← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.

стр. 2661

أنَّه لا يُكرَهُ صيامُه مُفردًا، وأنَّه قَولُ أكثَرِ العُلماءِ وأنَّه الذي فَهِمه الأثرَمُ من رِوايَتِه وأنَّ الحَديثَ شَاذٌّ أو مَنسوخٌ، وقال: هذه طَريقةُ قُدماءِ أصحابِ الإمامِ أحمدَ الذين صَحِبوه كالأثرَمِ وأبي داودَ، وأنَّ أكثَرَ أصحابِنا فَهِم من كَلامِ الإمامِ أحمدَ الأخْذَ بالحَديثِ، انتهى، ولم يَذكُرِ الآجُريُّ كَراهةَ غَيرِ صَومِ يَومِ الجُمُعةِ، فظاهِرُه لا يُكرَهُ غَيرُه (١). وقال البُهوتيُّ ﵀: (وَ) يُكرَهُ تَعمُّدُ (إفرادِ يَومِ السَّبتِ) بصَومٍ، لِحَديثِ عَبدِ اللهِ بنِ بُسرٍ عن أُختِه الصَّمَّاءِ «لا تَصومُوا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم» رَواه أحمدُ بإسنادٍ جيِّدٍ والحاكِمُ وقال: على شَرطِ البُخاريِّ، ولأنَّه يَومٌ تُعظِّمُه اليَهودُ، ففي إفرادِه تَشبُّهٌ بهم، ويَومُ السَّبتِ آخِرُ أيامِ الأُسبوعِ، قال الجَوهَريُّ: سُمِّيَ يَومَ السَّبتِ لِانقطاعِ الأيامِ عندَه. (إلا أنْ يُوافِقَ) يَومُ الجُمُعةِ أو السَّبتِ (عادةً) كأنْ وافَق يَومَ عَرَفةَ أو يَومَ عاشوراءَ، وكان عادَتُه صَومَهما، فلا كَراهةَ؛ لأنَّ العادةَ لها تَأثيرٌ في ذلك (٢). وقال ابنُ القَيِّمِ ﵀ بعدَ ذِكرِ حَديثِ دُخولِ الصَّماءِ على النَّبيِّ ﷺ : وعلى هذا يَكونُ معنى قَولِه ﷺ : «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ» أي: لا تَقصِدوا صَومَه بعَينِه إلا في الفَرضِ؛ فإنَّ الرَّجلَ يَقصِدُ صَومَه بعَينِه بحيث لو لم يَجِبْ عليه إلا صَومُ يَومِ السَّبتِ كمَن أسلَم ولم

стр. 2662

يَبقَ من الشَّهرِ إلا يَومُ السَّبتِ؛ فإنَّه يَصومُه وَحدَه، وأيضًا فقَصدُه بعَينِه في الفَرضِ لا يُكرَهُ بخِلافِ قَصدِه بعَينِه في النَّفلِ؛ فإنَّه يُكرَهُ، ولا تَزولُ الكَراهةُ إلا بضَمِّ غَيرِه إليه أو مُوافَقتِه عادةً، فالمُزيلُ لِلكَراهةِ في الفَرضِ مُجرَّدُ كَونِه فَرضًا، لا المُقارَنةُ بينَه وبينَ غَيرِه، وأمَّا في النَّفلِ فالمُزيلُ لِلكَراهةِ ضَمُّ غَيرِه إليه، أو مُوافَقتُه عادةً ونَحوَ ذلك، قالوا: وأمَّا قَولُكم: إنَّ الاستِثناءَ دَليلُ التَّناوُلِ إلى آخِرِه فلا رَيبَ أنَّ الاستِثناءَ أخرَجَ صُورةَ الفَرضِ من عُمومِ النَّهيِ، فصُورةُ الاقتِرانِ بما قبلَه أو بما بعدَه أُخرِجت بالدَّليلِ الذي تَقدَّم، فكِلا الصُّورتَيْن مُخرَجةٌ: أمَّا الفَرضُ فبالمُخرَجِ المُتَّصِلِ، وأمَّا صَومُه مُضافًا فبالمُخرَجِ المُنفَصِلِ، فبَقيَت صُورةُ الإفرادِ واللَّفظُ مُتناوِلٌ لها، ولا مُخرَجَ لها من عُمومِه فيَتعَيَّنُ حَملُه عليها (١). وذهَب المالِكيَّةُ وشَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى أنَّه يَجوزُ إفرادُ يَومِ السَّبتِ بدونِ كَراهةٍ، واستدَلُّوا على ذلك بعِدَّةِ أحاديثَ كلُّها تَدُلُّ على صيامِ يَومِ السَّبتِ، وأنَّ الحَديثَ الوارِدَ في النَّهيِ عن صَومِ يَومِ السَّبتِ ضَعيفٌ لا يَصحُّ، أو مَنسوخٌ. وهذه الأحاديثُ هي: أ- حَديثُ جُوَيريةَ بِنتِ الحارِثِ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهي صَائِمَةٌ، فَقَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسِ». قَالَتْ لا. قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا». قَالَتْ لا. قَالَ «فَأَفْطِرِي» (٢).

стр. 2663

قَولُه: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا» يَعني يَومَ السَّبتِ، فدَلَّ بمَفهومِ المُخالَفةِ أنَّها لو جمَعت مع يَومِ الجُمعةِ يَومَ السَّبتِ لَقالَ لها: صُومي؛ ولَدَلَّ ذلك على الجَوازِ. ب- حَديثُ عَبدِ اللهِ بنِ عَمرِو بنِ العاصِ ﵁ قال: أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنِّي أَقُولُ: وَاللَّهِ لَأَصُومَنَّ النَّهَارَ وَلَأَقُومَنَّ اللَّيْلَ مَا عِشْتُ، فَقُلْتُ لَهُ قَدْ قُلْتُهُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، قَالَ: «فإنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَقُمْ وَنَمْ، وَصُمْ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ؛ فإنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَذَلِكَ مِثْلُ صِيَامِ الدَّهْرِ، قُلْتُ إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمَيْنِ»، قُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «فَصُمْ يَوْمًا وَأَفْطِرْ يَوْمًا، فَذَلِكَ صِيَامُ دَاوُدَ ﵇، وَهُوَ أَفْضَلُ الصِّيامِ»، فَقُلْتُ: إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ». فلَمَّا كَبِر عَبدُ اللهِ قال: لَأنْ أكونَ انتَهَيتُ إلى ما أمَرَني به رَسولُ اللهِ ﷺ أحَبُّ إلَيَّ مما طَلَعت عليه الشَّمسُ، ولكنْ لا أدَعُ فَريضةً فرَضها علَيَّ رَسولُ اللهِ ﷺ ، وكان يَقولُ: «يا لَيْتَني قَبِلْتُ رُخْصَةَ النَّبيِّ» (١). دَلَّ هذا الحَديثُ على أنَّه لا يَمُرُّ عليه أُسبُوعانِ إلا ويَصومُ يَومَ سَبتٍ. ج- وحَديثُ أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، يَقُولُ: «لا يَصُومَنَّ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إِلَّا يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ» (٢). فاليَومُ الذي بعدَه هو يَومُ السَّبتِ.

стр. 2664

د- وعَنْ عائِشةَ ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لَا يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ فِي شَعْبَانَ». وفي رِوايةٍ أُخرى لها قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يَصُومُ شَهْرًا أَكْثَرَ مِنْ شَعْبَانَ؛ فإنَّهُ كَانَ يَصُومُ شَعْبَانَ كُلَّهُ» (١). وفيه يَومُ السَّبتِ. فهذه الأدِلَّةُ مع غَيرِها كَثيرٍ تُفيدُ جَوازَ صيامِ يَومِ السَّبتِ مُطلَقًا. قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ومنها أنَّه أمَرَ بصَومِ المُحرَّمِ وفيه يَومُ السَّبتِ، وقال: «مَنْ صامَ رَمضانَ وأتبَعه بسِتٍّ من شَوَّالٍ كان كصيامِ الدَّهرِ» وقد يَكونُ السَّبتُ فيها وأمرَ بصيامِ أيَّامِ البِيضِ وقد يَكونُ فيها السَّبتُ ومِثلُ هذا كَثيرٌ. فهذا الأثرَمُ فَهِم من كَلامِ أبي عَبدِ اللهِ أنَّه تَوقَّف عن الأخذِ بالحَديثِ وأنَّه رُخِّص في صَومِه حيثُ ذكَر الحَديثَ الذي يَحتَجُّ به في الكَراهةِ وذكَر أنَّ الإمامَ في عِللِ حَديثِ يَحيى بنِ سَعيدٍ كان يَتَّقيه ويأبى أنْ يُحدِّثَ به، فهذا تَضعيفٌ لِلحَديثِ. واحتَجَّ الأثرَمُ بما دَلَّ من النُّصوصِ المُتواتِرةِ على صَومِ يَومِ السَّبتِ، ولا يُقالُ: يُحمَلُ النَّهيُ على إفرادِه؛ لأنَّ لَفظَه: «لا تَصومُوا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم»، والاستِثناءُ دَليلُ التَّناوُلِ، وهذا يَقتَضي أنَّ الحَديثَ

стр. 2665

يَعُمُّ صَومُه على كلِّ وَجهٍ وإلا لو أُريدَ إفرادُه لَما دخَل الصَّومُ المَفروضُ لِيُستَثْنى؛ فإنَّه لا إفرادَ فيه، فاستِثناؤُه دَليلٌ على دُخولِ غَيرِه بخِلافِ يَومِ الجُمعةِ؛ فإنَّه بيَّن أنَّه إنَّما نَهى عن إفرادِه. وعلى هذا يَكونُ الحَديثُ إمَّا شاذًّا غَيرَ مَحفوظٍ وإمَّا مَنسوخًا، وهذه طَريقةُ قُدماءِ أصحابِ أحمدَ الذين صَحِبوه كالأثرَمِ وأبي داودَ. وقال أبو داودَ: حَديثٌ مَنسوخٌ، وذكَر أبو داودَ بإسنادِه عن ابنِ شِهابٍ أنَّه كان إذا ذُكِر له أنَّه نَهى ﷺ عن صيامِ السَّبتِ يَقولُ ابنُ شِهابٍ: هذا حَديثٌ حِمصيٌّ، وعن الأوزاعيِّ قال: ما زِلتُ له كاتِمًا حتى رأيتُه انتشَر بعدُ، يَعني حَديثَ ابنِ بُسرٍ في صَومِ يَومِ السَّبتِ. قال أبو داودَ: قال مالِكٌ: هذا كَذِبٌ، وأكثَرُ أهلِ العِلمِ على عَدمِ الكَراهةِ. وأمَّا أكثَرُ أصحابِنا ففَهِموا من كَلامِ أحمدَ الأخْذَ بالحَديثِ، وحَملَه على الإفرادِ؛ فإنَّه سُئِل عن عَينِ الحُكمِ فأجابَ بالحَديثِ وجَوابُه بالحَديثِ يَقتَضي اتِّباعَه، وما ذُكِر عن يَحيى إنَّما هو بَيانُ ما وقَع فيه من الشُّبهةِ، وهؤلاء يَكرَهون إفرادَه بالصَّومِ عَملًا بهذا الحَديثِ بجَودةِ إسنادِه وذلك مُوجِبٌ لِلعَملِ به وحَمَلوه على الإفرادِ كصَومِ يَومِ الجُمعةِ وشَهرِ رَجَبٍ. وقد رَوى أحمدُ في المُسندِ من حَديثِ ابنِ لَهيعةَ: حَدَّثنا مُوسى بنُ وَردانَ عن عُبَيدٍ الأعرَجِ حَدَّثَتْني جَدَّتي، يَعني الصَّمَّاءَ، أنَّها دخَلت على رَسولِ اللهِ ﷺ يَومَ السَّبتِ وهو يَتغَدَّى، فقال تَعالَيْ تَغَدَّيْ،

стр. 2666

فقالت: إنِّي صائِمةٌ، فقال لها: أصُمتِ أمسِ، قالت: لا، قال: كُلي؛ فإنَّ صيامَ يَومِ السَّبتِ لا لكِ ولا عَلَيكِ»، وهذا -وإنْ كان إسنادُه ضَعيفْا- يدُلُّ عليه سائِرُ الأحاديثِ، وعلى هذا يَكونُ قَولُه ﷺ : «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ»، أي: لا تَقصِدوا صيامَه بعَينِه إلا في الفَرضِ؛ فإنَّ الرَّجلَ يَقصِدُ صَومَه بعَينِه بحيث لو لم يَجِبْ عليه إلا صَومُ يَومِ السَّبتِ كمَن أسلَم ولم يَبقَ من الشَّهرِ إلا يَومُ السَّبتِ؛ فإنَّه يَصومُه وَحدَه. وأيضًا فقَصدُه بعَينِه في الفَرضِ لا يُكرَهُ بخِلافِ قَصدِه بعَينِه في النَّفلِ؛ فإنَّه يُكرَهُ ولا تَزولُ الكَراهةُ إلا بضَمِّ غَيرِه إليه أو مُوافَقتِه عادةً فالمُزيلُ لِلكَراهةِ في الفَرضِ مُجرَّدُ كَونِه فَرضًا لا لِلمُقارَنةِ بينَه وبينَ غَيرِه، وأمَّا في النَّفلِ فالمُزيلُ لِلكَراهةِ ضَمُّ غَيرِه إليه أو مُوافَقتُه عادةً، ونَحوُ ذلك. قد يُقالُ: الاستِثناءُ أخرَج بَعضَ صُورِ الرُّخصةِ وأخرَج الباقيَ بالدَّليلِ ثم اختَلفَ هؤلاء في تَعليلِ الكَراهةِ. فعَلَّلها ابنُ عَقيلٍ بأنَّه يَومٌ تُمسِكُ فيه اليَهودُ ويَخصُّونَه بالإمساكِ، وهو تَركُ العَملِ فيه، والصائِمُ في مَظنَّةِ تَركِ العَملِ فيَصيرُ صَومُه تَشبُّهًا بهم، وهذه العِلَّةُ مُنتفيةٌ في الأحَدِ. وعَلَّله طائِفةٌ من الأصحابِ بأنَّه يَومُ عِيدٍ لِأهلِ الكِتابِ يُعظِّمونَه فقَصَده بالصَّومِ دونَ غَيرِه يَكونُ تَعظيمًا له فكَرِه ذلك، كما كَرِه إفرادَ عاشوراءَ بالتَّعظيمِ لِما عَظَّمه أهلُ الكِتابِ وإفرادُ رَجَبٍ أيضًا لِما عَظَّمه المُشرِكون.

стр. 2667

وهذا التَّعليلُ قد يُعارَضُ بيَومِ الأحدِ؛ فإنَّه يَومُ عيدِ النَّصارى؛ فإنَّه ﷺ قال: «اليَومُ لنا وغَدًا لِليهودِ وبَعدَ غَدٍ لِلنَّصارى» وقد يُقالُ: إذا كان يَومُ عِيدٍ فمُخالَفَتُهم فيه بالصَّومِ لا بالفِطرِ. ويَدُلُّ على ذلك ما رَواه كُرَيبٌ مَولَى ابنِ عَباسٍ قال: أرسَلني ابنُ عَباسٍ وناسٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ إلى أُمِّ سَلمةَ أسألُها: أيَّ الأيامِ كان رَسولُ اللهِ ﷺ أكثَرَ صيامًا لها؟ قالت: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ يَوْمَ السَّبْتِ وَيَوْمَ الأَحَدِ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَصُومُ مِنَ الأَيَّامِ وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا عِيدَانِ لِلْمُشْرِكِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ أُخَالِفَهُمُ» (١). رَواه أحمدُ وابنُ أبي عاصِمٍ والنَّسائيُّ وصَحَّحَه بَعضُ الحُفَّاظِ. وهذا نَصٌّ في استِحبابِ صَومِ يَومِ عيدِهم لِأجلِ قَصدِ مُخالَفتِهم. وقد رُوي عن عائِشةَ ﵂ قالت: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصُومُ من الشَّهرِ السَّبتَ وَالأَحَدَ والاثنَينَ ومِنَ الشَّهرِ الآخَرِ الثُّلاثَاءَ وَالأَرْبِعَاءَ وَالخَمِيسَ» (٢) رَواه التِّرمذيُّ وقال: حَديثٌ حَسَنٌ، قال: وقد رَوى ابنُ مَهديٍّ هذا الحَديثَ عن سُفيانَ ولم يَرفَعْه. وهذان الحَديثانِ ليسا بحُجَّةٍ على مَنْ كَرِه صَومَ يَومِ السَّبتِ وَحدَه وعَلَّل ذلك بأنَّهم يَترُكون فيه العَملَ والصَّومَ مَظنَّةَ ذلك؛ فإنَّه إذا صامَ السَّبتَ والأحَدَ زال الإفرادُ المَكروهُ وحَصَلت المُخالَفةُ بصَومِ يَومِ فِطرِهم (٣).

стр. 2668

وقال الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ ﵀: وأمَّا يَومُ السَّبتِ فلم يَصحَّ فيه الحَديثُ، ولو صَحَّ لَكانَ معناه مُخالَفةَ أهلِ الكِتابِ (١). وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا يَومُ السَّبتِ فالسَّببُ في اختِلافِهم فيه اختِلافُهم في تَصحيحِ ما رُوي عنه أنَّه ﵊ قال: «لا تَصوموا يَومَ السَّبتِ إلا فيما افتُرِض عليكم» خَرَّجه أبو داودَ، قالوا: والحَديثُ مَنسوخٌ، نَسَخه حَديثُ جُوَيريةَ بِنتِ الحارِثِ، أنَّ النَّبيَّ ﵊ دخَل عليها يَومَ الجُمُعةِ وهي صائِمةٌ فقال: «صُمتِ أمسِ؟» فقالت: لا، فقال: «تُريدينَ أنْ تَصومي غَدًا، قالت: لا، قال فأفطِري» (٢). حُكمُ الشُّروعِ في صَومِ التَّطوُّعِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ شَرَعَ في صَومِ تَطوُّعٍ هل يَلزَمُه بالشُّروعِ فيه أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ مَنْ شرَع في صَومِ تَطوُّعٍ لَزمَه إتمامُه إذا بدأ فيه، ويَحرُمُ عليه إفسادُه لِغَيرِ عُذرٍ، ويَجِبُ عليه القَضاءُ إذا أفسَدَه؛ لأنَّ المُؤدَّى عِبادةٌ، وإبطالُ العِبادةِ حَرامٌ، لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ فما أدَّاه وجَب صيانَتُه وحِفظُه عن الإبطالِ؛ لأنَّ العَملَ صارَ حَقًّا للهِ تَعالى، ولا سَبيلَ إلى حِفظِه إلا بالتِزامِ الباقي، فوجَب الإتمامُ ضَرورةً.

стр. 2669

واستدَلُّوا على ذلك أيضًا بما يلي: ١ - بقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا دُعِي أحَدُكم فليُجِبْ؛ فإنْ كان صائِمًا فَلْيُصَلِّ، وإنْ كان مُفطِرًا فلَيَطْعَمْ» (١). قَولُه: فليُصَلِّ: أي: فليَدْعُ. قال الإمامُ القُرطُبيُّ ﵀: ثبَت هذا عنه ﵇، ولو كان الفِطرُ جائِزًا لَكانَ الأفضَلُ الفِطرَ لِإجابةِ الدَّعوةِ التي هي السُّنَّةُ (٢). ٢ - ولِما رُوي عن عائِشةَ ﵂ قالت: «كُنْتُ أنا وَحَفْصَةُ صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ لنا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ فَأَكَلْنَا منه، فَجَاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَرَتْنِي إليه حَفْصَةُ، وَكَانَتِ ابْنَةَ أَبِيهَا، فقالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كنا صَائِمَتَيْنِ فَعُرِضَ لنا طَعَامٌ اشْتَهَيْنَاهُ، فَأَكَلْنَا منه، قال: اقْضِيَا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ» (٣). قال أبو عُمَرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀: ومِنْ حُجَّةِ مالِكٍ ومَن قال بقَولِه في إيجابِ القَضاءِ على المُتطوِّعِ إذا أفسَد صَومَه مع حَديثِ ابنِ شِهابٍ في قِصَّةِ عائِشةَ وحَفصةَ المَذكورِ في هذا البابِ قَولُ اللهِ : ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾، وقَولُه ﵎: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾، وليس مَنْ أفطَر عامِدًا بعدَ دُخولِه في الصَّومِ مُعظِّمًا لِحُرمةِ

стр. 2670

الصَّومِ، وقد أبطَل عَملَه الذي أمرَ اللهُ بتَمامِه ونَهاه عن إبطالِه، والنَّهيُ عن الشَّيءِ يَقتَضي الأمرَ بضِدِّه، وقد قال اللهُ : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، وهذا يَقتَضي عُمومُه الفَرضَ والنَّفلَ كما قال : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وقد أجمَعوا على أنَّ المُفسِدَ لِحَجَّةِ التَّطوُّعِ أو عُمرَتِه عليه القَضاءُ، فالقياسُ على هذا الإجماعِ إيجابُ القَضاءِ على مُفسِدِ صَومِه عامِدًا قياسٌ صَحيحٌ، وقد ثبَت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «إذا دُعِي أحَدُكم إلى طَعامٍ فليُجِبْ؛ فإنْ كان مُفطِرًا فليَأكُلْ» (١). ورُوِي: «فإنْ شَاءَ أَكَلَ وإنْ كان صائِمًا فلْيَدْعُ». ورُويَ: «فلْيُصَلِّ» يُريدُ فليَدْعُ، ورُوي في هذا الحَديثِ أيضًا: «وإنْ كان صائِمًا فلا يَأكُلْ». فلو كان الفِطرُ في التَّطوُّعِ حَسنًا لَكانَ أفضَلُ ذلك وأحسَنُه إجابةَ الدَّعوةِ التي هي سُنَّةٌ مَسنونةٌ، فلَمَّا لم يَكُنْ ذلك كذلك عُلِمَ أنَّ الفِطرَ في التَّطوُّعِ لا يَجوزُ، وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا تَصومُ امرأةٌ زَوجُها شاهِدٌ يَومًا من غَيرِ شَهرِ رَمضانَ إلا بإذنِه» (٢). وفي هذا ما يَدُلُّ على أنَّ المُتطوِّعَ لا يُفطِرُ ولا يُفطِرُ غَيرَه؛ لأنَّه لو كان لِلرَّجُلِ أنْ يُفسِدَ عليها لَما احتاجَت إلى إذنِه، ولو كان مُباحًا كان ذلك لا مَعنى له، واللهُ أعلَمُ.

стр. 2671

وقد رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قُدِّم إليه سَمنٌ وتَمرٌ وهو صائِمٌ فقال: «رُدُّوا تَمرَكم في وِعَائِه ورُدُّوا سَمنَكم في سِقائِه؛ فإنَّي صائِمٌ» (١)، ولم يُفطِرْ، بل أتَمَّ صَومَه إلى اللَّيلِ على ظاهِرِ قَولِ اللهِ : ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، ولم يَخُصَّ فَرضًا من نافِلةٍ. قال: «والاحتياطُ في أعمالِ البِرِّ أوْلَى ما قيلَ به في ذلك، وباللهِ التَّوفيقُ» (٢). ثم إنَّ الحَنفيَّةَ قالوا: إنْ خرَج منه -أي: الصَّومِ- بدونِ عُذرٍ لَزِمه القَضاءُ، وعليه الإثْمُ والعِقابُ على تَركِه، وإنْ خرَج منه لِعُذرٍ، لَزِمه القَضاءُ ولا إثْمَ عليه (٣). وقال المالِكيَّةُ: إنْ خرَج منه بعُذرٍ فلا قَضاءَ عليه ولا إثْمَ، وإنْ خرَج بغَيرِ عُذرٍ فعليه القَضاءُ، وعليه الإثْمُ والعِقابُ على تَركِه (٤). وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ لُزومِ صَومِ التَّطوُّعِ بالشُّروعِ فيه، ولا يَجِبُ على الصائِمِ تَطوُّعًا إتمامُه إذا بَدأ فيه، وله قَطعُه في أيِّ وَقتٍ شاءَ، ولا يَحرُمُ عليه ذلك، سَواءٌ خرَج بعُذرٍ أو بغَيرِ عُذرٍ، إلا أنَّه يُكرَهُ له قَطعُه بلا عُذرٍ، ويُستحَبُّ إتمامُه لِظاهِرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾، ولِلخُروجِ من خِلافِ مَنْ أوجَبَ إتمامَه من العُلماءِ.

стр. 2672

واستدَلُّوا على ذلك بما يَلي: ١ - عن عائِشةَ ﵂ قالت: قال رَسولُ اللهِ ﷺ ذاتَ يَومٍ: «يا عَائِشَةُ، هل عِنْدَكُمْ شَيْءٌ؟» قالت: فقُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما عِنْدَنَا شَيْءٌ، قال: «فَإِنِّي صَائِمٌ»، قالت: فَخَرَجَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ فَأُهْدِيَتْ لنا هَدِيَّةٌ، أو جَاءَنَا زَوْرٌ، قالت: فلَما رَجَعَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ قُلتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُهْدِيَتْ لنا هَدِيَّةٌ، أو جَاءَنَا زَوْرٌ، وقد خَبَأْتُ لكَ شَيئًا، قال: ما هو؟ قُلتُ: حَيْسٌ، قال: «هَاتِيهِ، فَجِئْتُ بِهِ فَأَكَلَ، ثُمَّ قال: قد كُنْتُ أَصْبَحْتُ صَائِمًا» (١). وفي لَفظٍ: «أَمَا إنِّي قد أَصْبَحْتُ وأنا صَائِمٌ، فَأَكَلَ منه، ثُمَّ قال: إنَّما مَثَلُ صَوْمِ الْمُتَطَوِّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ من مَالِهِ الصَّدَقَةَ؛ فإنْ شَاءَ أَمْضَاهَا وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهَا» (٢). ٢ - عن أُمِّ هانِئٍ ﵂ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دخَل عليها، فناوَلَتْه شَرابًا ثم ناوَلَها، فشَرِبت، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، كُنْتُ صائِمةً؟ فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ: إنْ شَاءَ صَامَ، وإنْ شَاءَ أَفْطَرَ» (٣).

стр. 2673

٣ - عن أبي جُحَيفةَ ﵁ قال: آخَى النَّبيُّ ﷺ بينَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ فَزَارَ سَلْمَانُ أَبَا الدَّرْدَاءِ فَرَأَى أُمَّ الدَّرْدَاءِ مُتَبَذِّلَةً، فقال لها: ما شَأْنُكِ، قالت: أَخُوكَ أبو الدَّرْدَاءِ ليس له حَاجَةٌ في الدُّنْيَا، فَجَاءَ أبو الدَّرْدَاءِ فَصَنَعَ له طَعَامًا، فقال: كُلْ، قال: فإنَّي صَائِمٌ، قال: ما أنا بِآكِلٍ حتى تَأْكُلَ، قال: فَأَكَلَ، فلَمَّا كان اللَّيْلُ ذَهَبَ أبو الدَّرْدَاءِ يَقُومُ قال: نَمْ، فَنَامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فقال: نَمْ، فلَمَّا كان من آخِرِ اللَّيْلِ قال سَلْمَانُ: قُمِ الْآنَ، فَصَلَّيَا، فقال له سَلْمَانُ: إِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وَلِأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأَعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فذكَر ذلك له، فقال النَّبيُّ ﷺ : «صَدَقَ سَلْمَانُ» (١). وقال النَّوَويُّ ﵀: وأمَّا القياسُ على الحَجِّ والعُمرةِ فالفَرقُ أنَّ الحَجَّ لا يَخرُجُ منه بالإفسادِ لِتَأكُّدِ الدُّخولِ فيه بخِلافِ الصَّومِ. واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢).

стр. 2674

كتاب الاعتِكافِ

стр. 2675

كتاب الاعتِكافِ تَعريفُ الاعتِكافِ: الاعتِكافُ لُغةً: لُزومُ الشَّيءِ وحَبسُ النَّفسِ عليه بِرًّا كان أو غَيرَه، ومنه قَولُه تَعالى: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وقال: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وقال تَعالى في البِرِّ: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ٧٨١]. وفي الشَّرعِ: اللُّبثُ في المَسجدِ من شَخصٍ مَخصوصٍ بنيَّةٍ مَخصوصةِ (١). حُكمُ الاعتِكافِ: قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الاعتِكافَ سُنَّةٌ

стр. 2676

لا يَجِبُ على الناسِ فَرضًا إلا أنْ يُوجِبَ المَرءُ على نَفسِه الاعتِكافَ نَذرًا فيَجِبَ عليه (١). وقال النَّوَويُّ ﵀: الاعتِكافُ سُنَّةٌ بالإجماعِ، ولا يَجِبُ إلا بالنَّذرِ بالإجماعِ، ويُستحَبُّ الإكثارُ منه، ويُستحَبُّ ويَتأكَّدُ استِحبابُه في العَشرِ الأواخِرِ من شَهرِ رَمضانَ (٢). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومما يَدُلُّ على أنَّه سُنَّةٌ فِعلُ النَّبيِّ ﷺ ومُداوَمتُه عليه تَقَرُّبًا إلى اللهِ تَعالى وطلَبًا لِثَوابِه، واعتِكافُ أزواجِه معه وبعدَه ويَدُلُّ على أنَّه غَيرُ واجِبٍ أنَّ أصحابَه لم يَعتَكِفوا ولا أمرَهم النَّبيُّ ﷺ به إلا مَنْ أرادَه، وقال ﷺ : «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» (٣) ولو كان واجِبًا لَما عَلَّقَهُ بالإرادةِ، وأمَّا إذا نذَره فحينَئِذٍ يَلزمُه، لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» رَواه البُخاريُّ (٤). وعن عُمَرَ أنَّه قال: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (٥) (٦).

стр. 2677

أركانُ الاعتِكافِ: أركانُ الاعتِكافِ عندَ الجُمهورِ أربَعةٌ: وهي: المُعتكِفٌ والنيَّةُ والمُعتكَفُ فيه واللُّبثُ في المَسجدِ. وذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ رُكنَ الاعتِكافِ هو اللُّبثُ في المَسجدِ فقط، والباقي شُروطٌ وأطرافٌ لا أركانٌ، وزادَ المالِكيَّةُ رُكنًا آخَرَ وهو: الصَّومُ (١). المُعتكِفُ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يَصحُّ الاعتِكافُ من الرَّجلِ والمَرأةِ والصَّبيِّ المُميِّزِ، واشتَرطوا لِصِحَّةِ الاعتِكافِ الواجِبِ والمَندوبِ شُروطًا هي: ١ - الإسلامُ: فلا يَصحُّ من الكافِرِ فهو ليس مِنْ أهلِ العِبادةِ. ٢ - العَقلُ: فلا يَصحُّ من المَجنونِ والمُغمَى عليه والسَّكرانِ ومن غَيرِ المُميِّزِ؛ لأنَّ العِبادةَ لا تُؤدَّى إلا بنيَّةٍ، وهؤلاء ليسوا مِنْ أهلِ النيَّةِ، وأمَّا البُلوغُ فليس بشَرطٍ لِصِحَّةِ الاعتِكافِ؛ فيَصحُّ من الصَّبيِّ العاقِلِ؛ لأنَّه مِنْ أهلِ العِبادةِ كما يَصحُّ منه صَومُ التَّطوُّعِ. ٣ - النَّقاءُ من الحَيضِ والنِّفاسِ: فلا يَصحُّ الاعتِكافُ من الحائِضِ والنُّفساءِ؛ لأنَّهما مَمنوعَتان من المَسجدِ، وهذه العِبادةُ لا تُؤدَّى إلا في المَسجدِ.

стр. 2678

٤ - والطَّهارةُ من الجُنُبِ: فلا يَصِحُّ الاعتِكافُ من الجُنُبِ؛ لأنَّه مَمنوعٌ من اللُّبثِ في المَسجدِ (١). اعتِكافُ المَرأةِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على صِحَّةِ اعتِكافِ المَرأةِ بالشُّروطِ المُتقدِّمةِ ويُشترَطُ لِلمُتَزوجةِ أنْ يأذنَ لها زَوجُها؛ لأنَّها لا يَنبَغي لها الاعتِكافُ إلا بإذنِه. ثم إنَّهم اختَلَفوا فيما إذا أذِنَ الزَّوجُ لِزَوجَتِه في الاعتِكافِ التَّطوُّعِ فدخَلت فيه، هل له مَنعُها من إتمامِه أو لا؟ فقال أبو حَنفيةَ ومالِكٌ: ليس له مَنعُها لأنَّه لَمَّا أذِن لها في الاعتِكافِ فقد ترَك لها حَقَّه في الخِدمةِ والوَطءِ فلم يَكُنْ له أنْ يَرجِعَ، ولأنَّه عَقدَ على نَفسِه تَمليكَ مَنافِعَ كان يَملِكُها بحَقِّ اللهِ فلم يَكُنْ له الرُّجوعُ فيه، ولأنَّه أذِنَ لها في التَّلبُّسِ بعَملِ قُربةٍ مَقصودةٍ، فلم يَكُنْ له فَسخُه كما لو أذِن لها في الحَجِّ فأحرَمت به. وقال الشافِعيُّ وأحمدُ: له مَنعُها؛ لأنَّ له المَنعَ منه ابتِداءً، فكان له المَنعُ منه دَوامًا، كالعاريةِ، ويُخالِفُ الحَجَّ لأنَّه يَلزَمُ بالشُّروعِ فيه بخِلافِ الاعتِكافِ. فأمَّا إنْ نذَرت الاعتِكافَ فأرادَ الزَّوجُ مَنعَها في الدُّخولِ فيه فإنْ كان النَّذرُ بإذنِه وكان مُعينًا لم يَملِكْ مَنعَها منه، وإنْ كان بغَيرِ إذْنِه جازَ له مَنعُها.

стр. 2679

وإنْ كان النَّذرُ المَأذونُ فيه غَيرَ مُعيَّنٍ فوَجهانِ عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ: أحَدُهما: ليس له إخراجُها منه؛ لأنَّه وجَب التِزامُه بإذنِه فأشبَه المُعيَّنَ. والثاني: له مَنعُها من ذلك لأنَّ حَقَّه ثابِتٌ في كلِّ زَمنٍ، فكان تَعيينُ زَمنِ سُقوطِه إليه كالدَّينِ. إلا أنَّ الشافِعيَّةَ قالوا في الوَجهِ الثاني: إنْ كان مُتتابِعًا لم يَجُزْ له إخراجُها منه؛ لأنَّها لا يَجوزُ لها الخُروجُ منه، فلا يَجوزُ إخراجُها منه كالمَنذورِ في زَمانٍ بعَينِه، وإنْ كان غَيرَ مُتتابِعٍ جازَ إخراجُه لها منه؛ لأنَّه يَجوزُ لها الخُروجُ منه، فجازَ إخراجُها منه كالتَّطوُّعِ (١). النيَّةُ في الاعتِكافِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ اعتِكافٌ إلا بنيَّةٍ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» (٢) ولأنَّ الاعتِكافَ هو اللُّبثُ في المَسجدِ، وقد يَكونُ اللُّبثُ تارةً عادةً، وتارةً عِبادةً، فافتَقَرَ إلى نيَّةٍ يَصحُّ به الفَرقُ بينَ لُبثِ العادةِ ولُبثِ العِبادةِ.

стр. 2680

وإذا كان الاعتكافُ مَسنونًا، ثم خرَج من المَسجدِ، فهل يَنقطِعُ اعتِكافُه بذلك ويَحتاجُ إلى تَجديدِ نيَّةٍ إذا رجَع أو لا؟ ذهَب الحَنفيَّةُ في الظاهِرِ من المَذهبِ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا خرَج من الاعتِكافِ المَسنونِ، فقد انقطَع اعتِكافُه، وإذا رجَع فلا بُدَّ من تَجديدِ نيَّةِ اعتِكافِ مَندوبٍ آخَرَ، لأنَّ الخُروجَ من المَسجدِ مُنْهٍ لِلاعتِكافِ المَندوبِ لا مُبطِلٌ له. وذهَب المالِكيَّةٌ، وهو مُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ المَندوبَ يَلزَمُه إذا نواه قَليلًا كان أو كثيرًا بدُخولِه مُعتكَفَه؛ لأنَّ النَّفلَ يَلزَمُ كمالُه بالشُّروعِ فيه، فإنْ لم يَدخُلْ مُعتكَفَه فلا يَلزَمْه ما نَواه، فإذا دخَل ثم قطَع لَزِمه القَضاءُ وإنْ لم يَشترِطْ عَدمَ القَضاءِ. والظاهِرُ من مَذهبِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّه لا يَلزمُه الإتمامُ ولا قَضاءَ عليه (١). وهذا كلُّه فيما إذا خرَج إلى ما ليس منه بُدٌّ، فإنْ خرَج من مُعتكَفِه إلى ما لا بُدَّ منه فقد قال ابنُ قُدامةَ ﵀: إنَّ المُعتكِفَ ليس له الخُروجُ من مُعتكَفِه إلا لِما لا بُدَّ له منه، قالت عائِشةُ ﵂: «السُّنَّةُ على الْمُعْتَكِفِ

стр. 2681

ألَّا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لا بُدَّ منه» (١)، وقالت أيضًا: «كان رَسولُ اللهِ ﷺ إذا اعْتَكَفَ يُدْنِي إليَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ، وكان لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» مُتَّفَقٌ عليه. ولا خِلافَ في أنَّ له الخُروجَ لِما لا بُدَّ له منه، قال ابنُ المُنذِرِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ لِلمُعتكِفِ أنْ يَخرُجَ من مُعتكَفِه لِلغائِطِ والبَولِ، ولأنَّ هذا ممَّا لا بُدَّ منه، ولا يُمكِنُ فِعلُه في المَسجِدِ، فلو بطَل الاعتِكافُ بخُروجِه إليه، لم يَصحَّ لِأحدٍ الاعتِكافُ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَعتكِفُ، وقد عَلِمْنَا أنَّه كان يَخرُجُ لِقَضاءِ حاجَتِه، والمُرادُ بحاجةِ الإنسانِ البَولُ والغائِطُ، كَنَّى بذلك عنهما، لأنَّ كلَّ إنسانٍ يَحتاجُ إلى فِعلِهما، وفي مَعناه الحاجةُ إلى المَأكولِ والمَشروبِ إذا لم يَكُنْ له مَنْ يأتيه به، فله الخُروجُ إليه إذا احتاج إليه، وإذا بَغَته القَيءُ فله أنْ يَخرُجَ لِيَتقيَّأَ في خارجِ المَسجدِ، وكلُّ ما لا بُدَّ له منه ولا يُمكِنُ فِعلُه في المَسجدِ له الخُروجُ إليه، ولا يَفسُدُ اعتِكافُه وهو عليه ما لم يَطُلْ (٢). مَكانُ الاعتِكافِ: أ- مَكانُ الاعتِكافِ لِلرِّجالِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه لا يَصحُّ اعتِكافُ الرَّجلِ إلا في مَسجدٍ، لِقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ووَجهُ الدِّلالةِ

стр. 2682

من الآيةِ لِاشتِراطِ المَسجِدِ أنَّه لو صَحَّ الاعتِكافُ في غَيرِ المَسجدِ لم يُخَصَّ لِتَحريمِ المُباشَرةِ بالاعتِكافِ في المَسجدِ، لأنَّها مُنافيةٌ لِلاعتِكافِ، فعُلِم أنَّ المَعنى بَيانُ أنَّ الاعتِكافَ إنَّما يَكونُ في المَساجِدِ؛ ولِلاتِّباعِ، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَعتكِفْ إلا في المَسجِدِ. واتَّفَقوا على أنَّ الاعتِكافَ في المَساجدِ الثَّلاثةِ أفضَلُ من غَيرِها، والمَسجِدُ الحَرامُ أفضَلُ، ثم المَسجِدُ النَّبويُّ، ثم المَسجِدُ الأقصى، ثم اتَّفَقوا على أنَّ المَسجدَ الجامِعَ وهو ما تُقامُ فيه الجُمُعةُ يَصحُّ فيه الاعتِكافُ، وهو أوْلى من غَيرِه بعدَ المَساجِدِ الثَّلاثةِ. ثم اختَلَفوا في المَساجدِ الأُخرى التي يَصحُّ فيها الاعتِكافُ: فذهَب أبو حَنيفةَ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ الاعتِكافُ إلا في مَسجدٍ تُقامُ فيه الجَماعةُ، أي: يُصلَّى فيه الصَّلَواتُ كلُّها؛ لأنَّ الجَماعةَ واجِبةٌ واعتِكافُ الرَّجلِ في مَسجدٍ لا تُقامُ فيه الجَماعةُ يُفضي إلى أحَدِ أمرَيْن: إمَّا إلى تَركِ الجَماعةِ الواجِبةِ، وإمَّا خُروجُه إليها، فيَتكرَّرُ ذلك منه كَثيرًا مع إمكانِ التَّحرُّزِ منه، وذلك مُنافٍ لِلاعتِكافِ، إذ هو لُزومُ المُعتكَفِ والإقامةُ على طاعةِ اللهِ فيه. وذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وأبو يُوسفَ ومُحمدٌ من الحَنفيَّةِ إلى أنَّه يَصحُّ الاعتِكافُ في كلِّ مَسجدٍ، لِعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يَقتَضي إباحةَ الاعتِكافِ في كلِّ مَسجدٍ. وعن أبي يُوسفَ ﵀: أنَّه فرَّق بينَ الاعتِكافِ في الواجِبِ والمَسنونِ فاشترَط لِلاعتِكافِ الواجِبِ مَسجدَ الجَماعةِ، وأمَّا النَّفلُ فيَجوزُ في أيِّ مَسجدٍ كان.

стр. 2683

ووَجهُه أنَّ الواجِبَ لا بُدَّ فيه من إقامةِ الصَّلاةِ في المَسجِدِ فاشترَط له الجَماعةَ، وأمَّا النَّفلُ فيَنتَهي بالخُروجِ ولا يَلزَمُه صَلاةٌ في المَسجدِ؛ فلا وَجهَ لِاشتِراطِ الجَماعةِ فيه (١). ب- مَكانُ اعتِكافِ المَرأةِ: اختلَف الفُقهاءُ في مَكانِ اعتِكافِ المَرأةِ: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ إلى أنَّها كالرَّجلِ لا يَصحُّ اعتِكافُها إلا في مَسجدٍ، ولا يَصحُّ اعتِكافُها في مَسجدِ بَيتِها لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، والمُرادُ به المَواضِعُ التي بُنِيت لِلصَّلاةِ فيها، ومَوضِعُ صَلاتِها في بَيتِها ليس بمَسجدٍ، لأنَّه لم يُبنَ لِلصَّلاةِ فيه، وإنْ سُمِّيَ مَسجِدًا كان مَجازًا، فلا يَثبُتُ له أحكامُ المَساجدِ الحَقيقيَّةِ كقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «وَجُعِلَتْ لي الْأَرْضُ مَسْجِدًا» (٢) فيَجوزُ تَبديلُه ونَومُ الجُنُبِ فيه، وكذلك لو جازَ لَفَعَلَتْه أُمَّهاتُ المُؤمِنين ﵅، ولو مَرَّةً تَبيينًا لِلجَوازِ، وقد استأذنَّه ﷺ في الاعتِكافِ

стр. 2684

في المَسجدِ، فأذِن لهُنَّ، ولو لم يَكُنْ مَوضِعًا لاعتِكافِهِنَّ لَما أذِن فيه، ولو كان الاعتِكافُ في غَيرِه أفضَلَ لَدَلَّهُنَّ عليه ونَبَّههنَّ عليه، ولأنَّ الاعتِكافَ قُربةٌ يُشترَطُ لها المَسجِدُ في حَقِّ الرَّجلِ فيُشترَطُ في حَقِّ المَرأةِ كالطَّوافِ. وحُكي عن الشافِعيِّ في القَديمِ أنَّه يَصحُّ اعتِكافُ المَرأةِ في مَسجدِ بَيتِها لأنَّه مَكانُ صَلاتِها. لكنْ قال النَّوَويُّ ﵀: قد أنكَر القاضي أبو الطَّيِّبِ وجَماعةٌ هذا القَديمَ، وقالوا: لا يَجوزُ في مَسجدِ بَيتِها قَولًا واحِدًا، وغلَّطُوا مَنْ قال: فيه قَولان. وذهَب الحَنفيَّةُ إلى جَوازِ اعتِكافِ المَرأةِ في بَيتِها، ويُكرَهُ في المَسجدِ تَنزيهًا، ومَسجِدُ بَيتِها أفضَلُ لها من مَسجدِ حَيِّها، ومَسجِدُ حَيِّها أفضَلُ من المَسجدِ الأعظَمِ. قال الكاسانيُّ ﵀: مَسجِدُ بَيتِها له حُكمُ المَسجدِ في حَقِّها في حَقِّ الاعتِكافِ؛ لأنَّ له حُكمَ المَسجدِ في حَقِّها في حَقِّ الصَّلاةِ، لِحاجَتِها إلى إحرازِ فَضيلةِ الجَماعةِ في حَقِّها حتى كانت صَلاتُها في بَيتِها أفضَلَ على ما رُوي عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «صَلَاةُ الْمَرْأَةِ في مَسْجِدِ بَيْتِهَا أَفْضَلُ من صَلَاتِهَا في مَسْجِدِ دَارِهَا، وَصَلَاتُهَا في صَحْنِ دَارِهَا أَفْضَلُ من صَلَاتِهَا في مَسْجِدِ حَيِّهَا» (١)، وإذا كان له حُكمُ المَسجدِ في حَقِّها في حَقِّ

стр. 2685

الصَّلاةِ فكذلك في حَقِّ الاعتِكافِ، لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما في اختِصاصِه بالمَسجدِ سَواءٌ، وليس لها أنْ تَعتكِفَ في بَيتِها في غَيرِ مَسجدٍ، وهو المَوضِعُ المُعدُّ لِلصَّلاةِ، لأنَّه ليس لِغَيرِ ذلك المَوضعِ في بَيتِها حُكمُ المَسجدِ، فلا يَجوزُ اعتِكافُها فيه، واللهُ أعلَمُ (١). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأمَّا سَببُ اختِلافِهم في اعتِكافِ المَرأةِ: فمُعارَضةُ القياسِ لِلأثَرِ، وذلك أنَّه ثبَت: أنَّ حَفصةَ وعائِشةَ وزَينبَ، أزواجَ النَّبيِّ ﷺ استأذَنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ في الاعتِكافِ في المَسجدِ، فأذِنَ لَهنَّ حين ضَرَبْنَ أخبِيَتهُنَّ فيه، فكان هذا الأثَرُ دَليلًا على جَوازِ اعتِكافِ المَرأةِ في المَسجدِ. وأمَّا القياسُ المُعارِضُ لِهذا: فهو قياسُ الاعتِكافِ على الصَّلاةِ، وذلك أنَّه لَمَّا كانت صَلاةُ المَرأةِ في بَيتِها أفضَلَ منها في المَسجدِ على ما جاءَ في الخَبرِ، وجَب أنْ يَكونَ الاعتِكافُ في بَيتِها أفضَلَ (٢).

стр. 2686

اللُّبثُ في المَسجدِ: اللُّبثُ في المَسجدِ هو رُكنُ الاعتِكافِ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ. وقد اختلَف الفُقهاءُ في مِقدارِ اللُّبثِ المُجزِئِ في الاعتِكافِ المَسنونِ، فذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ أقَلَّه ساعةٌ (١) مِنْ لَيلٍ أو نَهارٍ عندَ مُحمدٍ، وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عن الإمامِ أبي حَنيفةَ لِبِناءِ النَّفلِ على المُسامَحةِ، وبه يُفتى، لأنَّ الاعتِكافَ لُبثٌ وإقامةٌ فلا يُتقدَّرُ بيَومٍ كامِلٍ كالوُقوفِ بعَرفةَ (٢). وهو المَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ، قال ابنُ قُدامةَ: وإنْ نذَر اعتِكافًا مُطلَقًا، لَزِمه ما يُسمَّى به مُعتكِفًا ولو ساعةً من لَيلٍ أو نَهارٍ. وقال في «الإنصافِ»: أقَلُّه إذا كان تَطوُّعًا أو نَذرًا مُطلَقًا ما يُسمَّى به مُعتكِفًا لَابِثًا. قال في الفُروعِ: وظاهِرُه ولو لَحظةً، وفي كَلامِ جَماعةٍ من الأصحابِ أقَلُّه ساعةٌ لا لَحظةٌ، وهو ظاهِرُ كَلامِه في المَذهَبِ وغَيرِه (٣). والمُستحَبُّ عندَهم ألَّا يَنقُصَ الاعتِكافُ عن يَومٍ ولَيلةٍ خُروجًا من خِلافِ مَنْ يَقولُ: أقَلُّه ذلك (٤).

стр. 2687

والمَذهبُ عندَ الشافِعيَّةِ أنَّه يُشترَطُ في اللُّبثِ قَدْرُ ما يُسمَّى عُكوفًا، أي: إقامةً، بحيث يَكونُ زَمنُها فَوقَ زَمنِ الطُّمأنينةِ في الرُّكوعِ ونَحوِه، فلا يَكفي قَدرُها ولا يَجِبُ السُّكونُ، بل يَكفي التَّردُّدُ فيه. وقيلَ: يَكفي المُرورُ بلا لُبثٍ كالوُقوفِ بعَرفةَ. وقيلَ: يُشترَطُ مُكثُ نَحوِ يَومٍ، أي قَريبٍ منه؛ لأنَّ ما دونَ ذلك مُعتادٌ في الحاجةِ التي تُعلَنُ في المَسجدِ أو في طَريقهٍ لِقَضاءِ الحاجةِ فلا يَصلُحُ. قال الخَطيبُ الشِّربينيُّ: وعلى الأصَحِّ يَصحُّ نَذرُ اعتِكافِ ساعةٍ، ولو نذَر اعتِكافًا مُطلَقًا كَفاه لَحظةٌ، لكنَّ المُستحَبَّ يَومٌ، ويُسَنُّ كلَّما دخَل المَسجدَ أنْ يَنويَ الاعتِكافَ (١). واختُلِف عن الإمامِ مالِكٍ في أقلِّ المُكثِ في المَسجدِ، فرَوى ابنُ وَهبٍ عنه أنَّ أقلَّه عندَه ثَلاثةُ أيامٍ، وذكَر ابنُ حَبيبٍ أنَّ أقلَّه عندَه يَومٌ ولَيلةٌ. وقال ابنُ القاسِمِ: وَقفتُ مالِكًا على ذلك فأنكَره، وقال: أقلُّه عَشرةُ أيامٍ. وعندَ البَغداديِّينَ من أصحابِه أنَّ العَشرةَ استِحبابٌ، وأنَّ أقلَّه يَومٌ ولَيلةٌ (٢).

стр. 2688

الصَّومُ في الاعتِكافِ: اختَلفَ الفُقهاءُ في الاعتِكافِ هل يَصحُّ بغَيرِ صَومٍ أو لا؟ فذهَب أبو حَنفيةَ في رِوايةِ الحَسنِ عنه، ومِن مَشايخِ الحَنفيَّةِ مَنْ اعتمَد هذه الرِّوايةَ والمالِكيَّةُ وهو قَولٌ مَحكيٌّ عن الشافِعيِّ في القَديمِ، وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الاعتِكافَ لا يَصحُّ بغَيرِ صَومٍ لِما رُوي عن عائِشةَ ﵂ مَرفوعًا: «لا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ» (١). وعن ابنِ عُمَرَ ﵄ أنَّ عُمَرَ جَعَلَ عليه أَنْ يَعْتَكِفَ في الْجَاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أو يَوْمًا عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَسَأَلَ النَّبيَّ ﷺ فقال: «اعْتَكِفْ وَصُمْ» (٢). ولِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنَّما ذكَر اللهُ الاعتِكافَ مع الصِّيامِ. قال الإمامُ مالِكٌ: وعلى ذلك الأمرِ عندَنا أنَّه لا اعتِكافَ إلا بصيامٍ. وقال القاضي عَبدُ الوَهَّابِ المالِكيُّ: لا يَصحُّ الاعتِكافُ بغَيرِ صَومٍ … لِقَولِ اللهِ : ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فقَصَر الخِطابَ على الصائِمِ، فلو لم يَكُنِ الصَّومُ من شَرطِ الاعتِكافِ لم يَكُنْ لذلك مَعنًى، ولأنَّ

стр. 2689

أكثَرَ ما فيه أنْ يَكونَ مُجمَلًا، وقد بَيَّنه النَّبيُّ ﷺ بفِعلِه فرَوى أنَّه اعتكَف صائِمًا ولم يَنقُلْ أنَّه اعتكَف مُفطِرًا، ولأنَّه لَبِث في مَكانٍ مَخصوصٍ فلم يَكُنْ بمُجرَّدِه قُربةً كالوُقوفِ (١). وذهَب الشافِعيَّةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَشهورِ وهو ظاهِرُ الرِّوايةِ عندَ الحَنفيَّةِ إلى أنَّ الصَّومَ ليس بشَرطٍ لِصِحَّةِ الاعتِكافِ، لِما رُوي عن ابنِ عُمَرَ أنَّه قال: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ في الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً في الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ»، قال: «أَوْفِ بِنَذْرِكَ» (٢). ولو كان الصَّومُ شَرطًا لَما صَحَّ اعتِكافُ اللَّيلِ؛ لأنَّه لا صيامَ فيه، ولأنَّه عِبادةٌ تَصحُّ في اللَّيلِ فأشبَهَ سائِرَ العِباداتِ، ولأنَّ إيجابَ الصَّومِ حُكمٌ لا يَثبُتُ إلا بالشَّرعِ ولم يَصحَّ فيه نَصٌّ ولا إجماعٌ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الأُوَلَ من شَوَّالٍ» (٣)، وهذا يَتناوَلُ اعتِكافَ يَومِ العِيدِ ويَلزَمُ من صِحَّتِه أنَّ الصَّومَ ليس بشَرطٍ. قال الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا اعتِكافُ التَّطوُّعِ فالصَّومُ ليس بشَرطٍ لِجَوازِه في ظاهِرِ الرِّوايةِ وإنَّما الشَّرطُ أحَدُ رُكنَيِ الصَّومِ عَينًا، وهو الإمساكُ عن الجِماعِ لِقَولِه تَعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فأمَّا الإمساكُ عن الأكلِ والشُّربِ فليس بشَرطٍ، ورَوى الحَسَنُ عن أبي حَنفيةَ أنَّه شَرطٌ، واختِلافُ الرِّوايةِ فيه مَبنيٌّ على اختِلافِ الرِّوايةِ في اعتِكافِ

стр. 2690

التَّطوُّعِ أنَّه مُقدَّرٌ بيَومٍ أو غَيرِ مُقدَّرٍ، ذكَر مُحمدٌ في الأصلِ أنَّه غَيرُ مُقدَّرٍ، ويَستوي فيه القَليلُ والكَثيرُ ولو ساعةً. ورَوى الحَسَنُ عن أبي حَنيفةَ أنَّه مُقدَّرٌ بيَومٍ، فلَمَّا لم يَكُنْ مُقدَّرًا على رِوايةِ الأصلِ، لم يَكُنِ الصَّومُ شَرطًا له؛ لأنَّ الصَّومَ مُقدَّرٌ بيَومٍ؛ إذ صَومُ بَعضِ اليَومِ ليس بمَشروعٍ فلا يَصلُحُ شَرطًا لِما ليس مُقدَّرًا. ولَمَّا كان مُقدَّرًا بيَومٍ على رِوايةِ الحَسَنِ فالصَّومُ يَصلُحُ أنْ يَكونَ شَرطًا له (١). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا ثبَت هذا -أي: أنَّ الصَّومَ ليس بشَرطٍ لِصِحَّةِ الاعتِكافِ- فإنَّه يُستحَبُّ أنْ يَصومَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَعتكِفُ وهو صائِمٌ، ولأنَّ المُعتكِفَ يُستحَبُّ له التَّشاغُلُ بالعِباداتِ والقُربِ، والصَّومُ من أفضَلِها، ويَتفرَّغُ به ممَّا يَشغَلُه عن العِباداتِ، ويَخرُجُ به مِنْ الخِلافِ (٢).

стр. 2691

الاشتِراطُ في الاعتِكافِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ الشَّرطِ وصِحَّتِه في الاعتِكافِ الواجِبِ، قياسًا على ما رَوَتْه عائِشةُ ﵂ قالت: «دخَل رَسولُ اللَّهِ ﷺ على ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فقال لها: لَعَلَّكِ أَرَدْتِ الْحَجَّ؟ قالت: واللهِ لَا أَجِدُنِي إلا وَجِعَةً، فقال لها: حُجِّي وَاشْتَرِطِي، قُولي: «اللَّهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» (١). قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: فإذا كان الإحرامُ الذي هو ألزَمُ العِباداتِ بالشُّروعِ يَجوزُ مُخالَفةُ مُوجِبِه بالشَّرطِ، فالاعتِكافُ أوْلَى (٢). وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا بأسَ بالاشتِراطِ في الاعتِكافِ الواجِبِ وذلك أنْ يَقولَ: «إنْ عَرَضَ لي عَارِضٌ كان لي الْخُرُوجُ» (٣). وقال الأثرَمُ: سَمِعتُ أبا عَبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ بنَ حَنبَلٍ- يَسألُ عن المُعتكِفِ يَشترِطُ أنْ يأكُلَ في أهلِه؟ فقال: إذا اشترَط فنَعَمْ، قيلَ له: وتُجيزُ الشَّرطَ في الاعتِكافِ؟ قال: نَعَمْ، قُلتُ له: فيَبيتُ في أهلِه؟ قال: إذا كان تَطوُّعًا جازَ (٤).

стр. 2692

قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّه يَجِبُ بعَقدِه فكان الشَّرطُ إليه فيه كالوَقفِ ولأنَّ الاعتِكافَ لا يَختَصُّ بقَدرٍ، فإذا شرَط الخُروجَ فكأنَّه نذَر القَدرَ الذي أقامَه، وإنْ قال: مَتى مَرِضتُ أو عرَض لي عارِضٌ خرَجتُ، جازَ شَرطُه (١). وذهَب المالِكيَّةُ وهو مُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيَّةِ إلى إلغاءِ الشَّرطِ، قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: لم أسمَعْ أحَدًا مِنْ أهلِ العِلمِ يَذكُرُ في الاعتِكافِ شَرطًا وإنَّما الاعتِكافُ عَملٌ من الأعمالِ كهَيئةِ الصَّلاةِ والصِّيامِ والحَجِّ وما سِوى ذلك من الأعمالِ ما كان ذلك فَريضةً أو نافِلةً فمَن دخَل في شَيءٍ من ذلك فإنَّما يَعمَلُ بما مَضى من السُّنَّةِ وليس له أنْ يُحدِثَ في ذلك غَيرَ ما مَضى عليه المُسلِمون من شَرطٍ يَشترِطُه ولا شَيءَ يَبتدِعُه وإنَّما العَملُ في هذه الأشياءِ بما مَضى من السُّنَّةِ وقد اعتكَف رَسولُ اللهِ ﷺ وعرَف المُسلِمون سُنَّةَ الاعتِكافِ (٢). إلا أنَّ الجُمهورَ اختَلَفوا فيما يَصحُّ أنْ يَدخُلَ تَحتَ الشَّرطِ أو لا يَدخُلَ. فقال الحَنفيَّةُ: لو شَرَط وَقتَ النَّذرِ أنْ يَخرُجَ لِعيادةِ مَريضٍ وصَلاةِ جِنازةٍ وحُضورِ مَجلِسِ عِلمٍ جازَ ذلك (٣).

стр. 2693

وقال الحَنابِلةُ والشافِعيَّةُ في الأظهَرِ: إنَّ الاعتِكافَ لَزِم بالتِزامِه، فيَجِبُ بحَسَبِ ما التَزَمه. فإذا اشترَط المُعتكِفُ الخُروجَ لِعَارِضٍ مُباحٍ مَقصودٍ غَيرِ مُنافٍ لِلاعتِكافِ صَحَّ الشَّرطُ. فإنِ اشترَطه لِخاصٍّ من الأغراضِ كعيادةِ المَريضِ خرَج له دونَ غَيرِه وإنْ كان غَيرُه أهَمَّ منه، وإنِ اشترَطه لِأمرٍ عامٍّ كشُغلٍ يَعرِضُ له خرَج لِكُلِّ مُهِمٍّ دينيٍّ كالجُمُعةِ والجَماعةِ أو دُنيويٍّ مُباحٍ كاقتِضاءِ الغَريمِ وليس له الخُروجُ لِأمرٍ مُحرَّمٍ. وقال الحَنابِلةُ: لو اشترَط الخُروجَ لِلبَيعِ والشِّراءِ أو الإجارةِ أو التَّكسُّبِ بالصِّناعةِ في المَسجدِ لم يَصحَّ الشَّرطُ بلا خِلافٍ. ولو قال: مَتى مَرِضتُ أو عَرَض لي عارِضٌ خرَجتُ فله شَرطُه على الصَّحيحِ من المَذهبِ (١). وهذا كُلُّه في الاعتِكافِ الواجِبِ -أي: المَنذورِ- أمَّا في التَّطوُّعِ فقال ابنُ قُدامةَ ﵀: فأمَّا إنْ كان الاعتِكافُ تَطوُّعًا وأحَبَّ الخُروجَ منه لِعيادةِ مَريضٍ أو شُهودِ جِنازةٍ جازَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَطوُّعٌ فلا يَتحتَّمُ واحِدٌ منهما، لكنَّ الأفضَلَ المُقامُ على اعتِكافِه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكُنْ يُعرِّجُ على المَريضِ، ولم يَكُنْ واجِبًا عليه، فأمَّا إنْ خرَج لِما لا بُدَّ

стр. 2694

منه فسألَ عن المَريضِ في طَريقِه ولم يُعرِّجْ جازَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَل ذلك. وإذا اشتَرط ذلك في اعتِكافِه فله فِعلُه واجِبًا كان الاعتِكافُ أو غَيرَ واجِبٍ، وكذلك ما كان قُربةً كزِيارةِ أهلِه أو رَجُلٍ صالِحٍ أو عالِمٍ أو شُهودِ جِنازةٍ، وكذلك ما كان مُباحًا مما يُحتاجُ إليه، كالعَشاءِ في مَنزِلِه والمَبيتِ فيه، فعَله (١).

стр. 2695

ما يُفسِدُ الاعتِكافَ: ١ - الجِماعُ: قال ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ جامَع امرأتَه وهو مُعتكِفٌ عامِدًا لذلك في فَرجِها مُفسِدٌ لِاعتِكافِه (١). وقال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الوَطءَ عامِدًا يُبطِلُ الاعتِكافَ المَنذورَ والمَسنونَ معًا (٢). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: الوَطءُ في الاعتِكافِ مُحرَّمٌ بالإجماعِ، والأصلُ فيه قَولُه تَعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] فإنْ وَطئَ في الفَرجِ مُتعمِّدًا أفسَد اعتِكافَه بإجماعِ أهلِ العِلمِ، حَكاه ابنُ المُنذِرِ عنهم، ولأنَّ الوَطءَ إذا حَرُم في العِبادةِ أفسَدَها كالحَجِّ والصَّومِ (٣). إلا أنَّهم اختَلَفوا في المُعتكِفِ يَطأُ -يُجامِعُ- ناسيًا: فقال أبو حَنفيةَ ومالِكٌ وأحمدُ: يَبطُلُ الاعتِكافُ أيضًا كالعَمدِ، المَنذورِ والمَسنونِ مَعًا؛ لِعُمومِ الآيةِ، فالنَّهيُ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه، ولأنَّ ما حَرُم في الاعتِكافِ استَوى عَمدُه وسَهوُه في إفسادِه.

стр. 2696

وقال الشافِعيُّ: لا يَفسُدُ اعتِكافُه لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اسْتُكْرِهُوا عليه» (١). ولأنَّها مُباشَرةٌ لا تُفسِدُ الصَّومَ -يَعني الوَطءَ ناسيًا عندَ الشافِعيِّ- فلم تُفسِدْ الاعتِكافَ. واختَلَفوا أيضًا في القُبلةِ واللَّمسِ لِشَهوةٍ، فقال أبو حَنفيةَ وأحمدُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيْه: لا يَفسُدُ اعتِكافُه إلا أنَّه قد أساءَ وأتى بمُحرَّمٍ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولِقَولِ عائِشةَ ﵂: «السُّنَّةُ على الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا ولا يَشْهَدَ جَنَازَةً ولا يَمَسَّ امْرَأَةً ولا يُبَاشِرَهَا» (٢). ولأنَّه لا يأمَنُ إفضاءَها إلى إفسادِ الاعتِكافِ، وما أفضَى إلى الحَرامِ كان حَرامًا، فإنْ فعَل فأنزَل فَسَد اعتِكافُه وإنْ لم يُنزِلْ لم يَفسُدْ. وقال الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ في القَولِ الثاني وهو الأصَحُّ: يَفسُدُ اعتِكافُه بذلك سَواءٌ، لِعُمومِ الآيةِ، ولأنَّها مُباشَرةٌ لو قارَنها الإنزالُ لم يَصحَّ الاعتِكافُ معها، فكذلك إذا عُرِّيت منه، كالإيلاجِ، ثم إنَّ الجُمهورَ الحَنفيَّةَ والمالِكيَّةَ والشافِعيَّةَ والحَنابِلةَ في المَذهبِ ذهَبوا إلى أنَّ الجِماعَ المُفسِدَ لِلاعتِكافِ المَنذورِ المُتتابِعِ من المُعتكِفِ الذاكِرِ له العالِمِ بتَحريمِه لا تَلزمُه الكَفَّارةُ.

стр. 2697

قال ابنُ المُنذِرِ: أكثَرُ أهلِ العِلمِ على أنَّه لا كَفَّارةَ عليه، وهو قَولُ أهلِ المَدينةِ والشامِ والعِراقِ، لأنَّها عِبادةٌ لا تَجِبُ بأصلِ الشَّرعِ، فلَم تَجِبْ بإفسادِها كَفارةٌ كالنَّوافِلِ، ولأنَّها عِبادةٌ لا يَدخُلُ المالُ في جُبرانِها فلم تَجِبِ الكَفَّارةُ بإفسادِها كالصَّلاةِ، ولأنَّ وُجوبَ الكَفَّارةِ إنَّما يَثبُتُ بالشَّرعِ ولم يَرِدِ الشَّرعُ بإيجابِها فتَبقَى على الأصلِ. وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها القاضي إلى أنَّ عليه كَفَّارةً (١). ٢ - الخُروجُ من المَسجدِ: اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الخُروجَ من المَسجِدِ لِلرَّجلِ والمَرأةِ (وكذلك خُروجُ المَرأةِ من مَسجِدِ بَيتِها عندَ الحَنفيَّةِ) إذا كان لِغَيرِ حاجةٍ يُفسِدُ الاعتِكافَ الواجِبَ، وألحَقَ المالِكيَّةُ وأبو حَنيفةَ -في رِوايةِ الحَسنِ عنه- بالواجِبِ الاعتِكافَ المَندوبَ أيضًا، سَواءٌ كان الخُروجُ يَسيرًا أو كَثيرًا؛ لأنَّ الخُروجَ يُنافي اللُّبثَ، وما يُنافي الشَّيءَ يَستَوي فيه القَليلُ والكَثيرُ، كالأكلِ والشُّربِ في الصَّومِ، والحَدثِ في الطُّهرِ.

стр. 2698

وقال أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا يَفسُدُ إلا بأكثَرَ من نِصفِ يَومٍ استِحسانًا، وهو أوسَعُ؛ لأنَّ القَليلَ منه لو لم يُبَحْ لَوَقعوا في الحَرجِ؛ لأنَّه لا بُدَّ منه لِإقامةِ الحَوائِجِ. أمَّا إذا كان الخُروجُ لِحاجةٍ، وهو ما لا بُدَّ منه، كحاجةِ الإنسانِ والغُسلِ من الجَنابةِ والنَّفيرِ ولِخَوفِ الفِتنةِ ولِقَضاءِ عِدَّةِ المُتوفَّى عنها زَوجُها ولِأجلِ الحَيضِ والنِّفاسِ فلا يَبطُلُ الاعتِكافُ في قَولِهم جَميعًا. عن عائِشةَ لقالت: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عليَّ رَأْسَهُ وهو في الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وكان لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلا لِحَاجَةٍ إذا كان مُعْتَكِفًا» (١). وقَولُها ﵂: «السُّنَّةُ على الْمُعْتَكِفِ ألَّا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لا بُدَّ منه» (٢). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ في أنَّه له الخُروجُ إلى ما لا بُدَّ له منه. قال ابنُ المُنذِرِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ لِلمُعتكِفِ أنْ يَخرُجَ من مُعتكَفِه لِلغائِطِ والبَولِ (٣) ولأنَّ هذا مما لا بُدَّ منه، ولا يُمكِنُ فِعلُه في المَسجدِ فلو بطَل الاعتِكافُ بخُروجِه إليه لم يَصحَّ لِأحدٍ الاعتِكافُ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَعتكِفُ وقد عَلِمنا أنَّه يَخرُجُ لِحاجَتِه، والمُرادُ بحاجةِ الإنسانِ البَولُ والغائِطُ كَنَّي بذلك عنهما، لأنَّ كلَّ إنسانٍ يَحتاجُ إلى

стр. 2699

فِعلِهما، وفي مَعناه الحاجةُ إلى المَأكولِ والمَشروبِ إذا لم يَكُنْ له مَنْ يأتيه به، فله الخُروجُ إليه إذا احتاجَ إليه، وإنْ بغَتَه القَيءُ فله أنْ يَخرُجَ لِيَتقَيَّأَ في خارجِ المَسجدِ، وكلُّ ما لا بُدَّ له منه ولا يُمكِنُ فِعلُه في المَسجدِ فله الخُروجُ إليه، ولا يُفسِدُ اعتِكافَه، وهو عليه ما لم يُطِلْ، وكذلك له الخُروجُ إلى ما أوجبَه اللهُ تَعالى عليه … كالمُعتدَّةِ تَخرُجُ لِقَضاءِ العِدَّةِ، وكالخارِجِ لِإنقاذِ غَريقٍ أو إطفاءِ حَريقٍ أو أداءِ شَهادةٍ تَعيَّنت عليه (١). الخُروجُ لِصَلاةِ الجُمُعةِ: مَنْ وَجبَت عليه الجُمعةُ وكان اعتِكافُه مُتتابِعًا واعتكَف في مَسجدٍ لا تُقامُ فيه الجُمعةُ فهو آثِمٌ ويَجِبُ عليه الخُروجُ لِصَلاةِ الجُمعةِ؛ لأنَّها فَرضٌ. ثم إنَّ الفُقهاءَ قد اختَلفوا فيما إذا خرَج لِلجُمعةِ هل يَفسُدُ اعتِكافُه بذلك أو لا؟ فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ ومالِكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ خُروجَه لِلجُمعةِ لا يُفسِدُ اعتِكافَه؛ لأنَّه خرَج لِواجِبٍ فلم يَبطُلِ اعتِكافُه كالمُعتدَّةِ تَخرُجُ لِقَضاءِ العِدَّةِ وكالخارجِ لِإنقاذِ غَريقٍ أو إطفاءِ حَريقٍ أو أداءِ شَهادةٍ تَعيَّنت عليه، ولأنَّه إذا نذَر أيامًا فيها جُمعةٌ فكأنَّه استَثنى الجُمعةَ بلَفظِه.

стр. 2700

قال ابنُ قُدامةَ: إذا ثبَت هذا فإنَّه إذا خرَج لِواجِبٍ فهو على اعتِكافِه ما لم يُطِلْ؛ لأنَّه خُروجٌ لِما لا بُدَّ له منه، أشبَهَ الخُروجَ لِحاجةِ الإنسانِ، فإنْ كان خُروجُه لِصَلاةِ الجُمعةِ فله أنْ يَتعجَّلَ، قال أحمدُ: أرجو أنَّ له ذلك؛ لأنَّه خُروجٌ جائِزٌ فجازَ تَعجيلُه كالخُروجِ لِحاجةِ الإنسانِ (١). وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ خُروجَ المُعتكِفِ لِصَلاةِ الجُمعةِ يُفسِدُ اعتِكافَه، وعليه الاستِئنافُ؛ لأنَّه يُمكِنُه الاحتِرازُ من الخُروجِ بأنْ يَعتكِفَ في المَسجِدِ الجامِعِ، فإذا لم يَفعَلْ وخرَج بطَل اعتِكافُه. واستَثنى الشافِعيَّةُ ما لو شرَط الخُروجَ في اعتِكافِه لِصَلاةِ الجُمعةِ فإنَّ شَرطَه يَصحُّ ولا يَبطُلُ اعتِكافُه بخُروجِه (٢). الخُروجُ لِعيادةِ المَرضى وصَلاةِ الجِنازةِ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى عَدمِ جَوازِ الخُروجِ لِعِيادةِ المَرضى وصَلاةِ الجِنازةِ لِعَدمِ الضَّرورةِ إلى الخُروجِ إلا أنْ يَشترِطَ ذلك عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.
следующие страницы →