأيامِ:
١ - صَومُ سِتَّةِ أيامٍ مِنْ شَوَّالٍ:
ذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ ومُتأخِّرو الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يُسَنُّ صَومُ سِتَّةِ أيامٍ من شَوَّالٍ بعدَ صَومِ رَمضانَ؛ لِما رَوى أبو أيُّوبَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا من شَوَّالٍ، كان كَصِيَامِ الدَّهْرِ» (١).
وعن ثَوبانَ ﵁ قال: قال النَّبيُّ ﷺ : «صِيَامٌ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ، وَصِيَامُ سَتَّةِ أيَّامٍ بَعْدَهُ بِشَهْرَيْنِ، فَذَلِكَ صِيَامُ سَنَةٍ» (٢).
يَعني أنَّ الحَسنةَ بعَشرِ أمثالِها، فالشَّهرُ بعَشَرةٍ، والسِّتَّةُ بسِتِّينَ يَومًا، فذلك اثنا عَشَرَ شَهرًا، وهو سَنةٌ كامِلةٌ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا فَرقَ بينَ كَونِها مُتتابِعةً أو مُفرَّقةً في أولِ الشَّهرِ أو في آخِرِه: لأنَّ الحَديثَ ورَد بها مُطلَقةً من غَيرِ تَقييدٍ، ولأنَّ فَضيلَتَها لِكَونِها تَصيرُ مع الشَّهرِ سِتَّةً وثَلاثينَ يَومًا، والحَسنةُ بعَشرِ أمثالِها، فيَكونُ ذلك كثَلاثِمِئةٍ وسِتِّينَ يَومًا وهو السَّنةُ كلُّها، فإذا وُجِدَ ذلك في كلِّ سَنةٍ صارَ كصِيامِ الدَّهرِ كلِّه، وهذا المَعنى يَحصُلُ مع التَّفريقِ واللهُ أعلَمُ (٣).
стр. 2639
وقال النَّوَويُّ ﵀: ويُستحَبُّ أنْ يَصومَها مُتتابِعةً في أوَّلِ الشَّهرِ؛ فإنْ فرَّقها أو أخَّرها عن أوَّلِ شَوَّالٍ جازَ، وكان فاعِلًا لِأصلِ هذه السُّنَّةِ؛ لِعُمومِ الحَديثِ وإطلاقِه، وهذا لا خِلافَ فيه عندَنا (١).
ونُقِل عن أبي حَنيفةَ ﵀: كَراهةُ صَومِ سِتَّةٍ من شَوَّالٍ مُتفَرِّقةً كانتْ أو مُتتابِعةً. وعن أبي يُوسُفَ كَراهَتُها مُتتابِعةً، لا مُتفرِّقةً، لكنَّ عامَّةَ الحَنفيَّةِ من المُتأخِّرين لم يَرَوْا به بَأسًا.
قال ابنُ الهُمامِ ﵀: وَجهُ الجَوازِ أنَّه قد وقَع الفَصلُ بيَومِ الفِطرِ فلم يَلزَمِ التَّشبيهُ بأهلِ الكِتابِ.
ووَجهُ الكَراهةِ أنَّه قد يُفضي إلى اعتِقادِ لُزومِها من العَوامِّ لِكَثرةِ المُداوَمةِ، ولذا سَمِعنا مَنْ يَقولُ يَومَ الفِطرِ: نَحنُ إلى الآنَ لم يأتِ عيدُنا، أو نَحوَه، فأمَّا عندَ الأمنِ مِنْ ذلك فلا بأسَ، لِوُرودِ الحَديثِ (٢).
أمَّا المالِكيَّةُ فقال الإمامُ مالِكٌ ﵀ في «المُوطَّأِ»: لم أرَ أحَدًا من أهلِ العِلمِ والفِقهِ يَصومُها، ولم يَبلُغْني ذلك عن أحَدٍ من السَّلفِ، وإنَّ أهلَ العِلمِ يَكرَهون ذلك ويَخافون بِدعَتَه، وأنْ يُلحِقَ برَمضانَ ما ليس منه أهلُ الجَهالةِ والجَفاءِ لو رأوا في ذلك رُخصةً عندَ أهلِ العِلمِ ورَأوْهم يَعمَلون ذلك (٣).
стр. 2640
قال أبو عُمَرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: لم يَبلُغْ مالِكًا حَديثُ أبي أيُّوبَ على أنَّه حَديثٌ مَدَنيٌّ، والإحاطةُ بعِلمِ الخاصَّةِ لا سَبيلَ إليه، والذي كَرِهه مالِكٌ أمْرٌ قد بَيَّنَه وأوضَحَه، وذلك خَشيةَ أنْ يُضافَ إلى فَرضِ رَمضانَ، وأنْ يَستبينَ ذلك إلى العامَّةِ، وكان خَشيةَ أنْ يُضافَ إلى فَرضٍ، فكان مُتحفِّظًا كَثيرَ الاحتياطِ لِلدِّينِ.
وأما صيامُ الأيامِ السِّتَّةِ من شَوَّالٍ على طَلبِ الفَضلِ وعلى التأويلِ الذي جاء به ثَوبانَ ﵁؛ فإنَّ مالِكًا لا يَكرَهُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ ؛ لأنَّ الصَّومَ جُنَّةٌ، وفَضلَه مَعلومٌ لِمَنْ رَدَّ طَعامَه وشَرابَه وشَهوَتَه للهِ تَعالى.
وهو عَملُ بِرٍّ وخَيرٍ، وقد قال اللهُ : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، ومالِكٌ لم يَجهَلْ شَيئًا من هذا، ولم يَكرَهْ من ذلك إلا ما خافَه على أهلِ الجَهالةِ والجَفاءِ إذا استمَرَّ ذلك، وخَشيَ أنْ يَعُدُّوه من فَرائِضِ الصِّيامِ مُضافًا إلى رَمضانَ، وما أظُنُّ مالِكًا جَهِل الحَديثَ واللهُ أعلَمُ.
وقد يُمكِنُ أنْ يَكونَ جَهِلَ الحَديثَ ولو عَلِمَه لَقال به، واللهُ أعلَمُ (١).
وقال ابنُ العَربيِّ ﵀: رأى قَومٌ من أهلِ الجَفاءِ أنْ يَصوموا ثانيَ عيدِ الفِطرِ سِتَّةَ أيامٍ مُتَوالياتٍ إتمامًا لِرَمضانَ لِما رُوي في الحَديثِ: «مَنْ صامَ رَمضانَ وسِتًّا من شَوَّالٍ فكأنَّما صامَ الدَّهرَ» أخرَجه مُسلِمٌ.
стр. 2641
وهذه الأيامُ مَتى صِيمَت مُتَّصِلةً كانت احتِذاءً لِفِعلِ النَّصارى، والنَّبيُّ ﷺ لم يُرِدْ هذا، إنَّما أرادَ أنَّ مَنْ صامَ رَمضانَ فهو بعَشرةِ أشهُرٍ، ومَن صامَ سِتَّةَ أيامٍ فهي بشَهرَيْن، وذلك الدَّهرُ، ولو كانت من غَيرِ شَوَّالٍ لَكانَ الحُكمُ فيها كذلك، وإنَّما أشارَ النَّبيُّ ﷺ بذِكرِ شَوَّالٍ لا على طَريقِ التَّعيينِ لِوُجوبِ مُساواةِ غَيرِها لها في ذلك، وإنَّما ذكَر شَوَّالًا على مَعنى التَّمثيلِ، وهذا مِنْ بَديعِ النَّظَرِ فاعلَموه (١).
وقال القَرافيُّ ﵀: واستحَبَّ مالِكٌ صيامَها في غَيرِه؛ خَوفًا من إلحاقِها برَمضانَ عندَ الجُهَّالِ وإنَّما عَيَّنَها الشَّرعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلخِفَّةِ على المُكَلَّفِ بسَببِ قُربِه من الصَّومِ، وإلا فالمَقصودُ حاصِلٌ في غَيرِه، فيُشرَعُ التَّأخيرُ جَمعًا بينَ مَصلحَتَيْن (٢).
٢ - صَومُ عاشوراءَ وتاسُوعاءَ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على استِحبابِ صَومِ عاشُوراءَ وتاسُوعاءَ وهُما اليَومُ العاشِرُ واليَومُ التاسِعُ من المُحرَّمِ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ في صَومِ عاشوراءَ: «أَحْتَسِبُ على اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ» (٣).
وقَولِه ﷺ : «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، قال ابنُ عَباسٍ ﵄: «فلم يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حتى تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ » (٤).
стр. 2642
وقد صرَّح الحَنفيَّةُ بكَراهةِ صَومِ يَومِ عاشوراءَ مُنفَرِدًا عن التاسِعِ، أو عن الحاديَ عَشَرَ، هكذا قال ابنُ الهُمامِ وغَيرُه، لكنْ قال الكاسانيُّ في البَدائِعِ: وكَرِه بَعضُهم صَومَ يَومِ عاشوراءَ وَحدَه لِمَكانِ التَّشبيهِ باليَهودِ، ولم يَكرَهْه عامَّتُهم؛ لأنَّه من الأيامِ الفاضِلةِ، فيُستحَبُّ استِدراكُ فَضيلَتِها بالصَّومِ (١).
كما صَرَّح الحَنابِلةُ بأنَّه لا يُكرَهُ إفرادُ عاشوراءَ بالصَّومِ.
وقال النَّوَويُّ: وذكَر العُلماءُ من أصحابِنا وغَيرِهم في حِكمةِ استِحبابِ صَومِ تاسُوعاءَ أوجُهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ منه مُخالَفةُ اليَهودِ في اقتِصارِهم على العاشِرِ، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عَباسٍ.
والثاني: أنَّ المُرادَ به وَصلُ يَومِ عاشوراءَ بصَومٍ، كما نَهى أنْ يُصامَ يَومُ الجُمُعةِ وَحدَه، ذكَرهما الخَطَّابيُّ وآخَرون.
الثالِثُ: الاحتِياطُ في صَومِ العاشِرِ خَشيةَ نَقصِ الهِلالِ، ووُقوعِ غَلطٍ؛ فيَكونُ التاسِعُ في العَددِ هو العاشِرَ في الأمرِ نَفسِه، واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢).
واستحَبَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ صَومَ الحاديَ عَشَرَ أيضًا.
قال الخَطيبُ الشّربينيُّ ﵀: نَصَّ الشافِعيُّ في: «الأُمِّ» و «الإملاءِ»، على استِحبابِ صَومِ الثَّلاثةِ.
стр. 2643
وقال ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ ﵀: ويُستحَبُّ أنْ يَصومَ قَبلَه يَومًا وبعدَه يَومًا؛ فإنْ أفردَه فهو مَكروهٌ لِلتَّشبيهِ باليَهودِ (١).
والدَّليلُ على هذا ما قالَه النَّبيُّ ﷺ : «صُومُوا يَومَ عاشُورَاءَ وَخَالِفُوا فيه الْيَهُودَ، وصُوموا قَبْلَهُ يَوْمًا أو بَعْدَهُ يَوْمًا» (٢).
بَعضُ الإشكاليَّاتِ والشُّبهاتِ التي ورَدت في صَومِ عاشوراءَ:
وقد ذكَر الإمامُ ابنُ القَيِّمِ ﵀ بَعضَ الشُّبُهاتِ والإشكاليَّاتِ التي ورَدت في صَومِ يَومِ عاشوراءَ وأنا أذكُرُها في الهامِشِ (٣).
٣ - صَومُ يَومِ عَرفةَ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على استِحبابِ صَومِ يَومِ عَرَفةَ لِغَيرِ الحاجِّ، وهو اليَومُ التاسِعُ من ذي الحِجَّةِ، وصَومُه يُكفِّرُ سَنتَيْن: سَنةً ماضيةً، وسَنةً مُستقبَلةً، لِما رَواه أبو قَتادةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ على اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ، وَالسَّنَةَ التي بَعْدَهُ» (١).
стр. 2648
قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: وهو أفضَلُ الأيامِ، لِحَديثِ مُسلِمٍ: «ما من يَوْمٍ أَكْثَرَ من أَنْ يُعْتِقَ اللهُ فيه عَبْدًا من النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ» (١).
إلا أنَّهم اختَلفُوا في حُكمِ صَومِ يَومِ عَرفةَ بالنِّسبةِ لِلحاجِّ في عَرفاتٍ هل يُستحَبُّ له أو لا يُستحَبُّ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ استِحبابِ صيامِ يَومِ عَرفةَ لِلحاجِّ ولو كان قَويًّا.
وصَومُه مَكروهٌ عندَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ وبَعضِ الشافِعيَّةِ، وخِلافُ الأوْلَى أو الأفضَلِ كما قالَه الشافِعيُّ، وهو اختيارُ النَّوَويِّ، لِما رَوت أُمُّ الفَضلِ بِنتُ الحارِثِ ﵂: «أنَّها أَرْسَلَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ بِقَدَحِ لَبَنٍ وهو وَاقِفٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ على بَعِيرِهِ فأخَذه بيَدِه فَشَرِبَهُ» (٢).
وعن أبي نَجيحٍ قال: سُئِلَ ابنُ عُمَرَ عن صَوْمِ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، فقال: «حَجَجْتُ مع النَّبيِّ ﷺ فلَم يَصُمْهُ، وَمَعَ أبي بَكْرٍ فلم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُمَرَ فلَم يَصُمْهُ، وَمَعَ عُثْمَانَ فلَم يَصُمْهُ، وأنا لَا أَصُومُهُ ولا آمُرُ بِهِ ولا أَنْهَى عنه» (٣).
أمَّا الحَنفيَّةُ فقال الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا صَومُ يَومِ عَرفةَ ففي حَقِّ غَيرِ الحاجِّ مُستحَبٌّ، لِكَثرةِ الأحاديثِ الوارِدةِ بالنَّدبِ إلى صَومِه؛ ولأنَّه له
стр. 2649
فَضيلةٌ على غَيرِه من الأيامِ، كذلك في حَقِّ الحاجِّ إنْ كان لا يُضعِفُه عن الوُقوفِ، والدُّعاءِ، لِما فيه من الجَمعِ بينَ القُربَتَيْن، وإنْ كان يُضعِفُه عن ذلك يُكرَهُ: لأنَّ فَضيلةَ هذا اليَومِ مما يُمكِنُ استِدراكُه في غَيرِ هذه السَّنةِ، ويُستدرَكُ عادةً، فأمَّا فَضيلةُ الوُقوفِ، والدُّعاءِ فيه لا تُسْتدرَكُ في حَقِّ عامَّةِ الناسِ عادةً إلا في العُمرِ مَرَّةً واحِدةً، فكان إحرازُها أوْلى (١).
٤ - صَومُ الثَّمانيةِ من ذي الحِجَّةِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على استِحبابِ صَومِ الأيامِ الثَّمانيةِ التي مِنْ أولِ ذي الحِجَّةِ قبلَ يَومِ عَرفةَ لِحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «ما مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فيها أَحَبُّ إلى اللَّهِ من هذه الْأَيَّامِ -يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ- قالوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قال: ولا الْجِهَادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إلا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فلم يَرْجِعْ من ذلك بِشَيْءٍ» (٢).
وعن هُنَيدةَ بنِ خالِدٍ عن امرأتِه عن بَعضِ أزواجِ النَّبيِّ ﷺ قالت: «كان رَسولُ اللهِ ﷺ يَصُومُ تِسْعَ ذِي الْحِجَّةِ وَيَوْمَ عَاشُورَاءَ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ، أَوَّلَ اثْنَيْنِ من الشَّهْرِ وَالْخَمِيسَ» (٣).
стр. 2650
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا حَديثُ عائِشةَ قالت: «ما رَأيتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَائِمًا في الْعَشْرِ قَطُّ».
وفي رِوايةٍ: «لم يَصُمِ الْعَشْرَ» رَواهما مُسلِمٌ في صَحيحِه (١).
فقال العُلماءُ: وهو مُتأوَّلٌ على أنَّها لم تَرَه، ولم يَلزَمْ منه تَركُه في الأمرِ نَفسِه؛ لأنَّه ﷺ كان يَكونُ عندَها في يَومٍ من تِسعةِ أيامٍ، والباقيَ عندَ باقي أُمَّهاتِ المُؤمِنين ﵅، ويَترُكُه في بَعضِها لِعارِضِ سَفرٍ ومَرضٍ أو غَيرِهما، وبهذا يُجمَعُ بينَ الأحاديثِ، واللهُ أعلَمُ (٢).
٥ - صَومُ يَومٍ وإفطارُ يَومٍ:
نَصَّ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّ صيامَ يَومٍ وإفطارَ يَومٍ مِنْ أفضَلِ التَّطوُّعِ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «أَحَبُّ الصِّيامِ إلى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، كان يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا» (٣).
ولِقَولِ النَّبيِّ ﷺ لِعَبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄: «صُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، وَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وهو أفضَلُ الصِّيامِ، قُلتُ: إنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ منه يا رَسُولَ اللَّهِ، قال: لَا أَفْضَلُ من ذلك» (٤).
стр. 2651
لكنْ قال ابنُ مُفلِحٍ ﵀: بشَرطِ ألَّا يَضْعُفَ البَدنُ حتى يَعجِزَ عما هو أفضَلُ من القيامِ بحُقوقِ اللهِ تَعالى وحُقوقِ عِبادِه اللَّازِمةِ؛ فإنْ ضَعُفَ عن شَيءٍ من ذلك كان تَركُه أفضَلَ، ولِهذا أشارَ الصادِقُ ﷺ في حَقِّ داودَ ﵇: «ولا يَفِرُّ إذا لَاقَى».
فمِن حَقِّ النَّفسِ اللُّطفُ بها حتى تُوصِّلَ صاحبَها إلى المَنزِلِ (١).
٦ - صَومُ ثَلاثةِ أيامٍ مِنْ كلِّ شَهرٍ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُسَنُّ صَومُ ثَلاثةِ أيامٍ من كلِّ شَهرٍ؛ لِما رَوى أبو هُرَيرةَ ﵁ قال: «أَوْصَانِي خَلِيلِي ﷺ بِثَلَاثٍ: بِصِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ … » (٢).
وذهَب الجُمهورُ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى استِحبابِ كَونِها الأيامَ البِيضَ، وهي الثالِثَ عَشَرَ والرابِعَ عَشَرَ والخامِسَ عَشَرَ من كلِّ شَهرٍ عَربيٍّ، سُمِّيت بذلك لأنَّها تَبيَضُّ بطُلوعِ القَمرِ من أوَّلِها إلى آخِرِها، وقيلَ غَيرُ ذلك؛ لِما رَوى أبو ذَرٍّ ﵁ قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا صُمْتَ من الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَصُمْ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (٣).
стр. 2652
وعن جَريرِ بنِ عَبدِ اللهِ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ من كلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ، أَيَّامُ الْبِيضِ ثَلاثَ عَشْرَةَ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ وَخَمْسَ عَشْرَةَ» (١).
وصَومُ ثَلاثةِ أيامٍ من كلِّ شَهرٍ كصَومِ الدَّهرِ، بمَعنى: أنَّه يَحصُلُ بصيامِها أجرُ صيامِ الدَّهرِ بتَضعيفِ الأجرِ الحَسَنةُ بعَشرةِ أمثالِها؛ لِحَديثِ قَتادةَ بنِ مِلحانَ القَيسيِّ عن أبيه قال: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَصُومَ الْبِيضَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ، وَخَمْسَ عَشْرَةَ، قال: وقال: هُنَّ كَهَيْئَةِ الدَّهْرِ» (٢).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀ (٣): ثبتَت أحاديثُ في الصَّحيحِ بصَومِ ثَلاثةِ أيامٍ من كلِّ شَهرٍ من غَيرِ تَعيينٍ لِوَقتِها، وظاهِرُها أنَّه متى صامَها حصَلت الفَضيلةُ.
وثبَت في صَحيحِ مُسلِمٍ عن مُعاذةَ العَدويَّةَ، أنَّها سألت عائِشةَ: «أَكَانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ من كلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؟ قالت: نَعَمْ، فقُلتُ لها: مِنْ أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ كان يَصُومُ؟ قالت: لم يَكُنْ يُبَالِي من أَيِّ أَيَّامِ الشَّهْرِ يَصُومُ» (٤).
стр. 2653
وذهَب المالِكيَّةُ إلى كَراهةِ صَومِ الأيامِ البِيضِ، فِرارًا من التَّحديدِ، ومَخافةَ اعتِقادِ وُجوبِها.
ومَحَلُّ الكَراهيةِ: إذا قصَد صَومَها بعَينِها، واعتقَد أنَّ الثَّوابَ لا يَحصُلُ إلا بصَومِهِا خاصَّةً، وأمَّا إذا قصَد صيامَها من حيثُ إنَّها ثَلاثةُ أيامٍ من الشَّهرِ فلا كَراهةَ.
قال المَوَّاقُ نَقلًا عن ابنِ رُشدٍ: إنَّما كَرِه مالِكٌ صَومَها لِسُرعةِ أخذِ الناسِ بقَولِه، فيَظُنُّ الجاهِلُ وُجوبَها.
وقد رُوي أنَّ مالِكًا كان يَصومُها، وحَضَّ مالِكٌ أيضًا الرَّشيدَ على صَومِها (١).
٧ - صَومُ الاثنَيْن والخَميسِ من كلِّ أُسبوعٍ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على استِحبابِ صَومِ الاثنَيْن والخَميسِ من كلِّ أُسبوعٍ (٢) لِما رَوى أسامةُ بنُ زَيدٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَصومُ يَومَ الاثنَيْن ويَومَ الخَميسِ، فسُئِل عن ذلك؟ فقال: «إِنَّ أَعْمَالَ الْعِبَادِ تُعْرَضُ
стр. 2654
يَومَ الاثنَيْن وَيَوْمَ الْخَمِيسِ فَأُحِبُّ أَنْ يُعْرَضَ عَمَلِي وأنا صَائِمٌ» (١).
ولِما رَوى أبو قَتادةَ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ عن صَوْمِ يَوْمِ الاثنَيْن قال: ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فيه، وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أو أُنْزِلَ عَلَيَّ فيه» (٢).
وعن عائِشةَ ﵂ قالت: «كان رَسولُ اللهِ ﷺ يَتَحَرَّى صِيَامَ الاثنَيْن وَالْخَمِيسِ» (٣).
وَعَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ الاثْنَيْنِ، وَالْخَمِيسَ» (٤).
٨ - صَومُ يَومِ الجُمُعةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَومِ يَومِ الجُمُعةِ مُنفرِدًا، هل يُستحَبُّ أو يُكرَهُ؟ بعدَ اتِّفاقِهم جَميعًا على أنَّه لو صامَ يَومًا قبلَه أو يَومًا بعدَه كان مُستحَبًّا.
فذهَب المالِكيَّةُ وأبو حَنيفةَ ومُحمدٌ من الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا بأسَ بصَومِ يَومِ الجُمُعةِ على انفِرادِه، بل قالوا: يُندَبُ صَومُه كالاثنَيْن والخَميسِ؛ لِما رَواه ابنُ مَسعودٍ ﵁ قال: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ من غُرَّةِ كلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَقَلَّمَا كان يُفْطِرُ يَومَ الْجُمُعَةِ» (٥).
стр. 2655
قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: «لم أسمَعْ أحَدًا من أهلِ العِلمِ والفِقهِ ومن يُقتَدى به يَنهى عن صيامِ يَومِ الجُمُعةِ، وصيامُه حَسَنٌ، قال: وقد رأيتُ بَعضَ أهلِ العِلمِ يَصومُه وأراه كان يَتحرَّاهُ» (١).
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وأبو يُوسُفَ من الحَنفيَّةِ إلى كَراهةِ إفرادِ يَومِ الجُمُعةِ بالصَّومِ؛ فإنْ وَصَلَه بصَومٍ قبلَه أو بعدَه أو وافَق عادةً له بأنْ كان يَصومُ يَومًا ويُفطِرُ يَومًا لم يُكرَهْ، لِما رَواه أبو هُرَيرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لَا يَصُمْ أحَدُكم يَومَ الْجُمُعَةِ إلا أَنْ يَصُومَ قَبْلَهُ أو يَصُومَ بَعْدَهُ» (٢).
وعن مُحمدِ بنِ عَبَّادٍ قال: «سألتُ جابِرًا: أَنَهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن صِيَامِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ فقال: نَعَمْ، وَرَبِّ هذا الْبَيْتِ» (٣).
وعن أبي هُرَيرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لَا تَخْتَصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيَامٍ من بَيْنِ اللَّيَالِي، ولا تَخُصُّوا يَومَ الْجُمُعَةِ بِصِيَامٍ من بَيْنِ الْأَيَّامِ إلا أَنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُومُهُ أحَدُكم» (٤).
وعن جُوَيرِيةَ بِنتِ الحارِثِ أُمِّ المُؤمِنين ﵂: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخَل عليها يَومَ الْجُمُعَةِ وَهِيَ صَائِمَةٌ، فقال لها: أَصُمْتِ أَمْسِ؟ قالت: لا، قال: أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟ قالت: لا، قال: فَأَفْطِرِي» (٥).
стр. 2656
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وسُنَّةُ رَسولِ اللهِ ﷺ أحَقُّ أنْ تُتَّبَعَ، وهذا الحَديثُ يَدُلُّ على أنَّ المَكروهَ إفرادُه؛ لأنَّ نَهيَه مُعلَّلٌ بكَونِها لم تَصُمْ أمسِ ولا غَدًا (١).
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: قال الأصحابُ وغَيرُهم: الحِكمةُ في كَراهةِ إفرادِ يَومِ الجُمُعةِ بالصَّومِ أنَّ الدُّعاءَ فيه مُستحَبٌّ، وهو أرجَى فهو يَومُ دُعاءٍ وذِكرٍ وعِبادةٍ من الغُسلِ والتَّبكيرِ إلى الصَّلاةِ، وانتِظارِها، واستِماعِ الخُطبةِ وإكثارِ الذِّكرِ بعدَها، لِقَولِه تَعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]، ويُستحَبُّ فيه أيضًا الإكثارُ من الصَّلاةِ على رَسولِ اللهِ ﷺ وغَيرِ ذلك من العِباداتِ في يَومِها؛ فاستُحِبَّ له الفِطرُ فيه؛ لِيَكونَ أعْوَنَ على ذلك من العِباداتِ وأدائِها بنَشاطٍ وانشِراحٍ والتِذاذٍ بها من غَيرِ مَللٍ ولا سآمةٍ، وهو نَظيرُ الحاجِّ بعَرَفاتٍ؛ فإنَّ الأوْلَى له الفِطرُ كما سبَق لِهذه الحِكمةِ.
فإنْ قيلَ: لو كان كذلك لم تَزُلْ هذه الكَراهةُ بصيامٍ قبلَه أو بعدَه لِبَقاءِ المَعنى الذي نَهى ﷺ بسَبَبِه.
فالجَوابُ: أنَّه يَحصُلُ له بفَضيلةِ الصَّومِ الذي قَبلَه أو بَعدَه ما يَجبُرُ ما قد يَحصُلُ من فُتورٍ أو تَقصيرٍ في وَظائِفِ يَومِ الجُمُعةِ بسَببِ صَومِه، فهذا هو المُعتمَدُ في كَراهةِ إفرادِ يَومِ الجُمُعةِ بالصَّومِ (٢).
стр. 2657
صَومُ يَومِ السَّبتِ مُنفرِدًا:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَومِ يَومِ السَّبتِ تَطوُّعًا مُنفرِدًا هل يَجوزُ بدون كَراهةٍ أو يَجوزُ مع الكَراهةِ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يُكرَهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بصيامٍ، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «لَا تَصُومُوا يَومَ السَّبْتِ إلا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ؛ فإنْ لم يَجِدْ أحَدُكم إلا عُودَ عِنَبٍ أو لِحَاءَ شَجَرَةٍ فَلْيَمُصَّهُ» (١). وعَلَّل الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ الكَراهةَ بأنَّه يُشبِهُ صَومَ اليَهودِ، قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: ويُكرَهُ صَومُ يَومِ السَّبتِ بانفِرادِه؛ لأنَّه تَشبُّهٌ باليَهودِ (٢).
وقال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: ومَعنى النَّهيِ أنْ يَختَصَّه الرَّجلُ بالصِّيامِ: لأنَّ اليَهودَ يُعظِّمونَه (٣).
وقال ابنُ عَقيلٍ ﵀: إنَّه يَومٌ تُمسِكُ فيه اليَهودُ ويَخصُّونه بالإمساكِ، وهو تَركُ العَملِ فيه، والصائِمُ في مَظِنَّةِ تَركِ العَملِ فيَصيرُ صَومُه تَشبُّهًا بهم (٤).
стр. 2658
وقد نَصَّ فُقهاءُ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ على أنَّ الكَراهةَ تَنتَفي بأحَدِ أمرَيْن:
أحَدُهما: أنْ يُوافِقَ يَومًا كان يَصومُه.
والآخَرُ: أنْ يَصومَ معه غَيرَه.
قال ابنُ عابِدين ﵀: ويُكرهُ صَومُ يَومِ السَّبتِ وَحدَه … إلا إذا وافَق يَومًا كان يَصومُه قبلُ، كما لو كان يَصومُ يَومًا ويُفطِرُ يَومًا أو كان يَصومُ أوَّلَ الشَّهرِ مَثلًا فوافَق يَومًا من هذه الأيامِ.
وأفادَ قَولُه: وَحدَه أنَّه لو صامَ معه يَومًا آخَرَ فلا كَراهةَ؛ لأنَّ الكَراهةَ في تَخصيصِه بالصَّومِ لِلتَّشبُّهِ.
وهل إذا صامَ السَّبتَ مع الأحَدِ تَزولُ الكَراهةُ؟ مَحَلُّ تَردُّدٍ؛ لأنَّه قد يُقالُ: إنَّ كلَّ يَومٍ منهما مُعظَّمٌ عندَ طائِفةٍ من أهلِ الكِتابِ، ففي صَومِ كلِّ واحِدٍ منهما تَشبُّهٌ بطائِفةٍ منهم.
وقد يُقالُ: إنَّ صَومَهما معًا ليس فيه تَشبُّهٌ؛ لأنَّه لم تَتَّفِقْ طائِفةٌ منهم على تَعظيمِهما معًا، ويَظهَرُ لي الثاني بدَليلِ أنَّه لو صامَ الأحَدَ مع الاثنَيْنِ تَزولُ الكَراهةُ؛ لأنَّه لم يُعظِّمْ أحَدٌ منهم هَذَيْن اليَومَيْن معًا، وإنْ عَظَّمت النَّصارى الأحَدَ، وكذا لو صام مع عاشُوراءَ يَومًا قبلَه أو بعدَه مع أنَّ اليَهودَ تُعظِّمُه.
ويَظهَرُ من هذا أنَّه لو جاء عاشوراءُ يَومَ الأحدِ أو الجُمُعةِ لا يُكرهُ صَومُ
стр. 2659
السَّبتِ معه، وكذا لو كان قبلَه أو بعدَه يَومُ المِهرَجانِ أو النَّيروزِ لِعَدمِ تَعمُّدِ صَومِه بخُصوصِه، واللهُ تَعالى أعلَمُ (١).
وزادَ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ أمرًا ثالِثًا تَزولُ به الكَراهةُ، وهو إذا كان صيامَ فَرضٍ كنَذرٍ أو قَضاءٍ أو كَفَّارةٍ.
قال الإمامُ النَّوَويُّ ﵀: يُكرَهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بالصَّومِ؛ فإنْ صامَ قبلَه أو بعدَه معه لم يُكرَهْ؛ صَرَّح بكَراهةِ إفرادِه أصحابُنا منهم الدارِميُّ والبَغَويُّ والرافِعيُّ وغَيرُهم، ومَعنى النَّهيِ أنْ يَختَصَّه الرَّجلُ بالصِّيامِ: لأنَّ اليَهودَ يُعظِّمونه (٢).
وقال الإمامُ الرَّمليُّ ﵀: (وإفرادُ السَّبتِ) أو الأحَدِ بالصَّومِ كذلك بجامِعِ أنَّ اليَهودَ تُعظِّمُ الأولَ، والنَّصارى تُعظِّمُ الثانيَ فقصَد الشارِعُ بذلك مُخالَفَتَهم، ومَحلُّ ما تَقرَّر إذا لم يُوافِقْ إفرادُ كلِّ يَومٍ من الأيامِ الثَّلاثةِ عادةً له، وإلا كأنْ كان يَصومُ يَومًا ويُفطِرُ يَومًا أو يَصومُ عاشوراءَ أو عَرَفةَ فوافَق يَومَ صَومِه فلا كَراهةَ، كما في صَومِ يَومِ الشَّكِّ … ، ويُؤخَذُ من التَّشبيهِ أنَّه لا يُكرهُ إفرادُها بنَذرٍ وكَفَّارةٍ وقَضاءٍ، وخرَج بإفرادِ ما لو صامَ أحَدَهما مع يَومٍ قبلَه أو يَومٍ بعدَه، فلا كَراهةَ لِانتِفاءِ العِلَّةِ؛ إذْ لم يَذهَبْ أحَدٌ منهم لِتَعظيمِ المَجموعِ (٣).
стр. 2660
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: قال أصحابُنا: يُكرهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بالصَّومِ، لِما رَوى عَبدُ اللهِ بنُ بُسرٍ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِضَ عليكم» أخرَجه التِّرمذيُّ وقال: هذا حَديثٌ حَسَنٌ.
ورُوي أيضًا عن عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ عن أُختِه الصَّماءِ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم؛ فإنْ لم يَجِدْ أحَدُكم إلا لِحاءَ عِنَبٍ أو عُودَ شَجَرةٍ فليَمضُغْه» أخرَجه أبو داودَ.
وقال: اسمُ أُختِ عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ هُجَيمةَ أو جُهَيمةَ، قال الأثرَمُ: قال أبو عَبدِ اللهِ: أمَّا صيامُ يَومِ السَّبتِ يَتفرَّدُ به؛ فقد جاء فيه حَديثُ الصَّماءِ وكان يَحيى بنُ سَعيدٍ يَتَّقيه، أي أنْ يُحدِّثَني به، وسَمِعتُه من أبي عاصِمٍ، والمَكروهُ إفرادُه؛ فإنْ صامَ معه غَيرَه لم يُكرَهْ، لِحَديثِ أبي هُريرةَ وجُوَيريةَ.
وإنْ وافَق صَومًا لِإنسانٍ لم يُكرَهْ، لِما قَدَّمناه، وقال أصحابُنا: ويُكرَهُ إفرادُ يَومِ النَّيروزِ ويَومِ المِهرَجانِ بالصَّومِ؛ لأنَّهما يَومانِ يُعظِّمُهما الكُفَّارُ، فيَكونُ تَخصيصُهما بالصِّيامِ دونَ غَيرِهما مُوافَقةً لهم في تَعظيمِهما، فكُرِهَ كيَومِ السَّبتِ، وعلى قياسِ هذا كلُّ عيدٍ لِلكُفَّارِ أو يَومٍ يُفرِدونه بالتَّعظيمِ (١).
وقال المَرداويُّ ﵀: قَولُه: ويَومَ السَّبتِ، يَعني يُكرَهُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بالصَّومِ، وهو المَذهبُ وعليه الأصحابُ، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ
стр. 2661
أنَّه لا يُكرَهُ صيامُه مُفردًا، وأنَّه قَولُ أكثَرِ العُلماءِ وأنَّه الذي فَهِمه الأثرَمُ من رِوايَتِه وأنَّ الحَديثَ شَاذٌّ أو مَنسوخٌ، وقال: هذه طَريقةُ قُدماءِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ الذين صَحِبوه كالأثرَمِ وأبي داودَ، وأنَّ أكثَرَ أصحابِنا فَهِم من كَلامِ الإمامِ أحمدَ الأخْذَ بالحَديثِ، انتهى، ولم يَذكُرِ الآجُريُّ كَراهةَ غَيرِ صَومِ يَومِ الجُمُعةِ، فظاهِرُه لا يُكرَهُ غَيرُه (١).
وقال البُهوتيُّ ﵀: (وَ) يُكرَهُ تَعمُّدُ (إفرادِ يَومِ السَّبتِ) بصَومٍ، لِحَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ عن أُختِه الصَّمَّاءِ «لا تَصومُوا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم» رَواه أحمدُ بإسنادٍ جيِّدٍ والحاكِمُ وقال: على شَرطِ البُخاريِّ، ولأنَّه يَومٌ تُعظِّمُه اليَهودُ، ففي إفرادِه تَشبُّهٌ بهم، ويَومُ السَّبتِ آخِرُ أيامِ الأُسبوعِ، قال الجَوهَريُّ: سُمِّيَ يَومَ السَّبتِ لِانقطاعِ الأيامِ عندَه.
(إلا أنْ يُوافِقَ) يَومُ الجُمُعةِ أو السَّبتِ (عادةً) كأنْ وافَق يَومَ عَرَفةَ أو يَومَ عاشوراءَ، وكان عادَتُه صَومَهما، فلا كَراهةَ؛ لأنَّ العادةَ لها تَأثيرٌ في ذلك (٢).
وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀ بعدَ ذِكرِ حَديثِ دُخولِ الصَّماءِ على النَّبيِّ ﷺ : وعلى هذا يَكونُ معنى قَولِه ﷺ : «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ» أي: لا تَقصِدوا صَومَه بعَينِه إلا في الفَرضِ؛ فإنَّ الرَّجلَ يَقصِدُ صَومَه بعَينِه بحيث لو لم يَجِبْ عليه إلا صَومُ يَومِ السَّبتِ كمَن أسلَم ولم
стр. 2662
يَبقَ من الشَّهرِ إلا يَومُ السَّبتِ؛ فإنَّه يَصومُه وَحدَه، وأيضًا فقَصدُه بعَينِه في الفَرضِ لا يُكرَهُ بخِلافِ قَصدِه بعَينِه في النَّفلِ؛ فإنَّه يُكرَهُ، ولا تَزولُ الكَراهةُ إلا بضَمِّ غَيرِه إليه أو مُوافَقتِه عادةً، فالمُزيلُ لِلكَراهةِ في الفَرضِ مُجرَّدُ كَونِه فَرضًا، لا المُقارَنةُ بينَه وبينَ غَيرِه، وأمَّا في النَّفلِ فالمُزيلُ لِلكَراهةِ ضَمُّ غَيرِه إليه، أو مُوافَقتُه عادةً ونَحوَ ذلك، قالوا: وأمَّا قَولُكم: إنَّ الاستِثناءَ دَليلُ التَّناوُلِ إلى آخِرِه فلا رَيبَ أنَّ الاستِثناءَ أخرَجَ صُورةَ الفَرضِ من عُمومِ النَّهيِ، فصُورةُ الاقتِرانِ بما قبلَه أو بما بعدَه أُخرِجت بالدَّليلِ الذي تَقدَّم، فكِلا الصُّورتَيْن مُخرَجةٌ: أمَّا الفَرضُ فبالمُخرَجِ المُتَّصِلِ، وأمَّا صَومُه مُضافًا فبالمُخرَجِ المُنفَصِلِ، فبَقيَت صُورةُ الإفرادِ واللَّفظُ مُتناوِلٌ لها، ولا مُخرَجَ لها من عُمومِه فيَتعَيَّنُ حَملُه عليها (١).
وذهَب المالِكيَّةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى أنَّه يَجوزُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بدونِ كَراهةٍ، واستدَلُّوا على ذلك بعِدَّةِ أحاديثَ كلُّها تَدُلُّ على صيامِ يَومِ السَّبتِ، وأنَّ الحَديثَ الوارِدَ في النَّهيِ عن صَومِ يَومِ السَّبتِ ضَعيفٌ لا يَصحُّ، أو مَنسوخٌ. وهذه الأحاديثُ هي:
أ- حَديثُ جُوَيريةَ بِنتِ الحارِثِ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهي صَائِمَةٌ، فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ». قَالَتْ لا. قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا». قَالَتْ لا. قَالَ «فَأَفْطِرِي» (٢).
стр. 2663
قَولُه: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا» يَعني يَومَ السَّبتِ، فدَلَّ بمَفهومِ المُخالَفةِ أنَّها لو جمَعت مع يَومِ الجُمعةِ يَومَ السَّبتِ لَقالَ لها: صُومي؛ ولَدَلَّ ذلك على الجَوازِ.
ب- حَديثُ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ ﵁ قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «فإنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ، قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ».
فلَمَّا كَبِر عَبدُ اللهِ قال: لَأنْ أكونَ انتَهَيتُ إلى ما أمَرَني به رَسولُ اللهِ ﷺ أحَبُّ إلَيَّ مما طَلَعت عليه الشَّمسُ، ولكنْ لا أدَعُ فَريضةً فرَضها علَيَّ رَسولُ اللهِ ﷺ ، وكان يَقولُ: «يا لَيْتَني قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبيِّ» (١).
دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّه لا يَمُرُّ عليه أُسبُوعانِ إلا ويَصومُ يَومَ سَبتٍ.
ج- وحَديثُ أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» (٢). فاليَومُ الذي بعدَه هو يَومُ السَّبتِ.
стр. 2664
د- وعَنْ عائِشةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ».
وفي رِوايةٍ أُخرى لها قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ؛ فإنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» (١). وفيه يَومُ السَّبتِ.
فهذه الأدِلَّةُ مع غَيرِها كَثيرٍ تُفيدُ جَوازَ صيامِ يَومِ السَّبتِ مُطلَقًا.
قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ومنها أنَّه أمَرَ بصَومِ المُحرَّمِ وفيه يَومُ السَّبتِ، وقال: «مَنْ صامَ رَمضانَ وأتبَعه بسِتٍّ من شَوَّالٍ كان كصيامِ الدَّهرِ» وقد يَكونُ السَّبتُ فيها وأمرَ بصيامِ أيَّامِ البِيضِ وقد يَكونُ فيها السَّبتُ ومِثلُ هذا كَثيرٌ.
فهذا الأثرَمُ فَهِم من كَلامِ أبي عَبدِ اللهِ أنَّه تَوقَّف عن الأخذِ بالحَديثِ وأنَّه رُخِّص في صَومِه حيثُ ذكَر الحَديثَ الذي يَحتَجُّ به في الكَراهةِ وذكَر أنَّ الإمامَ في عِللِ حَديثِ يَحيى بنِ سَعيدٍ كان يَتَّقيه ويأبى أنْ يُحدِّثَ به، فهذا تَضعيفٌ لِلحَديثِ.
واحتَجَّ الأثرَمُ بما دَلَّ من النُّصوصِ المُتواتِرةِ على صَومِ يَومِ السَّبتِ، ولا يُقالُ: يُحمَلُ النَّهيُ على إفرادِه؛ لأنَّ لَفظَه: «لا تَصومُوا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم»، والاستِثناءُ دَليلُ التَّناوُلِ، وهذا يَقتَضي أنَّ الحَديثَ
стр. 2665
يَعُمُّ صَومُه على كلِّ وَجهٍ وإلا لو أُريدَ إفرادُه لَما دخَل الصَّومُ المَفروضُ لِيُستَثْنى؛ فإنَّه لا إفرادَ فيه، فاستِثناؤُه دَليلٌ على دُخولِ غَيرِه بخِلافِ يَومِ الجُمعةِ؛ فإنَّه بيَّن أنَّه إنَّما نَهى عن إفرادِه.
وعلى هذا يَكونُ الحَديثُ إمَّا شاذًّا غَيرَ مَحفوظٍ وإمَّا مَنسوخًا، وهذه طَريقةُ قُدماءِ أصحابِ أحمدَ الذين صَحِبوه كالأثرَمِ وأبي داودَ.
وقال أبو داودَ: حَديثٌ مَنسوخٌ، وذكَر أبو داودَ بإسنادِه عن ابنِ شِهابٍ أنَّه كان إذا ذُكِر له أنَّه نَهى ﷺ عن صيامِ السَّبتِ يَقولُ ابنُ شِهابٍ: هذا حَديثٌ حِمصيٌّ، وعن الأوزاعيِّ قال: ما زِلتُ له كاتِمًا حتى رأيتُه انتشَر بعدُ، يَعني حَديثَ ابنِ بُسرٍ في صَومِ يَومِ السَّبتِ.
قال أبو داودَ: قال مالِكٌ: هذا كَذِبٌ، وأكثَرُ أهلِ العِلمِ على عَدمِ الكَراهةِ.
وأمَّا أكثَرُ أصحابِنا ففَهِموا من كَلامِ أحمدَ الأخْذَ بالحَديثِ، وحَملَه على الإفرادِ؛ فإنَّه سُئِل عن عَينِ الحُكمِ فأجابَ بالحَديثِ وجَوابُه بالحَديثِ يَقتَضي اتِّباعَه، وما ذُكِر عن يَحيى إنَّما هو بَيانُ ما وقَع فيه من الشُّبهةِ، وهؤلاء يَكرَهون إفرادَه بالصَّومِ عَملًا بهذا الحَديثِ بجَودةِ إسنادِه وذلك مُوجِبٌ لِلعَملِ به وحَمَلوه على الإفرادِ كصَومِ يَومِ الجُمعةِ وشَهرِ رَجَبٍ.
وقد رَوى أحمدُ في المُسندِ من حَديثِ ابنِ لَهيعةَ: حَدَّثنا مُوسى بنُ وَردانَ عن عُبَيدٍ الأعرَجِ حَدَّثَتْني جَدَّتي، يَعني الصَّمَّاءَ، أنَّها دخَلت على رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ السَّبتِ وهو يَتغَدَّى، فقال تَعالَيْ تَغَدَّيْ،