واختلَفوا في مُوجِبِ هَديِ القِرانِ.
فقال الجُمهورُ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ: هو دَمُ شُكرٍ، وجَب شُكرًا للهِ لِما وفَّقه إليه من أداءِ النُّسكَين في سَفرٍ واحدٍ، فيَأكلُ منه ويُطعِمُ مَنْ شاءَ ولو غَنيًّا، ويَتصدَّقُ (١).
وقال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ من مَذهبِهم: هو دَمُ جَبرٍ، فلا يَجوزُ له الأكلُ منه، بل يَجبُ التَّصدُّقُ بجميعِه (٢).
بَدلُ الهَديِ:
لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ على أنَّ المُتمتِّعَ والقارِنَ إذا لم يَجدِ الهَديَ، بأنْ فقَده أو فقَد ثَمنَه أو وجَده بأكثرَ من ثَمنِ مِثلِه يَنتقِلُ إلى صيامِ ثَلاثةِ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةٍ إذا رجَع، وذلك لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
стр. 2837
وقال عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ ﵄: تَمتَّع الناسُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ، فكانَ من الناسِ من أهدَى فساقَ الهَديَ، ومِنهم من لم يُهدِ، فلمَّا قدِم رَسولُ اللهِ ﷺ مكةَ، قال لِلناسِ: «مَنْ كان مِنكم أهدَى فإنَّه لا يَحلُّ من شيءٍ حرُم منه حتى يَقضيَ حجَّه، ومن لم يَكنْ مِنكم أهدَى فليَطُفْ بالبَيتِ وبِالصَّفا والمَروةِ وليُقصِّرْ وليَحلِلْ، ثم لْيُهلَّ بالحَجِّ ولْيُهدِ، فمَن لم يَجدْ هَدْيًا فليَصُمْ ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةً إذا رجَع إلى أهلِه» (١).
وتُعتبَرُ القُدرةُ في مَوضعِه، فمتى عدِمه في مَوضعِه جازَ له الانتِقالُ إلى الصِّيامِ، وإنْ كان قادِرًا عليه في بَلدِه؛ لأنَّ وُجوبَه مُؤقَّتٌ، وما كان وُجوبُه مُؤقَّتًا اعتُبِرت القُدرةُ عليه في مَوضعِه، كالماءِ في الطَّهارةِ إذا عُدمه في مَكانِه انتقَل إلى التُّرابِ.
هذا ولا يَجبُ التَّتابُعُ في الصِّيامِ بَدلَ الهَديِ عندَ الفُقهاءِ، قال ابنُ قُدامةَ: لا نَعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ الأمرَ ورَد بها مُطلقًا، وذلك لا يَقتَضي جَمعًا ولا تَفريقًا (٢).
стр. 2838
وقتُ الصِّيامِ ومَكانُه:
أولًا: صيامُ الأيامِ الثَّلاثةِ:
جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ الوقتَ المُفضَّلَ والمُستحبَّ لِصيامِ الأيامِ الثَّلاثةِ هو أنْ يَصومَها بينَ إحرامِه بالحَجِّ ويومِ عَرفةَ، ويَكونَ آخِرُ أيامِها يومَ عَرفةَ، بأنْ يَصومَ قبلَ يومِ التَّرويةِ بيَومٍ، ويومَ التَّرويةِ ويومَ عَرفةَ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى جعَل صيامَ ثَلاثةِ أيامٍ بَدلًا عن الهَديِ، وأفضلُ أوقاتِ البَدلِ وقتُ اليَأسِ عن الأصلِ، لِما يُحتمَلُ القُدرةُ على الأصلِ فيه، وعلى هذا يُستحبُّ له تَقديمُ الإحرامِ بالحَجِّ قبلَ يومِ التَّرويةِ، ليَصومَها في الحَجِّ.
ويُستحبُّ عندَ الشافِعيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ أنْ يَكونَ الثَّلاثةُ قبلَ يومِ عَرفةَ؛ لأنَّ صَومَ يومِ عَرفةَ بعَرفةَ غيرُ مُستحبٍّ.
وقد اختلَفوا، هل يَجوزُ تَقديمُ الثَّلاثةِ أو يَومٍ منها قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ أو لا؟
فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ وزُفَرُ من الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُ الثَّلاثةِ أو يَومٍ منها على الإحرامِ بالحَجِّ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾.
وإنَّما يَكونُ في الحَجِّ بعدَ الشُّروعِ فيه، وذلك بالإحرامِ، ولأنَّه صيامٌ واجبٌ فلم يَجزْ تَقديمُه على وقتِ وُجوبه كسائرِ الصِّيامِ الواجبِ، ولأنَّ ما قبلَه وقتٌ لا يَجوزُ فيه المُبدَلُ، فلم يَجزِ البَدلُ، كما قبلَ الإحرامِ بالعُمرةِ.
стр. 2839
ولأنَّه على أصلِ الشافِعيِّ دَمُ كَفارةٍ وجَب جَبرًا للنَّقصِ، وما لم يُحرِمْ بالحَجِّ لا يَظهرِ النَّقصُ.
وذهَب الحَنفيةُ والحَنابلةُ إلى جوازِ تَقديمِ الثَّلاثةِ على الإحرامِ بالحَجِّ بعدَ الإحرامِ بالعُمرةِ، سَواءٌ طافَ لِعُمرتِه أو لم يَطفْ، وفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ إذا أحلَّ من العُمرةِ.
والدَّليلُ على ذلك أنَّ إحرامَ العُمرةِ أحدُ إحرامَيِ التَّمتُّعِ، فجازَ الصَّومُ بعدَه كإحرامِ الحَجِّ.
قال الكاسانيُّ ﵀: لأنَّ الإحرامَ بالعُمرةِ سَببٌ لوُجودِ الإحرامِ بالحَجةِ، فكانَ الصَّومُ تَعجيلًا بعدَ وُجودِ السَببِ فجازَ، وقبلَ وُجودِ العُمرةِ لم يوجَدِ السَببُ فلم يَجزْ، ولأنَّ السُّنةَ في المُتمتِّعِ أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ عَشيَّةَ التَّرويةِ.
كذا رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أمَر أصحابَه بذلك، وإذا كانت السُّنةُ في حقِّه الإحرامَ بالحَجِّ عَشيَّةَ التَّرويةِ لا يُمكِنُه صيامُ الأيامِ الثَّلاثةِ بعدَ ذلك، وإنَّما بقِي له يَومٌ واحِدٌ؛ لأنَّ أيامَ النَّحرِ والتَّشريقِ قَدْ نُهيَ عن الصِّيامِ فيها، فلا بدَّ من الحُكمِ بجوازِ الصَّومِ بعدَ إحرامِ العُمرةِ قبلَ الشُّروعِ في الحَجِّ.
وأمَّا الآيةُ فقَد قيلَ في تَأويلِها: إنَّ المُرادَ مِنها وقتُ الحَجِّ، وهو الصَّحيحُ، إذِ الحَجُّ لا يَصلُحُ ظَرفًا لِلصَّومِ، والوقتُ يَصلُحُ ظَرفًا له، فصارَ تَقديرُ الآيةِ الشَّريفةِ: فصيامُ ثَلاثةِ أيامٍ في وقتِ الحَجِّ، كما في قولِه تَعالى:
стр. 2840
﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أي وقتُ الحَجِّ أشهُرٌ مَعلوماتٌ، وعلى هذا صارَتِ الآيةُ الشَّريفةُ حُجةً لنا؛ لأنَّ الله تَعالى أوجَب على المُتمتِّعِ صيامَ ثَلاثةِ أيامٍ في وقتِ الحَجِّ، وهو أشهُرُ الحَجِّ، وقد صامَ في أشهُرِ الحَجِّ فجازَ، إلا أنَّ زَمانَ ما قبلَ الإحرامِ صارَ مَخصوصًا من النصِّ (١).
وأما تَقديمُ الصَّومِ على إحرامِ العُمرةِ فلا يَجوزُ اتِّفاقًا.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا نَعلمُ قائلًا بجوازِه؛ لعَدمِ وُجودِ السَّببِ (٢).
وقد اختلَفوا أيضًا فيما إذا فاتَه الصَّومُ حتى أتى يومُ النَّحرِ هل يَجوزُ له أنْ يَصومَها في أيامِ منًى أو لا؟
أما يومُ النَّحرِ، فقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ له ولا لغيرِه صيامُ يومِ النَّحرِ (٣).
فذهَب المالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَصومُ أيامَ منًى إذا كان قَدْ فرَّطَ فلم يَصمْها قبلَ يومِ النَّحرِ، لِما رَوى ابنُ عُمرَ وعائشةُ ﵄ قالا: «لم يُرخَّصْ في أيامِ التَّشريقِ أنْ يُصَمنَ إلا لمن لم يَجد الهَديَ» (٤) وهذا يَنصَرفُ إلى تَرخيصِ النَّبيِّ ﷺ ، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَر بصيامِ الثَّلاثةِ في الحَجِّ، ولم يَبقَ من أيامِ الحَجِّ إلا هذه
стр. 2841
الأيامُ، فيَتعيَّنُ الصَّومُ فيها، فإذا صامَ هذه الأيامَ فحُكمُه حُكمُ من صامَ قبلَ يومِ النَّحرِ (١).
وذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَصومُ أيامَ منًى، وإنَّما يَصومُها بعدَ أيامِ التَّشريقِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «أيامُ منًى أيامُ أكلٍ وشُربٍ» (٢)، ولأنَّه لا يَجوزُ فيها صَومُ النَّفلِ، فلا يَصومُها عن الهَديِ كيومِ النَّحرِ، فعلى هذا يَصومُ بعدَ ذلك عَشرةَ أيامٍ، والأظهرُ عندَ الشافِعيةِ أنْ يُفرَّقَ في قَضائها بينَها وبينَ السَّبعةِ بقَدرِ أربَعةِ أيامٍ (يومِ النَّحرِ وأيامِ التَّشريقِ) ومُدةِ إمكانِ السَّيرِ إلى أهلِه، السَّيرِ المُعتادِ.
ولا يَجبُ عليه دَمٌ عندَ الشافِعيةِ، واختلَفت الرِّوايةُ عن أحمدَ في وُجوبِ الدَّمِ عليه، فعنه: عليه دَمٌ؛ لأنَّه أخَّر الواجبَ من مَناسكِ الحَجِّ عن وقتِه، فلزِمه دَمٌ كرَميِ الجِمارِ، ولا فرقَ بينَ المُؤخِّرِ لعُذرٍ والمُؤخِّرِ لغيرِ عُذرٍ، وقال القاضي: إنْ أخَّر لعُذرٍ ليسَ عليه إلا قَضاؤُهُ؛ لأنَّ الدَّمَ الذي هو المُبدَلُ لو أخَّره لعُذرٍ فلا دَمَ عليه لتَأخيرِه، فالبَدلُ أوْلى.
ورُوي عن أحمدَ: لا يَلزمُه مع الصَّومِ دَمٌ بحالٍ، وهذا اختيارُ أبي
стр. 2842
الخَطَّابِ ومَذهبُ الشافِعيِّ -كما سبَق-؛ لأنَّه صَومٌ واجبٌ يَجبُ القَضاءُ بفَواتِه، فلم يَجب بفَواتِه دَمٌ كصَومِ رَمضانَ (١).
أما الحَنفيةُ فقالوا: إذا لم يَصُمِ الثَّلاثةَ قبلَ يومِ النَّحرِ لا يُجزِئُه إلا الدَّمُ؛ لِنَهيِ النَّبيِّ ﷺ عن الصَّومِ في هذه الأيامِ، ولأنَّ الصَّومَ بَدلٌ عن الهَديِ ولا نَظيرَ له في الشَّرعِ، ولأنَّ الإبدال ثبَت شَرعًا على خِلافِ القياسِ؛ لأنَّه لا مُماثَلةَ بينَ الدَّمِ والصَّومِ فلا يثبُتُ إلا بإثباتِ الشارِعِ، والنصُّ خصَّه بوقتِ الحَجِّ، فإذا فاتَ وقتُه فاتَ هو أيضًا، فيَظهَرُ حُكمُ الأصلِ، وهو الدَّمُ على ما كانَ، وإذا لم يَصمِ الثَّلاثةَ لم يَصمِ السَّبعةَ؛ لأنَّ العَشرَ وجبَت بَدلًا عن التَّحلُّلِ، وقد فاتَت بفَواتِ بَعضٍ، فيَجبُ الهَديُ؟ فإنْ لم يَقدرْ على الهَديِ تَحلَّل وعليه دَمانِ: دَمُ التَّمتُّعٍ ودَمٌ لتَحلُّلِه قبلَ الهَديِ (٢).
ثانيًا: صيامُ الأيامِ السَّبعةِ:
يَصومُ المُتمتِّعُ سَبعةَ أيامٍ إذا رجَع من الحَجِّ ليُكمِلَ العَشرةَ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾. والأفضلُ أنْ يَصومَ السَّبعةَ بعدَ رُجوعِه إلى أهلِه؛ لِما رَوى ابنُ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «فمَن لم يَجد
стр. 2843
هَديًا فليَصمْ ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةً إذا رجَع إلى أهلِه» (١)، لكنْ لا يَجوزُ صَومُها قبلَ الفَراغِ من أفعالِ الحَجِّ بالإجماعِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا، هل يَجوزُ صيامُها بمكةَ بعدَ فراغِه من الحَجِّ أو لا يَجوزُ إلا بعدَ الرُّجوعِ إلى وطَنِه وأهلِه؟
فذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ إلا بعدَ الرُّجوعِ إلى الأهلِ إلا إذا نَوى الإقامةَ بمكةَ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، أي إذا رَجَعتُم إلى أهليكُم (٢).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ والشافِعيُّ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ صيامُها بمكةَ بعدَ فراغِه من الحَجِّ، وأنَّ المُرادَ بالآيةِ ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾، أي: رَجعتُم عن أفعال الحَجِّ؛ لأنَّه المَذكورُ في الآيةِ، فوجَب أنْ يَكونَ المُرادُ بالرُّجوعِ الرُجوعَ عن الحَجِّ، أي: أفعالِه، وقيلَ: إذا أتَى وقتُ الرُّجوعِ، ولأنَّه لو كان الرُّجوعُ إلى الأهلِ والوطَنِ شَرطًا في جوازِ هذا الصَّومِ، لَوجَب إذا نَوى المُقامَ بمكةَ أنَّه لا يُجزِئُه الصِّيامُ بها، وفي إجماعِ العُلماءِ على جوازِ صيامِه فيها إذا نَوى المُقامَ بها، دَليلٌ على أنَّ الرُّجوعَ إلى الأهلِ ليسَ بشَرطٍ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ كلَّ صَومٍ لزِمه وجازَ في وَطنِه جازَ قبلَ ذلك كسائرِ الفُروضِ، وأمَّا الآيةُ فإنَّ اللهَ تَعالى جوَّز له تَأخيرَ الصِّيامِ
стр. 2844
الواجبِ، فلا يَمنعُ ذلك الإجزاءُ قبلَه، كتَأخيرِ صَومِ رَمضانَ في السَّفرِ والمَرضِ بقولِ اللهِ : ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] ولأنَّ الصَّومَ وُجد من أهلِه بعدَ وُجودِ سَببِه، فأجزَأه كصَومِ المُسافرِ والمَريضِ (١).
شُروطُ التَّمتُّعِ:
اشتَرط الفُقهاءُ عِدةَ شُروطٍ لصِحةِ التَّمتُّعِ، وبيانُها فيما يلي:
أ- تَقديمُ العُمرةِ على الحَجِّ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ المُتمتِّعَ يُشترَطُ عليه أنْ يُحرِمَ بالعُمرةِ قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ، ويَأتي بأعمالِ العُمرةِ قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ، فلو أحرَم بالعُمرةِ والحَجِّ معًا من الميقاتِ أو أدخَل الحَجَّ على العُمرةِ قبلَ الشُّروعِ في أعمالِهما يُصبِحُ قارِنًا.
إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: إذا طافَ للعُمرةِ أربَعةَ أشواطٍ قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ صحَّ تَمتُّعُه (٢).
ب- أنْ تَكونَ العُمرةُ في أشهُرِ الحَجِّ:
يُشترَطُ للتَّمتُّعِ أنْ تَكونَ عُمرتُه في أشهُرِ الحَجِّ، فإنِ اعتمَر في غيرِ أشهُرِ
стр. 2845
الحَجِّ وحلَّ منها قبلَ أشهُرِ الحَجِّ ثم أحرَم بالحَجِّ لا يَكونُ مُتمتِّعًا، وهذا باتَّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا فيما إذا أحرَم بها في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ وأتى بها أو ببعضِها في أشهُرِ الحَجِّ كمَن أحرَم بها في آخرِ يَومٍ من رَمضانَ وأدَّى أركانَها في أولِ شوَّالٍ هل يَكونُ مُتمتِّعًا أو لا؟
فقال الحَنفيةُ: يَصيرُ مُتمتِّعًا إذا أدَّى أكثرَ أفعالِ العُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ وإنْ أحرَم بها قبلَها.
فعلى هذا لو طافَ لِلعُمرةِ أربَعةَ أشواطٍ في أشهُرِ الحَجِّ يُعدُّ مُتمتِّعًا، وإنْ وقَع الإحرامُ والأشواطُ الثَّلاثةُ قبلَ أشهُرِ الحَجِّ (١).
وقال المالِكيةُ: يُشترَطُ فِعلُ بعضِ رُكنِ العُمرةِ ولو شَوطًا من السَّعيِ في وقتِ الحَجِّ، فمَن أدَّى شَوطًا من السَّعيِ وحلَّ من عُمرتِه في أشهُرِ الحَجِّ، ثم حجَّ من عامِه فهو مُتمتِّعٌ، وإنْ حلَّ من عُمرتِه قبلَ أشهُرِ الحَجِّ فليس بمُتمتِّعٍ (٢).
أمَّا الحَنابلةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ فاشترَطوا أنْ يَكونَ الإحرامُ بالعُمرةِ وأعَمالُها في أشهُرِ الحَجِّ، فلو أحرَم بها في غيرِ أشهُرِه لم يَكنْ مُتمتِّعًا، سَواءٌ وقعَت أفعالُها في أشهُرِ الحَجِّ أو في غيرِ أشهُرِه؛ لأنَّه أتَى
стр. 2846
بالإحرامِ -وهو نُسكٌ لا تَتمُّ العُمرةُ إلا به- في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ، فلم يَكنْ مُتمتِّعًا، كما لو طافَ في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ، وعلى هذا القولِ لا دَمَ عليه.
والقولُ الثاني لِلشافِعيَّةِ أنَّه لو أحرَم بالعُمرةِ في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ وأتَى بأفعالها في أشهُرِ الحَجِّ يَصيرُ مُتمتِّعًا ويَجبُ عليه دَمُ التَّمتُّعِ؛ لأنَّ عُمرتَه في الشَّهرِ الذي يَطوفُ فيه، واستِدامةُ الإحرامِ في أشهُرِ الحَجِّ بمَنزلةِ ابتِدائه فيها (١).
ج- كَونُ الحَجِّ والعُمرةِ في عامٍ واحدٍ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في التَّمتُّعِ أنْ تُؤدَّى العُمرةُ والحَجُّ في سَنةٍ واحِدةٍ، فإنِ اعتمَر في أشهُرِ الحَجِّ ولم يحُجَّ ذلك العامَ بل حجَّ العامَ القابِلَ فليس بمُتمتِّعٍ وإنْ بقِي على إحرامِه إلى السَّنةِ التاليةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا يَقتَضي المُوالاةَ بينَهما.
ولِما رَوى سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ قال: «كان أصحابُ رَسولِ اللهِ ﷺ يَعتمرونَ في أشهُرِ الحَجِّ، فإذا لم يحُجُّوا من عامِهم ذلك لم يُهْدوا».
ولأنَّ الدَّمَ إنَّما يَجبُ لتَركِ الإحرامِ بالحَجِّ من الميقاتِ، وهذا لم يَترُكِ الإحرامَ بالحَجِّ من الميقاتِ فإنَّه إنْ أقامَ بمكةَ صارَت مَكةُ ميقاتَه، وإنْ رجَع إلى بَلدِه وعادَ فقد أحرَم من الميقاتِ.
стр. 2847
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإنِ اعتمَر في أشهُرِ الحَجِّ ولم يحُجَّ ذلك العامَ بل حجَّ من العامِ القابِلِ فليس بمُتمتِّعٍ، لا نَعلمُ فيه خِلافًا إلا قَولًا شاذًّا عن الحَسنِ فيمَنِ اعتمَر في أشهُرِ الحَجِّ فهو مُتمتِّعٌ، حجَّ أو لم يحُجَّ، والجُمهورُ على خِلافِ هذا؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وهذا يَقتَضي الموالاةَ بينَهما.
ولأنَّ العُلماءَ أجمَعوا على أنَّ مَنْ اعتمَر في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ ثم حجَّ من عامِه ذلك فليس بتَمتُّعٍ، فهذا أوْلى من التَّباعُدِ بينَهما أكثرَ (١).
د- عَدمُ السَّفرِ بينَ العُمرةِ والحَجِّ:
اختلَفت عِباراتُ الفُقهاءِ في بَيانِ هذا الشَّرطِ.
فَقال الحَنفيةُ: يُشترَطُ أنْ يَكونَ طَوافُ العُمرةِ كلُّه أو أكثرُه وطَوافُ الحَجِّ في سَفَرٍ واحدٍ، فإنْ عادَ المُتمتِّعُ إلى بَلدِه بعدَ العُمرةِ ولم يَكنْ ساقَ الهَديَ بطَل تَمتَّعُه؛ لأنَّه ألَمَّ بأهلِه إلمامًا صَحيحًا فانقَطعَ حُكمُ السَّفرِ الأولِ.
ولو رجَع إلى أهلِه قبلَ إتمامِ الطَّوافِ ثم عادَ وحَجَّ، فإنْ كان أكثرُ الطَّوافِ في السَّفرِ الأولِ لم يَكنْ مُتمتِّعًا، وإنْ كان أكثرُه في السَّفرِ الثاني كان مُتمتِّعًا.
стр. 2848
قال ابنُ عابدينَ ﵀: وهذا الشَّرطُ على قولِ مُحمدٍ خاصَّةً، على ما في المَشاهيرِ (١).
وقال المالِكيةُ: يُشترَطُ عَدمُ رُجوعِه بعدَ عُمرتِه إلى بَلدِه أو إلى مِثلِ بَلدِه في البُعدِ عن مكةَ، فإنْ رجَع لم يَكنْ مُتمتِّعًا، ولو كان بَلدُه في أرضِ الحِجازِ.
وأما لو رجَع إلى أقلَّ من بَلدِه ثم حجَّ فإنَّه يَكونُ مُتمتِّعًا، إلا أنْ يَكونَ بَلدُه بَعيدًا كإفريقيَّةَ، فإنَّ هذا إذا رجَع إلى مِصرَ بعدَ فِعلِ عُمرتِه قبلَ حَجِّه وعادَ وأحرَم بالحَجِّ لا يَكونُ مُتمتِّعًا (٢).
وقال الشافِعيةُ: يُشترَطُ ألَّا يَعودَ إلى الميقاتِ، فلو عادَ إلى الميقاتِ الذي أحرَم بالعُمرةِ منه أو إلى مَسافةِ مِثلِه وأحرَم بالحَجِّ لا يَكونُ مُتمتِّعًا ولا يَلزمُه دَمٌ بالاتِّفاقِ.
ولو أحرَم به من مكةَ ثم ذهَب إلى الميقاتِ مُحرِمًا ففي سُقوطِ الدَّمِ فيه خِلافٌ، كالخِلافِ فيمَن جاوَز الميقاتَ غيرَ مُحرِمٍ ثم عادَ إليه مُحرِمًا.
قالوا: ولو عادَ إلى ميقاتٍ أقربَ منه إلى مكةَ من ميقاتِ عُمرتِه وأحرَم
стр. 2849
منه، بأن كان ميقاتُ عُمرتِه الجُحفةَ فعادَ إلى ذاتِ عِرقٍ، فهل هو كالعَودِ إلى ميقاتِ عُمرتِه؟ وَجهانِ:
أحدُهما: لا، وعليه دَمٌ.
قال النَّوويُّ: وأصحُّهما: نَعمْ؛ لأنَّه أحرَم من مَوضعٍ ليسَ ساكِنوه من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ، وهذا اختيارُ القَفال والمُعتبَرينَ.
وقطَع الفُورانيُّ بأنَّه لو سافَر بعدَ عُمرتِه من مكةَ سَفرًا تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ ثم حجَّ من سَنتِه فلا دَمَ عليه (١).
وقال الحَنابلةُ: يُشترَطُ ألَّا يُسافرَ بينَ العُمرةِ والحَجِّ سَفرًا بَعيدًا تُقصَرُ في مِثلِه الصَّلاةُ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لِما رُوي عن عُمرَ ﵁ أنَّه قال: «إذا اعتمَر في أشهُرِ الحَجِّ ثم أقامَ فهو مُتمتِّعٌ، فإنْ رجَع فليسَ بمُتمتِّعٍ» (٢).
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ نحوُ ذلك، ولأنَّه إذا رجَع إلى الميقاتِ أو ما دونَه لزِمه الإحرامُ منه، فإنْ كان بَعيدًا فقَد أنشَأ سَفرًا بَعيدًا لحَجِّه، فلم يَترَفَّه بأحدِ السَّفرَين؛ فلم يَلزمْه دَمٌ كمَوضعِ الوِفاقِ، والآيةُ تَناولَت المُتمتِّعَ، وهذا ليسَ بمُتمتِّعٍ بدَليلِ قولِ عُمرَ (٣).
стр. 2850
وقال الحَسنُ وابنُ المُنذرِ: هو مُتمتِّعٌ وإنْ رجَع إلى بَلدِه؛ لعُمومِ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] (١).
ومِن طَريقِ ابنِ أبي شَيبةَ نا وَكيعٌ، وحَفصُ بنُ غِياثٍ قال حَفصٌ: عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن نافِعٍ عن ابنِ عُمرَ، وقال وَكيعٌ: عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ قالا جميعًا: من اعتمَر في أشهُرِ الحَجِّ ثم رجَع فليسَ بمُتمتِّعٍ، ذاكَ من أقامَ ولم يَرجع. وبه إلى وكيعٍ نا سُفيانُ الثَّوريُّ عن المُغيرةِ، ويَحيَى بنِ سَعيدٍ الأنصاريِّ قال المُغيرةُ: عن إبراهيمَ النَّخعيِّ، وقال يَحيَى: عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ قالا جميعًا: مثلَ قولِ عُمرَ (٢).
هـ- التَّحلُّلُ من العُمرةِ قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ:
يُشترَطُ لِلمُتمتِّعِ أنْ يَحلَّ من إحرامِه العُمرةِ قبلَ إحرامِه بالحَجِّ، فإنْ أدخَل الحَجَّ على العُمرةِ قبلَ حلِّه مِنها صارَ قارِنًا وليسَ مُتمتِّعًا، وهذا مَحلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ في الجُملةِ، إلا أنَّ الحَنفيةَ قالوا: إنَّ هذا الشَّرطَ لمن لم يَسُقِ الهَديَ، أمَّا من ساقَ الهَديَ فلا يَحلُّ من إحرامِ العُمرةِ إلى أنْ يُحرِمَ يومَ التَّرويةِ أو قبلَه للحَجِّ كما يُحرِمُ أهلُ مكةَ، فإذا حلَق يومَ النَّحرِ حلَّ من الإحرامَين (٣).
стр. 2851
و- ألَّا يَكونَ من حاضِري المَسجدِ الحِرامِ:
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ دَمَ التَّمتُّعِ لا يَجبُ على حاضِري المَسجدِ الحَرامِ، إذْ قَدْ نصَّ اللهُ تَعالى في كتابِه بقولِه : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنَّ حاضِرَ المَسجدِ الحَرامِ ميقاتُه مَكةُ، فلم يَحصلْ له التَّرفُّه بأحدِ السَّفرَين، ولأنَّه أحرَم بالحَجِّ من ميقاتِه، فأشبَه المُفرِدَ (١).
إلا أنَّهم اختلَفوا، هل عليه دَمُ جَبرٍ -جِنايَةٍ- أو لا؟
فذهَب الجُمهورُ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا دَمَ عليه.
وقال الحَنفيةُ: عليه دَمُ جَبرٍ -جِنايَةٍ- لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. فأباحَ التَّمتُّعَ لِمن لم يَكنْ أهلُه حاضِري المَسجدِ الحَرامِ خاصَّةً، ولأنَّ المُتمتِّعَ شُرِعَ له ألَّا يُلِمَّ بأهلِه، فلم يَكنْ له ذلك، ولأنَّ الغَريبَ إذا تَمتَّع لزِمه دَمٌ، والمَكيُّ إذا تَمتَّع فلا دَمَ عليه، وهذا يَدلُّ على أنَّ نُسكَه ناقِصٌ عن نُسكِ الغَريبِ، فكُره له فِعلُه ولزِمه الدَّمُ جُبرانًا (٢).
стр. 2852
المُرادُ بحاضِري المَسجدِ الحَرامِ:
اختلَف الفُقهاءُ في: مَنْ هُمْ حاضِرو المَسجدِ الحَرامِ؟
فذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ المُراد بحاضِري المَسجدِ الحَرامِ أهلُ مكةَ وأهلُ الحِلِّ الذينَ مَنازِلُهم في داخلِ المَواقيتِ (١).
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ المَقصودَ بحاضِري المَسجدِ الحَرامِ إنَّما هُمْ أهلُ مكةَ وذي طوًى لا غيرُهم (٢).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ حاضِري المَسجدِ الحَرامِ أهلُ الحَرمِ ومَن بينَه وبينَ مكةَ دونَ مَسافةِ القَصرِ، هذه عِبارةُ الحَنابلةِ، وقال الشافِعيةُ: حاضِرو المَسجدِ الحَرامِ أهلُ الحَرمِ ومَن بينَه وبينَه مَسافةٌ لا تُقصَرُ فيها الصَّلاةُ (٣)(٤).
إذا دخَل الآفاقيُّ مُتمتِّعًا ونَوى الإقامةَ بمكةَ:
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فإذا دخَل الآفاقيُّ مكةَ مُتمتِّعًا ناويًّا لِلإقامةِ بها بعدَ تَمتُّعِه فعليه دَمُ المُتعةِ.
قال ابنُ المُنذرِ: أجمَع على هذا كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ (١)، ولو كان الرَّجلُ مَنشَؤُه ومَولِدُه بمكةَ فخرَج عنها مُتنقِّلًا مُقيمًا بغيرِها ثم عادَ إليها مُتمتِّعًا ناويًّا لِلإقامةِ بها أو غيرَ ناوٍ لذلك فعليه دَمُ المُتعةِ؛ لأنَّه خرَج بالانتِقالِ
стр. 2855
عنها عن أنْ يَكونَ من أهلِها، وبِذلك قال مالكٌ والشافِعيُّ وإسحاقُ، وذلك لأنَّ حُضورَ المَسجدِ الحَرامِ إنَّما يَحصلُ بنِيةِ الإقامةِ وفِعلِها، وهذا إنَّما نَوى الإقامةَ إذا فرَغ من أفعالِ الحَجِّ؛ لأنَّه إذا فرَغ من عُمرتِه فهو ناوٍ لِلخُروجِ إلى الحَجِّ، فكأنَّه إنَّما نَوى أنْ يُقيمَ بعدَ أنْ يَجبَ عليه الدَّمُ.
فأمَّا إنْ خرَج المَكيُّ مُسافِرًا غيرَ مُتنقِّلٍ ثم عاد فاعتمَر من الميقاتِ أو قصَّر وحَجَّ من عامِه فلا دَمَ عليه؛ لأنَّه لم يَخرجْ بهذا السَّفرِ عن كَونِ أهلِه من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ.
ثم قال: (فَصلٌ) وهذا الشَّرطُ لوُجوبِ الدَّمِ عليه، وليس بشَرطٍ لكَونِه مُتمتِّعًا، فإنَّ مُتعةَ المَكيِّ صَحيحةٌ؛ لأنَّ التَّمتُّعَ أحدُ الأنساكِ الثَّلاثةِ، فصحَّ من المَكيِّ كالنُّسكَين الآخَريْن، ولأنَّ حَقيقةَ التَّمتُّعِ هي أنْ يَعتمرَ في أشهُرِ الحَجِّ ثم يحُجَّ من عامِه، وهذا مَوجودٌ في المَكيِّ.
وقد نُقل عن أحمدَ: ليس على أهلِ مكةَ مُتعةٌ، ومعناه ليس عليهم دَمُ المُتعةِ؛ لأنَّ المُتعةَ له لا عليه، فيَتعيَّنُ حَملُه على ما ذكَرناه.
ثم قال: (فَصلٌ) إذا ترَك الآفاقيُّ الإحرامَ من الميقاتِ أو أحرَم من دونِه بعُمرةٍ ثم حلَّ منها وأحرَم بالحَجِّ من مكةَ من عامِه فهو مُتمتِّعٌ عليه دَمانِ؛ دَمُ المُتعةِ ودَمٌ لإحرامِه من دونِ ميقاتِه.
قال ابنُ المُنذرِ وابنُ عبدِ البرِّ: أجمَع العُلماءُ على أنَّ من أحرَم في أشهُرِ الحَجِّ بعُمرةٍ وحلَّ منها، ولم يَكنْ من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ ثم أقامَ بمكةَ حَلالًا، ثم حجَّ من عامِه، مُتمتِّعٌ عليه دَمٌ.
стр. 2856
وقال القاضي: إذا تَجاوَز الميقاتَ حتى صارَ بينَه وبينَ مكةَ أقلُّ من مَسافةِ القَصرِ فأحرَم منه فلا دَمَ عليه للمُتعةِ؛ لأنَّه من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ وليس هذا بجَيِّدٍ، فإنَّ حُضورَ المَسجدِ الحَرامِ إنَّما يَحصلُ بالإقامةِ به، وهذا لم يَحصلْ منه الإقامةُ ولا نيَّتُها، ولأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وهذا يَقتَضي أنْ يَكونَ المانِعُ من الدَّمِ السُّكنَى به، وهذا ليس بساكِنٍ.
وإنْ أحرَم الآفاقيُّ بعُمرةٍ في غيرِ أشهُرِ الحَجِّ ثم أقامَ بمكةَ فاعتمَر من التَّنعيمِ في أشهُرِ الحَجِّ وحَجَّ من عامِه فهو مُتمتِّعٌ عليه دَمٌ، نصَّ عليه أحمدُ.
وفي تَنصيصِه على هذه الصُّورةِ تَنبيهٌ على إيجابِ الدَّمِ في الصُّورةِ الأُولى بطَريقةِ الأوْلى، وذكَر القاضي أنَّ مِنْ شَرطِ وُجوبِ الدَّمِ أنْ يَنويَ في ابتِداءِ العُمرةِ أو في أثنائها أنَّه مُتمتِّعٌ، وظاهرُ النصِّ يَدلُّ على أنَّ هذا غيرُ مُشترَطٍ فإنَّه لم يَذكُره، وكذلك الإجماعُ الذي ذكَرناه مُخالِفٌ لهذا القولِ، ولأنَّه قد حصَل له التَّرفُّهُ بسُقوطِ أحدِ السَّفرَين فلزِمه الدَّمُ كمَن لم يَنوِ (١).
ز- عَدمُ إفسادِ العُمرةِ أو الحَجِّ:
صرَّح الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ بأنَّ من شُروطِ التَّمتُّعِ عَدمُ إفسادِ العُمرةِ أو الحَجِّ، فإذا أفسدَهما لا يُعدُّ مُتمتِّعًا، وليس عليه دَمُ التَّمتُّعِ؛ لأنَّه لم يَحصلْ له التَّرفُّهُ بسُقوطِ أحدِ السَّفرَين.
стр. 2857
والمَشهورُ عندَ الحَنابلةِ أنَّه إذا أفسَد القارِنُ والمُتمتِّعُ نُسكَيهما لم يَسقطِ الدَّمُ عنهما.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وبه قال مالكٌ والشافِعيُّ؛ لأنَّ ما وجَب في النُّسكِ الصَّحيحِ وجَب في الفاسدِ كالأفعالِ (١).
شُروطُ القِرانِ:
الشَّرطُ الأولُ: أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ قبلَ طَوافِ العُمرةِ:
وذلك فيما إذا أحرَم بالعُمرةِ ثم أحرَم بالحَجِّ فأدخَله على العُمرةِ، فإنَّ إحرامَه هذا صَحيحٌ، ويُصبِحُ قارِنًا، بشَرطِ أنْ يَكونَ طَوافُه بالبَيتِ قبلَ طَوافِ العُمرةِ.
قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وجُمهورُ العُلماءِ مُجمِعونَ على أنَّه إذا أدخَل الحَجَّ على العُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ قبلَ الطَّوافِ بالبَيتِ جائزٌ ويَكونُ قارِنًا ويَلزمُه ما يَلزمُ مَنْ أهلَّ بهما معًا (٢).
وقال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّه من دخَل مكةَ بعُمرةٍ في أشهُرِ الحَجِّ يُدخِلُ عليها الحَجَّ ما لم يَفتتِحِ الطَّوافَ بالبَيتِ (٣).
стр. 2858
وقال القُرطبيُّ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ لِمن أهلَّ بعُمرةٍ في أشهُرِ الحَجِّ أنْ يُدخِلَ عليها الحَجَّ ما لم يَفتتِحِ الطَّوافَ بالبَيتِ، ويَكونُ قارِنًا بذلك، يَلزمُه ما يَلزمُ القارِنَ الذي أنشَأ الحَجَّ والعُمرةَ معًا (١).
ومما يَدلُّ على جوازِ ذلك حَديثُ عائشةَ ﵂ في حَجةِ النَّبيِّ ﷺ ، وفيه قولُها: وكُنتُ ممَّن أهلَّ بعُمرةٍ، فحِضتُ قبلَ أنْ أدخُلَ مكةَ، فأدرَكني يومُ عَرفةَ وأنا حائضٌ، فشَكَوتُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقال: «دَعي عُمرتَكِ وانقُضي رَأسَكِ وامتَشِطي وأهِلِّي بالحَجِّ» ففَعَلتُ … الحَديثَ (٢).
أمَّا إذا أحرَم بالحَجِّ ثم أدخَل العُمرةَ على الحَجِّ فإنَّه لا يَصحُّ إحرامُه بالعُمرةِ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الجَديدِ والحَنابلةِ في المَذهبِ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ وابنِ المُنذرِ؛ لِما رَوى الأثرَمُ بإسنادِه عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ نَصرٍ عن أبيه، قال: «خرَجتُ أُريدُ الحَجَّ، فقَدِمتُ المَدينةَ، فإذا عَليٌّ قَدْ خرَج حاجًّا، فأهلَلتُ بالحَجِّ، ثم خَرَجتُ، فأدرَكتُ عَليًّا في الطَّريقِ، وهو يُهلُّ بعُمرةٍ وحَجَّةٍ، فقلتُ: يا أبا الحَسنِ، إنَّما خرَجتُ من الكُوفةِ لِأقتَديَ بكَ، وقَد سبَقتَني، فأهلَلتَ بالحَجِّ، أفَأستَطيعُ أنْ أدخُلَ مَعَكَ فيما أنتَ فيهِ؟ قال: لا، إنَّما ذلك لو كُنْتَ أهلَلتَ بعُمرةٍ (٣).
стр. 2859
ولأنَّ إدخال العُمرةِ على الحَجِّ لا يُفيدُه إلا ما أفادَه العَقدُ الأولُ، فلَم يَصِح، كما لو استأجَره على عَملٍ، ثم استأجَره عليه مَرةً أُخرى في المُدةِ، وعَكسُه إدخالُ الحَجِّ على العُمرةِ (١).
وذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في القَديمِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى صِحةِ هذا الإحرامِ؛ لأنَّه أحدُ النُّسكَين، فجازَ إدخالُه على الآخَرِ قياسًا على إدخالِ الحَجِّ على العُمرةِ، ويَصيرُ قارِنًا مع كَونِه مَكروهًا (٢).
الشَّرطُ الثاني: أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ قبلَ فَسادِ العُمرةِ:
إذا أحرَم بالعُمرةِ ثم أرادَ أنْ يُحرِمَ بالحَجِّ عليها ويُحرِمَ به فوقَها فقد اشترَط جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ؛ لصِحةِ الإردافِ أنْ تَكونَ العُمرةُ صَحيحةً.
стр. 2860
قال الحَنفيةُ: عَدمُ فَسادِ العُمرةِ شَرطٌ لِصِحةِ القِرانِ (١).
قال الدُّسوقيُّ ﵀: إنْ فسَدَت -أي: العُمرةُ- لا يَرتدِفُ الحَجُّ عليها عندَ ابنِ القاسِمِ، ولا يَنعقِدُ إحرامُه بالحَجِّ، ولا قَضاءَ عليه فيه، قاله سَندٌ، وهو باقٍ على عُمرتِه، ولا يحُجُّ حتى يَقضيَها، فإنْ أحرَم بالحَجِّ بعدَ تَمامِها وقبلَ قَضائها صحَّ حَجُّه، ولو فسدَت في أشهُرِ الحَجِّ ثم حجَّ من عامِه قبلَ قَضائها فتَمتُّعُه وحَجُّه تامَّانِ وعليه قَضاءُ عُمرتِه (٢).
وزادَ الشافِعيةُ اشتِراطَ أنْ يَكونَ إدخالُ الحَجِّ على العُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ (٣).
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَطوفَ للعُمرةِ الطَّوافَ كلَّه أو أكثرَه في أشهُرِ الحَجِّ عندَ الحَنفيةِ وغيرِهم.
الشَّرطُ الرابعُ: أنْ يَكونَ قبلَ الشُّروعِ في طَوافِ العُمرةِ:
اختلَف الفُقهاءُ هل يُشترَطُ أنْ يَكونَ إدخالُ الحَجِّ على العُمرةِ قبلَ الشُّروعِ في طَوافِ العُمرةِ أو يَجوزُ بعدَ الشُروعِ في الطَّوافِ؟
فذهَب الشافِعيةُ وأشهَبُ وابنُ عبدِ البرِّ من المالِكيةِ إلى أنَّه يُشترَطُ أنْ يَكونَ إدخالُ الحَجَّ على العُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ قبلَ الشُّروعِ في طَوافِ العُمرةِ.
стр. 2861
قال الشافِعيةُ: يَصحُّ إدخالُ الحَجِّ على العُمرةِ قبلَ الشُّروعِ في الطَّوافِ، فلو شرَع في الطَّوافِ ولَو بخُطوةٍ فإنَّه لا يَصحُّ إحرامُه بالحَجِّ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وقال أشهَبُ: من طافَ لعُمرتِه ولو شَوطًا واحِدًا لم يَكنْ له إدخالُ الحَجِّ عليها.
وهذا هو الصَّوابُ إنْ شاءَ اللهُ (١).
وقال الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ: إنْ أدخَل الحَجَّ على العُمرةِ وقَد طافَ شيئًا قَليلًا على ألَّا يَتجاوَز أقَلَّ أشواطِ طَوافِ العُمرةِ، أي ثَلاثةَ أشواطٍ فما دونَ ذلك، يَصحُّ هذا الإردافُ ويَصيرُ قارِنًا، ويُتابِعُ على ذلك وتَندرِجُ العُمرةُ في الحَجِّ، لكنْ خصَّ الحَنفيةُ ذلك بالآفاقيِّ فقط، دونَ المَكيِّ.
أمَّا إنْ أدخَل الحَجَّ على العُمرةِ بعدَ إكمالِ طَوافِ العُمرةِ قبلَ التَّحلُّلِ فقال الحَنفيةُ: يَصحُّ لِلآفاقيِّ، ويَكونُ قارِنًا، أمَّا إنْ كان مَكيًّا (أي: ميقاتيًّا) وجَب عليه رَفضُ أحدِ النُّسكَين، إلا أنَّهم اختلَفوا في أيِّ الرَّفضَين أوْلى.
أمَّا المالِكيةُ فقد فصَّلوا تَفصيلًا آخرَ، فقالوا:
أ- إردافُ الحَجِّ على العُمرةِ بعدَ طَوافِها قبلَ رَكعتَيِ الطَّوافِ مَكروهٌ، فإنْ فعَله صحَّ ولزِمه، وصارَ قارِنًا، وعليه دَمُ القِرانِ.
ب- إردافُ الحَجِّ على العُمرةِ بعدَ أنْ طافَ وصلَّى رَكعتَيِ الطَّوافِ قبلَ السَّعيِ مَكروهٌ، ولا يَصحُّ، ولا يَكونُ قارِنًا.
стр. 2862
وكذلك الإردافُ في السَّعيِ، إنْ سعَى بعضَ السَّعيِ وأردَف الحَجَّ على العُمرةِ كُره له ذلك، فإنْ فعَل فليَمضِ على سَعيِه فيَحلَّ، ثم يَستأنِفُ الحَجَّ، سَواءٌ أكانَ من أهلِ مكةَ أو غيرِها.
وحيثُ إنَّ الإردافَ لم يَصحَّ بعدَ الرُّكوعِ وقبلَ السَّعيِ أو في أثنائه فلا يَلزمُ قَضاءُ الإحرامِ الذي أردَفه على المَشهورِ.
ج- إردافُ الحَجِّ على العُمرةِ بعدَ السَّعيِ للعُمرةِ قبلَ الحَلقِ لا يَجوزُ الإقدامُ عليه ابتِداءً؛ لأنَّه يَستلزِمُ تأخيرَ الحَلقِ، فإنْ أقدَم على إردافِ الإحرامِ في هذه الحالِ فإنَّ إحرامَه صَحيحٌ، وهذا حَجٌّ مُستأنَفٌ، ويَحرمُ عليه الحَلقُ للعُمرةِ؛ لإخلالِه بإحرامِ الحَجِّ، ويَلزمُه هَديٌ لتَأخيرِ حَلقِ العُمرةِ الذي وجَب عليه بسَببِ إحرامِه بالحَجِّ، ولا يَكونُ قارِنًا ولا مُتمتِّعًا إنْ أتَمَّ عُمرتَه قبلَ أشهُرِ الحَجِّ؛ بل يَكونُ مُفرِدًا، وإنْ فعَل بعضَ رُكنِها في وقتِ الحَجِّ يَكونُ مُتمتِّعًا.
ولو قدَّم الحَلقَ بعدَ إحرامِه بالحَجِّ وقبلَ فراغِه من أعمالِ الحَجِّ لا يُفيدُه في سُقوطِ الهَديِ، وعليه حينَئذٍ فِديةٌ أيضًا، وهي فِديةُ إزالةِ الأذى عندَ المالِكيةِ على المَشهورِ (١).
стр. 2863
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يَصحُّ إدخالُ الحَجِّ على العُمرةِ بعدَ الطَّوافِ، وبعدَ السَّعيِ لا يَصحُّ من بابِ أوْلى.
إلا أنَّ الحَنابلةَ في المَذهبِ استَثنَوا مَنْ كان معه هَديٌ، قال في «مَطالب أُولي النُّهى»: يَصحُّ إدخال الحَجِّ على العُمرةِ ممَّن معه هَديٌ ولو بعدَ سَعيِها؛ بل يَلزمُه كما يَأتي؛ لأنَّه مُضطَرٌّ إليه لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، ويَصيرُ قارِنًا على المَذهبِ، جزَم به في «المُبدِعِ» و «الشَّرحِ» و «شَرحِ المُنتَهى» هُنا، وهو مُقتَضى كَلامِه في «الإنصافِ»، وقال في «الفُروعِ» و «شَرحِ المُنتَهى» في مَوضعٍ آخرَ: لا يَصيرُ قارِنًا، ولو كان إدخالُ الحَجِّ على العُمرةِ بغيرِ أشهُرِ الحَجِّ يَصحُّ على المَذهبِ لصِحةِ الإحرامِ به قبلَها (١).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَطوفَ للعُمرةِ كلَّ الأشواطِ أو أكثرَها قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ، وهذا عندَ الحَنفيةِ؛ لقولِهم: إنَّ القارِنَ يَطوفُ طَوافَين ويَسعى سَعيَين (٢).
الشَّرطُ السادِسُ: أنْ يَصونَهما عن الإفسادِ: فلو أفسدَها بأنْ جامَع قبلَ الوُقوفِ وقبلَ أكثرِ طَوافِ العُمرةِ بطَل قِرانُه وسقَط عنه دَمُ
стр. 2864
القِرانِ عندَ الحَنفيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ، ويَلزمُه مُوجِبُ الفَسادِ، أمَّا إذا جامَع بعدَما طافَ لعُمرتِه أربَعةَ أشواطٍ، فقد فسَد حَجُّه دونَ عُمرتِه، وسقَط عنه دَمُ القِرانِ، ولزِمه مُوجِبُ فَسادِ الحَجِّ عندَ الحَنفيةِ تَبعًا لمَذهبهم في أركانِ القِرانِ.
لكنَّ المَشهورَ عندَ الحَنابلةِ أنَّه إذا أفسَد القارِنُ والمُتمتِّعُ نُسكَيهما لم يَسقُطِ الدَّمُ عنهما.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وبه قال مالكٌ والشافِعيُّ؛ لأنَّ ما وجَب في النُّسكِ الصَّحيحِ وجَب في الفاسِدِ (١).
الشَّرطُ السابِعُ: ألَّا يَكونَ من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى صِحةِ التَّمتُّعِ والقِرانِ من المَكيِّ ومَن في حُكمِه، وهو حاضِرُ المَسجدِ الحَرامِ، ولا يُكرهُ له فِعلُهما، ولا يَلزمُه دَمُ القِرانِ ولا التَّمتُّعِ -كما سبَق-؛ لأنَّ ما كان من النُّسكِ قُربةً وطاعةً في حقِّ غيرِ المَكيِّ كان قُربةً وطاعةً في حقِّ المَكيِّ كالإفرادِ، ولأنَّه لا يَلزمُه في الأصلِ سَفَرانِ، فسقَط أحدُهما، وهذا هو الأصلُ في وُجوبِ الدَّمِ.
وقالوا: إنَّ اسمَ الإشارةِ في قولِ اللهِ تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ
стр. 2865
حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، يَرجعُ إلى قولِه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، والمَعنى: ذلك الحُكمُ -وهو وُجوبُ الهَديِ على من تَمتَّع، وهو يَشملُ القِرانَ- إذا لم يَكنْ من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ، فإذا كان من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ فلا هَديَ عليه، وقِرانُه وتَمتُّعُه صَحيحانِ (١).
وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ المَكيَّ ومَن في حُكمِه يُفرِدُ فقط، ولو قرَن أو تمتَّع جازَ وأساءَ، وعليه دَمُ جَبرٍ، ولا يُجزِئُه الصَّومُ، فاشترَطوا للقارِنِ والمُتمتِّعِ ألَّا يَكونَ من حاضِري المَسجدِ الحَرامِ، وقالوا: إنَّ المُرادَ ب «ذلك»، الوارِدةِ في قولِه تَعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، التَّمتُّعُ بالعُمرةِ إلى الحَجِّ، وهو يَشملُ القِرانَ والتَّمتُّعَ لِمن لم يَكنْ أهلُه حاضِري المَسجدِ الحَرامِ، فدلَّت على أنَّه لا قِرانَ ولا تَمتُّعَ له، ولو كان المُرادُ الهَديَ لَقال: ذلك على مَنْ لم يَكنْ أهلُه حاضِري المَسجدِ الحَرامِ.
ولأنَّ اللهَ شرَع التَّمتُّعَ والقِرانَ للتَّرفُّهِ بإسقاطِ إحدَى السَّفرتَين، وهذا في حقِّ الآفاقيِّ، ومن كان في داخلِ الميقاتِ فهو بمَنزلةِ المَكيِّ، فلا يَكونُ له تَمتُّعٌ ولا قِرانٌ.
стр. 2866
ويَدلُّ للحَنفيةِ ما رَواه البُخاريُّ (١) عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه سُئل عن مُتعةِ الحَجِّ، فقال: «أهلَّ المُهاجِرونَ والأنصارُ وأزواجُ النَّبيِّ ﷺ في حَجةِ الوَداعِ … إلى أنْ قال: فجمَعوا نُسكَين في عامٍ بينَ الحَجِّ والعُمرةِ، فإنَّ اللهَ تَعالى أنزَلَه في كِتابِه وسُنةِ نَبيِّه ﷺ ، وأباحَه لِلناسِ غيرِ أهلِ مكةَ، قال اللهُ : ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وبقولِ الحَنفيةِ في القارِنِ قال عبدُ المَلِكِ بنُ الماجشونِ من أصحابِ مالكٍ» (٢).
الشَّرطُ الثامِنُ: عَدمُ فَواتِ الحَجِّ، فلو فاتَه الحَجُّ بعدَ أنْ أحرَم بالقِرانِ لم يَكنْ قارِنًا، وسقَط عنه الدَّمُ (٣).
كَيفيَّةُ القِرانِ:
هي أنْ يُحرِمَ بالنُّسكَين معًا -الحَجِّ والعُمرةِ- أو يُحرِمَ بالعُمرةِ في أشهُرِ الحَجِّ، ثم يُردِفَ ذلك بالحَجِّ قبلَ أنْ يَطوفَ لِلعُمرةِ أو يَحلَّ منها على الخِلافِ المُتقدِّمِ (٤).
стр. 2867
وميقاتُ إحرامِ القارِنِ هو ميقاتُ إحرامِ المُفرِدِ عندَ الجُمهورِ.
وقال المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ: ميقاتُ القارِنِ هو ميقاتُ العُمرةِ، وعلى ذلك فمَن كان آفاقيًّا فإنَّه يُحرِمُ من الميقاتِ الخاصِّ به، ومَن كان غيرَ ذلك فلا قِرانَ عندَ الحَنفيةِ -كما تقدَّم- وله عندَ الجُمهورِ القِرانُ، ولا دَمَ عليه، فيُحرِمُ من مَوضعِه إلا عندَ المالِكيةِ، فيَجبُ أنْ يَخرجَ إلى الحِلِّ فيُحرِمَ بالقِرانِ (١).
كَيفيَّةُ الإحرامِ المُستحبَّةُ:
مَنْ أرادَ أنْ يُحرِمَ بحَجٍّ أو عُمرةٍ أو بهما معًا يُستحبُّ له إزالةُ التَّفثِ عن جِسمِه، وأنْ يَغتسِلَ بنيَّةِ الإحرامِ، وإذا كان جُنبًا يَكفيه غُسلٌ واحِدٌ بنِيةِ إزالةِ الجَنابةِ والإحرامِ، وأنْ يَتطيَّبَ، والأوْلى أنْ يَتطيَّبَ بطِيبٍ لا يَبقى جُرمُه، ثم يَلبَسَ ثَوبَين نَظيفَين جَديدَين أو غَسيلَين، على ألَّا يَكونا مَصبوغَين بصِبغٍ له رائحةٌ -وأمَّا المَرأةُ فتَلبَسُ ما يَستُرُ عَورتَها إلا وَجهَها وكَفَّيها، فلا تَنتقِبُ ولا تَلبَسُ القُفازَين- ثم يُصلِّيَ رَكعتَين بنيَّةِ الإحرامِ، فإنْ أتمَّهما نَوى بقَلبِه وقال بلِسانِه: اللَّهمَّ إنِّي أُريدُ الحَجَّ فيسِّرْه لي وتَقبَّلْه مِنِّي، ثم يُلبِّيَ.
وإذا كان يُريدُ العُمرةَ، يَقولُ: اللَّهمَّ إنِّي أُريدُ العُمرةَ، فيسِّرْها لي وتَقبَّلْها مِنِّي، ثم يُلبِّي.
стр. 2868
وإنْ كان قارِنًا يُستحبُّ أنْ يُقدِّمَ ذِكرَ العُمرةِ على ذِكرِ الحَجِّ حتى لا يُشتبَهَ أنَّه أدخَل العُمرةَ على الحَجِّ، ويَقولَ: اللَّهمَّ إنِّي أُريدُ العُمرةَ والحَجَّ … إلخ، ويُلبِّيَ، فيَصيرَ بذلك مُحرِمًا، ويَجريَ عليه أحكامُ الإحرامِ.
وإذا كان يُؤدِّي الحَجَّ والعُمرةَ عن غيرِه فلا بدَّ أنْ يُعيِّنَ ذلك بقَلبِه ولِسانِه، فيَقولَ: لبَّيكَ الحَجَّ عن فُلانٍ.
ويُسنُّ له الإكثارُ من التَّلبيةِ، وأفضلُ صيَغِها الصِّيغةُ المَأثورةُ: «لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلكَ، لا شَريكَ لكَ» (١).
ويُستحبُّ ألَّا يُنقِصَ منها (٢).
قال الطَّحاويُّ والقُرطبيُّ: أجمَع العُلماءُ على هذه التَّلبيةِ.
وقال القاضي عِياضٌ: قال أكثرُ العُلماءِ: المُستحبُّ الاقتِصارُ على تَلبيةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، وبه قال مالكٌ والشافِعيُّ، واللهُ أعلمُ (٣).
стр. 2869
صِفةُ أداءِ الحَجِّ بكَيفيَّاتِه كلِّها:
ونُقسِّمُ أعمالَ الحَجِّ لتَسهيلِ فَهم أدائها إلى قِسمَين، هُما:
أ- أعمالُ الحَجِّ حتى قُدومِ مكةَ.
ب- أعمالُ الحَجِّ بعدَ قُدومِ مكةَ.
أولاً: أعمالُ الحَجِّ حتى قُدومِ مكةَ:
مَنْ أرادَ الحَجَّ فإنَّه يَشرَعُ في الاستِعدادِ لِلإحرامِ، ويَنوي في إحرامِه الكَيفيَّةَ التي يُريدُ أداءَ الحَجِّ عليها، فإنْ أرادَ الإفرادَ نَوى الحَجَّ، وإنْ أرادَ القِرانَ نَوى العُمرةَ والحَجَّ، وإنْ أرادَ التَّمتُّعَ نَوى العُمرةَ فقط، كما تَقدَّم.
فإذا دخَل مكةَ بادَرَ إلى المَسجدِ الحَرامِ وتَوجَّه إلى الكَعبةِ المُعظَّمةِ بغايةِ الخُشوعِ والإجلالِ، ويَبدَأُ بالطَّوافِ من الحَجَرِ الأسوَدِ، فيَطوفُ سَبعةَ أشواطٍ، وهذا الطَّوافُ هو طَوافُ القُدومِ للمُفرِدِ بالحَجِّ، وهو طَوافُ العُمرةِ لمَن أحرَم مُتمتِّعًا، أمَّا إنْ كان قارِنًا يَقعُ عن طَوافِ القُدومِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وعن العُمرةِ عندَ الحَنفيةِ، وعليه أنْ يَطوفَ طَوافًا آخرَ للقُدومِ عندَهم (أي: الحَنفيةِ، وتقدَّم بَيانُه).
ويَقطَعُ المُتمتِّعُ التَّلبيةَ بشُروعِه بالطَّوافِ، ولا يَقطَعُها المُفرِدُ والقارِنُ، حتى يَشرَعَ في الرَّميِ يومَ النَّحرِ.
ويَستلِمُ الحَجرَ في ابتِداءِ طَوافِه ويُقبِّلُه، وكلَّما مرَّ به إنْ تَيسَّر ذلك من غيرِ إيذاءِ أحَدٍ، وإلا لمَسه بيَدِه أو بشيءٍ يُمسِكُه بها وقبَّله، وإلا أشارَ بيَديْه،
стр. 2870
وإنْ كان يُريدُ السَّعيَ بعدَه يُسنُّ له أنْ يَضطبِعَ في أشواطِ طَوافِه هذا كلِّها، ويَرمُلَ في الثَّلاثةِ الأُولى، ولْيُكثرْ من الدُّعاءِ والذِّكرِ في طَوافِه كلِّه، ولا سيَّما المَأثورَ عن النَّبيِّ ﷺ ، وإذا فرَغ من طَوافِه يُصلِّي رَكعتَيِ الطَّوافِ عندَ مَقامِ إبراهيمَ إنْ أمكَن، ثم إذا أرادَ السَّعيَ يَذهبُ إلى الصَّفا، ويَسعى بينَ الصَّفا والمَروةِ سَبعةَ أشواطٍ مُراعيًا في ذلك أحكامَ السَّعيِ وآدابَه.
وهذا السَّعيُ يَقعُ عن الحَجِّ لِلمُفرِدِ، وعن العُمرةِ لِلمُتمتِّعِ، وعن الحَجِّ والعُمرةِ للقارِنِ على ما هو مَذهبُ الجُمهورِ في القارِنِ -أي أنَّه لا يَلزمُه إلا سَعيٌ واحِدٌ-، أمَّا عندَ الحَنفيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ: فعن العُمرةِ فقط للقارِنِ، وعليه سَعيٌ آخَرُ للحَجِّ؛ لأنَّه يُشترَطُ عندَهم للقارِنِ أنْ يَسعى سَعيَين.
وهُنا يَحلِقُ المُتمتِّعُ رَأسَه بعدَ السَّعيِ أو يُقصِّرُ، وقد حلَّ مِنْ إحرامِه، أمَّا المُفرِدُ والقارِنُ فهُما على إحرامِهما إلى أنْ يَتحلَّلا بأعمالِ يومِ النَّحرِ.
ثانيًا: أعمالُ الحَجِّ بعدَ قُدومِ مكةَ:
يَمكُثُ الحاجُّ في مكةَ بعدَ القُدومِ إلى يومِ التَّرويةِ ليُؤدِّيَ سائرَ المَناسكِ، ويُؤدِّيَ أعمالَ الحَجِّ، هذه في سِتَّةِ أيامٍ، كما يلي:
يومُ التَّرويةِ:
وهو يومُ الثامِنِ من ذي الحِجَّةِ، ويَنطلِقُ فيه الحُجاجُ إلى منًى، ويُحرِمُ المُتمتِّعُ بالحَجِّ، أمَّا المُفرِدُ والقارِنُ فهُما على إحرامِهما، ويَبيتونَ بمنًى اتِّباعًا للسُنةِ، ويُصلُّونَ فيها خَمسَ صَلَواتٍ: الظُّهرَ والعَصرَ والمَغربَ والعِشاءَ والفَجرَ، وهذا فَجرُ يومِ عَرفةَ.
стр. 2871
يومُ عَرفةَ:
وهو يَومٌ عَظيمٌ يُؤدِّي فيه الحُجاجُ الوُقوفَ بعَرفةَ، وهو رُكنُ الحَجِّ الذي يَتوقَّفُ على فَواتِه بُطلانُ الحَجِّ، ثم يأتي المَبيتُ بالمُزدَلفةِ.
أ- الوُقوفُ بعَرفةَ:
وفيه يُسنُّ أنْ يَخرجَ الحاجُّ من منًى إلى عَرفةَ بعدَ طُلوعِ الفجرِ، وعَرفةُ كلُّها مَوقِفٌ إلا بَطنَ عُرنةَ، وهذا بإجماعِ الفُقهاءِ (١)؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «عَرفةُ كلُّها مَوقِفٌ، وارتَفِعوا عن بَطنِ عُرَنةَ» (٢).
ويُسنُّ ألَّا يَدخلَ عَرفةَ إلا بعدَ الزَّوالِ، وبعدَ أنْ يَجمعَ الظُّهرَ والعَصرَ تَقديمًا، فيَقفَ بعَرفةَ مُراعيًا أحكامَه وسُنُنَه وآدابَه، ويَستمِرَّ إلى غُروبِ الشَّمسِ، ولا يَخرجَ من عَرفةَ قبلَه، ويَتوجَّهَ إلى اللهِ في وُقوفِه خاشِعًا ضارِعًا بالدُّعاءِ والذِّكرِ والقُرآنِ والتَّلبيةِ، حتى يَدفعَ من عَرفةَ.
ب- المَبيتُ بالمُزدَلفةِ:
إذا غرَبت شَمسُ يومِ عَرفةَ يَسيرُ الحاجُّ من عَرفةَ إلى المُزدَلفةِ، ويَجمعُ بها المَغربَ والعِشاءَ تَأخيرًا، ويَبيتُ فيها، ثم يُصلِّي الفَجرَ ويَقفُ للدُّعاءِ، ويَستمِرُّ واقِفًا يَدعو ويُهلِّلُ ويُلبِّي حتى يُسفِرَ جِدًّا، ولْينطَلقْ إلى منًى.
стр. 2872
ويُستحبُّ له أنْ يَلقِطَ الجِمارَ -الحَصَياتِ الصِّغارَ- من المُزدَلفةِ، لِيَرميَ بها، وعَددُها سَبعونَ للرَّميِ كلِّه، وإلا فسَبعةٌ يَرمي بها يومَ النَّحرِ.
يومُ النَّحرِ (يومُ العيدِ):
يُسنُّ أنْ يَدفعَ الحاجُّ من مُزدَلفةَ إلى منًى يومَ النَّحرِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ ليُؤدِّيَ أعمالَ النَّحرِ، وهو أكثرُ أيامِ الحَجِّ عَملًا، ويُكثرَ في تَحرُّكِه من الذِّكرِ والتَّلبيةِ والتَّكبيرِ.
وأعمالُ هذا اليومِ هي:
أ- رَميُ جَمرةِ العَقَبةِ:
فيَجبُ على الحاجِّ في هذا اليومِ رَميُ جَمرةِ العَقَبةِ وحدَها، وتُسمَّى الجَمرةَ الكُبرَى، يَرميها بسَبعِ حَصَياتٍ ويُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ويَقطعُ التَّلبيةَ مع ابتِداءِ الرَّميِ.
ب- نَحرُ الهَديِ:
وهو واجبٌ على المُتمتِّعِ والقارِنِ، سُنةٌ لغيرِهما.
ج- الحَلقُ أو التَّقصيرُ:
والحَلقُ أفضلُ للرِّجالِ، مَكروهٌ كَراهةً شَديدةً لِلنِّساءِ.
د- طَوافُ الزِّيارةِ:
ويُسمَّى طَوافَ الإفاضةِ، ويأتي تَرتيبُه بعدَ الأعمالِ السابِقةِ، فيُفيضُ الحاجُّ -أي: يَرحلُ- إلى مكةَ ليَطوفَ الزِّيارةَ، وهو طَوافُ الرُّكنِ في الحَجِّ،
стр. 2873
وإنْ كان قد قدَّم السَّعيَ لا يَضطبِعُ ولا يَرمُلُ في هذا الطَّوافِ؛ لأنَّه لم يَبقَ سَعيٌ بعدَه، وإنْ لم يُقدِّمِ السَّعيَ فليَسعَ بعدَ الطَّوافِ، ويَضطبِعْ ويَرمُلْ في طَوافِه، وكما هي السُّنةُ في كلِّ طَوافٍ بعدَه سَعيٌ.
هـ - السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ:
لمَن لم يُقدِّمِ السَّعيَ من قَبلُ.
و- التَّحلُّلُ:
ويَحصلُ بأداءِ الأعمالِ التي ذكَرناها، وهو قِسمانِ:
التَّحلُّلُ الأولُ أو الأصغَرُ: ويَحصلُ بالحَلقِ وحدَه عندَ الحَنفيةِ، وبرَميِ جَمرةِ العَقبةِ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ في الصَّحيحِ.
أمَّا الشافِعيةُ فقال النَّوويُّ ﵀: للحَجِّ تَحلُّلانِ؛ أولٌ وآخَرُ، يَتعلَّقانِ برَميِ جَمرةِ العَقبةِ والحَلقِ والطَّوافِ، وأمَّا النَّحرُ فلا مَدخَل له في التَّحلُّليْن.
فإنْ قُلنا: الحَلقُ نُسكٌ، حصَل التَّحلُّلُ الأولُ باثنَين من الثَّلاثةِ، فأيُّ اثنَينِ منها أُتيَ بهما حصَل التَّحلُّلُ الأولُ، سَواءٌ كانا رَميًا وحَلقًا أو رَميًا وطَوافًا، أو طَوافًا وحَلقًا، ويَحصلُ التَّحلُّلُ الآخَرُ بالعَملِ المُتبَقِّي من الثَّلاثةِ.
وإنْ قُلنا: الحَلقُ ليسَ بنُسكٍ، لم يَتعلَّقْ به التَّحلُّلُ، بل يَحصلُ التَّحلُّلانِ بالرَّميِ والطَّوافِ، أيَّهما فعَله حصَل به التَّحلُّلُ الأولُ، ويَحصلُ الآخَرُ بالآخَرِ (١).
стр. 2874
وقال الحَنابلةُ في رِوايةٍ: إنَّ التَّحلُّلَ الأولَ يَحصلُ بالرَّميِ والحَلقِ معًا (١).
واختلَفوا فيما يُبيحُه التَّحلُّلُ الأولَ.
فقال أبو حَنيفةَ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ جميعَ المَحظوراتِ إلا الوَطءَ في الفَرجِ (٢).
وقال مالكٌ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ جميعَ المَحظوراتِ، إلا النِّساءَ وقَتلَ الصَّيدِ، ويُكرهُ له الطِّيبُ، إلا أنَّه إنْ تَطيَّبَ فلا شيءَ عليه، بخِلافِ النِّساءِ والصَّيدِ (٣).
وقال الشافِعيُّ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ المَحظوراتِ إلا الوَطءَ في الفَرجِ قَولًا واحِدًا، فإنَّه لا يُبيحُه، وعنه في دَواعي الوَطءِ وعَقدِ النِّكاحِ والاصطيادِ والطِّيبِ قَولانِ (٤).
وقال أحمدُ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ جميعَ المَحظوراتِ إلا الوَطءَ وعَقدَ النِّكاحِ ودَواعيَ الوَطءِ، كالقُبلةِ واللَّمسِ بشَهوةٍ.
стр. 2875
وعنه: أنَّه يُحِلُّ له كلَّ شيءٍ إلا الوَطءَ في الفَرجِ؛ لأنَّه أغلَظُ المُحرَّماتِ، ويُفسدُ النُّسكَ، بخِلافِ غيرِه (١).
التَّحلُّلُ الآخَرُ: أو الأكبَرُ: تُحلَّلُ به كلُّ مَحظوراتِ الإحرامِ حتى النِّساءُ، ويُعيدُ المُحرِمَ حَلالًا بالإجماعِ (٢).
ويَحصلُ بطَوافِ الإفاضةِ فقط، بشَرطِ الحَلقِ عندَ الحَنفيةِ، وبطَوافِ الإفاضةِ مع السَّعيِ إنْ لم يَكنْ قَدْ سعَى مع طَوافِ القُدومِ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ.
ويَحصلُ التَّحلُّلُ الآخَرُ عندَ الشافِعيةِ بالعَملِ المُتبَقِّي من الثَّلاثةِ الطَّوافِ، الحَلقِ، والرَّميِ، كما تقدَّم (٣).
أولُ أيامِ التَّشريقِ وثانيها:
هُما ثاني أيامِ النَّحرِ وثالثُها، فيهما ما يلي:
أ- المَبيتُ بمنًى ليلَتَي هذَين اليومَين: وهو واجبٌ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصحِّ وأحمدَ في أظهَرِ الرِّوايتَين عنه.
وسُنةٌ عندَ الحَنفيةِ والإمامِ أحمدَ في رِوايةٍ، والظاهريةِ، وسيأتي تَفصيلُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ في واجباتِ الحَجِّ (٤).