← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

عن نَفسِه؛ لأنَّه يُشترَطُ العَجزُ إلى المَوتِ؛ لأنَّ هذا بَدلُ إياسٍ، فإذا برَأ تَبيَّنَ أنَّه لم يَكنْ مَأيوسًا منه فلزِمه الأصلُ، كالآيِسةِ إذا اعتدَّت بالشُّهورِ، ثم حاضَت لا تُجزِئُها تلك العدَّةُ. وذهَب الحَنابلةُ وإسحاقُ بنُ راهَويْهِ إلى أنَّه متى أحَجَّ عن نَفسِه ثم عُوفيَ لم يَجبْ عليه حَجٌّ آخَرُ؛ لأنَّه أتَى بما أُمر به فخرَج من العُهدةِ كما لو لم يَبرَأْ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: أو نَقولُ: أدَّى حجَّةَ الإسلامِ بأمرِ الشارِعِ فلم يَلزمْه حَجٌّ ثانٍ، كَما لو حجَّ بنَفسِه؛ ولأنَّ هذا يُفضي إلى إيجابِ حجَّتيْن عليه، ولم يوجِبِ اللهُ عليه إلا حَجةً واحِدةً، وقولُهم: لم يَكنْ مَأيوسًا من بُرئه، قُلنا: لو لم يَكنْ مَأيوسًا منه لَما أُبيحَ له أن يَستَنيبَ؛ فإنَّه شَرطٌ لِجوازِ الاستِنابةِ، أمَّا الآيِسةُ إذا اعتدَّت بالشُّهورِ فلا يُتصوَّرُ عَودُ حَيضِها، فإنْ رَأت دَمًا فليسَ بحَيضٍ، ولا يَبطُلُ به اعتِدادُها؛ فأمَّا إنْ عُوفيَ قبلَ فَراغِ النائبِ من الحَجِّ فيَنبَغي ألَّا يُجزِئَه الحَجُّ؛ لأنَّه قدِر على الأصلِ قبلَ تَمامِ البَدلِ، فلزِمه كالصَّغيرةِ، ومن ارتفَع حَيضُها إذا حاضَت قبلَ إتمامِ عدَّتِها بالشُّهورِ، وكالمُتيمِّمِ إذا رَأى الماءَ في صَلاتِه، ويَحتملُ أنْ يُجزِئَه كالمُتمتِّعِ إذا شرَع في الصِّيامِ ثم قدِر على الهَديِ، والمُكفِّرِ إذا قدِر على الأصلِ بعدَ الشُّروعِ في الصِّيامِ ثم قدِر على الهَديِ، والمُكفِّرِ إذا قدِر على الأصلِ بعدَ الشُّروعِ في البَدلِ، وإذا بَرَأ قبلَ إحرامِ النائبِ لم يُجزِئْه بحالٍ (١).

стр. 2767

٢ - الأعمَى إذا وجَد زادًا وراحِلةً وقائدًا: اختلَف الفُقهاءُ في الأعمَى إذا وجَد زادًا وراحِلةً وقائدًا، هل يَلزمُه الحَجُّ في مالِه أو يَلزمُه الحَجُّ بنَفسِه؟ فقال أبو حَنيفةَ ﵀ في رِوايةِ الأصلِ عنه: لا حجَّ عليه بنَفسِه، وإنْ وجَد زادًا أو راحِلةً وقائدًا؛ وإنَّما يَجبُ في مالِه إذا كان له مالٌ؛ لأنَّ الأعمَى لا يَقدرُ على أداءِ الحَجِّ بنَفسِه؛ لأنَّه لا يَهتَدي إلى الطَّريقِ بنَفسِه، ولا يَقدرُ على ما لا بدَّ منه في الطَّريقِ بنَفسِه من الرُّكوبِ والنُّزولِ وغيرِ ذلك، فلم يَكنْ قادِرًا على الأداءِ بنَفسِه؛ بل بقُدرةِ غيرِ مُختارٍ، والقادِرُ بقُدرةِ غيرِ مُختارٍ لا يَكونُ قادِرًا على الإطلاقِ؛ لأنَّ فِعلَ المُختارِ يَتعلَّقُ باختيارِه، فلم تَثبتْ الاستِطاعةُ على الإطلاقِ؛ لأنَّ فِعلَ المُختارِ يَتعلَّقُ باختيارِه، فلم تَثبتْ الاستِطاعةُ على الإطلاقِ، ولهذا لم يَجبِ الحَجُّ على الشَّيخِ الكَبيرِ الذي لا يَستمسِكُ على الراحِلةِ، وإنْ كان ثَم غيرُه يُمسِكُه، كذا هذا. وإنَّما فسَّر النَّبيُّ ﷺ الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ لكَونِهما من الأسبابِ الموصِّلةِ إلى الحَجِّ، لا لاقتِصارِ الاستِطاعةِ عليهما، ألَا تَرى أنَّه إذا كان بينَه وبينَ مكةَ بَحرٌ حاجِزٌ لا سَفينةَ ثَم، أو عَدوٌّ حائلٌ يَحولُ بينَه وبينَ الوُصولِ إلى البَيتِ، لا يَجبُ عليه الحَجُّ مع وُجودِ الزادِ والراحِلةِ، فثبَت أنَّ تَخصيصَ الزادِ والراحِلةِ ليس لاقتِصارِ الشَّرطِ عليهما؛ بل للتَّنبيهِ

стр. 2768

على أسبابِ الإمكانِ، فكلُّ ما كان من أسبابِ الإمكانِ يَدخلُ تحتَ تَفسيرِ الاستِطاعةِ مَعنًى، ولأنَّ في إيجابِ الحَجِّ على الأعمَى حرجَا بيِّنًا، ومَشقَّةً شَديدةً، وقَد قال اللهُ : ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ وأبو حَنيفةَ في رِوايةِ الحَسنِ عنه إلى أنَّه يَجبُ على الأعمَى الحَجُّ بنَفسِه إذا وجَد زادًا وراحِلةً، ومن يَكفيه مُؤنةَ سَفرِه في خِدمَتِه -القائدَ- بلا مَشقَّةٍ شَديدةٍ؛ لِما رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل عن الاستِطاعةِ، فقال ﷺ : «هي الزادُ والراحِلةُ» (١)، ففسَّر ﷺ الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ، ولِلأعمَى هذه الاستِطاعةُ، يَجبُ عليه الحَجُّ، ولأنَّ الأعمَى يَجبُ عليه الحَجُّ بنَفسِه إلا أنَّه لا يَهتَدي إلى الطَّريقِ بنَفسِه ويَهتَدي بالقائدِ فيَجبُ عليه، ولأنَّ الأعمَى مع وُجودِ القائدِ كالمُبصِرِ، وقاسَه الماوَرديُّ على جاهِلِ الطَّريقِ وأفعالِ الحَجِّ والأصمِّ، فإنَّهما يَلزمُهما الحَجُّ بالاتِّفاقِ، وكذلك يَلزمُهما الجُمُعةُ إذا وجَدا القائدَ. قال النَّوويُّ ﵀: قال الرافِعيُّ: والقائدُ في حقِّ الأعمَى كالمَحرَمِ في حقِّ المَرأةِ، يَعني فيَكونُ في وُجوبِ استِئجارِه وَجهانِ: أصحُّهما: الوُجوبُ، وهو مُقتضَى كَلامِ الجُمهورِ، واللهُ أعلمُ (٢).

стр. 2769

الخَصلةُ الثالِثةُ: أمْنُ الطَّريقِ: أمْنُ الطَّريقِ يَشملُ الأمْنَ على النَّفسِ والمالِ، وذلك وقتَ خُروجِ الناسِ للحَجِّ؛ لأنَّ الاستِطاعةَ لا تَثبتُ بدونِه، وإنْ كان مُخيفًا في غيرِه. وقد اختلَف الفُقهاءُ في أمْنِ الطَّريقِ، هل هو شَرطٌ للوُجوبِ أو شَرطٌ لِلأداءِ؟ فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ وأبو حَنيفةَ في رِوايةِ ابنِ شُجاعٍ عنه (وهو الأصحُّ عندَ الحَنفيةِ) والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه من شَرائطِ الوُجوبِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى شرَط الاستِطاعةَ لوُجوبِ الحَجِّ، ولا استِطاعةَ بدونِ أمْنِ الطَّريقِ، كما لا استِطاعةَ بدونِ الزادِ والراحِلةِ، إلا أنَّ النَّبيَّ ﷺ بيَّن الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ بَيانَ كِفايةٍ؛ ليُستدلَّ بالمَنصوصِ عليه على غيرِه؛ لِاستِوائهما في المَعنى، وهو إمكانُ الوُصولِ إلى البَيتِ. قال الكاسانيُّ ﵀: ألَا تَرى أنَّه كما لم يَذكُر أمْنَ الطَّريقِ لم يَذكُر صِحةَ الجَوارِحِ، وزَوالَ سائرِ المَوانِعِ الحِسَّيةِ، وذلك شَرطُ الوُجوبِ، على أنَّ المَمنوعَ عن الوُصولِ إلى البَيتِ لا زادَ له ولا راحِلةَ معه، فكان شَرطُ الزادِ والراحِلةِ شَرطًا لِأمنِ الطَّريقِ ضَرورةً (١).

стр. 2770

وذهَب الحَنابلةُ في المَذهبِ والإمامُ أبو حَنيفةَ في رِوايةٍ عنه إلى أنَّ أمْنَ الطَّريقِ شَرطٌ لِلأداءِ لا لِأصلِ الوُجوبِ؛ لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ فسَّر الاستِطاعةَ بالزادِ والراحِلةِ، ولم يَذكُر أمْنَ الطَّريقِ، وهذا له زادٌ وراحِلةٌ، ولأنَّ هذا عُذرٌ يَمنعُ نَفسَ الأداءِ لم يَمنعِ الوُجوبَ كالعَضبِ، ولأنَّ إمكانَ الأداءِ ليسَ بشَرطٍ في وُجوبِ العِباداتِ، بدَليلِ ما لو طهُرتِ الحائضُ أو بلَغ الصَّبيُّ أو أفاقَ المَجنونُ، ولم يَبقَ من وقتِ الصَّلاةِ ما يُمكِنُ أداؤُها فيه، والاستِطاعةُ مُفسَّرةٌ بالزادِ والراحِلةِ، وفَقدُ الزادِ والراحِلةِ يَتعذَّرُ معه الجميعُ، فافترَقا. وفائدةُ الخِلافِ تَظهرُ في وُجوبِ الوصيَّةِ إذا خافَ الفَوتَ، فمن قال: إنَّه من شَرائطِ الأداءِ، يَقولُ: إنَّه تَجبُ الوصيَّةُ إذا خافَ الفَوتَ، أي: من استَوفى شُروطَ الحَجِّ عندَ خَوفِ الطَّريقِ فماتَ قبلَ أمنِه يَجبُ عليه أنْ يُوصيَ بالحَجِّ، أمَّا إذا ماتَ بعدَ أَمنِ الطَّريقِ فتَجبُ عليه الوصيَّةُ بالحَجِّ اتَّفاقًا. ومن قال: إنَّه من شَرطِ الوُجوبِ، يَقولُ: لا تَجبُ الوصيَّةُ؛ لأنَّ الحَجَّ لم يَجب عليه، ولم يَصرْ دَينًا في ذمَّتِه، فلا تَلزمُه الوصيَّةُ (١).

стр. 2771

الخَصلةُ الرابِعةُ: إمكانُ السَّيرِ: إمكانُ السَّيرِ أنْ تَكمُلَ شَرِائطُ الحَجِّ في المُكلَّفِ، والوقتُ مُتسِعٌ، يُمكِنُه الذِّهابُ فيه إلى الحَجِّ. وقد اختلَف الفُقهاءُ، هل إمكانُ السَّيرِ شَرطٌ لِأصلِ الوُجوبِ أو شَرطٌ لِلأداءِ؟ فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ في الأصحِّ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ (قال المِرداويُّ: وهو الصَّحيحُ من المَذهبِ) إلى أنَّ إمكانَ السَّيرِ شَرطٌ لِأصلِ الوُجوبِ، وهو أن يَبقَى من الزَّمانِ عندَ وُجودِ الزادِ والراحِلةِ ما يُمكِنُ السَّيرُ فيه إلى الحَجِّ (السَّيرُ المَعهودُ) فإنِ احتاجَ إلى أنْ يَقطَعَ في كلِّ يَومٍ أو في بعضِ الأيامِ أكثرَ من مَرحَلةٍ لم يَلزمْه الحَجُّ، واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - أنَّ اللهَ تَعالى إنَّما فرَض الحَجَّ على المُستطيعِ، وهذا غيرُ مُستطيعٍ، ولأنَّ هذا يَتعذَّرُ معه فِعلُ الحَجِّ، فكانَ شَرطًا كالزادِ والراحِلةِ. ٢ - أنَّ إمكانَ السَّيرِ من لواحقِ الاستِطاعةِ، وهي شَرطٌ لوُجوبِ الحَجِّ. ٣ - أنَّ ذلك بمَنزلةِ دُخولِ وقتِ الوُجوبِ، كدُخولِ وقتِ الصَّلاةِ، فإنَّها لا تَجبُ قبلَ وقتِها، إلا أنَّ ذلك يَختلِفُ باختِلافِ البُلدانِ، فيُعتبرُ وقتُ الوُجوبِ في حقِّ كلِّ شَخصٍ عندَ خُروجِ أهلِ بَلدِه، فالتَّقييدُ بأشهُرِ الحَجِّ في الآيةِ إنَّما هو بالنِّسبةِ إلى أهلِ أُمِّ القُرى ومَن حولَها. وذهَب المالِكيةُ في مُقابِلِ الأصحِّ والإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ عنه (وعليها أكثرُ أصحابِه) إلى أنَّ إمكانَ المَسيرِ شَرطُ لُزومِ الأداءِ؛ لأنَّ

стр. 2772

النَّبيَّ ﷺ لمَّا سُئل عمَّا يُوجِبُ الحَجَّ، قال: «الزادُ والراحِلةُ» (١). وهذا له زادٌ وراحِلةٌ، ولأنَّ هذا عُذرٌ يَمنعُ الأداءَ نَفسَه، فلم يَمنعِ الوُجوبَ كالعَضبِ، ولأنَّ إمكانَ الأداءِ ليس بشَرطٍ في وُجوبِ العِباداتِ، بدَليلِ ما لو طهُرتِ الحائضُ أو بلَغ الصَّبيُّ أو أفاقَ المَجنونُ، ولم يَبقَ من وقتِ الصَّلاةِ ما يُمكِنُ أداؤها فيه، والاستِطاعةُ مُفسَّرةٌ بالزادِ والراحِلةِ؛ فيَجبُ المَصيرُ إلى تَفسيرِه، والفَرقُ بينَه وبينَ الزادِ والراحِلةِ أنَّه يَتعذَّرُ مع فقدِه -إمكانِ المَسيرِ- الأداءُ دونَ القَضاءِ، وفَقدُ الزادِ والراحِلةِ يَتعذَّرُ معه الجميعُ، فافترَقا. وفائدةُ الخِلافِ تَظهرُ في وُجوبِ الحَجِّ عنه بعدَ مَوتِه، فمن قال: إنَّه من شَرطِ الأداءِ ثم ماتَ قبلَ وُجودِ هذا الشَّرطِ حُجَّ عنه بعدَ مَوتِه، أي: يَجبُ عليه أنْ يُوصيَ بالحَجِّ، وإنْ أُعسِر قبلَ وُجودِه بَقي في ذمَّتِه. ومَن قال: إنَّه من شَرطِ الوُجوبِ، يَقولُ: لا تَجبُ الوصيَّةُ بالحَجِّ عنه بعدَ مَوتِه؛ لأنَّ الحَجَّ لم يَبقَ عليه، ولم يَصرْ دَينًا في ذمَّتِه فلا تَلزمُه الوصيَّةُ (٢).

стр. 2773

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2774

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 2775

القِسمُ الثاني: الشُّروطُ الخاصَّةُ بالنِّساءِ: ما يَخصُّ النِّساءَ من شُروطِ الاستِطاعةِ شَرطانِ لا بدَّ منهما لِكي يَجبَ الحَجُّ على المَرأةِ، يُضافانِ إلى خِصالِ شَرطِ الاستِطاعةِ التي ذكَرناها. هذان الشَّرطانِ هُما: الزَّوجُ أو المَحرَمُ، وعَدمُ العدَّةِ. أولاً: الزَّوجُ أو المَحرَمُ الأمينُ: اختلَف الفُقهاءُ في اشتِراطِ الزَّوجِ أو المَحرَمِ في سَفرِ المَرأةِ للحَجِّ إذا كان بينَها وبينَ مكةَ مَسيرةُ القَصرِ في السَّفرِ هل يُشترَطُ أو يَجوزُ لِلمرأةِ أنْ تُسافرَ مع رُفقةٍ آمِنةٍ مع وُجودِ المَحرَمِ أو يَجوزُ لها أنْ تُسافرَ مع رُفقةٍ آمِنةٍ عندَ عَدمِ وُجودِ المَحرَمِ؟

стр. 2776

فذهَب الحَنفيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ وُجودَ المَحرَمِ للمَرأةِ من شَرائطِ الحَجِّ، فمَن لم يَكنْ معها زَوجُها أو مَحرَمٌ لها لا يَجبُ عليها الحَجُّ. واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - بقولِه ﷺ : «لا تحُجَّنَّ امرَأةٌ إلا ومعها ذُو مَحرَمٍ» (١)، وهذا صَريحٌ في الحُكمِ؛ ولأنَّها أنشَأتْ سَفرًا في دارِ الإسلامِ، فلم يَجزْ بغيرِ مَحرَمٍ كحَجِّ التطوُّعِ. ٢ - بقولِه ﷺ : «لا يَخلُوَنَّ رَجلٌ بامرَأةٍ ولا تُسافرَنَّ امرَأةٌ إلا ومعها مَحرَمٌ، فقامَ رَجلٌ فقال: يا رَسولَ اللهِ، اكتُتِبتُ في غَزوةِ كذا وكذا وخرَجت امرَأتي حاجَّةً، قال: اذهَب فحُجَّ مع امرَأتِك» (٢). قال أبو بَكرٍ الجَصاصُ ﵀: وهذا يَدلُّ على أنَّ قولَه: «لا تُسافرِ امرَأةٌ إلا ومعها ذو مَحرَمٍ»، قد انتظَم المَرأةَ إذا أرادَت الحَجَّ من ثَلاثةِ أوجُهٍ: أحدُها: أنَّ السائلَ عقَل منه ذلك، ولذلك سأَله عن امرَأتِه وهي تُريدُ الحَجَّ، ولم يُنكرِ النَّبيُّ ﷺ ذلك عليه، فدلَّ على أنَّ مُرادَه عامٌّ في الحَجِّ وغيرِه من الأسفارِ. والآخَرُ: قولُه: «حُجَّ مع امرَأتِكَ»، وفي ذلك إخبارٌ منه بإرادةِ السَّفرِ في قولِه: «لا تُسافرِ المَرأةُ إلا ومعها ذو مَحرَمٍ».

стр. 2777

والثالِثُ: أمرُه إياه بتَركِ الغَزوِ للحَجِّ مع امرَأتِه، ولو جازَ لها الحَجُّ بغيرِ مَحرَمٍ أو زَوجٍ لما أمرَه بتَركِ الغَزوِ، وهو فَرضٌ للتطوُّعِ. وفي هذا دَليلٌ أيضًا على أنَّ حجَّ المَرأةِ كان فرضًا ولم يَكنْ تطوُّعًا؛ لأنَّه لو كان تطوُّعًا لَما أمَره بتَركِ الغَزوِ الذي هو فَرضٌ لتطوُّعِ المَرأةِ، ومن وَجهٍ آخرَ، هو أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَسألْه عن حَجِّ المَرأةِ: أفَرضٌ هو أم نَفلٌ؟ وفي ذلك دَليلٌ على تَساوي حُكمِهما في امتِناعِ خُروجِها بغيرِ مَحرَمٍ، فثبَت بذلك أنَّ وُجودَ المَحرَمِ للمَرأةِ من شَرائطِ الاستِطاعةِ (١). ولأنَّها إذا لم يَكنْ معها زَوجٌ ولا مَحرَمٌ لا يُؤمَنُ عليها؛ إذ النِّساءُ لَحمٌ على وَضَمٍ إلا ما ذبَّ عنه. حتى إنَّ الحَنفيةَ قالوا: إذا لم تَجدْ مَحرمًا تَقعدُ إلى أنْ تَبلغَ وقتًا تَعجِزُ عن الحَجِّ فيه، ثم تَبعثُ من يحُجُّ عنها. قال ابنُ عابدينَ ﵀: ومن العَجزِ الذي يُرجَى زَوالُه عَدمُ إيجادِ المَرأةِ مَحرَمًا، فتَقعدُ إلى أنْ تَبلغَ وقتًا تَعجِزُ عن الحَجِّ فيه، أي: لكبَرٍ أو عمًى أو زَمانةٍ، فحينَئذٍ تَبعَثُ من يحُجَّ عنها، أما لو بعَثت قبلَ ذلك لا يَجوزُ لتَوهُّمِ وُجودِ المَحرَمِ، إلا إنْ دامَ عَدمُ المَحرَمِ إلى أنْ ماتَت فيَجوزُ، كالمَريضِ إذا أحَجَّ رَجلًا ودامَ المَرضُ إلى أنْ ماتَ كما في البَحرِ وغيرِه (٢).

стр. 2778

إلا أنَّهم -أي: الحَنفيةَ والحَنابلةَ- اختلَفوا، هل وُجودُ المَحرَمِ شَرطُ وُجوبٍ أو شَرطُ أداءٍ؟ على قولَين عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ، فمن قال: إنَّه شَرطُ وُجوبٍ يَقولُ: لا يَجبُ عليها الإيصاءُ به بعدَ مَوتِها. ومَن قال: إنَّه شَرطُ الأداءِ، قال: يَجبُ عليها أنْ تُوصيَ به؛ لأنَّ المَوتَ بعدَ الوُجوبِ، وإنَّما عُذرَت في التَّأخيرِ، ولأنَّ شُروطَ الحَجِّ المُختصَّةَ بها قد كَمُلت، وإنَّما المَحرَمُ لحِفظِها، فهو كتَخليةِ الطَّريقِ وإمكانِ المَسيرِ. وقد اختلَفوا أيضًا في نفَقةِ المَحرَمِ، هل تَكونُ من مالها أو لا؟ فذهَب الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والحَنابلةُ إلى أنَّ نفَقةَ المَحرَمِ في الحَجِّ عليها؛ لأنَّ المَحرَمَ أو الزَوج من ضَروراتِ حَجِّها بمَنزلةِ الزادِ والراحِلةِ، ولا يُمكِنُ إلزامُ ذلك الزَّوجِ أو المَحرَمِ من مالِ نَفسِه، فيَلزمُها ذلك له، كما يَلزمُها الزادُ والراحِلةُ لِنَفسِها، فعلى هذا يُعتبرُ في استِطاعَتِها أنْ تَملِكَ زادًا وراحِلةً لها ولمَحرَمِها. وذكَر القاضي في شَرحِه «مُختصَرِ الطَّحاويِّ»: أنَّه لا يَلزمُها ذلك، وهو رِوايةٌ عن مُحمدٍ، وهو قولُ أبي حَفصٍ البُخاريِّ؛ لأنَّ الواجبَ عليها الحَجُّ، لا إحجاجُ غيرِها. قال الكاسانيُّ ﵀: وَجهُ ما ذكَره القاضي: أنَّ هذا من شَرائطِ وُجوبِ الحَجِّ عليها، ولا يَجبُ على الإنسانِ تَحصيلُ شَرطِ الوُجوبِ؛ بل إنْ وُجد الشَّرطُ وجَب، وإلا فلا، ألا تَرى: أنَّ الفَقيرَ لا يَلزمُه تَحصيلُ

стр. 2779

الزادِ والراحِلةِ، فيَجبُ عليه الحَجُّ، ولهذا قالوا في المَرأةِ التي لا زوجَ لها ولا مَحرَمَ: إنَّه لا يَجبُ عليها أنْ تَتزَوج بمَن يحُجُّ بها، كذا هذا (١). وذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ والحَسنُ والنَّخعيُّ وإسحاقُ وابنُ المُنذرِ إلى أنَّ وُجودَ المَحرَمِ ليس بشَرطٍ في الحَجِّ الواجبِ. قال الإمامُ مالكٌ: تحُجُّ في جَماعةِ النِّساءِ. وقال الشافِعيُّ: يَجوزُ أنْ تحُجَّ مع نِساءٍ ثِقاتٍ. قال النَّوويُّ ﵀: قال الشافِعيُّ والأصحابُ ﵏: لا يَلزمُ المَرأةَ الحَجُّ إلا إذا أمِنَت على نَفسِهِا بزَوجٍ أو مَحرَمِ نَسبٍ أو غيرِ نَسبٍ، أو نِسوةٍ ثِقاتٍ، فأيُّ هذه الثَّلاثةِ وُجِد لزِمها الحَجُّ بلا خِلافٍ، وإنْ لم يَكنْ شيءٌ من الثَّلاثةِ لم يَلزمْها الحَجُّ على المَذهبِ، سَواءٌ وجَدت امرَأةً واحِدةً أو لا. وقَولٌ ثالِثٌ: يَجبُ أنْ تَخرجَ للحَجِّ وحدَها إذا كان الطَّريقُ مَسلوكًا، كما يَلزمُها إذا أسلَمت في دارِ الحَربِ الخُروجُ إلى دارِ الإسلامِ وحدَها بلا خِلافٍ، وهذا القولُ اختيارُ المُصنِّفِ -أي: الشِّيرازيِّ- وطائفةٍ. والمَذهبُ عندَ الجُمهورِ ما سبَق، وهو المَشهورُ من نُصوصِ الشافِعيِّ (٢).

стр. 2780

واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وخِطابُ الناسِ يَتناولُ الذُّكورَ والإناثَ بلا خِلافٍ، فإذا كان لها زادٌ وراحِلةٌ كانت مُستطيعةً، وإذا كان معها نِساءٌ ثِقاتٌ يُؤمَنُ الفَسادُ عليها معهُنَّ، يَلزمُها فَرضُ الحَجِّ. ٢ - عن عَديِّ بنِ حاتِمٍ قال: «بَينا أنا عندَ النَّبيِّ ﷺ إذ أتاه رَجلٌ فشَكا إليه الفاقةَ، ثم أتاه آخَرُ فشَكا قَطعَ السَّبيلِ، فقال: يا عَديُّ، هل رَأيتَ الحيرةَ؟ (١)، قلتُ: لم أرَها، وقد أُنبِئتُ عنها، قال: فإنْ طالت بكَ حَياةٌ لترَينَّ الظَّعينةَ (٢) تَرتَحلُ من الحِيرةِ حتى تَطوفَ بالكَعبةِ، لا تَخافُ أحدًا إلا اللهَ، قال عَديٌّ: فرَأيتُ الظَّعينةَ تَرتَحلُ من الحِيرةِ حتى تَطوفَ بالكَعبةِ، لا تَخافُ إلا اللهَ» (٣)، وهذا خَبرٌ في سياقِ المَدحِ ورَفعِ مَنارِ الإسلامِ، فيُحملُ على الجوازِ. وقال ابنُ بطَّالٍ ﵀: قال مالكٌ والشافِعيُّ: تَخرجُ المَرأةُ في حَجةِ الفَريضةِ مع جَماعةِ النِّساءِ في رُفقةٍ مَأمونةٍ، وإنْ لم يَكنْ معها مَحرَمٌ، وجُمهورُ العُلماءِ على جوازِ ذلك، وكان ابنُ عُمرَ يحُجُّ معه نِسوةٌ من جيرانِه.

стр. 2781

وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُه: لا تحُجُّ المَرأةُ إلا مع ذي مَحرَمٍ، وهو قولُ أحمدَ، حمَلوا نَهيَه على العُمومِ في كلِّ سَفرٍ، وحمَله مالكٌ وجُمهورُ الفُقهاءِ على الخُصوصِ، وإنَّ المُرادَ بالنَّهيِ الأسفارُ غيرُ الواجبةِ عليها بعُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] فدخَلت المَرأةُ في عُمومِ هذا الخِطابِ، ولزِمها فَرضُ الحَجِّ، ولا يَجوزُ أنْ تُمنعَ المَرأةُ من الفُروضِ، كما لا تُمنعُ من الصَّلاةِ والصِّيامِ، ألَا تَرى أنَّ عليها أنْ تُهاجرَ من دارِ الكُفرِ إلى دارِ الإسلامِ إذا أسلَمت فيها بغيرِ مَحرَمٍ، وكذلك كلُّ واجبٍ عليها أنْ تَخرجَ فيه، فثبَت بهذا أنَّ نَهيَه ﷺ أنْ تُسافرَ المَرأةُ مع غيرِ ذي مَحرَمٍ أنَّه أرادَ بذلك سَفرًا غيرَ واجبٍ عليها، واللهُ أعلمُ (١). وقال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: ومن الأدلَّةِ على جوازِ سَفرِ المَرأةِ مع النِّسوةِ الثِّقاتِ إذا أُمنَ الطَّريقُ أوَّلُ أحاديثِ البابِ، وهو: «أذِن عُمرُ ﵁ لِأزواج النَّبيِّ ﷺ في آخرِ حجَّةٍ حجَّها، فبعَث مَعهُنَّ عُثمانَ بنَ عَفانَ وعبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ» (٢). لِاتِّفاقِ عُمرَ وعُثمانَ وعبدِ الرَّحمنِ بنِ عَوفٍ ونِساءِ النَّبيِّ ﷺ على ذلك، وعَدمِ نَكيرِ غيرِهم من الصَّحابةِ عليهِنَّ في ذلك، ومَن أبَتْ ذلك من أُمَّهاتِ المُؤمِنينَ، فإنَّما أبتْه من جِهةٍ خاصَّةٍ، كما تَقدَّم، لا من جِهةِ تَوقُّفِ السَّفرِ على المَحرَمِ، ولَعلَّ هذا هو النُّكتةُ في إيرادِ البُخاريِّ الحَديثيْن

стр. 2782

أحدِهما عقبَ الآخَرِ، ولم يَختَلِفوا أنَّ النِّساءَ كلَّهُنَّ في ذلك سَواءٌ … » (١). إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: يَجوزُ لها أنْ تَخرجَ إلى الحَجِّ مع رُفقةٍ آمِنةٍ إذا عُدم الزَّوجُ أو المَحرَمُ أو عندَ امتِناعِهما أو عَجزِهما، ولا بدَّ أنْ تَكونَ مَأمونةً في نَفسِها، فإنِ امتنَع الزَّوجُ أو المَحرَمُ من السَّفرِ معها إلا بأُجرةٍ لزِمتها، وحرُم عليها حينَئذٍ السَّفرُ مع الرُّفقةِ المَأمونةِ. قال الدُّسوقيُّ ﵀: ومَحلُّ لُزومِ الأُجرةِ لها إنْ كانت لا تُجحِفُ بها على الظاهرِ، وإنْ كان ظاهرُ كَلامِهم أنَّه يَلزمُها ذلك مُطلقًا (٢). أمَّا عندَ الشافِعيةِ فهي مُخيَّرةٌ بينَ أنْ تَكونَ في صُحبةِ زَوجٍ أم مَحرَمٍ أو رُفقةٍ آمِنةٍ، إلا أنَّها يَلزمُها أُجرةُ المَحرَمِ إذا لَم يَخرجْ معها إلا بها. وهذا الخِلافُ السابِقُ في اشتِراطِ المَحرَمِ وعَدمِه في حَجِّ الفَريضةِ، أمَّا حَجُّ التطوُّعِ فلا يَجوزُ للمَرأةِ السَّفرُ له إلا مع زَوجٍ أو ذي مَحرَمٍ فقط اتَّفاقًا، ولا يَجوزُ لها السَّفرُ بغيرِهما، بل تَأثمُ به. وقد حكى النَّوويُّ وَجهًا بجوازِ أنْ تُسافرَ المَرأةُ في حَجِّ التطوُّعِ بدونِ مَحرَمٍ وضعَّفه (٣).

стр. 2783

المَحرَمُ المَشروطُ للسَّفرِ: وصِفةُ المَحرَمِ أنْ يَكونَ ممَّن لا يَجوزُ له نِكاحُها على التَّأبيدِ، إما بالقَرابةِ أو الرَّضاعِ أو الصِّهريَّةِ؛ لأنَّ الحُرمةَ المُؤبَّدةَ تُزيلُ التُّهمةَ في الخَلوةِ، وسَواءٌ كان المَحرَمُ مُسلمًا أو ذمِّيًّا أو مُشركًا عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ؛ لأنَّ الذمِّيَّ والمُشركَ يَحفَظانِ مَحارِمَهما، وهي مُحرَّمةٌ عليهما على التَّأبيدِ، إلا أنْ يَكونَ مَجوسيًّا فلا؛ لأنَّه يَعتقِدُ إباحةَ نِكاحِها فلا تُسافرُ معه؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ عليها، كالأجنَبيِّ. وقال الحَنابلةُ: الكافِرُ ليسَ بمَحرَمٍ للمُسلمةِ، وإنْ كانت ابنتَه، قال أحمدُ في يَهوديٍّ أو نَصرانيٍّ أسلَمت ابنَتُه: لا يُزوِّجُها، ولا يُسافرُ معها، ليس هو لها بمَحرَمٍ؛ لأنَّ إثباتَ المَحرَميَّةِ يَقتَضي الخَلوةَ بها، فيَجبُ ألَّا تَثبتَ لِكافِرٍ على مُسلمةٍ كالحَضانةِ لِلطِّفلِ؛ ولأنَّه لا يُؤمَنُ عليها أنْ يَفتِنَها عن دينِها كالطِّفلِ. ثم إنَّ الحَنفيةَ والحَنابلةَ اشترَطوا في المَحرَمِ أنْ يَكونَ بالِغًا عاقِلًا؛ لأنَّ الصَّبيَّ لا يَقومُ بنَفسِه، وذلك؛ لأنَّ المَقصودَ بالمَحرَمِ حِفظُ المَرأةِ، ولا يَحصلُ إلا من البالغِ العاقِلِ، فاعتُبرَ ذلك (١).

стр. 2784

وقال المالِكيةُ: لا يُشترَطُ في المَحرَمِ البُلوغُ؛ بل يَكفي التَّمييزُ ووُجودُ الكِفايةِ (١). أمَّا الشافِعيةُ فقال الخَطيبُ الشِّربينيُّ ﵀: ويَنبَغي ما قاله بعضُ المُتأخِّرينَ: عَدمُ الاكتِفاءِ بالصَّبيِّ؛ إذ لا يَحصلُ لها معه الأمنُ على نَفسِها إلا في مُراهقٍ ذي وَجاهةٍ، بحيثُ يَحصلُ معه الأمنُ لاحتِرامِه (٢). هل للزَّوجِ أنْ يَمنعَ زَوجتَه من الحَجِّ؟ إذا وجَدت المَرأةُ مَحرَمًا لم يَكنْ للزَّوجِ مَنعُها من حَجةِ الفَريضةِ أو النَّذرِ؛ لأنَّه فرضٌ، فلم يَكنْ له مَنعُها منه، كصَومِ رَمضانَ والصَّلواتِ الخَمسِ، إلا أنَّه يُستحبُّ أنْ تَستأذِنه في ذلك، فإنْ أذِن وإلا خرَجت بغيرِ إذنِه. وقال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ: ليس للمَرأةِ الحَجُّ إلا بإذنِ الزَّوجِ؛ لأنَّ في ذَهابِها تَفويتَ حقِّ الزَّوجِ، ولأنَّ حقَّ العبدِ مُقدَّمٌ؛ لأنَّه فَرضٌ بغيرِ وقتٍ إلا في العُمرِ كلِّه، بناءً على أنَّ الحَجَّ على التَّراخي، فإنْ خافَت العَجزَ البَدنيَّ بقولِ طَبيبَين عَدلَين لم يُشترَطْ إذنُ الزَّوجِ.

стр. 2785

أما حَجُّ التطوُّعِ فله مَنعُها منه إجماعًا. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع كلُّ من نَحفظُ عنه من أهلِ العِلمِ على أنَّ للرَّجلِ منعَ زَوجتِه من الخُروجِ إلى حَجِّ التطوُّعِ (١)، وذلك لأنَّ حقَّ الزَّوجِ واجبٌ، فليس لها تَفويتُه بما ليس بواجبٍ (٢). ثانيًا: عَدمُ العدَّةِ: اتَّفقَ الفُقهاءُ في الجُملةِ على أنَّه يُشترَطُ ألَّا تَكونَ المَرأةُ مُعتدَّةً عن طَلاقٍ أو وفاةٍ مُدةَ إمكانِ السَّيرِ للحَجِّ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى نَهى المُعتدَّاتِ عن الخُروجِ بقوله : ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]. ولأنَّ الحَجَّ يُمكِنُ أداؤُه في وقتٍ آخرَ؛ فأمَّا العدَّةُ فإنَّها إنَّما يَجبُ قَضاؤُها في هذا الوقتِ خاصَّةً، فكانَ الجَمعُ بينَ الأمرَين أوْلى. وقد عمَّم الحَنفيةُ هذا الشَّرطَ لكلِّ مُعتدَّةٍ، سَواءٌ كانت عدَّتُها من طَلاقٍ بائنٍ أو رَجعيٍ، أو وَفاةٍ أو فَسخِ نِكاحٍ، وهو أيضًا قولُ المالِكيةِ، فإنَّهم قالوا: إذا كانت المَرأةُ مُعتدَّةً من طَلاقٍ أو وَفاةٍ وجَب عليها البَقاءُ في بَيتِ

стр. 2786

العدَّةِ، فإذا أحرمَت وهي مُعتدَّةٌ صحَّ حَجُّها مع الإثمِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١]، وهذا فيه تَعميمُ المُعتدَّاتِ بالنِّسبةِ للطَّلاقِ والوَفاةِ. أمَّا الحَنابلةُ فقد فصَّلوا في ذلك، فقالوا: «لا تَخرجُ المَرأةُ إلى الحَجِّ في عدَّةِ الوَفاةِ، ولها أنْ تَخرجَ إليه في عدَّةِ الطَّلاقِ المَبتوتِ، وذلك لأنَّ لُزومَ البَيتِ فيه واجبٌ في عدَّةِ الوَفاةِ، وقُدِّم على الحَجِّ؛ لأنَّه يَفوتُ، والطَّلاقُ المَبتوتُ لا يَجبُ فيه ذلك، وأما عدَّةُ الرَّجعيَّةِ، فالمَرأةُ فيه بمَنزلَتِها في طَلبِ النِّكاحِ؛ لأنَّها زَوجةٌ». ونحوُ ذلك عندَ الشافِعيةِ؛ فقد صرَّحوا بأنَّ للزَّوجِ أنْ يَمنعَ المُطلقةَ الرَّجعيَّةَ لِلعدَّةِ؛ وذلك؛ لأنَّه يَحِقُّ للزَّوجِ عندَهم على الصَّحيحِ مَنعُها عن حَجةِ الفَرضِ (١). ثم إنَّ الحَنفيةَ اختلَفوا في عَدمِ العدَّةِ: هل هو شَرطُ وُجوبٍ أو شَرطُ أداءٍ؟ ذكَر ابنُ أميرِ الحاجِّ أنَّه شَرطُ الأداءِ، قال ابنُ عابدينَ: وهو الأظهرُ (٢)، أمَّا عندَ الجُمهورِ فهو شَرطٌ للوُجوبِ.

стр. 2787

شُروطُ صِحةِ الحَجِّ: شُروطُ صِحةِ الحَجِّ: أُمورٌ تَتوقَّفُ عليها صِحةُ الحَجِّ، وليست داخِلةً فيه، فلو اختَلَّ شيءٌ منها كان الحَجُّ باطِلًا، وهي: الشَّرطُ الأولُ: الإسلامُ: يُشترَطُ الإسلامُ؛ لأنَّ الكافِرَ ليس أهلًا للعِبادةِ، ولا تَصحُّ منه، فلا يَصحُّ حَجُّ الكافرِ أصالةً ولا نيابةً، فإنْ حجَّ أو حُجَّ عنه ثم أسلَم وجَبت عليه حَجةُ الإسلامِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما أعرابيٍّ حجَّ ثم هاجَر فعليه أنْ يحُجَّ حَجةً أُخرَى» (١). وقد سبَق الكَلامُ عن هذا الشَّرطِ في شُروطِ الوُجوبِ. الشَّرطُ الثاني: العَقلُ: يُشترَطُ العَقلُ أيضًا؛ لأنَّ المَجنونَ ليسَ أهلًا للعِبادةِ، ولا تَصحُّ منه، فلو حجَّ المَجنونُ فحَجُّه غيرُ صَحيحٍ، وإذا أفاقَ وجَب عليه حَجةُ الإسلامِ، لكِنْ يَصحُّ لِوليِّه أنْ يحُجَّ عنه، ويَقعُ نَفلًا. الشُّرطُ الثالثُ: الميقاتُ الزَّمانيُّ: ذكَر اللهُ تَعالى للحَجِّ زَمانًا لا يُؤدَّى في غيرِه، وهو شوَّالٌ وذو القَعدةِ وعَشرٌ من ذي الحِجةِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ وجَماهيرُ الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم: «هي شوَّالٌ، وذو القَعدةِ، وعَشرٌ من ذي الحِجةِ». وقد وقَع الخِلافُ في نَهارِ يومِ النَّحرِ.

стр. 2788

فقال الحَنفيةُ والحَنابلةُ: هو من أشهُرِ الحَجِّ، إلا أنَّه إذا أحرَم بالحَجِّ في يومِ النَّحرِ يَكونُ لِلعامِ القادِمِ؛ لأنَّ أفعالَ الحَجِّ لو أُخِّرت عن هذا الوقتِ -أي: لَيلةِ النَّحرِ- يَفوتُ الحَجُّ لفَوتِه بتأخيرِ الوُقوفِ عن طُلوعِ فجرِ العاشِرِ. وقال الشافِعيةُ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ: آخِرُ أشهُرِ الحَجِّ ليلةُ النَّحرِ، وليس نَهارُ يومِ النَّحرِ منها. أمَّا المالِكيةُ فقال في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: (ووقتُه) أي: ابتِداءُ وقتِه بالنِّسبةِ (للحَجِّ شوَّالٌ) لفجرِ يومِ النَّحرِ، ويَمتدُّ زَمنُ الإحلالِ منه (لِآخرِ الحِجَّةِ) وليسَ المُرادُ أنَّ جميعَ الزَّمنِ الذي ذكَره وقتٌ لِجوازِ الإحرامِ كما يُوهمُه لَفظُه؛ بل المُرادُ أنَّ بعضَ هذا الزَّمنِ وقتٌ لِجوازِ ابتِداءِ الإحرامِ به، وهو مِنْ شوَّالٍ لِطُلوعِ فجرِ يومِ النَّحرِ، بعضُه وقتٌ لِجوازِ التَّحلُّلِ، وهو من فجرِ يومِ النَّحرِ لِآخرِ الحِجةِ (١). قال الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: (لِفجرِ يومِ النَّحرِ) الأوْلى إلى قَدرِ الوُقوفِ قبلَ الفجرِ لَيلةَ النَّحرِ، فتأمَّلْ (٢). فلو فعَل شيئًا من أعمالِ الحَجِّ في خارِجِ وقتِ الحَجِّ لا يُجزئُه، فلو صامَ المُتمتِّعُ أو القارِنُ ثَلاثةَ أيامٍ قبلَ وقتِ الحَجِّ لا يَجوزُ، وكذا السَّعيُ

стр. 2789

بينَ الصَّفا والمَروةِ عقبَ طَوافِ القُدومِ لا يَقعُ عن سَعيِ الحَجِّ إلا فيها، حتى لو فعَله في رَمضانَ لم يَجزْ (١). نَعمْ أجازَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ الإحرامَ بالحَجِّ قبلَ أشهُرِه مع الكَراهةِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٨٩]، فدلَّ على أنَّ جميعَ الأشهُرِ ميقاتٌ؛ ولأنَّه أحدُ نُسكَيِ القِرانِ فجازَ الإحرامُ به في جميعِ السَّنةِ، كالعُمرةِ أو أحدِ الميقاتَيْن، فصحَّ الإحرامُ قبلَه كميقاتِ المَكانِ، وأنَّ الآيةَ وهي قولُه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] مَحمولةٌ على أنَّ الإحرامَ به إنَّما يُستحبُّ فيها (٢). وقال الشافِعيةُ: لا يَصحُّ الإحرامُ بالحَجِّ قبلَ وقتِه، فلو أحرَم به في غيرِ وقتِه، كأنْ أحرَم به في رَمضانَ أو أحرَم مُطلقًا، انعقَد إحرامُه بذلك عُمرةً مُجزِئةً عن عُمرةِ الإسلامِ على الصَّحيحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] تَقديرُه: وقتُ الحَجِّ أشهُرٌ، أو أشهُرُ الحَجِّ أشهُرٌ

стр. 2790

مَعلوماتٌ، فحذَف المُضافَ وأقامَ المُضافَ إليه مَقامَه، ومتى ثبَت أنَّه وقتُه لم يَجزْ تَقديمُ إحرامِه عليه كأوقاتِ الصَّلواتِ (١). الشَّرطُ الرابِعُ: الميقاتُ المَكانيُّ: المَواقيتُ وأحكامُها: هُناكَ أماكِنُ وقَّتها الشارِعُ، أي: حدَّدها لِأداءِ أركانِ الحَجِّ والعُمرةِ لا تَصحُّ في غيرِها، فالطَّوافُ بالكَعبةِ مَكانُه حولَ الكَعبةِ، والسَّعيُ مَكانُه بينَ الصَّفا والمَروةِ على ما سيَأتي في مَوضعِه إنْ شاء اللهُ . أمَّا مَواقيتُ الإحرامِ المَكانيَّةُ وأحكامُها فهي على التَّفصيلِ الآتي: الميقاتُ المَكانيُّ: الميقاتُ المَكانيُّ يَنقسمُ قِسمَين: ميقاتٌ مَكانيٌّ لِلإحرامِ بالحَجِّ، وميقاتٌ مَكانيٌّ لِلإحرامِ بالعُمرةِ، وهُما يتَّفقانِ في الأحكامِ في حقِّ الآفاقيِّ والميقاتيِّ، ويَختلِفانِ في حقِّ الحَرميِّ والمكِّيِّ. أولاً: الميقاتُ المَكانيُّ لِلإحرامِ بالحَجِّ: يَختلِفُ الميقاتُ المَكانيُّ لِلإحرامِ بالحَجِّ باختِلافِ مَواقعِ الناسِ، فإنَّهم في حقِّ المَواقيتِ المَكانيَّةِ أربَعةُ أصنافٍ، وهي: الصِّنفُ الأولُ: الآفاقيُّ. الصِّنفُ الثاني: الميقاتيُّ.

стр. 2791

الصِّنفُ الثالثُ: الحَرميُّ أو المكِّيُّ. الصِّنفُ الأولُ: ميقاتُ الآفاقيِّ: وهو من مَنزلِه في خارِجِ مِنطَقةِ المَواقيتِ. اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ هذه المَواقيتَ هي التي لا يَجوزُ أنْ يَتجاوَزها الإنسانُ إلا مُحرِمًا ممَّن يُريدُ النُّسكَ، وأنَّها مَواقيتُ لِأهلِها ولمَن مرَّ بها من غيرِ أهلِها، وهي: ١ - ذو الحُلَيفةِ: ميقاتُ أهلِ المَدينةِ ومَن مرَّ بها من غيرِ أهلِها، وتُسمَّى الآنَ: «آبارُ عَليٌّ»، فيما اشتُهرَ لدى العامَّةِ (١)، وهذا الميقاتُ يَبعدُ (٤٥٠ كم) عن مكةَ تَقريبًا ويَقعُ شَمالَها. ٢ - الجُحفةُ: وهي ميقاتُ أهلِ الشامِ ومِصرَ والمَغربِ، وهي تَبعدُ عن مكةَ (١٨٧ كم) تَقريبًا، ويُحرِمُ الحُجاجُ الآنَ من (رابِغٍ)، وتَقعُ قبلَ الجُحفةِ إلى جِهةِ البَحرِ، تَبعدُ عن مكةَ حَوالَيْ ٢٢٠ كم تَقريبًا. فالمُحرِمُ مِنْ: «رابِغٍ» مُحرِمٌ قبلَ الميقاتِ، وقد قيلَ: إنَّ الإحرامَ مِنها أحوَطُ لعَدِمِ التَّيقُّنِ بمَكانِ الجُحفةِ. ٣ - ذاتُ عِرقٍ: ميقاتُ أهلِ العِراقِ وغيرِهم من أهلِ المَشرقِ، وهي قَريةٌ على مَرحلَتيْن من مكةَ، مُشرفةٌ على وادي العَقيقِ في الشَّمالِ الشَّرقيِّ من مكةَ (٩٤ كم).

стр. 2792

٤ - يلَملَمُ: ميقاتُ أهلِ اليَمنِ وتِهامةَ والهِندِ، وهو جَبلٌ من جِبالِ تِهامةَ في جَنوبِ مكةَ. ٥ - قَرنُ المَنازلِ: ميقاتُ أهلِ نَجدٍ والكويتِ والإماراتِ والطائفِ، جَبَلٌ على مَرحلَتيْن من مكةَ، ويُقال له أيضًا: «قَرنُ الثَّعالبِ». وهو قَريبٌ من المَكانِ المُسمَّى الآنَ: «السَّيلَ» (٩٦ كم). والأدلَّةُ على تَحديدِها مَواقيتَ لِلإحرامِ السُّنةُ والإجماعُ: أ- أمَّا السُّنةُ فمنها: ١ - ما رَواه الشَّيخانِ عن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ، قال: «يُهلُّ أهلُ المَدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، ويُهلُّ أهلُ الشامِ من الجُحفةِ، ويُهلُّ أهلُ نَجدٍ من قَرنٍ» (١). قال ابنُ عُمرَ ﵄: «وبَلغَني أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ ، قال: ويُهلُّ أهلُ اليَمنِ من يلَملَمَ». ٢ - ورَوى الشَّيخانِ أيضًا عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «وقَّت لِأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولِأهلِ الشامِ الجُحفةَ، ولِأهلِ نَجدٍ قَرنَ المَنازلِ، ولِأهلِ اليَمنِ يلَملَمَ، قال: هنَّ لهُنَّ ولمَن أتَى عَليهنَّ من غيرِهنَّ ممَّن أرادَ، ومن كان دونَ ذلك، فمن حيثُ أنشَأ حتى أهلُ مكةَ من مكةَ» (٢).

стр. 2793

٣ - ورَوى مُسلمٌ عن أبي الزُّبيرِ أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ ﵄ يُسألُ عن المُهَلِّ، فقال: سمِعتُ أحسَبُه رفَع إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: «مُهَلُّ أهلِ المَدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، والطَّريقُ الآخَرُ الجُحفةُ، ومُهَلُّ أهلِ العِراقِ من ذاتِ عِرقٍ، ومُهَلُّ أهلِ نَجدٍ من قَرنٍ، ومُهَلُّ أهلِ اليَمنِ من يلَملَمَ» (١)، وغيرُ ذلك من الأحاديثِ. أمَّا الإجماعُ: فقال النَّوويُّ ﵀: قال ابنُ المُنذرِ وغيرُه: أجمَع العُلماءُ على هذه المَواقيتِ (٢). أحكامٌ تَتعلَّقُ بالمَواقيتِ: ١ - أجمَع الفُقهاءُ على أنَّه يَجبُ الإحرامُ منها لمن مرَّ بالميقاتِ قاصِدًا أحدَ النُّسكَين -الحَجَّ أو العُمرةَ- وعلى تَحريمِ تأخيرِ الإحرامِ عنها. قال النَّوويُّ ﵀: إذا انتَهى الآفاقيُّ إلى الميقاتِ، وهو يُريدُ الحَجَّ أو العُمرةَ أو القِرانَ حرُم عليه مُجاوزتُه غيرَ مُحرِمٍ بالإجماعِ، فإنْ جاوَزه فهو مُسيءٌ، سَواءٌ كان من أهلِ تلك الناحيةِ أو من غيرِها، كالشاميِّ يَمرُّ بميقاتِ أهلِ المَدينةِ (٣).

стр. 2794

٢ - من جاوَز الميقاتَ قاصِدًا الحَجَّ أو العُمرةَ أو القِرانَ وهو غيرُ مُحرِمٍ أثِمَ، ويَجبُ عليه العَودُ إليه والإحرامُ منه، فإنْ عادَ فلا دَمَ عليه عندَ الشافِعيةِ وأبي يُوسفَ من الحَنفيةِ، وقال مالكٌ: لا يَسقطُ عنه الدَّمُ بالعَودِ. وقال أبو حَنيفةَ ﵀: إنْ عادَ مُلبِّيًّا سقَط الدَّمُ وإلا فلا، فإنْ لم يَرجعْ إلى الميقاتِ وجَب عليه الدَّمُ اتَّفاقًا، سَواءٌ ترَك العَودَ بعُذرٍ أو بغيرِ عُذرٍ، سَواءٌ كان عالِمًا عامِدًا أو جاهِلًا أو ناسيًا؛ لكِن من ترَك العَودَ لعُذرٍ لا يَأثمُ بتَركِ الرُّجوعِ، ومن العُذرِ خَوفُ فواتِ الوُقوفِ بعَرفةَ؛ لِضيقِ الوقتِ أو المَرضِ الشاقِّ أو خَوفِ فواتِ الرُّفقةِ، أو كخَوفِ الطَّريقِ (١). ٣ - من يَمرُّ بميقاتَين، كالشاميِّ إذا قدِم من المَدينةِ أو المَدَنيِّ يَمرُّ بذي الحُلَيفةِ ثم بالحُجفةِ، فمِن أيِّ الميقاتَين يُحرِمُ؟ ذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجبُ عليه أنْ يُحرمَ من الميقاتِ الأبعَدِ، كأهلِ الشامِ ومِصرَ والمَغربِ ميقاتُهم الجُحفةُ، فإذا مرُّوا بالمَدينةِ وجَب عليهم الإحرامُ من ذي الحُلَيفةِ ميقاتِ أهلِ المَدينةِ، وإذا جاوزوه غيرَ مُحرِمينَ حتى الجُحفةِ كان حُكمُهم حُكمَ من جاوَز الميقاتَ من غيرِ إحرامٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «فَهنَّ لهنَّ ولمَن أتَى عَليهنَّ من غيرِ أهلِهنَّ»، ولأنَّه ميقاتٌ لم يَجزْ تَجاوزُه بغيرِ إحرامٍ لمن يُريدُ النُّسكَ كسائرِ المواقيتِ.

стр. 2795

وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ من يَمرُّ بميقاتَينِ الثاني منهُما ميقاتُه نُدِبَ له الإحرامُ من الأولِ، ولا يَجبُ عليه الإحرامُ مِنهُ؛ لأنَّ ميقاتَه أمامَه. وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ الأفضلَ له الإحرامُ من الأولِ، ويُكرهُ له تَأخيرُه إلى الثاني الأقرَبِ إلى مكةَ، ولم يُقيِّدوه -في الأصحِّ عندَهم- بأنْ يَكونَ الميقاتُ الثاني ميقاتًا له. واستدلَّ المالِكيةُ والحَنفيةُ بعُمومِ التَّوقيتِ لِأهلِ المَناطقِ المَذكورةِ، وجوَّزوا الإحرامَ من أيِّ الميقاتَين، ويَدلَّ عليه ما ثبَت عن ابنِ عُمرَ أنَّه: «أهلَّ من الفُرعِ» (١). وهو مَوضعٌ بينَ ذي الحُلَيفةِ ومكةَ، وابنُ عُمرَ ﵄ هو راوي حَديثِ المَواقيتِ مرَّ بذي الحُلَيفةِ ميقاتِ أهلِ المَدينةِ، فلم يُحرِمْ مِنها، وأحرَم بعدَها من الفُرعِ. وخَصَّ المالِكيةُ ذلك بغيرِ المَدنيِّ، ويَشهدُ لهم فِعلُ النَّبيِّ ﷺ والصَّحابةِ، فإنَّهم أحرَموا من ذي الحُلَيفةِ، وهو مَحمولٌ عندَ الحَنفيةِ على فِعلِ الأفضَلِ (٢).

стр. 2796

٤ - التَّقدُّمُ بالإحرامِ عن المَواقيتِ المَكانيَّةِ: لا خِلافَ في أنَّ من أحرَم قبلَ الميقاتِ يَصيرُ مُحرِمًا، تَثبتُ في حقِّه أحكامُ الميقاتِ. قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ من أحرَم قبلَ الميقاتِ مُحرِمٌ (١). إلا أنَّهم اختلَفوا هل الأفضلُ الإحرامُ من الميقاتِ أو من أهلِه، أي: بَلدِه. فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في أحدِ القولَين عندَهُم إلى أنَّ الإحرامَ من بَلدِه أفضلُ إذا أمِن على نَفسِه مُخالفةَ أحكامِ الإحرامِ، لِما رَوت أمُّ سَلمةَ ﵂ أنَّها سمِعت رَسولَ اللهِ ﷺ ، يَقولُ: «مَنْ أهلَّ بحَجةٍ أو عُمرةٍ من المَسجدِ الأقصَى إلى المَسجدِ الحَرامِ غُفر له ما تَقدَّم من ذَنبِه وما تَأخَّر»، أو: «وجَبتْ له الجَنةُ» (٢)، «وقد أحرَم ابنُ عُمرَ ﵄ من إيلَياءَ» (٣)، ولِما رَوى أبو داودَ والنَّسائيُّ عن الصُّبيِّ بنِ مَعبدٍ قال: «كُنْتُ رَجلًا أعرابيًّا نَصرانيًّا، فأسلَمتُ فأتَيتُ رَجلًا من عَشيرَتي، يُقال له هُذيمُ بنُ ثُرمُلةَ، فقلتُ لهُ: يا هَناه، إنِّي حَريصٌ على الجِهادِ، وإنِّي وَجَدتُ الحَجَّ والعُمرةَ مَكتوبَينِ علَيَّ، فكَيفَ لي بأنْ أجمعَهما؟ قال: اجمَعْهما واذبَحْ ما

стр. 2797

استَيسرَ من الهَديِ، فأهلَلتُ بهِما معًا، فلمَّا أتَيتُ العُذَيبَ لَقيَني سَلمانُ بنُ رَبيعةَ وزَيدُ بنُ صُوحانَ، وأنا أُهلُّ بهِما جميعًا، فقال أحدُهما لِلآخَرِ: ما هذا بأفقَهَ من بَعيرِه، قال: فكَأنَّما أُلقيَ علَيَّ جَبلٌ حتى أتَيتُ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ، فقلتُ لهُ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، إنِّي كُنْتُ رَجلًا أعرابيًّا نَصرانيًّا، وإنِّي أسلَمتُ وأنا حَريصٌ على الجِهادِ، وإنِّي وجَدتُ الحَجَّ والعُمرةَ مَكتوبَينِ علَيَّ، فأتَيتُ رَجلًا من قَومي، فقال لي: اجمَعهُما واذبَحْ ما استَيسرَ من الهَديِ، وإنِّي أهلَلتُ بهِما معًا، فقال لي عُمرُ ﵁: هُديتَ لسُنةِ نَبيِّكَ ﷺ » (١)، وهذا إحرامٌ به قبلَ الميقاتِ. وورَد عن علِيٍّ ﵁ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]: إتمامُهما أنْ تُحرِمَ بهما من دُويرةِ أهلِك» (٢)، أي: تُنشئ السَّفرَ لهما من دُوَيرةِ أهلِك (٣). وذهَب المالِكيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ المُختارِ إلى أنَّ الأفضلَ الإحرامُ من الميقاتِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حجَّ فأحرَم من الميقاتِ، ولم يحُجَّ إلا مَرةً واحِدةً، ولو كان الإحرامُ من مَنزِله أفضلَ لَبيَّنه

стр. 2798

بفِعلِه؛ ولأنَّه أحدُ نَوعَيِ المَواقيتِ، فكُره التَّقدُّمُ بالإحرامِ عليه كالإحرامِ بالحَجِّ قبلَ أشهُرِه. ولأنَّه تَغريرٌ بالإحرامِ، وتَعرُّضٌ لفِعلِ مَحظوراتِه، وفيه مَشقَّةٌ على النَّفسِ، كُره كالوِصالِ في الصَّومِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولَنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه أحرَموا من الميقاتِ، ولا يَفعَلونَ إلا الأفضلَ، فإن قيلَ: إنَّما فعَل هذا لتَبيينِ الجوازِ، قُلنا: قَدْ حصَل بَيانُ الجوازِ بقولِه كما في سائرِ المَواقيتِ، ثم لو كان كذلك لكانَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ وخُلَفاؤُه يُحرِمونَ من بُيوتِهم، ولَما تَواطَؤوا على تَركِ الأفضَلِ واختيارِ الأدنى، وهُم أهلُ التَّقوى والفَضلِ، وأفضلُ الخَلقِ، ولَهم من الحِرصِ على الفَضائلِ والدَّرجاتِ ما لهم (١). دُخولُ الحَرمِ لغيرِ الحَجِّ والعُمرةِ: مَنْ مرَّ على المَواقيتِ يُريدُ دُخولَ الحَرمِ لِحاجةٍ أُخرَى غيرِ النُّسكِ اختلَف أهلُ العِلمِ فيه هل يَلزمُه الإحرامُ أو لا يَلزمُه؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه الإحرامُ بأحدِ النُّسكَين، ولا يَجوزُ له

стр. 2799

مُجاوزةُ الميقاتِ بغيرِ إحرامٍ؛ لأنَّه لو نذَر دُخولَها لزِمه الإحرامُ، ولو لم يَكنْ واجبًا لم يَجبْ بنَذرِ الدُّخولِ كسائرِ البُلدانِ. وهذا في الجُملةِ، وتَفصيلُه كالآتي: قال الحَنفيةُ: الآفاقِيُّ إذا أرادَ دُخولَ الحَرمِ لغيرِ النُّسكِ، كمُجرَّدِ الرُّؤيةِ أو النُّزهةِ أو التِّجارةِ لا يَجوزُ له أنْ يَتجاوَز الميقاتَ إلا مُحرِمًا؛ لأنَّ فائدةَ التَّأقيتِ هذا؛ لأنَّه يَجوزُ تَقديمُ الإحرامِ على المَواقيتِ بالاتِّفاقِ، فإنْ جاوَزها الآفاقيُّ بغيرِ إحرامٍ فعليه شاةٌ، فإنْ عادَ فأحرَم منه سقَط الدَّمُ. أمَّا لو قصَد مَوضعًا من الحِلِّ، كخَليصٍ وجدَّةَ، حلَّ له مُجاوزتُه بلا إحرامٍ، فإذا حلَّ به التحَق بأهلِه، فله دُخولُ الحَرمِ بلا إحرامٍ، قالوا: وهو الحيلةُ لمُريدِ ذلك بقَصدٍ أوَّليٍّ، كما إذا كان قَصدُه لجدَّةَ مثلًا، لبَيعٍ أو شِراءٍ، وإذا فرَغ منه يَدخلُ مكةَ أُخرى، إذ لو كان قَصدُه الأوَّليُّ دُخولَ مكةَ، ومن ضَرورَتِه أنْ يَمرَّ بالحِلِّ فلا يَحلَّ له تَجاوُزُ الميقاتِ بدونِ إحرامٍ (١). وقال المالِكيةُ: إنَّ كلَّ مُكلَّفٍ حُرٍّ أرادَ دُخولَ مكةَ لا يَدخلها إلا بإحرامٍ بأحدِ النُّسكَين وُجوبًا، ولا يَجوزُ له تَعدِّي الميقاتِ بلا إحرامٍ إلا أنْ يَكونَ من المُتَردِّدين، أو يَعودَ إلى مكةَ بعدَ خُروجِه منها مَكانًا قَريبًا -أي: دونَ

стр. 2800

مَسافةِ القَصرِ- لم يَمكُثْ فيه كثيرًا، فلا يَجبُ عليه، وكذلك لا يَجبُ على غيرِ المُكلَّفِ، كصَبيٍّ ومَجنونٍ (١). وقال الحَنابلةُ في المَذهبِ: لا يَجوزُ لمن أرادَ دُخولَ مكةَ أو الحَرمِ أو أرادَ نُسكًا تَجاوُزُ الميقاتِ بغيرِ إحرامٍ، إلا لقِتالٍ مُباحٍ لِدُخولِه ﷺ يومَ فَتحِ مكةَ: «وعلى رَأسِه المِغفرُ» (٢) أو لخَوفٍ أو لِحاجةٍ مُتكرِّرةٍ كحَطابٍ وناقِلِ الميرةِ، ولصَيدٍ واحتِشاشٍ ونحوِ ذلك، ومَكيٍّ يَتردَّدُ إلى قَريَتِه بالحِلِّ (٣). وذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلآفاقيِّ دُخولُ الحَرمِ بغيرِ إحرامٍ، لكنْ يُستحبُّ له أنْ يُحرِمَ؛ لكنْ لا يَجبُ عليه؛ لأنَّه أحدُ الحَرمَين، فلم يَلزمِ الإحرامُ لدُخولِه، كحَرمِ المَدينةِ، ولأنَّ الوُجوبَ من الشَّرعِ، ولم يَردْ من الشارِعِ إيجابُ ذلك على كلِّ داخِلٍ، فبقِي على الأصلِ. قال النَّوويُّ ﵀: إنَّ من أرادَ دُخولَ مكةَ لِحاجةٍ لا تَتكرَّرُ، كزيارةٍ أو تِجارةٍ أو رِسالةٍ، أو كان مَكيًّا عائدًا من سَفرِه ونحوِ ذلك، يُستحبُّ له أنْ يُحرِمَ، وفي قَولٍ: يَجبُ عليه الإحرامُ. ثم قال: هذا حُكمُ من لا يَتكرَّرُ دُخولُه، أمَّا من يَتكرَّرُ دُخولُه كالحَطَّابِ

стр. 2801

والحَشَّاشِ والصَّيادِ والسَّقَّاءِ ونحوِهم، فإنْ قُلنا فيمَن لا يَتكرَّرُ: لا يَلزمُه الإحرامُ، فهذا أوْلى، وإلَّا فطَريقانِ؛ المَذهبُ أنَّه لا يَلزمُه. ثم قال: فالحاصِلُ أنَّ المَذهبَ، أنَّه لا يَجبُ الإحرامُ لدُخولِ مكةَ على من دخَل لتِجارةٍ ونحوِها مِما لا يَتكرَّرُ، ولا على من يَدخلُ لمُتكرِّرٍ، كالحَطابِ، ولا على البَريدِ ونحوِه. اه. وعلى كلٍّ فقد نصُّوا على أنَّه لو جاوَز الميقاتَ بغيرِ إحرامٍ، ثم أرادَ النُّسكَ، فميقاتُه مَوضعُه، ولا يُكلَّفُ العَودَ إلى الميقاتِ (١). وإليه ذهَب الإمامُ البُخاريُّ، فقد قال: بابُ دُخولِ الحَرمِ ومكةَ بغيرِ إحرامٍ، ودخَل ابنُ عُمرَ وإنَّما أمَر النَّبيُّ ﷺ بالإهلالِ لِمن أرادَ، ولم يَذكُره للحَطابينَ وغيرِهم. ثم ذكَر حَديثَ ابنِ عَباسٍ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لِأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيفةِ ولأهلِ نَجدٍ قَرنَ المَنازلِ، ولِأهلِ اليَمنِ يلَملَمَ، هنَّ لهنَّ ولكلِّ آتٍ أتى عَليهنَّ من غيرِهم ممَّن أرادَ، فمن كان دونَ ذلك فمن حيثُ أنشَأ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ» (٢). وحَديثُ أنَسِ بنِ مالكٍ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دخَل

стр. 2802

عامَ الفَتحِ وعلى رَأسِه المِغفرُ، فلمَّا نزَعه جاءَ رَجلٌ، فقال: إنَّ ابنَ خَطلٍ مُتعَلقٌ بأستارِ الكَعبةِ، فقال: اقتُلوه» (١). قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وحاصِلُه أنَّه خصَّ الإحرامَ بمن أرادَ، واستدلَّ بمَفهومِ قولِه في حَديثِ ابنِ عَباسٍ: «ممَّن أرادَ» فمَفهومُه أنَّ المُتردِّدَ إلى مكةَ لغيرِ قَصدٍ لا يَلزمُه الإحرامُ (٢). ميقاتُ الميقاتيِّ: (البُستانيِّ): الميقاتيُّ: هو الذي يَسكنُ في مَناطقِ المَواقيتِ أو ما يُحاذيها أو في مَكانٍ من دونِها إلى الحَرمِ المُحيطِ بمكةَ، كقَديدٍ وعُسفانَ، ومرِّ الظَّهرانِ. وقد اختلَف الفُقهاءُ مِنْ أين يُحرِمُ؟ فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ميقاتَ إحرامِه المَكانيَّ للحَجِّ هو مَوضعُه، فإنْ أحرَم من بَعدِه فهو مُسيءٌ، إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: «يُحرِمُ من دارِه أو من مَسجدِه، ولا يُؤخِّرُ ذلك»، والأحسَنُ أنْ يُحرِمَ من أبعَدِهما من مكةَ. وقال الشافِعيةُ والحَنابلةُ: ميقاتُه القَريةُ التي يَسكنُها أو الحِلةُ التي يَنزِلُها إنْ كان بَدويًّا، فإنْ جاوَز القَريةَ وفارَقَ العُمرانَ إلى مكةَ ثم أحرَم كان آثِمًا، وعليه الدَّمُ لِلإساءةِ، فإنْ عادَ إليها سقَط الدَّمُ، وكذا إذا جاوَز الخيامَ إلى جِهةِ مكةَ غيرَ مُحرِمٍ، وإنْ كان في برِّيةٍ مُنفرِدًا أحرَم من مَنزِله.

стр. 2803

ويُستحبُّ أنْ يُحرِمَ من طَرفِ القَريةِ أو الحِلَّةِ الأبعَدِ عن مكةَ، وإنْ أحرَم من الطَّرفِ الأقرَبِ جازَ. وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ ميقاتَه مِنطَقةُ الحِلِّ، أي: جميعُ المَسافةِ من الميقاتِ إلى انتِهاءِ الحِلِّ، فلَه الإحرامُ من دُوَيرةِ أهلِه، أو حيثُ شاءَ من الحِلِّ الذي بينَ دُوَيرةِ أهلِه وبينَ الحَرمِ؛ لأنَّ الحِلَّ الذي بينَ دُويرةِ أهلِه والحَرمِ كشيءٍ واحدٍ، فيَجوزُ إحرامُه إلى آخرِ أجزاءِ الحِلِّ، كما يَجوزُ إحرامُ الآفاقيِّ من دُويرةِ أهلِه إلى آخرِ أجزاءِ ميقاتِه، ولا يَلزمُه كَفارةٌ ما لم يَدخلْ أرضَ الحَرمِ بلا إحرامٍ، وإحرامُه من دُويرةِ أهلِه أفضلُ. واستدلَّ الجميعُ بقولِه ﷺ في حَديثِ المَواقيتِ: «ومَن كان دونَ ذلك فمن حيثُ أنشَأ» (١)، فحمَله المالِكيةُ على مَنزِله، وقالوا: «إن كان من المَسجدِ فواسِعٌ لِلإحرامِ؛ لأنَّه مَوضعُ الصَّلاةِ، ولأنَّ أهلَ مكةَ يَأتونَ المَسجدَ فيُحرِمونَ منه، وكذلك أهلُ ذي الحُلَيفةِ يَأتونَ مَسجدَهم». وفسَّره الشافِعيةُ والحَنابلةُ بالقَريةِ والحِلَّةِ التي يَسكنُها؛ لأنَّه أنشَأ منها. وقال الحَنفيةُ: إنَّ خارجَ الحَرمِ كلَّه كمَكانٍ واحدٍ في حقِّ الميقاتيِّ، والحَرمَ كالميقاتِ في حقِّ الآفاقيِّ، فلا يَدخلُ الحَرمَ إذا أرادَ الحَجَّ أو العُمرةَ إلا مُحرِمًا (٢).

стр. 2804

ميقاتُ الحَرميِّ والمَكيِّ: اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ وغيرُهم على أنَّ من كان من هذَين الصِّنفَين، بأنْ كان مَنزلُه في الحَرمِ أو في مكةَ، سَواءٌ كان مُقيمًا أو غيرَ مُقيمٍ -أي: نازِلًا- فإنَّه يُحرِمُ بالحَجِّ من حيثُ أنشَأ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «فمَن كان دونَ ذلك فمن حيثُ أنشَأ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ» (١). ولأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ لمَّا فسَخوا الحَجَّ أمَرهم فأحرَموا من مكةَ، قال جابرٌ: «أمَرنا النَّبيُّ ﷺ لمَّا أحلَلْنا أنْ نُحرِمَ إذا تَوجَّهنا إلى منًى، قال: فأهلَلنا من الأبطَحِ» (٢). وهذا يَدلُّ على أنَّه لا فرقَ بينَ قاطِني مكةَ وبينَ غيرِهم ممَّن هم بها، كالمُتمتِّعِ إذا حلَّ، ومن فسَخ حجَّه بها. إلا أنَّ الفُقهاءَ قد اختلَفوا في بعضِ التَّفاصيلِ: فمَذهبُ الحَنفيةِ أنَّ من كان مَكيًّا أو مَنزلُه في الحَرمِ كسُكانِ منًى فميقاتُه الحَرمُ للحَجِّ والقِرانِ، ومن المَسجدِ أفضلُ؛ لأنَّ الإحرامَ عِبادةٌ، وإتيانُ العِبادةِ في المَسجدِ أوْلى، كالصَّلاةِ، أو من دُويرةِ أهلِه، أو حيثُ شاءَ من الحَرمِ، وهو قَولٌ عندَ الشافِعيةِ بالنِّسبةِ للمَكيِّ فقط.

стр. 2805

واستدلُّوا على ذلك بحَديثِ جابرٍ المُتقدِّمِ، وفيه: «فَأهلَلنا من الأبطَحِ». وحَديثُه: «حتَّى إذا كان يومُ التَّرويةِ وجَعلْنا مكةَ بظَهرٍ، أهلَلْنا بالحَجِّ» (١) (٢). وفرَّق المالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ بينَ مَنْ أهلَّ بالحَجِّ ومَن أهلَّ بالقِرانِ، فجعَلوا ميقاتَ القِرانِ ميقاتَ العُمرةِ الآتي تَفصيلُه. وأمَّا مَنْ أهلَّ بالحَجِّ وهو من سُكانِ مكةَ أو الحَرمِ، فإمَّا أنْ يَكونَ مُستوطِنًا أو آفاقيًّا نازِلًا: أمَّا المُستوطِنُ فإنَّه يُندَبُ له أنْ يُحرِمَ من مكةَ ومن المَسجدِ الحَرامِ أفضلَ، فإنْ ترَكها وأحرَم من الحَرمِ أو الحِلِّ فخِلافُ الأوْلى ولا إثمَ عليه. وأمَّا الآفاقيُّ، فإنْ كان له سَعةٌ في الوقتِ -وعبَّروا عَنه ب «ذي النفَسِ»، فيُندَبُ له الخُروجُ إلى ميقاتِه والإحرامُ منه، وإنْ لم يَكنْ له سَعةٌ من الوقتِ فهو كالمُستوطِنِ (٣). ومَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ أنَّ الحَرميَّ الذي ليس بمكةَ حُكمُه حُكمُ الميقاتيِّ، أي: يُحرِمُ من مَوضعِه الذي هو فيه.
следующие страницы →