← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

ويُسنُّ الرَّمَلُ والاضطِباعُ في الطَّوافِ إذا كان سيَسعى بعدَه، وإلا فلا يُسنُّ. صَلاةُ رَكعتَيِ الطَّوافِ: اختلَف الفُقهاءُ في رَكعتَيِ الطَّوافِ هل هُما واجبتانِ أو سُنةٌ؟ فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّهما واجبتانِ؛ لأنَّهما تابِعَتانِ لِلطَّوافِ؛ فكانتا واجبتَين كالسَّعيِ. وفي حَديثِ جابرٍ الطَّويلِ أنَّه ﷺ لمَّا انتَهى إلى مَقامِ إبراهيمَ ﷺ قرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ نبَّه بالتِّلاوةِ قبلَ الصَّلاةِ على أنَّ صَلاتَه هذه امتِثالٌ لهذا الأمرِ، والأمرُ للوجوبِ (١). وذهَب المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في الأصحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّهما سُنةٌ مُؤكَّدةٌ غيرُ واجبةٍ؛ لأنَّها صَلاةٌ زائدةٌ على الصَّلواتِ الخَمسِ؛ فلم تَجبْ بالشَّرعِ على الأعيانِ كسائرِ النَّوافِلِ، وقد قال ﷺ : «خَمسُ صَلَواتٍ كتَبهنَّ اللهُ على العِبادِ، فمَن جاءَ بهنَّ لم يُضيِّعْ منهنَّ شيئًا استِخفافًا بحقِّهنَّ كان له عندَ اللَّهِ عَهدٌ أنْ يُدخلَه الجَنةَ» (٢)، وهذه ليست منها.

стр. 2907

ولمَّا سألَ الأعرابيُّ النَّبيَّ ﷺ عن الفَرائضِ ذكَر الصَّلواتِ الخَمسَ قال: فهل علَيَّ غيرُها؟ قال: «لا، إلا أنْ تَطَّوعَ» (١)، ولأنَّها صَلاةٌ لم تُشرَعْ لها جَماعةٌ لم تَكنْ واجبةً كسائرِ النَّوافِلِ (٢). رُكنيَّةُ طَوافِ الزِّيارةِ (الإفاضَةِ): ثبَت فَرضيَّةُ طَوافِ الزِّيارةِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. أمَّا الكِتابُ: فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٠] والمُرادُ منه طَوافُ الزِّيارةِ بالإجماعِ، ولأنَّه أمَر الكلَّ بالطَّوافِ، فيَقتَضي الوُجوبَ على الكلِّ، وطَوافُ القُدومِ مُختلَفٌ فيه، وطَوافُ الصَّدرِ -الوَداعِ- لا يَجبُ على الكلِّ؛ لأنَّه لا يَجبُ على أهلِ مكةَ، فتعيَّن طَوافُ الزِّيارةِ مُرادًا بالآيةِ. وأمَّا السُّنةُ: فعن عائشةَ ﵂: أنَّ صَفيَّةَ بنتَ حُييٍّ زَوج النَّبيِّ ﷺ حاضَت، فذكَرتُ ذلك لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: «أحابِسَتُنا هيَ؟» قالوا: إنَّها قد أفاضَت. قال: «فلا إذًا» (٣)، فدلَّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بدَّ منه، وأنَّه حابِسٌ لِمن لم يَأتِ به.

стр. 2908

وأمَّا الإجماعُ: فقد نقَلَ الإجماعَ على رُكنيَّتِه وفَرضيَّتِه جَماعةٌ مِنْ أهلِ العِلمِ كابنِ المُنذِرِ وابنُ عَبدِ البرِّ وابنِ حَزمٍ والكاسانِيُّ وابنُ هُبيرةَ والنَّوويُّ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم. قالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ ﵀: أجمَعُوا أنَّ الطَّوافَ الواجِبَ هو طَوافُ الإفاضةِ (١). وقالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ ﵀: فأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ تَمامَ الحَجِّ الوَقوفُ بعَرفةَ والطَّوافُ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: وأجمَعُوا أنَّ الطَّوافَ الآخَرَ المُسمَّى طَوافَ الإفاضةِ بالبَيتِ والوَقوفَ بعَرفةَ فَرضٌ (٣). وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ ﵀: وأما طَوافُ الزِّيارةِ فالدَّليلُ على أنه رُكنٌ قَولُه تعالَى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، والمُرادُ منه طَوافُ الزِّيارةِ بالإجماعِ، ولأنه تعالَى أمَرَ الكُلَّ بالطَّوافِ، فيَقتضِي الوُجوبَ على الكلِّ، وطَوافُ اللقاءِ لا يَجبُ أصلًا، وطَوافُ الصَّدرِ لا يَجبُ على الكلِّ؛ لأنه لا يَجبُ على أهلِ مَكةَ، فيَتعينُ طَوافُ الزِّيارةِ مُرادًا بالآيةِ (٤).

стр. 2909

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفقُوا على أنَّ فُروضَ الحَجِّ ثَلاثةٌ: الإحرَامُ بالحَجِّ، والوُقوف بعَرفةَ، وطَوافُ الزِّيارةِ وهو طَوافُ الإفاضةِ، ويُسمَّى طَوافَ الفَرضِ أيضًا (١). وقالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: يَطوفُ بالبَيتِ طَوافَ الإفاضةِ … وهذا الطَّوافُ رُكنٌ مِنْ أركانِ الحَجِّ لا يَصحُّ الحَجُّ إلا بهِ بإجماعِ الأمَّةِ (٢). وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو رُكنٌ للحَجِّ لا يَتمُّ إلا به، لا نَعلمُ فيه خِلافًا، ولأنَّ اللهَ قالَ: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]. قالَ ابنُ عَبدِ البرِّ: هو مِنْ فَرائضِ الحَجِّ، لا خِلافَ في ذلكَ بينَ العُلماءِ (٣). شُروطُ طَوافِ الزِّيارةِ: يُشترَطُ في طَوافِ الزِّيارةِ شُروطٌ خاصَّةٌ به سِوى الشُّروطِ العامَّةِ للطَّوافِ، وهذه الشُّروطُ الخاصَّةُ هي: أ- أنْ يَكونَ مَسبوقًا بالإحرامِ، لتَوقُّفِ احتِسابِ أيِّ عَملٍ من أعمالِ الحَجِّ على الإحرامِ. ب- أنْ يَكونَ مَسبوقًا بوُقوفِ عَرفةَ، فلو طافَ لِلإفاضةِ قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ لا يَسقطُ به فَرضُ الطَّوافِ إجماعًا.

стр. 2910

ج - النِّيةُ: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا يَجبُ تَعيُّنُ النِّيةِ في طَوافِ الإفاضةِ؛ لأنَّ نيَّةَ الحَجِّ تَشملُ أفعالَ الحَجِّ كلَّها، كما أنَّ نيَّةَ الصَّلاةِ تَشملُ جميعَ أفعالِها، ولا يُحتاجُ إلى النِّيةِ في رُكوعٍ ولا غيرِه، ولأنَّه لو وقَف بعَرفةَ ناسيًا أجزَأه بالإجماعِ. قال الكاسانيُّ ﵀: فأمَّا تَعيينُ النِّيةِ حالَ وُجودِه في وقتِه فلا حاجةَ إليه حتى لو نفَر في النَّفرِ الأولِ فطافَ، وهو لا يُعيِّنُ طَوافًا يَقعُ عن طَوافِ الزِّيارةِ، لا عن الصَّدرِ -أيِ: الوَداعِ-؛ لأنَّ أيامَ النَّحرِ مُتعيِّنةٌ لطَوافِ الزِّيارةِ فلا حاجةَ إلى تَعيينِ النِّيةِ، كما لو صامَ رَمضانَ بمُطلَقِ النِّيةِ أنَّه يَقعُ عن رَمضانَ لكَونِ الوقتِ مُتعيِّنًا لصَومِه، كذا هذا. وكذا لو نَوى تطوُّعًا يَقعُ عن طَوافِ الزِّيارةِ، كما لو صامَ رَمضانَ بنيَّةِ التطوُّعِ، وكذلك كلُّ طَوافٍ واجبٍ، أو سُنَّةٍ يَقعُ في وقتِه من طَوافِ اللِّقاءِ -القُدومِ- وطَوافِ الصَّدرِ -الوَداعِ-، فإنَّما يَقعُ عمَّا يَستحِقُّه الوقتُ، وهو الذي انعقَد عليه الإحرامُ دونَ غيرِه، سَواءٌ عيَّن ذلك بالنِّيةِ، أو لم يُعيِّنْ، فيَقعُ عن الأولِ، ولو نَوى الثاني لا يَعملُ بنيَّتِه في تَقديمِه على الأولِ، حتى إنَّ المُحرِمَ إذا قدِم مكةَ، وطافَ لا يُعيِّنُ شيئًا، أو نَوى التطوُّعَ، فإنْ كان مُحرِمًا بعُمرةٍ يَقعُ طَوافُه للعُمرةِ، وإنْ كان مُحرِمًا بحَجةٍ يَقعُ طَوافُه للقُدومِ؛ لأنَّ عَقدَ الإحرامِ انعقَد عليه (١).

стр. 2911

وذهَب الحَنابلةُ وابنُ القاسِمِ من المالِكيةِ إلى أنَّه يَجبُ تَعيينُ النِّيةِ لطَوافِ الإفاضةِ، فإنْ طافَ للقُدومِ أو لِلوداعِ بنِيةِ النَّفلِ، وكان ذلك كلُّه بعدَ دُخولِ هذا الطَّوافِ للفَرضِ لم يَقعْ عنه، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى» (١)، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ سمَّاه صَلاةً، والصَّلاةَ لا تَصحُّ إلا بالنِّيةِ اتِّفاقًا (٢). د- الوقتُ: فلا يَصحُّ طَوافُ الإفاضةِ قبلَ الوقتِ المُحدَّدِ له شَرعًا، وقد اختلَف الفُقهاءُ في أولِ وقتِه: فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ إلى أنَّ أولَ وقتِه حينَ يَطلُعُ الفَجرُ الثاني من يومِ النَّحرِ؛ لأنَّ ما قبلَ الفجرِ من اللَّيلِ وقتُ الوُقوفِ بعَرفةَ، والطَّوافُ مُرتَّبٌ عليه، فلا يَكونُ وقتًا لِلطَّوافِ؛ لأنَّ الوقتَ الواحِدَ لا يَكونُ وقتًا لرُكنَين (٣). وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ أولَ وقتِ طَوافِ الإفاضةِ من بعدِ مُنتصَفِ لَيلةِ النَّحرِ لِمن وقَف بعَرفةَ قبلَه، واستدلَّ الشافِعيةُ بقياسِ الطَّوافِ

стр. 2912

على الرَّميِ؛ لأنَّهما من أسبابِ التَّحلُّلِ، فإنَّه بالرَّميِ للجِمارِ والذَّبحِ والحَلقِ يَحصلُ التَّحلُّلُ الأولُ وبِالطَّوافِ يَحصلُ التَّحلُّلُ الأكبَرُ (بشَرطِ السَّعيِ)، فكما أنَّ وقتَ الرَّميِ يَبدأُ عندَهم بعدَ نصفِ اللَّيلِ كذا وقتُ طَوافِ الإفاضةِ (١). والأفضلُ عندَ العُلماءِ أداؤُه يومَ النَّحرِ بعدَ الرَّميِ والنَّحرِ والحَلقِ؛ لقولِ جابرٍ في صِفةِ حَجِّ النَّبيِّ ﷺ يومَ النَّحرِ: «فأفاضَ إلى البَيتِ فصلَّى بمكةَ الظُّهرَ» (٢). وأمَّا آخِرُ وقتِ طَوافِ الفَرضِ -الزِّيارةِ- فليس لِآخرِه حَدٌّ مُعيَّنٌ لِأدائه فَرضًا، بل جميعُ الأيامِ واللَّيالي وقتُه باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربعةِ (٣).

стр. 2913

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا هل له وقتٌ آخَرُ وُجوبًا أو لا؟ فذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه مُوقَّتٌ بأيامِ النَّحرِ وُجوبًا، حتى لو أخَّره عنها صحَّ، ووجَب عليه دَمٌ جَزاءَ تأخيرِه عنها؛ لأنَّ التَّأخيرَ بمَنزلةِ التَّركِ في حقِّ وُجوبِ الجابرِ، بدَليلِ أنَّ مَنْ جاوَز الميقاتَ بغيرِ إحرامٍ ثم أحرَم يَلزمُه دَمٌ، ولو لم يُوجدْ منه إلا تأخيرُ الشكِّ، وكذا تَأخيرُ الواجبِ في بابِ الصَّلاةِ بمَنزلةِ التَّركِ في حقِّ وُجوبِ الجابرِ، هو واجبٌ، فمُراعاةُ مَحِلِّ الواجبِ واجبةٌ، فكان التَّأخيرُ تَركًا للمُراعاةِ الواجبةِ، وهي مُراعاتُه في مَحِلِّه، والتَّركُ تَركٌ لِواجبَين؛ أحدُهما: أداءُ الواجبِ في نَفسِه، والآخَرُ مُراعاتُه في مَحِلِّه، فإذا ترَك هذا الواجبَ يَجبُ جَبرُه بالدَّمِ. وإذا توقَّت هذا الطَّوافُ بأيامِ النَّحرِ وُجوبًا فإذا أخَّره عنها فقد ترَك الواجبَ، فأوجَب ذلك نُقصانًا، فيَجبُ جَبرُه بالدَّمِ (١). وقال الإمامُ مالكٌ: لا يَتعلَّقُ الدَّمُ بتَأخيرِه، ولو أخَّره إلى آخرِ ذي الحِجَّةِ؛ لأنَّه جميعَه عندَه من أشهُرِ الحَجِّ، لكنَّه قال: لا بَأسَ بتَأخيرِ الإفاضةِ إلى آخرِ أيامِ التَّشريقِ، وتَعجيلُها أفضلُ، فإنْ أخَّرها إلى المُحرَّمِ فعليه دَمٌ (٢).

стр. 2914

وذهَب الشافِعيةُ (١) والحَنابلةُ (٢) والصاحِبانِ من الحَنفيةِ (٣) ومالكٌ في رِوايةٍ (٤) إلى أنَّه لا يَلزمُه شيءٌ بالتَّأخيرِ أبَدًا. قالوا: لأنَّ الأصلَ عَدمُ التَّأقيتِ، وليس هُناكَ ما يُوجِبُ فِعلَه في أيامِ النَّحرِ، ولأنَّه لو تَوقَّت آخِرُه لَسقَط بمُضيِّ آخرِه، كالوُقوفِ بعَرفةَ، فلمَّا لم يَسقطْ دلَّ على أنَّه لم يَتوقَّتْ، فإذا تَأخَّر لا يَسقطُ أبَدًا، وهو مُحرَّمٌ عليه النِّساءُ أبدًا إلى أنْ يَعودَ فيَطوفَ. ولا يَكفي الفِداءُ عن طَوافِ الإفاضةِ إجماعًا؛ لأنَّه رُكنٌ، وأركانُ الحَجِّ لا يُجزِئُ عنها البَدلُ، ولا يَقومُ غيرُها مَقامَها، بل يَجبُ الإتيانُ بها بعَينِها (٥). مَنْ كان في طَوافٍ فأُقيمَت الصَّلاةُ: قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: ومَن كان في طَوافِ فَرضٍ أو تطوُّعٍ فأُقيمَت الصَّلاةُ أو عرَضت له صَلاةُ جِنازةٍ، أو عرَض له بَولٌ، أو حاجةٌ، فلْيُصلِّ ولْيَخرجْ لِحاجَتِه، ثم ليَبْنِ على طَوافِه ويُتِمَّه.

стр. 2915

وكذلك من عرَض له شيءٌ ممَّا ذكَرنا في سَعيِه بينَ الصَّفا والمَروةِ، ولا فرقَ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ، والشافِعيِّ. وقال مالكٌ: أمَّا في الطَّوافِ الواجبِ فيَبتدِئُ ولا بدَّ إلا في الصَّلاةِ المَكتوبةِ فقط، فإنَّه يُصَلِّيها ثم يَبني؛ وأمَّا في طَوافِ التطوُّعِ فيَبني في كلِّ ذلك. قال أبو مُحمدٍ: هذا تَقسيمٌ لا بُرهانَ على صِحتِه أصلًا، ولم يَأتِ نَصٌّ ولا إجماعٌ على وُجوبِ ابتِداءِ الطَّوافِ والسَّعيِ إنْ قطَع لِحاجةٍ، ولا بإبطالِ ما طافَ من أشواطِه وسعَى، وقد قال اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣)﴾ [محمد: ٣٣]. وإنَّما افترَض الطَّوافَ والسَّعيَ سَبعًا، ولم يَأتِ نَصٌّ بوُجوبِ اتِّصالِه، وإنَّما هو عَملٌ من النَّبيِّ ﷺ فقط، وأمَّا من فعَل ذلك عَبثًا فلا عَملَ لِعابثٍ ولا يُجزِئُه … عَنْ جَميلِ بنِ زَيدٍ قال: «رَأيتُ ابنَ عُمرَ طافَ في يَومٍ حارٍّ ثَلاثةَ أطوافٍ، ثم أصابَه حرٌّ فدخَل الحِجرَ فجلَس، ثم خرَج فبَنى على ما كان طافَ» (١). وعن عَطاءٍ: لا بَأسَ بأنْ يَجلسَ الإنسانُ في الطَّوافِ ليَستَريحَ، وفيمَن عرَضت له حاجةٌ في طَوافِه لِيذهَبْ ولْيَقضِ حاجَتَه، ثم يَبنِ على ما كان طافَ (٢).

стр. 2916

الرُّكنُ الرابِعُ: السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ: والمُرادُ بالسَّعيِ بينَ الصَّفا والمَروةِ قَطعُ المَسافةِ بينَهما سَبعَ مَراتٍ؛ لِإجماعِ الأُمَّةِ ولفِعلِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، بعدَ أنْ يَكونَ طافَ بالبَيتِ عندَ الأئمةِ الأربَعةِ، ويَعدُّ من الصَّفا إلى المَروةِ شَوطًا، ومن المَروةِ إلى الصَّفا شَوطًا آخرَ لِما رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ بينَهما سَبعةَ أشواطٍ. والتَّرتيبُ شَرطٌ في السَّعيِ عندَ الحَنفيةِ في المَشهورِ والمالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، وهو أنْ يَبدَأ بالصَّفا ويَختمَ بالمَروةِ، فإنْ بدَأ بالمَروةِ لم يُعتدَّ بذلك الشَّوطِ، فإذا صارَ إلى الصَّفا اعتَدَّ بما يَأتي بعدَ ذلك؛ لأنَّ التَّرتيبَ هَهُنا مَأمورٌ به؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ وفِعلِه. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والسَّعيُ تَبعٌ لِلطَّوافِ لا يَصحُّ إلا أنْ يَتقدَّمه طوافٌ، فإنْ سعَى قبلَه لم يَصحَّ، وبذلك قال مالكٌ والشافِعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ وقال عَطاءٌ: يُجزِئُه، وعن أحمدَ: يُجزِئُه إنْ كان ناسيًا، وإنْ عمَد لم يُجزِئْه سَعيُه؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا سُئل عن التَّقديمِ والتَّأخيرِ في حالِ الجَهلِ والنِّسيانِ قال: «لا حرجَ». ووَجهُ الأولِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما سعَى بعدَ طَوافِه، وقد قال: «لتَأخُذوا عَنِّي مَناسكَكم»، فعلى هذا: إنْ سعَى بعدَ طَوافِه ثم علِم أنَّه طافَ بغيرِ طَهارةٍ لم يُعتدَّ بسَعيِه ذلك، ومتى سعَى المُفرِدُ والقارِنُ بعدَ طَوافِ القُدومِ، لم يَلزمْهما بعدَ ذلك سَعيٌ، وإنْ لم يَسعَيا معه سَعيًا مع طَوافِ الزِّيارةِ (١).

стр. 2917

وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ السَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ يَجوزُ تَقديمُه على طَوافِ الزِّيارةِ بأنْ يُفعَل عُقيبَ طَوافِ القُدومِ، ويُجزِئُ فلا يَحتاجُ إذا طافَ طَوافَ الزِّيارةِ إلى السَّعيِ بينَ الصَّفا والمَروةِ، لا خِلافَ بينَهم فيها (١). حُكمُ السَّعيِ: اختلَف الفُقهاءُ في السَّعيِ هل هو رُكنٌ من أركانِ الحَجِّ فلا يُجبَرُ بالدَّمِ ولا بدَّ من الإتيانِ به أو هو واجبٌ من واجباتِ الحَجِّ يُجبَرُ بالدَّمِ إذا ترَكه أو هو سُنةٌ ولا شيءَ على مَنْ ترَكه؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في قَولٍ إلى أنَّ السَّعيَ رُكنٌ من أركانِ الحَجِّ لا يَصحُّ بدونِه ولا يَنوبُ عنه الدَّمُ، لِما رَوى عُروةُ قال: قلتُ لِعائشةَ زَوجِ النَّبيِّ ﷺ : ما أرى على أحَدٍ لم يَطُفْ بينَ الصَّفا والمَروةِ شيئًا، وما أُبالي ألَّا أطوفَ بينَهما، قالت: بئسَ ما قُلتَ يا ابنَ أُختي، طافَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ وطافَ المُسلمونَ -يَعني بينَ الصَّفا والمَروةِ- فكانَت سُنةً، فلَعمْري ما أتَمَّ اللهُ حجَّ من لم يَطفْ بينَ الصَّفا والمَروةِ» (٢). وعن حَبيبةَ بنتِ أبي تَجراةَ قالت: دخَلنا على دارِ أبي حُسَينٍ في نِسوةٍ من قُريشٍ والنَّبيُّ ﷺ يَطوفُ بينَ الصَّفا والمَروةِ، قالت: وهو

стр. 2918

يَسعى يَدورُ به إزارُه من شِدةِ السَّعيِ وهو يَقولُ لِأصحابِه: «اسعَوْا إنَّ اللَّهَ كتَب عليكُم السَّعيَ» (١)، ولأنَّه نُسكٌ في الحَجِّ والعُمرةِ كان رُكنًا فيهما كالطَّوافِ بالبَيتِ (٢). وذهَب الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها القاضي ورجَّحها ابنُ قُدامةَ إلى أنَّ السَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ واجبٌ من واجباتِ الحَجِّ وليس برُكنٍ، ويُجبَرُ بالدَّمِ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وهو أوْلى؛ لأنَّ دَليلَ من أوجَبه دلَّ على مُطلَقِ الوُجوبِ، لا على كَونِه لا يَتِمُّ الحَجُّ إلا به. وقولُ عائشةَ ﵂ في ذلك مُعارَضٌ بقولِ من خالَفها من الصَّحابةِ. وحَديثُ بنتِ أبي تَجراةَ قال ابنُ المُنذرِ: يَرويه عبدُ اللهِ بنُ المُؤمِّلِ، وقد تكلَّموا في حَديثِه، ثم هو يَدلُّ على أنَّه مَكتوبٌ وهو الواجبُ (٣).

стр. 2919

وقال الحَنفيةُ: الرُّكنيَّةُ لا تَثبتُ إلا بدَليلٍ مَقطوعٍ به، ولم يُوجدْ، وحَديثُ: «إنَّ اللَّهَ كتَب عليكم السَّعيَ فاسعَوْا» (١) لا يَنهَضُ دَليلًا على أنَّ السَّعيَ رُكنٌ، ومِثلُه لا يَزيدَ على إفادةِ الوُجوبِ، وقد قُلنا به، أمَّا الرُّكنُ فإنَّما يثبُتُ عندَنا بدَليلٍ مَقطوعٍ به. وقال الكاسانيُّ ﵀: وعن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «ما أتمَّ اللهُ حجَّ مَنْ لم يَطفْ بينَ الصَّفا والمَروةِ»، وفيه إشارةٌ إلى أنَّه واجبٌ، وليس بفَرضٍ؛ لأنَّها وَصفَت الحَجَّ بدونِه بالنُّقصانِ لا بالفَسادِ، وفَوتُ الواجبِ هو الذي يُوجِبُ النُّقصانَ، فأمَّا فَوتُ الفَرضِ فيُوجِبُ الفَسادَ والبُطلانَ، ولأنَّ الفَرضيَّةَ إنَّما تَثبتُ بدَليلٍ مَقطوعٍ به، ولا يُوجدُ ذلك في مَحِلِّ الاجتِهادِ إذا كان الخِلافُ بينَ أهلِ الدِّيانةِ. وإذا كان واجبًا؛ فإنْ ترَكه لعُذرٍ فلا شيءَ عليه، وإنْ ترَكه لغيرِ عُذرٍ لزِمه دَمٌ؛ لأنَّ هذا حُكمُ تَركِ الواجبِ في هذا البابِ، بخِلافِ الأركانِ فإنَّها لا تَسقُطُ بالعُذرِ؛ لأنَّ رُكنَ الشَيءِ ذاتُه، فإذا لم يَأتِ به فلم يُوجدِ الشَّيءُ أصلًا؛ كأركانِ الصَّلاةِ، بخِلافِ الواجبِ (٢).

стр. 2920

ورُوي عن الإمامِ أحمدَ أنَّه سُنةٌ لا يَجبُ بتَركِه دَمٌ، ورُوي ذلك عن ابنِ عَباسٍ وأنسٍ وابنِ الزُّبيرِ وابنِ سِيرينَ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ونَفيُ الحَرجِ عن فاعلِه دَليلٌ على عَدمِ وُجوبه، فإنَّ هذا رُتبةُ المُباحِ، وإنَّما ثبَتت سُنِّيتُه بقولِ اللهِ : ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، ورُوي أنَّ في مُصحفِ أُبيٍّ وابنِ مَسعودٍ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ (١)، وهذا وإنْ لم يَكنْ قُرآنًا فلا يَنحَطُّ عن رُتبةِ الخَبرِ؛ لأنَّهما يَرويانِه عن النَّبيِّ ﷺ ، ولأنَّه نُسكٌ ذو عَددٍ لا يَتعلَّقُ بالبَيتِ، فلم يَكنْ رُكنًا كالرَّميِ (٢). وقتُ السَّعيِ: أمَّا وقتُه الأصليُّ فيومُ النَّحرِ بعدَ طَوافِ الزِّيارةِ، لا بعدَ طَوافِ القُدومِ، إلا أنَّه رُخِّصَ السَّعيُ بعدَ طَوافِ القُدومِ وجُعلَ ذلك وقتًا له تَرفيهًا بالحاجِّ وتَيسيرًا له لِازدِحامِ الأشغالِ له يومَ النَّحرِ، فأمَّا وقتُه الأصليُّ فيومُ النَّحرِ عُقيبَ طَوافِ الإفاضةِ؛ لِما قُلنا. وأمَّا آخِرُ وقتِه فليس له آخِرٌ، إلا أنَّ الفُقهاءَ اختلَفوا في حُكمِه إذا تأخَّر عن وقتِه الأصليِّ، وهو أيامُ النَّحرِ بعدَ طَوافِ الزِّيارةِ. فمَذهبُ الحَنفيةِ بيَّنه الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفي بقولِه: فإنْ كان لم يَرجعْ إلى أهلِه فإنَّه يَسعَى ولا شيءَ عليه؛ لأنَّه أتى بما وجَب عليه، ولا يَلزمُه بالتَّأخيرِ

стр. 2921

شيءٌ؛ لأنَّه فعَله في وقتِه الأصليِّ، وهو ما بعدَ طَوافِ الزِّيارةِ، ولا يَضرُّه إنْ كان قد جامَع لوُقوعِ التَّحلُّلِ بطَوافِ الزِّيارةِ؛ إذِ السَّعيُ ليس برُكنٍ -أي: عندَهم- حتى يَمنعَ التَّحلُّلَ، وإذا صارَ حَلالًا بالطَّوافِ فلا فرقَ بينَ أنْ يَسعى قبلَ الجِماعِ أو بعدَه، غيرَ أنَّه لو كان بمكةَ يَسعى، ولا شيءَ عليه لِما قُلنا، وإنْ كان رجَع إلى أهلِه فعليه دَمٌ لتَركِه السَّعيَ بغيرِ عُذرٍ، وإنْ أرادَ أنْ يَعودَ إلى مكةَ يَعودُ بإحرامٍ جَديدٍ؛ لأنَّ إحرامَه الأولَ قد ارتفَع بطَوافِ الزِّيارةِ؛ لوُقوعِ التَّحلُّلِ به فيَحتاجُ إلى تَجديدِ الإحرامِ، وإذا عادَ وسعَى يَسقطُ عنه الدَّمُ؛ لأنَّه تَدارَك، ذكَره في الأصلِ، وقال: والدَّمُ أَحبَّ إليَّ من الرُّجوعِ؛ لأنَّ فيه مَنفَعةً للفُقراءِ، والنُّقصانُ ليسَ بفاحِشٍ، فصارَ كما إذا طافَ مُحدِثًا ثم رجَع إلى أهلِه (١). وقال مالكٌ ﵀: إذا ترَك السَّعيَ حتى رجَع فإنَّه يَرجعُ فيَسعى، فإنْ كان قد أصابَ النِّساءَ فعليه العُمرةُ والهَديُ، وإنْ لم يَترُكْ إلا شَوطًا واحِدًا عادَ وسعَى (٢). قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: إنَّما أوجَب مالكٌ في هذه المَسألةِ العُمرةَ والهَديَ ليَكونَ سَعيُه في إحرامٍ صَحيحٍ، لا في إحرامٍ فاسِدٍ بالوَطءِ، وليَكونَ طَوافُه بالبَيتِ في إحرامٍ صَحيحٍ لا في إحرامٍ فاسدٍ، واللهُ أعلمُ (٣). وقال الشافِعيُّ ﵀: مَنْ ترَك السَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ في الحَجِّ

стр. 2922

فالنِّساءُ عليه حَرامٌ حتى يَرجعَ فيَسعى فيما بينَهما، فإنْ وطِئ فعليه العَودُ حتى يَطوفَ بينَهما ويُهديَ. قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: وقولُ الشافِعيِّ في هذه المَسألةِ قولُ مالكٍ في وُجوبِ السَّعيِ بينَ الصَّفا والمَروةِ، فكلُّ مَنْ أوجَبه يُوجِبُ الرُّجوعَ إليه من كلِّ أُفقٍ في العُمرةِ، كما يُوجِبُه في الحَجِّ؛ لأنَّ القُرآنَ عمَّهما في قوله : ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨]، ومن لم يُوجِبْه نابَ عنه عندَه الدَّمُ لمن أبعَدَ عن مكةَ؛ لأنَّ هذا شَأنُ السُّننِ في الحَجِّ؛ أنْ تُجبَرَ بالدَّمِ، ولا يَنصرِفَ إليها من بَعدُ (١). أمَّا الإمامُ أحمدُ فقال في رِوايةِ الأثرَمِ فيمَن انصرَف ولم يَسْعَ: يَرجعُ فيَسعى، وإلا فلا حجَّ له. وقال في رِوايةِ ابنِ مَنصورٍ: إذا بدَأ بالصَّفا والمَروةِ قبلَ البَيتِ لا يُجزِئُه، ورُوي عنه أنَّه سُنةٌ، قال في رِوايةِ أبي طالِبٍ فيمَن نسِي السَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ أو ترَكه عامِدًا: لا يَنبَغي له أنْ يَترُكَه، وأرجو ألَّا يَكونَ عليه شيءٌ. وقال في رِوايةِ المَيمونيِّ: السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ تطوُّعٌ. وقال في رِوايةِ حَربٍ فيمَن نسِي السَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ حتى أتَى مَنزلَه: لا شيءَ عليه (٢).

стр. 2923

واجباتُ الحَجِّ: الواجبُ في الحَجِّ: هو ما يُطلَبُ فِعلُه ويَحرمُ تَركُه، لكنْ لا تَتوقَّفُ صِحةُ الحَجِّ عليه، ويَأثمُ تارِكُه، إلا إذا ترَكه لعُذرٍ مُعتبَرٍ شَرعًا، ويَجبُ عليه الفِداءُ بجَبرِ النَّقصِ. وواجباتُ الحَجِّ قِسمانِ: القِسمُ الأولُ: الواجباتُ الأصليَّةُ، التي ليست تابِعةً لغيرِها. القِسمُ الآخَرُ: الواجباتُ التابِعةُ لغيرِها. وهي أُمورٌ تَجبُ مُراعاتُها في أداءِ رُكنٍ أو واجبٍ من أعمالِ الحَجِّ. أولاً: واجباتُ الحَجِّ الأصليَّةُ: أولاً: المَبيتُ بمُزدَلفةَ: للمُزدَلفةِ ثَلاثةُ أسماءٍ: مُزدَلفةٌ وجَمعُ والمَشعَرُ الحَرامُ، وقد اتَّفَق الأئمةُ الأربَعةُ على أنَّ المَبيتَ بمُزدَلفةَ واجبٌ وليس برُكنٍ، إلا الشافِعي في أحدِ قولَيه أنَّه سُنةٌ. فلو ترَكه صحَّ حَجُّه، ويَجبُ بتَركِه الدَّمُ على قولِ الأئمةِ الأربَعةِ، وعلى أحدِ قولَيِ الشافِعيِّ لا يَجبُ بتَركِه دَمٌ؛ لأنَّه سُنةٌ، لكنَّ الصَّحيحَ عنه الأولُ. قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: المَبيتُ بمُزدَلفةَ لَيلةَ النَّحرِ بعدَ الدَّفعِ من عَرفاتٍ نُسكٌ، وهذا مُجمَعٌ عليه، لكنِ اختلَف العُلماءُ هل هو واجبٌ أو رُكنٌ أو سُنةٌ، والصَّحيحُ من قولَيِ الشافِعيِّ أنَّه واجبٌ، لو ترَكه أثِمَ وصحَّ حَجُّه ولزِمه دَمٌ.

стр. 2924

والآخَرُ أنَّه سُنةٌ لا إثمَ في تَركِه ولا يَجبُ فيه دَمٌ، ولكنْ يُستحبُّ. وقال جَماعةٌ من أصحابِنا: هو رُكنٌ لا يَصحُّ الحَجُّ إلا به، كالوُقوفِ بعَرفاتٍ، قاله من أصحابِنا ابنُ بنتِ الشافِعيِّ وأبو بَكرٍ مُحمدُ بنُ إسحاقَ بنِ خُزَيمةَ، وقاله خَمسةٌ من أئمَّةِ التابِعينَ، وهُم عَلقَمةُ والأسوَدُ والشَّعبيُّ والنَّخعيُّ والحَسنُ البَصريُّ، واللهُ أعلمُ (١). ثم اختلَفوا في مِقدارِه ووقتِه: فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ زَمنَ الوُقوفِ الواجبِ هو المُكثُ بالمُزدَلفةِ من اللَّيلِ، ثم اختلَف أصحابُ هذا الرَّأيِ: فذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ النُّزولَ بالمُزدَلفةِ قَدرَ حطِّ الرِّحالِ في لَيلةِ النَّحرِ واجبٌ، والمَبيتَ بها سُنةٌ، فلو مرَّ بها، ولم يَنزِلْ وجَب عليه دَمٌ. وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجبُ الوُجودُ بمُزدَلفةَ بعدَ نصفِ اللَّيلِ، ولو ساعةً لطيفةً: أي فَترةً من الزَّمنِ ولو قَصيرةً. فلو دفَع قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ إليها فقد ترَك المَبيتَ، ولو عادَ قبلَ طُلوعِ الفجرِ أجزَأه المَبيتُ ولا شيءَ عليه. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ باتَ بها وقال: «خُذوا عنِّي مَناسكَكم» (٢).

стр. 2925

وإنَّما أُبيحَ الدَّفعُ بعدَ نصفِ اللَّيلِ بما ورَد من الرُّخصةِ فيه، رَوى ابنُ عَباسٍ: «كُنْتُ فيمَن قدَّم رَسولُ اللَّهِ ﷺ في ضَعَفةِ أهلِه من مُزدَلفةَ إلى منًى» (١)، ولِما رَوى عبدُ اللَّهِ مَولى أسماءَ ﵂ عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت لَيلةَ جَمعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصَلِّي فصَلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: لا. فصَلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نَعمْ. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلْنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصلَّت الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ ما أُرانا إلا قَدْ غلَّسنا، قالت: يا بُنيَّ إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للظُّعُنِ» (٢) متَّفقٌ عليهما. وعَن عائشةَ ﵂ قالت: «أرسَل النَّبيُّ ﷺ بأمِّ سَلمةَ لَيلةَ النَّحرِ فرَمتِ الجَمرةَ قبلَ الفجرِ ثم مضَت فأفاضَت» (٣). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فمَن دفَع من جَمعٍ قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ في اللَّيلِ فعليه دَمٌ، فإنْ عادَ فلا دَمَ عليه كالذي دفَع من عَرفةَ نَهارًا، ومَن لم يُوافِقْ مُزدَلفةَ إلا في النصفِ الأخيرِ من اللَّيلِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدرِكْ جُزءًا من النصفِ الأولِ، فلم يَتعلَّقْ به حُكمُه، كمَن أدرَك اللَّيلَ بعَرفاتٍ دونَ النَّهارِ، والمُستحبُّ الاقتِداءُ برَسولِ اللهِ ﷺ في المَبيتِ إلى أنْ يُصبِحَ ثم يَقفَ حتى يُسفرَ.

стр. 2926

ولا بَأسَ بتَقديمِ الضَّعَفةِ والنِّساءِ، وممَّن كان يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وعائشةُ، وبه قال عَطاءٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا، ولأنَّ فيه رِفقًا بهم ودَفعًا لمَشقَّةِ الزِّحامِ عنهم واقتِداءً بفِعلِ نَبيِّهم ﷺ (١). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: السُّنةُ عندَنا أنْ يَبقى بمُزدَلفةَ حتى يَطلُعَ الفَجرُ إلا الضَّعَفةَ، فيُستحبُّ لهم الدَّفعُ قبلَ الفجرِ، فإنْ دفَع غيرُ الضَّعَفةِ قبلَ الفجرِ بعدَ نصفِ اللَّيلِ جازَ ولا دَمٌ، هذا مَذهبُنا وبه قال مالكٌ وأحمدُ. وقال أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ الدَّفعُ قبلَ طُلوعِ الفجرِ، فإنْ دفَع قبلَ الفجرِ لزِمه دَمٌ (٢). وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ وقتَه وزَمانَه ما بينَ طُلوعِ الفجرِ يومَ النَّحرِ وطُلوعِ الشَّمسِ، فمَن حصَّل بمُزدَلفةَ في هذا الوقتِ فقد أدرَك الوُقوفَ، سَواءٌ باتَ بها أو لا، ومَن لم يُحصِّلْ بها فيه فقد فاتَه الوُقوفُ الواجبُ بالمُزدَلفةِ وعليه دَمٌ، إلا إنْ ترَكه لعُذرٍ، كزِحامٍ، فلا شيءَ عليه. واتَّفَقوا على أنَّ الحاجَّ يَجمعُ بينَ المَغربِ والعِشاءِ في المُزدَلفةِ جَمعَ تَأخيرٍ، وهذا الجَمعُ سُنةٌ عندَ الجُمهورِ واجبٌ عندَ أبي حَنيفةَ (٣).

стр. 2927

حُكمُ عَدمِ القُدرةِ على دُخولِ مُزدَلفةَ حتى طُلوعِ الشَّمسِ لِتَعطُّلِ السَّيرِ أو ازدِحامِه: تَبيَّنَ ممَّا سبَق عَرضُه أنَّ المَبيتَ بمُزدَلفةَ واجبٌ من واجباتِ الحَجِّ عندَ الأئمةِ الأربَعةِ من ترَكه بغيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ، أمَّا إنْ فاتَه الوُقوفُ بمُزدَلفةَ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ لعُذرٍ فقال طائفةٌ من أهلِ العِلمِ: لا شيءَ عليه. ولا شكَّ أنَّ من لم يَستطِعْ دُخولَ المُزدَلفةِ إلا بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ لتَعطُّلِ حَركةِ السَّيرِ أو ازدِحامِه مع عَدمِ قُدرتِه على تَركِ وَسيلةِ النَّقلِ إمَّا لخَوفِه على نَفسِه أو أهلِه أو مالِه فلا يَجبُ عليه دَمٌ لوُجودِ العُذرِ. قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا حُكمُ فَواتِه عن وقتِه فإنَّه إنْ كان لعُذرٍ فلا شيءَ عليه؛ لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قدَّم ضَعَفةَ أهلِه ولم يَأمرْهم بالكَفارةِ، وإنْ كان فواتُه لغيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ؛ لأنَّه ترَك الواجبَ من غيرِ عُذرٍ، وإنَّه يُوجِبُ الكَفارةَ، واللَّهُ أعلمُ (١).

стр. 2928

وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قال أصحابُنا: إذا ترَك المَبيتَ بالمُزدَلفةِ وتَعجَّلَ منها بلَيلٍ من غيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ، فإنْ كان من عُذرٍ فلا شيءَ عليه (١). حُكمُ المُرورِ بالمُزدَلفةِ فقط لتَعذُّرِ التَّوقُّفِ فيها والرُّجوعِ إليها: قبلَ الكَلامِ على هذه المَسألةِ لا بدَّ من الوُقوفِ على أقوالِ العُلماءِ في مِقدارِ المَبيتِ الواجبِ في المُزدَلفةِ، وقد اختلَف العُلماءُ كما سبَق في قَدرِ المَبيتِ الواجبِ في المُزدَلفةِ على أقوالٍ: القولُ الأولُ: ذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ النُّزولَ بالمُزدَلفةِ قَدرَ حطِّ الرِّحالِ في لَيلةِ النَّحرِ واجبٌ، والمَبيتَ بها سُنةٌ، فلو مرَّ بها، ولم يَنزِلْ وجَب عليه دَمٌ. قال الإمامُ القَرافيُّ ﵀: ومَن مرَّ بها ولم يَنزِلْ فعليه دَمٌ، وإنْ نزَل ودفَع آخرَ اللَّيلِ أو وسَطَه أو أوَّلَه ولم يَدفعْ مع الإمامِ أجزَأه (٢). القولُ الثاني: ذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ إلى أنَّه يَجبُ الوُجودُ بمُزدَلفةَ بعدَ نصفِ اللَّيلِ، ولو ساعةً لَطيفةً: أي فَترةً من الزَمنِ ولو قَصيرةً، فلو دفَع قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ إليها فقد ترَك المَبيتَ، ولو عادَ قبلَ طُلوعِ الفجرِ أجزَأه المَبيتُ ولا شيءَ عليه.

стр. 2929

قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ومَن باتَ بمُزدَلفةَ لم يَجزْ له الدَّفعُ قبلَ نصفِ اللَّيلِ، فإنْ دفَع بعدَه فلا شيءَ عليه، وبهذا قال الشافِعيُّ. وقال مالكٌ: إنْ مرَّ بها ولم يَنزِلْ فعليه دَمٌ، فإنْ نزَل فلا دَمَ عليه متى دفَع. ولَنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ باتَ بها وقال: «خُذوا عنِّي مَناسكَكم» (١). وإنَّما أُبيحَ الدَّفعُ بعدَ نصفِ اللَّيلِ بما ورَد من الرُّخصةِ فيه، رَوى ابنُ عَباسٍ: «كُنْتُ فيمَن قدَّم رَسولُ اللَّهِ ﷺ في ضَعَفةِ أهلِه من مُزدَلفةَ إلى منًى» (٢)، ورَوى عبدُ اللهِ مَولى أسماءَ ﵂ عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت لَيلةَ جَمعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصلِّي، فصلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ، هل غابَ القَمرُ؟ قُلتَ: لا. فصلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نعَم. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصلَّت الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ ما أُرانا إلا قَدْ غَلَّسنا، قالت: يا بُنيَّ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للظُّعُنِ» (٣) متَّفقٌ عليهما، وعن عائشةَ ﵂ قالت: «أرسَلَ النَّبيُّ ﷺ بأُمِّ سَلمةَ لَيلةَ النَّحرِ فرَمتِ الجَمرةَ قبلَ الفجرِ ثم مضَت فأفاضَت» (٤).

стр. 2930

قال ابنُ قُدامةَ: فمَن دفَع من جَمعٍ قبلَ نصفِ اللَّيلِ ولم يَعدْ في اللَّيلِ فعليه دَمٌ، فإنْ عادَ فلا دَمَ عليه كالذي دفَع من عَرفةَ نَهارًا، ومن لم يُوافِقْ مُزدَلفةَ إلا في النصفِ الأخيرِ من اللَّيلِ فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه لم يُدرِكْ جُزءًا من النصفِ الأولِ، فلم يَتعلَّقْ به حُكمُه، كمَن أدرَك اللَّيلَ بعَرفاتٍ دونَ النَّهارِ، والمُستحبُّ الاقتِداءُ برَسولِ اللهِ ﷺ في المَبيتِ إلى أنْ يُصبِحَ ثم يَقفَ حتى يُسفِرَ، ولا بَأسَ بتَقديمِ الضَّعَفةِ والنِّساءِ، وممَّن كان يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه: عبدُ الرَّحمنِ بنُ عَوفٍ وعائشةُ، وبه قال عَطاءٌ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرَّأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا، ولأنَّ فيه رِفقًا بهم ودَفعًا لمَشقَّةِ الزِّحامِ عنهم واقتِداءً بفِعلِ نَبيِّهم ﷺ (١). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: السُّنةُ عندَنا أنْ يَبقَى بمُزدَلفةَ حتى يَطلُعَ الفَجرُ إلا الضَّعَفةَ، فيُستحبُّ لهم الدَّفعُ قبلَ الفجرِ، فإنْ دفَع غيرُ الضَّعَفةِ قبلَ الفجرِ بعدَ نصفِ اللَّيلِ جازَ ولا دَمَ، هذا مَذهبُنا وبه قال مالكٌ وأحمدُ. وقال أبو حَنيفةَ: لا يَجوزُ الدَّفعُ قبلَ طُلوعِ الفجرِ، فإنْ دفَع قبلَ الفجرِ لزِمه دَمٌ (٢). القولُ الثالِثُ: ذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ وقتَه وزَمانَه بينَ طُلوعِ الفجرِ يومَ النَّحرِ وطُلوعِ الشَّمسِ، فمَن حصَّل بمُزدَلفةَ في هذا الوقتِ فقد أدرَك الوُقوفَ، سَواءٌ باتَ بها أو لا، ومَن لم يُحصِّلْ بها فيه فقد فاتَه الوُقوفُ

стр. 2931

الواجبُ بالمُزدَلفةِ، وعليه دَمٌ، إلا إنْ ترَكه لعُذرٍ، كزِحامٍ، فلا شيءَ عليه (١). قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا حُكمُ فواتِه عن وقتِه، فإنْ كان لعُذرٍ فلا شيءَ عليه لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قدَّم ضَعَفةَ أهلِه ولم يَأمرْهم بالكَفارةِ، وإنْ كان فَواتُه لغيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ؛ لأنَّه ترَك الواجبَ من غيرِ عُذرٍ، وهو يُوجِبُ الكَفارةَ واللَّهُ أعلمُ (٢). وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: قال أصحابُنا إذا ترَك المَبيتَ بالمُزدَلفةِ وتعجَّل منها بلَيلٍ من غيرِ عُذرٍ فعليه دَمٌ، فإنْ كان من عُذرٍ فلا شيءَ عليه (٣). القولُ الرابِعُ: أنَّ المَبيتَ بمُزدَلفةَ سُنةٌ لا يَجبَ بتَركِه دَمٌ، وهو قَولٌ للشافِعيةِ، ورُوي ذلك عن عَطاءٍ والأوزاعيِّ قالا: لا دَمَ عليه، وإنَّما هو مَنزِلٌ من شاءَ نزَل به، ومن شاءَ لم يَنزِلْ به (٤).

стр. 2932

وقال الإمامُ النَّوويُّ: وهل يَجبُ المَبيتُ بمُزدَلفةَ أو لا؟ فيه قَولانِ: أحدُهما: يَجبُ؛ لأنَّه نُسكٌ مَقصودٌ في مَوضعٍ، فكان واجبًا كالرَّميِ. والآخَرُ: سُنةٌ؛ لأنَّه مَبيتٌ، فكان سُنةً، كالمَبيتِ بمنًى ليلةَ عَرفةَ، فإنْ قُلنا: إنَّه يَجبُ وجَب بتَركِه الدَّمُ، وإنْ قُلنا: إنَّه سُنةٌ لم يَجبْ بتَركِه الدَّمُ (١). فبعدَ ذِكرِ أقوالِ العُلماءِ في هذه المَسألةِ -وهي مُدةُ قَدرِ المَبيتِ الواجبِ في المُزدَلفةِ- يَتبيَّنُ لي عدَّةُ أُمورٍ: ١ - على قولِ من يَقولُ: إنَّ النُّزولَ بالمُزدَلفةِ قَدرَ حطِّ الرِّحالِ واجبٌ، والمَبيتَ بها سُنةٌ، فلو مرَّ بها، ولم يَنزِلْ وجَب عليه دَمٌ، كما هو قولُ المالِكيةِ، فعلى هذا لا يَجوزُ له المُرورُ فقط، فيَجبُ عليه أنْ يَنزلَ بها قَدرَ حَطِّ الرَّحلِ، وهو قَليلٌ، وإلا فعليه دَمٌ. ٢ - وعلى قولِ من يَقولُ: إنَّ المَبيتَ مُعظمَ اللَّيلِ بمُزدَلفةَ واجبٌ -كما هو مَذهبُ الشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابلةِ- لا يَجوزُ المُرورُ بالمُزدَلفةِ فقَط دونَ المَبيتِ فيها مُعظمَ اللَّيلِ، ومَن فعَل ذلك فعليه دَمٌ. ٣ - وعلى قولِ من يَقولُ: إنَّ المَبيتَ بمُزدَلفةَ سُنةٌ لا يَجبُ بتَركِه دَمٌ -كما هو قولُ عَطاءٍ والأوزاعيِّ وقَولٌ للشافِعيةِ- فعلى هذا لو مرَّ بها دونَ أنْ يَنزلَ أو يَبيتَ بها فلا شيءَ عليه في هذا. ٤ - وعلى قولِ من يَقولُ: إنَّ وقتَه وزَمانَه ما بينَ طُلوعِ الفجرِ يومَ النَّحرِ

стр. 2933

وطُلوعِ الشَّمسِ، فمن حصَّل بمُزدَلفةَ في هذا الوقتِ فقد أدرَك الوُقوفَ، سَواءٌ باتَ بها أو لا، ومن لم يُحصِّلْ بها فيه فقد فاتَه الوُقوفُ الواجبُ بالمُزدَلفةِ وعليه دَمٌ، إلا إنْ ترَكه لعُذرٍ، كزِحامٍ، فلا شيءَ عليه، كما يَقولُ الحَنفيةُ، فعلى هذا القولِ مَنْ مرَّ بمُزدَلفةَ ولم يَنزِلْ أو يَبِتْ بها لتَعذُّرِ الوُقوفِ فلا شيءَ عليه في هذا (١).

стр. 2934

ثانيًا: رَميُ الجِمارِ: رَميُ الجِمارِ في اللُّغةِ: هو القَذفُ بالأحجارِ الصِّغارِ، وهي الحَصى، إذِ الجِمارُ جَمعُ جَمرةٍ، والجَمرةُ هي الحَجرُ الصَّغيرُ، وهي الحَصاةُ. وفي عُرفِ الشَّرعِ: هو القَذفُ بالحَصى في زمانٍ مَخصوصٍ، ومَكانٍ مَخصوصٍ، وعَددٍ مَخصوصٍ (١). وقد أجمَعتِ الأمُّةُ على وُجوبِ رَميِ الجِمارِ، رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ بسَبعِ حَصَياتٍ، وعلى وُجوبِ رَميِ الجِمارِ في أيامِ التَّشريقِ الثَّلاثةِ يَرمي في كلِّ يَومٍ جَمرةً بسَبعِ حَصَياتٍ، فيَكونُ لكلِّ جَمرةٍ في الأيامِ الثَّلاثةِ إحدى وعِشرينَ حَصاةً، فجميعُ ما يُرمى في أيامِ التَّشريقِ ثَلاثٌ وسِتونَ حَصاةً، مثلَ حَصى الحَذفِ، تَبدَأُ بالأُولى التي تَلي مَسجدَ الخَيفِ، ثم الوُسطى ثم الثالِثةِ وهي جَمرةُ العَقَبةِ. فلو ترَك الرَّميَ حتى فاتَ وقتُه صحَّ حَجُّه ولزِمه الدَّمُ. والدَّليلُ على وُجوبه قولُ النَّبيِّ ﷺ وفِعلُه، أما قولُه ﷺ فما رُوي أنَّ رَجلًا سأَله، وقال: نَحَرتُ قبلَ أنْ أرميَ، قال: «ارْمِ ولا حرجَ» (٢). وظاهرُ الأمرِ يَقتَضي وُجوبَ العَملِ. وأمَّا فِعلُه فلأنَّه ﷺ رَمى، وأفعالَ النَّبيِّ ﷺ فيما لم

стр. 2935

يَكنْ بَيانًا لمُجمَلِ الكِتابِ، ولم يَكنْ من حَوائجِ نَفسِه، ولا من أُمورِ الدُّنيا مَحمولٌ على الوُجوبِ؛ لوُرودِ النُّصوصِ بوُجوبِ الاقتِداءِ به، والاتَّباعِ له، ولُزومِ طاعَتِه، وحُرمةِ مُخالفَتِه، فكانت أفعالُه مَحمولةً على الوُجوبِ (١). تَوقيتُ الرَّميِ: أيامُ الرَّميِ أربَعةٌ: يومُ النَّحرِ العاشِرُ من ذي الحِجةِ، وثَلاثةُ أيامٍ بعدَه وتُسمَّى «أيامَ التَّشريقِ». الرَّميُ يومَ النَّحرِ: واجبٌ في هذا اليومِ رَميُ جَمرةِ العَقَبةِ وحدَها فقط بسَبعِ حَصَياتٍ، ولرَميِ هذه الجَمرةِ وَقتانِ: وقتُ فَضيلةٍ ووقتُ إجزاءٍ، فأمَّا وقتُ الفَضيلةِ فبعدَ طُلوعِ الشَّمسِ، قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَع عُلماءُ المُسلمينَ على أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ إنَّما رَماها ضُحى ذلك اليومِ (٢). وقال جابِرُ بنُ عبدِ اللهِ ﵄: «رَمى النَّبيُّ ﷺ يومَ النَّحرِ ضُحًى ورمَى بعدَ ذلك بعدَ الزَّوالِ» (٣).

стр. 2936

وكذلك اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ قبلَ نصفِ اللَّيلِ من لَيلةِ النَّحرِ لا يُجزِئُ بحالٍ. وأمَّا وقتُ الجوازِ فاختلَف أهلُ العِلمِ فيه على ثَلاثةِ أقوالٍ: القولُ الأولُ: أنَّ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ يَبدَأُ من نصفِ لَيلةِ النَّحرِ، وهو مَذهبُ الشافِعيةِ (١) والحَنابلةِ (٢) وعَطاءٍ وابنِ أبي مُليكةَ والأوزاعيِّ وعِكرِمةَ بنِ خالدٍ والشَّعبيِّ (٣). أدلَّةُ القولِ الأولِ: ١ - ما رَوى عبدُ اللَّهِ مَولى أسماءَ ﵂ عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت ليلةَ جَمْعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصلِّي فصلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ، هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: لا. فصلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نعَم. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصَلَّت الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ ما أُرانا إلا قَدْ غَلَّسنا قالت: يا بُنيَّ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للظُّعُنِ» (٤)، وفي رِوايةٍ عن أسماءَ: «أنَّها رَمتِ الجَمرةَ قلتُ: إنا رمَينا الجَمرةَ بلَيلٍ،

стр. 2937

قالت: إنا كنا نَصنعُ هذا على عَهدِ رَسولِ الله ﷺ » (١). وَجهُ الاستِدلالِ بهذا الحَديثِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أذِن لها في الرَّميِ لَيلًا، وهذا يَدلُّ على جوازِ رَميِ هذه الجَمرةِ قبلَ الفجرِ؛ ولأنَّه وقتٌ للدَّفعِ من مُزدَلفةَ، فكانَ وقتًا للرَّميِ مثلَ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ. ٢ - عن عائشةَ ﵂: «أنَّها قالت: أرسَل النَّبيُّ ﷺ بأمِّ سَلمةَ ليلةَ النَّحرِ فرَمتِ الجَمرةَ قبلَ الفجرِ ثم مضَت فأفاضَت، وكانَ ذلك اليومُ اليومَ الذي يَكونُ رَسولُ اللهِ ﷺ ، تَعني عندَها» (٢). وَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ: ما قالَه الشافِعيُّ ﵀: وهذا لا يَكونُ إلا وقد رمَت قبلَ الفجرِ بساعةٍ (٣). ٣ - وعَنِ القاسِمِ عن عائشةَ ﵂ قالت: «كانَت سَودةُ امرَأةً ضَخمةً ثَبِطةً، فاستَأذنَت رَسولَ اللهِ ﷺ أنْ تُفيضَ من جَمعٍ بلَيلٍ، فأذِن لها، فقالت عائشةُ ﵂: فلَيتَني كنتُ استَأذَنتُ رَسولَ اللهِ ﷺ كما استَأذنَتْه سَودةُ. وكانَت عائشةُ لا تُفيضُ إلا مع الإمامِ» (٤).

стр. 2938

٤ - وعن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «بعَثني رَسولُ اللهِ ﷺ من جَمعٍ بلَيلٍ» (١)، وفي رِوايةٍ عنه قال: «أنا ممَّن قدَّم النَّبيُّ ﷺ ليلةَ المُزدَلفةِ في ضَعَفةِ أهلِه» (٢). ٥ - وعن عَطاءٍ أنَّ ابنَ شوَّالٍ أخبَره أنَّه دخَل على أُمِّ حَبيبةَ فأخبَرته «أنَّ النَّبيَّ ﷺ بعَث بها من جَمعٍ بلَيلٍ»، وفي رِوايةٍ عن أُمِّ حَبيبةَ قالت: «كُنا نَفعَلُه على عَهدِ النَّبيِّ ﷺ نُغلِّسُ من جَمعٍ إلى منًى»، وفي رِوايةٍ: «نُغلِّسُ من مُزدَلفةَ» (٣). وَجهُ الدِّلالةِ من هذه الأحاديثِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قد أذِن لهم بالانصِرافِ لَيلًا، وإذا كان قد أذِن لهم بالانصِرافِ لَيلًا فقد أذِن لهم بالرَّميِ لَيلًا. القولُ الثاني: أنَّ وقتَ رَميِ جَمرةِ العَقبةِ يَبدأُ من طُلوعِ فجرِ يومِ النَّحرِ؛ ولا يُجزِئُ قبلَه، وهو قولُ الحَنفيةِ (٤) والمالِكيةِ (٥) وإسحاقَ

стр. 2939

وابنِ المُنذرِ وأبي ثَورٍ (١) وأحمدَ في رِوايةٍ (٢). استدلَّ أصحابُ القولِ الثاني بما يلي: ١ - عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ قال: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُقدِّمُ ضُعفاءَ أهلِه بغَلسٍ ويَأمرُهم، يَعني لا يَرمونَ الجَمرةَ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ» (٣). ٢ - عن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «كنتُ فيمَن بعَث به النَّبيُّ ﷺ يومَ النَّحرِ فرمَينا الجَمرةَ مع الفجرِ» (٤). وَجهُ الدِّلالةِ من هذَين الحَديثَين واضِحٌ بعَدمِ الرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ. ٣ - أنَّ دُخولَ وقتِ الرَّميِ يَكونُ بانتِهاءِ وقتِ الوُقوفِ بعَرفةَ؛ وقد حصَل الإجماعُ أنَّه لا يَنتَهي وقتُ الوُقوفِ بعَرفةَ إلا مع طُلوعِ الفجرِ؛ ولا يَجتمِعُ الرَّميُ والوُقوفُ في وقتٍ واحدٍ (٥). القولُ الثالِثُ: أنَّ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ لا يَجوزُ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ

стр. 2940

لِلأقوياءِ؛ أمَّا الضَّعَفةُ فيَجوزُ قبلَ طُلوعِها، وهو اختيارُ ابنِ القَيمِ (١) والصَّنعانيِّ (٢) والشَّوكانيِّ (٣). واستدلَّ أصحابُ هذا القولِ بما يلي: ١ - عن أبي الزُّبيرِ أنَّه سمِع جابرًا يَقولُ: «رَأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَرمي على راحِلتِه يومَ النَّحرِ ويَقولُ: لتَأخُذوا مَناسكَكم فإنِّي لا أدري لَعلِّي لا أحُجُّ بعدَ حجَّتي هذه» (٤). وَجهُ الدِّلالةِ من هذا الحَديثِ: قولُه ﷺ : «لتَأخُذوا مَناسكَكم»، فهذه اللَّامُ لَامُ الأمرِ، ومَعناه: خُذوا مَناسكَكم، وهكذا وقَع في رِوايةِ غيرِ مُسلمٍ، وتَقديرُه: هذه الأُمورُ التي أتَيتُ بها في حجَّتي من الأقوالِ والأفعالِ، والهَيئاتِ هي أُمورُ الحَجِّ وصِفتُه، وهي مَناسكُكم، فخُذوها عنِّي واقبَلوها واحفَظوها واعمَلوا بها وعلِموها الناسَ، وهذا الحَديثُ أصلٌ عَظيمٌ في مَناسكِ الحَجِّ، وهو نحوُ قولِه ﷺ في الصَّلاةِ: «صلُّوا كما رَأيتُموني أُصلِّي» انتَهى (٥).

стр. 2941

٢ - الأدلَّةُ التي دلَّت على التَّرخيصِ للضَّعَفةِ ونحوِهم، بأنْ يَرموا قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقد سبَق ذِكرُها، كحَديثِ عبدِ اللَّهِ مَولى أسماءَ ﵂ عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت ليلةَ جَمعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصلِّي فصلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ، هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: لا. فصَلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نَعمْ. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصَلَّتِ الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ، ما أُرانا إلا قَدْ غلَّسنا، قالت: يا بُنيَّ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للظُّعُنِ» (١)، وفي رِوايةٍ عن أسماءَ: «أنَّها رمَتِ الجَمرةَ، قلتُ: إنا رمَينا الجَمرةَ بلَيلٍ، قالت: إنا كنا نَصنَعُ هذا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ » (٢). وكذلك حَديثُ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّه كان يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه فيَقِفون عندَ المَشعَرِ الحَرامِ بالمُزدَلفةِ بلَيلٍ فيَذكُرون اللَّهَ ما بَدا لهم ثم يَرجِعون قبلَ أنْ يَقفَ الإمامُ، وقبلَ أنْ يَدفعَ، فمِنهم من يَقدَمُ منًى لصَلاةِ الفجرِ، ومنهم من يَقدَمُ بعدَ ذلك فإذا قَدِموا رمَوا الجَمرةَ وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يَقولُ: أرخَصَ في أولئك رَسولُ اللهِ ﷺ » (٣). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ مَنطوقَ ذلك يَدلَّ بصَراحةٍ على الإذنِ والتَّرخيصِ للضَّعَفةِ بالرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ، ويَدلُّ بمَفهومِه على أنَّه لم يُرخَّصْ لِمن

стр. 2942

سِواهم، وما دامَ لم يُرخَّصْ لهم فالأصلُ البَقاءُ على الوقتِ الذي رَمى فيه النَّبيُّ ﷺ ، وهو بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ (١). وقد جمَعَ ابنُ القَيمِ ﵀ بينَ أدلَّةِ هذا البابِ فقال: لا تَعارُضَ بينَ هذه الأحاديثِ؛ فإنَّه أمَر الصِّبيانَ ألَّا يَرموا الجَمرةَ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، فإنَّه لا عُذرَ لهم في تَقديمِ الرَّميِ، أمَّا من قدَّمه من النِّساءِ فرَمَينَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ للعُذرِ والخَوفِ عليهِنَّ من مُزاحَمةِ الناسِ وحَطْمِهم، وهذا الذي دلَّت عليه السُّنةُ: جَوازُ الرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ للعُذرِ بمَرضٍ أو كبَرٍ يَشقُّ عليه مُزاحَمةُ الناسِ لِأجلِه، وأمَّا القادِرُ الصَّحيحُ فلا يَجوزُ له ذلك (٢). آخِرُ وقتِ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ: اختلَف أهلُ العِلمِ في آخرِ وقتٍ لِرَميِ جَمرةِ العَقَبةِ الكُبرى. فآخِرُه عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في وَجهٍ إلى فجرِ اليومِ التالي، فإنْ أخَّر الرَّميَ حتى طُلوعِ الفجرِ من اليومِ الثاني رَمى، وعليه دَمٌ للتَّأخيرِ في قولِ أبي حَنيفةَ، وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ لا شيءَ عليه؛ لأنَّ الرَّميَ عندَه مُؤقَّتٌ وعندَهما ليس بمُؤقَّتٍ (٣).

стр. 2943

قال الكاسانيُّ ﵀: فإنْ لم يَرمِ حتى غرَبت الشَّمسُ يَرمِ قبلَ طُلوعِ الفجرِ من اليومِ الثاني وأجزَأه ولا شيءَ عليه في قولِ أصحابِنا، وللشافِعيِّ فيه قَولانِ في قَولٍ إذا غرَبت الشَّمسُ فقد فاتَ الوقتُ وعليه الفِديةُ، وفي قَولٍ: لا يَفوتُ إلا في آخرِ أيامِ التَّشريقِ. والصَّحيحُ قولُنا؛ لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للرِّعاءِ أنْ يَرموا باللَّيلِ ولا يُقالُ إنَّه رخَّص لهم ذلك لعُذرٍ؛ لأنَّا نَقولُ ما كان لهم عُذرٌ؛ لأنَّه كان يُمكِنُهم أنْ يَستَنيبَ بعضُهم بعضًا فيَأتيَ بالنَّهارِ فيَرميَ، فثبَت أنَّ الإباحةَ كانت لعُذرٍ، فيَدلُّ على الجوازِ مُطلقًا، فلا يَجبُ الدَّمُ، فإنْ أخَّر الرَّميَ حتى طلَع الفَجرُ من اليومِ الثاني رَمى وعليه دَمٌ للتَّأخيرِ في قولِ أبي حَنيفةَ، وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ لا شيءَ عليه، والكَلامُ فيه يَرجعُ إلى أنَّ الرَّميَ مُؤقَّتٌ عندَه، وعندَهما ليس بمُؤقَّتٍ، وهو قولُ الشافِعيِّ، وهو على الاختِلافِ الذي ذكَرنا في طَوافِ الزِّيارةِ في أيامِ النَّحرِ أنَّه مُؤقَّتٌ بها وُجوبًا عندَه حتى يَجبَ الدَّمُ بالتَّأخيرِ عنها، وعندَهم ليس بمُؤقَّتٍ أصلًا، فلا يَجبُ بالتَّأخيرِ شيءٌ، والحُجَجُ من الجانِبَين، وجَوابُ أبي حَنيفةَ عن تَعلُّقِهما بالخَبرِ والمَعنى ما ذكَرنا في الطَّوافِ، واللَّهُ أعلمُ (١). وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: باب الرَّجُل يَدعُ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ ثم يَرميها بعدَ ذلك:

стр. 2944

حدَّثنا يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا بنُ وَهبٍ قال: حدَّثني عُمرُ بنُ قَيسٍ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الراعي يَرعى بالنَّهارِ ويَرمي باللَّيلِ». قال أبو جَعفَرٍ: فذهَب أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ في هذا الحَديثِ دِلالةً على أنَّ اللَّيلَ والنَّهارَ وقتٌ واحِدٌ لِلرَّميِ، فقال: إنْ ترَك رَجلٌ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ في يومِ النَّحرِ ثم رَماها بعدَ ذلك في اللَّيلةِ التي بعدَه فلا شيءَ عليه، وإنْ لم يَرمِها حتى أصبَح من غَدِه رَماها وعليه دَمٌ لتَأخيرِه إياها إلى خُروجِ وقتِها، وهو طُلوعُ الفجرِ من يومِئذٍ وخالَفه في ذلك أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- فقالا: إذا ذكَرها في شيءٍ من أيامِ الرَّميِ رَماها ولا شيءَ عليه غيرُ ذلك من دَمٍ ولا غيرِه، وإنْ لم يَذكُرها حتى مضَت أيامُ الرَّميِ فذكَرها ولم يَرمِها كان عليه في تَركِها دَمٌ. واحتَجَّ محمدُ بنُ الحَسنِ في ذلك على أبي حَنيفةَ ﵀ بما حدَّثنا بنُ مَرزوقٍ قال: ثنا أبو عاصِمٍ عن ابنِ جُرَيجٍ قال: أخبَرني محمدُ بنُ أبي بَكرٍ عن أبيه عن أبي البَداحِ عن عاصِمِ بنِ عَديٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص للرِّعاءِ أنْ يَتعاقَبوا، فكانوا يَرمونَ غَدوةَ يومِ النَّحرِ ويَدَعون لَيلةً ويَومًا ثم يَرمون من الغَدِ»، ففي هذا الحَديثِ أنَّهم كانوا يَرمون غَدوةَ يومِ النَّحرِ ثم يَدَعون يَومًا ولَيلةً ثم يَرمون الغَدَ، فقد كانوا يَرمون رَميَ اليومِ الثاني في اليومِ الثالِثِ، ولم يَكنْ ذلك بمُوجِبٍ عليهم دَمًا ولا بمُوجِبٍ أنَّ حُكمَ اليومِ

стр. 2945

الثالِثِ في الرَّميِ لِليومِ الثاني خِلاف حُكمِ اليومِ الرابِعِ، ففي ذلك دَليلٌ على أنَّ من ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ في يومِ النَّحرِ فذكَرها في شيءٍ من أيامِ التَّشريقِ أنَّه رَمى ولا شيءَ عليه. ثم النَّظرُ في ذلك يَشهدُ لهذا القولِ أيضًا، وذلك أنَّا رَأينا أشياءَ تُفعلُ في الحَجِّ يَكونُ الدَّهرُ كلُّه وقتًا لها، منها السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ وطَوافُ الصَّدرِ، ومنها أشياءُ تُفعلُ في وقتٍ خاصٍّ، هو وقتُها خاصَّةً، منها رَميُ الجِمارِ، فكان ما الدَّهرُ وقتٌ له من هذه الأشياءِ متى فُعل فلا شيءَ على فاعلِه مع فِعلِه إياه من دَمٍ ولا غيرِه، وما كان منها له وقتٌ خاصٌّ من الدَّهرِ إذا لم يُفعلْ في وقتِه وجَب على تاركِه الدَّمُ، فكان ما كان منها يُفعلُ لبَقاءِ وقتِه، فلا شيءَ على فاعلِه غيرُ فِعلِه إياه، وما كان منها لا يُفعلُ لعَدمِ وقتِه وجَب مَكانَه الدَّمُ، وكانت جَمرةُ العَقَبةِ إذا رُميَت من غَدِ يومِ النَّحرِ قَضاءً عن رَميِ يومِ النَّحرِ فقد رُميَت في يَومٍ هو مِنْ وقتِها، ولَولا ذلك لَما أُمرَ برَميِها، كما لا يُؤمَرُ تارِكُها إلا بعدَ انقِضاءِ أيامِ التَّشريقِ برَميِها بعدَ ذلك، فلمَّا كان اليومُ الثاني من أيامِ النَّحرِ هو وقتًا لها، وقد ذكَرنا ممَّا قد أجمَعوا عليه أنَّ ما فُعل في وقتِه من أُمورِ الحَجِّ لا شيءَ على فاعلِه، وكان كذلك هذا الرامي لها لمَّا رَماها في وقتِها فلا شيءَ عليه. فإنْ قال قائلٌ: إنَّما أوجَبْنا عليه الدَّمَ بتَركِه رَميَها يومَ النَّحرِ، وفي اللَّيلةِ التي بعدَه لِلإساءةِ التي كانت منه في ذلك. قيلَ له: فقد رَأينا تارِكَ طَوافِ الصَّدرِ حتى يَرجعَ إلى أهلِه، وتارِكَ
следующие страницы →