← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

٢ - الأدلَّةُ التي دلَّت على التَّرخيصِ للضَّعَفةِ ونحوِهم، بأنْ يَرموا قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقد سبَق ذِكرُها، كحَديثِ عبدِ اللَّهِ مَولى أسماءَ ﵂ عن أسماءَ: «أنَّها نزَلت ليلةَ جَمعٍ عندَ المُزدَلفةِ فقامَت تُصلِّي فصلَّت ساعةً ثم قالت: يا بُنيَّ، هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: لا. فصَلَّت ساعةً، ثم قالت: هل غابَ القَمرُ؟ قلتُ: نَعمْ. قالت: فارتَحِلوا. فارتَحلنا ومضَينا حتى رَمتِ الجَمرةَ ثم رجَعت فصَلَّتِ الصُّبحَ في مَنزِلها، فقلتُ لها: يا هَنتاهُ، ما أُرانا إلا قَدْ غلَّسنا، قالت: يا بُنيَّ، إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للظُّعُنِ» (١)، وفي رِوايةٍ عن أسماءَ: «أنَّها رمَتِ الجَمرةَ، قلتُ: إنا رمَينا الجَمرةَ بلَيلٍ، قالت: إنا كنا نَصنَعُ هذا على عَهدِ رَسولِ اللهِ ﷺ » (٢). وكذلك حَديثُ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّه كان يُقدِّمُ ضَعَفةَ أهلِه فيَقِفون عندَ المَشعَرِ الحَرامِ بالمُزدَلفةِ بلَيلٍ فيَذكُرون اللَّهَ ما بَدا لهم ثم يَرجِعون قبلَ أنْ يَقفَ الإمامُ، وقبلَ أنْ يَدفعَ، فمِنهم من يَقدَمُ منًى لصَلاةِ الفجرِ، ومنهم من يَقدَمُ بعدَ ذلك فإذا قَدِموا رمَوا الجَمرةَ وكانَ ابنُ عُمرَ ﵄ يَقولُ: أرخَصَ في أولئك رَسولُ اللهِ ﷺ » (٣). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ مَنطوقَ ذلك يَدلَّ بصَراحةٍ على الإذنِ والتَّرخيصِ للضَّعَفةِ بالرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ، ويَدلُّ بمَفهومِه على أنَّه لم يُرخَّصْ لِمن

стр. 2942

سِواهم، وما دامَ لم يُرخَّصْ لهم فالأصلُ البَقاءُ على الوقتِ الذي رَمى فيه النَّبيُّ ﷺ ، وهو بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ (١). وقد جمَعَ ابنُ القَيمِ ﵀ بينَ أدلَّةِ هذا البابِ فقال: لا تَعارُضَ بينَ هذه الأحاديثِ؛ فإنَّه أمَر الصِّبيانَ ألَّا يَرموا الجَمرةَ حتى تَطلُعَ الشَّمسُ، فإنَّه لا عُذرَ لهم في تَقديمِ الرَّميِ، أمَّا من قدَّمه من النِّساءِ فرَمَينَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ للعُذرِ والخَوفِ عليهِنَّ من مُزاحَمةِ الناسِ وحَطْمِهم، وهذا الذي دلَّت عليه السُّنةُ: جَوازُ الرَّميِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ للعُذرِ بمَرضٍ أو كبَرٍ يَشقُّ عليه مُزاحَمةُ الناسِ لِأجلِه، وأمَّا القادِرُ الصَّحيحُ فلا يَجوزُ له ذلك (٢). آخِرُ وقتِ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ: اختلَف أهلُ العِلمِ في آخرِ وقتٍ لِرَميِ جَمرةِ العَقَبةِ الكُبرى. فآخِرُه عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ في وَجهٍ إلى فجرِ اليومِ التالي، فإنْ أخَّر الرَّميَ حتى طُلوعِ الفجرِ من اليومِ الثاني رَمى، وعليه دَمٌ للتَّأخيرِ في قولِ أبي حَنيفةَ، وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ لا شيءَ عليه؛ لأنَّ الرَّميَ عندَه مُؤقَّتٌ وعندَهما ليس بمُؤقَّتٍ (٣).

стр. 2943

قال الكاسانيُّ ﵀: فإنْ لم يَرمِ حتى غرَبت الشَّمسُ يَرمِ قبلَ طُلوعِ الفجرِ من اليومِ الثاني وأجزَأه ولا شيءَ عليه في قولِ أصحابِنا، وللشافِعيِّ فيه قَولانِ في قَولٍ إذا غرَبت الشَّمسُ فقد فاتَ الوقتُ وعليه الفِديةُ، وفي قَولٍ: لا يَفوتُ إلا في آخرِ أيامِ التَّشريقِ. والصَّحيحُ قولُنا؛ لِما رُوي أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أذِن للرِّعاءِ أنْ يَرموا باللَّيلِ ولا يُقالُ إنَّه رخَّص لهم ذلك لعُذرٍ؛ لأنَّا نَقولُ ما كان لهم عُذرٌ؛ لأنَّه كان يُمكِنُهم أنْ يَستَنيبَ بعضُهم بعضًا فيَأتيَ بالنَّهارِ فيَرميَ، فثبَت أنَّ الإباحةَ كانت لعُذرٍ، فيَدلُّ على الجوازِ مُطلقًا، فلا يَجبُ الدَّمُ، فإنْ أخَّر الرَّميَ حتى طلَع الفَجرُ من اليومِ الثاني رَمى وعليه دَمٌ للتَّأخيرِ في قولِ أبي حَنيفةَ، وفي قولِ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ لا شيءَ عليه، والكَلامُ فيه يَرجعُ إلى أنَّ الرَّميَ مُؤقَّتٌ عندَه، وعندَهما ليس بمُؤقَّتٍ، وهو قولُ الشافِعيِّ، وهو على الاختِلافِ الذي ذكَرنا في طَوافِ الزِّيارةِ في أيامِ النَّحرِ أنَّه مُؤقَّتٌ بها وُجوبًا عندَه حتى يَجبَ الدَّمُ بالتَّأخيرِ عنها، وعندَهم ليس بمُؤقَّتٍ أصلًا، فلا يَجبُ بالتَّأخيرِ شيءٌ، والحُجَجُ من الجانِبَين، وجَوابُ أبي حَنيفةَ عن تَعلُّقِهما بالخَبرِ والمَعنى ما ذكَرنا في الطَّوافِ، واللَّهُ أعلمُ (١). وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: باب الرَّجُل يَدعُ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ ثم يَرميها بعدَ ذلك:

стр. 2944

حدَّثنا يُونسُ بنُ عبدِ الأعلى قال: ثنا بنُ وَهبٍ قال: حدَّثني عُمرُ بنُ قَيسٍ عن عَطاءٍ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الراعي يَرعى بالنَّهارِ ويَرمي باللَّيلِ». قال أبو جَعفَرٍ: فذهَب أبو حَنيفةَ ﵀ إلى أنَّ في هذا الحَديثِ دِلالةً على أنَّ اللَّيلَ والنَّهارَ وقتٌ واحِدٌ لِلرَّميِ، فقال: إنْ ترَك رَجلٌ رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ في يومِ النَّحرِ ثم رَماها بعدَ ذلك في اللَّيلةِ التي بعدَه فلا شيءَ عليه، وإنْ لم يَرمِها حتى أصبَح من غَدِه رَماها وعليه دَمٌ لتَأخيرِه إياها إلى خُروجِ وقتِها، وهو طُلوعُ الفجرِ من يومِئذٍ وخالَفه في ذلك أبو يُوسفَ ومُحمدٌ -رحمهما الله- فقالا: إذا ذكَرها في شيءٍ من أيامِ الرَّميِ رَماها ولا شيءَ عليه غيرُ ذلك من دَمٍ ولا غيرِه، وإنْ لم يَذكُرها حتى مضَت أيامُ الرَّميِ فذكَرها ولم يَرمِها كان عليه في تَركِها دَمٌ. واحتَجَّ محمدُ بنُ الحَسنِ في ذلك على أبي حَنيفةَ ﵀ بما حدَّثنا بنُ مَرزوقٍ قال: ثنا أبو عاصِمٍ عن ابنِ جُرَيجٍ قال: أخبَرني محمدُ بنُ أبي بَكرٍ عن أبيه عن أبي البَداحِ عن عاصِمِ بنِ عَديٍّ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ رخَّص للرِّعاءِ أنْ يَتعاقَبوا، فكانوا يَرمونَ غَدوةَ يومِ النَّحرِ ويَدَعون لَيلةً ويَومًا ثم يَرمون من الغَدِ»، ففي هذا الحَديثِ أنَّهم كانوا يَرمون غَدوةَ يومِ النَّحرِ ثم يَدَعون يَومًا ولَيلةً ثم يَرمون الغَدَ، فقد كانوا يَرمون رَميَ اليومِ الثاني في اليومِ الثالِثِ، ولم يَكنْ ذلك بمُوجِبٍ عليهم دَمًا ولا بمُوجِبٍ أنَّ حُكمَ اليومِ

стр. 2945

الثالِثِ في الرَّميِ لِليومِ الثاني خِلاف حُكمِ اليومِ الرابِعِ، ففي ذلك دَليلٌ على أنَّ من ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ في يومِ النَّحرِ فذكَرها في شيءٍ من أيامِ التَّشريقِ أنَّه رَمى ولا شيءَ عليه. ثم النَّظرُ في ذلك يَشهدُ لهذا القولِ أيضًا، وذلك أنَّا رَأينا أشياءَ تُفعلُ في الحَجِّ يَكونُ الدَّهرُ كلُّه وقتًا لها، منها السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ وطَوافُ الصَّدرِ، ومنها أشياءُ تُفعلُ في وقتٍ خاصٍّ، هو وقتُها خاصَّةً، منها رَميُ الجِمارِ، فكان ما الدَّهرُ وقتٌ له من هذه الأشياءِ متى فُعل فلا شيءَ على فاعلِه مع فِعلِه إياه من دَمٍ ولا غيرِه، وما كان منها له وقتٌ خاصٌّ من الدَّهرِ إذا لم يُفعلْ في وقتِه وجَب على تاركِه الدَّمُ، فكان ما كان منها يُفعلُ لبَقاءِ وقتِه، فلا شيءَ على فاعلِه غيرُ فِعلِه إياه، وما كان منها لا يُفعلُ لعَدمِ وقتِه وجَب مَكانَه الدَّمُ، وكانت جَمرةُ العَقَبةِ إذا رُميَت من غَدِ يومِ النَّحرِ قَضاءً عن رَميِ يومِ النَّحرِ فقد رُميَت في يَومٍ هو مِنْ وقتِها، ولَولا ذلك لَما أُمرَ برَميِها، كما لا يُؤمَرُ تارِكُها إلا بعدَ انقِضاءِ أيامِ التَّشريقِ برَميِها بعدَ ذلك، فلمَّا كان اليومُ الثاني من أيامِ النَّحرِ هو وقتًا لها، وقد ذكَرنا ممَّا قد أجمَعوا عليه أنَّ ما فُعل في وقتِه من أُمورِ الحَجِّ لا شيءَ على فاعلِه، وكان كذلك هذا الرامي لها لمَّا رَماها في وقتِها فلا شيءَ عليه. فإنْ قال قائلٌ: إنَّما أوجَبْنا عليه الدَّمَ بتَركِه رَميَها يومَ النَّحرِ، وفي اللَّيلةِ التي بعدَه لِلإساءةِ التي كانت منه في ذلك. قيلَ له: فقد رَأينا تارِكَ طَوافِ الصَّدرِ حتى يَرجعَ إلى أهلِه، وتارِكَ

стр. 2946

السَّعيِ بينَ الصَّفا والمَروةِ حتى يَرجعَ إلى أهلِه مُسيئَين، وأنتَ تَقولُ: إنهما إذا رجَعا ففعَلا ما كانا ترَكا من ذلك أنَّ إساءتَهما لا تُوجِبُ عليهما دَمًا؛ لأنَّهما قد فعَلا ما فعَلا من ذلك في وقتِه، فكذلك الرامي اليومَ الثانيَ من أيامِ منًى جَمرةَ العَقَبةِ؛ لِما كان وجَب عليه في يومِ النَّحرِ راميًا لها في وقتِها، فلا شيءَ عليه في ذلك غيرُ رَميِها، فهذا هو النَّظرُ في هذا البابِ، وهو قولُ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ، -رحمهما الله- (١). وقال الإمامُ مالكٌ ﵀: آخِرُ وقتِ الرَّميِ إلى غُروبِ الشَّمسِ من يومِ النَّحرِ، فإنْ رَماها بعدَ الغُروبِ من اللَّيلِ فأَحبُّ إليَّ من أنْ يُريقَ دَمًا، وإنْ أخَّرها إلى أيامِ التَّشريقِ كان عليه هَديٌ. وجاءَ في «المُدوَّنة الكُبرى» ما نصُّه: قلتُ: ما قولُ مالكٍ فيمَن ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحرِ حتى إلى اللَّيلِ، قال: قال مالكٌ: من أصابَه مِثلُ ما أصابَ صَفيَّةَ حينَ احتبَست على ابنةِ أخيها فأتَت بعدَما غابَت الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ رمَت، ولم يَبلُغْنا أنَّ ابنَ عُمرَ أمَرها في ذلك بشيءٍ، قال مالكٌ: وأمَّا أنا فأرَى إذا غابَت الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ على مَنْ كان في مِثلِ حالِ صَفيَّةَ يومَ النَّحرِ ولم يَرمِ حتى غابَت الشَّمسُ أنَّ عليه الدَّمَ. قال: وقال مالكٌ: مَنْ ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ حتى تَغيبَ الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ فعليه دَمٌ.

стр. 2947

قلتُ: أرَأيتَ مَنْ ترَك بعضَ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ من يومِ النَّحرِ ترَك حَصاةً أو حَصاتَين حتى غابَت الشَّمسُ؟ قال: قال مالكٌ: يَرمي ما ترَك من رَميِه ولا يَستأنِفُ جميعَ الرَّميِ، ولكنْ يَرمي ما نسِي من عَددِ الحَصى، قلتُ: فعليه في هذا دَمٌ؟ قال ابنُ القاسِمِ: قد اختلَف قولُه في هذا وأَحبُّ إليَّ أنْ يَكونَ عليه دَمٌ، قلتُ: فيَرمي لَيلًا في قولِ مالكٍ، هذا الذي ترَك مِنْ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ شيئًا أو ترَك الجَمرةَ كلَّها؟ قال: نَعمْ يَرميها في قولِ مالكٍ لَيلًا، قلتُ: فيَكونُ عليه الدَّمُ؟ قال: كان مالكٌ مَرةً يَرى ذلك عليه ومَرةً لا يَرى ذلك عليه (١). والمَذهبُ عندَ المالِكيةِ أنَّه يَجبُ عليه الدَّمُ إذا أخَّر الرَّميَ إلى اللَّيلِ (٢). قال يَحيى: سُئل مالكٌ عمَّن نسِي جَمرةً من الجِمارِ في بعضِ أيامِ منًى حتى يُمسيَ، قال: ليَرمِ أيَّ ساعةٍ ذكَر من لَيلٍ أو نَهارٍ، كما يُصلِّي الصَّلاةَ إذا نسِيها ثم ذكَرها لَيلًا أو نَهارًا، فإنْ كان ذلك بعدَ ما صدَر وهو بمكةَ أو بعدَما يَخرجُ منها فعليه الهَديُ (٣).

стр. 2948

وآخِرُ وقتِ الرَّميِ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ يَمتدُّ إلى آخرِ أيامِ التَّشريقِ (١). قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: لو ترَك رَميَ جَمرةِ العَقَبةِ فالأصحُّ أنَّه يَتدارَكُه في اللَّيلِ وفي أيامِ التَّشريقِ، ويُشترَطُ فيه التَّرتيبُ فيُقدِّمُه على أيامِ التَّشريقِ، ويَكونُ أداءً على الأصحِّ، وإذا قُلنا بالأصحِّ: إنَّ المُتَدارَكَ أداءٌ لا قَضاءٌ كان تَعجيلُ كلِّ يَومٍ للمِقدارِ المَأمورِ به وقتَ اختيارٍ وفَضيلةٍ كأوقاتِ الاختيارِ للصَّلاةِ. انتَهى (٢). قال الإمامُ المِرداويُّ ﵀: قولُه وإنْ أخَّر الرَّميَ كلَّه، أي: مع رَميِ يومِ النَّحرِ، ورَماه في آخرِ أيامِ التَّشريقِ أجزَأ بلا نِزاعٍ، ويَكونُ أداءً على الصَّحيحِ من المَذهبِ، قدَّمه في الفُروعِ، وقاله القاضي، واقتصَر عليه في المُغني والشَّرحِ، وقيلَ: يَكونُ قَضاءً، وكذا الحُكمُ لو أخَّر رَميَ يَومٍ إلى الغَدِ رمَى رَميَين، نصَّ عليه وقاله الأصحابُ، قولُه: وإنْ أخَّره عن أيامِ التَّشريقِ أو ترَك المَبيتَ بمنًى في لَياليها فعليه دَمٌ، إذا أخَّر الرَّميَ عن أيامِ التَّشريقِ فعليه دَمٌ، ولا يَأتي به كالبَيتوتةِ في منًى لَيلةً أو أكثرَ (٣). وقد استدلَّ العُلماءُ على جوازِ الرَّميِ بعدَ غُروبِ الشَّمسِ بأدلَّةٍ، منها: الدَّليلُ الأولُ: عن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ

стр. 2949

يُسألُ يومَ النَّحرِ بمنًى فيَقولُ: لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حلَقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: اذبَحْ ولا حرجَ، وقال: رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، فقال: لا حرجَ» (١). فقد صرَّح النَّبيُّ ﷺ بأنَّ من رَمى بعدَما أمسى لا حرجَ عليه، واسمُ المَساءِ يَصدُقُ على جُزءٍ من اللَّيلِ. ورُدَّ هذا الاستِدلالُ بأنَّ مُرادَ السائلِ بقولِه: (بعدَما أمسَيتُ) يَعني به: بعدَ زَوالِ الشَّمسِ في آخرِ النَّهارِ قبلَ اللَّيلِ. قالوا: والدَّليلُ الواضِحُ على ذلك أنَّ حَديثَ ابنِ عَباسٍ المَذكورَ (كانَ النَّبيُّ ﷺ يُسألُ يومَ النَّحرِ بمنًى … ) الحَديثَ. فتَصريحُه بقولِه: (يومَ النَّحرِ) يَدلُّ على أنَّ السُّؤالَ وقَع في النَّهارِ والرَّميَ بعدَ الإمساءِ وقَع في النَّهارِ؛ لأنَّ الإمساءَ يُطلَقُ لُغةً على ما بعدَ وقتِ الظُّهرِ إلى اللَّيلِ. قال ابنُ حَجرٍ في «فَتحِ الباري» في شَرحِ الحَديثِ المَذكورِ، قال: (رَمَيتُ بعدَما أمسَيتُ) أي: بعدَ دُخولِ المَساءِ، وهو يُطلَقُ على ما بعدَ الزَّوالِ إلى أنْ يَشتدَّ الظَّلامُ، فلم يَتعيَّنْ؛ لكَونِ الرَّميِ المَذكورِ كان باللَّيلِ. انتَهى (٢). وقال ابنُ مَنظورٍ في «لسانِ العَربِ»: المَساءُ بعدَ الظُّهرِ إلى صَلاةِ المَغربِ، وقال بعضُهم: إلى نصفِ اللَّيلِ (٣).

стр. 2950

قالوا: فالحَديثُ صَريحٌ في أنَّ المُرادَ بالمَساءِ فيه آخِرُ النَّهارِ بعدَ الزَّوالِ، لا اللَّيلُ، إذًا لا حُجةَ فيه للرَّميِ لَيلًا. وأجاب القائلونَ بجوازِ الرَّميِ لَيلًا عن هذا بأجوِبةٍ: الأولُ منها: قولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا حرجَ» بعدَ قولِ السائلِ: «رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ»، يَشملُ لَفظُه نَفيَ الحَرجِ عمَّن رَمى بعدَما أمسى، وخُصوصُ سَببِه بالنَّهارِ لا عِبرةَ به؛ لأنَّ العِبرةَ بعُمومِ الألفاظِ، لا بخُصوصِ الأسبابِ، ولَفظُ المَساءِ عامٌّ لجُزءٍ من النَّهارِ، وجُزءٍ من اللَّيلِ، وسَببُ وُرودِ الحَديثِ المَذكورِ خاصٌّ بالنَّهارِ. الثاني: أنَّه ثبَت في بعضِ رِواياتِ حَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ المَذكورِ ما هو أَعمُّ من يومِ النَّحرِ، وهو صادِقٌ قَطعًا بحَسَبِ الوَضعِ اللُّغويِّ ببعضِ أيامِ التَّشريقِ، ومَعلومٌ أنَّ الرَّميَ فيه لا يَكونُ إلا بعدَ الزَّوالِ، فقولُ السائلِ في بعضِ أيامِ التَّشريقِ: «رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ» لا يَنصَرفُ إلا إلى اللَّيلِ؛ لأنَّ الرَّميَ فيها بعدَ الزَّوالِ مَعلومٌ، فلا يَسألُ عنه صَحابيُّ. قال أبو عبدِ الرَّحمنِ النَّسائيُّ في «سُننِه»: أخبرَنا مُحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ بَزيعٍ قال: حدَّثنا يَزيدُ وهو ابنُ زُريعٍ قال حدَّثنا خالِدٌ عن عِكرِمةَ عن ابنِ عَباسٍ قال: «كانَ رَسولُ اللَّه ﷺ يُسألُ أيامَ منًى فيَقولُ: لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حَلقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: لا حرجَ، فقال رَجلٌ: رَميتُ بعدَما أمسَيتُ، قال: لا حرجَ» (١).

стр. 2951

وهذا الحَديثُ صَحيحُ الإسنادِ كما تَرى؛ لأنَّ طَبقتَه الأُولى مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ بَزيعٍ، وهو ثِقةٌ مَعروفٌ، وهو من رِجالِ مُسلمٍ في صَحيحِه، وبقِيةُ إسنادِه هو بعَينِه إسنادُ البُخاريِّ الذي ذكَرناه آنِفًا، وقولُه في هذا الحَديثِ الصَّحيحِ: «أيامَ منًى» بصيغةِ الجَمعِ صادِقٌ بأكثرَ من يَومٍ واحدٍ، فهو صادِقٌ بحَسَبِ وَضعِ اللُّغةِ ببعضِ أيامِ التَّشريقِ، والسُّؤالُ عن الرَّميِ بعدَ المَساءِ فيها لا يَنصرِفُ إلا إلى اللَّيلِ … فإنْ قيلَ: صيغةُ الجَمعِ في رِوايةِ النَّسائيِّ تُخصَّصُ بيومِ النَّحرِ الوارِدِ في رِوايةِ البُخاريِّ، فيُحمَلُ ذلك الجَمعُ على المُفرَدِ، نَظرًا لِتَخصيصِه به، ويُؤيِّدُ ذلك أنَّه في رِوايةِ أبي داودَ وابنِ ماجَه لحَديثِ ابنِ عَباسٍ المَذكورِ يومُ منًى بالإفرادِ. فالجَوابُ: أنَّ المُقرَّرَ في الأُصولِ: أنَّ ذِكرَ بعضِ أفرادِ العامِّ لا يُخصِّصُه على مَذهبِ الجُمهورِ، خِلافًا لِأبي ثَورٍ، سَواءٌ كان العامُّ وبعضُ أفرادِه المَذكورةِ بحُكمِه في نَصٍّ واحدٍ أو نصَّيْن. الدَّليلُ الثاني: عن أبي بَكرِ بنِ نافِعٍ عن أبيهِ: «أنَّ ابنةَ أخٍ لصَفيَّةَ بِنتِ أبي عُبيدٍ نُفسَت بالمُزدَلفةِ فتَخلَّفت هي وصَفيَّةُ حتى أتَتا منًى بعدَ أنْ غَربَت الشَّمسُ من يومِ النَّحرِ فأمَرهُما عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ أنْ تَرميا الجَمرةَ حينَ أتَتا ولم يَرَ عَليهِما شيئًا» (١)، وذلك يَدلُّ على أنَّه علِم من النَّبيِّ ﷺ أنَّ الرَّميَ لَيلًا جائزٌ (٢).

стр. 2952

الدَّليلُ الثالِثُ: عن ابنِ جُرَيجٍ عن عَمرٍو قال: «أخبَرني من رَأى بعضَ أزواج النَّبيِّ ﷺ تَرمي غَربَت الشَّمسُ أو لم تَغرُبْ» (١). الدَّليلُ الرابِعُ: ما رَواه الثَّوريُّ عن رَجُلٍ عن نافِعٍ، قال: قال ابنُ عُمرَ: «إذا نَسيتَ رَميَ الجَمرةِ يومَ النَّحرِ إلى اللَّيلِ فارمِها باللَّيلِ، وإذا كان من الغَدِ فنَسيتَ الجِمارَ حتى اللَّيلِ فلا تَرمِ حتى يَكونَ من الغَدِ عندَ زَوالِ الشَّمسِ ارمِ الأولَ فالأولَ»، ورَواه عُبيدُ اللهِ عن نافِعٍ عن عُمرَ مُختصَرًا بلَفظِ: «مَنْ نسِي أيامَ الجِمارِ وقال: من نسِي رَميَ الجِمارِ إلى اللَّيلِ فلا يَرمِ حتى تَزولَ الشَّمسُ من الغَدِ» (٢). الدَّليلُ الخامِسُ: عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الراعي يَرعَى بالنَّهارِ ويَرمي باللَّيلِ» (٣). قال الكاسانيُّ ﵀: ولا يُقالُ: إنَّه رخَّص لهم ذلك لعُذرٍ لأنَّا نَقولُ ما كان لهم عُذرٌ؛ لأنَّه كان يُمكِنُهم أنْ يَستَنيبَ بعضُهم بعضًا فيَأتيَ بالنَّهارِ فيَرميَ، فثبَت أنَّ الإباحةَ كانت لعُذرٍ، فيَدلُّ على الجوازِ مُطلقًا فلا يَجبُ الدَّمُ (٤).

стр. 2953

الرَّميُ في اليَومَين الأولِ والثاني من أيامِ التَّشريقِ: يَجبُ في هذَين اليومَين رَميُ الجِمارِ الثَّلاثِ على التَّرتيبِ عندَ الجُمهورِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ. أولًا: الجَمرةُ الصُّغرى، التي تَلي مَسجدَ الخَيفِ بمنًى، ثم الوُسطَى، بعدَها، ثم جَمرةُ العَقَبةِ، يَرمي كلَّ جَمرةٍ منها بسَبعِ حَصَياتٍ. قال ابنُ قُدامةَ ﵀: والتَّرتيبُ في هذه الجَمَراتِ واجبٌ، على ما ذكَرنا. فإنْ نكَّس فبدَأ بجَمرةِ العَقَبةِ، ثم الثانيةِ، ثم الأُولى، أو بدَأ بالوُسطَى، ورمَى الثَّلاثَ، لم يُجزِئْه إلا الأُولى، وأعادَ الوُسطى والقُصوى، نصَّ عليه أحمدُ. وإنْ رمَى القُصوى، ثم الأُولى، ثم الوُسطى، أعادَ القُصوى وحدَها، وبهذا قال مالكٌ والشافِعيُّ. وقال الحَسنُ وعَطاءٌ: لا يَجبُ التَّرتيبُ، وهو قولُ أبي حَنيفةَ؛ فإنَّه قال: إذا رَمى مُنكِّسًا يُعيدُ، فإنْ لم يَفعلْ أجزَأه. واحتَجَّ بعضُهم بما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «مَنْ قدَّم نُسكًا بينَ يَدَي نُسكٍ، فلا حرجَ». ولأنَّها مَناسكُ مُتكرِّرةٌ، في أمكِنةٍ مُتفرِّقةٍ، في وقتٍ واحدٍ، ليس بعضُها تابِعًا لِبعضٍ، لم يُشترَطِ التَّرتيبُ فيها، كالرَّميِ والذَّبحِ. ولَنا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رتَّبها في الرَّميِ، وقال: «خُذوا عنِّي مَناسكَكم»، ولأنَّه نُسكٌ مُتكرِّرٌ، فاشتُرِطَ التَّرتيبُ فيه، كالسَّعيِ.

стр. 2954

وحَديثُهم إنَّما جاءَ فيمن يُقدِّمُ نُسكًا على نُسكٍ، لا في تَقديمِ بعضِ النُّسكِ على بَعضٍ، وقياسُهم يَبطُلُ بالطَّوافِ والسَّعيِ (١). ثم قال ابنُ قُدامةَ: مَسألةٌ: قال: فإذا كان من الغَدِ، وزالَت الشَّمسُ، رَمى الجَمرةَ الأُولى بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ويَقِفُ عندَها، ويَرمي، ويَدعو، ثم يَرمي الجَمرةَ الوُسطَى بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ أيضًا، ويَدعو، ثم يَرمي جَمرةَ العَقَبةِ بسَبعِ حَصَياتٍ، ولا يَقفُ عندَها، قد ذكَرنا أنَّ جُملةَ ما يَرمي به الحاجُّ سَبعونَ حَصاةً، سَبعةٌ مِنها يَرميها يومَ النَّحرِ، بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ، وسائرُها في أيامِ التَّشريقِ الثَّلاثةِ، بعدَ زَوالِ الشَّمسِ، كلَّ يَومٍ إحدى وعِشرينَ حَصاةً، لِثَلاثِ جَمَراتٍ، يَبتدِئُ بالجَمرةِ الأُولى، وهي أبعَدُ الجَمَراتِ من مكةَ، وتَلي مَسجدَ الخَيفِ، فيَجعلُها عن يَسارِه، ويَستقبِلُ القِبلةَ، ويَرميها بسَبعِ حَصَياتٍ، كما وصَفْنا في جَمرةِ العَقَبةِ، ثم يَتقدَّمُ عنها إلى مَوضعٍ لا يُصيبُه الحَصى، فيَقِفُ طَويلًا يَدعو اللَّهَ تَعالى، رافِعًا يَديْه، ثم يَتقدَّمُ إلى الوُسطَى فيجعَلُها عن يَمينِه، ويَستقبِلُ القِبلةَ، ويَرميها بسَبعِ حَصَياتٍ، ويَفعلُ من الوُقوفِ والدُّعاءِ كما فعَل في الأُولى، ثم يَرمي جَمرةَ العَقَبةِ بسَبعِ حَصَياتٍ، ويَستبطِنُ الواديَ، ويَستقبِلُ القِبلةَ، ولا يَقِفُ عندَها، وبهذا قال الشافِعيُّ. ولا نَعلمُ في جميعِ ما ذكَرنا خِلافًا، إلا أنَّ مالِكًا قال: ليس بمَوضعٍ لرَفعِ اليَديْن، وقد ذكَرْنا الخِلافَ فيه عندَ رُؤيةِ البَيتِ.

стр. 2955

وقال الأثرَمُ: سمِعتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسألُ، أيَقومُ الرَّجلُ عندَ الجَمرتَين إذا رمَى؟ قال: إيْ لَعمْري شَديدًا، ويُطيلُ القيامَ أيضًا. قيلَ: فإلَى أينَ يَتوجَّهُ في قيامِه؟ قال: إلى القِبلةِ، ويَرميها في بَطنِ الوادي. والأصلُ في هذا ما رَوت عائشةُ، قالت: «أفاضَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ من آخرِ يومِه حينَ صلَّى الظُّهرَ، ثم رجَع إلى منًى، فمكَث بها لَياليَ أيامِ التَّشريقِ، يَرمي الجَمرةَ إذا زالت الشَّمسُ، كلَّ جَمرةٍ بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ويَقِفُ عندَ الأُولى والثانيةِ، فيُطيلُ القيامَ، ويَتضَرعُ، ويَرمي الثالِثةَ، ولا يَقِفُ عندَها». رَواه أبو داودَ. «وعَن ابنِ عُمرَ، أنَّه كان يَرمي الجَمرةَ بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ على أثَرِ كلِّ حَصاةٍ، ثم يَتقدَّمُ، ويَستهِلُّ، ويَقومُ قيامًا طَويلًا، ويَرفَعُ يَديْه، ثم يَرمي الوُسطَى، ثم يَأخذُ بذاتِ الشِّمالِ، فيَستهِلُّ، ويَقومُ مُستقبِلَ القِبلةِ قيامًا طَويلًا، ثم يَرفَعُ يَديْه، ويَقومُ طَويلًا، ثم يَرمي جَمرةَ العَقَبةِ من بَطنِ الوادي، ولا يَقفُ عندَها، ثم يَنصرِفُ، ويَقولُ: هكذا رَأيتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَفعلُه». رَواه البُخاريُّ. ورَوى أبو داودَ أنَّ ابنَ عُمرَ كان يَدعو بدُعائه الذي دَعا به بعَرفةَ، ويَزيدُ: وأصلِحْ أو أتِمَّ لنا مَناسكَنا. وقال ابنُ المُنذرِ: كان ابنُ عُمرَ وابنُ مَسعودٍ يَقولانِ عندَ الرَّميِ: اللَّهمَّ اجعَلْه حَجًّا مَبرورًا وذَنبًا مَغفورًا.

стр. 2956

وكانَ ابنُ عُمرَ وابنُ عَباسٍ يَرفَعانِ أيديَهما إذا رَمَيا الجَمرةَ، ويُطيلانِ الوُقوفَ. ورُوي عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَزيدَ، قال: «أفَضتُ مع عبدِ اللَّهِ، فرَمى بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، واستَبطَنَ الواديَ، حتى إذا فرَغ قال: اللَّهمَّ اجعَلْه حَجًّا مَبرورًا، وذَنبًا مَغفورًا. ثم قال: هكَذا رَأيتُ الذي أُنزلَت عليه سورةُ البَقرةِ صنَع» رَواه الأثرَمُ. وعن عَطاءٍ، قال: كان ابنُ عُمرَ يَقومُ عندَ الجَمرتَين، مِقدارَ ما يَقرَأُ الرَّجلُ سُورةَ البَقَرةِ. رَواه الأثرَمُ (١). قال: وإنْ ترَك الوُقوفَ عندَها والدُّعاءَ، ترَك السُّنةَ، ولا شيءَ عليه، وبذلك قال الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا، إلا الثَّوريَّ قال: يُطعِمُ شيئًا، وإنْ أراقَ دَمًا أَحبُّ إليَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعلَه، فيَكونُ نُسكًا. ولَنا: أنَّه دُعاءُ وُقوفٍ مَشروعٍ له، فلم يَجبْ بتَركِه شيءٌ، كحالةِ رُؤيةِ البَيتِ، وكَسائرِ الأدعيةِ، ولأنَّها إحدى الجَمَراتِ، فلم يَجبِ الوُقوفُ عندَها والدُّعاءُ، كالأُولى، والنَّبيُّ ﷺ يَفعلُ الواجباتِ والمَندوباتِ، وقد ذكَرنا الدَّليلَ على أنَّ هذا نَدبٌ (٢).

стр. 2957

وقتُ رَميِ الجِمارِ في الأيامِ الثَّلاثةِ: اختلَف أهلُ العِلمِ في حُكمِ تَقديمِ رَميِ الجِمارِ في أيامِ التَّشريقِ قبلَ الزَّوالِ على ثَلاثةِ أقوالٍ: القولُ الأولُ: أنَّه لا يَجوزُ تَقديمُ رَميِ الجِمارِ قبلَ الزَّوالِ في أيامِ التَّشريقِ الثَّلاثةِ، ومَن رَمى بعدَ الفجرِ وقبلَ الزَّوالِ أعادَ الرَّميَ. وهذا قولُ جُمهورِ العُلماءِ المالِكيةِ (١) والشافِعيةِ (٢) والحَنابلةِ في المَذهبِ (٣)، وهي الرِّوايةُ المَشهورةُ عن أبي حَنيفةَ (٤) ورُوي ذلك عن عُمرَ وابنِ عَباسٍ وابنِ عُمرَ (٥) من الصَّحابةِ، والحَسنِ وعَطاءٍ والثَّوريِّ (٦) من التابِعينَ. قال الإمامُ الكاسانيُّ ﵀: وأمَّا وقتُ الرَّميِ من اليَومَين الأولِ والثاني من أيامِ التَّشريقِ، وهُما اليَومانِ الثاني والثالثُ من أيامِ الرَّميِ،

стр. 2958

فبعدَ الزَّوالِ حتى لا يَجوزَ الرَّميُ فيهما قبلَ الزَّوالِ في الرِّوايةِ المَشهورةِ عن أبي حَنيفةَ (١). وجاء في «المُدوَّنة»: قلتُ: أرَأيتَ مَنْ رَمى الجِمارَ الثَّلاثَ قبلَ الزَّوالِ من آخرِ أيامِ التَّشريقِ، هل يُجزِئُه ذلك في قولِ مالكٍ؟ قال: قال مالكٌ: مَنْ رَمى الجِمارَ في الأيامِ الثَّلاثةِ قبلَ زَوالِ الشَّمسِ فليُعدِ الرَّميَ ولا رَميَ إلا بعدَ الزَّوالِ في أيامِ التَّشريقِ كلِّها (٢). وقال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: ولا يَرمي الجِمارَ في شيءٍ من أيامِ منًى غيرَ يومِ النَّحرِ إلا بعدَ الزَّوالِ، ومَن رَماها قبلَ الزَّوالِ أعادَ (٣). وقال الإمامُ المِرداويُّ ﵀: قولُه ويَرمي الجَمَراتِ بها في أيامِ التَّشريقِ بعدَ الزَّوالِ هذا الصَّحيحُ من المَذهبِ، وعليه جَماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كَثيرٌ منهم ونصَّ عليه (٤). واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: الدَّليلُ الأولُ: ما ثبَت من رَميِ النَّبيِّ ﷺ بعدَ الزَّوالِ في أحاديثَ كَثيرةٍ، منها:

стр. 2959

١ - عن جابرٍ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رَمى يومَ النَّحرِ ضُحًى، ورَمى بعدَ ذلك بعدَ الزَّوالِ» (١). ٢ - عن وَبَرةَ قال: سَألتُ ابنَ عُمرَ ﵄: «مَتى أرمي الجِمارَ؟ قال: إذا رمَى إمامُكَ فارْمِه، فأعَدتُ عليه المَسألةَ، قال: كُنَّا نَتحيَّنُ فإذا زالت الشَّمسُ رمَينا» (٢). ٣ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: «أفاضَ رَسولُ اللهِ ﷺ من آخرِ يومِه حينَ صلَّى الظُّهرَ، ثم رجَع إلى منًى فمكَث بها لَياليَ أيامِ التَّشريقِ يَرمِي الجَمرةَ إذا زالتِ الشَّمسُ، كلَّ جَمرةٍ بسَبعِ حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ، ويَقفُ عندَ الأُولى وعندَ الثانيةِ فيُطيلُ القيامَ ويَتضَرعُ ويَرمِي الثالِثةَ لا يَقفُ عندَها» (٣). وَجهُ الاستِدلالِ من هذه الأحاديثِ ظاهِرٌ بأنَّ الثابِتَ مِنْ فِعلِه ﷺ أنَّه لم يَرمِ إلا بعدَ الزَّوالِ؛ والرَّميُ عِبادةٌ مَحضةٌ لا تُدرَكُ بالعَقلِ، لا تُعرَفُ بالقياسِ، بل بالتَّوقيفِ، وهو فِعلُه ﷺ أيامَ التَّشريقِ، وقد قال ﷺ : «خُذوا عنِّي مَناسكَكم» (٤).

стр. 2960

الدَّليلُ الثاني: نَهى الصَّحابةُ عن الرَّميِ قبلَ أنْ تَزولَ الشَّمسُ، كما في قولِ ابنِ عُمرَ: «لا تُرمَى الجِمارُ في الأيامِ الثَّلاثةِ حتى تَزولَ الشَّمسُ» (١). وَجهُ الدِّلالةِ من هذا: أنَّه لو كان جائزًا لَما نَهى عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ عن الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ. القولُ الثاني: يَجوزُ رَميُ الجِمارِ في أيامِ التَّشريقِ الثَّلاثةِ قبلَ الزَّوالِ مُطلقًا، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عَباسٍ (٢) وابنِ الزُّبيرِ (٣) ونُقل عن عَطاءٍ (٤) وطاووسٍ (٥) وعِكرَمةَ (٦) وابنِ طاووسٍ (٧) وأبي جَعفرٍ الباقرِ (٨) وهو قَولٌ لِأبي حَنيفةَ (٩) وقولُ الجُوينيِّ والرافِعيِّ والإسنَويِّ من الشافِعيةِ (١٠) وابنِ الجَوزيِّ وابنِ الزاغونيِّ من الحَنابلةِ (١١).

стр. 2961

واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: الدَّليلُ الأولُ: قولُه تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ اليومَ يَعمُّ أولَ النَّهارِ وآخرَه، وما دامَ أنَّه يَجوزُ التَّعجيلُ في يَومَين، فمَعنى هذا أنَّه يَجوزُ الرَّميُ في اليومِ الثاني عشَرَ من أولِ النَّهارِ، أي: قبلَ الزَّوالِ، وما جازَ في الثاني عشَرَ جازَ في الحادي عشَرَ إذْ لا فرقَ. الدَّليلُ الثاني: عن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «كان النَّبيُّ ﷺ يُسألُ يومَ النَّحرِ بمنًى فيَقولُ لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حَلقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: اذبَحْ ولا حرجَ، وقال: رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، فقال: لا حرجَ» (١). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ هذا الحَديثَ دلَّ على جوازِ الرَّميِ لَيلًا، ودَليلٌ على جوازِه قبلَ الزَّوالِ؛ لأنَّ الرَّجلَ ما سأَل عن الرَّميِ مَساءً إلا وقد تقرَّر لدَيه جَوازُه بالنَّهارِ، فلذا سأَله عن جوازِه في المَساءِ، وليس هذا خاصًّا بيومِ النَّحرِ فقط، بل بأيامِ التَّشريقِ كلِّها؛ لِما ورَد عن ابنِ عَباسٍ قال: «كانَ رَسولُ اللهِ ﷺ يُسألُ أيامَ منًى فيَقولُ: لا حرجَ، فسأَله رَجلٌ فقال: حَلقتُ قبلَ أنْ أذبحَ، قال: لا حرجَ، فقال رَجلٌ: رمَيتُ بعدَما أمسَيتُ، قال: لا حرجَ» (٢).

стр. 2962

الدَّليلُ الثالِثُ: عن أبي البَداحِ بنِ عاصِمٍ عن أبيهِ: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رخَّص لرِعاءِ الإبِلِ في البَيتوتةِ يَرمونَ يومَ النَّحرِ ثم يَرمونَ الغدَ ومن بعدِ الغدِ بيَومَين ويَرمونَ يومَ النَّفرِ» (١). وعن عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ رخَّص للرِّعاءِ أنْ يَرموا باللَّيلِ، وأيَّ ساعةٍ من النَّهارِ شاؤُوا» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَنهَ الرِّعاءَ عن الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ، وتأخيرَ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ مُنزَّهٌ عنه النَّبيُّ ﷺ ، بل في الحَديثِ الثاني أطلَق الجَوازَ بنَصٍّ صَريحٍ في كلِّ وقتٍ. الدَّليلُ الرابِعُ: ما ورَد عن عَددٍ من الصَّحابةِ من رَميِهم قبلَ الزَّوالِ، ومنهم ابنُ عَباسٍ وابنُ الزُّبيرِ. فعن ابنِ أبي مُليكةَ قال: «رمَقتُ ابنَ عَباسٍ رَماها عندَ الظَّهيرةِ قبلَ أنْ تَزولَ» (٣)، وهذا مَحمولٌ على أيامِ التَّشريقِ؛ لأنَّ جَمرةَ العَقَبةِ يَجوزُ رَميُها بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ بالاتِّفاقِ. وأمَّا ما ورَد عن ابنِ الزُّبيرِ فما رَواه عَمرُو بنُ دينارٍ قال: «سَألتُ: هل

стр. 2963

رمَى ابنُ عُمرَ؟ فقالوا: إنَّما رمَى أميرُ المُؤمِنينَ -يَعنونَ ابنَ الزُّبيرِ-، قال عَمرٌو: فانتَظَرتُ ابنَ عُمرَ، فلمَّا زالتِ الشَّمسُ خرَج فأتَى الجَمرةَ الأُولى فرَماها» (١). الدَّليلُ الخامِسُ: ما ورَد عن ابنِ عُمرَ ﵄؛ خُصوصًا في حَديثِ وَبَرةَ قال: سَألتُ ابنَ عُمرَ ﵄: «مَتى أرمي الجِمارَ؟ قال: إذا رمَى إمامُكَ فارمِه، فأعَدتُ عليه المَسألةَ، قال: كنا نَتحيَّنُ فإذا زالت الشَّمسُ رمَينا» (٢). وَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ قولَه: «إذا رمَى إمامُكَ» يَدلُّ على سَعةِ الوقتِ؛ ولولا ذلك لَأمَره على الفَورِ، ولولا أنَّ السائلَ كرَّر عليه السُّؤالَ، لاكتفَى بالجَوابِ الأولِ (٣). الدَّليلُ السادِسُ: ليسَ في كتابِ اللهِ ولا في سُنةِ رَسولِه ﷺ قَولٌ صَريحٌ يَمنعُ من الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ، وليس فيه أمرٌ صَريحٌ بتَحديدِ وقتِ الرَّميِ بالزَّوالِ، ولو كان الوقتُ مَنهيًّا عن الرَّميِ فيه لَبيَّنه النَّبيُّ ﷺ بَيانًا واضِحًا بنَصٍّ قَطعيِّ الرِّوايةِ والدِّلالةِ، وارِدًا مَورِدَ

стр. 2964

التَّكليفِ العامِّ، فتَأخيرُ البَيانِ عن وقتِ الحاجةِ لا يَجوزُ، كما نَهى عن الصَّلاةِ في أوقاتٍ مَعلومةٍ، وفي الحَجِّ نَهى عن أشياءَ واضِحةٍ كبَطنِ عُرَنةَ. وأما تَحديدُ بدايةِ الرَّميِ بهذا الوقتِ، وأنَّه لا يَصحُّ قبلَه فهو من جِنسِ مَسافةِ القَصرِ، والإقامةِ المُوجِبةِ لِلإتمامِ ونحوِها ممَّا لا نصَّ فيه. الدَّليلُ السابِعُ: ذكَر جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ -كما تقدَّم- أنَّ للحاجِّ تَأخيرَ رَميِ جِمارِه إلى آخرِ يَومٍ من أيامِ التَّشريقِ، وعلَّلوا ذلك بأنَّ يومَ العيدِ مع أيامِ التَّشريقِ وقتٌ واحِدٌ للرَّميِ، وأنَّ رَميَها في آخرِ يَومٍ يُعدُّ أداءً وليس بقَضاءٍ، فالقولُ برَميِ كلِّ يَومٍ في يومِه، ولكنْ قبلَ الزَّوالِ أقربُ لِإصابةِ السُّنةِ من الجَمعِ في آخرِ يَومٍ، والجَمعُ إنَّما ورَد في حقِّ المَعذورينَ لِغيابِهم، كالرُّعاةِ والسُّقاةِ؛ ومن منَع الرَّميَ قبلَ الزَّوالِ وأباحَ الجَمعَ فقد وقَع في التَّناقُضِ، ورجَّح شيئًا على ما هو أرجَحُ منه. الدَّليلُ الثامِنُ: أنَّ تَركَ النَّبيِّ ﷺ الرَّميَ قبلَ الزَّوالِ لا يَدلُّ على عَدمِ جوازِه فيه؛ كما ترَك الوُقوفَ بعَرفةَ قبلَ الزَّوالِ وبعدَ العِشاءِ؛ والوقتُ بعدَ العِشاءِ وقتٌ له باتِّفاقٍ، وقبلَ الزَّوالِ وقتٌ له على قولِ الحَنابلةِ -كما تقدَّم- وإنَّما وقَف بعدَ الزَّوالِ، لا لأنَّه لا يَجوزُ قبلَه؛ ولكنْ؛ لأنَّه الأفضلُ، فمَعنى هذا أنَّ لِهذه العِبادةِ وقتَ فَضيلةٍ ووقتَ إباحةٍ. الدَّليلُ التاسِعُ: أنَّ قبلَ الزَّوالِ وقتٌ للرَّميِ يومَ النَّحرِ، فكذا في اليَومَين الثاني والثالِثِ؛ لأنَّ الكلَّ أيامُ نَحرٍ، بل إنَّ فِعلَه بالرَّميِ قبلَ الزَّوالِ في يومِ

стр. 2965

النَّحرِ وبعدَ الزَّوالِ في سائرِ الأيامِ إعلامٌ بسَعةِ الوقتِ، وأنَّ كِليْهما مَشروعٌ، وعلى مَنْ قال باختِصاصِ يومِ العيدِ بالجوازِ بالدَّليلِ (١). الدَّليلُ العاشِرُ: أنَّ من قَواعدِ الشَّرعِ العُظمى رَفعَ الحَرجِ ونَفيَ المَشقَّةِ في الحَجِّ وغيرِه، فلا بدَّ من مُراعاةِ ذلك في رَميِ الجِمارِ لِأُمورٍ: أولًا: أنَّ من يَرى الأزَماتِ الصَّعبةَ الحاصِلةَ عندَ رَميِ الجِمارِ وخُصوصًا عندَ الزَّوالِ في النَّفرِ الأولِ ليُعلمَ أنَّ هذا الحالَ أوْلى بالتَّرخيصِ من حالِ الرُّعاةِ؛ لتَفاوُتِ المَشقَّةِ، إذْ هي أعظَمُ بلا شكٍّ في هذا الزَّمانِ؛ والمَشقَّةُ تَجلِبُ التَّيسيرَ ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]. ثانيًا: الرَّميُ في هذا الزَّمانِ فيه من الأضرارِ، وتَعريضِ النَّفسِ للهَلاكِ، والأضرارُ تُبيحُ المُحرَّمَ؛ بل الحاجةُ المُلحَّةُ تُعدُّ سَببًا في جوازِ المَمنوعِ كالجَمعِ في المَطَرِ والبَردِ، فجَوازُ الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ لِلحاجةِ المُلحَّةِ أوْلى بالجوازِ؛ بل إنَّ كَونَه ضَرورةٌ مُتَّجهٌ، وحِفظُ الأرواحِ من مَقاصدِ الشَّرعِ العُظمى. ثالثًا: أنَّ الشَّرعَ رخَّص للرُّعاةِ في تَركِ المَبيتِ، وجَمعِ الرَّميِ -كما تقدَّم- للحِفاظِ على مَواشيهم، ودَفعِ المَشقَّةِ عنهم؛ وليس حِفظُ المَواشي بأوْلى بالعِنايةِ من حِفظِ الأنفُسِ؛ فلا شكَّ أنَّ المُقارَنةَ بَعيدةٌ، فحُصولُ الرُّخصةِ أقرَبُ وأجدَرُ.

стр. 2966

الدَّليلُ الحادي عشَرَ: أنَّ أهلَ العِلمِ قد اتَّفَقوا على عُذرِ الرُّعاةِ والسُّقاةِ في سُقوطِ المَبيتِ وتَأخيرِ الرَّميِ لوُجودِ النصِّ؛ وقد ألحَقَ بعضُ أهلِ العِلمِ بالرُّعاةِ والسُّقاةِ بجوازِ ذلك عامَّةَ أهلِ الأعذارِ، وهذا بلا شكٍّ يَدخلُ فيه من خشَي الزِّحامَ على نَفسِه أو أهلِه أو رُفقَتِه، ومِثلُه خَوفُ النِّساءِ من التَّكشُّفِ أو ظُهورِ العَوراتِ؛ فيَجوزُ لهُنَّ ما جازَ للرُّعاةِ والسُّقاةِ من جَمعِ الجِمارِ ورَميِها في أيِّ ساعةٍ شئنَ من لَيلٍ أو نَهارٍ. القولُ الثالِثُ: القولُ بالتَّفصيلِ، وهو القولُ بجوازِ الرَّميِ في يَومٍ مُعيَّنٍ دونَ سائرِ الأيامِ الأُخرَى، والقائلونَ بذلك فَريقانِ: الفَريقُ الأولُ: مَنْ قالوا بأنَّه يَجوزُ الرَّميُ قبلَ الزَّوالِ في اليومِ الثاني عشَرَ، وهو يومُ النَّفرِ الأولِ لِمن أرادَ أنْ يَنفِرَ في ذلك اليومِ، وهذا قَولٌ لِأبي حَنيفةَ ورِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ وإسحاقَ (١) وطاوُسٍ (٢) وقال أبو حَنيفةَ (٣) وطاوُسٌ: إذا رمَى يَنفِرُ قبلَ الزَّوالِ، وعن أحمدَ مِثلُه، وعن الإمامِ أحمدَ: لا يَنفِرُ إلا بعدَ الزَّوالِ، وهو قولُ عِكرِمةَ (٤). واستدَلُّوا على ذلك: بأنَّ الرَّميَ في هذا اليومِ يَجوزُ دَفعًا للحَرجِ الظاهرِ؛ لأنَّه إذا كان مِنْ قَصدِه التَّعجيلُ فربَّما يَلحَقُه بعضُ الحَرجِ في تأخيرِ الرَّميِ

стр. 2967

إلى ما بعدَ الزَّوالِ بألَّا يَصلَ إلى مكةَ إلا باللَّيلِ فهو مُحتاجٌ إلى أنْ يَرميَ قبلَ الزَّوالِ ليَصلَ إلى مكةَ بالنَّهارِ فيَرى مَوضعَ نُزولِه فيُرخَّصُ له في ذلك (١). ولأنَّ مِنْ قَواعِدِ الشَّرعِ أنَّ الضَّرورةَ تُقدَّرُ بقَدرِها؛ ولو سُمِح بالرَّميِ قبلَ الزَّوالِ في يومِ النَّفرِ الأولِ لمَنعِ الضَّررِ، ولحِفظِ الأنفُسِ من الهَلاكِ، والأموالِ من الضَّياعِ، وذلك لِضيقِ وقتِ رَميِ المُتعجِّلِ، أمَّا في اليومِ الحادي عشَرَ فالوقتُ أوسَعُ، والحاجةُ أقلُّ، ولذلك كان تَقديرُ الضَّرورةِ في هذا اليومِ أوْلى (٢). الفَريقُ الثاني من المُفصِّلينَ قالوا بعَدمِ جوازِ الرَّميِ قبلَ الزَّوالِ إلا في اليومِ الثالِثَ عشَرَ، وهو قَولٌ لِأبي حَنيفةَ ورِوايةٌ عن أحمدَ، وإذا رَمى نفَر على قولِ أبي حَنيفةَ وأحمدَ. واستدَلُّوا على ذلك بما يلي: ١ - باعتِبارِ آخرِ الأيامِ بأولِ الأيامِ، فكما يَجوزُ الرَّميُ في اليومِ الأولِ قبلَ زَوالِ الشَّمسِ فكذا في اليومِ الآخَرِ (٣). ٢ - بأنَّ الرَّميَ في اليومِ الرابِعِ يَجوزُ تَركُه أصلًا، فمِن هذا الوَجهِ يُشبِهُ النَّوافلَ، والتَّوقيتُ في النَّفلِ لا يَكونُ عَزيمةً، فلهذا جُوِّز الرَّميُ فيه قبلَ الزَّوالِ، ليَصلَ إلى مكةَ قبلَ اللَّيلِ، وإذا جازَ تَركُ رَميِ الجِمارِ في هذا اليومِ

стр. 2968

بالكلِّيةِ؛ فيَكونَ الرَّميُ في أيِّ وقتٍ من أوقاتِه قبلَ الزَّوالِ أو بعدَه أوْلى من تَركِه بالكلِّيةِ (١). نِهايةُ وقتِ الرَّميِ: وأمَّا نِهايةُ وقتِ الرَّميِ فعندَ الحَنفيةِ إلى فجرِ اليومِ الثاني؛ فإنْ أخَّره عن ذلك وجَب عليه الدَّمُ عندَ أبي حَنيفةَ. وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ: لا دَمَ عليه إلا إنْ أخَّره حتى غرَبت الشَّمسُ من آخرِ أيامِ التَّشريقِ، وهو آخِرُ أيامِ الرَّميِ (٢). ومَذهبُ المالِكيةِ -كما سبَق- إنْ أخَّر الرَّميَ إلى ما بعدَ غُروبِ الشَّمسِ وجَب عليه دَمٌ، كما في يومِ النَّحرِ. وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ آخرَ وقتِ الرَّميِ يَخرجُ بغُروبِ شَمسِ اليومِ الرابِعِ من أيامِ النَّحرِ، وهو آخِرُ أيامِ التَّشريقِ (٣). وقد سبَق بَيانُ كلٍّ، وكذلك حُكمُ رَميِ الجِمارِ لَيلًا. النَّفرُ الأولُ: إذا رمَى الحاجُّ الجِمارَ ثانيَ أيامِ التَّشريقِ يَجوزُ له أنْ يَنفِرَ، -أي: يَرحلَ- من منًى إلى مكةَ، إنْ أحَبَّ التَّعجُّلَ في الانصِرافِ من منًى؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، أي: نفَر إلى مكةَ

стр. 2969

بعدَما رَمى يَومَين من أيامِ التَّشريقِ، وترَك الرَّميَ في اليومِ الثالِثِ فلا إثمَ عليه في تَعجيلِه، ويُسمَّى هذا اليومُ يومَ النَّفرِ الأولِ، وبه يَسقطُ رَميُ اليومِ الثالِثِ من أيامِ التَّشريقِ إجماعًا. ومَذهبُ الأئمَّةِ الثَّلاثةِ مالكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ: أنَّ له أنْ يَنفِرَ قبلَ غُروبِ الشَّمسِ فإنْ غَربَت قبلَ غُروبه من منًى لم يَنفِرْ، سَواءٌ كان ارتَحل أو كان مُقيمًا في مَنزِله لم يَجزْ له الخُروجُ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ واليومُ اسمٌ للنَّهارِ، فمَن أدرَكَه اللَّيلُ فما تَعجَّلَ في يَومَين. وقال أبو حَنيفةَ: له أنْ يَنفِرَ ما لم يَطلُعِ الفَجرُ من اليَومِ الرابعِ من أيامِ النَّحرِ؛ لأنَّه لم يَدخلْ وقتُ رَميِ اليومِ الآخَرِ؛ فجازَ له النَّفرُ كما قبلَ الغُروبِ (١). قال ابنُ قُدامةَ ﵀: مَسألةٌ: قال: ويَفعلُ في اليومِ الثاني كما فعَل بالأمسِ، فإنْ أحَبَّ أنْ يَتعجَّلَ في يَومَين، خرَج قبلَ غُروبِ الشَّمسِ. فإنْ غرَبت الشَّمسُ وهو بها، لم يَخرُجْ حتى يَرميَ من غَدٍ بعدَ الزَّوالِ، كما رمَى بالأمسِ. وجُملَتُه أنَّ الرَّميَ في اليومِ الثاني كالرَّميِ في اليومِ الأولِ، في وقتِه وصِفَتِه وهَيئَتِه، لا نَعلمُ فيه خِلافًا، فإنْ أحَبَّ التَّعجُّلَ في يَومَين، خرَج قبلَ الغُروبِ.

стр. 2970

وأجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ لِمن أرادَ الخُروجَ من منًى شاخِصًا عن الحَرمِ، غيرَ مُقيمٍ بمكةَ، أنْ يَنفِرَ بعدَ الزَّوالِ في اليومِ الثاني من أيامِ التَّشريقِ، فإنْ أَحبَّ الإقامةَ بمكةَ قال أحمدُ: لا يُعجِبُني لِمن يَنفِرُ النَّفرَ الأولَ أنْ يُقيمَ بمكةَ. وكان مالكٌ يَقولُ في أهلِ مكةَ: مَنْ كان له عُذرٌ فله أنْ يَتعجَّلَ في يَومَين، فإنْ أرادَ التَّخفيفَ عن نَفسِه من أمرِ الحَجِّ فلا. ويَحتَجُّ مَنْ ذهَب إلى هذا بقولِ عُمرَ ﵁: مَنْ شاءَ من الناسِ كلِّهم أنْ يَنفِرَ في النَّفرِ الأولِ، إلا آلَ خُزَيمةَ فلا يَنفِرونَ إلا في النَّفرِ الآخَرِ. جعَل أحمدُ وإسحاقُ مَعنى قولِ عُمرَ: إلا آلَ خُزَيمةَ، أي أنَّهم أهلُ حَرمِ مكةَ، والمَذهبُ جَوازُ النَّفيرِ في النَّفرِ الأولِ لكلِّ أحَدٍ، وهو قولُ عامَّةِ العُلماءِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ [البقرة: ٢٠٣]. قال عَطاءٌ: هي لِلناسِ عامَّةً، ورَوى أبو داودَ، وابنُ ماجَه، عن عبدِ الرَّحمنِ بنِ يَعمُرَ، أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «أيامُ منًى ثَلاثةٌ، فمَن تَعجَّلَ في يَومَين فلا إثمَ عليه، ومَن تَأخَّر فلا إثمَ عليه» (١).

стр. 2971

قال ابنُ عُيَينةَ: هذا أجوَدُ حَديثٍ رَواه سُفيانُ. وقال وَكيعٌ: هذا الحَديثُ أمُّ المَناسكِ، وفيه زيادةٌ أنا اختَصرتُه. ولأنَّه دَفعٌ من مَكانٍ، فاستَوى فيه أهلُ مكةَ وغيرُهم، كالدَّفعِ من عَرفةَ ومن مُزدَلفةَ. وكَلامُ أحمدَ في هذا أرادَ به الاستِحبابَ، مُوافَقةً لقولِ عُمرَ ﵁ لا غيرُ. فمَن أحَبَّ التَّعجيلَ في النَّفرِ الأولِ خرَج قبلَ غُروبِ الشَّمسِ، فإنْ غرَبت قبلَ خُروجِه من منًى لم يَنفِرْ، سَواءٌ كان ارتَحل أو كان مُقيمًا في مَنزِله، لم يَجزْ له الخُروجُ، هذا قولُ عُمرَ، وجابرِ بنِ زَيدٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهدٍ، وأبانَ بنِ عُثمانَ، ومالكٍ، والثَّوريِّ، والشافِعيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنذرِ. وقال أبو حَنيفةَ: له أنْ يَنفِرَ ما لم يَطلُعْ فَجرُ اليومِ الثالِثِ؛ لأنَّه لم يَدخلْ وقتُ رَميِ اليومِ الآخَرِ، فجازَ له النَّفرُ كما قبلَ الغُروبِ. ولَنا: قولُه تَعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. واليومُ اسمٌ للنَّهارِ، فمَن أدرَكه اللَّيلُ فما تَعجَّل في يَومَين.

стр. 2972

قال ابنُ المُنذرِ: وثبَت عن ابنِ عُمرَ أنَّه قال: مَنْ أدرَكه المَساءُ في اليومِ الثاني، فليُقمْ إلى الغَدِ حتى يَنفِرَ مع الناسِ، وما قاسوا عليه لا يُشبِهُ ما نحن فيه؛ فإنَّه تَعجُّلٌ في اليَومَين (١). الرَّميُ ثالِثَ أيامِ التَّشريقِ: يَجبُ رَميُ الجِمارِ الثَّلاثِ في هذا اليومِ على من تأخَّر ولم يَنفِرْ من منًى (النَّفرَ الأولَ) ووقتُه عندَ الجُمهورِ بعدَ الزَّوالِ كما تقدَّم. وقال أبو حَنيفةَ وأحمدُ في رِوايةٍ: يَجوزُ أنْ يُقدِّمَ الرَّميَ في هذا اليومِ قبلَ الزَّوالِ بعدَ طُلوعِ الفجرِ. واتَّفَقوا على أنَّ آخرَ وقتِ الرَّميِ في هذا اليومِ غُروبُ الشَّمسِ، وأنَّ وقتَ الرَّميِ لهذا اليومِ ولقَضاءِ ما قبلَه يَنتَهي أيضًا بغُروبِ شَمسِ اليومِ الرابِعِ، لخُروجِ وقتِ المَناسكِ بغُروبِ شَمسِه. قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَع العُلماءُ على أنَّ من لم يَرمِ الجِمارَ أيامَ التَّشريقِ حتى تَغيبَ الشَّمسُ من آخرِها لا يَرميها بعدُ، ويَجبُرُ ذلك بالدَّمِ، أو بالطَّعامِ، على حَسَبِ اختِلافِهم فيها (٢). وقال ابنُ رُشدٍ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ لم يَرمِ الجِمارَ أيامَ التَّشريقِ حتى تَغيبَ الشَّمسُ من آخرِها لا يَرميها بَعدُ. واختلَفوا في الواجبِ من الكَفارةِ، فقال مالكٌ: إنَّ مَنْ ترَك رَميَ الجِمارِ كلِّها أو بعضِها أو واحِدةٍ منها فعليه دَمٌ. وقال أبو حَنيفةَ: إنْ ترَكها كلَّها كان عليه دَمٌ، وإنْ ترَك جَمرةً واحِدةً فصاعِدًا كان عليه لكلِّ جَمرةٍ إطعامُ مِسكينٍ نِصفَ صاعِ حِنطةٍ إلى أنْ يَبلُغَ دَمًا بتَركِ الجميعِ إلا جَمرةَ العَقَبةِ، فمَن ترَكها فعليه دَمٌ.

стр. 2973

وقال الشافِعيُّ: عليه في الحَصاةِ مُدٌّ من طَعامٍ، وفي حَصاتَين مُدَّانِ، وفي ثَلاثةٍ دَمٌ (١). وقال الإمامُ أحمدُ فيمَن ترَك حَصاةً من حَصى الجِمارِ: عليه مُدٌّ، وفي رِوايةٍ أُخرَى: قَبضةٌ من طَعامٍ، وفي أُخرى: لا شيءَ عليه (٢). النَّفرُ الثاني: إذا رَمى الحاجُّ الجِمارَ الثَّلاثَ في اليومِ الثالثِ من أيامِ التَّشريقِ، وهو رابِعُ أيامِ النَّحرِ، انصرَف من منًى إلى مكةَ، ولا يُسنُّ له أنْ يُقيمَ بمنًى بعدَ الرَّميِ، ويُسمَّى يومَ النَّفرِ الثاني، وبه تَنتَهي مَناسكُ منًى (٣). النِّيابةُ في الرَّميِ: (الرَّميُ عن الغيرِ): المَعذورُ الذي لا يَستطيعُ الرَّميَ بنَفسِه، كالمَريضِ والمَحبوسِ يَجبُ عليه أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَرمي عنه، ويَنبَغي أنْ يَكونَ النائبُ قد رَمى عن نَفسِه، فإنْ لم يَكنْ رَمى عن نَفسِه فليَرمِ عن نَفسِه الرَّميَ كلَّه لِيومِه أولًا، ثم ليَرمِ عمَّن استَنابَه، ويُجزِئُ هذا الرَّميُ عن الأصيلِ عندَ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ، ولا دَمَ عليه؛ لأنَّه لما جازَت النِّيابةُ عنه في أصلِ الحَجِّ فجَوازُها

стр. 2974

في أبعاضِه أوْلى، فإنْ رُميَ عنه ثم صحَّ من مَرضِه بعدَ أيامِ منًى أجزَأه الرَّميُ، وإنْ صحَّ في أيامِ منًى وجَب عليه أنْ يَرميَ ما بقِي من الرَّميِ، ويُستحبُّ له أنْ يُعيدَ ما رُميَ عنه؛ ليَكونَ مُباشِرًا له وقتَه، ولا يَجبُ عليه لسُقوطِ الرَّميِ عنه بفِعلِ غيرِه، ويُستحبُّ أنْ يَشهدَ الرَّميَ إنْ قدِر حينَ يُرمَى عنه، ويضَع الحَصى في يَدِ النائبِ ويُكبِّرَ العاجزُ ويَرميَ النائبُ؛ ليَكونَ له عَملٌ في الرَّميِ، ولو ترَك المُناولةَ مع قُدرَتِه صحَّت الاستِنابةُ وأجزَأه رَميُ النائبِ لوُجودِ العَجزِ عن الرَّميِ حينَ يَرمي. قال الحَنفيةُ: لو رَمى بحَصاتَين إحداهما لنَفسِه والأُخرى لِآخرَ جازَ، ويُكرهُ (١). وقال الشافِعيةُ: إنَّ الإنابةَ خاصَّةٌ بمَريضٍ لا يُرجَى شِفاؤُه قبلَ انتِهاءِ أيامِ التَّشريقِ. وعندَ الشافِعيةِ قَولٌ: أنَّه يَرمي حَصَياتِ الجَمرةِ عن نَفسِه أولًا، ثم يَرميها عن نائبِه إلى أنْ يَنتَهيَ من الرَّميِ، وهو مَخلَصٌ حَسنٌ لِمن خشَي خَطرَ الزِّحامِ (٢).

стр. 2975

ومَن عجَز عن الاستِنابةِ كالصَّبيِّ والمُغمَى عليه، يَرمي عن الصَّبيِّ وَليُّه، قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الصَّبيَّ الذي لا يُطيقُ الرَّميَ يُرمى عنه (١). وأمَّا المُغمَى عليه فيَرمي عنه رِفاقُه ولا فِديةَ عليه، وإنْ لم يَرمِ عندَ الحَنفيةِ، إلا أنَّ الشافِعيةَ قالوا: لو أُغمي على المُحرِمِ قبلَ الرَّميِ ولم يَكنْ أذِن في الرَّميِ عنه لم يَصحّ الرَّميُ عنه في إغمائه بلا خِلافٍ، وإنْ كان أذِن فيه جازَ الرَّميُ عنه. قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال الشافِعيُّ والأصحابُ ﵏: العاجزُ عن الرَّميِ بنَفسِه لمَرضٍ أو حَبسِ ونحوِهما يَستَنيبُ مَنْ يَرمي عنه؛ لِما ذكَره المُصنِّفُ، وسَواءٌ كان المَرضُ مَرجُوَّ الزَّوالِ أو غيرَه لِما ذكَره المُصنِّفُ، وسَواءٌ استَنابَ بأُجرةٍ أو بغيرِها، وسَواءٌ استَنابَ رَجلًا أو امرَأةً. قال الشافِعيُّ والأصحابُ: ويُستحبُّ أنْ يُناوِلَ النائبَ الحَصى إنْ قدِر، ويُكبِّرَ العاجزُ ويَرميَ النائبُ، ولو ترَك المُناولةَ مع قُدرَتِه صحَّت الاستِنابةُ وأجزَأه رَميُ النائبِ لوُجودِ العَجزِ عن الرَّميِ. قال أصحابُنا في الطَّريقَتيْن: ويَجوزُ للمَحبوسِ المَمنوعِ من الرَّميِ الاستِنابةُ فيه، سَواءٌ كان مَحبوسًا بحَقٍّ أو بغيرِه، وهذا متَّفقٌ عليه، وعَلَّلوه بأنَّه عاجِزٌ.

стр. 2976

ثم إنَّ جُمهورَ الأصحابِ في طَريقتَيِ العِراقِ وخُراسانَ أطلَقوا جَوازَ الاستِنابةِ للمَريضِ سَواءٌ كان مَأيوسًا من بُرئه أو لا، وقال إمامُ الحَرمَين والرافِعيُّ وغيرُه من مُتابِعي الإمامِ: إنَّما تَجوزُ النِّيابةُ لِعاجزٍ بعِلةٍ لا يُرجَى زَوالُها قبلَ خُروجِ وقتِ الرَّميِ. قالوا: ولا يَضرُّ رَجاءُ الزَّوالِ بعدَ فَواتِ الوقتِ، وهذا الذي قاله الإمامُ ومُتابِعوه مُتعيَّنٌ، وإطلاقُ الأصحابِ مَحمولٌ عليه، ولا يَمنعُ من هذا قولُهم فلو زال العَجزُ في أيامِ الرَّميِ لزِمه رَميُ ما بقِي؛ لأنَّه قد لا يُرجَى زَوالُه في أيامِ الرَّميِ، ثم يَزولُ نادِرًا، واللهُ أعلمُ. ثم قال: لو أُغميَ على المُحرِمِ قبلَ الرَّميِ ولم يَكنْ أذِن في الرَّميِ عنه لم يَصحَّ الرَّميُ عنه في إغمائه بلا خِلافٍ، وإنْ كان أذِن فيه جازَ الرَّميُ عنه، هذا هو المَذهبُ، وبه قطَع الجَماهيرُ في الطَّريقَتينِ. ونقَل الرافِعيُّ فيه وَجهًا شاذًّا ضَعيفًا أنَّه لا يَجوزُ. وحَكى إمامُ الحَرمَين الجَوازَ عن العِراقيِّينَ، فقال: قال العِراقيُّونَ: لو استَنابَ العاجزُ عن الرَّميِ وصحَّحنا الاستِنابةَ فأُغمِي على المُستَنيبِ دامَتِ النِّيابةُ، وإنْ كان مُقتَضى الإغماءِ الطارِئ على إذنِ انقِطاعِ إذْنِه إذا كان أصلُ الإذْنِ جائزًا للوَكالةِ، ولكنَّ الغرضَ هُنا إقامةُ النائبِ مَقامَ العاجزِ، قال: وما ذكَروه مُحتمَلٌ جِدًّا ولا يَمتنِعُ خِلافُه. قال: وقد قالوا: لو استَنابَ المَعضوبُ في حَياتِه من يحُجُّ عنه ثم ماتَ المَعضوبُ لم تَنقطِعْ الاستِنابةُ.

стр. 2977

هكذا ذكَروه في الإذْنِ المُجرَّدِ، وهو بَعيدٌ، ولكنْ لو فُرض في الإجارةِ فالإجارةُ تَبقى ولا تَنقطِعُ؛ لأنَّ الاستِئجارَ عن المَيِّتِ بعدَ مَوتِه مُمكِنٌ، فلا مُنافاةَ. وقد استَحقَّ مَنفَعةَ الأجيرِ، قال: والذي ذكَروه في الإذْنِ جائزٌ، وهو مُحتمَلٌ في الإغماءِ بَعيدٌ في المَوتِ. هذا كَلامُ الإمامِ، ثم إنَّ الأصحابَ في الطَّريقَتيْن أطلَقوا أنَّه إذا استَنابَ قبلَ الإغماءِ جازَ رَميُ النائبِ عنه في الإغماءِ، كما ذكَرنا. وقال الماوَرديُّ: إنْ كان حينَ أذِن مُطيقًا لِلرَّميِ لم يَصِح الرَّميُ عنه في الإغماءِ؛ لأنَّ المُطيقَ لا تَصحُّ النِّيابةُ عنه، فلم يَصحَّ إذنُه، وإنْ كان حينَ الإذنِ عاجِزًا، بأنْ كان مَريضًا فأذِن ثم أُغميَ عليه صحَّت النِّيابةُ، وصحَّ رَميُّ النائبِ. هذا كَلامُ الماوَرديِّ، ونقَله الرُّويانيُّ في البَحرِ عن الأصحابِ، وأشارَ إليه أبو عَليٍّ البَندَنيجيُّ وآخَرونَ. وفي كَلامِ إمامِ الحَرميْن الذي حَكَيتُه عنه الآنَ مُوافقَتُه، فليُحمَلْ إطلاقُ الأصحابِ على من استَنابَ في حالِ العَجزِ ثم أُغمِيَ عليه، واللهُ أعلمُ. واتَّفقَ الأصحابُ على أنَّه لو أذِن في حالِ إغمائه لم يَصحّ إذنُه، وإنْ رَمى عنه بذلك الإذنِ لم يَصحّ؛ لأنَّ إذنَه ساقِطٌ في كلِّ شيءٍ، واللهُ أعلمُ.

стр. 2978

والمَجنونُ كالمُغمَى عليه في كلِّ هذا، صرَّح به المُتولِّي وغيرُه (١). وقال المالِكيةُ: فائدةُ الاستِنابةِ أنْ يَسقُطَ الإثمُ عنه إنِ استَنابَ وقتَ الأداءِ، وإلا فالدَّمُ عليه استَنابَ أم لا، وإنَّما وجَب عليه الدَّمُ دونَ الصَّغيرِ ومَن أُلحِقَ به -كالمُغمَى عليه-؛ لأنَّه المُخاطَبُ بسائرِ الأركانِ. قال الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: ويَستَنيبُ العاجزُ مَنْ يَرمي عنه ولا يَسقطُ عنه الدَّمُ برَميِ النائبِ، وفائدةُ الاستِنابةِ سُقوطُ الإثمِ. فيَتحرَّى العاجزُ وقتَ الرَّميِ عنه، ويُكبِّرُ لكلِّ حَصاةٍ، كما يَتحرَّى وقتَ دُعاءِ نائبِه، ويَدعو، وأعادَ الرَّميَ إنْ صحَّ قبلَ الفَواتِ الحاصِلِ بالغُروبِ من اليومِ الرابِعِ، فإنْ أعادَ قبلَ غُروبِ الأولِ فلا دَمَ، وبعدَه فالدَّمُ وقَضاءُ كلٍّ من الجِمارِ، ولو العَقَبةُ يَنتَهي إليه -أي: غُروبِ الرابِعِ- ولا قَضاءَ لِليومِ لفَواتِ الرَّميِ بغُروبه، واللَّيلُ عقبَ كلِّ يَومٍ قَضاءٌ لذلك اليومِ يَجبُ به الدَّمُ، وحُمل مَريضٌ مُطبِقٌ للرَّميِ ورَمى بنَفسِه وُجوبًا، ولا يَرمي الحَصاةَ في كفِّ غيرِه ليَرميَها عنه، فإنْ فعَل لم يُجزِئْه (٢). وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كان الرَّجلُ مَريضًا، أو مَحبوسًا، أو له عُذرٌ، جازَ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَرمي عنه.

стр. 2979

قال الأثرَمُ: قلتُ لِأبي عبدِ اللهِ: إذا رُميَ عنه الجِمارُ، يَشهَدُ هو ذاكَ أو يَكونُ في رَحلِه؟ قال: يُعجِبُني أنْ يَشهدَ ذاكَ إنْ قدِر حينَ يُرمَى عنه. قلتُ: فإنْ ضعُف عن ذلك، أيَكونُ في رَحلِه ويُرمى عنه؟ قال: نَعمْ. قال القاضي: المُستحبُّ أنْ يضَع الحَصى في يَدِ النائبِ، ليَكونَ له عَملٌ في الرَّميِ، وإنْ أُغميَ على المُستَنيبِ، لم تَنقطِعِ النِّيابةُ، ولِلنائبِ الرَّميُ عنه، كما لو استَنابَه في الحَجِّ ثم أُغميَ عليه. وبما ذكَرنا في هذه المَسألةِ قال الشافِعيُّ، ونحوَه قال مالكٌ، إلا أنَّه قال: يَتحرَّى المَريضُ حينَ رَميِهم، فيُكبِّرُ سَبعَ تَكبيراتٍ (١). حُكمُ الرَّميِ من الأدوارِ العُليا: الرَّميُ من الأدوارِ العُليا مَسألةٌ حادِثةٌ في هذا العَصرِ وليس للعُلماءِ السابِقينَ نُصوصٌ خاصَّةٌ، ولكنْ يُؤخذُ من نُصوصِهم ما يَدلُّ على جوازِ الرَّميِ من الأدوارِ العُليا: قال القاري ﵀: ولو وقَف الحَصى على الشاخصِ، أي: أطرافِ المَيلِ الذي هو عَلامةٌ للجَمرةِ، أجزَأه، ولو وقَف على قُبةِ الشاخصِ ولم يَنزِلْ عنه؛ فالظاهرُ أنَّه لا يُجزئُه للبُعدِ، كما في [النُّخبةِ] بناءً على ما ذكَره من أنَّ مَحلَّ الرَّميِ المَوضعُ الذي عليه الشاخِصُ وما حولَه، لا الشاخِصُ (٢).

стр. 2980

جاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: (قلتُ) لِابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ إنْ رَمى جَمرةَ العَقَبةِ من فوقِها؟ (قال): قال مالكٌ: يَرميها من أسفَلِها أَحبُّ إليَّ. (قال ابنُ القاسِمِ): وقال مالكٌ: وتَفسيرُ حَديثِ القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّه كان يَرمي جَمرةَ العَقَبةِ من حيثُ تَيسَّر قال مالكٌ: مَعناها من أسفَلِها من حيثُ تَيسَّر من أسفَلِها. (قال مالكٌ) وإنْ رَماها مِنْ فوقِها أجزَأه (١). وقال الحَطابُ ﵀: قال الباجيُّ: الجَمرةُ: اسمٌ لمَوضعِ الرَّميِ، قال ابنُ فَرحونٍ في «شَرحِه على ابنِ الحاجبِ»: وليس المُرادُ بالجَمرةِ البِناءَ القائمَ، وذلك البِناءُ قائمٌ وَسطَ الجَمرةِ عَلامةً على مَوضعِها، والجَمرةُ اسمٌ لِلجميعِ (٢). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال الشافِعيُّ ﵀: الجَمرةُ: مُجتمَعُ الحَصى، لا ما سالَ من الحَصى، فمن أصابَ مُجتمَعَ الحَصى بالرَّميِ أجزَأه، ومَن أصابَ مَسايلَ الحَصى الذي ليس هو بمُجتمَعِه لم يُجزِئْه، والمُرادُ: مُجتمَعُ الحَصى في مَوضعِه المَعروفِ، وهو الذي كان في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ ، فلو حُوِّل ورَمى الناسُ في غيرِه واجتمَع فيه الحَصى لم يُجزِئْه (٣).
следующие страницы →