وقال الشافِعيُّ: لا يَفسُدُ اعتِكافُه لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «رُفِعَ عن أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وما اسْتُكْرِهُوا عليه» (١).
ولأنَّها مُباشَرةٌ لا تُفسِدُ الصَّومَ -يَعني الوَطءَ ناسيًا عندَ الشافِعيِّ- فلم تُفسِدْ الاعتِكافَ.
واختَلَفوا أيضًا في القُبلةِ واللَّمسِ لِشَهوةٍ، فقال أبو حَنفيةَ وأحمدُ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيْه: لا يَفسُدُ اعتِكافُه إلا أنَّه قد أساءَ وأتى بمُحرَّمٍ لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولِقَولِ عائِشةَ ﵂: «السُّنَّةُ على الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا ولا يَشْهَدَ جَنَازَةً ولا يَمَسَّ امْرَأَةً ولا يُبَاشِرَهَا» (٢).
ولأنَّه لا يأمَنُ إفضاءَها إلى إفسادِ الاعتِكافِ، وما أفضَى إلى الحَرامِ كان حَرامًا، فإنْ فعَل فأنزَل فَسَد اعتِكافُه وإنْ لم يُنزِلْ لم يَفسُدْ.
وقال الإمامُ مالِكٌ والشافِعيُّ في القَولِ الثاني وهو الأصَحُّ: يَفسُدُ اعتِكافُه بذلك سَواءٌ، لِعُمومِ الآيةِ، ولأنَّها مُباشَرةٌ لو قارَنها الإنزالُ لم يَصحَّ الاعتِكافُ معها، فكذلك إذا عُرِّيت منه، كالإيلاجِ، ثم إنَّ الجُمهورَ الحَنفيَّةَ والمالِكيَّةَ والشافِعيَّةَ والحَنابِلةَ في المَذهبِ ذهَبوا إلى أنَّ الجِماعَ المُفسِدَ لِلاعتِكافِ المَنذورِ المُتتابِعِ من المُعتكِفِ الذاكِرِ له العالِمِ بتَحريمِه لا تَلزمُه الكَفَّارةُ.
стр. 2697
قال ابنُ المُنذِرِ: أكثَرُ أهلِ العِلمِ على أنَّه لا كَفَّارةَ عليه، وهو قَولُ أهلِ المَدينةِ والشامِ والعِراقِ، لأنَّها عِبادةٌ لا تَجِبُ بأصلِ الشَّرعِ، فلَم تَجِبْ بإفسادِها كَفارةٌ كالنَّوافِلِ، ولأنَّها عِبادةٌ لا يَدخُلُ المالُ في جُبرانِها فلم تَجِبِ الكَفَّارةُ بإفسادِها كالصَّلاةِ، ولأنَّ وُجوبَ الكَفَّارةِ إنَّما يَثبُتُ بالشَّرعِ ولم يَرِدِ الشَّرعُ بإيجابِها فتَبقَى على الأصلِ.
وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها القاضي إلى أنَّ عليه كَفَّارةً (١).
٢ - الخُروجُ من المَسجدِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الخُروجَ من المَسجِدِ لِلرَّجلِ والمَرأةِ (وكذلك خُروجُ المَرأةِ من مَسجِدِ بَيتِها عندَ الحَنفيَّةِ) إذا كان لِغَيرِ حاجةٍ يُفسِدُ الاعتِكافَ الواجِبَ، وألحَقَ المالِكيَّةُ وأبو حَنيفةَ -في رِوايةِ الحَسنِ عنه- بالواجِبِ الاعتِكافَ المَندوبَ أيضًا، سَواءٌ كان الخُروجُ يَسيرًا أو كَثيرًا؛ لأنَّ الخُروجَ يُنافي اللُّبثَ، وما يُنافي الشَّيءَ يَستَوي فيه القَليلُ والكَثيرُ، كالأكلِ والشُّربِ في الصَّومِ، والحَدثِ في الطُّهرِ.
стр. 2698
وقال أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: لا يَفسُدُ إلا بأكثَرَ من نِصفِ يَومٍ استِحسانًا، وهو أوسَعُ؛ لأنَّ القَليلَ منه لو لم يُبَحْ لَوَقعوا في الحَرجِ؛ لأنَّه لا بُدَّ منه لِإقامةِ الحَوائِجِ.
أمَّا إذا كان الخُروجُ لِحاجةٍ، وهو ما لا بُدَّ منه، كحاجةِ الإنسانِ والغُسلِ من الجَنابةِ والنَّفيرِ ولِخَوفِ الفِتنةِ ولِقَضاءِ عِدَّةِ المُتوفَّى عنها زَوجُها ولِأجلِ الحَيضِ والنِّفاسِ فلا يَبطُلُ الاعتِكافُ في قَولِهم جَميعًا.
عن عائِشةَ لقالت: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ لَيُدْخِلُ عليَّ رَأْسَهُ وهو في الْمَسْجِدِ فَأُرَجِّلُهُ، وكان لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلا لِحَاجَةٍ إذا كان مُعْتَكِفًا» (١).
وقَولُها ﵂: «السُّنَّةُ على الْمُعْتَكِفِ ألَّا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلَّا لِمَا لا بُدَّ منه» (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ في أنَّه له الخُروجُ إلى ما لا بُدَّ له منه.
قال ابنُ المُنذِرِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ لِلمُعتكِفِ أنْ يَخرُجَ من مُعتكَفِه لِلغائِطِ والبَولِ (٣) ولأنَّ هذا مما لا بُدَّ منه، ولا يُمكِنُ فِعلُه في المَسجدِ فلو بطَل الاعتِكافُ بخُروجِه إليه لم يَصحَّ لِأحدٍ الاعتِكافُ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَعتكِفُ وقد عَلِمنا أنَّه يَخرُجُ لِحاجَتِه، والمُرادُ بحاجةِ الإنسانِ البَولُ والغائِطُ كَنَّي بذلك عنهما، لأنَّ كلَّ إنسانٍ يَحتاجُ إلى
стр. 2699
فِعلِهما، وفي مَعناه الحاجةُ إلى المَأكولِ والمَشروبِ إذا لم يَكُنْ له مَنْ يأتيه به، فله الخُروجُ إليه إذا احتاجَ إليه، وإنْ بغَتَه القَيءُ فله أنْ يَخرُجَ لِيَتقَيَّأَ في خارجِ المَسجدِ، وكلُّ ما لا بُدَّ له منه ولا يُمكِنُ فِعلُه في المَسجدِ فله الخُروجُ إليه، ولا يُفسِدُ اعتِكافَه، وهو عليه ما لم يُطِلْ، وكذلك له الخُروجُ إلى ما أوجبَه اللهُ تَعالى عليه … كالمُعتدَّةِ تَخرُجُ لِقَضاءِ العِدَّةِ، وكالخارِجِ لِإنقاذِ غَريقٍ أو إطفاءِ حَريقٍ أو أداءِ شَهادةٍ تَعيَّنت عليه (١).
الخُروجُ لِصَلاةِ الجُمُعةِ:
مَنْ وَجبَت عليه الجُمعةُ وكان اعتِكافُه مُتتابِعًا واعتكَف في مَسجدٍ لا تُقامُ فيه الجُمعةُ فهو آثِمٌ ويَجِبُ عليه الخُروجُ لِصَلاةِ الجُمعةِ؛ لأنَّها فَرضٌ.
ثم إنَّ الفُقهاءَ قد اختَلفوا فيما إذا خرَج لِلجُمعةِ هل يَفسُدُ اعتِكافُه بذلك أو لا؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ ومالِكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ خُروجَه لِلجُمعةِ لا يُفسِدُ اعتِكافَه؛ لأنَّه خرَج لِواجِبٍ فلم يَبطُلِ اعتِكافُه كالمُعتدَّةِ تَخرُجُ لِقَضاءِ العِدَّةِ وكالخارجِ لِإنقاذِ غَريقٍ أو إطفاءِ حَريقٍ أو أداءِ شَهادةٍ تَعيَّنت عليه، ولأنَّه إذا نذَر أيامًا فيها جُمعةٌ فكأنَّه استَثنى الجُمعةَ بلَفظِه.
стр. 2700
قال ابنُ قُدامةَ: إذا ثبَت هذا فإنَّه إذا خرَج لِواجِبٍ فهو على اعتِكافِه ما لم يُطِلْ؛ لأنَّه خُروجٌ لِما لا بُدَّ له منه، أشبَهَ الخُروجَ لِحاجةِ الإنسانِ، فإنْ كان خُروجُه لِصَلاةِ الجُمعةِ فله أنْ يَتعجَّلَ، قال أحمدُ: أرجو أنَّ له ذلك؛ لأنَّه خُروجٌ جائِزٌ فجازَ تَعجيلُه كالخُروجِ لِحاجةِ الإنسانِ (١).
وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والشافِعيَّةُ إلى أنَّ خُروجَ المُعتكِفِ لِصَلاةِ الجُمعةِ يُفسِدُ اعتِكافَه، وعليه الاستِئنافُ؛ لأنَّه يُمكِنُه الاحتِرازُ من الخُروجِ بأنْ يَعتكِفَ في المَسجِدِ الجامِعِ، فإذا لم يَفعَلْ وخرَج بطَل اعتِكافُه.
واستَثنى الشافِعيَّةُ ما لو شرَط الخُروجَ في اعتِكافِه لِصَلاةِ الجُمعةِ فإنَّ شَرطَه يَصحُّ ولا يَبطُلُ اعتِكافُه بخُروجِه (٢).
الخُروجُ لِعيادةِ المَرضى وصَلاةِ الجِنازةِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى عَدمِ جَوازِ الخُروجِ لِعِيادةِ المَرضى وصَلاةِ الجِنازةِ لِعَدمِ الضَّرورةِ إلى الخُروجِ إلا أنْ يَشترِطَ ذلك عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.
стр. 2701
لِما رُوي عن عائِشةَ ﵂ قالت: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا اعْتَكَفَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ» (١).
وعنها ﵂ قالت: «السُّنَّةُ على الْمُعْتَكِفِ أَلَّا يَعُودَ مَرِيضًا ولا يَشْهَدَ جَنَازَةً ولا يَمَسَّ امْرَأَةً ولا يُبَاشِرَهَا ولا يَخْرُجَ لِحَاجَةٍ إلا لِمَا لَا بُدَّ منه» (٢).
ولأنَّ هذا ليس بواجِبٍ فلا يَجوزُ تَركُ الاعتِكافِ الواجِبِ من أجلِه كالمَشيِ مع أخيه في حاجةٍ لِيَقضيَها له.
قال ابنُ قُدامةَ: وإنْ تَعيَّنت عليه صَلاةُ الجِنازةِ وأمكَنَه فِعلُها في المَسجدِ لم يَجُزِ الخُروجُ إليها، فإنْ لم يُمكِنْه ذلك فله الخُروجُ إليها، وإنْ تَعيَّن دَفنُ المَيِّتِ أو تَغسيلُه جازَ أنْ يَخرُجَ له؛ لأنَّ هذا واجِبٌ مُتعيَّنٌ فيُقدَّمُ على الاعتِكافِ كصَلاةِ الجُمعةِ (٣).
ومَحلُّ ذلك إذا خرَج لِقَصدِ العيادةِ وصَلاةِ الجِنازةِ، أمَّا إذا خرَج لِقَضاءِ الحاجةِ ثم عَرَّج على مَريضٍ لِعِيادَتِه أو لِصَلاةِ جِنازةٍ فإنَّه يَجوزُ بشَرطِ ألَّا يَطولَ مُكثُه عندَ المَريضِ أو بعدَ صَلاةِ الجِنازةِ عندَ الجُمهورِ بألَّا يَقِفَ عندَ المَريضِ إلا بقَدرِ السَّلامِ؛ لِما رَوت عائِشةُ ﵂: أنَّه ﵊: «كان يَمُرُّ بِالْمَرِيضِ وهو مُعْتَكِفٌ فَيَمُرُّ كما هو ولا يُعَرِّجُ يَسْأَلُ عنه» (٤).
стр. 2702
ولِقَولِها ﵂: «إنْ كُنْتُ لَأَدْخُلُ الْبَيْتَ لِلْحَاجَةِ وَالْمَرِيضُ فيه فما أَسْأَلُ عنه إلا وأنا مَارَّةٌ» (١).
وذهَب الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ له عيادةَ المَريضِ وشُهودَ الجَنازةِ وإنْ لم يَشترِطْ، لِما رَوى عَاصِمُ بنُ ضَمْرَةَ عن عليٍّ قال: «إذَا اعْتَكَفَ الرَّجُلُ فَلْيَشْهَدِ الْجُمُعَةَ وَلْيَعُدِ الْمَرِيضَ وَلْيَشْهَدِ الْجِنَازَةَ وليأتِ أَهْلَهُ وَلْيَأْمُرْهُمْ بِالْحَاجَةِ وهو قَائِمٌ» (٢)، قال أحمَدُ: يَشهَدُ الجَنازةَ، ويَعودُ المَريضَ، رُوي: يَجلِسُ ويَقضي الحاجةَ ويَعودُ إلى مُعتكَفِه (٣).
أمَّا المالِكيَّةُ فإنَّهم مع الجُمهورِ في فَسادِ الاعتِكافِ لِخُروجِ عيادةِ المَريضِ وصَلاةِ الجِنازةِ وقالوا: لا يَصحُّ اشتِراطُ فِعلِ هذا، ولا يُستباحُ بالشَّرطِ؛ لأنَّه اشتِراطٌ في العِبادةِ بما يُنافيها؛ فلم يَصحَّ، كما لو اشترَط في الصَّلاةِ أنْ يأكُلَ إذا احتاجَ أو يَتكلَّمَ.
إلا أنَّهم أوجَبوا الخُروجَ لِعيادةِ أحَدِ الأبوَيْن المَريضَيْن أو كِلَيْهما، وذلك لِبِرِّهما، فإنَّه آكَدُ من الاعتِكافِ المَنذورِ ويَبطُلُ اعتِكافُه به ويَقضيه، لأنَّ الخُروجَ لذلك ليس من جِنسِ الاعتِكافِ، ولا من الحَوائِجِ الأصليَّةِ التي لا انفِكاكَ لِلمُعتكِفِ عنها، فهو عارِضٌ كالخُروجِ لِتخَليصِ الغَرقَى
стр. 2703
فإنَّه واجِبٌ ومُبطِلٌ لِلاعتِكافِ، فكذا ما كان مِثلَه، وهو الخُروجُ لِبِرِّ الوالِدَيْن (١).
وهذا كلُّه في الاعتِكافِ الواجِبِ، أمَّا إنْ كان الاعتِكافُ تَطوُّعًا وأحَبَّ الخُروجَ منه لِعيادةِ مَريضٍ أو شُهودِ جِنازةٍ جازَ، وقال ابنُ قُدامةَ: لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما تَطوُّعٌ، فلا يَتحتَّمُ واحِدٌ منهما، لكنَّ الأفضَلَ المُقامُ على اعتِكافِه، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَكُنْ يُعرِّجُ على المَريضِ، ولم يَكُنْ واجِبًا عليه، فأمَّا إنْ خرَج لِما لا بُدَّ منه فسألَ عن المَريضِ في طَريقِه ولم يُعرِّجْ جازَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَل ذلك (٢).
стр. 2704
ما يُباحُ لِلمُعتكِفِ وما يُكرَهُ له:
أ- الأكلُ والشُّربُ والنَّومُ:
يُباحُ لِلمُعتكِفِ الأكلُ والشُّربُ والنَّومُ في المَسجدِ في قَولِهم جَميعًا.
وزادَ المالِكيَّةُ أنَّ اعتِكافَ مَنْ لا يَجِدُ من يأتيه بحاجَتِه من الطَّعامِ والشَّرابِ مَكروهٌ.
أمَّا النَّومُ لِلمُعتكِفِ فمَحَلُّه المَسجدُ، لأنَّ خُروجَه لِلنَّومِ ليس بعُذرٍ (١).
ب- العُقودُ والصَّنائِعُ في المَسجدِ:
قال ابنُ هُبَيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه ليس لِلمُعتكِفِ أنْ يَتَّجِرَ، ويَكتَسِبَ بالصَّنعةِ على الإطلاقِ.
ثم اختَلَفوا في جَوازِ البَيعِ على المُعتكِفِ:
فقال أبو حَنيفةَ: له أنْ يَبيعَ ويَشتريَ وهو في المَسجدِ والْمُرَادُ من البَيعِ والشِّرَاءِ هو كَلامُ الإِيجابِ والقَبُولِ من غَيرِ نَقلِ الأمتِعةِ إلى المَسجدِ لأنَّ ذلك مَمنوعٌ عنه لِأجلِ المَسجدِ؛ لِما فيه من اتِّخاذِ المَسجدِ مَتجَرًا لا لِأجلِ الِاعتِكافِ، ولأنَّ بُقعةَ المَسجدِ تَحرَّرت عن حُقوقِ العِبادِ وصارَت خالِصةً للهِ تَعالى فيُكرَهُ شَغلُها بالبَيعِ والتِّجارةِ بخِلافِ ما إذا لم يُحضِرِ السِّلعةَ فقد انعَدَم هناك شَغلُ البُقعةِ.
стр. 2705
وقال الشافِعيُّ: له أنْ يأمُرَ بالأمرِ الخَفيفِ في مالِه، ويَبيعَ ويَشتريَ من غَيرِ إكثارٍ.
وقال مالِكٌ: له أنْ يَفعلَ ذلك إذا كان الاعتِكافُ تَطوُّعًا وكان يَسيرًا.
وعنه رِوايةٌ أُخرى: بالمَنعِ من ذلك على الإطلاقِ، رَواها عنه الجَلَّابُ، قال: وقال مالِكٌ: لا يَبيعُ المُعتكِفُ، ولا يَشتَري، ولا يَشتغِلُ بحاجةٍ ولا تِجارةٍ.
وقال أحمدُ: لا يَجوزُ له البَيعُ والشِّراءُ على الإطلاقِ، ولا فَرقَ في ذلك عندَه بينَ قَليلِه وكَثيرِه، ولا يَجوزُ فِعلُ الخِياطةِ فيه سَواءٌ كان مُحتاجًا أو غَيرَ مُحتاجٍ، وسَواءٌ في ذلك القَليلُ والكَثيرُ (١).
ج- الصَّمتُ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُكرَهُ لِلمُعتكِفِ الصَّمتُ إلى اللَّيلِ؛ لأنَّه ليس من شَريعةِ الإسلامِ، وصرَّح الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ بتَحريمِه لِظاهِرِ الأخبارِ، قال قَيْسُ بنُ أبي حَازِمٍ: «دخَل أبو بَكْرٍ على امْرَأَةٍ من أَحْمَسَ يُقَالُ لها: زَيْنَبُ، فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ، فقال: ما لها لَا تَكَلَّمُ؟ قالوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً. قال لها: تَكَلَّمِي، فإنَّ هذا لَا يَحِلُّ، هذا من عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَتَكَلَّمَتْ» (٢).
стр. 2706
وعن عليٍّ ﵁ قال: حَفِظتُ عن رَسولِ اللهِ ﷺ أنَّه قال: «لا صُمَاتَ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ» (١).
قال ابنُ قُدامةَ: فإنْ نذَر ذلك في اعتِكافِه أو غَيرِه لم يَلزمْه الوَفاءُ به، بهذا قال الشافِعيُّ وأصحابُ الرأيِ وابنُ المُنذِرِ ولا نَعلَمُ فيه مُخالِفًا، لِما رَوى ابنُ عباسٍ قال: بَيْنَا النَّبيُّ ﷺ يَخْطُبُ إذا هو بِرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عنه فَقَالُوا: أبو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ ولا يَقْعُدَ ولا يَسْتَظِلَّ ولا يَتَكَلَّمَ، وَيَصُومَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» (٢)، ولأنَّه نذَرَ فِعلَ مَنْهِيٍّ عنه فلم يَلزمْه كنَذرِ المُباشَرةِ في المَسجدِ، وإنْ أراد فِعلَه لم يَكُنْ له ذلك، سَواءٌ نذَره أو لم يَنذِرْه، لِلنَّهيِ عنه، وظاهِرُه التَّحريمُ، والأمرُ بالكَلامِ ومُقتَضاه الوُجوبُ، وقَول أبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ عن هذا: «لَا يَحِلُّ، هذا من عَمَلِ الْجَاهِلِيَّةِ»، وهذا صَريحٌ ولم يُخالِفْه أحَدٌ من الصَّحابةِ فيما عَلِمناه، واتِّباعُ ذلك أوْلى (٣).
ذِكرُ اللهِ والصَّلاةُ وقِراءةُ القُرآنِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يُستحَبُّ لِلمُعتكِفِ ذِكرُ اللهِ تَعالى، والصَّلاةُ، وقِراءةُ القُرآنِ، وذلك لِعُمومِ الآياتِ وصَحيحِ الأحاديثِ التي تُرغِّبُ العَبدَ
стр. 2707
في الاشتِغالِ بالصَّلاةِ، وتِلاوةِ القُرآنِ، وذِكرِ اللهِ تَعالى، والدُّعاءِ ونَحوِ ذلك من الطاعاتِ المَحضةِ.
ثم اختَلَفوا في إقرائِه القُرآنَ، أو الحَديثَ، أو الفِقهَ.
فقال مالِكٌ، وأحمدُ: لا يُستحَبُّ له ذلك؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَعتكِفُ، فلم يُنقَلْ عنه الاشتِغالُ بغَيرِ العِباداتِ المُختصَّةِ به، ولأنَّ الاعتِكافَ عِبادةٌ من شَرطِها المَسجدُ، فلم يُستحَبَّ فيها ذلك كالطَّوافِ.
وعن مالِكٍ رِوايةٌ أُخرى ذكَرها الجَلَّابُ، فقال: وقال مالِكٌ: لا بأسَ أنْ يَكتُبَ المُعتكِفُ في المَسجدِ، وأنْ يَقرأَ فيه، ويُقرِئَ غَيرَه القُرآنَ.
وقال ابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ وسُئِل عن المُعتكِفِ يَجلِسُ في مَجلِسِ العُلماءِ ويَكتُبُ العِلمَ؟ فقال: لا يَفعَلُ ذلك إلا أنْ يَكونَ الشَّيءَ الخَفيفَ، والتَّركُ أحَبُّ إليَّ.
وقال أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ: يُستحَبُّ له ذلك؛ لأنَّ الاشتِغالَ بالعِلمِ تَعلُّمِه وتَعليمِه، فَرضُ كِفايةٍ، فهو أفضَلُ من صَلاةِ النافِلةِ، ولأنَّه مُصحِّحٌ لِلصَّلاةِ وغَيرِها من العِباداتِ، ولأنَّ نَفعَه مُتعَدٍّ إلى الناسِ، وقد تَظاهَرت الأحاديثُ بتَفضيلِ الاشتِغالِ بالعِلمِ على الاشتِغالِ بصَلاةِ النافِلةِ.
ورَوى المَروزيُّ عن أحمدَ في الرَّجلِ يُقرِئُ في المَسجدِ ويُريدُ أنْ يَعتكِفَ، فقال: يُقرِئُ أحَبُّ إلَيَّ.
قال القاضي أبو يَعلى بنُ الفَرَّاءِ: وهذا على أصلِه، من أنَّه لا يُستحَبُّ لِلمُعتكِفِ أنْ يَنتصِبَ لِلإقراءِ، ولا لِدَرسِ العِلمِ، فيَنقطِعُ بالاعتِكافِ عن
стр. 2708
الإقراءِ، فكان الإقراءُ أفضَلَ من الاعتِكافِ إلا أنَّ مَنفعةَ ذلك تَتعدَّى.
قال الوَزيرُ ابنُ هُبَيرةَ ﵀: والذي عِندي في ذلك أنَّ مالِكًا وأحمدَ لم يَرَيا استِحبابَ ألَّا يُقرِئَ المُعتكِفُ غَيرَه القُرآنَ في حالةِ اعتِكافِه، إلا من حيث إنَّه بإقرائِه غَيرَه يَنصرِفُ هَمُّه عن تَدبُّرِ القُرآنِ إلى حِفظِه على القارِئِ، فيَكونَ قد صرَف فَهْمَه عن تَدبُّرِ أسرارِه لِنَفسِه إلى حِفظِ ظاهِرِ نُطقِه لِغَيرِه، وإلا فلا يُظَنُّ بهما ﵄ أنَّهما كانا يَريان شَيئًا من عِباداتِ المُعتكِفِ يَعدِلُ قِراءةَ القُرآنِ في تَدبُّرٍ له، وهذا كلُّه يَسيرُ إلى أنَّ الاعتِكافَ حَبسٌ لِلنَّفسِ، وجَمعٌ لِلهِمَّةِ على نُفوذِ البَصيرةِ في تَدبُّرِ القُرآنِ، ومَعاني التَّسبيحِ، والتَّحميدِ، والتَّهليلِ، وذِكرِ اللهِ ، فيَكونُ كلُّ ما جُمِع من الفِكرِ يُناسِبُ هذه العِبادةَ، وكلُّ ما بُسِط من الفِكرِ ونُشِر من «الهَمِّ» يُنافيها (١).
وَقتُ دُخولِ المُعتكِفِ المَسجدَ:
ذهَب أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في المَشهورِ عنه وأكثرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّ مَنْ نذَر اعتِكافَ شَهرٍ بعَينِه كرَمضانَ أو نذَر اعتِكافَ عَشرٍ كالعَشرِ الأخيرةِ من رَمضانَ أو أراد ذلك تَطوُّعًا دخَل مُعتكَفه قبلَ لَيلتِه الأُولى، أي: قبلَ غُروبِ الشَّمسِ، إذِ الشَّهرُ يَدخُلُ اللَّيلةَ، بدَليلِ تَرتُّبِ الأحكامِ المُعلَّقةِ به من حُلولِ الدَّينِ ووُقوعِ الطَّلاقِ والعِتاقِ المُعلَّقَيْن به وما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ، فعلى هذا إذا أحَبَّ أنْ يَعتكِفَ
стр. 2709
العَشرَ الأواخِرَ من رَمضانَ تَطوُّعًا دخَل قبلَ غُروبِ الشَّمسِ من لَيلةِ إحدى وعِشرينَ، لِما رُوي عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كان يَعْتَكِفُ في الْعَشْرِ الْأَوْاسَطِ من رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا حتى إذا كان لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ وَهِيَ اللَّيْلَةُ التي يَخْرُجُ من صَبِيحَتِهَا من اعْتِكَافِهِ قال: «من كان اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَعْتَكِفِ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ» (١).
ولأنَّ العَشرَ بغَيرِ هاءٍ عَددُ اللَّيالي، فإنَّها عَددُ المُؤنَّثِ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: ٢]، وأوَّلُ اللَّيالي العَشرِ: لَيلةُ إحدى وعِشرين.
وأوَّلوا حَديثَ عائِشةَ ﵂: «كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صلى الْفَجْرَ ثُمَّ دخَل مُعْتَكَفَهُ» (٢) على أنَّه دخَل من أوَّلِ اللَّيلِ، ولكنْ إنَّما تَخلَّى بنَفسِه في المَكانِ الذي أعَدَّه لِنَفسِه بعدَ صَلاةِ الصُّبحِ لا أنَّ ذلك وَقتُ ابتِداءِ الاعتِكافِ، بل كان من قَبلِ المَغرِبِ مُعتكِفًا لَابِثًا في جُملةِ المَسجدِ، فلَمَّا صَلَّى الصُّبحَ انفرَد.
قال أبو عُمَرَ بنُ عَبدِ البَرِّ ﵀ عن حَديثِ عائِشةَ هذا: لا أعلَمُ أحَدًا من فُقهاءِ الأمصارِ قال بهذا الحَديثِ مع ثُبوتِه وصِحَّتِه في وَقتِ دُخولِ المُعتكِفِ مَوضِعَ اعتِكافِه إلا الأوزاعيَّ واللَّيثَّ بنَ سَعدٍ، وقال به طائِفةٌ من التابِعين (٣).
стр. 2710
وذهَب الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه إلى أنَّه يَدخُلُ بعدَ صَلاةِ الفَجرِ؛ لِحَديثِ عائِشةَ المُتقدِّمِ (١).
وَقتُ خُروجِ المُعتكِفِ من المَسجدِ:
اتَّفَق الأئِمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يَعتكِفَ العَشرَ الأواخِرَ من رَمضانَ يَخرُجُ منه بعدَ غُروبِ الشَّمسِ من لَيلةِ شَوَّالٍ، إلا أنَّهم استَحبُّوا أنْ يَمكُثَ في مُعتكَفِه بعدَ هِلالِ شَوَّالٍ حتى يُصلِّيَ العيدَ أو يَخرُجَ منه إلى المُصلَّى إنْ صَلَّوْها في غَيرِها (٢).
قال الإمامُ مالِكٌ ﵀: إنَّه رأى أهلَ الفَضلِ إذا اعتكَفوا العَشرَ الأواخرَ من رَمضانَ لا يَرجعون إلى أهليهم حتى يَشهَدوا العيدَ مع الناسِ، وبلَغني ذلك عن أهلِ الفَضلِ الذين مَضَوْا، وذلك أحسَنُ ما سَمِعتُ (٣).
стр. 2711
وقال الإمامُ الَّنوَويُّ ﵀: ومَن أراد الاقتِداءَ بالنَّبيِّ ﷺ في اعتِكافِ العَشرِ الأواخِرِ من رَمضانَ فيَنبَغي أنْ يَدخُل المَسجِدَ قَبلَ غُروبِ الشَّمسِ لَيلةَ الحادي والعِشرينَ منه سَواءٌ تَمَّ الشَّهرُ أو نَقَص، والأفضَلُ أنْ يَمكُثَ لَيلةَ العِيدِ في المَسجدِ حتى يُصلِّيَ فيه صَلاةَ العيدِ أو يَخرُجَ منه إلى المُصلَّى لِصَلاةِ العيدِ إنْ صَلَّوْها في المُصلَّى (١).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَنِ اعتكَف العَشرَ الأواخِرَ من رَمضانَ استُحِبَّ أنْ يَبيتَ لَيلةَ العيدِ في مُعتكَفِه: نَصَّ عليه أحمدُ (٢).
стр. 2712
تم بحمد الله
стр. 2713
كتاب الحج
стр. 2714
كتاب الحج
تَعريفُ الحَجِّ:
الحَجُّ لُغةً: الحَجُّ بفَتحِ الحاءِ ويَجوزُ كَسرُها، هو لُغةً: القَصدُ، حجَّ إلَينا فُلانٌ: أي قدِم، وحَجَّه يحُجُّ حَجًّا: قصَدَه، ورَجلٌ مَحجوجٌ، أي: مَقصودٌ. هذا هو المَشهورُ.
وقال جَماعةٌ من أهلِ اللُّغةِ: الحَجُّ هو القَصدُ لمُعظَّمٍ.
والحِجُّ بالكَسرِ: الاسمُ، الحِجَةُ: المرَّةُ الواحِدةُ، وهو من الشَّواذِ؛ لأنَّ القياسَ بالفَتحِ.
وقال ابنُ فارِسٍ: الحاءُ والجيمُ أُصولٌ أربَعةٌ فالأوَّلُ القَصدُ وكلُّ قَصدٍ حَجٌّ، قال:
وأشهَدُ من عَوفٍ حُلولًا كَثيرةً … يحُجُّونَ سَبَّ الزِّبرقانِ المُزَعفَرا
стр. 2715
ثُمَّ اختُصَّ بهذا الاسمِ القَصدُ إلى البَيتِ الحَرامِ للنُّسكِ، والحَجيجُ: جماعةُ الحاجِّ، قال:
ذَكَرتُكَ والحَجيجُ لهم ضَجيجُ … بِمكةَ والقُلوبُ لها وَجيبُ (١)
وقال الأزهَريُّ: قال اللَّيثُ: الحَجُّ: القَصدُ والسَّيرُ إلى البَيتِ خاصَّةً، تَقولُ: حجَّ يحُجُّ حَجًّا، قال: والحَجُّ قَضاءُ نُسكِ سَنةٍ واحدِةٍ. وبعضٌ يَكسِرُ الحاءَ فيَقولُ: الحِجُّ والحِجَّةُ، وقُرِئَ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]. وَ (حَجُّ البَيتِ) والفَتحُ أكثرُ.
وقال أبو إسحاقَ الزَّجاجُ في قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧]: يُقرأُ بفَتحِ الحاءِ وكَسرِها، والفتحُ الأصلُ. تَقولُ: حَجَجتُ البَيتَ أحُجُّه حَجًّا إذا قصَدتَه. والحِجُّ اسمُ العَملِ.
وَقيلَ: الحَجُّ: الزِّيارةُ والإتيانُ، وإنَّما سُميَ حاجًّا بزيارتِه بَيتَ اللهِ.
وقيلَ: حَجَجتُ فُلانًا واعتمَرتُه أي: قَصدتُه.
وقيلَ: حَجَجتُ فُلانًا إذا أتَيتُه مَرةً بعدَ مَرةٍ، فقيلَ: حجَّ البَيتَ؛ لأنَّ الناسَ يَأتونَه كلَّ سَنةٍ (٢).
وقال الإمامُ الطَّبريُّ ﵀ في تَفسيرِ قولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ [البقرة: ١٥٨]: يَعني -تَعالى ذِكرُه- فمن أتاه عائدًا إليه بعدَ بَدءٍ،
стр. 2716
وكذلك كلُّ من أكثرَ الاختِلافَ إلى شيءٍ فهو حاجٌّ إلَيه، وإنَّما قيلَ للحاجِّ: حاجٌّ؛ لأنَّه يَأتي البَيتَ قبلَ التَّعريفِ (١)، ثم يَعودُ إليه لطَوافِ يومِ النَّحرِ بعدَ التَّعريفِ، ثم يَنصَرفُ عنه إلى منًى، ثم يَعودُ إليه لطَوافِ الصَّدَرِ (٢)، فلتَكرارِه العَودَ إليه مَرةً بعدَ أُخرَى، قيلَ له حاجٌّ (٣).
تَعريفُ الحَجِّ اصطِلاحًا:
الحَجُّ في اصطلاحِ الشَّرعِ: هو قَصدُ مَوضعٍ مَخصوصٍ (وهو البَيتُ الحَرامُ وعَرفةُ) في وقتٍ مَخصوصٍ (وهو أشهُرُ الحَجِّ) للقيامِ بأعمالٍ مَخصوصةٍ، وهي الوُقوفُ بعَرفةَ والطَّوافُ والسَّعيُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وبشَرائطَ مَخصوصةٍ يَأتي بَيانُها (٤) إن شاءَ اللهُ تَعالى.
فَضلُ الحَجِّ:
تَضافَرت النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ الكَثيرةُ على الإشادةِ بفَضلِ الحَجِّ، وعَظمةِ ثَوابِه وجَزيلِ أجرِه العَظيمِ عندَ اللهِ تَعالى.
стр. 2717
قال اللهُ تَعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ [الحج: ٢٧، ٢٨].
ومِنَ الأحاديثِ:
١ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: «إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سُئل: أيُّ العَملِ أفضلُ؟ فقال: إيمانٌ باللهِ ورَسولِه، قيلَ: ثم ماذا؟ قال: الجِهادُ في سَبيلِ اللهِ، قيلَ: ثم ماذا؟ قال: حَجٌّ مَبرورٌ» (١).
٢ - وعَن أبي هُريرةَ ﵁ قال: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ حجَّ للهِ فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ، رجَع كيومِ ولَدتْه أمُّه» (٢).
وفي لَفظِ التِّرمذيِّ: «مَنْ حجَّ فلم يَرفُثْ ولم يَفسُقْ غُفرَ له ما تَقدَّم من ذَنبِه» (٣).
٣ - وعَن أبي هُريرةَ ﵁ أيضًا أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما، والحَجُّ المَبرورُ ليسَ له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (٤).
стр. 2718
والمَبرورُ: الذي لا مَعصيةَ فيه، أو الذي وُفِّيتْ أحكامُه فوقَع مُوافقًا لِما طُلبَ من المُكلَّفِ على الوَجهِ الأكملِ.
٤ - ما رَواه البُخاريُّ عن عائشةَ أمِّ المؤمِنينَ ﵄ أنَّها قالت: «يا رَسولَ الله نرَى الجِهادَ أفضلَ العَملِ أفَلا نُجاهدُ؟ قال: لا، لكنَّ أفضلَ الجِهادِ حَجٌّ مَبرورٌ» (١).
٥ - وعَن عائشةَ ﵂ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «ما من يَومٍ أكثرَ من أنْ يُعتِقَ اللهُ فيه عَبدًا من النارِ من يومِ عَرفةَ، وإنَّه ليَدنو ثم يُباهي بهم المَلائكةَ فيَقولُ: ما أرادَ هؤلاء؟» (٢).
٦ - وعَن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «تابِعوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ؛ فإنَّهما يَنفيانِ الفَقرَ والذُّنوبَ كَما يَنفي الكِيرُ خَبثَ الحَديدِ والذَّهبِ والفِضةِ، وليسَ للحَجةِ المَبرورةِ ثَوابٌ إلا الجَنةُ» (٣).
стр. 2719
حُكمُ الحَجِّ:
الحَجُّ رُكنٌ من أركانِ الإسلامِ، وفَرضُ عَينٍ على كلِّ مُسلمٍ مُكلَّفٍ مُستطيعٍ في العُمرِ مَرةً، وقَد ثبَتتْ فَرضيَّتُه بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ والمَعقولِ:
أمَّا الكِتابُ: فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: في الآيةِ دَليلُ وُجوبِ الحَجِّ من وجهَين:
أحدُهما: أنَّه قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ و: «علَى» كَلمةُ إيجابٍ.
والثاني: أنَّه قال: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ قيلَ: التَّأويلُ: ومن كفَر بوُجوبِ الحَجِّ حتى رُوي عن ابنِ عَباسٍ ﵁ أنَّه قال: أي: ومن كفَر بالحَجِّ فلم يَرَ حجَّه بِرًّا ولا تَركَه مَأثمًا.
وقولُه تَعالى لِإبراهيمَ ﵇: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ قيلَ: ادعُ الناسَ ونادِهم إلى حَجِّ البَيتِ، وقيلَ: أي أعلِمِ الناسَ أنَّ اللهَ فرَض عليهم الحَجَّ، ودَليلُه قولُه تَعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (١).
وقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وأمَّا السُّنةُ: فمِنها حَديثُ ابنِ عُمرَ ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «بُنيَ الإسلامُ على خَمسٍ: شَهادةِ أن لا إلَه إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا
стр. 2720
رَسولُ اللهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والحَجِّ، وصَومِ رَمضانَ» (١).
وعَن أبي هُريرةَ ﵁ قال: خطَبنا رَسولُ اللهِ ﷺ فقال: «أيُّها الناسُ، قَدْ فرَض اللهُ علَيكم الحَجُّ فحُجُّوا». فقال رَجلٌ: أكلَّ عامٍ يا رَسولَ اللهِ؟ فسكَت، حتى قالها ثَلاثًا، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «لَو قلتُ نَعمْ لَوجَبت، ولَما استَطعتُم، ثم قال: ذَروني ما تَركتُكم، فإنَّما هلَك من كان قبلَكم بكَثرةِ سُؤالهم واختِلافِهم على أنبيائهم، فإذا أمَرتُكم بشيءٍ فَأْتُوا منه ما استَطَعتُم، وإذا نَهَيتُكم عن شيءٍ فدَعوهُ» (٢).
وغيرُ ذلك من الأحاديثَ كَثيرٌ، بلَغتْ مَبلغَ التَّواتُرِ الذي يُفيدُ اليَقينَ الجازِمَ بثُبوتِ هذه الفَريضةِ.
وأمَّا الإجماعُ: فقَد أجمَعت الأُمةُ على وُجوبِ الحَجِّ في العُمرِ مَرةً على المُستطيعِ، وهو من الأُمورِ المَعلومةِ من الدِّينِ بالضَّرورةِ، يَكفرُ جاحِدُه.
وقَد نقَلَ الإجماعَ على ذلك عَددٌ كَبيرٌ من أهلِ العِلمِ، مِنهم ابنُ المُنذرِ والنَّوويُّ وابنُ هُبيرةَ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وأجمَعَتِ الأمَّةُ على وُجوبِ الحَجِّ على المُستطيعِ في العُمرِ مرَّةً واحِدةً …
стр. 2721
ثمَّ قالَ: وجُملةُ ذلكَ أنَّ الحَجَّ إنما يَجبُ بخَمسِ شَرائطَ: الإسلامُ والعَقلُ والبُلوغُ والحرِّيةُ والاستِطاعةُ، لا نَعلمُ في هذا كُلِّه اختِلافًا (١).
وقالَ الكاسانِيُّ ﵀: الحَجُّ ثَبتتْ فَرضيَّتُه بالكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمَّةِ (٢).
وقالَ ابنُ هُبيرةَ ﵀: أجمَعُوا على أنَّ الحَجَّ أحَدُ أركانِ الإسلامِ وفَرضٌ مِنْ فُروضِه، والحَجُّ في اللُّغةِ: القَصدُ، وفي الشَّرعِ: عِبارةٌ عن أفعالٍ مَخصوصةٍ في مَكانٍ مَخصوصٍ، وهو الطَّوافُ والسَّعيُ والطَّوافُ في مكانٍ مَخصوصٍ وهو أشهُرُ الحَجِّ، وأجمَعُوا على أنه يَجبُ على كُلِّ مُسلمٍ بالغٍ حُرٍّ عاقِلٍ صَحيحٍ مُستطيعٍ في العُمرِ مرَّةً واحِدةً (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: اتَّفقُوا أنَّ الحُرَّ المُسلمَ العاقِلَ البالغَ الصَّحيحَ الجِسمِ واليدَينِ والبَصرِ والرِّجلينِ الذي يَجدُ زادًا وراحِلةً وشَيئًا يَتخلَّفُ لأهلِه مُدةَ مُضيِّه وليسَ في طَريقِه بَحرٌ ولا خَوفٌ ولا منَعَه أبَواه أو أحَدُهما فإنَّ الحَجَّ عليهِ فَرضٌ (٤).
وقالَ القاضي عِياضٌ ﵀: والحَجُّ فَريضةٌ على الأعيانِ الأحرارِ المُستطيعينَ مرَّةً في العُمرِ، هذا ما أجمَعَ المُسلمونَ عَليهِ (٥).
стр. 2722
وأمَّا المَعقولُ: فهو أنَّ العِباداتِ وجَبت لحقِّ العُبوديَّةِ، أو لحقِّ شُكرِ النِّعمةِ؛ إذ كلُّ ذلك لازِمٌ في المَعقولِ، وفي الحَجِّ إظهارُ العُبوديَّةِ، فلأنَّ إظهارَ العُبوديَّةِ هو إظهارُ التَّذلُّلِ للمَعبودِ، وفي الحَجِّ ذلك؛ لأنَّ الحاجَّ في حال إحرامِه يُظهرُ الشَّعثَ، ويَرفضُ أسبابَ التَّزينِ والارتِفاقِ، ويَتصورُ بصورةِ عبدٍ سخِط عليه مَولاه، فيَتعرَّضُ بسوءِ حاله لعَطفِ مَولاه ومَرحمتِه إياه، وفي حال وُقوفِه بعَرفةَ بمَنزلةِ عَبدٍ عصَى مَولاه فوقَف بينَ يَديْه مُتضرِّعًا حامِدًا له مُثنيًا عليه مُستغفِرًا لزَلَّاتِه مُستَقيلًا لعَثراتِه، وبالطَّوافِ حولَ البَيتِ يُلازمُ المَكانَ المَنسوبَ إلى رَبِّه بمَنزلةِ عَبدٍ مُعتَكفٍ على بابِ مَولاه، لائذٍ بجنابِه.
وأمَّا شُكرُ النِّعمةِ، فلأنَّ العِباداتِ يَكونُ بعضُها بَدنيًّا وبعضُها ماليًّا، والحَجُّ عِبادةٌ لا تَقومُ إلا بالبَدنِ والمالِ، ولهذا لا يَجبُ إلا عندَ وُجودِ المالِ وصِحةِ البَدنِ، فكانَ فيه شُكرُ النِّعمتَين، وشُكرُ النِّعمةِ ليسَ إلا استِعمالَها في طاعةِ المُنعِمِ، وشُكرُ النِّعمةِ واجبٌ عَقلًا وشَرعًا، واللهُ أعلمُ (١).
وُجوبُ الحَجِّ على الفَورِ أو التَّراخي؟
اختلَف الفُقهاءُ في وُجوبِ الحَجِّ عندَ تَحقيقِ الشُّروطِ -الآتي ذِكرُها- هل هو على الفَورِ أو على التَّراخي؟ على قولَين:
стр. 2723
القولُ الأولُ: أنَّ الحَجُّ يَجبُ على الفَورِ ولا يَجوزُ تَأخيرُه مع القُدرةِ عليه، فمن تَحقَّق فَرضُ الحَجِّ عليه في عامٍ فأخَّره يَكونُ آثِمًا، وإذا أدَّاه بعدَ ذلك كان أداءً لا قَضاءً، وارتفَع الإثمُ، وهو مَذهبُ الإمامِ أبي حَنيفةَ في أصحِّ الرِّوايتَين عنهُ وأبي يُوسفَ في المَشهورِ عنه وهو المُعتمدُ عندَ الحَنفيةِ ومالكٍ في قَولٍ اختارَه بعضُ البَغداديِّينَ المُتأخِّرينَ من المالِكيينَ والحَنابلةِ في المَذهبِ والمُزنيُّ من الشافِعيةِ (١).
استَدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقولِه تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
١ - والأمرُ بالحَجِّ في وقتِه مُطلقٌ يَحتملُ الفَورَ، ويَحتملُ التَّراخيَ، والحَملُ على الفَورِ أحوَطُ؛ لأنَّه إذا حُمل عليه يَأتي بالفِعلِ على الفَورِ ظاهِرًا، وفي الأغلَبِ خَوفًا من الإثمِ بالتَّأخيرِ، فإنْ أُريدَ به الفَورُ فقَد أتَى بما أُمر به فأمِنَ الضَّررَ، وإنْ أُريدَ به التَّراخي لا يَضرُّه الفِعلُ
стр. 2724
على الفَورِ، بل يَنفعُه؛ لمُسارَعتِه إلى الخَيرِ، ولَو حُمل على التَّراخي فربَّما لا يَأتي به على الفَورِ؛ بل يُؤخِّرُ إلى السَّنةِ الثانيةِ والثالِثةِ فتَلحقُه المَضرَّةُ إنْ أُريدَ به الفَورُ.
وإنْ كان لا يَلحقُه إنْ أُريدَ به التَّراخي، كان الحَملُ على الفَورِ حَملًا على أحوطِ الوجهَين، فكانَ أوْلَى.
ولأنَّ للحَجِّ وقتًا مُعيَّنًا من السَّنةِ يَفوتُ عن تلك السَّنةِ بفَواتِ ذلك الوقتِ، فلَو أخَّره عن السَّنةِ الأُولى تَفويتًا له لِلحالِ الثانيةِ (وقَد لا يَعيشُ) فكانَ التَّأخيرُ عن السَّنةِ الأُولى تَفويتًا له لِلحال؛ لأنَّه لا يُمكِنُه الأداءُ لِلحالِ إلى أنْ يَجيءَ وقتُ الحَجِّ من السَّنةِ الثانيةِ، وفي إدراكِ السَّنةِ الثانيةِ شَكٌّ، فلا يَرتفعُ الفَواتُ الثابتُ للحالِ بالشَّكِّ، والتَّفويتُ حَرامٌ (١).
٢ - بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّها الناسُ قَدْ فرَض اللهُ علَيكم الحَجَّ فحُجُّوا» (٢). والأصلُ في الأمرِ أنْ يَكونَ على الفَورِ.
٣ - قولِه ﷺ : «مَنْ أرادَ الحَجَّ فليَتعجَّلْ؛ فإنَّه قَدْ يَمرضُ المَريضُ وتَضلُّ الضَّالةُ وتَعرِضُ الحاجةُ» (٣).
٤ - وبِما رُوي مَرفوعًا: «مَنْ ملَك زادًا وراحِلةً تُبلِّغُه إلى بَيتِ اللهِ ولم يحُجَّ فلا عليه أنْ يَموتَ يَهوديًّا أو نَصرانيًّا، وذلك أنَّ اللهَ يَقولُ في كتابِه:
стр. 2725
﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ (١)، فألحَقَ الوعيدَ بمن أخَّر الحَجَّ عن أولِ أوقاتِ الإمكانِ؛ لأنَّه ﷺ قال: «مَنْ ملَك»: «كَذا»: «فَلَم يحُجَّ»، والفاءُ لِلتَّعقيبِ بلا فَصلٍ؛ أي: لم يحُجَّ عقبَ مِلكِ الزادِ والراحِلةِ بلا فَصلٍ.
قالوا: ولأنَّه أحدُ أركانِ الإسلامِ، فكانَ واجبًا على الفَورِ كالصِّيامِ؛ ولأنَّ وُجوبَه بصِفةِ التَّوسُّعِ يُخرجُه عن رُتبةِ الواجباتِ؛ لأنَّه يُؤخَّرُ إلى غيرِ غايةٍ، ولا يَأثمُ بالمَوتِ قبلَ فِعلِه، لكَونِه فعَل ما يَجوزُ له فِعلُه، وليسَ على المَوتِ أمارةٌ يَقدرُ بعدَها على فِعلِه (٢).
ولأنَّ إيجابَ الحَجِّ مُعلَّقٌ بشَرطٍ، والأصلُ فيما عُلق بالشُّروطِ لُزومُه عُقيبَ الشَّرطِ بلا فَصلٍ، كقولِه: «مَنْ دخَل الدارَ فأعطِه دِرهمًا»، ولأنَّها عِبادةٌ تَجبُ الكَفارةُ بإفسادِها، فوجبَت على الفَورِ كالصَّومِ.
القولُ الثاني: وهو أنَّ الحَجُّ يَجبُ على التَّراخي، والتَّأخيرُ إنَّما يَجوزُ بشَرطِ العَزمِ على الفِعلِ في المُستقبَلِ، فلَو خشَي العَجزَ أو خشَي هَلاكَ مالِه حرُم التَّأخيرُ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ والإمامِ أحمدَ في رَوايةٍ ومُحمدِ بنِ الحَسنِ وأبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ في رِوايةٍ عنهما، والإمامِ مالكٍ في الرِّوايةِ الأُخرى، وهو قولُ أكثرِ المالِكيين من أهلِ المَغربِ وبعضِ العِراقيِّينَ (٣).
стр. 2726
قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وجاءَتِ الرِّوايةُ عن مالكٍ: أنَّه سُئل عن المَرأةِ تَكونُ صَرورةً مُستطيعةً على الحَجِّ، تَستَأذنُ زَوجها في ذلك فيَأبى أنْ يَأذنَ لها، هل يُجبَرُ على إذنٍ لها؟ قال: نَعمْ، ولكنْ لا يُعجَّلُ عليه، ويُؤخَّرُ العامَ بعدَ العامِ، وهذه الرِّوايةُ عن مالكٍ تَدلُّ على أنَّ الحَجَّ عندَه ليسَ على الفَورِ؛ بل على التَّراخي، واللهُ أعلمُ (١).
واستَدَلُّوا على ذلك بما يَلي:
١ - أنَّ اللهَ تَعالى فرَض الحَجَّ في وقتِ الحَجِّ مُطلقًا؛ لأنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] مُطلقٌ عن الوقتِ، ثم بيَّن وقتَ الحَجِّ بقوله : ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، فوقتُ الحَجِّ أشهُرٌ مَعلوماتٌ، فصارَ المَفروضُ هو الحَجَّ في أشهُرِ الحَجِّ مُطلقًا من العُمرِ؛ فتَقييدُه بالفَورِ تَقييدُ المُطلقِ، ولا يَجوزُ إلا بدَليلٍ (٢).
стр. 2727
٢ - أنَّ فَريضةَ الحَجِّ نزَلت بعدَ الهِجرةِ، وقد فتَح رَسولُ اللهِ ﷺ مكةَ في رَمضانَ سَنةَ ثَمانٍ، وانصرَف عنها في شوَّالٍ من سَنَتِه، واستخلَفَ عتَّابَ بنَ أُسَيدٍ، فأقامَ الناسُ الحَجَّ سَنةَ ثَمانٍ بأمرِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ مُقيمًا بالمَدينةِ هو وأزواجُه وعامَّةُ أصحابِه، ثم غَزا غَزوةَ تَبوكٍ في سَنةِ تِسعٍ، وانصرَف عنها قبلَ الحَجِّ، فبعَث أبا بَكرٍ ﵁، فأقامَ الناسُ الحَجَّ سَنةَ تِسعٍ، ورَسولُ اللهِ ﷺ هو وأزواجُه وعامَّةُ أصحابِه قادِرونَ على الحَجِّ غيرُ مُشتَغلينَ بقِتالٍ ولا غيرِه، ثم حجَّ النَّبيُّ ﷺ بأزواجه وأصحابِه كلِّهم سَنةَ عَشرٍ، فدلَّ على جوازِ التَّأخيرِ، ولَو كان وُجوبُه على الفَورِ لَما احتمَل التَّأخيرُ منه.
٣ - حَديثُ كَعبِ بنِ عُجرةَ ﵁ قال: «وقَف علَيَّ رَسولُ الله ﷺ بالحُدَيبيةِ، ورَأسي يَتهافتُ قَملًا، فقال: يُؤذيكَ هَوامُّك؟ قلتُ: نعَم، قال: فاحلِقْ رَأسَك، أو قال: احلِقْ، قال: فيَّ نزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إلى آخرِها، فقال النَّبيُّ ﷺ : صُمْ ثَلاثةَ أيامٍ، أو تَصدَّقْ بفَرقٍ بينَ سِتةٍ أو انسُكْ بما تَيسَّر» (١).
فَثبَت بهذا الحَديثِ أنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ
стр. 2728
لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)﴾ نزَلت سَنةَ ستٍّ من الهِجرةِ.
قال النَّوويُّ ﵀: وهذه الآيةُ دالَّةٌ على وُجوبِ الحَجِّ، ونزَل بعدَها قولُه تَعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
وقد أجمَع المُسلمونَ على أنَّ الحُدَيبيةَ كانَت سَنةَ ستٍّ من الهِجرةِ في ذي القَعدةِ، وثبَت بالأحاديثِ الصَّحيحةِ واتِّفاقِ العُلماءِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ غَزا حُنَينًا بعدَ فتحِ مكةَ، وقسَّم غَنائمَها، واعتمَر من سَنتِه في ذي القَعدةِ، وكانَ إحرامُه بالعُمرةِ من الجِعِرانةِ، ولم يَكنْ بقِي بينَه وبينَ الحَجِّ إلا أيامٌ يَسيرةٌ، فلو كان على الفَورِ لم يَرجعْ من مكةَ حتى يحُجَّ، مع أنَّه هو وأصحابَه كانوا حينَئذٍ موسِرينَ؛ فقَد غَنِموا الغَنائمَ الكَثيرةَ، ولا عُذرَ لهم ولا قِتالَ ولا شُغلًا آخرَ، وإنَّما أخَّره ﷺ عن سَنةِ ثَمانٍ بَيانًا لِجوازِ التَّأخيرِ، وليَتكاملَ الإسلامُ والمُسلمونَ فيحُجَّ بهم حَجةَ الوداعِ، ويحضُرَها الخَلقُ فيُبلِّغوا عنه المَناسكَ، ولهذا قال في حَجةِ الوداعِ: ليُبلِّغِ الشاهِدُ مِنكم الغائبَ، ولْتأخُذوا عنِّي مَناسكَكم. ونزَل فيها قولُه تَعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾.
قال: واحتَجَّ أصحابُنا أيضًا بالأحاديثِ الصَّحيحةِ المُستَفيضةِ: أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : أمَر في حَجةِ الوَداعِ من لم يَكنْ معه هَديٌ أنْ يَفتتِحَ الإحرامَ بالحَجِّ، ويجعلَه عُمرةً، وهذا صَريحٌ في جوازِ تَأخيرِ الحَجِّ مع التَّمكُّنِ.
стр. 2729
واحتَجَّ أصحابُنا أيضًا بأنَّه إذا أخَّره من سَنةٍ إلى سَنةٍ أو أكثرَ وفعَله يُسمَّى مُؤدِّيًا للحَجِّ لا قاضيًا بإجماعِ المُسلمينَ، هكذا نقَل الإجماعَ فيه القاضي أبو الطيِّبِ وغيرُه، ونقَل الاتِّفاقَ عليه أيضًا القاضي حُسينٌ وآخَرونَ، ولو حرُم التَّأخيرُ لكانَ قَضاءً لا أداءً.
فَإنْ قالوا: هذا يُنتقَضُ بالوُضوءِ، فإنَّه إذا أخَّره حتى خرَج وقتُ الصَّلاةِ ثم فعَله كان أداءً، مع أنَّه يَأثمُ بذلك، قُلنا: قَدْ منَع القاضي أبو الطيِّبِ كَونَه أداءً في هذه الحالةِ. وقال: بل هو قَضاءٌ لبقاءِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه مَقصودٌ لها، لا لنَفسِه، وجَوابٌ آخَرُ، وهو أنَّ الوُضوءَ ليسَ له وقتٌ مَحدودٌ، فلا يُوصَفُ بالقَضاءِ، بخِلافِ الحَجِّ، وقَد تَقرَّر في الاصطِلاحِ أنَّ القَضاءَ: فِعلُ العِبادةِ في خارِجِ وقتِها المَحدودِ.
واحتَجَّ أصحابُنا أيضًا بأنَّه إذا تَمكَّن من الحَجِّ وأخَّره ثم فعَله لا تُردُّ شَهادتُه فيما بينَ تَأخيرِه وفِعلِه بالاتِّفاقِ، ولَو حرُم لَرُدَّت؛ لارتِكابِه المُسيءَ.
قال إمامُ الحَرمَين في «الأساليبِ»: أُسلوبُ الكَلامِ في المَسألةِ أنْ تَقولَ: العِبادةُ الواجبةُ ثَلاثةُ أقسامٍ:
أحدُها: ما يَجبُ لدَفعِ حاجةِ المَساكينِ العاجزينَ وهو الزَّكاةُ، فيَجبُ على الفَورِ؛ لأنَّه المَعنِيُّ من مَقصودِ الشَّرعِ بها.
والثاني: ما تَعلَّق بغيرِ مَصلحةِ المُكلَّفِ، وتَعلَّق بأوقاتٍ شَريفةٍ كالصَّلاةِ وصَومِ رَمضانَ، فيَتعيَّنُ فِعلُها في الأوقاتِ المَشروعةِ لها؛ لأنَّ المَقصودَ فِعلُها في تلك الأوقاتِ.
стр. 2730
والثالثُ: عَبادةٌ تَستغرِقُ العُمرَ وتُبسَطُ عليه حَقيقةً وحُكمًا، وهي الإيمانُ، فيَجبُ التَّداركُ إليه؛ ليثبُتَ وُجوبُ استِغراقِ العُمرِ به.
والرابعُ: عِبادةٌ لا تَتعلَّقُ بوقتٍ ولا حاجةٍ، ولم تُشرَعْ مُستغرِقةً للعُمرِ، وكانَت مَرةً واحِدةً في العُمرِ، وهي الحَجُّ، فحَملُ أمرِ الشَّرعِ بها للامتِثالِ المُطلقِ، والمَطلوبُ تَحصيلُ الحَجِّ في الجُملةِ، ولهذا إذا فاتَت الصَّلاةُ كان قَضاؤُها على التَّراخي؛ لعَدمِ الوقتِ المُختصِّ، وهذا القياسُ في صَومِ رَمضانَ إذا فاتَ لا يَختصُّ قَضاؤُه بزَمانٍ، ولكِن تَثبتُ آثارٌ اقتَضَت غايَتَه بمُدةِ السَّنةِ، هذا كلُّه إذا قُلنا: إنَّه يَقتَضي الفَورَ، ولَنا طَريقٌ آخَرُ المَقصودُ منه الامتِثالُ المُجرَّدُ، ومن زعَم أنَّه يَقتَضي الفَورَ نقَلنا الكَلامَ معه إلى أُصولِ الفِقهِ، ويُمكِنُ أنْ يُقالَ: الحَجُّ عِبادةٌ لا تُنالُ إلا بشِقِّ الأنفُسِ، ولا يَتأتَّى الإقدامُ عليها بعَينِها؛ بل يَقتَضي التَّشاغُلَ بأسبابِها، والنَّظرَ في الرِّفاقِ والطُّرقِ، وهذا مع بُعدِ المَسافةِ يَقتَضي مُهلةً فَسيحةً لا يُمكِن ضَبطُها بوقتٍ، وهذا هو الحِكمةُ في إضافةِ الحَجِّ إلى العُمرِ، ويُمكِن أنْ يُجعلَ هذا قَرينةً في اقتِضاءِ الأمرِ بالحَجِّ للتَّراخي، فنَقولَ: الأمرُ بالحَجِّ إمَّا أنْ يَكونَ مُطلقًا، والأمرُ المُطلقُ لا يَقتَضي الفَورَ، وإمَّا أنْ يَكونَ معه ما يَقتَضي التَّراخيَ كما ذكَرناه، هذا كَلامُ إمامِ الحَرمَين.
وأمَّا الجَوابُ عن احتِجاجِ الحَنفيةِ بالآيةِ الكَريمةِ، وأنَّ الأمرَ يَقتَضي الفَورَ، فمن وجهَين:
أحدُهما: أكثرُ أصحابِنا قالوا: إنَّ الأمرَ المُطلقَ المُجرَّدَ عن القَرائنِ لا
стр. 2731
يَقتَضي الفَورَ؛ بل هو على التَّراخي، وقَد سبَق تَقريرُه في كَلامِ إمامِ الحَرمَين، وهذا الذي ذكَرتُه، من أنَّ أكثرَ أصحابِنا عليه هو المَعروفُ في كُتبِهم في الأُصولِ، ونقَل القاضي أبو الطيِّبِ في تَعليقِه في هذه المَسألةِ عن أكثرِ أصحابِنا.
والثاني: أنَّه يَقتَضي الفَورَ، وهُنا دَليلٌ يَصرِفُه إلى التَّراخي، وهو ما قدَّمناه من فِعلِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأكثرِ أصحابِه مع ما ذكَره إمامُ الحَرمَين من القَرينةِ المَذكورةِ في آخرِ كَلامِه.
وأمَّا الحَديثُ: من أرادَ الحَجُّ فليُعجِّلْ، فجَوابُه من أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّه ضَعيفٌ.
والثاني: أنَّه حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّه فوَّض فِعلَه إلى إرادَتِه واختيارِه، ولو كان على الفَورِ لم يُفوِّضْ تَعجيلَه إلى اختيارِه.
والثالثُ: أنَّه أمرُ نَدبٍ؛ جمعًا بينَ الأدلَّةِ.
وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ: فليَمتْ إنْ شاءَ يَهوديًّا، فمن أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّه ضَعيفٌ، كَما سبَق.
والثاني: أنَّ الذمَّ لمن أخَّره إلى المَوتِ، ونَحنُ نوافِقُ على تَحريمِ تَأخيرِه إلى المَوتِ، والذي نَقولُ بجوازِه هو التَّأخيرُ، بحيثُ يُفعلُ قبلَ المَوتِ.
الثالث: أنَّه مَحمولٌ على من ترَكه مُعتقِدًا عَدمَ وُجوبه مع الاستِطاعةِ،
стр. 2732
فهذا كافِرٌ، ويُؤيِّدُ هذا التَّأويلَ أنَّه قال: فليَمتْ إنْ شاءَ يَهوديًّا أو نَصرانيًّا، وظاهرُه أنَّه يَموتُ كافِرًا، ولا يَكونُ ذلك إلا إذا اعتقَد عَدمَ وُجوبه مع الاستِطاعةِ، وإلا فقد أجمَعتِ الأُمةُ على أنَّ من تَمكَّن من الحَجِّ فلم يحُجَّ وماتَ لا يُحكمُ بكُفرِه؛ بل هو عاصٍ، فوجَب تَأويلُ الحَديثِ لو صحَّ، واللهُ أعلمُ.
والجَوابُ عن قياسِهم على الصَّومِ: أنَّ وقتَه مُضيَّقٌ، فكانَ فِعلُه مُضيَّقًا بخَلافِ الحَجِّ.
والجَوابُ عن قياسِهم على الجِهادِ من وَجهَين:
أحدُهما: جَوابُ القاضي أبي الطيِّبِ وغيرِهِ: لا نُسلِّمُ بوُجوبه على الفَورِ؛ بل هو مَوكولٌ إلى رَأيِ الإمامِ بحَسبِ المَصلحةِ في الفَورِ والتَّراخي.
والثاني: أنَّ في تَأخيرِ الجِهادِ ضَررًا على المُسلمينَ، بخِلافِ الحَجِّ.
والجَوابُ عن قولِهم: إذا أخَّره وماتَ، هل يَموتُ عاصيًّا، أنَّ الصَّحيحَ عندَنا مَوتُه عاصيًّا، قال أصحابُنا: وإنَّما عصَى لتَفريطِه بالتَّأخيرِ إلى المَوتِ، وإنَّما جازَ له التَّأخيرُ بشَرطِ سَلامةِ العاقِبةِ، كَما إذا ضرَب ولَده أو زَوجتَه، أو المُعلمُ الصَّبيَّ، أو عزَّر السُّلطانُ إنسانًا فماتَ، فإنَّه يَجبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه مَشروطٌ بسَلامةِ العاقِبةِ، والله أعلمُ (١).
стр. 2733
وقال ابنُ بطَّالٍ ﵀: هل فَرضُ الحَجِّ على الفَورِ ولا يَجوزُ تَأخيرُه؟ أو فيه فُسحةٌ وسَعةٌ؟ والذي نزَع فيه ابنُ عُمرَ هو الصَّحيحُ في النَّظرِ، وهو الذي تُعضِّدُه الأُصولُ، أنَّ في فَرضِ الحَجِّ سَعةً وفُسحةً؛ لأنَّ العُمرةَ لم يَجرِ لها ذِكرٌ في القُرآنِ إلا والحَجُّ مَذكورٌ معها، ولذلك قال ابنُ عَباسٍ: إنَّها لَقرينتُها في كتابِ اللهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولَو كان فَرضُ الحَجِّ على الفَورِ لم يَجزْ فَسخُه في عُمرةٍ، ولا أمَر الرَّسولُ ﷺ أصحابَه بذلك، ولَو كان وقتُه مُضيَّقًا لَوجَب إذا أخَّره إلى سَنةٍ أُخرَى أنْ يَكونَ قَضاءً لا أداءً، فلمَّا ثبَت أنَّه أداءٌ في أيِّ وقتٍ به، عُلم أنَّه ليسَ على الفَورِ (١).
وقال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإنْ قيلَ: فَريضةُ الحَجِّ نزلَت سَنةَ عَشرٍ؛ لأنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] نزلَت سَنةَ تِسعٍ، وقيلَ: سَنةَ عَشرٍ، فبادَر رَسولُ اللهِ ﷺ إلى الحَجِّ من غيرِ تَأخيرٍ.
стр. 2734
قيلَ: الدِّلالةُ على أنَّ فَريضةَ الحَجِّ نزلَت سَنةَ ستٍّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أحرَم فيها بالعُمرةِ، وهي عامَ الحُدَيبيةِ، فأُحصرَ، فأنزَل اللهُ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإن قيلَ: فإنَّما أمَرهم اللهُ بإتمامِ الحَجِّ، ولم يَأمرْهم بأنْ يَبتَدِئوا حَجًّا. قيلَ: فقد يُرادُ بالإتمامِ البِناءُ تارةً والابتِداءُ تارةً، على أنَّهم في عامِ الحُدَيبيةِ كانوا قَدْ أحرَموا بعُمرةٍ، ولا يَجوزُ أنْ يُؤمرَ بإتمامِ العِبادةِ من لم يَدخلْ فيها؛ فعُلم أنَّه أرادَ إنشاءَها وابتِداءَها.
ورُوي أنَّ ضِمامَ بنَ ثَعلَبةَ وفَد على النَّبيِّ ﷺ سَنةَ خَمسٍ من الهِجرةِ، وسأَله عن أشياءَ، فكانَ مِما سأَله أنْ قال: أهو أمَرك أن تحُجَّ هذا البَيتَ؟ قال: نَعمْ، فدلَّ ما ذكَرناه على أنَّ فَريضةَ الحَجِّ نزلَت قبلَ سَنةِ عَشرٍ، ولا يُنكَرُ نُزولُ قولِه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] سَنةَ تِسعٍ أو عَشرٍ على وَجهِ تَأكيدِ الوُجوبِ.
فإن قيلَ: فَرضُ الحَجِّ إنَّما استقَر سَنةَ عَشرٍ بعدَ أن تَقدَّم وُجوبُه سَنةَ ستٍّ، بدَليلِ ما رُوي عن أنسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال في حَجةِ سَنةِ عَشرٍ: «إنَّ الزَّمانَ قَدْ استَدارَ كهَيئتِه يومَ خلَق اللهُ السَّمواتِ والأرضَ» (١).
قيلَ: في مُرادِه بهذا القولِ تَأويلانِ:
أحدُهما: أنَّه أرادَ حُصولَ الحَجِّ في ذي الحِجةِ؛ لأنَّهم رُبَّما كانوا قدَّموه إلى ذي القَعدةِ، ورُبَّما أخَّروه إلى المُحرَّمِ.
стр. 2735
والتَّأويلُ الثاني: أنَّه أرادَ تَحريمَ القِتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ، عادَ تَحريمُه إلى ما كان عليه، بعدَ أن كان مُباحًا.
فإن قيلَ: إنَّما أخَّر رَسولُ اللهِ ﷺ الحَجَّ إلى سَنةِ عَشرٍ؛ لِاشتِغالِه بالحَربِ، وخَوفِه على المُسلمينَ من المُشركينَ.
قيلَ: ما نُقل إلَينا من سِيرةِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَدفَعُ هذا التَّأويلَ، وذاكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُحصِر عامَ الحُدَيبيةِ في سَنةِ ستٍّ، فأحلَّ، ثم صالَحَ أهلَ مكةَ على أنْ يَقضيَ العُمرةَ سَنةَ سَبعٍ ويُقيمَ بمكةَ ثَلاثًا، فقَضاها سَنةَ تِسعٍ، ولهذا سُمِّيت عُمرةَ القَضيَّةِ، ثم فتَح مكةَ سَنةَ ثَمانٍ، فصارَت دارَ الإسلامِ، وأمَر عتَّابَ بنَ أُسَيدٍ فحَجَّ فيها بالناسِ، ثم بعَث أبا بَكرٍ سَنةَ تِسعٍ فحَجَّ بالناسِ، وتَخلَّف رَسولُ اللهِ ﷺ غيرَ مَشغولٍ بحَربٍ ولا خائفٍ من عَدوٍّ، ثم أنفَذ عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ بعدَ نُفوذِ أبي بَكرٍ، يَأمرُه بقِراءةِ سُورةِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾؛ فإنْ كان مَعذورًا فلم أنفَذه؟ وإنْ كان غيرَ مَعذورٍ فلم أخَّره؟ ولو كان رَسولُ اللهِ ﷺ مَمنوعًا من الحَجِّ لكانَ مَمنوعًا من العُمرةِ سَنةَ سَبعٍ، ولَو كان خائفًا على أصحابِه لَما أنفَذهم مع أبي بَكرٍ سَنةَ تِسعٍ؛ فسقَط ما قالوه.
فإنْ قيلَ: إنَّما تَأخَّر ليَتكاملَ المُسلمونَ فيُبيِّنَ الحَجَّ لجميعِهم، وهذا مَعنًى يَختصُّ به دونَ غيرِه.
قيلَ: هذا ظَنٌّ قد يَجوزُ أنْ يَكونَ تَأخَّر للأمرَينِ جميعًا؛ ليُبينَ جَوازَ