يَقتَضي الفَورَ؛ بل هو على التَّراخي، وقَد سبَق تَقريرُه في كَلامِ إمامِ الحَرمَين، وهذا الذي ذكَرتُه، من أنَّ أكثرَ أصحابِنا عليه هو المَعروفُ في كُتبِهم في الأُصولِ، ونقَل القاضي أبو الطيِّبِ في تَعليقِه في هذه المَسألةِ عن أكثرِ أصحابِنا.
والثاني: أنَّه يَقتَضي الفَورَ، وهُنا دَليلٌ يَصرِفُه إلى التَّراخي، وهو ما قدَّمناه من فِعلِ رَسولِ اللهِ ﷺ وأكثرِ أصحابِه مع ما ذكَره إمامُ الحَرمَين من القَرينةِ المَذكورةِ في آخرِ كَلامِه.
وأمَّا الحَديثُ: من أرادَ الحَجُّ فليُعجِّلْ، فجَوابُه من أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّه ضَعيفٌ.
والثاني: أنَّه حُجَّةٌ لنا؛ لأنَّه فوَّض فِعلَه إلى إرادَتِه واختيارِه، ولو كان على الفَورِ لم يُفوِّضْ تَعجيلَه إلى اختيارِه.
والثالثُ: أنَّه أمرُ نَدبٍ؛ جمعًا بينَ الأدلَّةِ.
وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ: فليَمتْ إنْ شاءَ يَهوديًّا، فمن أوجُهٍ:
أحدُها: أنَّه ضَعيفٌ، كَما سبَق.
والثاني: أنَّ الذمَّ لمن أخَّره إلى المَوتِ، ونَحنُ نوافِقُ على تَحريمِ تَأخيرِه إلى المَوتِ، والذي نَقولُ بجوازِه هو التَّأخيرُ، بحيثُ يُفعلُ قبلَ المَوتِ.
الثالث: أنَّه مَحمولٌ على من ترَكه مُعتقِدًا عَدمَ وُجوبه مع الاستِطاعةِ،
стр. 2732
فهذا كافِرٌ، ويُؤيِّدُ هذا التَّأويلَ أنَّه قال: فليَمتْ إنْ شاءَ يَهوديًّا أو نَصرانيًّا، وظاهرُه أنَّه يَموتُ كافِرًا، ولا يَكونُ ذلك إلا إذا اعتقَد عَدمَ وُجوبه مع الاستِطاعةِ، وإلا فقد أجمَعتِ الأُمةُ على أنَّ من تَمكَّن من الحَجِّ فلم يحُجَّ وماتَ لا يُحكمُ بكُفرِه؛ بل هو عاصٍ، فوجَب تَأويلُ الحَديثِ لو صحَّ، واللهُ أعلمُ.
والجَوابُ عن قياسِهم على الصَّومِ: أنَّ وقتَه مُضيَّقٌ، فكانَ فِعلُه مُضيَّقًا بخَلافِ الحَجِّ.
والجَوابُ عن قياسِهم على الجِهادِ من وَجهَين:
أحدُهما: جَوابُ القاضي أبي الطيِّبِ وغيرِهِ: لا نُسلِّمُ بوُجوبه على الفَورِ؛ بل هو مَوكولٌ إلى رَأيِ الإمامِ بحَسبِ المَصلحةِ في الفَورِ والتَّراخي.
والثاني: أنَّ في تَأخيرِ الجِهادِ ضَررًا على المُسلمينَ، بخِلافِ الحَجِّ.
والجَوابُ عن قولِهم: إذا أخَّره وماتَ، هل يَموتُ عاصيًّا، أنَّ الصَّحيحَ عندَنا مَوتُه عاصيًّا، قال أصحابُنا: وإنَّما عصَى لتَفريطِه بالتَّأخيرِ إلى المَوتِ، وإنَّما جازَ له التَّأخيرُ بشَرطِ سَلامةِ العاقِبةِ، كَما إذا ضرَب ولَده أو زَوجتَه، أو المُعلمُ الصَّبيَّ، أو عزَّر السُّلطانُ إنسانًا فماتَ، فإنَّه يَجبُ الضَّمانُ؛ لأنَّه مَشروطٌ بسَلامةِ العاقِبةِ، والله أعلمُ (١).
стр. 2733
وقال ابنُ بطَّالٍ ﵀: هل فَرضُ الحَجِّ على الفَورِ ولا يَجوزُ تَأخيرُه؟ أو فيه فُسحةٌ وسَعةٌ؟ والذي نزَع فيه ابنُ عُمرَ هو الصَّحيحُ في النَّظرِ، وهو الذي تُعضِّدُه الأُصولُ، أنَّ في فَرضِ الحَجِّ سَعةً وفُسحةً؛ لأنَّ العُمرةَ لم يَجرِ لها ذِكرٌ في القُرآنِ إلا والحَجُّ مَذكورٌ معها، ولذلك قال ابنُ عَباسٍ: إنَّها لَقرينتُها في كتابِ اللهِ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ولَو كان فَرضُ الحَجِّ على الفَورِ لم يَجزْ فَسخُه في عُمرةٍ، ولا أمَر الرَّسولُ ﷺ أصحابَه بذلك، ولَو كان وقتُه مُضيَّقًا لَوجَب إذا أخَّره إلى سَنةٍ أُخرَى أنْ يَكونَ قَضاءً لا أداءً، فلمَّا ثبَت أنَّه أداءٌ في أيِّ وقتٍ به، عُلم أنَّه ليسَ على الفَورِ (١).
وقال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإنْ قيلَ: فَريضةُ الحَجِّ نزلَت سَنةَ عَشرٍ؛ لأنَّ قولَه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] نزلَت سَنةَ تِسعٍ، وقيلَ: سَنةَ عَشرٍ، فبادَر رَسولُ اللهِ ﷺ إلى الحَجِّ من غيرِ تَأخيرٍ.
стр. 2734
قيلَ: الدِّلالةُ على أنَّ فَريضةَ الحَجِّ نزلَت سَنةَ ستٍّ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أحرَم فيها بالعُمرةِ، وهي عامَ الحُدَيبيةِ، فأُحصرَ، فأنزَل اللهُ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. فإن قيلَ: فإنَّما أمَرهم اللهُ بإتمامِ الحَجِّ، ولم يَأمرْهم بأنْ يَبتَدِئوا حَجًّا. قيلَ: فقد يُرادُ بالإتمامِ البِناءُ تارةً والابتِداءُ تارةً، على أنَّهم في عامِ الحُدَيبيةِ كانوا قَدْ أحرَموا بعُمرةٍ، ولا يَجوزُ أنْ يُؤمرَ بإتمامِ العِبادةِ من لم يَدخلْ فيها؛ فعُلم أنَّه أرادَ إنشاءَها وابتِداءَها.
ورُوي أنَّ ضِمامَ بنَ ثَعلَبةَ وفَد على النَّبيِّ ﷺ سَنةَ خَمسٍ من الهِجرةِ، وسأَله عن أشياءَ، فكانَ مِما سأَله أنْ قال: أهو أمَرك أن تحُجَّ هذا البَيتَ؟ قال: نَعمْ، فدلَّ ما ذكَرناه على أنَّ فَريضةَ الحَجِّ نزلَت قبلَ سَنةِ عَشرٍ، ولا يُنكَرُ نُزولُ قولِه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧] سَنةَ تِسعٍ أو عَشرٍ على وَجهِ تَأكيدِ الوُجوبِ.
فإن قيلَ: فَرضُ الحَجِّ إنَّما استقَر سَنةَ عَشرٍ بعدَ أن تَقدَّم وُجوبُه سَنةَ ستٍّ، بدَليلِ ما رُوي عن أنسٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال في حَجةِ سَنةِ عَشرٍ: «إنَّ الزَّمانَ قَدْ استَدارَ كهَيئتِه يومَ خلَق اللهُ السَّمواتِ والأرضَ» (١).
قيلَ: في مُرادِه بهذا القولِ تَأويلانِ:
أحدُهما: أنَّه أرادَ حُصولَ الحَجِّ في ذي الحِجةِ؛ لأنَّهم رُبَّما كانوا قدَّموه إلى ذي القَعدةِ، ورُبَّما أخَّروه إلى المُحرَّمِ.
стр. 2735
والتَّأويلُ الثاني: أنَّه أرادَ تَحريمَ القِتالِ في الأشهُرِ الحُرُمِ، عادَ تَحريمُه إلى ما كان عليه، بعدَ أن كان مُباحًا.
فإن قيلَ: إنَّما أخَّر رَسولُ اللهِ ﷺ الحَجَّ إلى سَنةِ عَشرٍ؛ لِاشتِغالِه بالحَربِ، وخَوفِه على المُسلمينَ من المُشركينَ.
قيلَ: ما نُقل إلَينا من سِيرةِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَدفَعُ هذا التَّأويلَ، وذاكَ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أُحصِر عامَ الحُدَيبيةِ في سَنةِ ستٍّ، فأحلَّ، ثم صالَحَ أهلَ مكةَ على أنْ يَقضيَ العُمرةَ سَنةَ سَبعٍ ويُقيمَ بمكةَ ثَلاثًا، فقَضاها سَنةَ تِسعٍ، ولهذا سُمِّيت عُمرةَ القَضيَّةِ، ثم فتَح مكةَ سَنةَ ثَمانٍ، فصارَت دارَ الإسلامِ، وأمَر عتَّابَ بنَ أُسَيدٍ فحَجَّ فيها بالناسِ، ثم بعَث أبا بَكرٍ سَنةَ تِسعٍ فحَجَّ بالناسِ، وتَخلَّف رَسولُ اللهِ ﷺ غيرَ مَشغولٍ بحَربٍ ولا خائفٍ من عَدوٍّ، ثم أنفَذ عَليَّ بنَ أبي طالِبٍ بعدَ نُفوذِ أبي بَكرٍ، يَأمرُه بقِراءةِ سُورةِ ﴿بَرَاءَةٌ﴾؛ فإنْ كان مَعذورًا فلم أنفَذه؟ وإنْ كان غيرَ مَعذورٍ فلم أخَّره؟ ولو كان رَسولُ اللهِ ﷺ مَمنوعًا من الحَجِّ لكانَ مَمنوعًا من العُمرةِ سَنةَ سَبعٍ، ولَو كان خائفًا على أصحابِه لَما أنفَذهم مع أبي بَكرٍ سَنةَ تِسعٍ؛ فسقَط ما قالوه.
فإنْ قيلَ: إنَّما تَأخَّر ليَتكاملَ المُسلمونَ فيُبيِّنَ الحَجَّ لجميعِهم، وهذا مَعنًى يَختصُّ به دونَ غيرِه.
قيلَ: هذا ظَنٌّ قد يَجوزُ أنْ يَكونَ تَأخَّر للأمرَينِ جميعًا؛ ليُبينَ جَوازَ
стр. 2736
التَّأخيرِ، وليُبيِّنَ لهم نُسكَهم، ويُؤيِّدُ ما ذكَرناه ما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ أرادَ الحَجَّ فليَتعجَّلْ» (١)، فعِلتُه بالإرادةِ؛ ولأنَّه لو أخَّر الحَجَّ عن وقتِ الإمكانِ ثم فعَله فيما بعدُ لم يُسمَّ قاضيًا، ولا نُسب إلى التَّفريطِ، فعُلم أنَّ وقتَه مُوسَّعٌ، وأنَّ تَأخيرَه جائزٌ، ألَا ترَى أنَّ الصَّومَ لمَّا كان وقتُه مُضيَّقًا سُمِّي مَنْ أخَّر فِعلَه قاضيًا، وإنْ شئتَ حَرَّرت هذا المعنَى عليه، فقُلتَ: لأنَّه أتَى بالحَجِّ في وقتٍ لم يَزُلْ عنه اسمُ الأداءِ، فوجَب أنْ يَكونَ وقتًا له أصلُه إذا حجَّ عُقيبَ الإمكانِ؛ ولأنَّها عِبادةٌ وُسِّع وقتُ افتِتاحِها، فوجَب أنْ يُوسَّع وقتُ أدائها، كالصَّلاةِ (٢).
стр. 2737
شُروطُ فَريضةِ الحَجِّ:
شُروطُ الحَجِّ صِفاتٌ يَجبُ تَوافرُها في الإنسانِ لكَي يَكونَ مُطالَبًا بأداءِ الحَجِّ، مَفروضًا عليه، فمَن فقَد أحدَ هذه الشُّروطِ لا يَجبُ عليه الحَجُّ، ولا يَكونُ مُطالَبًا به، وهذه الشُّروطُ خَمسةٌ، هي: الإسلامُ والعَقلُ والبُلوغُ والحُريَّةُ والاستِطاعةُ، وهي متَّفقٌ عليها بينَ العُلماءِ، قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ في هذا كلِّه اختِلافًا (١).
وهَذِه الشُّروطُ الخُمسةُ تَنقسِمُ أقسامًا ثَلاثةً، مِنها ما هو شَرطٌ للوُجوبِ والصِحةِ، وهو الإسلامُ والعَقلُ، ومِنها ما هو شَرطٌ للوُجوبِ والإجزاءِ، وهو البُلوغُ والحُريَّةُ، ومِنها ما هو شَرطٌ للوُجوبِ فقطُ، وهو الاستِطاعةُ.
الشَّرطُ الأولُ من شُروطِ فَريضةِ الحَجِّ: الإسلامُ:
لَو حجَّ الكافِرُ ثم أسلَم بعدَ ذلك تَجبُ عليه حَجةُ الإسلامِ بالإجماعِ، ولا يُعتدُّ بما حجَّ في حالِ الكُفرِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما أعرابيٍّ حجَّ ثم هاجَر فعَليه أنْ يحُجَّ حَجةً أُخرَى» (٢)، يَعني أنَّه إذا حجَّ قبلَ الإسلامِ ثم أسلَم.
стр. 2738
قال ابنُ الهُمامِ ﵀: والمُرادُ بالأعرابيِّ الذي لم يُهاجرْ مَنْ لم يُسلمْ، فإنَّ مُشركي العَربِ كانوا يحُجُّونَ، فنفَى إجزاءَ ذلك الحَجِّ عن الحَجِّ الذي وجَب بعدَ الإسلامِ (١).
وقال الإمامُ المَناويُّ ﵀: (وأيُّما أعرابيٍّ حجَّ) قبلَ أنْ يُسلمَ (ثم) أسلَم و (هاجَر) مِنْ بلدِ الكُفرِ إلى بِلادِ الإسلامِ (فعليه أنْ يحُجَّ حَجةً أُخرى)، أي: يَلزمُه الحَجُّ بإسلامِه في استِطاعَتِه، وإنْ لم يُهاجرْ (٢).
ولأنَّ الحَجَّ عِبادةٌ والكافِرُ ليسَ مِنْ أهلِ العِبادةِ.
وقد أجمَع العُلماءُ على أنَّ الكافِرَ لا يُطالَبُ بالحَجِّ بالنِّسبةِ لِأحكامِ الدُّنيا، أمَّا بالنِّسبةِ للآخِرةِ فقد اختلَفوا في حُكمِه، هل يُؤاخذُ بتَركِه أو لا يُؤاخذُ؟
ولَو أسلَم الكافِرُ وهو مُعسِرٌ بعدَ استِطاعَتِه في الكُفرِ، فإنَّه لا أثَرَ لها (٣).
الشَّرطُ الثاني: العَقلُ:
يُشترَطُ لفَرضيَّةِ الحَجِّ أنْ يَكونَ الإنسانُ عاقِلًا؛ لأنَّ العَقلَ شَرطُ التَّكليفِ، والمَجنونُ ليسَ مِنْ أهلِ التَّكليفِ، فلو حجَّ المَجنونُ فلا يَصحُّ
стр. 2739
منه إجماعًا؛ لأنَّه ليسَ أهلًا للعِبادةِ، فلَو حجَّ المَجنونُ فحَجُّه غيرُ صَحيحٍ، فإنْ شُفي من مَرضِه وأفاقَ إلى رُشدِه تَجبُ عليه حَجةُ الإسلامِ (١).
ورُوي عن عَليٍّ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «رُفع القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن النائمِ حتى يَستيقِظَ، وعَن الصَّبيِّ حتى يَحتلِمَ، وعَنِ المَجنونِ حتى يَعقِلَ» (٢).
الشَّرطُ الثالِثُ: البُلوغُ:
لا حجَّ على الصَّبيِّ؛ لأنَّه لا خِطابَ عليه؛ فلا يَلزمُه الحَجُّ، إلا أنَّه لو حجَّ صحَّ حَجُّه وكانَ تطوُّعًا عندَ الجُمهورِ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ، أي: يُكتبُ له؛ لِما رَوى ابنُ عَباسٍ ﵄ قال: «رَفعَت امرَأةٌ صَبيًّا لها، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، ألهذا حَجٌّ؟ قال: نَعمْ، ولَكِ أجرٌ» (٣).
ورَوى البُخاريُّ في صَحيحِه (٤) عن السائبِ بنِ يَزيدَ، قال: «حُجَّ بي مع رَسولِ اللهِ ﷺ وأنا ابنُ سَبعِ سِنينَ».
وقال أبو حَنيفةَ: لا يَصحُّ منه قياسًا على النَّذرِ، فإنَّه لا يَجبُ عليه، ولا يَصحُّ منه، ولأنَّه لو صحَّ منه لَوجَب عليه قَضاؤُه إذا أفسَده، ولأنَّها عِبادةٌ والعِباداتُ بأسْرِها مَوضوعةٌ عن الصِّبيانِ، والعَقلُ شَرطٌ لِصِحةِ التَّكليفِ.
стр. 2740
قال الوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: ومَعنى قولِهم -أي: مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ-: يَصحُّ منه، أي: يُكتبُ له، وكذلك أعمالُ البرِّ، ولا يُكتبُ عليه، فهو يُكتبُ له ولا يُكتبُ عليه.
ومَعنى قولِ أبي حَنيفةَ: لا يَصحُّ منه، على ما ذكَره بعضُ أصحابِه منه صِحةً يَتعلَّقُ بها وُجوبُ الكَفاراتِ عنه إذا فعَل المَحظوراتِ في الإحرامِ؛ زيادةً في الرِّفقِ به، لا أنَّه يُخرجَه من ثَوابِ الحَجِّ (١).
إلا أنَّه إذا بلَغ الصَّبيُّ وكانَ قَدْ حجَّ قبلَ بُلوغِه وجَب عليه حَجةُ الفَريضةِ بإجماعِ المُسلمينَ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا حجَّ الصَّبيُّ فهي له حَجةٌ حتى يَعقِلَ، فإذا عقَل فعَليه حَجةٌ أُخرَى» (٢)، ولأنَّه أدَّى ما لم يَجب عليه فلا يَكفيه عن الحَجِّ الواجبِ بعدَ البُلوغِ (٣).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ في مَذاهبِ العُلماءِ في حَجِّ الصَّبيِّ، قد ذكَرنا أنَّ مَذهبَنا أنَّه يَصحُّ الحَجُّ ولا يَجبُ عليه، فأمَّا عَدمُ وُجوبه على الصَّبيِّ فمُجمَعٌ عليه، قال ابنُ المُنذرِ في «الإشرافِ»: أجمَع أهلُ العِلمِ على
стр. 2741
سُقوطِ فَرضِ الحَجِّ عن الصَّبيِّ وعَنِ المَجنونِ والمَعتوهِ، قال: وأجمَعوا على أنَّ المَجنونَ إذا حجَّ ثم أفاقَ، أو الصَّبيَّ إذا حجَّ ثم بلَغ أنَّه لا يُجزِئُهما عن حَجةِ الإسلامِ، قال: وأجمَعوا على أنَّ جناياتِ الصِّبيانِ لازِمةٌ لهم.
وأمَّا صِحةُ حَجِّ الصَّبيِّ فهي مَذهبُنا ومَذهبُ مالكٍ وأحمدَ وداودَ، وجَماهيرِ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ، وأشارَ ابنُ المُنذرِ إلى الإجماعِ فيه.
وقال أبو حَنيفةَ في المَشهورِ عنه: لا يَصحُّ حَجُّه، وصحَّحه بعضُ أصحابِه، واحتجَّ له بحَديثِ: «رُفع القَلمُ عن ثَلاثةٍ: عن الصَّبيِّ حتى يَبلُغَ … » إلى آخرِه، وهو صَحيحٌ سبَق بَيانُه قَريبًا.
وقياسًا على النَّذرِ لا يَصحُّ منه، ولأنَّه لا يَجبُ عليه ولا يَصحُّ منه، ولأنَّه لو صحَّ منه لَوجَبَ عليه قَضاؤُه إذا أفسَدَه، ولأنَّه عِبادةٌ بَدنيَّةٌ فلا يَصحُّ عَقدُها من الوليِّ للصَّبيِّ كالصَّلاةِ.
واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثِ ابنِ عَباسٍ قال: «رَفعَت امرَأةٌ صَبيًّا لها، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، ألهذا حَجٌّ؟ قال: نَعمْ، ولكِ أجرٌ» (١)، رَواه مُسلمٌ، وعَنِ السائبِ بنِ يَزيدَ قال: «حُجَّ بي مع رَسولِ اللهِ ﷺ وأنا ابنُ سَبعِ سِنينَ» رَواه البُخاريُّ، وبِحَديثِ جابرٍ: «حَجَجْنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ ومَعَنا النِّساءُ والصِّبيانُ، فلبَّينا عن الصِّبيانِ ورَميْنا عَنهم» (٢)
стр. 2742
رَواه ابنُ ماجَه، وسبَقَ بَيانُه في أولِ الفَصلِ، وقياسًا على الطَّهارةِ والصَّلاةِ، فإنَّ أبا حَنيفةَ صحَّحهما منه، وكذا صَحَّحَ حَجَّه عِندَه بلا خِلافٍ، ونَقلُه خَطأٌ منه، وصحَّحَ إمامةَ الصَّبيِّ في النافِلةِ.
وأمَّا الجَوابُ عن حَديثِ: «رُفع القَلمُ … »، فمِن وَجهَين:
أحدُهما: المُرادُ رُفِع الإثمُ، لا إبطالُ أفعالِه.
والآخَرُ: أنَّ مَعناه: لا يُكتبُ عليه شيءٌ، وليس فيه مَنعُ الكِتابةِ له وحُصولِ ثَوابِه.
والجَوابُ عن قياسِهم على النَّذرِ مِنْ وَجهَين، ذكَرهما القاضي أبو الطيِّبِ والأصحابُ، أحدُهما: أنَّه يَنكسِرُ بالوُضوءِ والصَّلاةِ؛ فإنَّه لا يَصحُّ منه نَذرُهما، ويَصِحانِ منه، وقد سبَق أنَّ الكَسرَ هو أنْ يُوجدَ مَعنى العِلةِ ولا حُكمَ، والنَّقضُ أنْ تُوجدَ العِلةُ ولا حُكمَ.
والآخَرُ: أنَّ النَّذرَ التِزامٌ بالقولِ، وقولُ الصَّبيِّ ساقِطٌ بخِلافِ الحَجِّ؛ فإنَّه فِعلٌ ونيَّةٌ، فهو كالوُضوءِ.
وأمَّا قولُهم: لا يَجبُ عليه ولا يَصحُّ منه، فجَوابُه مِنْ وَجهَين:
أحدُهما: أنَّه مُنتقَضٌ بالوُضوءِ.
والآخَرُ: أنَّ عَدمَ الوُجوبِ للتَّخفيفِ وليس في صِحتِه تَغليظٌ.
وأمَّا قولُهم: لَوجَب قَضاؤُه إذا أفسَده، فنحن نَقولُ به، وهو الصَّحيحُ عندَنا، كَما سبَق بَيانُه.
стр. 2743
والجَوابُ عن قولِهم: عِبادةٌ بَدنيَّةٌ … إلى آخرِه، أنَّ الفرقَ ظاهِرٌ، فإنَّ الحَجَّ تَدخلُه النِّيابةُ، بخِلافِ الصَّلاةِ، واللهُ أعلمُ.
قال إمامُ الحَرمَينِ في كِتابِه «الأساليب»: المُعوَّلُ عليه عندَنا في مَسألةِ الأخبارِ الصَّحيحةِ التي لا تَقبلُ التَّأويلَ، وذكَرَ بعضَ ما سبَقَ من الأحاديثِ، ثم ذكَرَ دَلائلَ من حيثُ القياسُ والمَعنى، ثم قالَ: وهذا تَكلُّفٌ بعدَ الأخبارِ الصَّحيحةِ، قال: ولا يَستَقيمُ لهم فَرقٌ أصلًا بينَ الصَّلاةِ والحَجِّ، فإنْ قالوا: في الحَجِّ مُؤنةٌ، قُلنا: تلك المُؤنُ في مالِ الوَليِّ على الصَّحيحِ، فلا ضَررَ على الصَّبيِّ، فإنْ قالوا: فيه مَشقَّةٌ، قُلنا: مَشقَّةُ المُواظَبةِ على الصَّلاةِ والطَّهارةِ وشُروطِهما أكثرُ، واللهُ أعلمُ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ في «التَّمهيدِ»: صحَّح حجَّ الصَّبيِّ مالكٌ والشافِعيُّ وسائرُ فُقهاءِ الحِجازِ والثَّوريُّ وسائرُ فُقهاءِ الكوفةِ والأوزاعيُّ واللَّيثُ وسائرُ من سلَك سَبيلَهما من أهلِ الشامِ ومِصرَ، قال: وكلُّ من ذكَرناه يَستحِبُّ الحَجَّ بالصِّبيانِ ويَأمرُ به، قال: وعلى هذا جُمهورُ العُلماءِ من كلِّ قَرنٍ، قال: وقالت طائفةٌ: لا يُحجُّ بالصَّبيِّ، وهذا قَولٌ لا يُعرَّجُ عليه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حجَّ بأُغيلِمةِ بَني عبدِ المُطَّلبِ، وحجَّ السَّلفُ بصِبيانِهم، قال: وحَديثُ المَرأةِ التي رفَعت الصَّبيَّ وقالت: ألهذا حَجٌّ؟ قال: نَعمْ، ولكِ أجرٌ، قال: فسقَط كلُّ ما خالَف هذا، واللهُ أعلمُ.
وقال القاضي عِياضٌ: أجمَعوا على أنَّ الصَّبيَّ إذا حجَّ ثم بلَغ لا يُجزِئُه عن حَجةِ الإسلامِ إلا فِرقةٌ شَذَّت لا يُلتفَتُ إليها.
стр. 2744
قال: وأجمَعوا على أنَّه يُحَجُّ به إلا طائفةً من أهلِ البِدَعِ منَعوا ذلك، وهو مُخالفٌ لفِعلِ النَّبيِّ ﷺ وأصحابِه وإجماعِ الأُمةِ، واللهُ أعلمُ (١).
الشَّرطُ الرابعُ: الحُريَّةُ:
العبدُ المَملوكُ لا يَجبُ عليه الحَجُّ؛ لأنَّه مُستغرِقٌ في خِدمةِ سيِّدِه؛ ولأنَّ اللهَ تَعالى شرَط الاستِطاعةَ لوُجوبِ الحَجِّ بقولِه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ولا استِطاعةَ بدونِ مِلكِ الزادِ والراحِلةِ، ولا مِلكَ لِلعبدِ؛ لأنَّه مَملوكٌ، فلا يَكونَ مالِكًا بالإذنِ، فلم يُوجدْ شَرطُ الوُجوبِ، وسَواءٌ أذِن له المَولَى بالحَجِّ أو لا؛ لأنَّه لا يَصيرُ مالِكًا إلا بالإذنِ، فلم يَجبِ الحَجُّ عليه، فيَكونُ ما حجَّ في حالِ الرِّقِّ تطوُّعًا.
فلو حجَّ صحَّ حَجُّه في حالِ الرِّقِّ، ويَكونُ تطوُّعًا، فإذا عُتِق وجَب عليه حَجةُ الإسلامِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما عَبدٍ حجَّ ثم أُعتقَ فعَليه حَجةٌ أُخرَى» (٢).
الشَّرطُ الخامِسُ: الاستِطاعةُ:
لا يَجبُ الحَجُّ إلا على من تَتوافَرُ فيه خِصالُ الاستِطاعةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى شرَط الاستِطاعةَ لوُجوبِ الحَجِّ بقولِه : ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
стр. 2745
وشُروطُ الاستِطاعةِ التي تُشترَطُ لوُجوبِ الحَجِّ قِسمانِ: شُروطٌ عامَّةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ، وشُروطٌ تَخصُّ النِّساءَ.
القِسمُ الأولُ: شُروطٌ عامَّةٌ للرِّجالِ والنِّساءِ.
شُروطُ الاستِطاعةِ العامَّةِ أربَعُ خِصالٍ:
١ - القُدرةُ على الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ.
٢ - صِحةُ البَدنِ.
٣ - أمنُ الطَّريقِ.
٤ - إمكانُ السَّيرِ.
الخَصلةُ الأُولى: القُدرةُ على الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وهو قولُ سَحنونٍ وابنِ حَبيبٍ من المالِكيةِ إلى أنَّه يُشترَطُ لوُجوبِ الحَجِّ القُدرةُ على الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ والنفَقةِ ذَهابًا وإيابًا، ويَختَصُّ اشتِراطُ القُدرةِ على آلةِ الرُّكوبِ بمن كان بَعيدًا عن مكةَ.
قال في «الهِداية»: «وليس من شَرطِ الوُجوبِ على أهلِ مكةَ ومَن حولَها الراحِلةُ؛ لأنَّه لا تَلحقُه مَشقَّةٌ زائدةٌ في الأداءِ، فأشبَهَ السَّعيَ إلى الجُمُعةِ» (١).
واستدلَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على اشتِراطِ الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ لوُجوبِ الحَجِّ بما ورَد عن رَسولِ اللهِ ﷺ ، أنَّه فسَّر الاستِطاعةَ بالزادِ
стр. 2746
والراحِلةِ، فرَوى الدارقُطنيُّ عن أنسٍ ﵁ في قوله : ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ قال: قيلَ: يا رَسولَ اللهِ، ما السَّبيلُ؟ قال: «الزادُ والراحِلةُ» (١).
فقد فسَّر النَّبيُّ ﷺ الاستِطاعةَ المَشروعةَ بالزادِ والراحِلةِ جميعًا؛ فلا تَثبتُ الاستِطاعةُ بأحدِهما، وبه تَبيَّن أنَّ القُدرةَ على المَشيِ لا تَكفي لاستِطاعةِ الحَجِّ؛ ولأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بقَطعِ مَسافةٍ بَعيدةٍ، فاشتُرِطَ لوُجوبها الزادُ والراحِلةُ، كالجِهادِ.
وما ذكَره المالِكيةُ ليسَ باستِطاعةٍ؛ فإنَّه شاقٌّ، وإن كان عادةً، والاعتِبارُ بعُمومِ الأحوالِ دونَ خُصوصِها، كَما أنَّ رُخصَ السَّفرِ تَعمُّ من يَشقُّ عليه ومن لا يَشقُّ عليه (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُختصُّ اشتِراطُ الراحِلةِ بالبَعيدِ الذي بينَه وبينَ البَيتِ مَسافةُ القَصرِ، فأمَّا القَريبُ الذي يُمكِنُه المَشيُ فلا يَعتبرُ وجودُ الراحِلةِ في حَقهِ؛ لأنَّها مَسافةٌ قَريبةٌ يُمكِنُه المَشيُ إليها، فلزِمه، كالسَّعيِ إلى الجُمُعةِ، وإنْ كان ممَّن لا يُمكِنُه المَشيُ اعتُبرَ وُجودُ الحُمولةِ في حقِّهِ؛
стр. 2747
لأنَّه عاجِزٌ عن المَشيِ، فهو كالبَعيدِ، وأمَّا الزادُ فلا بدَّ منه، فإنْ لم يَجد زادًا ولا قدِر على كَسبِه لم يَلزمْه الحَجُّ (١).
وقد وقَع الخِلافُ بينَ الفُقهاءِ في اشتِراطِ الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ لوُجوبِ الحَجِّ، وكانوا يَركَبون الدَّوابَّ، لذلك عبَّروا بقولِهم: «الزادُ والراحِلةُ»، وهي الجَملُ المُعدُّ للرُّكوبِ؛ لأنَّه المَعروفُ في زَمانِهم، وهذا الخِلافُ في أمرَين:
الأمرُ الأولُ: خالَف المالِكيةُ جُمهورَ الفُقهاءِ في اشتِراطِ القُدرةِ على الراحِلةِ، وإنْ كانَت المَسافةُ بَعيدةً، قالوا: من استَطاعَ المَشيَ بلا مَشقَّةٍ عَظيمةٍ مع الأمنِ على النَّفسِ والمالِ، فليس وُجودُ الراحِلةِ من شَرطِ الوُجوبِ في حَقهِ؛ بل يَجبُ عليه الحَجُّ، فإنْ كان في الوُصولِ مَشقَّةٌ عَظيمةٌ لم يَجبْ عليه، والمَشقَّةُ العَظيمةُ هي الخارِجةُ عن المُعتادِ بالنِّسبةِ للشَّخصِ، وهي تَختلفُ باختَلافِ الناسِ والأزمِنةِ والأمكِنةِ.
قال الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: وقال مالِكُ بنُ أنسٍ ﵀: إذا قدِر على المَشيِ ووجَد الزادَ فعليه فَرضُ الحَجِّ، وإنْ لم يَجدِ الراحِلةَ وقدِر على المَشيِ نُظِر؛ فإنْ كان مالكًا للزادِ وجَب عليه فَرضُ الحَجِّ، وإنْ لم يَكنْ مالكًا للزادِ ولكنَّه يَقدرُ على كَسبِ حاجَتِه منه في الطَّريقِ نُظِر أيضًا؛ فإنْ كان من أهلِ المُروءاتِ ممَّن لا يَكتسِبُ بنَفسِه لا يَجبُ عليه،
стр. 2748
وإنْ كان ممَّن يَكتسِبُ كِفايتَه بتِجارةٍ أو صِناعةٍ لزِمه فَرضُ الحَجِّ، وهكذا إنْ كانَت عادَتُه مَسألةَ الناسِ لزِمه فَرضُ الحَجِّ، كذلك أوجَب مالكٌ على المُطيقِ المَشيَ الحَجَّ، وإنْ لم يَكنْ معه زادٌ وراحِلةٌ، وهو قولُ عبدِ اللهِ ابنِ الزُّبيرِ والشَّعبيِّ وعِكرِمةَ (١).
واستدلَّ المالِكيةُ على ذلك بما يَلي:
١ - بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ أي: مُشاةً.
قالوا: ولأنَّ الحَجَّ من عِباداتِ الأبدانِ من فرائضِ الأعيِانِ، فوجَب ألَّا يَكونَ الزادُ من شُروطِ وجوبِها، ولا الراحِلةُ، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
قالوا: ولَو صحَّ حَديثُ: «الزادِ والراحِلةِ» لحمَلناه على عُمومِ الناسِ، والأغلَبُ مِنهم في الأقطارِ البَعيدةِ، وخُروجُ مُطلَقِ الكَلامِ على أغلَبِ الأحوالِ كَثيرٌ في الشَّريعةِ وفي كَلامِ العَربِ وأشعارِهم.
٢ - بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
قالوا: والآيةُ عامَّةٌ ليست مُجمَلةً، ولا تَفتقِرُ إلى بَيانٍ، فكأنَّه تعالى كلَّف كلَّ مُستطيعٍ على وَجهٍ قدِر بمالٍ أو ببَدنٍ، والدَّليلُ على ذلك قولُه ﵇: «لا تَحلُّ الصَّدقةُ لغَنيٍّ ولا لِذي مِرةٍ سَويٍّ» (٢)، فجعَل صِحةَ الجِسمِ مُساويةً للغِنى، فسقَط قولُ من اعتبَر الراحِلةَ.
стр. 2749
قال القُرطبيُّ ﵀: وقد رَوى ابنُ وَهبٍ وابنُ القاسِمِ وأشهَبُ عن مالكٍ أنَّه سُئل عن هذه الآيةِ، فقال: الناسُ في ذلك على قَدرِ طاقَتِهم ويُسرِهم وجلَدِهم، قال أشهَبُ لِمالكٍ: أهو الزادُ والراحِلةُ؟ قال: لا واللهِ، ما ذاكَ إلا على قَدرِ طاقةِ الناسِ، وقَد يَجدُ الزادَ والراحِلةَ ولا يَقدرُ على السَّيرِ، وآخَرُ يَقدرُ أنْ يَمشيَ على رِجلَيه (١).
الأمرُ الثاني: اختلَف الفُقهاءُ في الزادِ ووسائلِ المواصَلاتِ، هل يُشترَطُ مِلكيَّةُ المُكلَّفِ لِما يُحصِّلُها به أو لا يُشترَطُ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ مِلكَ ما يَحصلُ به الزادُ ووسيلةُ المواصَلاتِ -النَّقلُ- شَرطٌ لتَحقيقِ وُجوبِ الحَجِّ، فلا يَلزمُه الحَجُّ ببَذلِ غيرِه له، ولا يَصيرُ مُستطيعًا بذلك، سَواءٌ كان الباذِلُ قَريبًا أو أجنَبيًّا، وسَواءٌ بذَلَ له الرُّكوبَ والزادَ أو بذَل له مالًا.
ولأنَّه ليس بمالكٍ للزادِ ولا للراحِلةِ أصلًا ولا لثَمنِهما، فلم يَلزمْه الحَجُّ.
وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّه يَجبُ الحَجُّ بإباحةِ الزادِ والراحِلةِ إذا كانت الإباحةُ مِما لا مِنةَ له على المُباحِ له، كالابنِ إذا بذَل الزادَ والراحِلةَ لِأبيه.
فإنْ كان يُعطيه غيرُ الولدِ ففيه وَجهانِ:
أحدُهما: لا يَلزمُه الحَجُّ؛ لأنَّ في الولَدِ إنَّما وجَب عليه؛ لأنَّه بُضعةٌ منه،
стр. 2750
فنَفسُه كنَفسِه، ومالَه كمالِه في النَّفقةِ وغيرِها، وهذا المَعنى لا يُوجدُ في غيرِه فلم يَجبِ الحَجُّ.
والثاني: يَلزمُه، قال الشِّيرازيُّ: وهو ظاهرُ النصِّ؛ لأنَّه واجبٌ لِمن يُعطيه فأشبَهَ الولدَ (١).
شُروطُ الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ:
ذكَر الفُقهاءُ شُروطًا في الزادِ وآلةِ الرُّكوبِ المَطلوبَين لاستِطاعةِ الحَجِّ، هي تَفسيرٌ وبَيانٌ لهذا الشَّرطِ، نَذكُرها فيما يلي:
أ- صرَّح جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ بأنَّ الزادَ الذي تُشترَطُ القُدرةُ عليه هو ما يَحتاجُ إليه في ذَهابِه ورُجوعِه من مَأكولٍ ومَشروبٍ وكِسوةٍ بنَفقةِ وَسطٍ لا إسرافَ فيها ولا تَقتيرَ، فلو كان يَستطيعُ زادًا أدنَى من الوسَطِ الذي اعتادَه لا يُعتبرُ مُستطيعًا للحَجِّ، ويَتضمَّنُ اشتِراطُ الزادِ أيضًا ما يَحتاجُ إليه مِنْ آلاتِ الطَّعامِ والزادِ مِما لا يُستَغنى عنه (٢).
стр. 2751
واعتبَر المالِكيةُ القُدرةَ على الوُصولِ إلى مكةَ لِذي صَنعةٍ تَقومُ به ولا تُزري بمِثلِه، أمَّا الإيابُ فلا يُشترَطُ القُدرةُ على نَفقتِه عندَهم في المُعتمدِ، إلا أنْ يَعلمَ أنَّه إنْ بقِي هُناكَ ضاعَ وخشَي على نَفسِه ولو شكًّا فيُراعي ما يُبلِّغُه ويَرجعُ به إلى أقرَبِ المَواضِعِ، مما يُمكِنُه أنْ يَعيشَ فيه بما لا يُزري به من الحِرفِ (١).
ب- صرَّح جُمهورُ الفُقهاءِ بأنَّه يُشترَطُ في الراحِلةِ أنْ تَكونَ مِما تَصلحُ لمِثلِه، إمَّا بشِراءٍ أو بكِراءٍ لذَهابِه ورُجوعِه، فإنْ لم يَجدْها أو وجَدها بأكثرَ من ثَمنِ المِثلِ أو بأكثرَ من أُجرةِ المِثلِ، أو عجَز عن ثَمنِها أو أُجرتِها لم يَلزمْه الحَجُّ، سَواءٌ قدِر على المَشيِ وكانَ عادَتَه أو لا (٢).
قال الإمام ابنُ قُدامةَ ﵀: وأمَّا الراحِلةُ فيُشترَطُ أنْ يَجدَ راحِلةً تَصلحُ لمِثلِه؛ إمَّا بشِراءٍ أو بكِراءٍ لذَهابِه ورُجوعِه، ويَجدُ ما يَحتاجُ إليه من آلَتِها التي تَصلحُ لمِثلِه، فإنْ كان ممَّن يَكفيه الرَّحلُ والقَتَبُ ولا يَخشَى السُّقوطَ أجزَأ وُجودُ ذلك، وإنْ كان ممَّن لم تَجرِ عادَتُه بذلك ويَخشَى السُّقوطَ عنهما اعتُبرَ وُجودُ مَحمَلٍ وما أشبَهَه مِما لا مَشقَّةَ في رُكوبه ولا يُخشَى السُّقوطُ عنه؛ لأنَّ اعتِبارَ الراحِلةِ في حقِّ القادرِ على المَشيِ إنَّما كان لدَفعِ المَشقَّةِ، فيَجبُ أنْ يُعتبرَ ههُنا ما تَندفِعُ به المَشقَّةُ، وإنْ كان
стр. 2752
ممَّن لا يَقدرُ على خِدمةِ نَفسِه والقيامِ بأمرِه اعتُبِرت القُدرةُ على مَنْ يَخدمُه؛ لأنَّه من سَبيلِه (١).
ج- صرَّح الجُمهورُ أيضًا بأنَّ مِلكَ الزادِ ووسيلةِ النَّقلِ يُشترَطُ أنْ يَكونَا فاضلَين على ما تَمسُّ إليه الحاجةُ الأصليَّةُ مُدةَ ذَهابِه وِإيابِه.
أمَّا المالِكيةُ فاعتبَروا ما يُوصِّلُه فقط، ولو لم يَكنْ عندَه وعندَ أهلِه وأولادِه إلا مِقدارُ ما يُوصِّلُه فقط، ولا يُراعي ما يَؤولُ أمرُه وأمرُ أهلِه وأولادِه إليه في المُستقبَلِ؛ لأنَّ ذلك أمرٌ للهِ تَعالى، وهذا مَبنيٌّ على القولِ بأنَّ الحَجَّ واجبٌ على الفَورِ، وأما على القولِ بالتَّراخي فلا إشكالَ في تَبديةِ نفَقةِ الولدِ والأبَوينِ على الحَجِّ، ومِثلُ نفَقةِ الأولادِ والأبَوينِ نفَقةُ الزَّوجةِ، فتَقدَّم على القولِ بالتَّراخي (٢).
وفي هذا تَفصيلٌ نوضِّحُه في الأُمورِ التي تَشملُها الحاجةُ الأصليَّةُ:
خِصالُ الحاجةِ الأصليَّةِ:
خِصالُ الحاجةِ الأصليَّةِ ثَلاثٌ:
١ - نفَقةُ عيالِه ومَن تَلزمُه نَفقتُهم مُدّةَ ذَهابِه وإيابِه عندَ الجُمهورِ خِلافًا للمالِكيةِ؛ لأنَّ النفَقةَ مُتعلِّقةٌ بحُقوقِ الآدَميِّينَ وهم أحوَجُ، وحقُّهم آكدُ؛ لئلَّا يَضيعوا، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «كفَى بالمَرءِ إثمًا أنْ يُضيِّعَ مَنْ يَقوتُ» (٣).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُعتبرُ أنْ يَكونَ هذا فاضِلًا على ما يَحتاجُ إليه لنَفقةِ عيالِه الذينَ تَلزمُه مَؤونتُهم في مُضيِّه ورُجوعِهِ؛ لأنَّ النفَقةَ مُتعلِّقةٌ بحُقوقِ الآدَميِّينَ، وهُم أحوَجُ وحقُّهم
стр. 2753
آكدُ، وقد رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو عن النَّبيِّ ﷺ قال: «كفَى بالمَرءِ إثمًا أن يُضيِّعَ مَنْ يَقوتُ»، رَواه أبو داوُدَ (١).
٢ - ما يَحتاجُ إليه هو وأهلُه من مَسكَنٍ ومِما لا بدَّ لمِثلِه كالخادِمِ وأثاثِ البَيتِ وسِلاحِه وفَرسِه وثيابِه بقَدرِ الاعتِدالِ المُناسِبِ في ذلك كلِّه عندَ الجُمهورِ، خِلافًا للمالِكيةِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويُعتبرُ أنْ يَكونَ فاضِلًا على ما يَحتاجُ هو وأهلُه إليه من مَسكنٍ وخادِمٍ وما لا بدَّ مِنه (٢).
أمَّا المالِكيةُ فقالوا في هاتَين الخَصلتَين: يَبيعُ في زادِه دارَه التي تُباعُ على المُفلسِ وغيرِها مِما يُباعُ على المُفلسِ من ماشيةٍ وثيابٍ ودَوابَّ وخادِمٍ وسِلاحٍ ومُصحفٍ وكُتبِ العِلمِ، ولَو مُحتاجًا إليها.
وإنْ كان يَترُكُ وَلدَه وزَوجتَه ومَن تَلزمُه نَفقتُه للصَّدقةِ عليهم من الناسِ
стр. 2754
يَأكُلونَ منها، فإنَّه يَجبُ عليه الحَجُّ إلا أن يَخشَى على نَفسِه أو على أولادِه؛ فإنَّه يَسقطُ عنه حينَئذٍ الفَرضُ.
قال الدُّسوقيُّ ﵀: وحاصِلُه أنَّه يَجبُ عليه الحَجُّ ولَو لم يَكنْ عندَه وعندَ أهلِه وأولادِه إلا مِقدارُ ما يُوصِلُه فقَط، ولا يُراعَى ما يَؤولُ إليه أمرُه وأمرُ أهلِه وأولادِه في المُستقبَلِ؛ لأنَّ ذلك أمرُه للهِ تعالى، وهذا مَبنيٌّ على القولِ بأنَّ الحَجَّ واجبٌ على الفَورِ، وأمَّا على القولِ بالتَّراخي فلا إشكال في تَبديةِ نَفقةِ الوَلدِ والأبَوينِ على الحَجِّ، ومِثلُ نفَقةِ الأولادِ والأبَوينِ نَفقةُ الزَّوجةِ، فتَقدَّم على القولِ بالتَّراخي، ويُقدَّمُ عليها الحَجُّ على القولِ بالفَوريَّةِ (١).
٣ - قَضاءُ الدَّينِ الذي عليه؛ لأنَّ قَضاءَ الدَّينِ من حَوائجِه الأصليَّةِ، ويَتعلَّقُ به حُقوقُ الآدَمييِّنَ، فهو آكدُ من الحَجِّ، ولذلك مُنِع الزَّكاةَ مع تَعلُّقِ حُقوقِ الفُقراءِ بها وحاجَتِهم إليها، فالحَجُّ الذي هو خالِصُ حقِّ اللهِ تَعالى أوْلَى، وسَواءٌ كان الدَّينُ لِآدَميٍّ مُعيَّنٍ أو من حُقوقِ اللهِ تَعالى، كزَكاةٍ في ذمَّتِه أو كَفاراتٍ ونحوِها (٢).
стр. 2755
فإذا ملَك الزادَ والحُمولةَ زائدًا على ما تَقدَّم -على التَّفصيلِ المَذكورِ- فقد تَحقَّقَ فيه الشَّرطُ، ووجَب عليه الحَجُّ، وإلا بأنِ اختَلَّ شيءٌ مِما ذُكر لم يَجبْ عليه الحَجُّ.
ويَتعلَّقُ بذلك فُروعٌ، نَذكُرُ منها ما يلي:
أ- مَنْ كان مَسكَنُه واسِعًا يَفضُلُ عن حاجَتِه وأمكَنه بَيعُه -بحيثُ لو باعَ الجُزءَ الفاضِلَ على حاجَتِه من الدارِ الواسِعةِ لَوفَّى ثَمنُه الحَجَّ-، يَجبُ عليه البَيعُ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، ولا يَجبُ عليه بَيعُ الجُزءِ الفاضِلِ عندَ الحَنفيةِ إلا أنَّ بَيعَه أفضلُ.
أمَّا إذا كانت له دارٌ لا يَسكنُها ولا يُؤاجِرُها ومَتاعٌ لا يَمتهِنه وجَب عليه بَيعُه اتِّفاقًا؛ لأنَّه إذا كان كذلك كان فاضلًا على حاجَتِه كَسائرِ الأموال، وكانَ مُستطيعًا فلَزمَه الحَجُّ (١).
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومن له عَقارٌ يَحتاجُ إليه لسُكناه أو سُكنَى عيالِه، أو يَحتاجُ إلى أُجرَتِه لنفَقةِ نَفسِه أو عيالِه، أو بِضاعةٌ متى نقَصها اختَلَّ رِبحُها فلم يَكفِهم، أو سائمةٌ يَحتاجونَ إليها لم يَلزمْه الحَجُّ، وإنْ كان له من ذلك شيءٌ فاضِلٌ على حاجَتِه لزِمه بَيعُه في الحَجِّ، فإنْ كان له مَسكَنٌ واسِعٌ يَفضُلُ على حاجَتِه وأمكَنه بَيعُه وشِراءُ ما يَكفيه ويفضُلُ قَدرُ ما يحُجُّ به لزِمه، وإنْ كانت له كُتبٌ يَحتاجُ إليها لم يَلزمْه بَيعُها في الحَجِّ، وإنْ كانت مما لا يَحتاجُ إليها أو كان له بكِتابٍ نُسخَتانِ يَستَغني بإحداهما باعَ ما لا
стр. 2756
يَحتاجُ إليها، فإنْ كان له دَينٌ على مَليءٍ باذِلٍ له يَكفيه للحَجِّ لزِمه؛ لأنَّه قادِرٌ، وإنْ كان على مُعسِرٍ أو تَعذَّر استَيفاؤه عليه لم يَلزمْه (١).
ب- وذكَر الكَرخيُّ من الحَنفيةِ أنَّ أبا يُوسفَ قال: إذا لم يَكنْ له مَسكَنٌ ولا خادِمٌ ولا قُوتُ عيالِه وعندَه دَراهِمُ تُبلِّغُه إلى الحَجِّ لا يَنبَغي أنْ يجعلَ ذلك في غيرِ الحَجِّ، فإنْ فعَل أثِمَ؛ لأنَّه مُستطيعٌ لمِلكِ الدَّراهمِ، فلا يُعذَرُ في التَّركِ، ولا يَتضرَّرُ بتَركِ شِراءِ المَسكَنِ والخادِمِ، بخِلافِ بَيعِ المَسكَنِ والخادِمِ، فإنَّه يَتضرَّرُ ببَيعِهما.
قال ابنُ عابدينَ ﵀: لكنْ هذا إذا كان وقتَ خُروجِ أهلِ بَلدِه كما صرَّح في اللُّبابِ، أمَّا قبلَه فيَشتَري به ما شاءَ؛ لأنَّه قبلَ الوُجوبِ (٢).
ج- مَنْ ملَك بِضاعةً لِلتِّجارةِ، هل يَلزمُه صَرفُ مالِ تِجارتِه للحَجِّ؟
ذهَب الحَنفيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في مُقابلِ الأصحِّ إلى أنَّه يُشترَطُ لوُجوبِ الحَجِّ بَقاءُ رَأسِ مال لحِرفتِه زائدٍ على نَفقةِ الحَجِّ؛ لئلَّا يَلتحِقَ بالمَساكينِ، ورَأسُ المال يَختلِفُ باختِلافِ الناسِ، والمُرادُ ما يُمكِنُه الاكتِسابُ به قَدرَ كِفايتِه وكِفايةِ عيالِه لا أكثرُ؛ لأنَّه لا نهايةَ له.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومن له بضاعةٌ متى نقَصها اختَلَّ رِبحُها فلم يَكفِهم، أو سائمةٌ يَحتاجونَ إليها لم يَلزمْه الحَجُّ، وإنْ كان له من ذلك شيءٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه لزِمه بَيعُه في الحَجِّ (٣).
стр. 2757
وذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصحِّ إلى أنَّه يَلزمُه صَرفُ مال تِجارتِه لنفَقةِ الحَجِّ، ولو لم يَبقَ رَأسُ مالٍ لتِجارتِه.
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: إذا كانت له بضاعةٌ يَكتسِبُ بها كِفايتَه وكِفايةَ عيالِه، وكان له عَرضُ تِجارةٍ يحصِّلُ من غَلَّتِه كلَّ سَنةٍ كِفايتَه وكِفايةَ عياله، وليسَ معه ما يحُجُّ به غيرُ ذلك، وإذا حجَّ به كَفاه وكَفى عيالَه ذاهِبًا وراجِعًا، ولا يَفضلُ شيءٌ، فهل يَلزمُه الحَجُّ؟ فيه وَجهانِ مَشهورانِ:
أحدُهما: لا يَلزمُه، وهو قولُ ابنِ سُريجٍ وصحَّحه القاضي أبو الطيِّبِ والرُّويانيُّ والشاشيُّ، قال: لأنَّ الشافِعيَّ قال: المُفلسُ يُترَكُ له ما يَتَّجرُ بهِ؛ لئلَّا يَنقطِعَ ويَحتاجَ إلى الناسِ، فإذا جازَ أنْ يُقطعَ له من حقِّ الغُرماءِ بضاعةٌ فجَوازُه في الحَجِّ أوْلى.
والآخَرُ وهو الصَّحيحُ: يَلزمُه الحَجُّ؛ لأنَّه واجدٌ للزادِ والراحِلةِ، وهُما الرُّكنُ المُهمُّ في وُجوبِ الحَجِّ.
قال الشَّيخُ أبو حامِدٍ: ولو لم نَقلْ بالوُجوبِ للزِم أنْ نَقولَ: من لا يُمكِنُه أن يَتَّجرَ بأقَلَّ من ألفِ دينارٍ لا يَلزمُه الحَجُّ إذا ملَكها، وهذا لا يَقولُه أحَدٌ.
قال أصحابُنا: والفَرقُ بينَ المَسكَنِ والخادِمِ أنَّه مُحتاجٌ إليهما في الحال، وما نَحنُ فيه نَجِدُه ذَخيرةً، قال المَحامِليُّ والأصحابُ: وأما ما ذكَره الشافِعيُّ في بابِ التَّفليسِ فمُرادُه أنَّه يُترَكُ له ذلك برِضا الغُرماءِ، فأمَّا بغيرِ رِضاهم فلا يُتركُ.
стр. 2758
وهذا الذي صحَّحناه من وُجوبِ الحَجِّ هو الصَّحيحُ عندَ جَماهيرِ الأصحابِ.
قال صاحِبُ الحاوي: هذا هو المَذهبُ، ولا أعرِفُ ما حُكيَ عن ابنِ سُريجٍ عنه، ولا أجِدُه في شيءٍ من كُتبِه (١).
وقال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويَلزمُ من له مُستغلَّاتٌ يُحصِّلُ منها نَفقتَه أنْ يَبيعَها ويَصرِفَها - أي: في الحَجِّ - لِما ذُكر في الأصحِّ، كَما يَلزمُه صَرفُ ما ذُكر في دَينِه (٢).
د- مَنْ وجَب عليه الحَجُّ وأرادَ أنْ يَتزوَّجَ وليس عندَه من المالِ إلا ما يَكفي لِأحدِهما، فعلى التَّفصيلِ الآتي:
١ - أنْ يَكونَ في حالةِ اعتِدالِ الشَّهوةِ، فهذا يَجبُ عليه أن يُقدِّمَ الحَجَّ على الزَّواج عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ النِّكاحَ تطوُّعٌ فلا يُقدَّمُ على الحَجِّ الواجبِ، وهذا إذا ملَك النَّفقةَ في أشهُرِ الحَجِّ؛ أمَّا إنْ ملَكها في غيرِها فله صَرفُها حيثُ شاءَ، وقد صرَّح الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم بأنَّه يَلزمُه الحَجُّ ويَستقِرُّ في ذمَّتِه، ولكنْ له صَرفُ هذا المالِ إلى النِّكاحِ وهو أفضلُ، ويَبقَى الحَجُّ في ذمَّتِه، وهذا على القولِ بأنَّ الحَجَّ على التَّراخي.
стр. 2759
٢ - أنْ يَكونَ في حالةِ تَوقانِ نَفسِه والخَوفِ من الزِّنا، فهذا يَكونُ الزَّواجُ في حقِّه مُقدَّمًا على الحَجِّ اتِّفاقًا؛ لأنَّ في تَركِه أمرَين، هُما: تَركُ الفَرضِ والوُقوعُ في الزِّنا (١).
قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وإذا كان به حاجةٌ إلى النِّكاحِ، فقال أحمدُ في رِوايةِ أحمدَ بنِ سَعيدٍ: إذا كان مع الرَّجلِ مالٌ، فإنْ تزوَّج به لم يَبقَ معه فَضلٌ، وإنْ حجَّ خشَي على نَفسِه، فإنَّه إذا لم يَكنْ له صَبرٌ عن التَّزويجِ تَزوَّج وترَك الحَجَّ، وكذلك نقَل أبو داودَ وغيرُه، وعلى هذا عامَّةُ أصحابِنا، أنَّه إنْ خشَي العنتَ قدَّم النِّكاحَ؛ لأنَّه واجبٌ عليه، ولا غِنى به عنه، فهو كالنفَقةِ (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنِ احتاجَ إلى النِّكاحِ وخافَ على نَفسِه العنتَ قدَّم التَّزويجَ؛ لأنَّه واجبٌ عليه، ولا غِنى به عنه، فهو كنَفقتِه، وإنْ لم يَخفْ قدَّم الحَجَّ؛ لأنَّ النِّكاحَ تطوُّعٌ، فلا يُقدَّمُ على الحَجِّ الواجبِ، وإنْ حجَّ من تَلزمُه هذه الحُقوقُ وضيَّعها صحَّ حَجُّه؛ لأنَّها مُتعلِّقةٌ بذمَّتِه، فلا تَمنعُ صِحةَ فِعلِه (٣).
стр. 2760
وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: ولم يَكنْ حجَّ حجَّةَ الإسلامِ فأرادَ أنْ يَتزوَّجَ وخشِي على نَفسِه فلا بَأسَ أنْ يَتزوَّجَ ويحُجَّ بعدَ أنْ يُوسِرَ، هذا كلُّه قولُ الثَّوريِّ ﵀، وقال ابنُ القاسمِ عن مالكٍ: يَنبَغي للأعزَبِ إذا أفادَ مالًا أنْ يحُجَّ قبلَ أنْ يَنْكِحَ (١).
هـ- قال ابنُ عابدينَ ﵀: تَنبيهٌ: ليسَ من الحَوائجِ الأصليَّةِ ما جرَت به العادةُ المُحدَثةُ برَسمِ الهَديَّةِ للأقارِبِ والأصحابِ، فلا يُعذَرُ بتَركِ الحَجِّ؛ لعَجزِه عن ذلك، كَما نبَّه عليه العِماديُّ في مَنسَكِه، وأقَرَّه الشَّيخُ إسماعيلُ، وعَزاه بعضُهم إلى مَنسكِ المُحقِّقِ ابنِ أميرِ حاجٍّ، وعَزاه السيِّدُ أبو السُّعودِ إلى مَناسكِ الكِرمانيِّ (٢).
الخَصلةُ الثانيةُ للاستِطاعةِ: صِحةُ البَدنِ:
إنَّ سَلامةَ البَدنِ من الأمراضِ والعاهاتِ التي تَعوقُ عن الحَجِّ شَرطٌ لوُجوبِ الحَجِّ، فلو وُجِدت فيه سائرُ شُروطِ وُجوبِ الحَجِّ وكانَ عاجِزًا عنه لِمانِعٍ مَيْئوسٍ من زَوالِه، كزَمانةٍ أو مَرضٍ لا يُرجَى زَوالُه، أو كان لا يَقدرُ على الثُّبوتِ على الراحِلةِ إلا بمَشقَّةٍ غيرِ مُحتمَلةٍ، وشَيخًا فانيًا ومَن كان مِثلَه، لا يَجبُ عليه أن يُؤدِّيَ بنَفسِه فَريضةَ الحَجِّ اتِّفاقًا.
إلا أنَّهم اختلَفوا فيما إذا قدِر على مالٍ، هل يَلزمُه أنْ يَستَنيبَ به من يحُجَّ عنه أو لا؟
стр. 2761
وهذا بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَستَنيبَ في الحَجِّ الواجبِ مَنْ قدِر على الحَجِّ بنَفسِه.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ من عليه حَجةُ الإسلامِ وهو قادِرٌ على أنْ يحُجَّ لا يُجزِئُ عنه أن يحُجَّ غيرُه عنه، والحَجُّ المَنذورُ كحَجةِ الإسلامِ في الاستِنابةِ عندَ العَجزِ والمَنعِ منها مع القُدرةِ؛ لأنَّها حجَّةٌ واجبةٌ (١).
فذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ إلى أنَّ من كان هذه حالُه فإنَّه يَلزمُه أنْ يَستَنيبَ من يحُجَّ عنه؛ لحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄: «أنَّ امرَأةً من خَثعمَ قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فَريضةَ اللهِ على عِبادِه في الحَجِّ أدرَكَت أبي شَيخًا كَبيرًا لا يَستطيعُ أنْ يثبُتَ على الراحِلةِ، أفَأحُجُّ عَنه؟ قال: نَعمْ، وذلك في حَجةِ الوداعِ» (٢).
وفي لَفظٍ لِمُسلمٍ: «قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ، عليه فَريضةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يَستطيعُ أنْ يَستَويَ على ظَهرِ بَعيرِه، فقال النَّبيُّ ﷺ : فحُجِّي عنه» (٣).
ولحَديثِ أبي رَزينٍ العُقَيليِّ ﵁ أنَّه أتى النَّبيَّ ﷺ ، فقال:
стр. 2762
«إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ لا يَستطيعُ الحَجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعنَ، قال: احجُجْ عن أبيكَ واعتَمرْ» (١).
وعَن عَليٍّ ﵁: «أنَّ جاريةً شابَّةً من خَثعمَ استَفتَت رَسولَ اللهِ ﷺ في حَجةِ الوداعِ، فقالت: إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ قَدْ أفنَدَ، وقَد أدرَكَته فَريضةُ اللهِ في الحَجِّ، فهَل يُجزِئُ عنه أن أُؤَديَ عنه؟ قال: نَعمْ، فأدِّي عن أبيكِ» (٢).
وعن عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ ﵄ قال: «جاء رَجلٌ من خَثعمَ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: إنَّ أبي أدرَكَه الإسلامُ وهو شَيخٌ كَبيرٌ، لا يَستطيعُ رُكوبَ الرَّحلِ، والحَجُّ مَكتوبٌ عليه، أفأحُجُّ عَنه؟ قال: أنتَ أكبرُ وَلدِه؟ قال: نَعمْ، قال: أرَأيتَ لو كان على أبيكَ دَينٌ فقَضَيتَه عنه، أكانَ ذلك يُجزِئُ عَنه؟ قال: نَعمْ، قال: فاحجُجْ عنه» (٣).
ولأنَّ هذه عَبادةٌ تَجبُ بإفسادِها الكَفارةُ، جازَ أنْ يَقومَ غيرُ فِعلِه فيها مَقامَ فِعلِه، كالصَّومِ إذا عجَز عنه افتَدى، بخِلافِ الصَّلاةِ (٤).
стр. 2763
أمَّا الإمامُ أبو حَنيفةَ ﵀: فقال بهذا القولِ فيمَن قدِر على الحَجِّ وهو صَحيحٌ ثم عجَز؛ أمَّا من لم يَملِكْ مالًا حتى عجَز عن الأداءِ بنَفسِه فلا.
قال ابنُ عابدينَ ﵀: مَحلُّ وُجوبِ الإحجاجِ عن العاجزِ إذا قدِر عليه ثم عجَز بعدَ ذلك عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ، وعندَهما -أي: أبي يُوسفَ ومُحمدٍ- يَجبُ الإحجاجُ عليه إنْ كان له مالٌ، ولا يُشترَطُ أنْ يَجبَ عليه، وهو الصَّحيحُ.
والحاصِلُ: أنَّ من قدِر على الحَجِّ وهو صَحيحٌ، ثم عجَز لزِمه الإحجاجُ اتِّفاقًا؛ أما لو لم يَملكْ مالًا حتى عجَز عن الأداءِ بنَفسِه فهو على الخِلافِ، وأصلُه أنَّ صِحةَ البَدنِ شَرطٌ للوُجوبِ عندَه، ولوُجوبِ الأداءِ عندَهما، وقدَّمنا أولَ الحَجِّ اختِلافَ التَّصحيحِ، وأنَّ قولَ الإمامِ هو المَذهبُ (١).
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ مَنْ هذه حالُه لا حجَّ عليه؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهذا غيرُ مُستطيعٍ؛ لأنَّ هذه عِبادةٌ لا تَدخلُها النِّيابةُ مع القُدرةِ، فلا تَدخلُها مع العَجزِ، كالصَّومِ والصَّلاةِ.
قال الإمامُ القُرطبيُّ ﵀: قال مالكٌ: إذا كان مَعضوبًا سقَط عنه فَرضُ الحَجِّ أصلًا، سَواءٌ كان قادِرًا على من يحُجُّ عنه بالمالِ أو بغيرِ المالِ، لا يَلزمُه فَرضُ الحَجِّ، ولو وجَب عليه الحَجُّ ثم عطَب وزمِن سقَط عنه
стр. 2764
فَرضُ الحَجِّ، ولا يَجوزُ أنْ يحُجَّ عنه في حالِ حَياتِه بحالٍ؛ بل إنْ أوصى أنْ يُحجَّ عنه بعدَ مَوتِه حُجَّ عنه من الثُّلثِ، وكان تطوُّعًا، واحتَجَّ بقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]، فأخبَر أنَّه ليس له إلا ما سعى، فمن قال: إنَّه له سَعيُ غيرِه فقد خالَف ظاهِرَ الآيةِ.
وبقولِه تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهذا غيرُ مُستطيعٍ؛ لأنَّ الحَجَّ هو قَصدُ المُكلَّفِ البَيتَ بنَفسِه؛ ولأنَّها عِبادةٌ لا تَدخلُها النِّيابةُ مع العَجزِ عنها، كالصَّلاةِ.
وقال عُلماؤُنا: حَديثُ الخَثعميَّةِ ليس مَقصودُه الإيجابَ؛ وإنَّما مَقصودُه الحَثُّ على بِرِّ الوالدَين والنَّظرُ في مَصالحِهما دُنيا ودِينًا، وجَلبُ المَنفعةِ إليهما جِبلَّةً وشَرعًا، فلمَّا رَأى من المَرأةِ انفِعالًا وطَواعيةً ظاهِرةً ورَغبةً صادِقةً في بِرِّها بأبيها وحِرصِها على إيصالِ الخَيرِ والثَّوابِ إليه، وتأسَّفت أنْ تَفوتَه بَرَكةُ الحَجِّ أجابَها إلى ذلك، كما قال للأُخرى التي قالت: «إنَّ أمِّي نذَرت أنْ تحُجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتَت، أفَأحُجُّ عنها؟ قال: نعَم، حُجِّي عنها، أرَأيتِ لو كان على أمِّكِ دَينٌ، أكُنتِ قاضيَتَه؟ قالت: نَعمْ» (١).
في هذا ما يَدلُّ على أنَّه من بابِ التطوُّعاتِ وإيصالِ البِرِّ والخَيراتِ لِلأمواتِ، ألا تَرى أنَّه قَدْ شبَّه فِعلَ الحَجِّ بالدَّينِ، وبِالإجماعِ لو ماتَ مَيِّتٌ وعليه دَينٌ لم يَجبْ على وَلِيِّه قَضاؤُه من مالِه، فإنْ تَطوَّعَ بذلك تَأدَّى الدَّينُ عنه.
стр. 2765
ومن الدَّليلِ على أنَّ الحَجَّ في هذا الحَديثِ ليسَ بفَرضٍ على أبيها، ما صرَّحت به هذه المَرأةُ بقولِها: «لا يَستطيعُ»، ومَن لا يَستطيعُ لا يَجبُ عليه، وهذا تَصريحٌ بنَفيِ الوُجوبِ ومَنعِ الفَريضةِ، فلا يَجوزُ ما انتفَى في أولِ الحَديثِ قَطعًا أنْ يثبُتَ في آخرِه ظَنًّا يُحقِّقُه قولُه: «فدَينُ اللهِ أحقٌّ أنْ يُقضى».
فإنَّه ليس على ظاهرِه إجماعًا؛ فإنَّ دَينَ العبدِ أوْلى بالقَضاءِ، وبه يُبدَأُ إجماعًا لفَقرِ الآدَميِّ واستِغناءِ اللهِ تَعالى، قاله ابنُ العَربيِّ.
وذكَر أبو عُمرَ بنُ عبدِ البرِّ أنَّ حَديثَ الخَثعميَّةِ عندَ مالكٍ وأصحابِه مَخصوصٌ بها (١).
ويَتفرَّعُ عن ذلك مَسائلُ، نَذكرُ منها ما يلي:
١ - إذا صحَّ المَريضُ بعدَما أمَر من يحُجُّ عنه:
اختلَف الفُقهاءُ في المَريضِ، يَأمرُ من يحُجُّ عنه ثم يَصحُّ بعدَ ذلك، هل يَلزمُه حَجٌّ آخَرُ عن نَفسِه أو لا؟
فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّه لا يُجزِئُه، ويَلزمُه الحَجُّ
стр. 2766
عن نَفسِه؛ لأنَّه يُشترَطُ العَجزُ إلى المَوتِ؛ لأنَّ هذا بَدلُ إياسٍ، فإذا برَأ تَبيَّنَ أنَّه لم يَكنْ مَأيوسًا منه فلزِمه الأصلُ، كالآيِسةِ إذا اعتدَّت بالشُّهورِ، ثم حاضَت لا تُجزِئُها تلك العدَّةُ.
وذهَب الحَنابلةُ وإسحاقُ بنُ راهَويْهِ إلى أنَّه متى أحَجَّ عن نَفسِه ثم عُوفيَ لم يَجبْ عليه حَجٌّ آخَرُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمر به فخرَج من العُهدةِ كما لو لم يَبرَأْ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: أو نَقولُ: أدَّى حجَّةَ الإسلامِ بأمرِ الشارِعِ فلم يَلزمْه حَجٌّ ثانٍ، كَما لو حجَّ بنَفسِه؛ ولأنَّ هذا يُفضي إلى إيجابِ حجَّتيْن عليه، ولم يوجِبِ اللهُ عليه إلا حَجةً واحِدةً، وقولُهم: لم يَكنْ مَأيوسًا من بُرئه، قُلنا: لو لم يَكنْ مَأيوسًا منه لَما أُبيحَ له أن يَستَنيبَ؛ فإنَّه شَرطٌ لِجوازِ الاستِنابةِ، أمَّا الآيِسةُ إذا اعتدَّت بالشُّهورِ فلا يُتصوَّرُ عَودُ حَيضِها، فإنْ رَأت دَمًا فليسَ بحَيضٍ، ولا يَبطُلُ به اعتِدادُها؛ فأمَّا إنْ عُوفيَ قبلَ فَراغِ النائبِ من الحَجِّ فيَنبَغي ألَّا يُجزِئَه الحَجُّ؛ لأنَّه قدِر على الأصلِ قبلَ تَمامِ البَدلِ، فلزِمه كالصَّغيرةِ، ومن ارتفَع حَيضُها إذا حاضَت قبلَ إتمامِ عدَّتِها بالشُّهورِ، وكالمُتيمِّمِ إذا رَأى الماءَ في صَلاتِه، ويَحتملُ أنْ يُجزِئَه كالمُتمتِّعِ إذا شرَع في الصِّيامِ ثم قدِر على الهَديِ، والمُكفِّرِ إذا قدِر على الأصلِ بعدَ الشُّروعِ في الصِّيامِ ثم قدِر على الهَديِ، والمُكفِّرِ إذا قدِر على الأصلِ بعدَ الشُّروعِ في البَدلِ، وإذا بَرَأ قبلَ إحرامِ النائبِ لم يُجزِئْه بحالٍ (١).
стр. 2767
٢ - الأعمَى إذا وجَد زادًا وراحِلةً وقائدًا:
اختلَف الفُقهاءُ في الأعمَى إذا وجَد زادًا وراحِلةً وقائدًا، هل يَلزمُه الحَجُّ في مالِه أو يَلزمُه الحَجُّ بنَفسِه؟
فقال أبو حَنيفةَ ﵀ في رِوايةِ الأصلِ عنه: لا حجَّ عليه بنَفسِه، وإنْ وجَد زادًا أو راحِلةً وقائدًا؛ وإنَّما يَجبُ في مالِه إذا كان له مالٌ؛ لأنَّ الأعمَى لا يَقدرُ على أداءِ الحَجِّ بنَفسِه؛ لأنَّه لا يَهتَدي إلى الطَّريقِ بنَفسِه، ولا يَقدرُ على ما لا بدَّ منه في الطَّريقِ بنَفسِه من الرُّكوبِ والنُّزولِ وغيرِ ذلك، فلم يَكنْ قادِرًا على الأداءِ بنَفسِه؛ بل بقُدرةِ غيرِ مُختارٍ، والقادِرُ بقُدرةِ غيرِ مُختارٍ لا يَكونُ قادِرًا على الإطلاقِ؛ لأنَّ فِعلَ المُختارِ يَتعلَّقُ باختيارِه، فلم تَثبتْ الاستِطاعةُ على الإطلاقِ؛ لأنَّ فِعلَ المُختارِ يَتعلَّقُ باختيارِه، فلم تَثبتْ الاستِطاعةُ على الإطلاقِ، ولهذا لم يَجبِ الحَجُّ على الشَّيخِ الكَبيرِ الذي لا يَستمسِكُ على الراحِلةِ، وإنْ كان ثَم غيرُه يُمسِكُه، كذا هذا.
وإنَّما فسَّر النَّبيُّ ﷺ الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ لكَونِهما من الأسبابِ الموصِّلةِ إلى الحَجِّ، لا لاقتِصارِ الاستِطاعةِ عليهما، ألَا تَرى أنَّه إذا كان بينَه وبينَ مكةَ بَحرٌ حاجِزٌ لا سَفينةَ ثَم، أو عَدوٌّ حائلٌ يَحولُ بينَه وبينَ الوُصولِ إلى البَيتِ، لا يَجبُ عليه الحَجُّ مع وُجودِ الزادِ والراحِلةِ، فثبَت أنَّ تَخصيصَ الزادِ والراحِلةِ ليس لاقتِصارِ الشَّرطِ عليهما؛ بل للتَّنبيهِ
стр. 2768
على أسبابِ الإمكانِ، فكلُّ ما كان من أسبابِ الإمكانِ يَدخلُ تحتَ تَفسيرِ الاستِطاعةِ مَعنًى، ولأنَّ في إيجابِ الحَجِّ على الأعمَى حرجَا بيِّنًا، ومَشقَّةً شَديدةً، وقَد قال اللهُ : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨].
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ وأبو حَنيفةَ في رِوايةِ الحَسنِ عنه إلى أنَّه يَجبُ على الأعمَى الحَجُّ بنَفسِه إذا وجَد زادًا وراحِلةً، ومن يَكفيه مُؤنةَ سَفرِه في خِدمَتِه -القائدَ- بلا مَشقَّةٍ شَديدةٍ؛ لِما رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل عن الاستِطاعةِ، فقال ﷺ : «هي الزادُ والراحِلةُ» (١)، ففسَّر ﷺ الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ، ولِلأعمَى هذه الاستِطاعةُ، يَجبُ عليه الحَجُّ، ولأنَّ الأعمَى يَجبُ عليه الحَجُّ بنَفسِه إلا أنَّه لا يَهتَدي إلى الطَّريقِ بنَفسِه ويَهتَدي بالقائدِ فيَجبُ عليه، ولأنَّ الأعمَى مع وُجودِ القائدِ كالمُبصِرِ، وقاسَه الماوَرديُّ على جاهِلِ الطَّريقِ وأفعالِ الحَجِّ والأصمِّ، فإنَّهما يَلزمُهما الحَجُّ بالاتِّفاقِ، وكذلك يَلزمُهما الجُمُعةُ إذا وجَدا القائدَ.
قال النَّوويُّ ﵀: قال الرافِعيُّ: والقائدُ في حقِّ الأعمَى كالمَحرَمِ في حقِّ المَرأةِ، يَعني فيَكونُ في وُجوبِ استِئجارِه وَجهانِ: أصحُّهما: الوُجوبُ، وهو مُقتضَى كَلامِ الجُمهورِ، واللهُ أعلمُ (٢).
стр. 2769
الخَصلةُ الثالِثةُ: أمْنُ الطَّريقِ:
أمْنُ الطَّريقِ يَشملُ الأمْنَ على النَّفسِ والمالِ، وذلك وقتَ خُروجِ الناسِ للحَجِّ؛ لأنَّ الاستِطاعةَ لا تَثبتُ بدونِه، وإنْ كان مُخيفًا في غيرِه.
وقد اختلَف الفُقهاءُ في أمْنِ الطَّريقِ، هل هو شَرطٌ للوُجوبِ أو شَرطٌ لِلأداءِ؟
فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ وأبو حَنيفةَ في رِوايةِ ابنِ شُجاعٍ عنه (وهو الأصحُّ عندَ الحَنفيةِ) والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه من شَرائطِ الوُجوبِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى شرَط الاستِطاعةَ لوُجوبِ الحَجِّ، ولا استِطاعةَ بدونِ أمْنِ الطَّريقِ، كما لا استِطاعةَ بدونِ الزادِ والراحِلةِ، إلا أنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّن الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ بَيانَ كِفايةٍ؛ ليُستدلَّ بالمَنصوصِ عليه على غيرِه؛ لِاستِوائهما في المَعنى، وهو إمكانُ الوُصولِ إلى البَيتِ.
قال الكاسانيُّ ﵀: ألَا تَرى أنَّه كما لم يَذكُر أمْنَ الطَّريقِ لم يَذكُر صِحةَ الجَوارِحِ، وزَوالَ سائرِ المَوانِعِ الحِسَّيةِ، وذلك شَرطُ الوُجوبِ، على أنَّ المَمنوعَ عن الوُصولِ إلى البَيتِ لا زادَ له ولا راحِلةَ معه، فكان شَرطُ الزادِ والراحِلةِ شَرطًا لِأمنِ الطَّريقِ ضَرورةً (١).
стр. 2770
وذهَب الحَنابلةُ في المَذهبِ والإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه إلى أنَّ أمْنَ الطَّريقِ شَرطٌ لِلأداءِ لا لِأصلِ الوُجوبِ؛ لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فسَّر الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ، ولم يَذكُر أمْنَ الطَّريقِ، وهذا له زادٌ وراحِلةٌ، ولأنَّ هذا عُذرٌ يَمنعُ نَفسَ الأداءِ لم يَمنعِ الوُجوبَ كالعَضبِ، ولأنَّ إمكانَ الأداءِ ليسَ بشَرطٍ في وُجوبِ العِباداتِ، بدَليلِ ما لو طهُرتِ الحائضُ أو بلَغ الصَّبيُّ أو أفاقَ المَجنونُ، ولم يَبقَ من وقتِ الصَّلاةِ ما يُمكِنُ أداؤُها فيه، والاستِطاعةُ مُفسَّرةٌ بالزادِ والراحِلةِ، وفَقدُ الزادِ والراحِلةِ يَتعذَّرُ معه الجميعُ، فافترَقا.
وفائدةُ الخِلافِ تَظهرُ في وُجوبِ الوصيَّةِ إذا خافَ الفَوتَ، فمن قال: إنَّه من شَرائطِ الأداءِ، يَقولُ: إنَّه تَجبُ الوصيَّةُ إذا خافَ الفَوتَ، أي: من استَوفى شُروطَ الحَجِّ عندَ خَوفِ الطَّريقِ فماتَ قبلَ أمنِه يَجبُ عليه أنْ يُوصيَ بالحَجِّ، أمَّا إذا ماتَ بعدَ أَمنِ الطَّريقِ فتَجبُ عليه الوصيَّةُ بالحَجِّ اتَّفاقًا.
ومن قال: إنَّه من شَرطِ الوُجوبِ، يَقولُ: لا تَجبُ الوصيَّةُ؛ لأنَّ الحَجَّ لم يَجب عليه، ولم يَصرْ دَينًا في ذمَّتِه، فلا تَلزمُه الوصيَّةُ (١).