والحَشَّاشِ والصَّيادِ والسَّقَّاءِ ونحوِهم، فإنْ قُلنا فيمَن لا يَتكرَّرُ: لا يَلزمُه الإحرامُ، فهذا أوْلى، وإلَّا فطَريقانِ؛ المَذهبُ أنَّه لا يَلزمُه.
ثم قال: فالحاصِلُ أنَّ المَذهبَ، أنَّه لا يَجبُ الإحرامُ لدُخولِ مكةَ على من دخَل لتِجارةٍ ونحوِها مِما لا يَتكرَّرُ، ولا على من يَدخلُ لمُتكرِّرٍ، كالحَطابِ، ولا على البَريدِ ونحوِه. اه.
وعلى كلٍّ فقد نصُّوا على أنَّه لو جاوَز الميقاتَ بغيرِ إحرامٍ، ثم أرادَ النُّسكَ، فميقاتُه مَوضعُه، ولا يُكلَّفُ العَودَ إلى الميقاتِ (١).
وإليه ذهَب الإمامُ البُخاريُّ، فقد قال: بابُ دُخولِ الحَرمِ ومكةَ بغيرِ إحرامٍ، ودخَل ابنُ عُمرَ وإنَّما أمَر النَّبيُّ ﷺ بالإهلالِ لِمن أرادَ، ولم يَذكُره للحَطابينَ وغيرِهم.
ثم ذكَر حَديثَ ابنِ عَباسٍ ﵄: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَّت لِأهلِ المَدينةِ ذا الحُلَيفةِ ولأهلِ نَجدٍ قَرنَ المَنازلِ، ولِأهلِ اليَمنِ يلَملَمَ، هنَّ لهنَّ ولكلِّ آتٍ أتى عَليهنَّ من غيرِهم ممَّن أرادَ، فمن كان دونَ ذلك فمن حيثُ أنشَأ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ» (٢).
وحَديثُ أنَسِ بنِ مالكٍ ﵁: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ دخَل
стр. 2802
عامَ الفَتحِ وعلى رَأسِه المِغفرُ، فلمَّا نزَعه جاءَ رَجلٌ، فقال: إنَّ ابنَ خَطلٍ مُتعَلقٌ بأستارِ الكَعبةِ، فقال: اقتُلوه» (١).
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وحاصِلُه أنَّه خصَّ الإحرامَ بمن أرادَ، واستدلَّ بمَفهومِ قولِه في حَديثِ ابنِ عَباسٍ: «ممَّن أرادَ» فمَفهومُه أنَّ المُتردِّدَ إلى مكةَ لغيرِ قَصدٍ لا يَلزمُه الإحرامُ (٢).
ميقاتُ الميقاتيِّ: (البُستانيِّ):
الميقاتيُّ: هو الذي يَسكنُ في مَناطقِ المَواقيتِ أو ما يُحاذيها أو في مَكانٍ من دونِها إلى الحَرمِ المُحيطِ بمكةَ، كقَديدٍ وعُسفانَ، ومرِّ الظَّهرانِ.
وقد اختلَف الفُقهاءُ مِنْ أين يُحرِمُ؟
فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ميقاتَ إحرامِه المَكانيَّ للحَجِّ هو مَوضعُه، فإنْ أحرَم من بَعدِه فهو مُسيءٌ، إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: «يُحرِمُ من دارِه أو من مَسجدِه، ولا يُؤخِّرُ ذلك»، والأحسَنُ أنْ يُحرِمَ من أبعَدِهما من مكةَ.
وقال الشافِعيةُ والحَنابلةُ: ميقاتُه القَريةُ التي يَسكنُها أو الحِلةُ التي يَنزِلُها إنْ كان بَدويًّا، فإنْ جاوَز القَريةَ وفارَقَ العُمرانَ إلى مكةَ ثم أحرَم كان آثِمًا، وعليه الدَّمُ لِلإساءةِ، فإنْ عادَ إليها سقَط الدَّمُ، وكذا إذا جاوَز الخيامَ إلى جِهةِ مكةَ غيرَ مُحرِمٍ، وإنْ كان في برِّيةٍ مُنفرِدًا أحرَم من مَنزِله.
стр. 2803
ويُستحبُّ أنْ يُحرِمَ من طَرفِ القَريةِ أو الحِلَّةِ الأبعَدِ عن مكةَ، وإنْ أحرَم من الطَّرفِ الأقرَبِ جازَ.
وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ ميقاتَه مِنطَقةُ الحِلِّ، أي: جميعُ المَسافةِ من الميقاتِ إلى انتِهاءِ الحِلِّ، فلَه الإحرامُ من دُوَيرةِ أهلِه، أو حيثُ شاءَ من الحِلِّ الذي بينَ دُوَيرةِ أهلِه وبينَ الحَرمِ؛ لأنَّ الحِلَّ الذي بينَ دُويرةِ أهلِه والحَرمِ كشيءٍ واحدٍ، فيَجوزُ إحرامُه إلى آخرِ أجزاءِ الحِلِّ، كما يَجوزُ إحرامُ الآفاقيِّ من دُويرةِ أهلِه إلى آخرِ أجزاءِ ميقاتِه، ولا يَلزمُه كَفارةٌ ما لم يَدخلْ أرضَ الحَرمِ بلا إحرامٍ، وإحرامُه من دُويرةِ أهلِه أفضلُ.
واستدلَّ الجميعُ بقولِه ﷺ في حَديثِ المَواقيتِ: «ومَن كان دونَ ذلك فمن حيثُ أنشَأ» (١)، فحمَله المالِكيةُ على مَنزِله، وقالوا: «إن كان من المَسجدِ فواسِعٌ لِلإحرامِ؛ لأنَّه مَوضعُ الصَّلاةِ، ولأنَّ أهلَ مكةَ يَأتونَ المَسجدَ فيُحرِمونَ منه، وكذلك أهلُ ذي الحُلَيفةِ يَأتونَ مَسجدَهم».
وفسَّره الشافِعيةُ والحَنابلةُ بالقَريةِ والحِلَّةِ التي يَسكنُها؛ لأنَّه أنشَأ منها.
وقال الحَنفيةُ: إنَّ خارجَ الحَرمِ كلَّه كمَكانٍ واحدٍ في حقِّ الميقاتيِّ، والحَرمَ كالميقاتِ في حقِّ الآفاقيِّ، فلا يَدخلُ الحَرمَ إذا أرادَ الحَجَّ أو العُمرةَ إلا مُحرِمًا (٢).
стр. 2804
ميقاتُ الحَرميِّ والمَكيِّ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربعةِ وغيرُهم على أنَّ من كان من هذَين الصِّنفَين، بأنْ كان مَنزلُه في الحَرمِ أو في مكةَ، سَواءٌ كان مُقيمًا أو غيرَ مُقيمٍ -أي: نازِلًا- فإنَّه يُحرِمُ بالحَجِّ من حيثُ أنشَأ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «فمَن كان دونَ ذلك فمن حيثُ أنشَأ، حتى أهلُ مكةَ من مكةَ» (١).
ولأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ لمَّا فسَخوا الحَجَّ أمَرهم فأحرَموا من مكةَ، قال جابرٌ: «أمَرنا النَّبيُّ ﷺ لمَّا أحلَلْنا أنْ نُحرِمَ إذا تَوجَّهنا إلى منًى، قال: فأهلَلنا من الأبطَحِ» (٢).
وهذا يَدلُّ على أنَّه لا فرقَ بينَ قاطِني مكةَ وبينَ غيرِهم ممَّن هم بها، كالمُتمتِّعِ إذا حلَّ، ومن فسَخ حجَّه بها.
إلا أنَّ الفُقهاءَ قد اختلَفوا في بعضِ التَّفاصيلِ:
فمَذهبُ الحَنفيةِ أنَّ من كان مَكيًّا أو مَنزلُه في الحَرمِ كسُكانِ منًى فميقاتُه الحَرمُ للحَجِّ والقِرانِ، ومن المَسجدِ أفضلُ؛ لأنَّ الإحرامَ عِبادةٌ، وإتيانُ العِبادةِ في المَسجدِ أوْلى، كالصَّلاةِ، أو من دُويرةِ أهلِه، أو حيثُ شاءَ من الحَرمِ، وهو قَولٌ عندَ الشافِعيةِ بالنِّسبةِ للمَكيِّ فقط.
стр. 2805
واستدلُّوا على ذلك بحَديثِ جابرٍ المُتقدِّمِ، وفيه: «فَأهلَلنا من الأبطَحِ».
وحَديثُه: «حتَّى إذا كان يومُ التَّرويةِ وجَعلْنا مكةَ بظَهرٍ، أهلَلْنا بالحَجِّ» (١)(٢).
وفرَّق المالِكيةُ والشافِعيةُ في قولٍ بينَ مَنْ أهلَّ بالحَجِّ ومَن أهلَّ بالقِرانِ، فجعَلوا ميقاتَ القِرانِ ميقاتَ العُمرةِ الآتي تَفصيلُه.
وأمَّا مَنْ أهلَّ بالحَجِّ وهو من سُكانِ مكةَ أو الحَرمِ، فإمَّا أنْ يَكونَ مُستوطِنًا أو آفاقيًّا نازِلًا:
أمَّا المُستوطِنُ فإنَّه يُندَبُ له أنْ يُحرِمَ من مكةَ ومن المَسجدِ الحَرامِ أفضلَ، فإنْ ترَكها وأحرَم من الحَرمِ أو الحِلِّ فخِلافُ الأوْلى ولا إثمَ عليه.
وأمَّا الآفاقيُّ، فإنْ كان له سَعةٌ في الوقتِ -وعبَّروا عَنه ب «ذي النفَسِ»، فيُندَبُ له الخُروجُ إلى ميقاتِه والإحرامُ منه، وإنْ لم يَكنْ له سَعةٌ من الوقتِ فهو كالمُستوطِنِ (٣).
ومَذهبُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ أنَّ الحَرميَّ الذي ليس بمكةَ حُكمُه حُكمُ الميقاتيِّ، أي: يُحرِمُ من مَوضعِه الذي هو فيه.
стр. 2806
وأمَّا المَكيُّ: أي: المُقيمُ بمكةَ، ولو كان غيرَ مَكيٍّ فللشافِعيةِ فيه وَجهانِ في ميقاتِ الحَجِّ له، مُفرِدًا كان أو قارِنًا.
أصحُّهما: أنَّ ميقاتَه مكةُ نَفسُها؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «حتَّى أهلُ مكةَ من مكةَ» (١).
والثاني: ميقاتُه كلُّ الحَرمِ؛ لأنَّ مكةَ وسائرَ الحَرمِ في الحُرمةِ سَواءٌ، فلو أحرَم بعدَ فِراقِه بُنيانَ مكةَ ولم يَرجعْ إلى مكةَ إلا بعدَ الوُقوفِ كان مُسيئًا على الوَجهِ الأولِ دونَ الآخَرِ.
وعندَ الحَنابلةِ يُحرِمُ بالحَجِّ من مكةَ من المَسجدِ من تحتِ الميزابِ، وهو الأفضلُ، وجازَ وصحَّ أنْ يُحرِمَ مَنْ بمكةَ من سائرِ الحَرمِ عندَ الحَنابلةِ كما هو عندَ الحَنفيةِ (٢).
الميقاتُ المَكانيُّ لِلعُمرةِ:
الميقاتُ المَكانيُّ للعُمرةِ هو الميقاتُ المَكانيُّ للحَجِّ بالنِّسبةِ لِلآفاقيِّ والميقاتيِّ.
أمَّا مَنْ كان بمكةَ من أهلِها أو غيرِ أهلِها فميقاتُه الحِلُّ من أيِّ مَكانٍ،
стр. 2807
ولو كان بعدَ الحَرمِ ولو بخُطوةٍ، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ، فلو أحرَم من الحَرمِ ولم يَعدْ إلى الحِلِّ قبلَ طَوافِه فعليه دَمٌ.
وإنَّما لزِم الإحرامُ من الحِلِّ ليَجمعَ في النُّسكِ بينَ الحِلِّ والحَرمِ؛ لأنَّ من شَأنِ الإحرامِ أنْ يَجتمِعَ في أفعالِه الحِلُّ والحَرمُ، فلو أحرَم المَكيُّ بالعُمرةِ من مكةَ وأفعالُ العُمرةِ تُؤدَّى بمكةَ لم يَجتمِعْ في أفعالِها الحِلُّ والحَرمُ؛ لأنَّ أفعالَ العُمرةِ كلَّها في الحَرمِ بخِلافِ الحَجِّ، فإنَّه يَفتقِرُ إلى الخُروجِ إلى عَرفةَ، فيَجتمِعُ له الحِلُّ والحَرمُ، والعُمرةُ بخِلافِ ذلك؛ لأنَّ كلَّ أفعالِها في الحَرمِ، وهذا خِلافُ عَملِ الإحرامِ في الشَّرعِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في المكانِ الأفضَلِ لِلأحرامِ بالعُمرةِ هل هو الجِعرانةُ أو التَّنعيمُ أو يَستويانِ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الإحرامَ من الجِعرانةِ أفضلُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «اعتمَر من الجِعرانةِ» (١) ولأنَّها أكثرُ بُعدًا عن مكةَ (٢).
وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ الأفضلَ أنْ يُحرِمَ من التَّنعيمِ (المُسمَّى الآنَ مَسجدَ عائشةَ ﵂؛ لحَديثِ عائشةَ ﵂ قالَت: «يا رَسولَ اللهِ،
стр. 2808
أتَنطَلِقونَ بعُمرةٍ وحَجةٍ وأنطَلقُ بالحَجِّ؟ فأمَر عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ أنْ يَخرجَ معها إلى التَّنعيمِ، فاعتمَرت بعدَ الحَجِّ في ذي الحِجةِ» (١)(٢).
وقال كَثيرٌ من المالِكيةِ: هُما مَستويانِ، لا أفضَليَّةَ لِواحدٍ منهما على الآخَرِ (٣).
شُروطُ إجزاءِ الحَجِّ عن الفَرضِ ثَمانيةٌ، وهي (٤):
أ- الإسلامُ: وهو شَرطٌ لوُقوعِه عن الفَرضِ والنَّفلِ؛ بل لصِحتِه ووُجوبه كما تَقدَّم ذِكرُه.
ب- بَقاؤُه على الإسلامِ حتى المَوتِ من غيرِ ارتِدادٍ (عياذًا باللهِ فإنِ ارتدَّ بعدَما حجَّ ثم تابَ وعادَ إلى الإسلامِ فقد اختلَف العُلماءُ في حُكمِه، هل يَجبُ عليه حجَّةٌ أُخرَى أو لا؟
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه الحَجُّ من جَديدٍ، ولا يُعتدُّ له بالحَجةِ الماضيةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥]، وقولِه تَعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٨٨]، ولقولِه تَعالى:
стр. 2809
﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ١٥]؛ ففي هذه الآياتِ دَليلٌ على أنَّ الرِّدةَ نَفسَها مُحبِطةٌ لِلعَملِ (١).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في قَولٍ وابنُ حَزمٍ إلى أنَّه لا تَجبُ عليه حجَّةٌ أُخرى إذا أسلَم بعدَ الرِّدةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فعلَّق الحُبوطَ بشَرطَين: الرِّدةُ والمَوتُ عليها، والمُعلَّقُ بشَرطَين لا يثبُتُ بأحدِهما، والآيةُ التي احتَجُّوا بها مُطلَقةٌ، وهذه مُقيَّدةٌ، فيُحمَلُ المُطلقُ على المُقيَّدِ (٢).
لكنْ قال الإمامُ القَرافيُّ ﵀: قال مالكٌ: مَنْ ارتدَّ حبِط عَملُه، وقال الشافِعيُّ: لا يَحبَطُ عَملُه إلا بالوَفاةِ على الكُفرِ؛ لأنَّ قولَه تَعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ١٥]-وإنْ كان مُطلقًا، وتَمسَّكَ به مالكٌ على إطلاقِه- قد ورَد مُقيَّدًا في قولِه تَعالى في الآيةِ الأُخرى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
стр. 2810
وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فيَجبُ حَملُ المُطلقِ على المُقيَّدِ، فلا يَحبَطُ العَملُ إلا بالوَفاةِ على الكُفرِ.
والجَوابُ أنَّ الآيةَ الأُخرى ليست مُقيِّدةً لِلآيةِ الأُولى؛ لأنَّها رُتِّب فيها شَرطانِ، وهُما الحُبوطُ والخُلودُ على شَرطَين، وهُما الرِّدةُ والوَفاةُ على الكُفرِ.
وإذا رُتِّب مَشروطانِ على شَرطَينِ أمكَن التَّوزيعُ، ويَكونُ الحُبوطُ المُطلقُ الرِّدةَ والخُلودَ لِأجلِ الوَفاةِ على الكُفرِ؛ فيَبقَى المُطلقُ على إطلاقِه، ولم يَتعيَّنْ أنَّ كلَّ واحدٍ من الشَّرطَين شَرطٌ في الإحباطِ، فليست هاتانِ الآيَتانِ من بابِ حَملِ المُطلقِ على المُقيَّدِ، فتَأمَّل ذلك، فهو من أحسنِ المَباحثِ سُؤالًا وجَوابًا (١).
وقال في «الذَّخيرةِ»: وجَوابُه من وَجهَين:
أحدُهما: أنَّ القائلَ لِعبدِه: «إنْ دخَلتَ الدارَ فأنتَ حرٌّ»، ثم قال له في وقتٍ آخرَ: «إنْ دخَلتَ الدارَ وكلَّمتَ زَيدًا فأنتَ حرٌّ»، فإنَّه يُعتَقُ بالدُّخولِ وحدَه اتِّفاقًا؛ لأنَّه جعَل لِعتقِه سَبيلَين؛ لأنَّ الشُّروطَ اللُّغويَّةَ أسبابٌ، وقد وُجد أحدُهما فتَرتَّب عليه الحُكمُ، وليس هذا من بابِ الإطلاقِ والتَّقيُّدِ.
وثانيهما: سَلَّمناه، ولكنَّ المُرتَّبَ على الرِّدةِ الموافاةِ عليها أمرانِ: الحُبوطُ، والخُلودُ، وتَرتيبُ شَيئَين على شَيئَينِ يَجوزُ أنْ يُفرَدَ أحدُهما
стр. 2811
بأحدِهما، والآخَرُ بالآخَرِ، ويَجوزُ عَدمُ الاستِقلالِ، وليس أحدُ الاحتِمالَينِ أوْلى من الآخَرِ، فيَسقطُ الاستِدلالُ، بل الراجِحُ الاستِقلالُ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّركيبِ (١).
وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأمَّا حُبوطُ عَملِه بالرِّدةِ فقد منَع من ذلك بعضُ أصحابِنا، وقالوا: الآياتُ فيمَن ماتَ على الرِّدةِ، بدَليلِ قولِه تَعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧].
والإطلاقُ في الآياتِ المُتبقِّيةِ لا يَمنعُ ذلك؛ لأنَّ كلَّ عُقوبةٍ مُرتَّبةٍ على كُفرٍ مَشروطةٌ بالمَوتِ عليه.
فإنْ قيلَ: التَّقييدُ في هذه الآيةِ بالمَوتِ على الكُفرِ إنَّما كان لأنَّه مُرتَّبٌ على شَيئَين، وهما حُبوطُ العَملِ والخُلودُ في النارِ: والخُلودُ إنَّما يَستحِقُّه الكافرُ، وتلك الآياتُ إنَّما ذُكر فيها الحُبوطُ فقط، فعُلم أنَّ مُجرَّدَ الرِّدةِ كافيةٌ.
قُلنا: قولُه: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥] وقولُه تَعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لا يَكونُ إلا لِمن ماتَ مُرتدًّا؛ لأنَّ الخاسِرينَ الذينَ خَسِروا
стр. 2812
أنفُسَهم وأهليهم يومَ القيامةِ، وهذا ليس لِمن ماتَ على عَملٍ صالِحٍ؛ لأنَّه إذا عادَ إلى الإسلامِ فقد غُفر له الارتِدادُ الماضي؛ لأنَّ التائبَ من الذَّنبِ كمن لا ذَنبَ له، وإذا زال الذَّنبُ زالت عُقوباتُه وموجِباتُه، وحُبوطُ العَملِ من موجِباتِه، يُبيِّنُ هذا أنَّه لو كان فعَل في حال الرِّدةِ ما تَقتضيه الرِّدةُ من شَتمٍ أو سبٍّ أو شِركٍ لم يُقَمْ عليه إذا أسلَم، ولأنَّ الكافِرَ الحَربيَّ لو تَقرَّب إلى اللهِ بأشياءَ ثم خُتِم له بالإسلامِ لكانت مَحسوبةً له، بدَليلِ ما رَوى حَكيمُ بنُ حِزامٍ، قال: قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أرَأيتَ أشياءَ كُنْتُ أتَحنَّثُ بها في الجاهِليةِ من صَدقةٍ أو عَتاقةٍ، وصِلةِ رَحمٍ، فهَل فيها من أجْرٍ؟ فقال النَّبيُّ ﷺ : «أسلَمتَ على ما سَلفَ من خَيرٍ» متَّفقٌ عليه، فإنَّه لا يُحبِطُ الكُفرُ الطارِئُ إلا بشَرطِ المَوتِ أحرَى وأوْلى؛ لأنَّ بَقاءَ الشَّيءِ أوْلى من ابتِدائه وحُدوثِه، والدَّفعَ أسهَلُ من الرَّفعِ، ولهذا قالوا: الرِّدةُ والإحرامُ والعدَّةُ تَمنعُ ابتِداءَ النِّكاحِ دونَ دَوامِه.
كيفَ وتلك الأعمالُ حينَ عُمِلت للهِ سُبحانَه، وقد غفَر اللهُ ما كان بعدَها من الكُفرِ بالتَّوبةِ منه (١).
وقال ابنُ حَزمٍ ﵀: مَنْ حجَّ واعتمَر ثم ارتدَّ ثم هَداه اللَّهُ تَعالى واستَنقذَه من النارِ فأسلَم فليس عليه أنْ يُعيدَ الحَجَّ ولا العُمرةَ، وهو قولُ الشافِعيِّ، وأحدُ قولَيِ اللَّيثِ.
стр. 2813
وقال أبو حَنيفةَ، ومالكٌ، وأبو سُليمانَ: يُعيدُ الحَجَّ والعُمرةَ، واحتَجُّوا بقولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، ما نَعلمُ لهم حُجةً غيرَها، ولا حُجةَ لهم فيها؛ لأنَّ اللَّهَ تَعالى لم يَقلْ فيها: لَئن أشرَكتَ لَيحبَطنَّ عَملُك الذي عمِلتَ قبلَ أنْ تُشرِكَ، وهذه زيادةٌ على اللَّهِ تَعالى لا تَجوزُ، وإنَّما أخبَر تَعالى بأنَّه يَحبَطُ عَملُه بعدَ الشِّركِ إذا ماتَ أيضًا على شِركِه، لا إذا أسلَم، وهذا حَقٌّ بلا شكٍّ.
ولو حجَّ مُشركٌ أو اعتمَر، أو صلَّى، أو صامَ، أو زكَّى، لم يُجزِئْه شيءٌ من ذلك عن الواجبِ، وأيضًا فإنَّ قولَه تَعالى فيها: ﴿وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بَيانٌ أنَّ المُرتدَّ إذا رجَع إلى الإسلامِ لم يَحبَطْ ما عمِل قبلُ في إسلامِه أصلًا، بل هو مَكتوبٌ له ومُجازًى عليه بالجَنةِ؛ لأنَّه لا خِلافَ بينَ أحدٍ من الأُمةِ -لا هُمْ ولا نحن- في أنَّ المُرتدَّ إذا راجَع الإسلامَ ليس من الخاسِرينَ، بل من المُربِحينَ المُفلحينَ الفائزينَ.
فصحَّ أنَّ الذي يَحبَطُ عَملُه هو المَيِّتُ على كُفرِه مُرتدًّا أو غيرَ مُرتدٍّ، وهذا هو من الخاسِرينَ بلا شكٍّ، لا مَنْ أسلَم بعدَ كُفرِه أو راجَع الإسلامَ بعدَ ردَّتِه، وقال تَعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٧]. فصحَّ نصُّ قولِنا: مِنْ أنَّه لا يَحبَطُ عَملُه إنِ ارتدَّ إلا بأنْ يَموتَ وهو كافِرٌ.
ووجَدْنا اللَّهَ تَعالى يَقولُ: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ [آل عمران: ١٩٥]، وقال تَعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، وهذا عُمومٌ لا يَجوزُ تَخصيصُه.
стр. 2814
فصحَّ أنَّ حجَّه وعُمرتَه إذا راجَع الإسلامَ سيَراهما ولا يَضيعانِ عليه.
وروينا من طُرقٍ كالشَّمسِ … عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ أنَّ حَكيمَ بنَ حِزامٍ أخبَره أنَّه قال لرَسولِ اللَّهِ ﷺ : أيْ رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ أُمورًا كنتُ أتَحنَّثُ بها في الجاهِليةِ من صَدقةٍ، أو عَتاقةٍ، أو صِلةِ رَحمٍ، أفيها أجرٌ؟ فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «أسلَمتَ على ما أسلَفتَ من خَيرٍ» (١). قال أبو مُحمدٍ: فصحَّ أنَّ المُرتدَّ إذا أسلَم، والكافرَ الذي لم يَكنْ أسلَم قطُّ، إذا أسلَما فقد أسلَما على ما أسلَفا من الخَيرِ، وقد كان المُرتدُّ إذا حجَّ وهو مُسلمٌ قد أدَّى ما أُمِر به، وما كلِّف كما أُمر به فقد أسلَم الآنَ عليه، فهو له كما كان.
وأمَّا الكافِرُ فيحُجُّ كالصابِئينَ الذينَ يَروْنَ الحَجَّ إلى مكةَ في دينِهم، فإنْ أسلَم بعدَ ذلك لم يُجزِئْه؛ لأنَّه لم يُؤدِّه كما أمَر اللَّهُ تَعالى به؛ لأنَّ من فُروضِ الحَجِّ وسائرِ الشَّرائعِ كلِّها ألَّا تُؤدَّى إلا كما أمَر بها رَسولُ اللَّهِ مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ ﷺ في الدِّينِ الذي جاءَ به، الذي لا يَقبلُ اللَّهُ تَعالى دِينًا غيرَه، وقال ﷺ : «مَنْ عمِل عَملًا ليس عليه أمْرُنا فهو رَدٌّ» (٢).
والصابِئُ إنَّما حجَّ كما أمَره هُرمسُ أو غيرُه فلا يُجزِئُه وبِاللَّهِ تَعالى التَّوفيقُ.
ويَلزمُ من أسقَط حجَّه برِدَّتِه أنْ يُسقِطَ إحصانَه، وطَلاقَه الثَّلاثَ، وبَيعَه،
стр. 2815
وابتياعَه، وعَطاياه التي كانَت في الإسلامِ، وهم لا يَقولونَ بهذا؛ فظهَر فسادُ قولِهم، وبِاللَّهِ تَعالى نَتأيَّدُ (١).
ج - العَقلُ: فإنَّ المَجنونَ -وإنْ صحَّ إحرامُ وَليِّه عنه ومُباشَرتُه أعمالَ الحَجِّ عنه- يَقعُ نَفلًا لا فَرضًا.
نَعمْ، لو كان حالَ الإحرامِ مُفيقًا يَعقِلُ النِّيةَ والتَّلبيةَ وأتَى بهما، ثم أوقفَه وَليُّه وباشَر عنه سائرَ أُمورِه صحَّ حَجُّه فَرضًا، إلا أنَّه يَبقَى عليه طَوافُ الزِّيارةِ (الإفاضَةِ) حتى يُفيقَ فيُؤدِّيَه بنَفسِه (٢).
د- الحُريَّةُ: إذا حجَّ العبدُ صحَّ حَجُّه ويَكونُ تطوُّعًا، فإذا عُتِق لا تَسقُطُ عنه حَجةُ الإسَلامِ وتَجبُ عليه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أيُّما عَبدٍ حجَّ ثم أُعتقَ فعَليه حجَّةٌ أُخرَى» (٣).
وقد سبَق الكَلامُ على هذه المَسألةِ.
هـ- البُلوغُ: إذا حجَّ الصَّبيُّ صحَّ حَجُّه وكان تطوُّعًا، إلا أنَّه إذا بلَغ وكان قد حجَّ قبلَ بُلوغِه، وجَب عليه حَجةُ الفَريضةِ بإجماعِ المُسلمينَ؛
стр. 2816
لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا حجَّ الصَّبيُّ فهي له حجَّةٌ حتى يَعقلَ، فإذا عقَل فعَليه حجَّةٌ أُخرَى» (١)، ولأنَّه أدَّى ما لم يَجبْ عليه، فلا يَكفيه عن الحَجِّ الواجبِ بعدَ البُلوغِ، وقد سبَق الكَلامُ على هذا أيضًا.
و- الأداءُ بنَفسِه إنْ قدِر عليه: بأنْ يَكونَ صَحيحًا مُستكمِلًا شُروطَ وُجوبِ أداءِ الحَجِّ بنَفسِه، فإنَّه حينَئذٍ إذا أحَجَّ عنه غيرَه صحَّ الحَجُّ ووقَع نَفلًا، وبقِي الفَرضُ في ذمَّتِه.
أمَّا إذا اختَلَّ شَرطٌ من شُروطِ وُجوبِ الأداءِ بنَفسِه فأحَجَّ عنه غيرَه صحَّ الحَجُّ وسقَط الفَرضُ عنه عندَ الجُمهورِ -كما سبَق- بشَرطِ استِمرارِ العُذرِ إلى المَوتِ.
ز- عَدمُ نيَّةِ النَّفلِ: يَقعُ الحَجُّ عن الفَرضِ بنِيةِ الفَرضِ في الإحرامِ، وبمُطلَقِ نِيةِ الحَجِّ.
أمَّا إذا نَوى الحَجَّ نَفلًا وعليه حَجةُ الفَرضِ أو نَذرٌ فقد اختلَف الفُقهاءُ فيه، هل يَقعُ نَفلًا أو فَرضًا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَقعُ نَفلًا؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى» (٢)، وهذا نَوى النَّفلَ فلا يَقعُ عن الفَرضِ؛ لأنَّه ليس له إلا ما نَواه.
ولأنَّ وقتَ أداءِ الفَرضِ في الحَجِّ يَتَّسعُ لِأداءِ النَّفلِ، فلا يَتأدَّى الفَرضُ
стр. 2817
منه بنِيةِ النَّفلِ كالصَّلاةِ، بخِلافِ الصَّومِ؛ لأنَّ وقتَ أداءِ الصَّومِ لا يَتسعُ لِأداءِ النَّفلِ، وهذا لأنَّ الحَجَّ عِبادةٌ مَعلومةٌ بالأفعالِ، لا بالوقتِ؛ فكان الوقتُ ظَرفًا له لا مِعيارًا، وفي مِثلِه لا يَتميَّزُ الفَرضُ من النَّفلِ إلا بالتَّعيينِ.
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ من حجَّ بنِيةِ النَّفلِ وعليه حَجةُ الفَرضِ أو نَذرٌ أنَّه يَقعُ عن الفَرضِ أو النَّذرِ؛ لأنَّ نِيةَ النَّفلِ لَغوٌ؛ لأنَّه عِبارةٌ عن الزِّيادةِ ولا يُتصَورُ ذلك قبلَ الأصلِ، وإذا لغَت نِيةُ النَّفلِ يَبقَى مُطلَقُ نِيةِ الحَجِّ، وبمُطلَقِ النِّيةِ يَتأدَّى الفَرضُ.
يَدلُّ عليه أنَّ نِيةَ النَّفلِ نَوعُ سَفهٍ قبلَ أداءِ حَجةِ الإسلامِ، والسَّفيهُ مُستحِقٌّ الحَجرَ، فجُعِلت نِيةُ النَّفلِ لَغوًا تَحقيقًا لمَعنى الحَجرِ، فيَبقَى مُطلَقُ النِّيةِ، ويَجوزُ أنْ تَتأدَّى حَجةُ الإسلامِ بغيرِ نِيةٍ، كما في المُغمَى عليه إذا أحرَم عنه أصحابُه، فبنِيةِ النَّفلِ أوْلى (١).
د- عَدمُ النِّيةِ عن الغيرِ: وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ إذا كان المُحرِمُ بالحَجِّ حجَّ عن نَفسِه قبلَ ذلك، فإنْ نَوى عن غيرِه وقَع عن غيرِه اتِّفاقًا.
أمَّا إذا لَم يَكنْ حجَّ عن نَفسِه حَجةَ الإسلامِ ونَوى عن غيرِه فقد اختلَف الفُقهاءُ فيه، هل يَقعُ عن نَفسِه أو عن غيرِه؟
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَقعُ عن غيرِه مع
стр. 2818
الكَراهةِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى» (١)، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ أذِن للخَثعميَّةِ أنْ تحُجَّ عن أبيها ولم يَستفصِلْ، هل حجَّت عن نَفسِها أو لم تحُجَّ؟ وكذلك الجُهنيَّةُ أذِنَ لها أنْ تحُجَّ عن أمِّها نَذرَها، وللمَرأةِ الأُخرَى، ولِأبي رَزينٍ العُقيليِّ وغيرِهم -كما سبَق- ولم يَستفصلْ واحِدًا مِنهم، ولا أمَره أنْ يَبدأَ بالحَجِّ عن نَفسِه.
والخَثعميَّةُ -وإنْ كان الظاهرُ أنه قد عَلِمَ أنها حجَّتْ عن نَفسِها؛ لأنها سأَلتْه غَداةَ النَّحرِ حينَ أفاضَ من مُزدَلفةَ إلى منًى، وهي مُفيضةٌ معه، وهذه حالُ مَنْ قد حجَّ ذلك العامَ- غيرُها ليسَ في سُؤالِه ما يَدلُّ على أنَّه حجَّ، ولأنَّه شبَّهه بقَضاءِ الدَّينِ بقولِه: «أرَأيتَ لو كان على أبيكَ دَينٌ أكُنتَ قاضيَهُ؟ قال: نَعمْ، قال: فدَينُ اللهِ أحقُّ أنْ يُقضَى» (٢)، والرَّجلُ يَجوزُ أنْ يَقضيَ دَينَ غيرِه قبلَ دَينِه.
وأيضًا فإنَّه عَملٌ تَدخلُه النِّيابةُ، فجازَ أنْ يَنوبَ عن غيرِه قبلَ أنْ يُؤدِّيَه عن نَفسِه، كقَضاءِ الدُّيونِ وأداءِ الزَّكاةِ والكَفاراتِ.
ولأنَّ كلَّ مَنْ صحَّ منه أنْ يحُجَّ عن نَفسِه صحَّ منه في تلك الحالِ أنْ يحُجَّ عن غيرِه -إذا لم يَكنْ عليه فَرضٌ مِثلُه- جازَ أنْ يَفعَله عنه إنْ كان عليه فَرضٌ مِثلُه، أصلُه قَضاءُ الدَّينِ.
ولأنَّه أحرَم بالحَجِّ عن شَخصٍ لا يَنقلِبُ عن غيرِه، أصلُه إذا أحرَم عن
стр. 2819
نَفسِه أنَّها لا تَنقلِبُ عن غيرِه؛ لأنَّ بَقاءَ فَرضٍ عليه لا يَمنعُه أنْ يَفعلَ ما ليس بفَرضٍ من جِنسِه، أصلُه الصَّومُ والصَّلاةُ.
وأجابوا عن حَديثِ ابنِ عَباسٍ الآتي ذِكرُه، وفيه: «هَلْ حَجَجْتَ عن نَفسِك؟»، بأنَّه مُضطرِبٌ في وَقفِه عن ابنِ عَباسٍ ورَفعِه، ولو سلِم الحَديثُ فحاصِلُه أنَّ الأمرَ بالحَجِّ عن نَفسِه للنَّدبِ، لِإطلاقِه ﷺ في حَديثِ الخَثعميَّةِ وغيرِه بقولِه ﷺ : «حُجِّي عن أبيكِ»، من غيرِ استِخبارِها عن حَجِّها لنَفسِها قبلَ ذلك، وتَركُ الاستِفصالِ في وقائعِ الأحوالِ يَنزلُ مَنزِلةَ عُمومِ الخِطابِ، فيُفيدُ جَوازَه عن الغيرِ مُطلقًا. وحَديثُ شُبرُمةَ -الآتي ذِكرُه- يُفيدُ استِحبابَ تَقديمِ حَجِّ نَفسِه، وبذلك يَحصلُ الجَمعُ، ويثبُتُ أولَويَّةُ تَقديمِ الفَرضِ على النَّفلِ مع جوازِه (١).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ من نوى الحَجَّ عن غيرِه ولم يَكنْ حجَّ عن نَفسِه يَقعُ عن نَفسِه، لِما رَوى ابنُ عَباسٍ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ سمِع رَجلًا يَقولُ: لبَّيكَ عن شُبرُمةَ، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ شُبرُمةُ؟ قال: أخٌ لي أو قَريبٌ لي، قال: هل حَجَجتَ قَطُّ؟ قال: لا. قال: فاجعَلْ هذه عن نَفسِك، ثم حُجَّ عن شُبرُمةَ» (٢)، وهو حَديثٌ
стр. 2820
صَحيحٌ على أنَّه إنْ كان مَوقوفًا فليس لِابنِ عَباسٍ مُخالِفٌ، وأيضًا فإنَّ الحَجَّ واجبٌ في أولِ سَنةٍ مِنْ سِني الإمكانِ، فإذا أمكَنه فِعلُه عن نَفسِه لم يَجزْ أنْ يَفعَله عن غيرِه؛ لأنَّ الأولَ فَرضٌ والآخرَ نَفلٌ، كمَن عليه دَينٌ هو مُطالَبٌ به ومعه دَراهمُ بقَدرِه لم يَكنْ له أنْ يَصرِفَها إلا إلى دَينِه، وكذلك كلُّ ما احتاجَ إلى صَرفِه في واجبٍ عنه لم يَكنْ له أنْ يَفعَله عن غيرِه.
وأيضًا فإنَّه إذا حضَر المَشاعرَ تَعيَّن الحَجُّ عليه، فلم يَكنْ له أنْ يَفعَله عن غيرِه كما لو حضَر صَفَّ القِتالِ فأرادَ أنْ يُقاتِلَ عن غيرِه.
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّه حجَّ عن غيرِه قبلَ الحَجِّ عن نَفسِه، فلم يَقعْ عن الغيرِ، كما لو كان صَبيًّا، ويُفارِقُ الزَّكاةَ فإنَّه يَجوزُ أنْ يَنوبَ عن الغيرِ، وقد بقِي عليه بعضُها، وههنا لا يَجوزُ أنْ يحُجَّ عن الغيرِ مَنْ شرَع في الحَجِّ قبلَ إتمامِه، ولا أنْ يَطوفَ عن غيرِه مَنْ لم يَطُفْ عن نَفسِه، إذا ثبَت هذا فإنَّ عليه رَدَّ ما أخَذ من النَّفقةِ؛ لأنَّه لم يَقعِ الحَجُّ عنه، فأشبَهَ ما لو لم يحُجَّ (١).
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ: أنَّ الإحرامَ يَقعُ باطِلًا، فلا يَقعُ عن نَفسِه ولا عن غيرِه.
وقال أبو حَفصٍ العُكبُريٌّ: يَنعقِدُ الإحرامُ عن المَحجوجِ عنه، ثم يقلِبُه الحاجُّ إلى نَفسِه (٢).
стр. 2821
كَيفيَّاتُ الحَجِّ:
يُؤدَّى الحَجُّ على ثَلاثِ كَيفيَّاتٍ، هي:
أ- الإفرادُ: وهو أنْ يُهلَّ الحاجُّ، أي يَنويَ الحَجَّ فقط عندَ إحرامِه، ثم يأتيَ بأعمالِ الحَجِّ وحدَه.
ب- القِرانُ: وهو أنْ يُهلَّ بالعُمرةِ والحَجِّ جميعًا، فيَأتيَ بهما في نُسكٍ واحدٍ، أو أنْ يُهلَّ بالعُمرةِ ثم يُدخِلَ عليها الحَجَّ قبلَ الطَّوافِ، ثم يَقتصِرَ على أفعالِ الحَجِّ وحدَه.
وهذا على قولِ الجُمهورِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ، أي أنَّهما يَتداخَلانِ، فيَطوفُ طَوافًا واحِدًا، ويَسعى سَعيًا واحِدًا، ويُجزِئُه ذلك عن الحَجِّ والعُمرةِ.
لِما رُوي عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «وأمَّا الذينَ جمَعوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ فإنَّما طافوا لهُما طَوافًا واحِدًا» (١).
وبما رَواه مُسلمٌ عن عائشةَ ﵂ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها لمَّا قرَنتْ بينَ الحَجِّ والعُمرةِ: «يَسعُكِ طَوافُكِ لِحجِّكِ وعُمرتِكِ» (٢).
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ أحرَم بالحَجِّ والعُمرةِ أجزَأه طَوافٌ واحِدٌ وسَعيٌ واحِدٌ عنهما حتى يَحلَّ منهُما
стр. 2822
جميعًا» (١)، ولأنَّه ناسِكٌ يَكفيه حَلقٌ واحِدٌ، ورَميٌ واحِدٌ، فكَفاه طَوافٌ واحِدٌ وسَعيٌ واحِدٌ كالمُفرِدِ، ولأنَّهما عِبادتانِ من جِنسٍ واحدٍ، فإذا اجتَمعَتا دخلَت أفعال الصُّغرَى في الكُبرَى كالطَّهارَتيْن (٢).
وذهَب الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُجزِئُه حتى يَطوفَ طَوافَينِ ويَسعَى سَعيَين، طَوافًا وسَعيًا لِلعُمرةِ، ثم طَوافَ الزِّيارةِ والسَّعيِ للحَجِّ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وتَمامُهما أنْ يَأتيَ بأفعالِهما على الكَمالِ، ولم يُفرِّقْ بينَ القارِنِ وغيرِه.
ولِما رُوي عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّه جمَع بينَ حجَّتِه وعُمرتِه معًا، وقال: سَبيلُهُما واحِدٌ، فطافَ لهُما طَوافَينِ وسعَى لهُما سَعيَينِ، وقال: هكَذا رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ صنَع كما صنَعتُ» (٣).
ولأنَّهما نُسكانِ، كان لهُما طَوافانِ كما لو كانا مُنفَردَين، ويَجبُ على القارِنِ أنْ يَنحرَ هَدْيًا بالإجماعِ (٤).
стр. 2823
ج - التَّمتُّعُ: وهو أنْ يُهلَّ بالعُمرةِ فقط في أشهُرِ الحَجِّ، ويَأتيَ مكةَ فيُؤدِّيَ مَناسكَ العُمرةِ، ويَتحلَّلَ ويَمكُثَ بمكةَ حَلالًا، ثم يُحرِمَ بالحَجِّ ويَأتيَ بأعمالِه، ويَجبُ عليه أنْ يَنحرَ هَدْيًا بالإجماعِ.
وإنَّما سُمِّي مُتمتِّعًا لتَمتُّعِه بعدَ تَمامِ عُمرتِه بالنِّساءِ والطِّيبِ وغيرِهما مما لا يَجوزُ للمُحرِمِ، ولتَرفُّقِه وتَرفُّهِه بسُقوطِ أحدِ السَّفرَين.
والصِّلةُ بينَ القِرانِ والتَّمتُّعِ أنَّ في القِرانِ إتمامَ نُسكَين بإحرامٍ واحدٍ دونَ أنْ يَتحلَّلَ منها، ويُنشئ حَجًّا بإحرامٍ جَديدٍ (١).
مَشروعيَّةُ كيفيَّاتِ الحَجِّ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يَصحُّ الحَجُّ بكلِّ نُسكٍ من أنساكٍ ثَلاثةٍ، هي: الإفرادُ والقِرانُ والتَّمتُّعُ، التي ذكَرناها.
واستدَلُّوا على ذلك بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
أمَّا الكِتابُ:
فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾
стр. 2824
[آل عمران: ٩٧] وقولُه تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وقولُه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وأمَّا السُّنةُ:
فمنها حَديثُ عائشةَ ﵂ قالت: «خَرَجْنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ حَجةِ الوداعِ، فمنَّا مَنْ أهلَّ بعُمرةٍ، ومنَّا مَنْ أهلَّ بحَجةٍ وعُمرةٍ، ومنَّا مَنْ أهلَّ بالحَجِّ، وأهلَّ رَسولُ اللهِ ﷺ بالحَجِّ، فأمَّا مَنْ أهلَّ بالحَجِّ أو جمَع الحَجَّ والعُمرةَ فلم يَحلُّوا حتى كان يومُ النَّحرِ» (١).
وأمَّا الإجماعُ:
فقال النَّوويُّ ﵀: «وقد انعقَد الإجماعُ بعدَ هذا -أي بعدَ الخِلافِ الذي نُقل عن بعضِ الصَّحابةِ- على جوازِ الإفرادِ والتَّمتُّعِ والقِرانِ من غيرِ كراهةٍ» (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: «أجمَع أهلُ العِلمِ على جوازِ الإحرامِ بأيِّ الأنساكِ الثَّلاثةِ شاءَ» (٣).
وقال الخَطَّابيُّ ﵀: «لَم تَختلفِ الأُمةُ في أنَّ الإفرادَ والقِرانَ والتَّمتُّعَ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ كلَّها جائزةٌ» (٤).
стр. 2825
وقد نقَل الإجماعَ على ذلك أيضًا الإمامُ الشافِعيُّ والقاضي حُسينٌ والوزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵏ وغيرُهم (١).
المُفاضَلةُ بينَ كَيفيَّاتِ أداءِ الحَجِّ:
اختلَف الفُقهاءُ في أيِّ الأنساكِ الثَّلاثةِ أفضلُ؟ وذلك بسَبِبِ اختِلافِهم فيما فعَل رَسولُ اللهِ ﷺ من ذلك، وذلك أنَّه رُوي عنه ﷺ أنَّه كان مُفرِدًا، ورُوي أنَّه كان مُتمتِّعًا، ورُوي عنه أنَّه كان قارِنًا.
فذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ القِرانَ أفضلُ، وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ لِمن ساقَ الهَديَ.
واحتَجُّوا على ذلك بما يلي:
١ - عن ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّه قرَن الحَجَّ مع العُمرةِ، طافَ لهُما طَوافًا واحِدًا، ثم قال: هكَذا فعَل رَسولُ اللهِ ﷺ » (٢).
٢ - عن مُطَرِّفٍ قال: قال لي عِمرانُ بنُ حُصَينٍ ﵁: «أحدِثُكَ حَديثًا عَسَى اللهُ أنْ يَنفعَك به، إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ جمَع بينَ حجَّةٍ وعُمرةٍ ثم لم يَنهَ عنه حتى ماتَ، ولم يَنزِلْ فيه قُرآنٌ يُحرِّمُه» (٣).
стр. 2826
٣ - عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ : «قرَن الحَجَّ والعُمرةَ فطافَ لهُما طَوافًا واحِدًا» (١).
٤ - عن ابنِ أبي أوْفَى ﵁ قال: «إنَّما جمَع رَسولُ اللهِ ﷺ بينَ الحَجِّ والعُمرةِ؛ لأنَّه علِم أنَّه لا يحُجُّ بعدَ عامِه ذلك» (٢).
٥ - عن عُمرَ ﵁ قال: «سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ بوادي العَقيقِ يَقولُ: أتاني اللَّيلةَ آتٍ من رَبِّي، فقال: صَلِّ في هذا الوادي المُبارَكِ، وقُل: عُمرةٌ في حجَّةٍ» (٣)، ولا بدَّ له من امتِثالِ ما أُمِر به في مَنامِه الذي هو وَحيٌ.
٦ - عن البَراءِ بنِ عازبٍ ﵁ قال: «كُنْتُ مع عَليٍّ حينَ أمَّره رَسولُ اللهِ ﷺ على اليَمنِ، قال: فأصَبتُ معه أواقيَ، فلمَّا قدِم عَليٌّ من اليَمنِ على رَسولِ اللهِ ﷺ وجَد فاطِمةَ قَدْ لبِسَت ثيابًا صَبيغًا، وقَد نضَحتِ البَيتَ بنَضوحٍ، فقالت: ما لكَ، فإنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قَدْ أمَر أصحابَه فأحَلُّوا، قال: قلتُ لها: إنِّي أهلَلتُ بإهلالِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: فأتَيتُ النَّبيَّ ﷺ فقال لي: كيفَ صنَعتَ؟ فقال: قلتُ: أهلَلتُ بإهلالِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: فإنِّي قَدْ سُقتُ الهَديَ وقرَنتُ … » (٤).
стр. 2827
٧ - عن بَكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزنيِّ عن أنسٍ ﵁ قال: «سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يُلبِّي بالحَجِّ والعُمرةِ جميعًا، قال بَكرٌ: فحدَّثتُ بذلك ابنَ عُمرَ، فقال: لبِّي بالحَجِّ وحدَه، فلَقيتُ أنَسًا فحدَّثتُه بقولِ ابنِ عُمرَ، فقال أنسٌ: ما تَعدُّونَنا إلا صِبيانًا، سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: لبَّيكَ عُمرةً وحَجًّا» (١).
وفي صَحيحِ مُسلمٍ عن عبدِ العَزيزِ وحُميدٍ ويَحيَى بنِ أبي إسحاقَ أنَّهم سمِعوا أنَسًا يَقولُ: «سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ أهلَّ بهِما جميعًا، لبَّيكَ عُمرةً وحَجًّا، لبَّيكَ عُمرةً وحَجًّا» (٢).
٨ - عن سُراقةَ بنِ مالكٍ ﵁ قال: «سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: دخَلتِ العُمرةُ في الحَجِّ إلى يومِ القيامةِ، قال: وقرَن رَسولُ اللهِ ﷺ في حَجةِ الوَداعِ» (٣).
٩ - عن مَروانَ بنِ الحَكَمِ قال: «كُنْتُ جالِسًا عندَ عُثمانَ، فسمِع عَليًّا يُلبِّي بحَجةٍ وعُمرةٍ، فقال: ألَم نكُنْ ننهَى عن هَذا؟ قال: بَلى، ولكِني سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يُلبِّي بهِما جميعًا، فلم أدَعْ قولَ رَسولِ اللهِ ﷺ لقولِك» رَواه النَّسائيُّ (٤)، وأصلُه في الصَّحيحَين من حَديثِ
стр. 2828
سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ قال: «اجتَمعَ عَليٌّ وعُثمانُ ﵄ بعُسفانَ فكانَ عُثمانُ يَنهَى عن المُتعةِ (يَعني القِرانَ) فقال عَليٌّ: ما تُريدُ إلى أمرٍ فعَله رَسولُ اللهِ ﷺ تَنهَى عنه؟ فقال عُثمانُ: دَعنا مِنك، فقال: إنِّي لا أستَطيعُ أنْ أدعَك، فلمَّا أنْ رَأى عَليٌّ ذلك أهلَّ بهِما جميعًا» (١).
١٠ - ما أخرَجاه في الصَّحيحَين واللَّفظُ لمُسلمٍ عن حَفصةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ قالت: «قلتُ للنَّبيِّ ﷺ ما شَأنُ الناسِ حَلُّوا ولم تَحِلَّ من عُمرتِكَ؟ قال: إنِّي قلَّدتُ هَديِي ولبَّدتُ رَأسي، فلا أَحلُّ حتى أَحلَّ من الحَجِّ» (٢).
وهذا يَدلُّ على أنَّه كان في عُمرةٍ معها حَجٌّ، فإنَّه لا يَحلُّ من العُمرةِ حتى يَحلَّ من الحَجِّ.
١١ - ولأنَّ القِرانَ أشَقُّ؛ لكَونِه آدَمَ إحرامًا وأسرَعَ إلى العِبادةِ، وفيه الجَمعُ بينَ العِبادتَين.
١٢ - أنَّ على القارِنِ دَمًا، وليسَ دَمَ جُبرانٍ؛ لأنَّه لم يَفعَلْ حَرامًا، بل دَمُ عِبادةٍ، والعِبادةُ المُتعلِّقةُ بالبَدنِ والمالِ أفضلُ من المُختصَّةِ بالبَدنِ (٣).
стр. 2829
وذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الإفرادَ أفضلُ.
واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - ما ثبَت عن جابرٍ وابنِ عُمرَ وعائشةَ ﵃: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهلَّ بالحَجِّ» (١) وفي رِوايةٍ: «أهلَّ بالحَجِّ مُفرِدًا».
٢ - أنَّ الخُلَفاءَ الراشِدينَ ﵃ أفرَدوا الحَجَّ وواظَبوا عليه، كذلك فعَل أبو بَكرٍ وعُمرُ وعُثمانُ، واختلَف فِعلُ عَليٍّ.
٣ - أنَّ عُمرَ قال: «فافصِلوا حجَّكم من عُمرتِكم، فإنَّه أتَمُّ لحَجِّكم وأتَمُّ لعُمرتِكُم» (٢).
٤ - وقال عُثمانُ ﵁ لمَّا ذُكر له التَّمتُّعُ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ: «إنَّه أتَمُّ للحَجِّ والعُمرةِ ألَّا يَكونا في أشهُرِ الحَجِّ، فلو أخَّرتُم هذه العُمرةَ حتى تَزوروا هذا البَيتَ زَورتَين كان أفضَل فإنَّ اللهَ تَعالى قَدْ وسَّع في الخَيرِ … » (٣).
٥ - عن ابنِ عُمرَ ﵄ قال: «وإنِّي كُنْتُ تحتَ ناقةِ رَسولِ اللهِ ﷺ يَمسُّني لُعابُها أسمَعُه يُلبِّي بالحَجِّ» (٤).
стр. 2830
قال القاضي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ ﵀: إنَّ الإفرادَ أفضلُ؛ لأنَّ المُفرِدَ يَأتي بالحَجِّ في أشهُرِه على الكَمالِ، ثم يَأتي بالعُمرةِ في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ على الكَمالِ، فكان أفضلَ من القِرانِ.
ولأنَّ المُفرِدَ يَقتصِرُ على عَملِ نُسكٍ واحدٍ، فكان أفضلَ؛ لأنَّ المُتمتِّعَ والقارِنَ يَأتيانِ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ، وذلك رُخصةٌ.
ولأنَّ الدَّمَ الواجبَ بالقِرانِ والتَّمتُّعِ جُبرانٌ للنَّقصِ؛ لأنَّه دَمٌ مُتعلِّقٌ بالإحرامِ، أو يَختَصُّ بالإحرامِ، فأشبَهَ الجَزاءَ ونُسكَ الأذَى، ولأنَّه دَمٌ يَجبُ بتَركِ الميقاتِ، فكانَ الواجبُ أنَّه للجُبرانِ كالدَّمِ بمُجاوَزةِ الميقاتِ، وإذا ثبَت أنَّه دَمُ نَقصٍ وجُبرانٍ، فالإتيانُ بالعِبادةِ على وَجهٍ ليس له نَقصٌ ولا جُبرانٌ أفضلُ (١).
وشَرطُ تَفضيلِ الإفرادِ على غيرِه -على ما صرَّح به الشافِعيةُ-: أنْ يحُجَّ ثم يَعتمرَ في سَنَتِه، فإنْ أخَّر العُمرةَ عن سَنةِ الحَجِّ فكلُّ واحدٍ من التَّمتُّعِ والقِرانِ أفضلُ منه، بلا خِلافٍ؛ لأنَّ تَأخيرَ العُمرةِ عن سَنةِ الحَجِّ مَكروهٌ (٢).
стр. 2831
وذهَب الحَنابلةُ ومالكٌ في رِوايةٍ والشافِعيُّ في قَولٍ إلى أنَّ التَّمتُّعَ أفضلُ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لِما رَوى ابنُ عَباسٍ وجابرٌ وأبو موسى وعائشةُ ﵃: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَر أصحابَه لمَّا طافوا بالبَيتِ، أنْ يَحلُّوا، ويجعَلوها عُمرةً» (١)، فنقَلهم من الإفرادِ والقِرانِ إلى المُتعةِ، ولا يَنقلُهم إلا إلى الأفضَلِ، وهذه الأحاديثُ متَّفقٌ عليها، ولم يُختلَفْ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه لمَّا قدِم مكةَ أمَر أصحابَه أنْ يَحلُّوا إلا من ساقَ هَديًا، وثبَت على إحرامِه، وقال: «لَو استَقبَلتُ من أَمْرِي ما استَدبَرتُ، لَم أسُقِ الهَديَ، ولجعَلتُها عُمرةً» (٢).
قال جابرٌ ﵁: «حجَجْنا مع النَّبيِّ ﷺ يومَ ساقَ البُدنَ معه، وقد أهَلُّوا بالحَجِّ مُفرَدًا، فقال لَهم: «أحِلُّوا من إحرامِكم بطَوافِ البَيتِ وبينَ الصَّفا والمَروةِ وقصِّروا، ثم أقيموا حَلالًا حتى إذا كان يومُ التَّرويةِ فأهِلُّوا بالحَجِّ، واجعَلوا التي قَدِمتُم بها مُتعةً»، فقالوا: كيفَ نَجعَلُها مُتعةً وقد سَمَّينا الحَجَّ؟ فقال: «افعَلوا ما أمَرتُكم، فلولا أنِّي سُقتُ الهَديَ لَفَعلتُ مثلَ الذي أمَرتُكم بهِ».
وفي لفظٍ: فقامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فقال: «قد علِمتُم أنِّي أتقاكُم للهِ،
стр. 2832
وأصدَقُكم وأبَرُّكم، ولَولا هَدْيي لحَلَلتُ كما تَحلُّونَ، فحِلُّوا، فلو استَقبَلتُ من أمري ما استَدبَرتُ ما أهدَيتُ. فَحلَلْنا وسمِعنا وأطَعنا» (١)، فنقَلهم إلى التَّمتُّعِ وتَأسَّف إذْ لم يُمكِنْه ذلك، فدلَّ على فَضلِه، ولأنَّ التَّمتُّعَ مَنصوصٌ عليه في كِتابِ اللهِ تَعالى بقولِه: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦] دونَ سائرِ الأنساكِ، ولأنَّ المُتمتِّعَ يَجتمِعُ له الحَجُّ والعُمرةُ في أشهُرِ الحَجِّ مع كَمالهِما وكَمالِ أفعالِهما على وَجهِ اليُسرِ والسُّهولةِ مع زيادةِ نُسكٍ، فكان ذلك أوْلى (٢).
هَديُ التَّمتُّعِ والقِرانِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ المُتمتِّعَ والقارِنَ يَجبُ على كلِّ واحدٍ منهما أنْ يَذبحَ هَديًا، قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ أهلَّ بعُمرةٍ في أشهُرِ الحَجِّ من أهلِ الآفاقِ من الميقاتِ، وقدِم مكةَ ففرَغَ منها وأقامَ بها وحَجَّ من عامِه: أنَّه مُتمتِّعٌ، وعليه الهَديُ إنْ وجَدَ، وإلا فالصِّيامُ (٣)،
стр. 2833
وقد نصَّ اللهُ تَعالى عليه بقولِه تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقال ابنُ عُمرَ ﵄: تَمتَّع الناسُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ، فكانَ من الناسِ مَنْ أهدَى فساقَ الهَديَ، ومنهم مَنْ لم يُهدِ، فلمَّا قدِم رَسولُ الله ﷺ مكةَ قال لِلناسِ: «مَنْ كان مِنكم أهدَى فإنَّه لا يَحلُّ من شيءٍ حرُم منه حتى يَقضيَ حجَّه، ومَن لم يَكنْ مِنكم أهدَى فليَطُفْ بالبَيتِ وبِالصَّفا والمَروةِ وليُقصِّرْ وليَحلِلْ ثم لِيُهلَّ بالحَجِّ وليُهدِ، فمَن لم يَجد هَديًا فليَصُمْ ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةً إذا رجَع إلى أهلِه» (١)، والقارِنُ في حُكم المُتمتِّعِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا نَعلمُ في وُجوبِ الدَّمِ على القارِنِ خِلافًا (٢).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ والقُرطبيُّ -رحمهما الله-: وإنَّما جعَل القِرانَ من بابِ التَّمتُّعِ؛ لأنَّ القارِنَ يَتمتَّعُ بقَرنِ النصَبِ في السَّفرِ إلى العُمرةِ مَرةً وإلى الحَجِّ أُخرَى، ويَتمتَّعُ بجَمعِهما، ولم يُحرِمْ لكلِّ واحِدةٍ من ميقاتِه، وضَمَّ الحَجَّ إلى العُمرةِ، فدخَل تحتَ قولِ اللهِ : ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (٣)، ولأنَّه إذا وجَب على المُتمتِّعِ؛ لأنَّه جمَع بينَ نُسكَين
стр. 2834
في وقتِ أحدِهما فلَأنْ يَجبَ على القارِنِ وقد جمَع بينَهما في الإحرامِ من بابِ أوْلى (١).
والهَديُ الواجبُ شاةٌ أو سُبُعُ بَقَرةٍ أو سُبُعُ بَدنةٍ، فإنْ نحَر بَدنةً أو ذبَح بَقرةً فقد زادَ خَيرًا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ والظاهِريةِ؛ لِما رَوى جابرٌ ﵁ قال: «كُنا نَتمتَّعُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ بالعُمرةِ، فنَذبحُ البَقرةَ عن سَبعةٍ، نَشترِكُ فيها» (٢).
وعن أبي جَمرةَ قال: «سَألتُ ابنَ عَباسٍ ﵄ عن المُتعةِ فأمَرني بها، وسَألتُه عن الهَديِ، فقال: فيها جَزورٌ أو بَقرةٌ أو شاةٌ أو شِركٌ في دَمٍ» (٣).
وقال الإمامُ مالكٌ: لا يُجزِئُ إلا بَدنةٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لما تَمتَّع ساقَ بَدنةً.
وعن أبي العاليةِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ وابنِ سيرينَ كلِّهم عن ابنِ عُمرَ،
قال أبو العاليةِ: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يَقولُ: يَقولونَ: البَدنةُ عن سَبعةٍ. والبَقرةُ عن سَبعةٍ، ما أعلمُ النَّفسَ تُجزِئُ إلا عن النَّفسِ.
وقال سَعيدُ بنُ جُبيرٍ عنه أنَّه قال: ما كُنْتُ أشعُرُ أنَّ النَّفسَ تُجزِئُ إلا عن النَّفسِ، وقال ابنُ سِيرينَ عنه بأنَّه قال: لا أعلمُ وما يُراقُ عن أكثرَ من إنسانٍ واحدٍ.
стр. 2835
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وهذا تَركٌ لِظاهرِ قولِه تَعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وإطْراحٌ للآثارِ الثابِتةِ، وما احتَجُّوا به بلا حُجةٍ فيه، فإنَّ إهداءَ النَّبيِّ ﷺ للبَدنةِ لا يَمنعُ إجزاءَ ما دونَها، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قَدْ ساقَ مِئةَ بَدنةٍ، ولا خِلافَ في أنَّ ذلك ليسَ بواجبٍ، ولا يَجبُ أنْ تَكونَ البَدنةُ التي يَذبحُها على صِفةِ بُدنِ النَّبيِّ ﷺ ، ثم إنَّهم يَقولونَ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان مُفرِدًا في حَجِّه، ولذلك ذهَبوا إلى تَفضيلِ الإفرادِ، فكيف يَكونُ سَوقُه للبُدنِ دَليلًا لهم في التَّمتُّعِ ولم يَكنْ مُتمتِّعًا (١).
وقال ابنُ حَزمٍ ﵀: وهذا لا حُجةَ فيه؛ لأنَّ ابنَ عُمرَ قد رجَع عن هذا إلى إجازةِ الاشتِراكِ، وإنَّما أخبَر ههنا أنَّه لم يَعلَمْ بذلك ولا شعَر به، وليس مَنْ لم يَعلَمْ حُجةً على مَنْ علِم … عن جَبلةَ بنِ سُحيمٍ عن ابنِ عُمرَ قال: «الجَزورُ، والبَقرةُ، عن سَبعةٍ».
إجازَتُه عن ذلك دَليلٌ بيِّنٌ على أنَّه علِم بالسُّنةِ في ذلك بعدَ أنْ لم يَكنْ علِمها، وقد جاء هذا نَصًّا عنه كما روَيْنا من طَريقِ ابنِ أبي شَيبةَ نا ابنُ نُميرٍ نا مُجالِدٌ عن الشَّعبيِّ قال: قلتُ لابنِ عُمرَ: البَقرةُ، والبَعيرُ تُجزِئُ عن سَبعةٍ، فقال: وكيف؟ ألَها سَبعةُ أنفُسٍ؟ فقلتُ لهُ: إنَّ أصحابَ مُحمدٍ ﷺ الذينَ بالكُوفةِ أفتَوْني؛ فقال القَومُ: نَعمْ قد قاله رَسولُ اللَّهِ ﷺ وأبو بَكرٍ وعُمرُ فقال ابنُ عُمرَ: ما شَعَرتُ، فبطَل تَعلُّقُهم بابنِ عُمرَ (٢).
стр. 2836
واختلَفوا في مُوجِبِ هَديِ القِرانِ.
فقال الجُمهورُ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ: هو دَمُ شُكرٍ، وجَب شُكرًا للهِ لِما وفَّقه إليه من أداءِ النُّسكَين في سَفرٍ واحدٍ، فيَأكلُ منه ويُطعِمُ مَنْ شاءَ ولو غَنيًّا، ويَتصدَّقُ (١).
وقال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من مَذهبِهم: هو دَمُ جَبرٍ، فلا يَجوزُ له الأكلُ منه، بل يَجبُ التَّصدُّقُ بجميعِه (٢).
بَدلُ الهَديِ:
لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ على أنَّ المُتمتِّعَ والقارِنَ إذا لم يَجدِ الهَديَ، بأنْ فقَده أو فقَد ثَمنَه أو وجَده بأكثرَ من ثَمنِ مِثلِه يَنتقِلُ إلى صيامِ ثَلاثةِ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةٍ إذا رجَع، وذلك لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 2837
وقال عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄: تَمتَّع الناسُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ، فكانَ من الناسِ من أهدَى فساقَ الهَديَ، ومِنهم من لم يُهدِ، فلمَّا قدِم رَسولُ اللهِ ﷺ مكةَ، قال لِلناسِ: «مَنْ كان مِنكم أهدَى فإنَّه لا يَحلُّ من شيءٍ حرُم منه حتى يَقضيَ حجَّه، ومن لم يَكنْ مِنكم أهدَى فليَطُفْ بالبَيتِ وبِالصَّفا والمَروةِ وليُقصِّرْ وليَحلِلْ، ثم لْيُهلَّ بالحَجِّ ولْيُهدِ، فمَن لم يَجدْ هَدْيًا فليَصُمْ ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةً إذا رجَع إلى أهلِه» (١).
وتُعتبَرُ القُدرةُ في مَوضعِه، فمتى عدِمه في مَوضعِه جازَ له الانتِقالُ إلى الصِّيامِ، وإنْ كان قادِرًا عليه في بَلدِه؛ لأنَّ وُجوبَه مُؤقَّتٌ، وما كان وُجوبُه مُؤقَّتًا اعتُبِرت القُدرةُ عليه في مَوضعِه، كالماءِ في الطَّهارةِ إذا عُدمه في مَكانِه انتقَل إلى التُّرابِ.
هذا ولا يَجبُ التَّتابُعُ في الصِّيامِ بَدلَ الهَديِ عندَ الفُقهاءِ، قال ابنُ قُدامةَ: لا نَعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ الأمرَ ورَد بها مُطلقًا، وذلك لا يَقتَضي جَمعًا ولا تَفريقًا (٢).
стр. 2838
وقتُ الصِّيامِ ومَكانُه:
أولًا: صيامُ الأيامِ الثَّلاثةِ:
جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ الوقتَ المُفضَّلَ والمُستحبَّ لِصيامِ الأيامِ الثَّلاثةِ هو أنْ يَصومَها بينَ إحرامِه بالحَجِّ ويومِ عَرفةَ، ويَكونَ آخِرُ أيامِها يومَ عَرفةَ، بأنْ يَصومَ قبلَ يومِ التَّرويةِ بيَومٍ، ويومَ التَّرويةِ ويومَ عَرفةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى جعَل صيامَ ثَلاثةِ أيامٍ بَدلًا عن الهَديِ، وأفضلُ أوقاتِ البَدلِ وقتُ اليَأسِ عن الأصلِ، لِما يُحتمَلُ القُدرةُ على الأصلِ فيه، وعلى هذا يُستحبُّ له تَقديمُ الإحرامِ بالحَجِّ قبلَ يومِ التَّرويةِ، ليَصومَها في الحَجِّ.
ويُستحبُّ عندَ الشافِعيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ أنْ يَكونَ الثَّلاثةُ قبلَ يومِ عَرفةَ؛ لأنَّ صَومَ يومِ عَرفةَ بعَرفةَ غيرُ مُستحبٍّ.
وقد اختلَفوا، هل يَجوزُ تَقديمُ الثَّلاثةِ أو يَومٍ منها قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ أو لا؟
فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ وزُفَرُ من الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُ الثَّلاثةِ أو يَومٍ منها على الإحرامِ بالحَجِّ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
وإنَّما يَكونُ في الحَجِّ بعدَ الشُّروعِ فيه، وذلك بالإحرامِ، ولأنَّه صيامٌ واجبٌ فلم يَجزْ تَقديمُه على وقتِ وُجوبه كسائرِ الصِّيامِ الواجبِ، ولأنَّ ما قبلَه وقتٌ لا يَجوزُ فيه المُبدَلُ، فلم يَجزِ البَدلُ، كما قبلَ الإحرامِ بالعُمرةِ.
стр. 2839
ولأنَّه على أصلِ الشافِعيِّ دَمُ كَفارةٍ وجَب جَبرًا للنَّقصِ، وما لم يُحرِمْ بالحَجِّ لا يَظهرِ النَّقصُ.
وذهَب الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى جوازِ تَقديمِ الثَّلاثةِ على الإحرامِ بالحَجِّ بعدَ الإحرامِ بالعُمرةِ، سَواءٌ طافَ لِعُمرتِه أو لم يَطفْ، وفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ إذا أحلَّ من العُمرةِ.
والدَّليلُ على ذلك أنَّ إحرامَ العُمرةِ أحدُ إحرامَيِ التَّمتُّعِ، فجازَ الصَّومُ بعدَه كإحرامِ الحَجِّ.
قال الكاسانيُّ ﵀: لأنَّ الإحرامَ بالعُمرةِ سَببٌ لوُجودِ الإحرامِ بالحَجةِ، فكانَ الصَّومُ تَعجيلًا بعدَ وُجودِ السَببِ فجازَ، وقبلَ وُجودِ العُمرةِ لم يوجَدِ السَببُ فلم يَجزْ، ولأنَّ السُّنةَ في المُتمتِّعِ أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ عَشيَّةَ التَّرويةِ.
كذا رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَر أصحابَه بذلك، وإذا كانت السُّنةُ في حقِّه الإحرامَ بالحَجِّ عَشيَّةَ التَّرويةِ لا يُمكِنُه صيامُ الأيامِ الثَّلاثةِ بعدَ ذلك، وإنَّما بقِي له يَومٌ واحِدٌ؛ لأنَّ أيامَ النَّحرِ والتَّشريقِ قَدْ نُهيَ عن الصِّيامِ فيها، فلا بدَّ من الحُكمِ بجوازِ الصَّومِ بعدَ إحرامِ العُمرةِ قبلَ الشُّروعِ في الحَجِّ.
وأمَّا الآيةُ فقَد قيلَ في تَأويلِها: إنَّ المُرادَ مِنها وقتُ الحَجِّ، وهو الصَّحيحُ، إذِ الحَجُّ لا يَصلُحُ ظَرفًا لِلصَّومِ، والوقتُ يَصلُحُ ظَرفًا له، فصارَ تَقديرُ الآيةِ الشَّريفةِ: فصيامُ ثَلاثةِ أيامٍ في وقتِ الحَجِّ، كما في قولِه تَعالى:
стр. 2840
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي وقتُ الحَجِّ أشهُرٌ مَعلوماتٌ، وعلى هذا صارَتِ الآيةُ الشَّريفةُ حُجةً لنا؛ لأنَّ الله تَعالى أوجَب على المُتمتِّعِ صيامَ ثَلاثةِ أيامٍ في وقتِ الحَجِّ، وهو أشهُرُ الحَجِّ، وقد صامَ في أشهُرِ الحَجِّ فجازَ، إلا أنَّ زَمانَ ما قبلَ الإحرامِ صارَ مَخصوصًا من النصِّ (١).
وأما تَقديمُ الصَّومِ على إحرامِ العُمرةِ فلا يَجوزُ اتِّفاقًا.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ قائلًا بجوازِه؛ لعَدمِ وُجودِ السَّببِ (٢).
وقد اختلَفوا أيضًا فيما إذا فاتَه الصَّومُ حتى أتى يومُ النَّحرِ هل يَجوزُ له أنْ يَصومَها في أيامِ منًى أو لا؟
أما يومُ النَّحرِ، فقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ له ولا لغيرِه صيامُ يومِ النَّحرِ (٣).
فذهَب المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصومُ أيامَ منًى إذا كان قَدْ فرَّطَ فلم يَصمْها قبلَ يومِ النَّحرِ، لِما رَوى ابنُ عُمرَ وعائشةُ ﵄ قالا: «لم يُرخَّصْ في أيامِ التَّشريقِ أنْ يُصَمنَ إلا لمن لم يَجد الهَديَ» (٤) وهذا يَنصَرفُ إلى تَرخيصِ النَّبيِّ ﷺ ، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَر بصيامِ الثَّلاثةِ في الحَجِّ، ولم يَبقَ من أيامِ الحَجِّ إلا هذه