٣ - انقِطاعُ الحَدثِ حالَ التَّوضُّؤِ:
ذهَبَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ إلى أنَّ انقِطاعَ الحَدثِ حالَ التَّوضُّؤِ شَرطٌ لصِحةِ الوُضوءِ، فلا يَصحُّ الوُضوءُ حالَ خُروجِ الحَدثِ أو مَسِّ الذَّكرِ ونَحوِه؛ لأنَّه بظُهورِ بَولٍ وسَيلانٍ ناقِضٍ لا يَصحُّ الوُضوءُ (١)، وهذه يُسمِّيها العُلماءُ انقِطاعَ ما يُوجِبُه.
٤ - العِلمُ بكَيفيةِ الوُضوءِ:
قد ذكَرَ الشافِعيةُ ضِمنَ شُروطِ الوُضوءِ العِلمَ بكَيفيةِ الوُضوءِ بمَعنى أنَّه لا بدَّ للمُتوضِّئِ من التَّمييزِ بينَ فُروضِ الوُضوءِ وسُننِه على تَفصيلٍ في ذلك حاصِلُه:
أنَّه مَتى مَيَّزَ فُروضَ الوُضوءِ من سُننِه أو اعتقَدَه كلَّه فُروضًا صَحَّ من العالِمِ والعامِّيِّ وهاتان صُورَتان.
وإنِ اعتقَدَه كلَّه سُننًا أو علِمَ أنَّ فيه فُروضًا وسُننًا ولم يُميِّزْ بينَها واعتقَدَ بفَرضٍ مُعيَّنٍ نَفلًا بطَلَ -أي: الوُضوءُ- من العالِمِ والعامِّيِّ وهاتان صُورَتان.
وإنِ اعتقَدَ أنَّ فيه فُروضًا وسُننًا ولم يُميِّزْ بينَها ولم يَعتقدْ بفَرضٍ مُعيَّنٍ نَفلًا كأنْ كان كُلَّما سُئلَ عن شَيءٍ منه هل هو فَرضٌ أو سُنةٌ يَقولُ: لا أَدري، صَحَّ من العامِّيِّ الوُضوءُ دونَ العالِمِ وهذه صُورةٌ واحِدةٌ.
стр. 317
فالصُّورُ خَمسٌ، اثنَتانِ تَصحانِ من العامِّيِّ والعالِمِ، واثنَتانِ تَبطُلانِ منهما، وواحِدةٌ تَصحُّ من العامِّيِّ وتَبطُلُ من العالِمِ، وهذا الشَّرطُ مع هذا التَّفصيلِ عامٌّ في جَميعِ العِباداتِ كالصَّلاةِ والصَّومِ ونَحوِ ذلك، واستَثنَى بَعضُهم الحَجَّ (١).
٥ - عَدمُ الصارِفِ عن الوُضوءِ:
وهذا الشَّرطُ ذكَرَه الشافِعيةُ أيضًا، وجَعَلوه من شُروطِ الوُضوءِ، وهو عَدمُ صارِفٍ عن الوُضوءِ، ويُعبَّرُ عنه بدَوامِ النِّيةِ حُكمًا: بألَّا يَأتي بمُنافٍ للنِّيةِ كرَدةٍ أو تَعليقٍ «إنْ شاءَ اللهُ» لا بنيَّةِ التَّبرُّكِ، أو كقَطعٍ للنِّيةِ، فلو قطَعَ النِّيةَ في أثناءِ الوُضوءِ احتاجَ في بَقيةِ الأَعضاءِ إلى نيةٍ جَديدةٍ (٢).
٦ - جَرْيُ الماءِ على العُضوِ:
صرَّحَ الشافِعيةُ أيضًا بأنَّ من شُروطِ الوُضوءِ جَريانَ الماءِ على العُضوِ بلا خِلافٍ، فلا يَكفي أنْ يَمسَّ العُضوَ الماءُ؛ لأنَّه لا يُسمَّى غَسلًا، أي: المَسُّ المَذكورُ، وأنَّ المَأمورَ فيه في الآيةِ الشَّريفةِ الغَسلُ.
стр. 318
قالَ في «النِّهايةِ»: ولا يَمنعُ مَنْ عَدَّ هذا شَرطًا كَونَه مَعلومًا من مَفهومِ الغَسلِ؛ لأنَّه قد يُرادُ بالغُسلِ ما يَعمُّ النَّضحَ (١).
٧ - النِّيةُ:
نَصَّ الحَنابِلةُ في المَذهبِ عندَهم على أنَّ النِّيةَ شَرطٌ من شُروطِ الوُضوءِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّيَّاتِ»، أي: لا عَملَ جائِزٌ ولا فاضِلٌ إلا بنيَّةٍ؛ ولأنَّ النَّصَّ دَلَّ على الثَّوابِ في كلِّ وُضوءٍ ولا ثَوابَ في غيرِ مَنويٍّ إِجماعًا؛ ولأنَّ النيَّةَ للتَّمييزِ؛ ولأنَّه عِبادةٌ من شَرطِها النِّيةُ؛ لأنَّ ما لم يُعلمْ إلا من الشارِعِ فهو عِبادةٌ كالصَّلاةِ وغيرِها.
وفي قَولٍ عندَهم أنَّها فَرضٌ (٢)، وسيَأتي بَيانُ ذلك في فُروضِ الوُضوءِ.
٨ - إِباحةُ الماءِ:
ذهَبَ الحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّ مِنْ شُروطِ صِحةِ الوُضوءِ إِباحةَ الماءِ، فلا يَصحُّ الوُضوءُ بالماءِ المَغصوبِ؛ لحَديثِ: «مَنْ
стр. 319
عمِلَ عَملًا ليسَ عليه أمرُنا فهو رَدٌّ» (١)، فلا يَصحُّ الوُضوءُ بماءٍ مُحرَّمِ الاستِعمالِ كالمَغصوبِ ونَحوِه.
وعن الإمامِ أحمدَ ﵀ رِوايةٌ: تَصحُّ الطَّهارةُ بالماءِ المَغصوبِ ولكنْ مع الكَراهةِ (٢).
شُروطُ الوُضوءِ في حَقِّ صاحِبِ الضَّرورةِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على جَوازِ الوُضوءِ قبلَ دُخولِ وَقتِ الصَّلاةِ، وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك ابنُ المُنذرِ والنَّوويُّ وغيرُهما.
قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ تطهَّرَ بالماءِ قبلَ وَقتِ الصَّلاةِ طَهارتُه كامِلةٌ (٣).
واستَثنَى الشافِعيةُ والحَنابِلةُ أَصحابَ الضَّرورةِ؛ فإنَّهم اشتَرَطوا لوُضوءِ صاحِبِ الضَّرورةِ -وهو مَنْ به حَدثٌ دائِمٌ كالمُستحاضةِ ومَن به سَلسُ بَولٍ أو رِيحٍ أو غائِطٍ ونَحوِهم- دُخولَ وَقتِ الصَّلاةِ ولو ظَنًّا، أي: سَواءٌ كانَ دُخولُه يَقينًا أو كانَ ظَنًّا فيما إذا كانَ اشتَبَه عليه الوَقتُ أو دخَلَ أو لا، فاجتهَدَ فأدَّاه اجتِهادُه إلى دُخولِه؛ لأنَّ طَهارتَه طَهارةُ ضَرورةٍ فتَقيَّدت
стр. 320
بدُخولِ الوَقتِ كالتَّيممِ، فإذا تَوضَّأ قبلَ دُخولِ الوَقتِ بطَلَ الوُضوءُ بدُخولِه كالتَّيممِ؛ لأنَّه لا حاجةَ إليه إذَنْ.
واشتَرَطوا له أيضًا تَقدُّمَ الاستِنجاءِ أو الاستِجمارِ على الوُضوءِ؛ لأنَّه يُشتَرطُ لطُهرِه تَقدُّمُ إِزالةِ النَّجاسةِ.
وزادَ الشافِعيةُ اشتِراطَ التَّحفظِ مِثلَ الحَشوِ والعَصبِ إذا احتِيجَ إليه، والمُوالاةِ بينَ الاستِنجاءِ والتَّحفظِ والمُوالاةِ بينَ الاستِنجاءِ والتَّحفظِ وبينَ الوُضوءِ والمُوالاةِ بينَ الوُضوءِ والصَّلاةِ (١).
стр. 321
فُروضُ الوُضوءِ:
أولاً: الفَرائضُ المُتَّفقُ عليها في الوُضوءِ:
الفَرضُ الأولُ: غَسلُ الوَجهِ:
غَسلُ الوَجهِ فَرضٌ في الوُضوءِ بالكِتابِ والسُّنةِ المُتظاهِرةِ والإِجماعِ فقد اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ غَسلَ ظاهِرِ الوَجهِ كامِلًا مَرةً فَرضٌ من فُروضِ الوُضوءِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. والأمرُ المُطلقُ لا يَقتَضي التَّكرارَ.
وأمَّا السُّنةُ: فلمَا رَواه حُمرانُ مَولى عُثمانَ بنِ عَفانَ ﵁ أنَّ عُثمانَ ﵁: «دَعا بوَضوءٍ فتَوضَّأ فغسَلَ كَفَّيه ثَلاثَ مَراتٍ، ثم مَضمَض واستَنثَر، ثم غسَلَ وَجهَه ثَلاثَ مَراتٍ، ثم غسَلَ يَدَه اليُمنى إلى المِرفَقِ ثَلاثَ مَراتٍ، ثم غسَلَ يَدَه اليُسرى مِثلَ ذلك، ثم مسَحَ رَأسَه، ثم غسَلَ رِجلَه اليُمنى إلى الكَعبَينِ ثَلاثَ مَراتٍ، ثم غسَلَ اليُسرى مِثلَ ذلك، ثم قالَ: رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ تَوضَّأ نَحوَ وُضوئي هذا، ثم قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَوضَّأ نَحوَ وُضوئي هذا ثم قامَ فركَعَ رَكعَتينِ لا يُحدِّثُ فيهما نَفسَه غُفرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنبِه» (١)، ولمَا رَواه ابنُ عَباسٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ تَوضَّأ مَرةً مَرةً» (٢).
стр. 322
غَسلُ شَعرِ اللِّحيةِ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ وجَماهيرُ العُلماءِ من الصَّحابةِ والتابِعينَ على أنَّ اللِّحيةَ إنْ كانَت كَثيفةً؛ فإنَّه يَجبُ غَسلُ ظاهِرِها ولا يَجبُ غَسلُ باطِنِها ولا البَشرةِ تحتَها.
أمَّا إذا كانَت اللِّحيةُ خَفيفةً تُرى بَشرتُها فاختَلَفوا فيها:
فذهَبَ الحَنفيةُ في الصَّحيحِ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه يَجبُ غَسلُ ظاهِرِها وباطِنِها والبَشرةِ تحتَها؛ لقَولِه تَعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾، وهذه البَشرةُ من الوَجهِ ويَقعُ بها المُواجهةُ؛ ولأنَّه مَوضعٌ ظاهِرٌ من الوَجهِ فأشبَهَ الخَدَّ ويُخالِفُ الكَثيفَ؛ فإنَّه يَشقُّ إيصالُ الماءِ إليه بخِلافِ هذا.
أمَّا ما ذكَرَه الكاسانِيُّ ﵀: مِنْ أنَّه إذا نبَتَ الشَّعرُ يَسقطُ غَسلُ ما تحتَه عندَ عامةِ العُلماءِ كَثيفًا كانَ أو خَفيفًا؛ لأنَّ ما تحتَه خرَجَ من أنْ يَكونَ وَجهًا؛ لأنَّه لا يُواجِهُ به.
فقد قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: وكَلامُه هذا مَحمولٌ على إذا لم تُرَ بَشرتُها كما يُشيرُ إليه التَّعليلُ، فالخَفيفةُ قِسمانِ.
ضابِطُ اللِّحيةِ الكَثيفةِ واللِّحيةِ الخَفيفةِ:
ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ في الأصَحِّ عندَهم إلى أنَّ ما ستَرَ البَشرةَ عن الناظِرِ في مَجلسِ التَّخاطُبِ فهو كَثيفٌ، وما لا فهو خَفيفٌ.
стр. 323
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ: إلى أنَّ ما عَدَّه الناسُ خَفيفًا فهو خَفيفٌ، وما عَدُّوه كَثيفًا فهو كَثيفٌ.
وفي وَجهٍ ثالِثٍ عندَ الشافِعيةِ: ما وصَلَ الماءُ إلى ما تحتَه بلا مَشقةٍ فهو خَفيفٌ، وما لا فكَثيفٌ، وإنْ كانَ بعضُ اللِّحيةِ خَفيفًا وبَعضُها كَثيفًا فلكلِّ بَعضٍ منهما حُكمُه، فللكَثيفِ حُكمُ اللِّحيةِ الكَثيفةِ وللخَفيفِ حُكمُ اللِّحيةِ الخَفيفةِ.
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ: إلى أنَّه لا يَجبُ غَسلُ ما استَرسَل من اللِّحيةِ كما لا يَجبُ مَسحُه بل يُسنُّ.
وذهَبَ المالِكيةُ والحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ: إلى وُجوبِ غَسلِ ما استَرسَل منها (١).
تَخليلُ اللِّحيةِ:
أمَّا تَخليلُ اللِّحيةِ والذَّقَنِ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ فيه:
فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ إلى أنَّ تَخليلَ اللِّحيةِ ليسَ بواجِبٍ في الوُضوءِ.
أمَّا في غُسلِ الجَنابةِ فذهَبَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ وأكثرُ أهلِ العِلمِ إلى وُجوبِ تَخليلِ اللِّحيةِ في غُسلِ الجَنابةِ.
стр. 324
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ وأَصحابُه وطائِفةٌ من أهلِ المَدينةِ إلى أنَّه لا يَجبُ تَخليلُ اللِّحيةِ في غُسلِ الجَنابةِ.
وقد ذكَرَ ابنُ عبدِ الحَكمِ عن مالِكٍ قالَ: ويُحرِّكُ اللِّحيةَ في الوُضوءِ إنْ كانَت كَبيرةً ولا يُخلِّلُها، وأمَّا في الغُسلِ فليُحرِّكْها وإنْ صَغُرت، وتَخليلُها أحَبُّ إلينا.
وذكَرَ ابنُ القاسِمِ عن مالِكٍ قالَ: يُحرِّكُ المُتوضِّئُ ظاهِرَ لِحيتِه من غيرِ أنْ يُدخلَ يَدَه فيها، قالَ: وهي مِثلُ أَصابعِ الرِّجلِ، يَعني أنَّها لا تُخلَّلُ (١).
الفَرضُ الثاني: غَسلُ اليَدينِ إلى المِرفَقينِ:
لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمةِ في وُجوبِ غَسلِ اليَدينِ في الطَّهارةِ إلى المِرفَقينِ وأنَّ غَسلَهما رُكنٌ من أَركانِ الوُضوءِ وفَرضٌ من فَرائِضِه واستدَلُّوا على ذلك بالكِتابِ والسُّنةِ والإِجماعِ.
أمَّا الكِتابُ: فقَولُه تَعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
وأمَّا السُّنةُ: فمِنها كَثيرٌ، منها حَديثُ حُمرانَ مَولَى عُثمانَ ﵁ المتقدم في صفة وضوء النبي ﷺ وفيه: «أنه دَعا بوَضوءٍ فتَوضَّأ
стр. 325
فغسَلَ كَفَّيه ثَلاثَ مَراتٍ، ثم مَضمَض واستَنثَر، ثم غسَلَ وَجهَه ثَلاثَ مَراتٍ، ثم غسَلَ يَدَه اليُمنى إلى المِرفَقِ ثَلاثَ مَراتٍ، ثم غسَلَ يَدَه اليُسرى مِثلَ ذلك، ثم مسَحَ رَأسَه، ثم غسَلَ رِجلَه اليُمنى إلى الكَعبَينِ ثَلاثَ مَراتٍ، ثم غسَلَ اليُسرى مِثلَ ذلك، ثم قالَ: رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ تَوضَّأ نَحوَ وُضوئي هذا، ثم قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : مَنْ تَوضَّأ نَحوَ وُضوئي هذا ثم قامَ فركَعَ رَكعَتينِ لا يُحدِّثُ فيهما نَفسَه غُفرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنبِه» (١). ومنها أيضًا ما رَواه أبو هُريرةَ ﵁ في صفةِ وُضوءِ النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه تَوضَّأ فغسَلَ وَجهَه فأسبَغَ الوُضوءَ ثم غسَلَ يَدَه اليُمنى حتى أشرَعَ في العَضُدِ ثم يَدَه اليُسرى حتى أشرَعَ في العَضُدِ» (٢).
وأمَّا الإِجماعُ: فلا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمةِ على وُجوبِ غَسلِ اليَدينِ إلى المِرفَقينِ في الوُضوءِ، وقد نقَلَ الإِجماعَ على ذلك عَددٌ كَبيرٌ من العُلماءِ (٣).
стр. 326
غَسلُ المِرفَقينِ في الوُضوءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المِرفَقينِ هل يَجبُ غَسلُهما مع اليَدينِ في الوُضوءِ أو لا يَجبُ؟
فذهَبَ أبو حَنيفةَ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأحمدُ في المَشهورِ عنه إلى وُجوبِ غَسلِ المِرفَقينِ مع اليَدينِ في الوُضوءِ لقَولِه تَعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
وذهَبَ زُفَرُ من الحَنفيةِ وبَعضُ أَصحابِ مالِكٍ، والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى عَدمِ وُجوبِ غَسلِ المِرفَقِ مع اليَدِ.
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: والسَّببُ في اختِلافِهم في ذلك: الاشتِراكُ الذي في حَرفِ (إلى) وفي اسمِ (اليَدِ) في كَلامِ العَربِ، وذلك أنَّ حَرفَ (إلى) مَرةً يَدلُّ في كَلامِ العَربِ على الغايةِ، ومَرةً يَكونُ بمَعنى مع، واليَدُ أيضًا في كَلامِ العَربِ تُطلقُ على ثَلاثةِ مَعانٍ: على الكَفِّ فقط، وعلى الكَفِّ والذِّراعِ، وعلى الكَفِ والذِّراعِ والعَضُدِ.
فمَن جعَلَ (إلى) بمَعنى (مع) أو فهِمَ من اليَدِ مَجموعَ الثَّلاثةِ، أوجَبَ دُخولَها في الغُسلِ، ومَن فهِمَ من (إلى) الغايةَ، ومن اليَدِ ما دونَ المِرفَقِ ولم يَكُنِ الحَدُّ عندَه داخِلًا في المَحدودِ لم يُدخلْهما في الغَسلِ، وخرَّجَ مُسلمٌ في صَحيحِه (١) عن أبي هُريرةَ ﵁: «أنَّه غسَلَ يَدَه اليُمنى حتى أشرَعَ في العَضُدِ ثم اليُسرى كذلك، ثم غسَلَ رِجلَه اليُمنى حتى أشرَعَ في
стр. 327
الساقِ، ثم غسَلَ اليُسرى كذلك، ثم قالَ: هكذا رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ» وهو حُجةٌ لقَولِ مَنْ أوجَبَ إِدخالَهما في الغَسلِ؛ لأنَّه إذا ترَدَّد اللَّفظُ بينَ المَعنيَين على السَّواءِ وجَبَ ألَّا يُصارَ إلى أحدِ المَعنَيينِ إلا بدَليلٍ، وإنْ كانَت (إلى) في كَلامِ العَربِ أظهَرَ في مَعنى الغايةِ منها في مَعنى (مع)، وكذلك اسمُ (اليَدِ) أظهَرُ فيما دونَ العَضُدِ منه فيما فوقَ العَضُدِ.
فقَولُ مَنْ لم يُدخلْهما من جِهةِ الدِّلالةِ اللَّفظيةِ أرجَحُ، وقَولُ مَنْ أدخَلَهما من جِهةِ هذا الأثَرِ أبيَنُ، إلا أنْ يُحملَ هذا الأثَرُ على النَّدبِ والمَسألةُ مُحتملةٌ كما تَرى.
وقد قالَ قَومٌ: «إنَّ الغايةَ إنْ كانَت من جِنسِ ذي الغايةِ دخَلَت فيه، وإنْ لم تَكنْ من جِنسِه لم تَدخُلْ فيه» (١).
وفي قَولٍ آخَرَ عندَ المالِكيةِ: أنَّ المِرفَقينِ يَدخلانِ في الغَسلِ؛ لا لأجلِ وُجوبِ غَسلِهما مع اليَدينِ، بل احتِياطًا؛ لأنَّ الواجِبَ لا يُتوصَّلُ إليه إلا بدُخولِهما، وما لا يَتمُّ الواجِبُ إلا به فهو واجِبٌ، وإِدخالُهما أحوَطُ لزَوالِ تَكليفِ التَّحديدِ (٢).
стр. 328
الفَرضُ الثالِثُ: مَسحُ الرأسِ:
لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على أنَّ مَسحَ الرأسِ في الوُضوءِ من أَركانِه وفُروضِه؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦]، وللأَحاديثِ الوارِدةِ في هذا، وخصوصًا حَديثَ عُثمانَ ﵁ في وُضوءِ النَّبيِّ ﷺ وفيه: «ثم مسَحَ برَأسِه»، ولإِجماعِ الفُقهاءِ على ذلك (١).
إلا أنَّهم اختَلَفوا في القَدرِ المُجزئِ في مَسحِ الرأسِ في الوُضوءِ على أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ الإمامُ مالِكٌ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى وُجوبِ مَسحِ جَميعِ الرأسِ. وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه يُجزئُ مَسحُ بَعضِه، قالَ أبو الحارِثِ: قُلتُ لأحمدَ: فإنْ مسَحَ برأسِه وترَكَ بَعضَه؟ قالَ: يُجزئُه، ثم قالَ: ومَن يُمكنُه أنْ يَأتي على الرأسِ كلِّه؟ قالَ ابنُ قُدامةَ ﵀: إلا أنَّ الظاهِرَ عن أحمدَ ﵀ في حَقِّ الرَّجلِ وُجوبُ الاستِيعابِ، وأنَّ المَرأةَ يُجزئُها مَسحُ مُقدَّمِ رأسِها.
قالَ الخَلَّالُ: العَملُ في مَذهبِ أحمدَ أبي عبدِ اللهِ أنَّها إنْ مسَحَت مُقدَّمَ رَأسِها أجزَأَها.
стр. 329
وقال مُهنَّا: قالَ أحمدُ: أرجو أنْ تَكونَ المَرأةُ في مَسحِ الرأسِ أسهَلَ. قُلتُ له: ولِمَ؟ قالَ: كانَت عائِشةُ تَمسحُ مُقدَّمَ رأسِها (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ وبَعضُ أَصحابِ مالِكٍ إلى أنَّ مَسحَ بَعضِه هو الفَرضُ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في مِقدارِ هذا الفَرضِ.
فذهَبَ الحَنفيةُ في أشهَرِ الرِّواياتِ عنهم إلى أنَّ المِقدارَ المَفروضَ هو رُبعُ الرأسِ وهو المُعتمَدُ في المَذهبِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه مِقدارُ الناصيةِ.
والثالِثةُ: أنَّها مِقدارُ ثَلاثةِ أَصابعَ رَواها هِشامٌ عن الإمامِ، وقيلَ: هي ظاهِرُ الرِّوايةِ، وصحَّحَها في التُّحفةِ وغيرِها، وفي «الظَّهيرية» وعليها الفَتوى.
قالَ ابنُ عابِدينَ ﵀: والحاصِلُ أنَّ المُعتمَدَ رِوايةُ الرُّبعِ وعليها مَشَى المُتأخِّرون (٢).
واختَلفَ أَصحابُ مالِكٍ في حَدِّ هذا البَعضِ:
قال أشهَبُ: يَكفي مَسحُ النِّصفِ، ورُويَ عنه أنَّ مَسحَ الناصيةِ مُجزئٌ.
وقال مُحمدُ بنُ مَسلمةَ: يُجزئُ مَسحُ الثُّلثَينِ.
وقالَ أبو الفَرجِ: يُجزئُ مَسحُ الثُّلثِ (٣).
стр. 330
وأمَّا الشافِعيةُ فقالوا: إنَّ الواجِبَ أنْ يَمسحَ ما يَقعُ عليه اسمُ المَسحِ، ولو قَلَّ، فلا يَتقدَّرُ وُجوبُه بشَيءٍ، بل يَكفي فيه ما يُمكنُ.
واحتَجَّ من قالَ بمَسحِ بعضِ الرأسِ بحَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأَ فمسَحَ بناصِيَتِه وعلى العِمامةِ» (١).
قالَ النَّوويُّ ﵀: هذا مما احتَجَّ به أَصحابُنا على أنَّ مَسحَ بعضِ الرأسِ يَكفي ولا يُشترطُ الجَميعُ؛ لأنَّه لو وجَبَ الجَميعُ لمَا اكتَفَى بالعِمامةِ على الباقي؛ فإنَّ الجَمعَ بينَ الأصلِ والبَدلِ في عُضوٍ واحِدٍ لا يَجوزُ، كما لو مسَحَ على خُفٍّ واحِدٍ وغسَلَ الرِّجلَ الأُخرى (٢).
مَسحُ ما نزَلَ من شَعرِ الرأسِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الشَّعرِ المُسترسِلِ هل يَجبُ مَسحُه أو لا يَجبُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى عَدمِ وُجوبِ مَسحِ ما نزَلَ عن الرأسِ من الشَّعرِ لعَدمِ مُشاركتِه الرأسَ في التَّرؤُسِ ولا يُجزئُ مَسحُه عن الرأسِ، سَواءٌ رَدَّه فعقَدَه فوقَ رأسِه أو لم يَردَّه.
стр. 331
وإنْ نزَلَ الشَّعرُ عن مَنبَتِه ولم يَنزلْ عن مَحلِّ الفَرضِ فمسَحَ عليه أجزَأَه ولو كانَ الذي تحتَ النازِلِ مَحلوقًا، كما لو كانَ بعضُ شَعرِه فوقَ بَعضِه (١).
أمَّا المالِكيةُ فقد نَصُّوا على وُجوبِ مَسحِ ما استَرخَى من الشَّعرِ.
قالَ الدَّرديرُ: ولو طالَ جِدًّا؛ لأنَّه من شَعرِ الرأسِ (٢).
قالَ الشَّيخُ أحمدُ الصاويُّ المالِكيُّ ﵀: [تَنبيهٌ] يَنفعُ النِّساءَ في الوُضوءِ تَقليدُ الشافِعيِّ أو أبي حَنيفةَ، وفي الغُسلِ تَقليدُ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّه يَكتَفي في الغُسلِ بوُصولِ الماءِ للبَشرةِ، وإنْ لم يَعُمَّ المُسترخيَ من الشَّعرِ، بل ولو كانَ المُستَرخي جافًّا عندَه، كما ذكَرَه في الدُّرِّ المُختارِ (٣).
حَلقُ شَعرِ الرأسِ بعدَ الوُضوءِ:
ذهَبَ جَماهيرُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ حَلقَ شَعرِ الرأسِ بعدَ الوُضوءِ لا يُؤثِّرُ في الوُضوءِ.
قالَ في «الدُّرِّ المُختارِ»: ولا يُعادُ الوُضوءُ بحَلقِ رأسِه (٤).
стр. 332
قالَ ابنُ نَجيمٍ الحَنفيُّ ﵀: لأنَّ المَسحَ على شَعرِ الرأسِ ليسَ بَدلًا عن المَسحِ على البَشرةِ؛ لأنَّه يَجوزُ مع القُدرةِ على مَسحِ البَشرةِ ولو كانَ بَدلًا لم يَجزْ، ولا يُعادُ، بل المَحلُّ بذلك (١).
وقالَ القَرافِيُّ -نَقلًا عن صاحِبِ «الطِّراز» من المالِكيةِ-: لا يُعرفُ في هذه المَسألةِ مُخالِفٌ إلا ابنَ جَريرٍ الطَّبريَّ حيثُ ألحَقَه بخَلعِ الخُفِّ بعدَ مَسحِه، قالَ: لأنَّ الفَرضَ قد سقَطَ أولًا، فزَوالُ الشَّعرِ لا يُوجبُه، كما إذا غسَلَ وَجهَه أو تَيمَّمَ ثم قطَعَ أنفَه؛ ولأنَّ الصَّحابةَ ﵃ كانوا يَحلِقونَ بمِنًى ثم يَنزِلونَ لطَوافِ الإفاضةِ ولم يُنقَلْ عن أحدٍ منهم إعادةُ مَسحِ رأسِه؛ ولأنَّه لا يُعادُ الغُسلُ للجَنابةِ وهي أَولى؛ لأنَّ مَنابِتَ الشَّعرِ لم تُغسَلْ قبلَ الحَلقِ، وهي من البَشرةِ المَأمورِ بغَسلِها، والفَرقُ بينَ الخُفَّينِ ومَسحِ الرأسِ أنَّ الشَّعرَ أصلٌ والخُفَّ فَرعٌ فإذا زالَ رجَعَ إلى الأصلِ (٢).
وقد حَكى الدُّسوقيُّ قَولًا عندَ المالِكيةِ بوُجوبِ إعادةِ مَسحِ الرأسِ بعدَ الحَلقِ، قالَ الدُّسوقيُّ: وهو ضَعيفٌ (٣).
ونقَلَ البُهوتيُّ عن ابنِ رَجبٍ أنَّ الإمامَ أحمدَ استحَبَّ أنَّه إذا حلَقَ رأسَه أنْ يَمسَّه بالماءِ، ولم يُوجِبْه (٤).
стр. 333
تَكرارُ مَسحِ الرأسِ ثَلاثًا في الوُضوءِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ تَكرارِ مَسحِ الرأسِ في الوُضوءِ هل يُستحبُّ مَرةً واحِدةً ولا يُزادُ عليها أو المُستحبُّ ثَلاثُ مَراتٍ؟
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في المَشهورِ عنه -وهو وَجهٌ لبَعضِ أَصحابِ الشافِعيِّ- إلى أنَّ مَسحَ الرأسِ يَكونُ مَرةً واحِدةً؛ ولأنَّه بالتَّكرارِ يَصيرُ غَسلًا، والمَأمورُ به المَسحُ.
قالَ الحَنابِلةُ: لا يُستحبُّ تَكرارُ مَسحِ الرأسِ؛ لأنَّ أكثَرَ مَنْ وصَفَ وُضوءَ النَّبيِّ ﷺ ذكَرَ أنَّه مسَحَ رأسَه مَرةً واحِدةً، وحِكايَتُهم لوُضوءِ النَّبيِّ ﷺ إخبارٌ عن الدَّوامِ، ولا يُداوَمُ إلا على الأفضَلِ الأكملِ؛ ولأنَّه مَسحٌ في طَهارةٍ، فلم يُستحبَّ تَكرارُه، كالمَسحِ في التَّيممِ، والمَسحِ على الجَبيرةِ، وسائِرِ المَسحِ.
قالَ أبو داودَ ﵀: أَحاديثُ عُثمانَ الصِّحاحُ كلُّها تَدلُّ على أنَّ مَسحَ الرأسِ يَكونُ مَرةً؛ فإنَّهم ذكَروا الوُضوءَ ثَلاثًا ثَلاثًا، وقالوا فيها: ومسَحَ برأسِه، ولم يَذكُروا عَددًا، كما ذكَروه في غيرِه.
وكذا قالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: إنَّ الثابِتَ عن النَّبيِّ ﷺ في المَسحِ أنَّه يَكونُ مَرةً واحدةً.
ولأنَّ المَسحَ مَبنيٌّ على التَّخفيفِ فلا يُقاسُ على الغُسلِ المُرادِ منه المُبالَغةُ في الإسباغِ؛ ولأنَّ العَددَ لو اعتُبِرَ في المَسحِ لصارَ في صُورةِ الغُسلِ، إذْ حَقيقةُ الغُسلِ جَريانُ الماءِ.
стр. 334
وقد بالَغَ أبو عُبيدٍ ﵀ فقالَ: لا نَعلمُ أحَدًا من السَّلفِ استحَبَّ تَثليثَ مَسحِ الرأسِ إلا إِبراهيمَ التَّيميَّ.
قالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وفيما قالَ نَظرٌ، فقد نقَلَ ابنُ أبي شَيبةَ وابنُ المُنذرِ عن أنَسٍ وعَطاءٍ وغيرِهما، وقد رَوى أبو داودَ من وَجهَينِ صحَّحَ أحدَهما ابنُ خُزيمةَ وغيرُه في حَديثِ عُثمانَ تَثليثَ مَسحِ الرأسِ، والزِّيادةُ من الثِّقةِ مَقبولةٌ (١).
وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ وأحمدُ في رِوايةٍ نصَرَها أبو الخَطابِ وابنُ الجَوزيِّ إلى أنَّه يُسنُّ تَثليثُ مَسحِ الرأسِ.
قالَ الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: «وأُحبُّ لو مسَحَ رَأسَه ثَلاثًا، ووَاحِدةٌ تُجزِئُه».
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: مَذهبُنا المَشهورُ الذي نَصَّ عليه الشافِعيُّ ﵁ في كُتُبِه وقطَعَ به جَماهيرُ الأَصحابِ أنَّه يُستحبُّ مَسحُ الرأسِ ثَلاثًا، كما يُستحبُّ تَطهيرُ باقي الأَعضاءِ، ثم قالَ: واحتَجَّ الشافِعيُّ والأَصحابُ ﵏ بأَحاديثَ وأقيِسةٍ:
стр. 335
أحدُها: (وهو الذي اعتمَدَه الشافِعيُّ) حَديثُ عُثمانَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأ ثَلاثًا ثَلاثًا» رَواه مُسلمٌ (١). ووَجهُ الدِّلالةِ منه قَولُه: تَوضَّأ، يَشملُ المَسحَ والغَسلَ، وقد منَعَ البَيهقيُّ وغيرُه الدِّلالةَ من هذا؛ لأنَّها رِوايةٌ مُطلقةٌ وجاءَت الرِّواياتُ الثابِتةُ في الصَّحيحِ المُفسِّرةُ بأنَّ غَسلَ الأَعضاءِ يَكونُ ثَلاثًا ثَلاثًا، وأنَّ مَسحَ الرأسِ يَكونُ مَرةً، فصرَّحوا بالثَّلاثِ في غيرِ الرأسِ، وقالوا في الرأسِ: ومسَحَ برأسِه، ولم يَذكُروا عَددًا، ثم قالوا بعدَه: ثم غسَلَ رِجلَيه ثَلاثًا ثَلاثًا، وجاءَت في رِواياتٍ في الصَّحيحِ: «ثم غسَلَ يَدَيه ثَلاثًا، ثم مسَحَ برأسِه مَرةً، ثم غسَلَ رِجلَيه ثَلاثًا ثَلاثًا»، فلم يَبقَ فيه دِلالةٌ.
الحَديثُ الثاني: «عن عُثمانَ ﵁ أنَّه تَوضَّأ فمسَحَ على رأسِه ثَلاثًا، وقالَ: رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ تَوضَّأ هكذا» (٢). رَواه أبو داودَ بإِسنادٍ حَسنٍ، وقد ذكَر أيضًا الشَّيخُ أبو عَمرِو بنُ الصَّلاحِ أنَّه حَديثٌ حَسنٌ، وربَّما
стр. 336
ارتفَعَ من الحَسنِ إلى الصِّحةِ بشَواهِدِه وكَثرةِ طُرقِه؛ فإنَّ البَيهَقيَّ وغيرَه رَوَوْه من طُرقٍ كَثيرةٍ غيرِ طَريقِ أبي داودَ.
الحَديثُ الثالِثُ: «عن علِيٍّ ﵁ أنَّه تَوضَّأ فمسَحَ رأسَه ثَلاثًا ثم قالَ: رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فعَلَ» رَواه البَيهَقيُّ من طُرقٍ، وقالَ: أكثَرُ الرُّواةِ رَوَوْه عن علِيٍّ ﵁ دونَ ذِكرِ التَّكرارِ. قالَ: وأحسَنُ ما رُويَ عن علِيٍّ ﵁ فيه ما رَواه عنه ابنُه الحَسنُ بنُ علِيٍّ ﵁ فذكَرَه بإِسنادِه عنه «وذكَرَ مَسحَ الرأسِ ثَلاثًا، وقالَ: هكذا رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَتوضَّأُ» (١)، وإِسنادُه حَسنٌ.
وأمَّا الأقيِسةُ فقالوا: أحَدُ أَعضاءِ الطَّهارةِ، فسُنَّ تَكرارُه كغيرِه. وقالوا: ولأنَّه إيرادُ أصلٍ على أصلٍ، فسُنَّ تَكرارُه كالوَجهِ، ثم قالَ: أمَّا أدِلةُ القائِلينَ بمَسحةٍ واحِدةٍ فأجابَ أَصحابُنا عنها بأجوِبةٍ كَثيرةٍ أحسَنُها: أنَّه نُقلَ عن رُواتِها المَسحُ ثلاثًا وواحِدةً كما سبَقَ، فوجَبَ الجَمعُ بينَهما فيُقالُ: الواحِدةُ لبَيانِ الجَوازِ، والثِّنتانِ لبَيانِ الجَوازِ وزِيادةِ الفَضيلةِ على الواحِدةِ، والثَّلاثُ للكَمالِ والفَضيلةِ، ويُؤيِّدُ هذا أنَّه رُويَ الوُضوءُ على أوجُهٍ كَثيرةٍ، فرُويَ على هذه الأَوجهِ المَذكورةِ، ورُويَ غَسلُ بعضِ الأَعضاءِ مَرةً وبَعضِها مرَّتينِ، ورُويَ على غيرِ ذلك، وهذا يَدلُّ على التَّوسِعةِ وأنَّه لا حَرجَ كيف تَوضَّأ على أحدِ هذه الأَوجهِ، ولم يَقُلْ أحدٌ من العُلماءِ: يُستحبُّ غَسلُ بعضِ الأَعضاءِ ثَلاثًا وبَعضِها مرَّتينِ مع أنَّ حَديثَه هكذا في
стр. 337
الصَّحيحَينِ، فعُلمَ بذلك أنَّ القَصدَ بما سِوى الثَّلاثِ ببَيانِ الجَوازِ؛ فإنَّه لو واظَبَ ﷺ على الثَّلاثِ لظُنَّ أنَّه واجِبٌ فبيَّنَ في أَوقاتِ الجَوازِ بدونِ ذلك، وكرَّرَ ببَيانِه في أَوقاتٍ، وعلى أوجُهٍ ليَستقرَّ مَعرفتُه ولاختِلافِ الحاضِرينَ الذين لم يَحضُروا الوَقتَ الآخَرَ.
فإنْ قيلَ: فإذا كانَ الثَّلاثُ أفضَلَ فكيف ترَكَه في أَوقاتٍ؟ فالجَوابُ ما قدَّمناه أنَّه قصَدَ ﷺ البَيانَ، وهو واجِبٌ عليه ﷺ فثَوابُه فيه أكثَرُ، وكانَ البَيانُ بالفِعلِ آكَدَ وأقوى في النُّفوسِ وأوضَحَ من القَولِ.
وأمَّا أبو داودَ وغيرُه فجَوابُه من وَجهَينِ:
أحدُهما: أنَّه قالَ: الأَحاديثُ الصِّحاحُ، وهذا حَديثٌ حَسَنٌ غيرُ داخِلٍ في قَولِه.
والثاني: أنَّ عُمومَ إطلاقِه مَخصوصٌ بما ذكَرْناه من الأَحاديثِ الحِسانِ وغيرِها.
وأمَّا الجَوابُ عن قياسِهم على التَّيممِ ومَسحِ الخُفِّ فهو أنَّهما رُخصةٌ؛ فناسَبَ تَخفيفَها؛ والرأسُ أصلٌ؛ فإلحاقُه بباقي أَعضاءِ الوُضوءِ أَولى، وأمَّا قَولُهم: تَكرارُه يُؤدِّي إلى غَسلِه، فلا نُسلِّمُ به؛ لأنَّ الغَسلَ جَريانُ الماءِ على العُضوِ، وهذا لا يَحصلُ بتَكرارِ المَسحِ ثَلاثًا، وقد أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ الجُنبَ لو مسَحَ بَدنَه بالماءِ وكرَّرَ ذلك لا تَرتفِعُ جَنابَتُه بل يُشتَرَطُ جَريُ الماءِ على الأَعضاءِ (١).
стр. 338
الشُّعورُ المَضفورةُ:
قالَ المالِكيةُ: ما ضُفرَ من الشَّعرِ بنَفسِه لا يُنقضُ في الوُضوءِ مُطلَقًا سَواءٌ كانَ لرَجلٍ أو امرأةٍ اشتَدَّ أو لا، بخِلافِ الغُسلِ؛ فإنَّه يَجبُ فيه نَقضُ ما ضُفرَ بنَفسِه إذا اشتَدَّ الضَّفرُ، وما ضُفرَ بخُيوطٍ كَثيرةٍ -أي: ثَلاثةٍ فأكثَرَ في كلِّ ضَفيرةٍ- يَجبُ نَقضُه مُطلقًا في وُضوءٍ وغُسلٍ سَواءٌ اشتَدَّ الضَّفرُ أو لا، وما ضُفرَ بأقَلَّ من ثَلاثةٍ يَجبُ نَقضُه إنِ اشتَدَّ، وإنْ لم يَشتدَّ فلا يَجبُ نَقضُه.
قالَ الدُّسوقيُّ ﵀: والحاصِلُ أنَّ ما ضُفرَ بخُيوطٍ ثَلاثةٍ يَجبُ نَقضُه مُطلقًا اشتَدَّ أو لا في وُضوءٍ أو غُسلٍ، وما ضُفرَ بأقَلَّ منها يَجبُ نَقضُه إنِ اشتَدَّ في الوُضوءِ والغُسلِ وإنْ لم يَشتدَّ فلا يَجبُ نَقضُه لا في الوُضوءِ ولا في الغُسلِ، وما ضُفرَ بنَفسِه لا يُنقضُ في الوُضوءِ مُطلقًا اشتَدَّ أو لا، ويُنقضُ في الغُسلِ إنِ اشتَدَّ، وإلا فلا (١).
المَسحُ على العِمامةِ والخِمارِ:
ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى عَدمِ جَوازِ المَسحِ على العِمامةِ والخِمارِ لقَولِه تَعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] والعِمامةُ ليسَت برأسٍ، وحَقيقةُ المَسحِ تَقتَضي إمساسَه الماءَ ومُباشَرتَه، وماسِحُ العِمامةِ غيرُ ماسِحٍ برأسِه، فلا تُجزئُه صَلاتُه إذا صلَّى بها؛ ولأنَّه عُضوٌ طَهارتُه
стр. 339
المَسحُ لم يَجزِ المَسحُ على حائِلٍ دونَه كالوَجهِ واليَدِ في التَّيممِ؛ فإنَّه مُجمعٌ عليه، ولأنَّه عُضوٌ لا تَلحقُ المَشقةُ في إِيصالِ الماءِ إليه غالِبًا فلم يَجزِ المَسحُ على حائِلٍ مُنفصلٍ عنه كاليَدِ في القُفازِ والوَجهِ في البُرقعِ والنِّقابِ (١).
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ إلى جَوازِ المَسحِ على العِمامةِ والخِمارِ، واحتَجَّ على ذلك بالأَخبارِ الثابِتةِ عنه ﷺ منها حَديثُ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «تَوضَّأ ومسَحَ على الخُفَّينِ والعِمامةِ» (٢). وفي مُسلمٍ أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «مسَحَ على الخُفَّينِ والخِمارِ» (٣).
قالَ الإمامُ أحمدُ: هو من خَمسةِ وُجوهٍ عن النَّبيِّ ﷺ ولأنَّه حائِلٌ في مَحلٍّ ورَدَ الشَّرعُ بمَسحِه، فجازَ المَسحُ على حائِلِه كالقَدمَينِ، والآيةُ لا تَنفي ما ذُكرَ؛ فإنَّ النَّبيَّ ﷺ مُبيِّنٌ لكَلامِ اللهِ، مُفسِّرٌ له وقد مسَحَ على العِمامةِ وأمَرَ بالمَسحِ عليها، وهذا يَدلُّ على أنَّ المُرادَ بالآيةِ المَسحُ على الرأسِ أو حائِلِه، واحتَجُّوا على ذلك أيضًا بفِعلِ أبي بَكرٍ وعُمرَ
стр. 340
قالوا: لو لم يَثبُتِ الحَديثُ عن النَّبيِّ ﷺ فيه لوجَبَ به لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «اقتَدُوا بالذين مِنْ بَعدي، أبي بَكرٍ وعُمرَ» ولقَولِه: «إنْ يُطعِ الناسُ أبا بَكرٍ وعُمرَ فقد أُرشِدوا» ولقَولِه ﷺ : «عليكم بسُنَّتي وسُنةِ الخُلفاءِ الراشِدينَ المَهديِّينَ من بَعدي»، وقالوا: ولا يَجوزُ أنْ يَجهلَ مِثلُ هؤلاءِ فَرضَ مَسحِ الرأسِ وهو مَذكورٌ في كِتابِ اللهِ، فلولا بَيانُ النَّبيِّ ﷺ لهم ذلك وإِجازتُه ما تَرَكوا ظاهِرَ الكِتابِ والسُّنةِ.
وقالوا: وليسَ في اعتِلالِ مَنْ اعتَلَّ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ حسَرَ العِمامةَ عن رأسِه ومسَحَ رأسَه دَفعًا لمَا قُلنا؛ لأنَّ المَسحَ على العِمامةِ ليسَ بفَرضٍ لا يُجزئُ غيرُه، ولكنَّ المُتطهِّرَ بالخيارِ، إنْ شاءَ مسَحَ برأسِه وإنْ شاءَ على عِمامَتِه، كالماسِحِ على الخُفَّينِ المُتطهِّرِ بالخيارِ، إنْ شاءَ غسَلَ رِجلَيه، وإنْ شاءَ مسَحَ على خُفَّيه.
وليسَ في إِنكارِ مَنْ أنكَرَ المَسحَ على العِمامةِ حُجةٌ؛ لأنَّ أحدًا لا يُحيطُ بجَميعِ السُّننِ.
ولعلَّ الذي أنكَرَ ذلك لو علِمَ بالسُّنةِ لرجَعَ إليها، بل غيرُ جائِزٍ أنْ يَظنَّ مُسلمٌ ليسَ مِنْ أهلِ العِلمِ غيرَ ذلك، فكيف بمَن كانَ مِنْ أهلِ العِلمِ؟ ولا يَجوزُ أنْ يَظنَّ بالقَومِ غيرَ ذلك، وكما لا يَضرُّ إِنكارُ مَنْ أنكَرَ المَسحَ على الخُفَّينِ، كذلك لا يُوهِن تَخلُّفُ مَنْ تخلَّفَ عن القَولِ بإِباحةِ المَسحِ على العِمامةِ.
стр. 341
إلا أنَّ الحَنابِلةَ شَرَطوا لجَوازِ المَسحِ على العِمامةِ أنْ تَكونَ ساتِرةً لجَميعِ الرأسِ إلا ما جرَت العادةُ بكَشفِه، كمُقدَّمِ الرأسِ والأُذنَين وشِبهِهما من جَوانبِ الرأسِ؛ فإنَّه يُعفى عنه؛ فإن كانَت تحتَ العِمامةِ قَلنسُوةٌ يَظهرُ بَعضُها، فالظاهِرُ جَوازُ المَسحِ عليها؛ لأنَّهما صارا كالعِمامةِ الواحِدةِ.
ومِن شُروطِ جَوازِ المَسحِ عليها أيضًا: أنْ تَكونَ على صِفةِ عَمائمِ المُسلِمينَ بأنْ يَكونَ تحتَ الحَنكِ منها شَيءٌ؛ لأنَّ هذه عَمائمُ العَربِ، وهي أكثَرُ سَترًا من غيرِها ويَشقُّ نَزعُها، فيَجوزُ المَسحُ عليها، سَواءٌ كانَ لها ذُؤابةٌ أو لم يَكُنْ، وسَواءٌ كانَت صَغيرةً أو كَبيرةً.
وإنْ لم يَكنْ تحتَ الحَنكِ منها شَيءٌ ولا لها ذُؤابةٌ لم يَجزِ المَسحُ عليها؛ لأنَّها على صِفةِ عَمائمِ أهلِ الذِّمةِ ولا يَشقُّ نَزعُها.
وإذا كانَ بعضُ الرأسِ مَكشوفًا ممَّا جَرَت العادةُ بكَشفِه استُحبَّ أنْ يَمسحَ عليه مع العِمامةِ، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ مسَحَ على عِمامتِه وناصِيتِه في حَديثِ المُغيرةِ بنِ شُعبةَ.
وهل الجَمعُ بينَهما واجِبٌ؟ وَجهانِ عندَ الحَنابِلةِ:
ثم إنَّه إنْ نزَعَ العِمامةَ بعدَ المَسحِ عليها بطَلَت طَهارتُه، نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، ولا يَجوزُ للمَرأةِ إنْ لبِستْ عِمامةً المَسحُ عليها، ولو لبِسَتها لضَرورةٍ على الصَّحيحِ من المَذهبِ.
стр. 342
إلا أنَّ المالِكيةَ قالوا: إنْ خيفَ ضَررٌ بسَببِ نَزعِ العِمامةِ من على الرأسِ ولم يُمكنْه حَلُّها يَجوزُ المَسحُ عليها، وإنْ قدِرَ على مَسحِ بعضِ الرأسِ مُباشَرةً مسَحَه وأكمَلَ على العِمامةِ وُجوبًا على المُعتمَدِ (١).
وقالَ الحَنفيةُ -كما قالَ في البَحرِ الرائِقِ لابنِ نَجيمٍ (٢) -: ولو مسَحَت على خِمارِها ونفَذَت البَلةُ إلى رأسِها حتى ابتَلَّ قَدرُ الرُّبعِ منه يَجوزُ إذا كانَ الخِمارُ جَديدًا؛ لأنَّ ثُقوبَ الجَديدِ لم تُسدَّ بالاستِعمالِ فتَنفذُ البَلةُ، أمَّا إذا لم يَكنْ جَديدًا فلا يَجوزُ لانسِدادِ ثُقوبِه.
الفَرضُ الرابِعُ غَسلُ الرِّجلَينِ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّ غَسلَ الرِّجلَينِ الظاهِرتَينِ السَّليمَتينِ غيرِ المَستورتَينِ بخُفٍّ أو جَبيرةٍ إلى الكَعبَينِ مَرةً واحِدةً من أَركانِ الوُضوءِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] أخْذًا بقِراءةِ النَّصبِ بمَعنى: اغسِلوا وُجوهَكم وأَيديَكم وأَرجُلَكم وامسَحوا برُؤوسِكم دونَ الخَفضِ، وهاتانِ القِراءَتانِ قد نزَلَ بهما القُرآنُ جَميعًا ونقَلَتهما الأُمةُ تَلقِّيًا من رَسولِ اللهِ ﷺ ولا يَختلفُ أهلُ اللُّغةِ أنَّ كلَّ واحِدةٍ من القِراءَتَين
стр. 343
مُحتمِلةٌ للمَسحِ بعَطفِها على الرأسِ، ويُحتمَلُ أنْ يُرادَ بها الغَسلُ بعَطفِها على المَغسولِ من الأَعضاءِ، وذلك لأنَّ قَولَه: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنَّصبِ يَجوزُ أنْ يَكونَ مُرادُه: فاغسِلوا أَرجُلَكم، ويُحتمَلُ أنْ يَكونَ مَعطوفًا على الرأسِ، فيُرادُ بها المَسحُ؛ فإنَّ اللَّفظَ لمَّا وقَفَ المَوقفَ الذي ذكَرْناه من احتِمالِه لكلِّ واحِدٍ من المَعنَيينِ مع اتِّفاقِ الجَميعِ على أنَّ المُرادَ أحدُهما صارَ في حُكمِ المُجملِ المُفتقرِ إلى البَيانِ فمهما ورَدَ فيه من البَيانِ عن الرَّسولِ ﷺ من فِعلٍ أو قَولٍ علِمنا أنَّه مُرادُ اللهِ تَعالى، وقد ورَدَ البَيانُ عن الرَّسولِ ﷺ بالغَسلِ قَولًا، فأمَّا وُرودُه من جِهةِ الفِعلِ فهو ما ثبَتَ بالنَّقلِ المُستفيضِ المُتواتِرِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ غسَلَ رِجلَيه في الوُضوءِ ولم تَختلفِ الأُمةُ فيه؛ فصارَ فِعلُه ذلك وارِدًا مَوردَ البَيانِ، وفِعلُه إذا ورَدَ على وَجهِ البَيانِ فهو على الوُجوبِ فثبَتَ أنَّ ذلك هو مُرادُ اللهِ تَعالى بالآيةِ.
وأمَّا مِنْ جِهةِ القَولِ فما رَوى جابِرٌ وأبو هُرَيرةَ وعائِشةُ وعَبدُ اللهِ بنُ عُمرَ، وغيرُهم ﵃ أنَّ النَّبيَّ ﷺ رأى قَومًا تَلوحُ أَعقابُهم لم يُصبْها الماءُ، فقالَ: «وَيلٌ للأَعقابِ من النَّارِ، أَسبِغوا الوُضوءَ» (١).
стр. 344
وتَوضَّأ النَّبيُّ ﷺ مَرةً مَرةً فغسَلَ رِجلَيه وقالَ: «هذا وُضوءُ مَنْ لا يَقبلُ اللهُ له صَلاةً إلا به» (١).
فقَولُه: «وَيلٌ للأَعقابِ من النَّارِ» وَعيدٌ لا يَجوزُ أنْ يُستحَقَّ إلا بتَركِ الفَرضِ، فهذا يُوجبُ استِيعابَ الرِّجلِ بالطَّهارةِ، ويُبطِلُ قَولَ مَنْ يُجيزُ الاقتِصارَ على بَعضٍ، وقَولُه ﷺ : «أَسبِغوا الوُضوءَ»، وقَولُه بعدَ غَسلِ الرِّجلَينِ: «هذا وُضوءُ مَنْ لا يَقبلُ اللهُ له صَلاةً إلا به»، يُوجبُ استِيعابَهما بالغُسلِ؛ لأنَّ الوُضوءَ اسمٌ للغَسلِ، يَقتَضي إِجراءَ الماءِ على المَوضعِ، والمَسحُ لا يَقتَضي ذلك.
وفي الخَبرِ الآخَرِ أنَّ اللهَ تَعالى لا يَقبلُ الصَّلاةَ إلا بغَسلِهما.
وأيضًا: لو كانَ المَسحُ جائِزًا لمَا أخلَاه ﷺ من بَيانِه؛ إذْ كانَ مُرادُ اللهِ تَعالى في المَسحِ كهو في الغَسلِ، فكان يَجبُ أنْ يَكونَ مَسحُه في وَزنِ غَسلِه، فلمَّا لم يَرِدِ المَسحُ حسَبَ وُرودِه في الغَسلِ ثبَتَ أنَّ المَسحَ غيرُ مُرادٍ.
وأيضًا: فإنَّ القِراءَتينِ في إحداهُما الغَسلُ وفي الأُخرى المَسحُ لاحتِمالِهما للمَعنَيينِ، فلو ورَدَت آيتانِ إحداهُما تُوجِبُ الغَسلَ والأُخرى المَسحَ، لمَا جازَ تَركُ الغَسلِ إلى المَسحِ؛ لأنَّ الغَسلَ زيادةُ فِعلٍ، وقد اقتَضاه الأمرُ بالغَسلِ، فكانَ يَكونُ حينَئذٍ يَجبُ استِعمالُهما على أعَمِّهما حُكمًا وأكثَرِهما فائِدةً وهو الغَسلُ؛ لأنَّه يَأتي على المَسحِ، والمَسحُ لا يَنتظِمُ الغَسلَ.
وأيضًا: لمَّا حدَّدَ الرِّجلَينِ بقَولِه تَعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كما قالَ: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ دَلَّ على استِيعابِ الجَميعِ كما دَلَّ ذِكرُ الأيدي إلى المَرافِقِ على استِيعابِهما بالغَسلِ.
стр. 345
وأيضًا: لمَّا احتَمَلت الآيةُ الغَسلَ والمَسحَ استَعمَلناها على الوُجوبِ في الحالَين، في الغَسلِ في حالِ ظُهورِ الرِّجلَينِ والمَسحِ في حالِ لُبسِ الخُفَّينِ.
وقالَ الإمامُ البَيهَقيُّ ﵀: بعدَ قَولِ النَّبيِّ ﷺ : «ثم يَغسِلُ قَدمَيه إلى الكَعبَينِ كما أمَرَه اللهُ تَعالى» (١)، قالَ: وفي هذا دِلالةٌ على أنَّ اللهَ تَعالى أمَرَ بغَسلِهما.
قالَ النَّوويُّ ﵀: والأَحاديثُ في المَسألةِ كَثيرةٌ جِدًّا.
قالَ أَصحابُنا: ولأنَّهما عُضوانِ مَحدودانِ فكانَ واجِبُهما الغَسلَ كاليَدينِ.
وقالَ أيضًا: أجمَعَ المُسلِمونَ على وُجوبِ غَسلِ الرِّجلَينِ، ولم يُخالِفْ في ذلك مَنْ يُعتدُّ به، كذا ذكَرَه الشَّيخُ أبو حامِدٍ وغيرُه (٢).
وقالَ ابنُ المُنذرِ ﵀: وقد أجمَعَ عَوامُّ أهلِ العِلمِ على أنَّ الذي يَجبُ على مَنْ لا خُفَّ عليه غَسلُ القَدمَينِ إلى الكَعبَينِ (٣).
стр. 346
وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: قد ثبَتَ بالتَّواتُرِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ غسَلَ رِجلَيه في الوُضوءِ، لا يَجحَدُه مُسلمٌ، فكانَ قَولُه وفِعلُه بَيانَ المُرادِ بالآيةِ، فثبَتَ بالدَّلائلِ المُتصلةِ، والمُنفصلةِ أنَّ الأرجُلَ في الآيةِ مَعطوفةٌ على المَغسولِ لا على المَمسوحِ، فكانَ وَظيفَتُها الغَسلَ لا المَسحَ (١).
وقالَ عبدُ الرَّحمنِ بنُ أبي لَيلى: أجمَعَ أَصحابُ النَّبيِّ ﷺ على غَسلِ القَدَمَين.
وقالَ الماوَرديُّ ﵀: غَسلُ الرِّجلَينِ في الوُضوءِ مُجمَعٌ عليه بنَصِّ الكِتابِ والسُّنةِ، وفَرضُهما عندَ جَميعِ الفُقهاءِ الغَسلُ دونَ المَسحِ (٢).
ويَجبُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ إِدخالُ الكَعبَينِ في غَسلِ الرِّجلَينِ، ولم يُخالِفْهم في ذلك إلا زُفرُ، والكَلامُ في النَّعلَين نَحوُ الكَلامِ في المِرفَقينِ، والكَعبانِ هُما العَظمانِ الناتِئانِ في أسفَلِ الساقِ (٣).
стр. 347
ثانيًا: الفَرائِضُ المُختلَفُ فيها في الوُضوءِ:
١ - النِّيةُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في النِّيةِ في الوُضوءِ هل هي فَرضٌ أو شَرطٌ لصِحةِ الوُضوءِ أو هي سُنةٌ مُستحبةٌ، وإنْ تَوضَّأ ولم يَنوِ صَحَّ الوُضوءُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّ النِّيةَ فَرضٌ من فُروضِ الوُضوءِ وشَرطٌ من شَرائِطِه؛ لقَولِه تَعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
والإِخلاصُ: هو عَملُ القَلبِ، وهو النِّيةُ والأمرُ به يَقتَضي الوُجوبَ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأَعمالُ بالنِّيَّاتِ» (١)؛ لأنَّ لَفظةَ: «إنَّما» للحَصرِ، وليسَ المُرادُ صُورةَ العَملِ؛ فإنَّها تُوجدُ بلا نيةٍ، وإنَّما المُرادُ أنَّ حُكمَ العَملِ لا يَثبُتُ إلا بنِيةٍ.
ودَليلٌ آخَرُ هو قَولُ النَّبيِّ ﷺ : «وإنَّما لكلِّ امرِئٍ ما نَوى» (٢).
وهذا لم يَنوِ الوُضوءَ فلا يَكونُ له.
قالوا: والمُرادُ بالحَديثِ لا يَكونُ العَملَ شَرعيًّا يَتعلَّقُ به ثَوابٌ وعِقابٌ إلا بنِيةٍ، ولأنَّ الوُضوءَ طَهارةٌ من حَدثٍ تُستباحُ به الصَّلاةُ فلم يَصحَّ بلا نيةٍ كالتَّيممِ، ولأنَّ الوُضوءَ عِبادةٌ ذاتُ أَركانٍ فوجَبَت فيها النِّيةُ كالصَّلاةِ،
стр. 348
ويَنوي المُتوضِّئُ رَفعَ الحَدثِ، أو استِباحةَ مُفتقرٍ إلى طُهرٍ، كالصَّلاةِ والطَّوافِ ومَسِّ المُصحفِ، أو أداءَ فَرضِ الوُضوءِ (١).
وذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ النِّيةَ في الوُضوءِ سُنةٌ، واستدَلُّوا على ذلك بقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦]. فأمَرَ بالغَسلِ والمَسحِ مُطلقًا عن شَرطِ النِّيةِ، ولا يَجوزُ تَقييدُ المُطلقِ إلا بدَليلٍ.
والآيةُ تَقضي بجَوازِ الصَّلاةِ بوُجودِ الغَسلِ سَواءٌ قارَنَته النِّيةُ أو لم تُقارِنْه؛ وذلك لأنَّ الغَسلَ اسمٌ شَرعيٌّ مَفهومُ المَعنى في اللُّغةِ، وهو إِمرارُ الماءِ على العُضوِ وليسَ هو عِبارةً عن النِّيةِ؛ فمَن شرَطَ فيه النِّيةَ فهو زائِدٌ في النَّصِّ.
وقَولُه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣].
قالَ الكاسانِيُّ ﵀: نُهيَ الجُنبُ عن قُربانِ الصَّلاةِ إذا لم يَكنْ عابِرَ سَبيلٍ إلى غايةِ الاغتِسالِ مُطلقًا عن شَرطِ النِّيةِ، فيَقتَضي انتِهاءَ حُكمِ النَّهيِ عندَ الاغتِسالِ المُطلقِ، وعندَه لا يَنتَهي إلا عندَ اغتِسالٍ مَقرونٍ بالنِّيةِ،
стр. 349
وهذا خِلافُ الكِتابِ، ولأنَّ الأمرَ بالوُضوءِ لحُصولِ الطَّهارةِ لقَولِه تَعالى في آخِرِ الآيةِ: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [النساء: ٦] وحُصولُ الطَّهارةِ لا يَقفُ على النِّيةِ بل على استِعمالِ المُطهِّرِ في مَحلٍّ قابِلِ للطَّهارةِ، والماءُ مُطهِّرٌ؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ ﷺ : «الماءُ طَهورٌ لا يُنجِّسُه شَيءٌ»، وقالَ تَعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨]، والطَّهورُ اسمٌ للطاهِرِ في نَفسِه المُطهِّرِ لغيرِه، والمَحلُّ قابِلٌ على ما عُرفَ، وبه تَبيَّن أنَّ الطَّهارةَ عَملُ الماءِ خِلقةً وفِعلُ اللِّسانِ فَضلٌ في البابِ، حتى لو سالَ عليه المَطرُ أجزَأَه عن الوُضوءِ والغَسلِ فلا يُشترطُ لهما النِّيةُ إذِ اشتِراطُها لاعتِبارِ الفِعلِ الاختِياريِّ، وبه تَبيَّن أنَّ اللَّازمَ للوُضوءِ مَعنى الطَّهارةِ، ومَعنى العِبادةِ فيه مِنْ الزَّوائدِ، فإنِ اتَّصلَت به النِّيةُ يَقعُ عِبادةً، وإنْ لم يَتصلْ به لا يَقعْ عِبادةً، لكنَّه يَقعُ وَسيلةً إلى إِقامةِ الصَّلاةِ لحُصولِ الطَّهارةِ كالسَّعيِ إلى الجُمُعةِ (١).
قالَ ابنُ رُشدٍ ﵀: وسَببُ اختِلافِهم -أي: الحَنفيةِ- مع الجُمهورِ تَردُّدُ الوُضوءِ بينَ أنْ يَكونَ عِبادةً مَحضةً، أعني: غيرَ مَعقولةِ المَعنى، وإنَّما يُقصدُ بها القُربةُ فقط، كالصَّلاةِ وغيرِها، وبينَ أنْ يَكونَ عِبادةً مَعقولةَ المَعنى، كغَسلِ النَّجاسةِ؛ فإنَّهم لا يَختلِفون أنَّ العِبادةَ المَحضةَ مُفتقرةٌ إلى النِّيةِ، وأنَّ العِبادةَ المَفهومةَ المَعنى غيرُ مُفتقرةٍ إلى النِّيةِ، والوُضوءُ فيه شَبهٌ
стр. 350
من العِبادَتَين، ولذلك وقَعَ الخِلافُ فيه، وذلك أنَّه يَجمعُ عِبادةً ونَظافةً، والفِقهُ أنْ يُنظرَ بأيِّهما هو أَقوى شَبهًا فيُلحقَ به (١).
وقالَ الإمامُ الجُوينيُّ ﵀: وقد اشتَمَلت آيةُ الوُضوءِ على بَيانٍ بالِغٍ فيه، فليَتَّخذْها أهلُ الزَّمانِ (٢) مَرجعَهم في أصلِ البابِ، وسيُتلَى القُرآنُ إلى فَجرِ القيامةِ، ثم الذي يَقتَضي الزَّمانُ الخالي عن الفُقهاءِ وناقِلي المَذاهبِ أنَّ النِّيةَ لا تَجبُ على المُتوضِّئِ إذْ ليسَ لها ذِكرٌ في الكِتابِ ولم يُنقلِ الوُضوءُ نَقلَ القُربِ التي شُرعَت مَقصودةً للتَّقرُّبِ إلى اللهِ بل نُقلَت نَقلَ الذَّرائعِ والمُقدِّماتِ التي يُقصدُ بها غيرُها، فليسَ في نَقلِه المُطلقِ على الاستِفاضةِ والتَّواتُرِ إِشعارٌ بالنِّيةِ، وليسَ في كِتابِ اللهِ ما يُضمِّنُها، وكذلك القَولُ في التَّيممِ.
فإنْ قيلَ: التَّيممُ هو القَصدُ، فهلَّا أشعَرَ لَفظُه بالنِّيةِ؟ قُلنا: هو بمَعنى القَصدِ، ولكنَّه مَربوطٌ بالصَّعيدِ فيَجبُ من مُقتَضاه القَصدُ إلى التُّرابِ.
فهذا حُكمُ النِّيةِ في الزَّمانِ العاري عن ذِكرِ الأدِلةِ على اشتِراطِ النِّيةِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ ﵀: وقدِ اختَلَف أهلُ العِلمِ فيمَن تَوضَّأ وهو لا يَنوي بوُضوئِه الطَّهارةَ، فقالَت طائِفةٌ: لا يُجزئُه، كذلك قالَ الشافِعيُّ ورَبيعةُ بنُ أبي عبدِ الرَّحمنِ ومالِكٌ وأحمدُ وإِسحاقُ وأبو عُبيدٍ وأبو ثَورٍ،
стр. 351
وليسَ بينَ الوُضوءِ والتَّيممِ عندَهم في ذلك فَرقٌ، وفرَّقَت طائِفةٌ بينَ الوُضوءِ والتَّيممِ فقالَت: يُجزئُ الوُضوءُ بغيرِ نيةٍ ولا يُجزئُ التَّيممُ إلا بنيةٍ، هذا قَولُ سُفيانَ الثَّوريِّ وأَصحابِ الرأيِ، قالَ الثَّوريُّ: إذا علَّمتَ رَجلًا التَّيممَ فلا يُجزئُك أنْ تُصليَ بذلك التَّيممِ إلا أنْ تَكونَ نَويتَ أنَّك تَتيمَّمُ لنَفسِك، فإذا علَّمتَه الوُضوءَ أجزَأَك.
وفيه قَولٌ ثالِثٌ حُكيَ عن الأَوزاعيِّ أنَّه قالَ في الرَّجلِ يُعلِّمُ الرَّجلَ التَّيممَ وهو لا يَنوي أنْ يَتيمَّمَ لنَفسِه إنَّما علَّمَه ثم حضَرَت الصَّلاةُ، قالَ: يُصلِّي على تَيمُّمِه كما أنَّه لو تَوضَّأ هو لا يَنوي كانَ طاهِرًا، هذه حِكايةُ أبي المُغيرةِ عنه، وبه قالَ الحَسنُ بنُ صالِحٍ.
وحَكى الوَليدُ بنُ مُسلمٍ الأَوزاعيُّ أنَّه قالَ: لا يُجزئُه في التَّيممِ ويُجزئُه في الوُضوءِ.
وحَكى الوَليدُ مِثلَه عن مالِكٍ والثَّوريِّ.
قالَ أبو بَكرٍ: أمَّا حِكايَتُه عن الثَّوريِّ فكما حَكى لمُوافَقتِه حِكايةَ الأشجَعيِّ والعَدنِيِّ وعَبدِ الرَّزاقِ والفاريابيِّ عنه، وأمَّا ما حَكاه عن مالِكٍ فما رَواه أَصحابُ مالِكٍ عن ابنِ وَهبٍ وابنِ القاسِمِ أصَحُّ واللهُ أعلَمُ.
قالَ أبو بَكرٍ: دَلَّ قَولُ رَسولِ اللهِ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّيةِ» لمَا عَمَّ جَميعَ الأَعمالِ، ولم يَخصَّ منها شَيئًا أنَّ ذلك في الفَرائضِ والنَّوافلِ، ثم بيَّنَ تَصرُّفَ الإراداتِ، فقالَ: «مَنْ كانَت هِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه فهِجرتُه إلى اللهِ ورَسولِه، ومَن كانَت هِجرتُه إلى دُنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يَتزوَّجُها
стр. 352
فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه»، فغيرُ جائِزٍ أنْ يَكونَ مُؤديًا إلى اللهِ ما فرَضَ عليه مَنْ دخَلَ الماءَ يُعلِّمُ آخَرَ السِّباحةَ بدِرهمٍ أخَذَه أو مُريدٌ للتَّبريدِ أو التَّلذُّذِ غيرُ مُريدٍ لتَأديةِ فَرضٍ؛ لأنَّه لم يُرِدِ اللهَ قَطُّ بعَملِه، قالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠].
قالَ قائِلٌ: إنَّ مَنْ قصَدَ دِرهمًا أو دينارًا ليُعلِّمَ آخَرَ السِّباحةَ لا يَقصدُ غيرَ ذلك مُؤديًا فَرضًا للهِ عليه في الطَّهارةِ يُخالِفُ كِتابَ اللهِ وسُنةَ رَسولِه ﷺ مع أنَّ المُناقضةَ لا تُفارِقُه حيثُ أوجَبَ النِّيةَ في التَّيممِ وأبطَلَها في الوُضوءِ، والخَبَرُ الذي به يُوجبُ النِّيةَ في التَّيممِ هو الذي أوجَبَ النِّيةَ في الوُضوءِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والصَّومِ وسائِرِ الأَعمالِ وقد ذكَرتُ بَقيةَ الحُججِ في هذا البابِ في غيرِ هذا الكِتابِ (١).
وقالَ أيضًا: وإذا تَوضَّأ طَهارةً من حَدثٍ أو طَهارةً لصَلاةِ فَريضةٍ أو نافِلةٍ أو قِراءةٍ أو صَلاةٍ على جِنازةٍ فله أنْ يُصليَ به المَكتوبةَ في قَولِ الشافِعيِّ وأبي عُبيدٍ وإِسحاقَ وأبي ثَورٍ وغيرِهم من أَصحابِنا، وكذلك نَقولُ (٢).
٢ - المُوالاةُ:
المُوالاةُ: هي غَسلُ الأَعضاءِ على سَبيلِ التَّعاقبِ بحيث لا يَجفُّ العُضوُ الأولُ قبلَ الشُّروعِ في الثاني.
стр. 353
وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ المُوالاةِ في الوُضوءِ هل هي واجِبةٌ مُطلقًا أو واجِبةٌ مع الذِّكرِ والقُدرةِ أو سُنةٌ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:
القَولُ الأولُ: ذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والإمامُ الشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ المُوالاةِ مُطلقًا.
واحتَجُّوا على ذلك «بأنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأى رَجلًا يُصلِّي وفي ظَهرِ قَدمِه لُمعةٌ قَدرَ الدِّرهمِ لم يُصبْها الماءُ، فأمَرَه النَّبيُّ ﷺ أنْ يُعيدَ الوُضوءَ والصَّلاةَ» (١).
ولو لم تَجبِ المُوالاةُ لأَجزَأه غَسلُ اللُّمعةِ، ولأنَّها عِبادةٌ يُفسِدُها الحَدثُ، اشتُرطَت المُوالاةُ كالصَّلاةِ.
والآيةُ دَلَّت على وُجوبِ الغَسلِ، والنَّبيُّ ﷺ بيَّنَ كَيفيتَه، وفسَّرَ مُجمَلَه بفِعلِه وأمْرِه؛ فإنَّه لم يَتوضَّأْ إلا مُتوالِيًا، وأمَرَ تارِكَ المُوالاةِ بإِعادةِ الوُضوءِ.
القَولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيُّ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المُوالاةَ في الوُضوءِ سُنةٌ لظاهِرِ الآيةِ، ولأنَّ المَأمورَ به غَسلُ الأَعضاءِ، فكيفما غسَلَ جازَ، ولأنَّها إحدَى الطَّهارَتينِ لم تَجبِ المُوالاةُ فيه كالغُسلِ.
стр. 354
واحتَجُّوا أيضًا بما ثبَتَ عنه ﷺ أنَّه كانَ يَتوضَّأُ في أولِ طُهورِه ويُؤخِّرُ غَسلَ رِجلَيه إلى آخِرِ الطُّهرِ (١).
القَولُ الثالِثُ: الوُجوبُ مع الذِّكرِ ومع القُدرةِ، ساقِطةٌ مع النِّسيانِ، ومع الذِّكرِ عندَ العُذرِ، مِثلَ عَدمِ تَمامِ الماءِ، ما لم يَتفاحَشِ التَّفاوتُ، وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابِلةِ في قَولٍ.
قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ ﵀: هذا القَولُ هو الأظهَرُ والأشبَهُ بأُصولِ الشَّريعةِ وبأُصولِ مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وذلك أنَّ أدِلةَ الوُجوبِ لا تَتناولُ إلا المُفرِّطَ، لا تَتناولُ العاجِزَ عن المُوالاةِ (٢).
قالَ المالِكيةُ: المُوالاةُ: عِبارةٌ عن الإِتيانِ بأفعالِ الطَّهارةِ في زَمنٍ مُتصلٍ من غيرِ تَفريقٍ فاحِشٍ، أي: يُفترضُ على المُتوضِّئِ أنْ يَنتقِلَ إلى غَسلِ العُضوِ قبلَ أنْ يَجفَّ الذي قبلَه، سَواءٌ كانَ مَغسولًا أو مَمسوحًا، عندَ اعتِدالِ الزَّمانِ (وهو أنْ يَكونَ في فَصلٍ لا يَترتَّبُ عليه جَفافُ الماءِ بحالةٍ غيرِ مُعتادةٍ) والمَكانِ (أي: ألَّا يَكونَ في مَكانٍ فيه حَرٌّ أو بَردٌ شَديدانِ يُجفِّفان الماءَ) والمِزاجِ (وهو ألَّا يَكونَ في طَبيعةِ الشَّخصِ ما يُوجبُ تَجفيفَ الماءِ بسُرعةٍ).
стр. 355
ويُشترطُ لفَرضِ المُوالاةِ شَرطانِ:
الأولُ: أنْ يَكونَ المُتوضِّئُ ذاكرًا، أمَّا إنْ فرَّقَ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ ناسِيًا؛ فإنَّه يَبني على وُضوئِه ويُتمُّه سَواءٌ طالَ الفَصلُ أو قصُرَ.
وكذا مَنْ نَسيَ عُضوًا من أَعضاءِ الوُضوءِ أو ترَكَ لُمعةً في أثناءِ الوُضوءِ ناسيًا؛ فإنْ طالَ الفَصلُ اقتصَرَ على فِعلِ المَنسيِّ ولا يُعيدُ ما بعدَه من الأَعضاءِ، أمَّا إنْ لم يَطُلِ الفَصلُ (أي: لم يَجفَّ العُضوُ بعدُ)؛ فإنَّه يَفعلُ المَنسيَّ ويُعيدُ ما بعدَه استِنانًا لأجلِ تَحصيلِ سُنةِ التَّرتيبِ.
الثاني: أنْ يَكونَ المُتوضِّئُ قادِرًا على المُوالاةِ؛ فإنْ فرَّقَ بينَ غَسلِ الأَعضاءِ لعَجزِه عن المُوالاةِ غيرَ مُفرِّطٍ، تَسقطُ عنه الفَوريةُ، ويَكونُ حُكمُه كحُكمِ الناسِي.
ومِثالُ ذلك أنْ يُحضرَ المُكلَّفُ الماءَ الكافيَ -باعتِقادِه- للوُضوءِ ثم يَظهرَ عَدمُ كِفايتِه، أو يُهراقَ الماءُ، أو يُغصبَ منه، ويَحتاجَ إلى ماءٍ آخَرَ ليُكملَ به وُضوءَه، فيَنتظرَ مُدةً تَجفُّ بها الأَعضاءُ التي غسَلَها، فعندَ حُضورِ الماءِ يَبني على ما فعَلَ ويُتمُّ وُضوءَه ولو طالَ الفَصلُ.
أمَّا إذا كان عاجِزًا مُفرِّطًا، كمَن أحضَرَ من الماءِ ما لا يَكفي لوُضوئِه؛ فإنَّه يَبني على ما فعَلَ ما لم يَطُلِ الفَصلُ، وإلا صارَ حُكمُه حُكمَ مَنْ فرَّقَ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ عامِدًا لا ناسيًا ولا عاجِزًا، فيَبطُلُ الوُضوءُ ويَجبُ عليه إعادَتُه من جَديدٍ (١).