← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

يومُ عَرفةَ: وهو يَومٌ عَظيمٌ يُؤدِّي فيه الحُجاجُ الوُقوفَ بعَرفةَ، وهو رُكنُ الحَجِّ الذي يَتوقَّفُ على فَواتِه بُطلانُ الحَجِّ، ثم يأتي المَبيتُ بالمُزدَلفةِ. أ- الوُقوفُ بعَرفةَ: وفيه يُسنُّ أنْ يَخرجَ الحاجُّ من منًى إلى عَرفةَ بعدَ طُلوعِ الفجرِ، وعَرفةُ كلُّها مَوقِفٌ إلا بَطنَ عُرنةَ، وهذا بإجماعِ الفُقهاءِ (١)؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «عَرفةُ كلُّها مَوقِفٌ، وارتَفِعوا عن بَطنِ عُرَنةَ» (٢). ويُسنُّ ألَّا يَدخلَ عَرفةَ إلا بعدَ الزَّوالِ، وبعدَ أنْ يَجمعَ الظُّهرَ والعَصرَ تَقديمًا، فيَقفَ بعَرفةَ مُراعيًا أحكامَه وسُنُنَه وآدابَه، ويَستمِرَّ إلى غُروبِ الشَّمسِ، ولا يَخرجَ من عَرفةَ قبلَه، ويَتوجَّهَ إلى اللهِ في وُقوفِه خاشِعًا ضارِعًا بالدُّعاءِ والذِّكرِ والقُرآنِ والتَّلبيةِ، حتى يَدفعَ من عَرفةَ. ب- المَبيتُ بالمُزدَلفةِ: إذا غرَبت شَمسُ يومِ عَرفةَ يَسيرُ الحاجُّ من عَرفةَ إلى المُزدَلفةِ، ويَجمعُ بها المَغربَ والعِشاءَ تَأخيرًا، ويَبيتُ فيها، ثم يُصلِّي الفَجرَ ويَقفُ للدُّعاءِ، ويَستمِرُّ واقِفًا يَدعو ويُهلِّلُ ويُلبِّي حتى يُسفِرَ جِدًّا، ولْينطَلقْ إلى منًى.

стр. 2872

ويُستحبُّ له أنْ يَلقِطَ الجِمارَ -الحَصَياتِ الصِّغارَ- من المُزدَلفةِ، لِيَرميَ بها، وعَددُها سَبعونَ للرَّميِ كلِّه، وإلا فسَبعةٌ يَرمي بها يومَ النَّحرِ. يومُ النَّحرِ (يومُ العيدِ): يُسنُّ أنْ يَدفعَ الحاجُّ من مُزدَلفةَ إلى منًى يومَ النَّحرِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ ليُؤدِّيَ أعمالَ النَّحرِ، وهو أكثرُ أيامِ الحَجِّ عَملًا، ويُكثرَ في تَحرُّكِه من الذِّكرِ والتَّلبيةِ والتَّكبيرِ. وأعمالُ هذا اليومِ هي: أ- رَميُ جَمرةِ العَقَبةِ: فيَجبُ على الحاجِّ في هذا اليومِ رَميُ جَمرةِ العَقَبةِ وحدَها، وتُسمَّى الجَمرةَ الكُبرَى، يَرميها بسَبعِ حَصَياتٍ ويُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ويَقطعُ التَّلبيةَ مع ابتِداءِ الرَّميِ. ب- نَحرُ الهَديِ: وهو واجبٌ على المُتمتِّعِ والقارِنِ، سُنةٌ لغيرِهما. ج- الحَلقُ أو التَّقصيرُ: والحَلقُ أفضلُ للرِّجالِ، مَكروهٌ كَراهةً شَديدةً لِلنِّساءِ. د- طَوافُ الزِّيارةِ: ويُسمَّى طَوافَ الإفاضةِ، ويأتي تَرتيبُه بعدَ الأعمالِ السابِقةِ، فيُفيضُ الحاجُّ -أي: يَرحلُ- إلى مكةَ ليَطوفَ الزِّيارةَ، وهو طَوافُ الرُّكنِ في الحَجِّ،

стр. 2873

وإنْ كان قد قدَّم السَّعيَ لا يَضطبِعُ ولا يَرمُلُ في هذا الطَّوافِ؛ لأنَّه لم يَبقَ سَعيٌ بعدَه، وإنْ لم يُقدِّمِ السَّعيَ فليَسعَ بعدَ الطَّوافِ، ويَضطبِعْ ويَرمُلْ في طَوافِه، وكما هي السُّنةُ في كلِّ طَوافٍ بعدَه سَعيٌ. هـ - السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ: لمَن لم يُقدِّمِ السَّعيَ من قَبلُ. و- التَّحلُّلُ: ويَحصلُ بأداءِ الأعمالِ التي ذكَرناها، وهو قِسمانِ: التَّحلُّلُ الأولُ أو الأصغَرُ: ويَحصلُ بالحَلقِ وحدَه عندَ الحَنفيةِ، وبرَميِ جَمرةِ العَقبةِ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ في الصَّحيحِ. أمَّا الشافِعيةُ فقال النَّوويُّ ﵀: للحَجِّ تَحلُّلانِ؛ أولٌ وآخَرُ، يَتعلَّقانِ برَميِ جَمرةِ العَقبةِ والحَلقِ والطَّوافِ، وأمَّا النَّحرُ فلا مَدخَل له في التَّحلُّليْن. فإنْ قُلنا: الحَلقُ نُسكٌ، حصَل التَّحلُّلُ الأولُ باثنَين من الثَّلاثةِ، فأيُّ اثنَينِ منها أُتيَ بهما حصَل التَّحلُّلُ الأولُ، سَواءٌ كانا رَميًا وحَلقًا أو رَميًا وطَوافًا، أو طَوافًا وحَلقًا، ويَحصلُ التَّحلُّلُ الآخَرُ بالعَملِ المُتبَقِّي من الثَّلاثةِ. وإنْ قُلنا: الحَلقُ ليسَ بنُسكٍ، لم يَتعلَّقْ به التَّحلُّلُ، بل يَحصلُ التَّحلُّلانِ بالرَّميِ والطَّوافِ، أيَّهما فعَله حصَل به التَّحلُّلُ الأولُ، ويَحصلُ الآخَرُ بالآخَرِ (١).

стр. 2874

وقال الحَنابلةُ في رِوايةٍ: إنَّ التَّحلُّلَ الأولَ يَحصلُ بالرَّميِ والحَلقِ معًا (١). واختلَفوا فيما يُبيحُه التَّحلُّلُ الأولَ. فقال أبو حَنيفةَ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ جميعَ المَحظوراتِ إلا الوَطءَ في الفَرجِ (٢). وقال مالكٌ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ جميعَ المَحظوراتِ، إلا النِّساءَ وقَتلَ الصَّيدِ، ويُكرهُ له الطِّيبُ، إلا أنَّه إنْ تَطيَّبَ فلا شيءَ عليه، بخِلافِ النِّساءِ والصَّيدِ (٣). وقال الشافِعيُّ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ المَحظوراتِ إلا الوَطءَ في الفَرجِ قَولًا واحِدًا، فإنَّه لا يُبيحُه، وعنه في دَواعي الوَطءِ وعَقدِ النِّكاحِ والاصطيادِ والطِّيبِ قَولانِ (٤). وقال أحمدُ: التَّحلُّلُ الأولُ يُبيحُ جميعَ المَحظوراتِ إلا الوَطءَ وعَقدَ النِّكاحِ ودَواعيَ الوَطءِ، كالقُبلةِ واللَّمسِ بشَهوةٍ.

стр. 2875

وعنه: أنَّه يُحِلُّ له كلَّ شيءٍ إلا الوَطءَ في الفَرجِ؛ لأنَّه أغلَظُ المُحرَّماتِ، ويُفسدُ النُّسكَ، بخِلافِ غيرِه (١). التَّحلُّلُ الآخَرُ: أو الأكبَرُ: تُحلَّلُ به كلُّ مَحظوراتِ الإحرامِ حتى النِّساءُ، ويُعيدُ المُحرِمَ حَلالًا بالإجماعِ (٢). ويَحصلُ بطَوافِ الإفاضةِ فقط، بشَرطِ الحَلقِ عندَ الحَنفيةِ، وبطَوافِ الإفاضةِ مع السَّعيِ إنْ لم يَكنْ قَدْ سعَى مع طَوافِ القُدومِ عندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ في المَذهبِ. ويَحصلُ التَّحلُّلُ الآخَرُ عندَ الشافِعيةِ بالعَملِ المُتبَقِّي من الثَّلاثةِ الطَّوافِ، الحَلقِ، والرَّميِ، كما تقدَّم (٣). أولُ أيامِ التَّشريقِ وثانيها: هُما ثاني أيامِ النَّحرِ وثالثُها، فيهما ما يلي: أ- المَبيتُ بمنًى ليلَتَي هذَين اليومَين: وهو واجبٌ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصحِّ وأحمدَ في أظهَرِ الرِّوايتَين عنه. وسُنةٌ عندَ الحَنفيةِ والإمامِ أحمدَ في رِوايةٍ، والظاهريةِ، وسيأتي تَفصيلُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ في واجباتِ الحَجِّ (٤).

стр. 2876

ب- رَميُ الجِمارِ الثَّلاثِ: يَرميها على التَّرتيبِ: يَرمي الجَمرةَ الأُولى أو الصُّغرَى، وهي أقرَبُ الجَمَراتِ إلى مَسجدِ الخَيفِ بمنًى، ثم الجَمرةَ الثانيةَ أو الوُسطى، ثم الثالثةَ الكُبرَى جَمرةَ العَقَبةِ، يَرمي كلَّ واحِدةٍ بسَبعِ حَصَياتٍ، ويَدعو بينَ كلِّ جَمرتَين. ج- النَّفرُ الأولُ: يَحلُّ لِلحاجِّ إذا رمَى جِمارَ اليومِ الثاني من أيامِ التَّشريقِ أنْ يَرحلَ إلى مكةَ، ويَسقطُ عنه رَميُ اليومِ الثالِثِ، إذا جاوَز حُدودَ منًى قبلَ غُروبِ الشَّمسِ عندَ الجُمهورِ، وقبلَ فجرِ ثالثِ أيامِ التَّشريقِ عندَ الحَنفيةِ. د- التَّحصيبُ: وهو مُستحبٌّ عندَ الجُمهورِ، فينزِلُ الحاجُّ بالمُحصَّبِ (١) عندَ وُصولِه مكةَ إنْ تيسَّر له ليَذكرَ اللهَ تَعالى فيه ويُصلِّيَ. قال القاضي عِياضٌ: النُّزولُ بالمُحصَّبِ مُستحبٌّ عندَ جميعِ العُلماءِ، قال: وهو عندَ الحِجازيِّينَ أوكَدُ منه عندَ الكوفيِّينَ، قال: وأجمَعوا على أنَّه ليسَ بواجبٍ، واللهُ أعلمُ (٢).

стр. 2877

ومَن استحَبَّ ذلك فلِاتِّباعِ رَسولِ اللهِ ﷺ فإنَّه كان يَنزِلُه، فعن نافِعٍ: «أنَّ ابنَ عُمرَ ﵄ كان يُصلِّي بها -يَعني المُحصَّبَ- الظُّهرَ والعَصرَ، أحسِبُه قال: والمَغربَ، قال خالِدٌ -أحدُ رُواةِ الحَديثِ-: لا أشكُّ في العِشاءِ، ويَهجعُ هَجعةً ويَذكرُ ذلك عن النَّبيِّ ﷺ » (١). وقال ابنُ عُمرَ ﵄: «إنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بَكرٍ وعُمرَ كانوا يَنزِلونَ الأبطَحَ» (٢). ثالِثُ أيَّامِ التَّشريقِ: وهو رابِعُ أيامِ النَّحرِ، وفيه: أ- الرَّميُ: يَجبُ رَميُ الجِمارِ الثَّلاثِ في هذا اليومِ على من تأخَّر فلم يَنفرِ النَّفرَ الأولَ، ويَنتَهي وقتُه ووقتُ الرَّميِ كُلهِ أيضًا قَضاءً وأداءً بغُروبِ شَمسِ هذا اليومِ اتِّفاقًا، وتَنتَهي بغُروبه مَناسكُ منًى. ب- النَّفرُ الآخَرُ: يَنفِرُ -أي: يَرحلُ- سائرُ الحُجاجِ في هذا اليومِ إلى مكةَ بعدَ رَميِ الجِمارِ، ولا يُشرَعُ المُكثُ بمنًى بعدَ ذلك. ج- التَّحصيبُ: عندَ وُصولِ مكةَ، كما مرَّ ذِكرُه في النَّفرِ الأولِ. د- المُكثُ بمكةَ: تَنتَهي المَناسكُ بنِهايةِ أعمالِ منًى -عَدا طَوافِ الوداعِ- ويَمكُثُ الحاجُّ بمكةَ إلى وقتِ سَفرِه في عِبادةٍ، وذِكرٍ وطَوافٍ، وعَملِ خَيرٍ.

стр. 2878

ويأتي المُفرِدُ بالعُمرةِ، فإنَّ وقتَها كلُّ أيامِ السَّنةِ ما عَدا يومَ عَرفةَ، وأربَعةَ أيامٍ بعدَه، فتُكرَه فيها كَراهةَ تَحريمٍ عندَ الحَنفيةِ، كما سيأتي إنْ شاءَ اللهُ في العُمرةِ. طَوافُ الوَداعِ: إذا أرادَ الحاجُّ السَّفرَ من مكةَ يَجبُ عليه عندَ أبي حَنيفةَ وأحمدَ والشافِعيُّ في أصحِّ قولَيْه وابنُ حَزمٍ، أنْ يَطوفَ بالبَيتِ طَوافَ الوَداعِ. والمَعنى المَلحوظُ في هذا الطَّوافِ أنْ يَكونَ آخرَ العَهدِ بالبَيتِ، ولا رَمَلَ في هذا الطَّوافِ ولا اضطِباعَ، وبعدَ أنْ يُصلِّيَ رَكعتَيِ الطَّوافِ، يأتي زَمزمَ ويَشربَ من مائها مُستقبِلَ البَيتِ، ثم يَأتي المُلتزَمَ، وهو ما بينَ الحَجَرِ الأسودِ والبابِ، فيَضعُ صَدرَه وجَبهتَه عليه، ويَتشبَّثُ بأستارِ الكَعبةِ، ويَستلِمُ الحَجرَ الأسودَ إنْ تيسَّر له من غيرِ إيذاءِ أحَدٍ، ثم يَسيرُ إلى بابِ الحَرمِ ووَجهُه تِلقاءَ البابِ، داعيًا بالقَبولِ والغُفرانِ، وبالعَودةِ مَرةً بعدَ مَرةٍ، وألَّا يَكونَ ذلك آخرَ العَهدِ بهذا البَيتِ العَتيقِ.

стр. 2879

أركانُ الحَجِّ: أركانُ الحَجِّ فيما اتَّجَه إليه جُمهورُ الفُقهاءِ أربَعةٌ: الإحرامُ، والوُقوفُ بعَرفةَ، والطَّوافُ -وهو طَوافُ الزِّيارةِ، ويُسمَّى أيضًا طَوافَ الإفاضةِ-، والسَّعيُ. أمَّا عندَ الحَنفيةِ فرُكنانِ فقط: الوُقوفُ بعَرفةَ، وطَوافُ الزِّيارةِ، وزادَ الشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم الحَلقَ أو التَّقصيرَ، والتَّرتيبَ بينَ مُعظَمِ الأركانِ (١). الرُّكنُ الأولُ: الإحرامُ: الإحرامُ عندَ الحَنفيةِ: هو الدُّخولُ في حُرُماتٍ مَخصوصةٍ؛ غيرَ أنَّه لا يَتحقَّقُ شَرعًا إلا بالنِّيةِ مع الذِّكرِ أو الخُصوصيَّةِ. والمُرادُ بالدُّخولِ في حُرماتٍ: التِزامُ الحُرماتِ، والمُرادُ بالذِّكرِ التَّلبيةُ ونحوُها مما فيه تَعظيمُ اللهِ تَعالى. والمُرادُ بالخُصوصيَّةِ: ما يَقومُ مَقامَها من سَوقِ الهَديِ أو تَقليدِ البُدنِ (٢). أمَّا تَعريفُ الإحرامِ عندَ المَذاهِبِ الثَّلاثةِ المالِكيةِ على الراجِحِ عندَهم والشافِعيةِ والحَنابلةِ: فهو الدُّخولُ في حُرماتِ الحَجِّ والعُمرةِ (٣).

стр. 2880

والإحرامُ رُكنٌ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وشَرطٌ من شُروطِ صِحتِه عندَ الحَنفيةِ؛ وهو عندَهم شَرطٌ من وَجهٍ ورُكنٌ من وَجهٍ (١)، أو: «هو شَرطٌ ابتِداءً، وله حُكمُ الرُّكنِ انتِهاءً» (٢). ويَتفرَّعُ عن كَونِ الإحرامِ شَرطًا عندَ الحَنفيةِ وكَونِه يُشبِهُ الرُّكنَ فُروعٌ، منها: ١ - أجازَ الحَنفيةُ الإحرامَ بالحَجِّ قبلَ أشهُرِ الحَجِّ، مع الكَراهةِ؛ لكَونِ الإحرامِ شَرطًا عندَهم، فجازَ تَقديمُه على الوقتِ (٣). ٢ - لو أحرَم المُتمتِّعُ بالعُمرةِ قبلَ أشهُرِ الحَجِّ، وأتى بأفعالِها، أو برُكنِها، أو أكثرِ الرُّكنِ -يَعني: أربَعةَ أشواطٍ من الطَّوافِ- في أشهُرِ الحَجِّ يَكونُ مُتمتِّعًا عندَ الحَنفيةِ. ٣ - تَفرَّعَ على شَبَهِ الإحرامِ بالرُّكنِ عندَ الحَنفيةِ أنَّه لو أحرَم الصَّبيُّ، ثم بلَغ بعدَما أحرَم، فإنَّه إذا مَضى في إحرامِه لم يُجزِئْه عن حَجةِ الإسلامِ، لكنْ لو جدَّد الإحرامَ قبلَ الوُقوفِ ونَوى حجَّةَ الإسلامِ، جازَ عن حَجةِ الإسلامِ عندَ الحَنفيةِ، اعتِبارًا لشَبهِ الرُّكنِ في هذه الصُّورةِ احتياطًا في العِبادةِ (٤).

стр. 2881

الرُّكنُ الثاني: الوُقوفُ بعَرفةَ: الوُقوفُ بعَرفةَ رُكنٌ أساسيٌّ من أركانِ الحَجِّ، من فاتَه فقد فاتَه الحَجُّ. وقد ثبَتت رُكنيَّةُ الوُقوفِ بعَرفةَ بالأدلَّةِ القاطِعةِ من الكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ: أمَّا الكِتابُ: فقولُه تَعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ [البقرة: ١٩٩]، وقد ثبَت أنَّها نزَلت تَأمرُ الناسَ بالوُقوفِ بعَرفةَ، فعَن عُروةَ عن أبيه عن عائشةَ ﵂: «أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في الحُمسِ (١) ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾، قال: كانوا يُفيضونَ من جَمعٍ فدُفِعوا إلى عَرفاتٍ» (٢). وأمَّا السُّنةُ: ما رواه عبدُ الرَّحمنِ بنُ يَعمرَ الدِّيليُّ قال: «شهِدتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ وهو واقِفٌ بعَرفةَ وأتاه ناسٌ من أهلِ نَجدٍ فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ الحَجُّ؟ فقال: الحَجُّ عَرفةُ، فمَن جاءَ قبلَ صَلاةِ الفجرِ من ليلةِ جَمعٍ فقَد تمَّ حَجُّه … » (٣).

стр. 2882

وأمَّا الإجماعُ: فقال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَعوا على أنَّ الوُقوفَ بعَرفةَ فَرضٌ لا حجَّ لِمن فاتَه الوُقوفُ بها (١). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعوا على أنَّه رُكنٌ من أركانِ الحَجِّ وأنَّه من فاتَه فعليه الحَجُّ من قابِلٍ (٢). وقتُ الوُقوفِ بعَرفةَ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ آخرَ وقتِ وُقوفِ عَرفةَ هو طُلوعُ الفجرِ يومَ النَّحرِ؛ لِما رَواه عبدُ الرَّحمنِ بنُ يَعمرَ الدِّيليُّ قال: شهِدتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ وهو واقِفٌ بعَرفةَ وأتاه ناسٌ من أهلِ نَجدٍ فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ الحَجُّ؟ فقال: «الحَجُّ عَرفةُ، فمَن جاءَ قبلَ صَلاةِ الفجرِ من ليلةِ جَمعٍ فقَد تمَّ حَجُّه … » (٣). أمَّا ابتِداءُ وقتِ الوُقوفِ بعَرفةَ فقد اختلَفوا فيهِ، فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّ أولَ وقتِه زَوالُ شَمسِ يومِ عَرفةَ -أيِ: الظُّهرِ-لفِعلِه ﷺ ، فإنَّه لم يَقِفْ بعَرفةَ إلا بعدَ الزَّوالِ، وقال ﷺ : «خُذوا عنِّي مَناسكَكم» (٤).

стр. 2883

حَكى الإجماعَ على هذا ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ فقال: وأجمَعوا على أنَّ من وقَف بعَرفةَ يومَ عَرفةَ قبلَ الزَّوالِ، ثم أفاضَ منها قبلَ الزَّوالِ أنَّه لا يُعتدُّ بوُقوفِه قبلَ الزَّوالِ، وأنَّه إنْ لم يَرجعْ فيَقِفْ بعدَ الزَّوالِ أو يَقِفْ من ليلَتِه تلك أقَلَّ وُقوفٍ قبلَ الفجرِ فقد فاتَه الحَجُّ (١). وذهَب الحَنابلةُ إلى أنَّ وقتَ الوُقوفِ بعَرفةَ يَبدأُ من طُلوعِ فجرِ يومِ عَرفةَ إلى طُلوعِ الفجرِ من يومِ النَّحرِ، لحَديثِ عُروةَ بنِ مُضَرِّسٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ شهِد صَلاتَنا هذه ووقَفَ معَنا حتى نَدفعَ وقَد وقَف بعَرفةَ قبلَ ذلِك لَيلًا أو نَهارًا فقد أَتمَّ حجَّهُ وقَضى تَفثَه» (٢). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّه من يومِ عَرفةَ، فكانَ وقتًا للوُقوفِ، كبَعدِ الزَّوالِ، وتَركُ الوُقوفِ لا يَمنعُ كَونَه وقتًا للوُقوفِ، كبَعدِ العِشاءِ، وإنَّما وقَفوا في وقتِ الفَضيلةِ ولم يَستَوعِبوا جميعَ وقتِ الوُقوفِ (٣). واختلَفوا فيمَن وقَف بعَرفةَ بعدَ الزَّوالِ من يومِ عَرفةَ، ودفَع من عَرفاتٍ قبلَ غُروبِ الشَّمسِ، ولم يَعدْ إليها قبلَ غُروبها.

стр. 2884

فقال الحَنفيةُ (١) والحَنابلةُ في المَذهبِ (٢) والشافِعيُّ في قَولٍ (٣) وبعضُ المالِكيةِ -كاللَّخميِّ وابنِ العَربيِّ، ومالَ إليه ابنُ عبدِ البرِّ- (٤): يُجزِئُه، وقد تمَّ حَجُّه، إلا أنَّ عليه دَمًا؛ لأنَّه قد ترَك واجبًا، وهو المُكثُ في الوُقوفِ بعَرفةَ إلى غُروبِ الشَّمسِ. وقال الشافِعيةُ في الأصحِّ: يُجزِئُه ولا يَلزمُه دَمٌ؛ لأنَّ الجَمعَ بينَ اللَّيلِ والنَّهارِ بعَرفةَ سُنةٌ عندَهم، وليس بواجبٍ على المُعتمدِ، لكنْ يُستحبُّ له بتَركِه الفِداءَ استِحبابًا، فعلى هذا إذا وقَف بعَرفةَ أيَّ وقتٍ من بعدِ الزَّوالِ إلى فجرِ يومِ النَّحرِ أجزَأه (٥). وقال الإمامُ مالكٌ (٦) وأحمدُ في رِوايةٍ (٧): إذا دفَع من عَرفاتٍ قبلَ غُروبِ

стр. 2885

الشَّمسِ لم يُجزِئه حتى يَقفَ جُزءًا من اللَّيلِ، وشدَّد فيه جِدًّا، حتى قال: ومن خرَج من عَرفةَ قبلَ مَغيبِ الشَّمسِ، ولم يَرجعْ إليها حتى طلَع الفَجرُ، فقد فاتَه الحَجُّ، فإن رجَع فوقَف قبلَ الفجرِ، فلا شيءَ عليه. قال النَّوويُّ ﵀: وإذا دفَع بالنَّهارِ ولم يَعدْ أجزَأه وُقوفُه وحَجُّه صَحيحٌ، سَواءٌ أوجَبْنا الدَّمَ أو لا، وبه قال عَطاءٌ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأبو ثَورٍ، وهو الصَّحيحُ من مَذهبِ أحمدَ، قال ابنُ المُنذرِ: وبه قال جميعُ العُلماءِ إلا مالِكًا. وقال مالكٌ: المُعتمدُ في الوُقوفِ بعَرفةَ هو اللَّيلُ، فإنْ لم يُدرِكْ شيئًا من اللَّيلِ فقد فاتَه الحَجُّ، وهو رِوايةٌ عن أحمدَ. واحتَجَّ مالكٌ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ وقَف حتى غرَبت الشَّمسُ، وقال: «لتَأخُذوا مَناسكَكم» (١). واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثِ عُروةَ بنِ مُضرِّسِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ شهِد صَلاتَنا هذه -يَعني الصُّبحَ- وقد وقَف بعَرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نَهارًا فقَد أتمَّ حجَّهُ» (٢)، وهو حَديثٌ صَحيحٌ، والجَوابُ عن حَديثِهم أنَّه مَحمولٌ على الاستِحبابِ، أو أنَّ اللَّيلَ والنَّهارَ يَجبُ، لكنْ يُجبَرُ بدَمٍ، ولا بدَّ من الجَمعِ بينَ الحَديثَين، وهذا الذي ذكَرناه طَريقُ الجَمعِ، واللهُ أعلمُ (٣).

стр. 2886

وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَع المُسلمونَ على أنَّ الوُقوفَ بعَرفةَ لَيلًا يُجزِئُ عن الوُقوفِ بالنَّهارِ، إلا أنَّ فاعِلَ ذلك عندَهم إذا لم يَكنْ مُراهِقًا ولم يَكنْ له عُذرٌ فهو مُسيءٌ، ومن أهلِ العِلمِ من رَأى عليه دَمًا، ومنهم من لم يَرَ شيئًا عليه، وجَماعةُ العُلماءِ يَقولونَ: إنَّ من وقَف بعَرفةَ لَيلًا أو نَهارًا بعدَ زَوالِ الشَّمسِ من يومِ عَرفةَ مُدرِكٌ للحَجِّ إلا مالكَ بنَ أنسٍ، فإنَّه انفرَد بقولِه الذي ذكَرناه عنه، ويَدلَّ على أنَّ مَذهبَه والفَرضَ عندَه الوُقوفُ باللَّيلِ دونَ النَّهارِ، وعندَ سائرِ العُلماءِ: اللَّيلُ والنَّهارُ في ذلك سَواءٌ إذا كان بعدَ الزَّوالِ (١). حُكمُ الوُقوفِ بنَمِرةَ أو عُرَنةَ لازدِحامِ عَرفةَ: ما نَراه في هذه الأزمانِ من ازدِحامٍ في المَشاعرِ وامتِلاءِ هذه المَشاعرِ بالحُجاجِ، هل يُعفِي الحاجَّ من الوُقوفِ في المَشعَرِ المُحَدَّدِ؟ فالذي عليه عامَّةُ أهلِ العِلمِ الحَنفيةُ (٢) والشافِعيةُ (٣) والحَنابلةُ (٤) وبعضُ المالِكيةِ (٥)، بل حُكيَ فيه الإجماعُ أنه لا يَجوزُ الوُقوفُ بنَمِرةَ ووادي عُرَنةَ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وليس وادي عُرَنةَ من المَوقفِ ولا يُجزِئُه الوُقوفُ فيه.

стр. 2887

قال ابنُ عبدِ البرِّ: أجمَع العُلماءُ على أنَّ من وقَف به لا يُجزِئُه، وحُكيَ عن مالكٍ أنَّه يُهريقُ دَمًا وحَجُّه تامٌّ. ولَنا: قولُ النَّبيِّ ﷺ : «عَرفةُ كلُّها مَوقفٌ، وارتَفِعوا عن بَطنِ عُرَنةَ» (١)؛ ولأنَّه لم يَقِفْ بعَرفةَ، فلم يُجزِئْه (٢). وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: واختلَف الفُقهاءُ فيمَن وقَف من عَرفةَ بعُرَنةَ فقال مالكٌ فيما ذكَر ابنُ المُنذرِ عنه: يُهريقُ دَمًا وحَجُّه تامٌّ. وهذه رِوايةٌ رَواها خالِدُ بنُ نِزارٍ عن مالكٍ. قال أبو إسحاقَ بنُ شَعبانَ: عُرَنةُ مَوضعُ المَمرِّ من عَرفةَ، ثم ذلك الوادي من فِناءِ المَسجدِ إلى مكةَ إلى العَلم المَوضوعِ للحَرمِ، قال: وعَرفةُ كلُّ سَهلٍ وجَبلٍ أقبَل على المَوقفِ فيما بينَ التِّلعةِ إلى أنْ يُفْضوا إلى طَريقِ نُعمانَ وما أقبَل من كبكَبٍ من عَرفةَ. وذكَر أبو المُصعَبِ أنَّه كمَن لم يَقِفْ، وحَجُّه فائتٌ، وعليه الحَجُّ من قابِلٍ إذا وقَف ببَطنِ عُرَنةَ. ورُوي عن ابنِ عَباسٍ قال: من أفاضَ من عُرَنةَ فلا حجَّ له. وقال القاسِمُ وسالِمٌ: من وقَف بعُرَنةَ حتى دفَع فلا حجَّ له.

стр. 2888

وذكَر ابنُ المُنذرِ هذا القولَ عن الشافِعيِّ قال: وبه أقولُ؛ لأنَّه لا يُجزئُه أنْ يَقفَ بمَكانٍ أمَر رَسولُ اللهِ ﷺ ألَّا يَقفَ به. قال أبو عُمرَ: قد ذكَرنا أنَّ الاستِثناءَ لبَطنِ عُرَنةَ من عَرفةَ لم يَجئْ مَجيئًا تَلزمُ حُجَّتُه لا من جِهةِ النَّقلِ ولا من جِهةِ الإجماعِ، والذي ذكَر المُزنيُّ عن الشافِعيِّ قال: ثم يَركبُ فيَروحُ إلى المَوقفِ عندَ الصَّخراتِ ثم يَستقبِلُ القِبلةَ بالدُّعاءِ، قال: وحيثُما وقَف الناسُ من عَرفةَ أجزَأهم؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «هذا مَوقِفٌ، وكلُّ عَرفةَ مَوقفٌ». قال أبو عُمرَ: ومن حُجَّةِ من ذهَب مَذهبَ أبي المُصعَبِ أنَّ الوُقوفَ بعَرفةَ فَرضٌ مُجتمَعٌ عليه في مَوضعٍ مُعيَّنٍ، فلا يَجوزُ أداؤُه إلا بيَقينٍ، ولا يَقينَ مع الاختِلافِ (١). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واعلَمْ أنَّه ليس من عَرفاتٍ وادي عُرَنةَ ولا نَمِرةُ ولا المَسجدُ المُسمَّى مَسجدَ إبراهيمَ، ويُقالُ له أيضًا: مَسجدُ عُرَنةَ، بل هذه المَواضعُ خارِجةٌ عن عَرفاتٍ على طَرفِها الغَربيِّ مما يلي مُزدَلفةَ ومنًى ومكةَ. هذا الذي ذكَرتُه من كَونِ وادي عُرَنةَ ليس من عَرفاتٍ لا خِلافَ فيه، نصَّ عليه الشافِعيُّ، واتَّفَق عليه الأصحابُ. وأما نَمِرةُ فليست أيضًا من عَرفاتٍ، بل بقُربِها، هذا هو الصَّوابُ الذي نصَّ عليه الشافِعيُّ في مُختصَرِ الحَجِّ الأوسَطِ وفي غيرِه، وصرَّح به أبو عَليٍّ

стр. 2889

البَندَنيجيُّ والأصحابُ ونقَله الرافِعيُّ عن الأكثَرينَ، قال: وقال صاحِبُ الشامِلِ وطائفةٌ: هي من عَرفاتٍ. وهذا الذي نقَله غَريبٌ ليسَ بمَعروفٍ، ولا هو في الشامِلِ ولا هو صَحيحٌ، بل إنكارٌ للحِسِّ، ولِما تَطابقَت عليه كُتبُ العُلماءِ. وأما مَسجدُ إبراهيمَ فقد نصَّ الشافِعيُّ على أنَّه ليس من عَرفاتٍ، وأنَّ من وقَف به لم يَصِح وُقوفُه. هذا نصُّه، وبه قطَع الماوَرديُّ والمُتولِّي وصاحِبُ البَيانِ وجُمهورُ العِراقيّينَ. وقال جَماعةٌ من الخُراسانيِّينَ، منهم الشَّيخُ أبو مُحمدٍ الجُوَينيُّ والقاضي حُسينٌ في تَعليقِه، وإمامُ الحَرمَين والرافِعيُّ: مُقدَّمُ هذا المَسجدِ من طَرفِ وادي عُرَنةَ لا في عَرفاتٍ، وآخِرُه في عَرفاتٍ، قالوا فمَن في مُقدَّمِه لم يَصحّ وُقوفُه، ومَن وقَف في آخرِه صحَّ وُقوفُه، قالوا: ويَتميَّزُ ذلك بصَخراتٍ كبارٍ فُرِشت هُناكَ. قال الشَّيخُ أبو عَمرِو بنُ الصَّلاحِ: وَجهُ الجَمعِ بينَ كَلامِهم ونَصِّ الشافِعيِّ أنْ يَكونَ زِيدَ في المَسجدِ بعدَ الشافِعيِّ هذا القَدرُ الذي ذكَره واللهُ أعلمُ. قلتُ: قال الأزرَقيُّ في هذا المَسجدِ ذَرعٌ سِعَتُه من مُقدَّمِه إلى مُؤخَّرِه مِئةُ ذِراعٍ وثلاثٌ وسِتونَ ذِراعًا، قال: ومِن جانبِه الأيمَنِ إلى جانبِه الأيسَرِ من عَرفةَ والطَّريقِ مِئَتا ذِراعٍ وثَلاثَ عَشرةَ ذِراعًا، قال: وله مِئةُ شُرفةٍ وثَلاثُ

стр. 2890

شُرُفاتٍ، وله عَشَرةُ أبوابٍ، قال: ومِن حَدِّ الحَرمِ إلى مَسجدِ عُرَنةَ ألفُ ذِراعٍ وسِتُّمئةٍ وخَمسُ أذرُعٍ. قال: ومِن مَسجدِ عَرفاتٍ هذا إلى مَوقفِ النَّبيِّ ﷺ ميلٌ، واللهُ أعلمُ. واعلَمْ أنَّ عُرَنةَ ونَمِرةَ بينَ عَرفاتٍ والحَرمِ ليستا من واحدٍ منهما، وأمَّا: جَبلُ الرَّحمةِ ففي وسَطِ عَرفاتٍ. فإذا علِمتَ عَرفاتٍ بحُدودِها، فقد قال الماوَرديُّ: قال الشافِعيُّ حيثُ وقَف الناسُ من عَرفاتٍ في جَوانبِها ونَواحيها وجِبالِها وسُهلِها وبِطاحِها وأوديَتِها وسُوقِها المَعروفةِ بذي المَجازِ أجزَأه، قال: فأمَّا إنْ وقَف بغيرِ عَرفاتٍ مِنْ وَرائها أو دونِها عامِدًا أو ناسيًا أو جاهِلًا بها فلا يُجزِئُه، وقال مالكٌ: يُجزِئُه وعليه دَمٌ، واللهُ أعلمُ (١). وقال في مَوضعٍ آخرَ: لو وقَف ببَطنِ عُرَنةَ لم يَصِح وُقوفُه عندَنا، وبه قال جَماهيرُ العُلماءِ، وحَكى ابنُ المُنذرِ وأصحابُنا عن مالكٍ أنَّه يَصحُّ ويَلزمُه دَمٌ. وقال العبدَريُّ: هذا الذي حَكاه أصحابُنا عن مالكٍ لم أرَه له، بل مَذهبُه في هذه المَسألةِ كمَذهبِ الفُقهاءِ أنَّه لا يُجزِئُه، قال: وقَد نصَّ أصحابُه على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَقفَ بعُرَنةَ (٢).

стр. 2891

وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: واختلَف العُلماءُ فيمن وقَف من عَرفةَ بعُرَنةَ، فقيلَ: حَجُّه تامٌّ وعليه دَمٌ، وبه قال مالكٌ، وقال الشافِعيُّ: لا حجَّ له. وعُمدةُ من أبطَل الحَجَّ النَّهيُ الوارِدُ عن ذلك في الحَديثِ. وعُمدةُ من لم يُبطِلُه أنَّ الأصلَ أنَّ الوُقوفَ بكلِّ عَرفةَ جائزٌ إلا ما قامَ عليه الدَّليلُ، قالوا: ولم يَأتِ هذا الحَديثُ من وَجهٍ تَلزمُ به الحُجةُ والخُروجُ عن الأصلِ، فهذا هو القولُ في السُّننِ التي في يومِ عَرفةَ (١). عَدمُ القُدرةِ على دُخولِ عَرفةَ حتى طُلوعِ الفجرِ: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ آخرَ وقتِ وُقوفِ عَرفةَ هو طُلوعُ الفجرِ يومَ النَّحرِ؛ قال ابنُ قُدامةَ: لا نَعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العِلمِ في أنَّ آخرَ الوقتِ طُلوعُ فجرِ يومِ النَّحرِ (٢). واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - ما رَواه عبدُ الرَّحمنِ بنُ يَعمرَ الدِّيليُّ قال: شهِدتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ وهو واقِفٌ بعَرفةَ وأتاه ناسٌ من أهلِ نَجدٍ فقالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، كيفَ الحَجُّ؟ فقال: «الحَجُّ عَرفةُ، فمَن جاء قبلَ صَلاةِ الفجرِ من لَيلةِ جَمعٍ فقَد تمَّ حَجُّه … » (٣).

стр. 2892

وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ مَنْ ترَك الوُقوفَ بعَرفةَ لِأيِّ سَببٍ كان فقد فاتَه الحَجُّ. ٢ - حَديثُ عُروةَ بن مُضرِّسِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ شهِد صَلاتَنا هذه ووقَف معَنا حتى نَدفعَ وقَد وقَف بعَرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نَهارًا فقد أتَمَّ حجَّهُ وقضَى تَفثَه» (١). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ من لم يَأتِ عَرفةَ في وقتِها لِأيِّ سَببٍ من الأسبابِ لم يَتمَّ حَجُّه، ولم يَقضِ تَفثَه؛ مع العِلمِ بأنَّ هذا الكَلامَ قيلَ لشَخصٍ يَجهلُ مَكانَ عَرفةَ؛ والجاهِلُ بالعُذرِ أولى من غيرِه؛ ومع ذلك لم يُعذَرْ. ٣ - أنَّ أهلَ العِلمِ أجمَعوا على أنَّ فواتَ الحَجِّ بفَواتِ الوُقوفِ بعَرفةَ، لِأيِّ سَببٍ من الأسبابِ كمن أخطَأ في عَددِ أيامِ العَشرِ ونحوِه، فإنَّه لا يَصحُّ حَجُّه، ويَدلُّ عليه حَديثُ هَبارِ بنِ الأسودِ أنَّه جاءَ يومَ النَّحرِ وعُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ يَنحرُ هَديَه فقال: «يا أميرَ المُؤمِنينَ أخطَأْنا العدَّةَ كنا نرَى أنَّ هذا اليومَ يومُ عَرفةَ، فقال عُمرُ: اذهَبْ إلى مكةَ فطُفْ أنتَ ومَن معَك وانحَروا هَدْيًا إنْ كان معَكم ثم احلِقوا أو قَصِّروا وارجِعوا، فإذا كان عامُ قابِلٍ فحُجُّوا واهْدوا، فمَن لم يَجدْ فصيامُ ثَلاثةِ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةٍ إذا رجَع» (٢)، فهُنا عُمرُ لم يَعذرْهم عندَما فاتَهم يومُ عَرفةَ، مع أنَّ فواتَهم لسَببٍ

стр. 2893

مَقبولٍ وعُذرِ واضِحٍ، قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وهذا أمرٌ مُجتمَعٌ عليه فيمَن فاتَه الحَجُّ بعدَ أنْ أحرَم به ولم يُدرِكْ عَرفةَ إلا يومَ النَّحرِ (١). وُقوفُ المُغمى عليهم في سَياراتِ الإسعافِ في عَرفةَ: اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ من وقَف لَحظةً من لَيلٍ أو نَهارٍ يومَ عَرفةَ حاضِرَ الذِّهنِ، سَواءٌ كان مَريضًا أو صَحيحًا، ثم أُغميَ عليه فقد تمَّ حَجُّه وقضَى تَفثَه. إلا أنَّهم اختلَفوا فيمَن وقَف بعَرفةَ وقد أُغميَ عليه في وقتِ الوُقوفِ كلِّه ولم يُفقْ لَحظةً واحِدةً، هل يَصحُّ وُقوفُه أو لا؟ على قولَين: القولُ الأولُ: أنَّ وُقوفَ المُغمى عليه طَوال الوقتِ في عَرفةَ يُجزِئُه ويَتمُّ بذلك حَجُّه، وهو قولُ الحَنفيةِ (٢) والمالِكيةِ (٣) وعَطاءٍ، وتَوقَّفَ فيه الإمامُ أحمدُ (٤). قال الإمامُ السَّرخسيُّ ﵀: وإذا أُغميَ على المُحرِمِ فوقَف به أصحابُه بعَرفاتٍ أجزَأه ذلك؛ لأنَّه تَأدَّى الوُقوفُ بحُصولِه في المَوقِفِ في وقتِ الوُقوفِ؛ ألا تَرى أنَّه لو مرَّ بعَرفاتٍ مارٌّ وهو لا يَعلَمُ بها في وقتِ

стр. 2894

الوُقوفِ أجزَأه ولا يَبعدُ أنْ يَتأدَّى رُكنُ العِبادةِ من المُغمَى عليه كما يَتأدَّى رُكنُ الصَّومِ وهو الإمساكُ بعدَ النِّيةِ من المُغمَى عليه (١). وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: ووافَقَ أبو حَنيفةَ مالِكًا فيمَن شهِد عَرفةَ مُغمًى عليه ولم يُفِقْ حتى انصدَع الفَجرُ، وخالفَهما الشافِعيُّ فلم يُجزْ للمُغمَى عليه وُقوفًا بعَرفةَ حتى يُصبِحَ عالِمًا بذلك قاصِدًا إليه. وبقولِ الشافِعيِّ قال أحمدُ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وداودُ وأكثرُ الناسِ (٢). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وإنْ وقَف وهو مُغمًى عليه أو مَجنونٌ ولم يُفقْ حتى خرَج منها لم يُجزِئْه، وهو قولُ الحَسنِ والشافِعيِّ وأبي ثَورٍ وإسحاقَ وابنِ المُنذرِ. وقال عَطاءٌ: المُغمَى عليه يُجزِئُه، وهو قولُ مالكٍ وأصحابِ الرَّأيِ. وقد توقَّف أحمدُ ﵀ في هذه المَسألةِ، وقال: الحَسنُ يَقولُ بطَل حَجُّه، وعَطاءٌ يُرخِّصُ فيه، وذلك؛ لأنَّه لا يُعتبرُ له نيَّةٌ، ولا طَهارةٌ، ويَصحُّ من النائمِ فصحَّ من المُغمى عليه كالمَبيتِ بمُزدَلفةَ. ومن نصَر الأولَ قال: رُكنٌ من أركانِ الحَجِّ، فلم يَصحَّ من المُغمى عليه كسائرِ أركانِه (٣).

стр. 2895

واستدلَّ أصحابُ هذا القولِ بما يلي: ١ - حَديثُ عُروةَ بنِ مُضَرٍ ﵁ قال: «أتَيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ بالمُزدَلفةِ حينَ خرَج إلى الصَّلاةِ، فقلتُ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي جِئتُ من جبَليْ طَيءٍ أكلَلتُ راحِلتِي وأتعَبتُ نَفسي، واللهِ ما ترَكتُ من حَبلٍ إلا وقَفتُ عليه، فهل لي من حَجٍّ؟ فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ شهِد صَلاتَنا هذه ووقَف معنا حتى نَدفعَ وقَد وقَف بعَرفةَ قبلَ ذلك ليلًا أو نَهارًا فقد أتَمَّ حجَّه وقَضى تَفثَه» (١). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ المُغمى عليه قد أدَّى الوُقوفَ بحُصولِه في المَوقفِ في وقتِ الوُقوفِ المُشارِ إليه في الحَديثِ، قياسًا على من مرَّ وهو لا يَعلمُ بها، كعُروةَ في هذا الحَديثِ؛ إذْ إنَّه فيما يَظهرُ قد وقَف في عَرفةَ وهو لا يَعلمُ بها (٢). ٢ - أنَّ المُغمى عليه أكثرُ أحوالِه عَدمُ النِّيةِ والطَّهارةِ، وعَدمُ النِّيةِ والطَّهارةِ بعدَ الإحرامِ لا يَمنعانِ صِحةَ الوُقوفِ، كما أنَّ النائمَ يَصحُّ منه الوُقوفُ ولا طَهارةَ ولا نِيّةَ له؛ فكذلك يَصحُّ من المُغمى عليه (٣). القولُ الثاني: أنَّ وُقوفَ المُغمى عليه بعَرفةَ لا يُجزِئُه، ولا يَتمُّ به حَجُّه،

стр. 2896

وهو قولُ الحَسنِ (١) والشافِعيةِ في الأصحِّ (٢) والحَنابلةِ في المَذهبِ (٣)، وهو قولُ إسحاقَ وأبي ثَورٍ وداودَ وابنِ المُنذرِ (٤). قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: الأصحُّ عندَنا أنَّه لا يَصحُّ وُقوفُ المُغمى عليه، وحَكاه ابنُ المُنذرِ عن الشافِعيِّ وأحمدَ وإسحاقَ وأبي ثَورٍ قال: وبه أقولُ، وقال مالكٌ وأبو حَنيفةَ: يَصحُّ (٥). واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - بقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥]، وقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى» (٦). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّه لا يَصحُّ عَملُ مَأمورٍ به إلا بنيَّةِ القَصدِ إليه خالِصًا لوَجهِ اللهِ ، والمُغمى عليه لم يَأتِ بالعَملِ كذلك (٧).

стр. 2897

٢ - أنَّ الوُقوفَ بعَرفةَ فَرضٌ وقُربةٌ، لا يَتأدَّى بغيرِ نِيةٍ، كالإحرامِ وسائرِ الفُروضِ والأركانِ، والإغماءُ يُنافي النِّيةِ ويُنافي التَّقرُّبَ فلم يَصحّ الوُقوفُ معه (١). ٣ - أنَّه لو أُغميَ عليه في جميعِ نَهارِ رَمضانَ لم يَصحّ صَومُه؛ فكذا إذا أُغمِيَ عليه جميعَ وقتِ الوُقوفِ لم يَصحَّ وُقوفُه (٢).

стр. 2898

الرُّكنُ الثالِثُ: طَوافُ الزِّيارةِ (الإفاضةُ): طَوافُ الزِّيارةِ يُؤدِّيه الحاجُّ بعدَ أنْ يُفيضَ من عَرفةَ ويَبيتَ بالمُزدَلفةِ، ويَأتيَ منًى يومَ العيدِ فيَرميَ، ويَنحرَ، ويَحلِقَ أو يُقصِّرَ، ثم بعدَ ذلك يُفيضَ إلى مكةَ فيَطوفَ بالبَيتِ، سُمِّيَ طَوافَ الزِّيارةِ؛ لأنَّ الحاجَّ يَأتي من منًى فيَزورُ البَيتَ ولا يُقيمُ بمكةَ، بل يَرجعُ ليَبيتَ بمنًى، ويُسمَّى أيضًا طَوافَ الإفاضةِ؛ لأنَّ الحاجَّ يَفعلُه عندَ إفاضَتِه من منًى إلى مكةَ (١). وعَددُ أشواطِ الطَّوافِ سَبعةٌ، وكلُّها رُكنٌ عندَ الجُمهورِ؛ لأنَّ مَقاديرَ العِباداتِ لا تُعرَفُ بالرَّأيِ، والاجتِهادِ، وإنَّما تُعرَفُ بالتَّوقيفِ، ورَسولُ اللهِ ﷺ طافَ سَبعةَ أشواطٍ، فلا يُعتَدَّ بما دونَها. وقال الحَنفيةُ: الرُّكنُ هو أكثرُ الأشواطِ، وهو ثَلاثةُ أشواطٍ، وأكثرُ الشَّوطِ الرابِعِ، فأمَّا الإكمالُ فواجبٌ يَنجبِرُ بالدَّمِ، فلو جامَع بعدَ الإتيانِ بأكثرِ الطَّوافِ قبلَ الإتمامِ لا يَلزمُه البَدنةُ عندَهم، وإنَّما تَلزمُه شاةٌ. قال الكاسانيُّ ﵀: لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والأمرُ المُطلقُ لا يَقتَضي التَّكرارَ، إلا أنَّ الزِّيادةَ على المرَّةِ الواحِدةِ على أكثرِ الأشواطِ ثبَت بدَليلٍ آخرَ، وهو الإجماعُ، ولا إجماعَ في الزِّيادةِ على أكثرِ الأشواطِ، ولأنَّه أتى بأكثرِ الطَّوافِ، والأكثرُ يَقومُ مَقامَ الكلِّ فيما يَقعُ به التَّحلُّلُ في بابِ الحَجِّ كالذَّبحِ إذا لم يَستَوفِ قَطعَ العُروقِ

стр. 2899

الأربَعةِ، وإنَّما كان المَفروضُ هذا القَدرَ، فإذا أتى به فقد أتى بالقَدرِ المَفروضِ؛ فيَقعُ به التَّحلُّلُ، فلا يَلزمُه البَدنةُ بالجِماعِ بعد ذلك؛ لأنَّ ما زادَ عليه إلى تَمامِ السَّبعةِ فهو واجبٌ، وليس بفَرضٍ، فتَجبُ بتَركِه الشاةُ دونَ البَدنةِ كرَميِ الجِمارِ، واللهُ أعلمُ (١). واختلَف الفُقهاءُ هل يَلزمُه المَشيُ عندَ القُدرةِ عليه أو يَجوزُ السَّعيُ راكبًا أو مَحمولًا؟ فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجبُ المَشيُ في الطَّوافِ على القادِرِ عليه فإنْ ترَكه مع القُدرةِ أجزَأه، ولكنْ يَلزمُه الدَّمُ. أمَّا الجَوازُ فلأنَّ الفَرضَ حُصولُه كائنٌ حولَ البَيتِ؛ وقد حصَل، وأمَّا لُزومُ الدَّمِ فلتَركِه الواجبَ، وهو المَشيُ بنَفسِه مع القُدرةِ عليه؛ فدخَله نَقصٌ، فيَجبُ جَبرُه بالدَّمِ، وإذا كان عاجِزًا عن المَشي لا يَلزمُه شيءٍ؛ لأنَّه لم يَترُكِ الواجبَ، إذْ لا وُجوبَ مع العَجزِ (٢). قال الإمامُ السَّرخَسيُّ ﵀: وإنْ طافَ راكِبًا أو مَحمولًا فإنْ كان لعُذرٍ من مَرضٍ أو كِبَرٍ لم يَلزمْه شيءٌ، وإنْ كان لغيرِ عُذرٍ أعادَه ما دامَ بمكةَ، فإنْ رجَع إلى أهلِه فعليه الدَّمُ عندَنا، وعلى قولِ الشافِعيِّ ﵁ لا شيءَ عليه؛ لأنَّه صحَّ في الحَديثِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ للزِّيارةِ يومَ

стр. 2900

النَّحرِ على ناقَتِه واستلَم الأركانَ بمِحجَنِه، ولكنَّا نَقولُ: التَّوارثُ من لَدُنْ رَسولِ اللهِ ﷺ إلى يومِنا هذا الطَّوافُ ماشيًّا. وعلى هذا -على قولِ من يجعَلُه كالصَّلاةِ- عليه الدَّمُ؛ لأنَّ أداءَ المَكتوبةِ راكِبًا من غيرِ عُذرٍ لا يَجوزُ، فكانَ يَنبَغي ألَّا يُعتدَّ بطَوافِ الراكِبِ من غيرِ عُذرٍ، ولكنَّا نَقولُ: المَشيُ شَرطُ الكَمالِ فيه، فتَركُه من غيرِ عُذرٍ يُوجِبُ الدَّمَ لِما بيَّنا. فأمَّا تَأويلُ الحَديثِ فقد ذكَر أبو الطُّفَيلِ ﵀ أنَّه طافَ راكِبًا لوجَعٍ أصابَه، وهو أنَّه وثَبت رِجلُه، فلهذا طافَ راكِبًا. وذكَر ابنُ أبي الزُّبيرِ عن جابرٍ ﵄ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما طافَ راكِبًا ليُشاهِدَه الناسُ فيَسألوه عن حَوادثِهم، وقيلَ: إنَّما طافَ راكِبًا لكِبَرِ سِنِّه، وعندَنا إذا كان لعُذرٍ فلا بأسَ به، وكذلك إذا طافَ بينَ الصَّفا والمَروةِ مَحمولًا أو راكِبًا، وكذلك لو طافَ الأكثرَ راكِبًا أو مَحمولًا فالأكثرُ يَقومُ مَقامَ الكلِّ على ما بينَا (١). وقال الإمامُ الدُّسوقيُّ ﵀: قولُه: (إذْ هو واجبٌ … إلخ)، حاصِلُه أنَّ المَشيَ في كلٍّ من الطَّوافِ والسَّعيِ واجبٌ على القادِرِ عليه، فلا دَمَ على عاجِزٍ طافَ أو سعَى راكِبًا أو مَحمولًا. وأمَّا القادِرُ إذا طافَ أو سعَى مَحمولًا أو راكِبًا فإنَّه يُؤمَرُ بإعادَتِه ماشيًا

стр. 2901

ما دامَ بمكةَ، ولا يُجبَرُ بالدَّمِ حينَئذٍ، كما يُؤمَرُ العاجزُ بإعادَتِه إنْ قدِر ما دامَ بمكةَ، وإنْ رجَع لبَلدِه لا يُؤمَرُ بالعَودِ لإعادَتِه، ويَلزمُه دَمٌ، فإنْ رجَع وأعادَه ماشيًا سقَط الدَّمُ عنه. قولُه: (في الواجبِ)؛ أي: في الطَّوافِ الواجبِ، وأمَّا الطَّوافُ غيرُ الواجبِ فالمَشيُ فيه سُنةٌ، وحينَئذٍ لا دَمَ على تارِكِ المَشيِ فيه. قولُه: (وأمَّا العاجزُ فلا دَمَ عليه)؛ قال: ولا يُشترَطُ في العاجزِ عَدمُ القُدرةِ بالكلِّيةِ، بل المَرضُ الذي يَشقُّ معه المَشيُ، كما في التَّوضيحِ عن ابنِ عبدِ السَّلامِ (١). وذهَب الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى إلى أنَّ المَشيَ في الطَّوافِ سُنةٌ، وهو اختيارُ ابنِ عبدِ البرِّ من المالِكيةِ. قال النَّوويُّ ﵀: نقَل الماوَرديُّ إجماعَ العُلماءِ على أنَّ طَوافَ الماشي أوْلى من طَوافِ الراكِبِ، فلو طافَ راكِبًا لعُذرٍ أو غيرِه صحَّ طَوافُه، ولا دَمَ عليه عندَنا في الحالَين، وهذا هو الصَّحيحُ من مَذهبِ أحمدَ، وبه قال داودُ وابنُ المُنذرِ. وقال مالكٌ وأبو حَنيفةَ: إنْ طافَ راكِبًا لعُذرٍ أجزَأه ولا شيءَ عليه، وإنْ طافَ راكِبًا لغيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ. قال أبو حَنيفةَ: وإنْ كان بمكةَ أعادَ الطَّوافَ.

стр. 2902

واحتَجَّا بأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالبَيتِ، فلا يُجزِئُ فِعلُها على الراحِلةِ كالصَّلاةِ، واحتَجَّ أصحابُنا بالأحاديثِ السابِقةِ، قالوا: «إنَّما طافَ النَّبيُّ ﷺ راكِبًا لشَكوى عرَضتْ له»، كذا رَواه أبو داودَ (١) في سُننِه عن ابنِ عَباسٍ. والجَوابُ: أنَّ الأحاديثَ الصَّحيحةَ الثابِتةَ من رِوايةِ جابرٍ وعائشةَ مُصرِّحةٌ بأنَّ طَوافَه ﷺ راكِبًا لم يَكنْ لمَرضٍ، بل كان ليَراه الناسُ ويَسألوه ولا يُزاحِموا عليه. وأمَّا حَديثُ ابنِ عَباسٍ هذا فضَعيفٌ، وأمَّا قياسُهم على الصَّلاةِ ففاسِدٌ؛ لأنَّ الصَّلاةَ لا تَصحُّ راكِبًا إذا كانَت فَريضةً وقد سلَّموا صِحةَ الطَّوافِ، ولكنِ ادَّعوْا وُجوبَ الدَّمِ، ولا دَليلَ لهم في ذلك، واللهُ أعلمُ (٢). وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ ثالِثةٌ أنَّه لا يُجزِئُه مُطلقًا إنْ طافَ راكِبًا مع قُدرَتِه على المَشيِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّوافُ بالبَيتِ صَلاةٌ» (٣)، ولأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالبَيتِ فلم يَجزْ فِعلُها راكِبًا لغيرِ عُذرٍ كالصَّلاةِ (٤).

стр. 2903

وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن طافَ وسعَى مَحمولًا لعِلةٍ، أجزَأه، لا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في صِحةِ طَوافِ الراكِبِ إذا كان له عُذرٌ، فإنَّ ابنَ عَباسٍ رَوى، «أنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ في حَجةِ الوَداعِ على بَعيرٍ، يَستلِمُ الرُّكنَ بمِحجَنٍ» (١). وعَن أُمِّ سَلمةَ، قالت: «شَكَوتُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ أنِّي أشتَكي، فقال: طُوفي من وَراءِ الناسِ، وأنتِ راكِبةٌ» (٢) متَّفقٌ عليهما. وقال جابرٌ: «طافَ النَّبيُّ ﷺ على راحِلتِه، بالبَيتِ، وبينَ الصَّفا والمَروةِ، ليَراه الناسُ، وليُشرِفَ عليهم، ليَسألوه، فإنَّ الناسَ غَشوهُ» (٣)، والمَحمولُ كالراكِبِ فيما ذكَرناه. فَصلٌ: فأمَّا الطَّوافُ راكِبًا أو مَحمولًا لغيرِ عُذرٍ، فمَفهومُ كَلامِ الخِرقيِّ أنَّه لا يُجزِئُ، وهو إحدى الرِّواياتِ عن أحمدَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «الطَّوافُ بالبَيتِ صَلاةٌ» (٤)، ولأنَّها عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالبَيتِ، فلم يَجزْ فِعلُها راكِبًا لغيرِ عُذرٍ، كالصَّلاةِ. والثانيةُ: يُجزِئُه، ويَجبُرُه بدَمٍ، وهو قولُ مالكٍ، وبه قال أبو حَنيفةَ، إلا أنَّه قال: يُعيدُ ما كان بمكةَ، فإنْ رجَع جبَره بدَمٍ؛ لأنَّه ترَك صِفةً واجبةً

стр. 2904

في رُكنِ الحَجِّ، فأشبَهَ ما لو وقَف بعَرفةَ نَهارًا، ودفَع قبلَ غُروبِ الشَّمسِ. والثالِثةُ: يُجزِئُه، ولا شيءَ عليه، اختارَها أبو بَكرٍ، وهي مَذهبُ الشافِعيِّ، وابنِ المُنذرِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ راكِبًا. قال ابنُ المُنذرِ: لا قولَ لأحَدٍ مع فِعلِ النَّبيِّ ﷺ ، ولأنَّ اللهَ تَعالى أمَر بالطَّوافِ مُطلقًا، فكَيفَما أتى به أجزَأه، ولا يَجوزُ تَقييدُ المُطلقِ بغيرِ دَليلٍ. ولا خِلافَ في أنَّ الطَّوافَ راجِلًا -أي: ماشيًا على رِجلَيه- أفضلُ؛ لأنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ طافوا مَشيًا، والنَّبيَّ ﷺ في غيرِ حَجةِ الوداعِ طافَ مَشيًا، وفي قولِ أُمِّ سَلمةَ: «شَكوتُ إلى النَّبيِّ ﷺ أنِّي أشتَكي، فقال: طُوفي من وَراءِ الناسِ، وأنتِ راكِبةٌ» (١)، دَليلٌ على أنَّ الطَّوافَ إنَّما يَكونُ مَشيًا، وإنَّما طافَ النَّبيُّ ﷺ راكِبًا لعُذرٍ، فإنَّ ابنَ عَباسٍ رَوى «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كثُر عليه الناسُ يَقولونَ: هذا مُحمدٌ، هذا مُحمدٌ، حتى خرَج العَواتقُ من البُيوتِ، وكانَ رَسولُ اللهِ ﷺ لا يُضرَبُ الناسُ بينَ يَديْه، فلمَّا كثُروا عليه ركِب» رَواه مُسلمٌ. وكذلك في حَديثِ جابرٍ، فإنَّ الناسَ غَشَوْه، ورُوي عن ابنِ عَباسٍ، «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ طافَ راكِبًا؛ لشَكاةٍ بهِ».

стр. 2905

وبهذا يَعتذِرُ من منَع الطَّوافَ راكِبًا عن طَوافِ النَّبيِّ ﷺ ، والحَديثُ الأولُ أثبَتُ. فعلى هذا يَكونُ كَثرةُ الناسِ، وشِدةُ الزِّحامِ عُذرًا، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ النَّبيُّ ﷺ قصَد تَعليمَ الناسِ مَناسكَهم، فلم يَتمكَّنْ منه إلا بالرُّكوبِ، واللهُ أعلمُ. ثمَّ قالَ: فَصلٌ: إذا طافَ راكِبًا، أو مَحمولًا، فلا رَمَلَ عليه. وقال القاضي: يَخِبُّ به بَعيرُه، والأولُ أصَحُّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَفعلْه، ولا أمَر به، ولأنَّ مَعنى الرَّمَلِ لا يَتحقَّقُ فيه. فَصلٌ: فأمَّا السَّعيُ راكِبًا، فيُجزِئُه لعُذرٍ ولغيرِ عُذرٍ؛ لأنَّ المَعنى الذي منَع الطَّوافَ راكِبًا غيرُ مَوجودٍ فيه (١). وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أمَّا مَنْ صلَّى وهو صَحيحٌ قادِرٌ على القيامِ جالِسًا فصَلاتُه باطِلةٌ بإجماعٍ من العُلماءِ، إذا كان إمامًا أو مُنفرِدًا، فكيف يُقاسُ على هذا الأصلِ ما فرَّقت السُّنةُ بينَهما بما ذكَرنا من حَديثِ ابنِ عَباسٍ وغيرِه أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ طافَ على راحِلتِه ولم يَقلْ: إنَّ طَوافي ذلك لعُذرٍ ولا نقَل ذلك من يُوثَقُ بنَقلِه ومَعلومٌ أنَّ التَّأسِّيَ به مُباحٌ أو واجبٌ، حتى يَتبيَّنَ أنَّه له خُصوصٌ بما لا دَفعَ فيه من الخَبرِ اللَّازِمِ (٢).

стр. 2906

ويُسنُّ الرَّمَلُ والاضطِباعُ في الطَّوافِ إذا كان سيَسعى بعدَه، وإلا فلا يُسنُّ. صَلاةُ رَكعتَيِ الطَّوافِ: اختلَف الفُقهاءُ في رَكعتَيِ الطَّوافِ هل هُما واجبتانِ أو سُنةٌ؟ فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّهما واجبتانِ؛ لأنَّهما تابِعَتانِ لِلطَّوافِ؛ فكانتا واجبتَين كالسَّعيِ. وفي حَديثِ جابرٍ الطَّويلِ أنَّه ﷺ لمَّا انتَهى إلى مَقامِ إبراهيمَ ﷺ قرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ نبَّه بالتِّلاوةِ قبلَ الصَّلاةِ على أنَّ صَلاتَه هذه امتِثالٌ لهذا الأمرِ، والأمرُ للوجوبِ (١). وذهَب المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأصحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّهما سُنةٌ مُؤكَّدةٌ غيرُ واجبةٍ؛ لأنَّها صَلاةٌ زائدةٌ على الصَّلواتِ الخَمسِ؛ فلم تَجبْ بالشَّرعِ على الأعيانِ كسائرِ النَّوافِلِ، وقد قال ﷺ : «خَمسُ صَلَواتٍ كتَبهنَّ اللهُ على العِبادِ، فمَن جاءَ بهنَّ لم يُضيِّعْ منهنَّ شيئًا استِخفافًا بحقِّهنَّ كان له عندَ اللَّهِ عَهدٌ أنْ يُدخلَه الجَنةَ» (٢)، وهذه ليست منها.

стр. 2907

ولمَّا سألَ الأعرابيُّ النَّبيَّ ﷺ عن الفَرائضِ ذكَر الصَّلواتِ الخَمسَ قال: فهل علَيَّ غيرُها؟ قال: «لا، إلا أنْ تَطَّوعَ» (١)، ولأنَّها صَلاةٌ لم تُشرَعْ لها جَماعةٌ لم تَكنْ واجبةً كسائرِ النَّوافِلِ (٢). رُكنيَّةُ طَوافِ الزِّيارةِ (الإفاضَةِ): ثبَت فَرضيَّةُ طَوافِ الزِّيارةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٠] والمُرادُ منه طَوافُ الزِّيارةِ بالإجماعِ، ولأنَّه أمَر الكلَّ بالطَّوافِ، فيَقتَضي الوُجوبَ على الكلِّ، وطَوافُ القُدومِ مُختلَفٌ فيه، وطَوافُ الصَّدرِ -الوَداعِ- لا يَجبُ على الكلِّ؛ لأنَّه لا يَجبُ على أهلِ مكةَ، فتعيَّن طَوافُ الزِّيارةِ مُرادًا بالآيةِ. وأمَّا السُّنةُ: فعن عائشةَ ﵂: أنَّ صَفيَّةَ بنتَ حُييٍّ زَوج النَّبيِّ ﷺ حاضَت، فذكَرتُ ذلك لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: «أحابِسَتُنا هيَ؟» قالوا: إنَّها قد أفاضَت. قال: «فلا إذًا» (٣)، فدلَّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بدَّ منه، وأنَّه حابِسٌ لِمن لم يَأتِ به.

стр. 2908

وأمَّا الإجماعُ: فقد نقَلَ الإجماعَ على رُكنيَّتِه وفَرضيَّتِه جَماعةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ كابنِ المُنذِرِ وابنُ عَبدِ البرِّ وابنِ حَزمٍ والكاسانِيُّ وابنُ هُبيرةَ والنَّوويُّ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعُوا أنَّ الطَّوافَ الواجِبَ هو طَوافُ الإفاضةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ تَمامَ الحَجِّ الوَقوفُ بعَرفةَ والطَّوافُ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ الطَّوافَ الآخَرَ المُسمَّى طَوافَ الإفاضةِ بالبَيتِ والوَقوفَ بعَرفةَ فَرضٌ (٣). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما طَوافُ الزِّيارةِ فالدَّليلُ على أنه رُكنٌ قَولُه تعالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والمُرادُ منه طَوافُ الزِّيارةِ بالإجماعِ، ولأنه تعالَى أمَرَ الكُلَّ بالطَّوافِ، فيَقتضِي الوُجوبَ على الكلِّ، وطَوافُ اللقاءِ لا يَجبُ أصلًا، وطَوافُ الصَّدرِ لا يَجبُ على الكلِّ؛ لأنه لا يَجبُ على أهلِ مَكةَ، فيَتعينُ طَوافُ الزِّيارةِ مُرادًا بالآيةِ (٤).

стр. 2909

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ فُروضَ الحَجِّ ثَلاثةٌ: الإحرَامُ بالحَجِّ، والوُقوف بعَرفةَ، وطَوافُ الزِّيارةِ وهو طَوافُ الإفاضةِ، ويُسمَّى طَوافَ الفَرضِ أيضًا (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يَطوفُ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضةِ … وهذا الطَّوافُ رُكنٌ مِنْ أركانِ الحَجِّ لا يَصحُّ الحَجُّ إلا بهِ بإجماعِ الأمَّةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو رُكنٌ للحَجِّ لا يَتمُّ إلا به، لا نَعلمُ فيه خِلافًا، ولأنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. قالَ ابنُ عَبدِ البرِّ: هو مِنْ فَرائضِ الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلكَ بينَ العُلماءِ (٣). شُروطُ طَوافِ الزِّيارةِ: يُشترَطُ في طَوافِ الزِّيارةِ شُروطٌ خاصَّةٌ به سِوى الشُّروطِ العامَّةِ للطَّوافِ، وهذه الشُّروطُ الخاصَّةُ هي: أ- أنْ يَكونَ مَسبوقًا بالإحرامِ، لتَوقُّفِ احتِسابِ أيِّ عَملٍ من أعمالِ الحَجِّ على الإحرامِ. ب- أنْ يَكونَ مَسبوقًا بوُقوفِ عَرفةَ، فلو طافَ لِلإفاضةِ قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ لا يَسقطُ به فَرضُ الطَّوافِ إجماعًا.

стр. 2910

ج - النِّيةُ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ تَعيُّنُ النِّيةِ في طَوافِ الإفاضةِ؛ لأنَّ نيَّةَ الحَجِّ تَشملُ أفعالَ الحَجِّ كلَّها، كما أنَّ نيَّةَ الصَّلاةِ تَشملُ جميعَ أفعالِها، ولا يُحتاجُ إلى النِّيةِ في رُكوعٍ ولا غيرِه، ولأنَّه لو وقَف بعَرفةَ ناسيًا أجزَأه بالإجماعِ. قال الكاسانيُّ ﵀: فأمَّا تَعيينُ النِّيةِ حالَ وُجودِه في وقتِه فلا حاجةَ إليه حتى لو نفَر في النَّفرِ الأولِ فطافَ، وهو لا يُعيِّنُ طَوافًا يَقعُ عن طَوافِ الزِّيارةِ، لا عن الصَّدرِ -أيِ: الوَداعِ-؛ لأنَّ أيامَ النَّحرِ مُتعيِّنةٌ لطَوافِ الزِّيارةِ فلا حاجةَ إلى تَعيينِ النِّيةِ، كما لو صامَ رَمضانَ بمُطلَقِ النِّيةِ أنَّه يَقعُ عن رَمضانَ لكَونِ الوقتِ مُتعيِّنًا لصَومِه، كذا هذا. وكذا لو نَوى تطوُّعًا يَقعُ عن طَوافِ الزِّيارةِ، كما لو صامَ رَمضانَ بنيَّةِ التطوُّعِ، وكذلك كلُّ طَوافٍ واجبٍ، أو سُنَّةٍ يَقعُ في وقتِه من طَوافِ اللِّقاءِ -القُدومِ- وطَوافِ الصَّدرِ -الوَداعِ-، فإنَّما يَقعُ عمَّا يَستحِقُّه الوقتُ، وهو الذي انعقَد عليه الإحرامُ دونَ غيرِه، سَواءٌ عيَّن ذلك بالنِّيةِ، أو لم يُعيِّنْ، فيَقعُ عن الأولِ، ولو نَوى الثاني لا يَعملُ بنيَّتِه في تَقديمِه على الأولِ، حتى إنَّ المُحرِمَ إذا قدِم مكةَ، وطافَ لا يُعيِّنُ شيئًا، أو نَوى التطوُّعَ، فإنْ كان مُحرِمًا بعُمرةٍ يَقعُ طَوافُه للعُمرةِ، وإنْ كان مُحرِمًا بحَجةٍ يَقعُ طَوافُه للقُدومِ؛ لأنَّ عَقدَ الإحرامِ انعقَد عليه (١).
следующие страницы →