ثم إنَّ جُمهورَ الأصحابِ في طَريقتَيِ العِراقِ وخُراسانَ أطلَقوا جَوازَ الاستِنابةِ للمَريضِ سَواءٌ كان مَأيوسًا من بُرئه أو لا، وقال إمامُ الحَرمَين والرافِعيُّ وغيرُه من مُتابِعي الإمامِ: إنَّما تَجوزُ النِّيابةُ لِعاجزٍ بعِلةٍ لا يُرجَى زَوالُها قبلَ خُروجِ وقتِ الرَّميِ.
قالوا: ولا يَضرُّ رَجاءُ الزَّوالِ بعدَ فَواتِ الوقتِ، وهذا الذي قاله الإمامُ ومُتابِعوه مُتعيَّنٌ، وإطلاقُ الأصحابِ مَحمولٌ عليه، ولا يَمنعُ من هذا قولُهم فلو زال العَجزُ في أيامِ الرَّميِ لزِمه رَميُ ما بقِي؛ لأنَّه قد لا يُرجَى زَوالُه في أيامِ الرَّميِ، ثم يَزولُ نادِرًا، واللهُ أعلمُ.
ثم قال: لو أُغميَ على المُحرِمِ قبلَ الرَّميِ ولم يَكنْ أذِن في الرَّميِ عنه لم يَصحَّ الرَّميُ عنه في إغمائه بلا خِلافٍ، وإنْ كان أذِن فيه جازَ الرَّميُ عنه، هذا هو المَذهبُ، وبه قطَع الجَماهيرُ في الطَّريقَتينِ.
ونقَل الرافِعيُّ فيه وَجهًا شاذًّا ضَعيفًا أنَّه لا يَجوزُ.
وحَكى إمامُ الحَرمَين الجَوازَ عن العِراقيِّينَ، فقال: قال العِراقيُّونَ: لو استَنابَ العاجزُ عن الرَّميِ وصحَّحنا الاستِنابةَ فأُغمِي على المُستَنيبِ دامَتِ النِّيابةُ، وإنْ كان مُقتَضى الإغماءِ الطارِئ على إذنِ انقِطاعِ إذْنِه إذا كان أصلُ الإذْنِ جائزًا للوَكالةِ، ولكنَّ الغرضَ هُنا إقامةُ النائبِ مَقامَ العاجزِ، قال: وما ذكَروه مُحتمَلٌ جِدًّا ولا يَمتنِعُ خِلافُه. قال: وقد قالوا: لو استَنابَ المَعضوبُ في حَياتِه من يحُجُّ عنه ثم ماتَ المَعضوبُ لم تَنقطِعْ الاستِنابةُ.
стр. 2977
هكذا ذكَروه في الإذْنِ المُجرَّدِ، وهو بَعيدٌ، ولكنْ لو فُرض في الإجارةِ فالإجارةُ تَبقى ولا تَنقطِعُ؛ لأنَّ الاستِئجارَ عن المَيِّتِ بعدَ مَوتِه مُمكِنٌ، فلا مُنافاةَ.
وقد استَحقَّ مَنفَعةَ الأجيرِ، قال: والذي ذكَروه في الإذْنِ جائزٌ، وهو مُحتمَلٌ في الإغماءِ بَعيدٌ في المَوتِ.
هذا كَلامُ الإمامِ، ثم إنَّ الأصحابَ في الطَّريقَتيْن أطلَقوا أنَّه إذا استَنابَ قبلَ الإغماءِ جازَ رَميُ النائبِ عنه في الإغماءِ، كما ذكَرنا.
وقال الماوَرديُّ: إنْ كان حينَ أذِن مُطيقًا لِلرَّميِ لم يَصِح الرَّميُ عنه في الإغماءِ؛ لأنَّ المُطيقَ لا تَصحُّ النِّيابةُ عنه، فلم يَصحَّ إذنُه، وإنْ كان حينَ الإذنِ عاجِزًا، بأنْ كان مَريضًا فأذِن ثم أُغميَ عليه صحَّت النِّيابةُ، وصحَّ رَميُّ النائبِ.
هذا كَلامُ الماوَرديِّ، ونقَله الرُّويانيُّ في البَحرِ عن الأصحابِ، وأشارَ إليه أبو عَليٍّ البَندَنيجيُّ وآخَرونَ.
وفي كَلامِ إمامِ الحَرميْن الذي حَكَيتُه عنه الآنَ مُوافقَتُه، فليُحمَلْ إطلاقُ الأصحابِ على من استَنابَ في حالِ العَجزِ ثم أُغمِيَ عليه، واللهُ أعلمُ.
واتَّفقَ الأصحابُ على أنَّه لو أذِن في حالِ إغمائه لم يَصحّ إذنُه، وإنْ رَمى عنه بذلك الإذنِ لم يَصحّ؛ لأنَّ إذنَه ساقِطٌ في كلِّ شيءٍ، واللهُ أعلمُ.
стр. 2978
والمَجنونُ كالمُغمَى عليه في كلِّ هذا، صرَّح به المُتولِّي وغيرُه (١).
وقال المالِكيةُ: فائدةُ الاستِنابةِ أنْ يَسقُطَ الإثمُ عنه إنِ استَنابَ وقتَ الأداءِ، وإلا فالدَّمُ عليه استَنابَ أم لا، وإنَّما وجَب عليه الدَّمُ دونَ الصَّغيرِ ومَن أُلحِقَ به -كالمُغمَى عليه-؛ لأنَّه المُخاطَبُ بسائرِ الأركانِ.
قال الدَّرديرُ في «الشَّرحِ الكَبيرِ»: ويَستَنيبُ العاجزُ مَنْ يَرمي عنه ولا يَسقطُ عنه الدَّمُ برَميِ النائبِ، وفائدةُ الاستِنابةِ سُقوطُ الإثمِ.
فيَتحرَّى العاجزُ وقتَ الرَّميِ عنه، ويُكبِّرُ لكلِّ حَصاةٍ، كما يَتحرَّى وقتَ دُعاءِ نائبِه، ويَدعو، وأعادَ الرَّميَ إنْ صحَّ قبلَ الفَواتِ الحاصِلِ بالغُروبِ من اليومِ الرابِعِ، فإنْ أعادَ قبلَ غُروبِ الأولِ فلا دَمَ، وبعدَه فالدَّمُ وقَضاءُ كلٍّ من الجِمارِ، ولو العَقَبةُ يَنتَهي إليه -أي: غُروبِ الرابِعِ- ولا قَضاءَ لِليومِ لفَواتِ الرَّميِ بغُروبه، واللَّيلُ عقبَ كلِّ يَومٍ قَضاءٌ لذلك اليومِ يَجبُ به الدَّمُ، وحُمل مَريضٌ مُطبِقٌ للرَّميِ ورَمى بنَفسِه وُجوبًا، ولا يَرمي الحَصاةَ في كفِّ غيرِه ليَرميَها عنه، فإنْ فعَل لم يُجزِئْه (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: إذا كان الرَّجلُ مَريضًا، أو مَحبوسًا، أو له عُذرٌ، جازَ أنْ يَستَنيبَ مَنْ يَرمي عنه.
стр. 2979
قال الأثرَمُ: قلتُ لِأبي عبدِ اللهِ: إذا رُميَ عنه الجِمارُ، يَشهَدُ هو ذاكَ أو يَكونُ في رَحلِه؟ قال: يُعجِبُني أنْ يَشهدَ ذاكَ إنْ قدِر حينَ يُرمَى عنه.
قلتُ: فإنْ ضعُف عن ذلك، أيَكونُ في رَحلِه ويُرمى عنه؟ قال: نَعمْ.
قال القاضي: المُستحبُّ أنْ يضَع الحَصى في يَدِ النائبِ، ليَكونَ له عَملٌ في الرَّميِ، وإنْ أُغميَ على المُستَنيبِ، لم تَنقطِعِ النِّيابةُ، ولِلنائبِ الرَّميُ عنه، كما لو استَنابَه في الحَجِّ ثم أُغميَ عليه.
وبما ذكَرنا في هذه المَسألةِ قال الشافِعيُّ، ونحوَه قال مالكٌ، إلا أنَّه قال: يَتحرَّى المَريضُ حينَ رَميِهم، فيُكبِّرُ سَبعَ تَكبيراتٍ (١).
حُكمُ الرَّميِ من الأدوارِ العُليا:
الرَّميُ من الأدوارِ العُليا مَسألةٌ حادِثةٌ في هذا العَصرِ وليس للعُلماءِ السابِقينَ نُصوصٌ خاصَّةٌ، ولكنْ يُؤخذُ من نُصوصِهم ما يَدلُّ على جوازِ الرَّميِ من الأدوارِ العُليا:
قال القاري ﵀: ولو وقَف الحَصى على الشاخصِ، أي: أطرافِ المَيلِ الذي هو عَلامةٌ للجَمرةِ، أجزَأه، ولو وقَف على قُبةِ الشاخصِ ولم يَنزِلْ عنه؛ فالظاهرُ أنَّه لا يُجزئُه للبُعدِ، كما في [النُّخبةِ] بناءً على ما ذكَره من أنَّ مَحلَّ الرَّميِ المَوضعُ الذي عليه الشاخِصُ وما حولَه، لا الشاخِصُ (٢).
стр. 2980
جاءَ في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: (قلتُ) لِابنِ القاسِمِ: أرَأيتَ إنْ رَمى جَمرةَ العَقَبةِ من فوقِها؟ (قال): قال مالكٌ: يَرميها من أسفَلِها أَحبُّ إليَّ. (قال ابنُ القاسِمِ): وقال مالكٌ: وتَفسيرُ حَديثِ القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّه كان يَرمي جَمرةَ العَقَبةِ من حيثُ تَيسَّر قال مالكٌ: مَعناها من أسفَلِها من حيثُ تَيسَّر من أسفَلِها. (قال مالكٌ) وإنْ رَماها مِنْ فوقِها أجزَأه (١).
وقال الحَطابُ ﵀: قال الباجيُّ: الجَمرةُ: اسمٌ لمَوضعِ الرَّميِ، قال ابنُ فَرحونٍ في «شَرحِه على ابنِ الحاجبِ»: وليس المُرادُ بالجَمرةِ البِناءَ القائمَ، وذلك البِناءُ قائمٌ وَسطَ الجَمرةِ عَلامةً على مَوضعِها، والجَمرةُ اسمٌ لِلجميعِ (٢).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: قال الشافِعيُّ ﵀: الجَمرةُ: مُجتمَعُ الحَصى، لا ما سالَ من الحَصى، فمن أصابَ مُجتمَعَ الحَصى بالرَّميِ أجزَأه، ومَن أصابَ مَسايلَ الحَصى الذي ليس هو بمُجتمَعِه لم يُجزِئْه، والمُرادُ: مُجتمَعُ الحَصى في مَوضعِه المَعروفِ، وهو الذي كان في زَمنِ النَّبيِّ ﷺ ، فلو حُوِّل ورَمى الناسُ في غيرِه واجتمَع فيه الحَصى لم يُجزِئْه (٣).
стр. 2981
قال الهَيتَميُّ ﵀ على قولِ النَّوويِّ: الجَمرةُ: مُجتمَعُ الحَصى، حَدَّه الجَمالُ الطَّبريُّ بأنَّه ما كان بينَه وبينَ أصلِ الجَمرةِ ثَلاثةُ أذرُعٍ فقط، وهذا التَّحديدُ من تَفهُّمِه، وكأنَّه قرَّر به مُجتمَعَ الحَصى غيرَ السائلِ، والمُشاهَدةُ تُؤيِّدُه، فإنَّه مُجتمَعُه في الأغلَبِ، لا يَنقُصُ عن ذلك.
وقال أيضًا على قولِ النَّوويِّ: والمُرادُ: مُجتمَعُ الحَصَى … إلخ، يَدلُّ على أنَّ مُجتمَعَ الحَصى المَعهودَ الآنَ بسائرِ جَوانبِ الجَمرتَين الأُولَييْن، وتحتَ شاخصِ جَمرةِ العَقَبةِ، هو الذي كان في عَهدِه ﷺ ، وليس ببَعيدٍ، إذِ الأصلُ بَقاءُ ما كان على ما كان حتى يُعرفَ خِلافُه … إلَخ (١).
وقال الإمامُ البُهوتيُّ ﵀: قد علِمتَ ممَّا سبَق أنَّ المَرمى: مُجتمَعُ الحَصى -كما قال الشافِعيُّ- لا نَفسُ الشاخصِ ولا مَسيلُه (٢).
وقال أيضًا: (وله رَميُها)، أي جَمرةِ العَقَبةِ (مِنْ فوقِها)؛ لفِعلِ عُمرَ ﵁ (٣).
وقال صاحِبُ «شِفاءِ الغَرامِ» نَقلًا عن الأزرقيِّ بشَأنِ جَمرةِ العَقَبةِ تحتَ هذه التَّرجَمةِ: (ذِكرُ ما غُيِّر من فَرشِ أرضِ الكَعبةِ): وكانَتِ الجَمرةُ زائلةً عن مَوضعِها أزالها جُهَّالُ الناسِ برَميِهم الحَصى، وغفَل عنها حتى أُزيحَت من مَوضعِها شيئًا يَسيرًا منها، ومِن فوقِها، فرَدَّها إلى مَوضعِها الذي
стр. 2982
لم يَزلْ عليه، وبنى من وَرائها جِدارًا أعلاه عليها، ومَسجدًا مُتَصلًا بذلك الجِدارِ؛ لئلَّا يَصلَ إليها من يُريدُ الرَّميَ من أعلاها … ومَضى إلى أنْ قال: والذي أشارَ إليه الأزرَقيُّ بقولِه: (فردَّها) وبقولِه: (وبَنى) هو: إسحاقُ بنُ سَلمةَ الصائغُ الذي أنفَذَه المُتوكِّلُ العَباسيُّ لعَملِ أُمورٍ تَتعلَّقُ بالكَعبةِ وغيرِ ذلك (١).
ثالِثًا: الحَلقُ أو التَّقصيرُ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ حَلقَ شَعرِ الرَّأسِ أو تَقصيرَه واجبٌ من واجباتِ الحَجِّ والعُمرةِ يُجبَرُ بالدَّمِ. لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أحِلُّوا من إحرامِكم بطَوافِ البَيتِ وبينَ الصَّفا والمَروةِ وقَصِّروا» (٢)، وأمرُه للوُجوبِ، وقولُه ﷺ : «ومَن لم يَكنْ مِنكم أهدَى فليَطفْ بالبَيتِ وبِالصَّفا والمَروةِ وليُقصرْ وليُحللْ» (٣).
стр. 2983
وذهَب الشافِعيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الحَلقَ رُكنٌ من أركانِ الحَجِّ والعُمرةِ لا يَصحُّ الحَجُّ ولا العُمرةُ إلا به، ولا يُجبَرُ بدَمٍ ولا غيرِه.
واختلَفوا في القَدرِ الواجبِ حَلقُه أو تَقصيرُه بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الأفضلَ حَلقُ جميعِ الرَّأسِ للرَّجلِ؛ لقوله : ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] والرَّأسُ اسمٌ لِلجميعِ، وكذا رُوي أنَّ النَّبيَّ ﷺ حلَق جميعَ رَأسِه.
فعندَ المالِكيةِ والحَنابلةِ: يَجبُ حَلقُ جميعِ الرَّأسِ، وقال الحَنفيةُ: يَكفي مِقدارُ رُبُعِ الرَّأسِ، وعندَ الشافِعيةِ: يَكفي إزالةُ ثَلاثِ شَعراتٍ أو تَقصيرُها.
وهذا نَفسُه على الخِلافِ السَّابقِ في مِقدارِ مَسحِ الرَّأسِ في الوُضوءِ.
وقد أجمَعوا على أنَّ الحَلقَ أفضلُ من التَّقصيرِ، وأنَّ التَّقصيرَ يُجزِئُ عن الحَلقِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «رحِم اللهُ المُحلِّقينَ، قالوا: والمُقصِّرينَ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: رحِم اللهُ المُحلِّقينَ، قالوا: والمُقصِّرينَ يا رَسولَ اللهِ، قال: رحِم اللهُ المُحلِّقينَ، قالوا: والمُقصِّرينَ يا رَسولَ اللهِ، قال: والمُقصِّرينَ» (١).
وأجمَعوا على أنَّه لا يَجبُ على النِّساءِ حَلقٌ، وإنَّما شُرعَ لهنَّ التَّقصيرُ، وهو واجبٌ عليهِنَّ، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ليسَ على النِّساءِ حَلقٌ إنَّما على النِّساءِ التَّقصيرُ» (٢).
стр. 2984
مَكانُ الحَلقِ وزَمانُه:
اختلَف الفُقهاءُ هل يَختصُّ الحَلقُ أو التَّقصيرُ بزَمانٍ أو مَكانٍ؟
فذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ إلى أنَّه لا يَختصُّ بزَمانٍ ولا مَكانٍ، فإنْ أخَّره عن أيامِ النَّحرِ فلا دَمَ عليه؛ لأنَّ اللهَ تَعالى بيَّن أولَ وقتِه بقولِه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولم يَتبيَّنْ آخِرُه؛ فمَتى أتى به أجزَأه، كطَوافِ الزِّيارةِ والسَّعيِ، ولأنَّه نُسكٌ أخَّره إلى وقتِ جوازِ فِعلِه، فأشبَهَ السَّعيَ.
وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه إنْ أخَّره إلى ما بعدَ أيامِ النَّحرِ وجَب عليه دَمٌ؛ لأنَّه نُسكٌ أخَّره عن مَحِلِّه، ومَن ترَك نُسكًا فعليه دَمٌ، ولا فرقَ في التَّأخيرِ بينَ قَليلٍ وكَثيرٍ، وعامدٍ وساهٍ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ حلَق في أيامِ النَّحرِ في الحَرمِ، فصارَ فِعلُه بَيانًا لمُطلَقِ الكِتابِ، فيَجبُ عليه بتَأخيرِه دَمٌ؛ لأنَّ تَأخيرَ الواجبِ بمَنزلةِ التَّركِ في حقِّ وُجوبِ الجابرِ.
وقال الإمامُ مالكٌ: مَنْ ترَكه حتى حلَّ وجَب عليه دَمٌ؛ لأنَّه نُسكٌ فيأتي به في حَرامِ الحَجِّ كسائرِ مَناسكِه.
الأصلَعُ الذي لا شَعرَ له:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ الأصلَعَ الذي لا شَعرَ على رَأسِه يُمرُّ الموسى على رَأسِه.
стр. 2985
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الأصلَعَ يُمرُّ على رَأسِه الموسى عندَ الحَلقِ (١).
وليس هذا واجبًا عندَ الجُمهورِ، بل مُستحبٌّ؛ لأنَّ الحَلقَ مَحِلُّه الشَّعرُ، فسقَط بعَدمِه، كما يَسقطُ غَسلُ العُضوِ في الوُضوءِ بفَقدِه، ولأنَّه إمرارٌ لو فعَله في الإحرامِ لم يَجبْ به دَمٌ، فلم يَجبْ عندَ التَّحلُّلِ، كإمرارِه على الشَّعرِ من غيرِ حَلقٍ.
وقال الحَنفيةُ: يَجبُ عليه أنْ يُمرَّ الموسى على رَأسِه لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أمَرتُكم بأمرٍ فَأْتوا منه ما استَطعتُم» (٢)، فهذا لو كان ذا شَعرٍ وجَب عليه إزالتُه وإمرارُ الموسى على رَأسِه، فإذا سقَط أحدُهما لتعذُّرِه وجَب الآخَرُ، ولأنَّه إذا عجَز عن تَحقيقِ الحَلقِ لم يَعجِزْ عن التَّشبُّهِ بالحالِقينَ، وقد قال النَّبيُّ ﷺ : «مَنْ تَشبَّهَ بقَومٍ فهو منهم» (٣)(٤).
стр. 2986
رابِعًا: المَبيتُ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ المَبيتِ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ، فذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المَبيتَ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ واجبٌ يَلزمُ الدَّمُ مَنْ ترَكه بغيرِ عُذرٍ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، وقال المالِكيةُ: يَجبُ ولو لعُذرٍ.
واستدَلُّوا على الوُجوبِ بأنَّ النَّبيَّ ﷺ باتَ بمنًى لَياليَ منًى، وبما رُوي أنَّ العَباسَ بنَ عبدِ المُطَّلبِ ﵁: «استَأذنَ رَسولَ اللهِ ﷺ أنْ يَبيتَ بمكةَ لَياليَ منًى من أجلِ سِقايَتِه فأذِن لهُ» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّه مَأمورٌ به، وإلا كان يَجوزُ للعَباسِ ذلك ولغيرِه دونَ إرخاصٍ، وقد تأكَّد ذلك بفِعلِ الأئمَّةِ بعدَ النَّبيِّ ﷺ ، ثم بمَنعِ عُمرَ ﵁ المَبيتَ وراءَ العَقَبةِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَله نُسكًا، وقال: «خُذوا عَنِّي مَناسكَكم» (٢).
وقَدرُ المَبيتِ الواجبُ عندَهم هو مُكثُ أكثرِ اللَّيلِ، إلا أنَّهم اختلَفوا فيما إذا ترَك لَيلةً أو لَيلَتيْن من ليالي منًى بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ له تَركَ المَبيتِ في اللَّيلةِ الثالِثةِ إذا نفَر النَّفرَ الأولَ.
فقال المالِكيةُ: إذا ترَك المَبيتَ لَيلةً كامِلةً أو اللَّياليَ الثَّلاثَ فاللَّازمُ دَمٌ واحِدٌ ولا يَتعدَّدُ.
стр. 2987
وعندَ الشافِعيةِ فيمَن ترَك إحدى اللَّيالي الثَّلاثِ ثَلاثةُ أقوالٍ مَشهورةٍ، أصَحُّها: في اللَّيلةِ: مُدٌّ، والثاني: دِرهمٌ، والثالِثُ: ثُلثُ دَمٍ.
وإنْ ترَك لَيلَتيْن فعلى الأصحِّ: يَجبُ مُدَّانِ، وعلى الثاني: دِرهمانِ، وعلى الثالثِ: ثُلثا دَمٍ.
أمَّا الحَنابلةُ فقالَ منهم شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: ولو ترَك المَبيتَ بمنًى لَيلةً واحِدةً أو لَيلَتيْن قال القاضي في خِلافِه وابنُ عَقيلٍ: ليس عليه دَمٌ، رِوايةً واحِدةً، بخِلافِ تَركِ المَبيتِ بمُزدَلفةَ، فإنَّها نُسكٌ واحِدٌ، فإذا ترَكه لزِمه الدَّمُ، ولَيالي منًى جميعُها نُسكٌ واحِدٌ، فلا يَجبُ في بعضِها ما يَجبُ في جميعِها، كما لو ترَك حَصاةً أو حَصاتَين، واستَشهَدوا على ذلك بما تقدَّم عنه أنَّه استكثَرَ الدَّمَ في تَركِ لَيلةٍ واحِدةٍ وأمَره أنْ يَتصدَّقَ بشيءٍ وخرَّجاها على ثَلاثِ رِواياتٍ:
إحداهُنَّ: يَتصدَّقُ بدِرهمٍ أو نصفِ دِرهمٍ، وهو المَنصوصُ عنه هنا.
والثانِيةُ: في لَيلةٍ مدٌّ، وفي لَيلَتيْن مُدانِ.
والثالِثةُ: في لَيلةٍ قَبضةٌ من طَعامٍ، وفي لَيلَتيْن قَبضَتانِ، وهاتانِ مُخرَّجتانِ مِنْ حَلقِ شَعرةٍ أو شَعرَتيْن (١).
وذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ (والظاهِريةُ) إلى أنَّ المَبيتَ بمنًى لَياليَ أيامِ التَّشريقِ سُنةٌ، وليس بواجبٍ، فمَن ترَكه
стр. 2988
أساءَ، ولا شيءَ عليه، وذلك لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أرخَصَ لِأهلِ السِّقايةِ في تَركِ المَبيتِ وللرُّعاةِ، كما أرخَصَ للضَّعَفةِ الإفاضةَ من جَمعٍ -مُزدَلفةَ- بلَيلٍ، ولو كان واجبًا لم يَسقُطْ إلا لضَرورةٍ، كطَوافِ الوَداعِ، ولا كان العَباسُ يَترُكُ الواجبَ لِأجلِ السِّقايةِ، ولا كان النَّبيُّ ﷺ يُرخِّصُ له في ذلك.
وفِعلُ النَّبيِّ ﷺ مَحمولٌ على السُّنةِ تَوفيقًا بينَ الدَّليلَين، ولأنَّ الشَّرعَ لم يَردْ فيه بشيءٍ، ولأنَّ ابنَ عَباسٍ قال: «إذا رمَيتَ الجِمارَ فبِتْ حيثُ شئتَ» (١)، ولأنَّه أحدُ المَبيتَين بمنًى، فلم يَجبْ كالمَبيتِ بها لَيلةَ عَشيَّةِ التَّرويةِ (٢).
وقال ابنُ حَزمٍ ﵀: ومَن لم يَبتْ لَياليَ منًى بمنًى فقد أساءَ، ولا شيءَ عليه إلا الرِّعاءَ وأهلَ سِقايةِ العَباسِ، فلا نَكرَهُ لهم المَبيتَ في غيرِ منًى؛ بل للرِّعاءِ أنْ يَرموا يَومًا ويَدَعوا يَومًا.
فعن أبي البَداحِ بنِ عَديٍّ عن أبيه «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ رخَّص للرِّعاءِ أنْ يَرموا يَومًا ويَدَعوا يَومًا» (٣).
стр. 2989
فَصحَّ بهذا الخَبرِ أنَّ الرَّميَ في كلِّ يَومٍ من أيامِ منًى ليس فَرضًا.
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قال: «إنَّ العَباسَ بنَ عبدِ المُطَّلبِ استَأذنَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ من أجْلِ سِقايَتِه أنْ يَبيتَ بمكةَ لَياليَ منًى فأذِن له» (١).
فأهلُ السِّقايةِ مَأذونٌ لهم من أجْلِ السِّقايةِ، وباتَ ﵇ بمنًى ولم يَأمرْ بالمَبيتِ بها، فالمَبيتُ بها سُنةٌ، وليس فَرضًا؛ لأنَّ الفَرضَ إنَّما هو أمرُه ﷺ فقط.
فإنْ قيلَ: إنَّ إذْنَه للرِّعاءِ وتَرخيصَه لهم وإذْنَه للعَباسِ دَليلٌ على أنَّ غيرَهم بخِلافِهم.
قُلنا: لا، وإنَّما كان يَكونُ هذا لو تقدَّم منه ﷺ أمرٌ بالمَبيتِ والرَّميِ، فكان يَكونُ هؤلاء مُستثنَين من سائرِ مَنْ أُمِروا، وأما إذا لم يَتقدَّمْ منه أمرٌ ﷺ فنَحنُ نَدري أنَّ هؤلاء مَأذونٌ لهم، وليس غيرُهم مَأمورًا بذلك، ولا مَنهيًّا، فهُم على الإباحةِ.
وعن عُمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁: «لا يَبيتَنَّ أحدٌ من وراءِ العَقَبةِ أيامَ منًى»، وصحَّ هذا عنه ﵁ وعن ابنِ عَباسٍ مِثلُ هذا؛ وعن ابنِ عُمرَ أنَّه كرِه المَبيتَ بغيرِ منًى أيامَ منًى، ولم يجعَلْ واحِدٌ منهم في ذلك فِديةً أصلًا.
стр. 2990
وعن ابنِ عَباسٍ قال: «لا بَأسَ لِمن كان له مَتاعٌ بمكةَ أنْ يَبيتَ بها لَياليَ منًى».
وعَن ابنِ عَباسٍ قال: «إذا رمَيتَ الجِمارَ فبِتْ حيثُ شئتَ» (١).
خامِسًا: طَوافُ الوَداعِ:
طَوافُ الوَداعِ يُسمَّى طَوافَ الصَّدرِ، وطَوافَ آخرِ العَهدِ.
وقد اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ طَوافِ الوَداعِ، هل هو واجبٌ ولا يَسقطُ إلا لعُذرٍ، ويَجبُ على مَنْ ترَكه لغيرِ عُذرٍ دَمٌ أو هو سُنةٌ يَجوزُ تَركُه ولا يَجبُ على مَنْ ترَكه شيءٌ؟
فذهَب أبو حَنيفةَ وأحمدُ والشافِعيُّ في أصحِّ قولَيه إلى وُجوبه، وإلى أنَّ تَركَه لغيرِ عُذرٍ يُوجِبُ دَمًا، لِما رَوى ابنُ عَباسٍ ﵄ قال: كان الناسُ يَنصرِفونَ كلَّ وَجهٍ، فقال النَّبيُّ ﷺ : «لا يَنفِرنَّ أحدٌ حتى يَكونَ آخرُ عَهدِه بالبَيتِ» (٢).
وعن ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «أُمر الناسُ أنْ يَكونَ آخرُ عَهدِهم بالبَيتِ، إلا أنَّه خُفِّفَ عن المَرأةِ الحائضِ» (٣).
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ قال: «مَنْ حجَّ البَيتَ فليَكنْ آخِرُ عَهدِه بالبَيتِ،
стр. 2991
إلا الحُيضَ، ورخَّص لهنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ » (١)، وهذا أمرٌ ومُطلَقُ الأمرِ لوُجوبِ العَملِ، إلا أنَّ الحائضَ خُصَّت عن هذا العُمومِ ولم يَأمرْها النَّبيُّ ﷺ بإقامةِ شيءٍ آخرَ مَقامَه، وهو الدَّمُ، وهذا أصلٌ في كلِّ نُسكٍ جازَ تَركُه لعُذرٍ أنَّه لا يَجبُ بتَركِه من المَعذورِ كَفارةٌ.
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: وليس في سُقوطِه عن المَعذورِ ما يُجوِّزُ سُقوطَه لغيرِه، كالصَّلاةِ تَسقُطُ عن الحائضِ، وتَجبُ على غيرِها، بل تَخصيصُ الحائضِ بإسقاطِه عنها دَليلٌ على وُجوبه على غيرِها، إذ لو كان ساقِطًا عن الكلِّ لم يَكنْ لتَخصيصِها بذلك مَعنًى (٢).
وذهَب الإمامُ مالكٌ والشافِعيُّ في القولِ الثاني عنه إلى أنَّ طَوافَ الوَداعِ سُنةٌ، وليس بواجبٍ، فمَن ترَكه فلا شيءَ عليه، واستدَلُّوا على عَدمِ الوُجوبِ بأنَّه لا يَجبُ على الحائضِ، والنُّفساءِ، ولو كان واجبًا لَوجَب عليها كطَوافِ الزِّيارةِ.
قالوا: ولأنَّه يَسقطُ عن الحائضِ فلم يَكنْ واجبًا كطَوافِ القُدومِ، ولأنَّه كتَحيَّةِ البَيتِ أشبَهَ طَوافَ القُدومِ.
ثم اختلَفوا: فيما إذا طافَ طَوافَ الوداعِ المَذكورَ، ثم أقامَ لشِراءِ حاجةٍ، أو عيادةِ مَريضٍ أو انتِظارِ رُفقةٍ أو غيرِ ذلك، هل يُجزِئُه طَوافُه ذلك أو يَحتاجُ إلى إعادةِ طَوافٍ آخرَ؟
стр. 2992
فقال الشافِعيُّ وأحمدُ وأبو يُوسفَ: يُعيدُ طَوافًا آخرَ ولا يُجزِئُه إلا ذلك؛ لأنَّه يَجبُ أنْ يَكونَ آخرُ عَهدِه بالبَيتِ؛ لأنَّه إذا أقامَ بعدُ خرَج عن أنْ يَكونَ وَداعًا في العادةِ، فلَم يُجزِئْه، كما لو طافَه قبلَ حِلِّ النَّفرِ.
وقال أبو حَنيفةَ: لا يُعيدُ، وإنْ أقامَ شَهرًا؛ لأنَّه قدِم مكةَ للنُّسكِ فلمَّا تم فَراغُه منه جاءَ أوانُ الصَّدرِ -الوَداعِ- فطَوافُه حينَئذٍ يَكونُ له، إذِ الحالُ أنَّه على عَزمِ الرُّجوعِ.
وقال مالكٌ: لا بَأسَ لِمن ودَّع البَيتَ بطَوافِ الوَداعِ أنْ يَشتريَ بعضَ حَوائجِه وأنْ يَبيتَ مع كَريهٍ، ولا إعادةَ عليه، ولو أعادَ كان أَحبَّ إليَّ.
وأجمَع مُوجِبو طَوافِ الوَداعِ على أنَّه إنَّما يَجبُ على أهلِ الأمصارِ، ولا يَجبُ على أهلِ مكةَ.
واختلَفوا: فيما إذا فرَغ من أفعالِ الحَجِّ وأرادَ الإقامةَ بمكةَ هل يَجبُ عليه طَوافُ الوَداعِ؟
فقالوا: لا يَجبُ عليه، إلا أبا حَنيفةَ فإنَّه قال: إذا نَوى الإقامةَ بعدَما حلَّ له النَّفرُ الأولُ لم يَسقطْ عنه طَوافُ الوَداعِ (١).
стр. 2993
ثانيًا: واجباتُ الحَجِّ التابِعةُ لغيرِها:
واجباتُ الحَجِّ التابِعةُ لغيرِها هي أُمورٌ يَجبُ أداؤُها في ضِمنِ رُكنٍ من أركانِ الحَجِّ، أو في ضِمنِ واجبٍ أصليٍّ من واجباتِه.
أولاً: واجباتُ الإحرامِ:
أ- كَونُ الإحرامِ من الميقاتِ المَكانيِّ، لا بعدَه، وقد سبَق بَيانُه.
ب- التَّلبيةُ، وقد سبَق بَيانُ حُكمِها أيضًا.
ج- اجتِنابُ مَحظوراتِ الإحرامِ، وسيأتي الكَلامُ عليها إنْ شاءَ اللهُ مُفصَّلًا.
ثانيًا: واجباتُ الوُقوفِ بعَرفةَ:
وهي امتِدادُ الوُقوفِ إلى ما بعدَ المَغربِ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ، وقال الشافِعيةُ: هو سُنةٌ، وقال المالِكيةُ: الوُقوفُ بعدَ المَغربِ هو الرُّكنُ، وقبلَه واجبٌ، وقد سبَق بَيانُه.
ثالثًا: واجباتُ الطَّوافِ:
أ- ذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ الأشواطَ الثَّلاثةَ الأخيرةَ من الطَّوافِ واجبةٌ، وهي عندَ الجُمهورِ رُكنٌ كما تقدَّم ذِكرُه.
стр. 2994
ب- أوجَب الحَنفيةُ الأُمورَ التاليةَ في الطَّوافِ، وقال الجُمهورُ: هي من شُروطِ صِحتِه، وهذه الأُمورُ هي:
١ - الطَّهارةُ من الأحداثِ والأنجاسِ.
٢ - سَترُ العَورةِ.
٣ - ابتِداءُ الطَّوافِ من الحَجرِ.
٤ - التَّيامنُ، أي: كَونُ الطائفِ عن يَمينِ البَيتِ.
٥ - دُخولُ الحِجرِ (أي: الحَطيمِ) في ضِمنِ الطَّوافِ.
ج- أوجَب الحَنفيةُ وغيرُهم الأُمورَ التاليةَ في الطَّوافِ، وهي سُنةٌ عندَ غيرِهم، وهي:
١ - المَشيُ لِلقادرِ عليه، وهو واجبٌ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ، سُنةٌ عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ كما تقدَّم.
٢ - رَكعَتا الطَّوافِ: وهي واجبةٌ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ في المَذهبِ والشافِعيةِ في قَولٍ، سُنةٌ عندَ الحَنابلةِ والشافِعيةِ في الأصحِّ والمالِكيةِ في قَولٍ، وقد سبَق بَيانُ ذلك.
٣ - طَوافُ الرُّكنِ الزِّيارةِ، في أيامِ النَّحرِ:
وهو واجبٌ عندَ أبي حَنيفةَ أنْ يُؤدِّيَه في أيامِ النَّحرِ، فلو أخَّره عندَه صحَّ ووجَب عليه دَمٌ.
стр. 2995
وقال مالكٌ: إنْ أخَّرها إلى آخرِ ذي الحِجَّةِ فلا شيءَ عليه، وإنْ أخَّره إلى المُحرَّمِ فعليه دَمٌ.
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ والصاحِبانِ من الحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَلزمُه شيءٌ بالتَّأخيرِ أبدًا، وقد سبَق بَيانُ ذلك في شُروطِ طَوافِ الزِّيارةِ.
رابِعًا: واجباتُ السَّعيِ:
أ- المَشيُ لِلقادرِ عليه عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ وأحمدَ في رِوايةٍ، وقال الشافِعيةُ والإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الأُخرى: هو سُنةٌ، وقد سبَق بَيانُها.
ب- إكمال أشواطِ السَّعيِ إلى سَبعةٍ بعدَ الأربَعةِ الأُوَلِ عندَ الحَنفيةِ، وكلُّها رُكنٌ عندَ الجُمهورِ.
خامِسًا: واجبُ الوُقوفِ بالمُزدَلفةِ:
أوجَب الحَنفيةُ جَمعَ صَلاتَيِ المَغربِ والعِشاءِ تَأخيرًا في المُزدَلفةِ وهو سُنةٌ عندَ الجُمهورِ كما تقدَّم ذِكرُه.
سادِسًا: واجباتُ الرَّميِ:
أ- يَجبُ عَدمُ تَأخيرِ رَميِ يَومٍ إلى المَغربِ عندَ المالِكيةِ، أو إلى طُلوعِ فجرِ اليومِ التالي عندَ أبي حَنيفةَ حتى إنَّه يَجبُ الدَّمُ في المَذهبَين بتَأخيرِ رَميِ يَومٍ عن الوقتِ المَذكورِ، خِلافًا لِأبي يُوسفَ ومُحمدٍ كما سبَق.
стр. 2996
سابِعًا: واجباتُ ذَبحِ الهَديِ (١):
أ- أنْ يَكونَ الذَّبحُ في أيامِ النَّحرِ، وهي ثَلاثةُ أيامٍ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ، يومُ النَّحرِ ويَومانِ بعدَه.
وعندَ الشافِعيةِ وبعضِ الحَنابلةِ أربَعةُ أيامٍ: يومُ النَّحرِ وثَلاثةُ أيامٍ بعدَه.
ب- أنْ يَكونَ الذَّبحُ في الحَرمِ.
ثامِنًا: واجباتُ الحَلقِ أو التَّقصيرِ:
أ- كَونُ الحَلقِ في أيامِ النَّحرِ عندَ أبي حَنيفةَ وأحمدَ في رِوايةٍ، وقال الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ: لا يَختصُّ بزَمانٍ، وقال مالكٌ: مَنْ ترَكه حتى حلَّ وجَب عليه دَمٌ؛ لأنَّه نُسكٌ، فيأتي به في حَرامِ الحَجِّ كسائرِ مَناسكِه، وقد سبَق بَيانُه.
ب- كَونُ الحَلقِ في الحَرمِ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ، وقال الجُمهورُ: لا يَختصُّ بمَكانٍ، فعلى قولِ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ: إنْ حلَق في خارِجِ الحَرمِ وجَب عليه دَمٌ، وعلى قولِ الجُمهورِ: لا شيءَ عليه.
стр. 2997
سُنَنُ الحَجِّ ومُستحبَّاتُه ومَمنوعاتُه ومُباحاتُه:
الأولُ: سُنَنُ الحَجِّ:
السُّننُ في الحَجِّ يُطلبُ فِعلُها ويُثابُ عليها؛ لكنْ لا يَلزمُ بتَركِها الفِداءُ من دَمٍ أو صَدقةٍ (١).
أولاً: طَوافُ القُدومِ:
ويُسمَّى طَوافَ القادِمِ، وطَوافَ الوُرودِ، وطَوافَ الواردِ، وطَوافَ التَّحيَّةِ؛ لأنَّه شُرع لِلقادِمِ الواردِ من غيرِ مكةَ لتَحيةِ البَيتِ، ويُسمَّى أيضًا طَوافَ اللِّقاءِ، وأولَ عَهدِه بالبَيتِ، وطَوافُ القُدومِ سُنةٌ عندَ عامَّةِ الفُقهاءِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ.
وقال الإمامُ مالكٌ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ وابنِ عبدِ الحَكمِ بوُجوبِه، وهو أيضًا قَولٌ عندَ الحَنابلةِ ذكَره في «الإنصافِ».
والأصلُ فيه فِعلُ النَّبيِّ ﷺ كما ثبَت في أولِ حَديثِ جابرٍ، قولُه: «حتَّى إذا أتَينا البَيتَ معه استَلمَ الرُّكنَ فرمَل ثَلاثًا ومشَى أربعًا» (٢).
وعن عائشةَ ﵂ قالت: «إنَّ أولَ شيءٍ بدَأ به حينَ قدِم النَّبيُّ ﷺ مكةَ أنَّه تَوضَّأ ثم طافَ … » الحَديثَ (٣)، فاستَدلَّ المالِكيةُ بذلك على الوُجوبِ، بقولِه ﷺ : «خُذوا عَنِّي مَناسكَكم» (٤).
стр. 2998
وقال الجُمهورُ: إنَّ القَرينةَ قامَت على أنَّه غيرُ واجبٍ؛ لأنَّ المَقصودَ به التَّحيَّةُ، فأشبَهَ تَحيةَ المَسجدِ فيَكونُ سُنةً (١).
كَيفيَّةُ طَوافِ القُدومِ:
كَيفيَّةُ طَوافِ القُدومِ كطَوافِ الزِّيارةِ، إلا أنَّه يُسنُّ فيه الرَّمَلُ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأُوَلِ بلا خِلافٍ بينَ العُلماءِ؛ لِما ثبَت أنَّ النَّبيَّ ﷺ : «طافَ سَبعًا رمَل ثَلاثًا ومشَى أربعًا» (٢)، ويُسنُّ فيه الاضطِباعُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، خِلافًا للمالِكيةِ، لِما رَوى يَعلى بنُ أُميةَ: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ طافَ مُضطَبعًا» (٣).
ومَعنى الاضطِباعِ: أنْ يجعلَ وسَط الرِّداءِ تحتَ كَتفِه اليُمنى ويَردَّ طَرفَيه على كَتفِه اليُسرَى ويُبقيَ كَتفَه اليُمنَى مَكشوفةً، وإذا فرَغ من الطَّوافِ سوَّى رِداءَه؛ لأنَّ الاضطِباعَ غيرُ مُستحبٍّ في الصَّلاةِ، ولا يَضطبِعُ في غيرِ هذا الطَّوافِ (٤).
стр. 2999
ثانيًا: المَبيتُ بمنًى لَيلةَ يومِ عَرفةَ:
يُسنُّ لِلحاجِّ أنْ يَخرجَ من مكةَ إلى منًى يومَ التَّرويةِ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ، فيُصلِّيَ الظُّهرَ بها ثم يُقيمَ حتى يُصلِّيَ الصَّلواتِ الخَمسَ ويَبيتَ بها؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَل ذلك، كما في حَديثِ جابرٍ الطَّويلِ، قال: «فلمَّا كان يومُ التَّرويةِ تَوجَّهوا إلى منًى فأهَلُّوا بالحَجِّ وركِب رَسولُ اللهِ ﷺ فصلَّى بها الظُّهرَ والعَصرَ والمَغربَ والعِشاءَ والفَجرَ ثم مكَث قَليلًا حتى طَلعَت الشَّمسُ وأمَر بقُبةٍ من شَعرٍ تُضرَبُ له
بنَمِرةَ» (١)، وهذا المَبيتُ سُنةٌ بالإجماعِ (٢).
ثالثًا: السَّيرُ من منًى إلى عَرفةَ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ السَّيرَ من منًى إلى عَرفةَ صَباحًا بعدَ طُلوعِ فجرِ يومِ عَرفةَ سُنةٌ (٣).
والأصلُ فيه فِعلُه ﷺ كما في حَديثِ جابرٍ ﵁ المُتقدِّمِ، وفيه: «ثُم مكَث قَليلًا حتى طَلعَت الشَّمسُ (٤) وأمَر بقُبةٍ من شَعرٍ تُضرَبُ له
стр. 3000
بنَمِرةَ، فسارَ رَسولُ اللهِ ﷺ ولا تَشكُّ قُرَيشٌ إلا أنَّه واقِفٌ عندَ المَشعَرِ الحَرامِ كما كانَت قُريشٌ تَصنعُ في الجاهِليَّةِ، فأجازَ رَسولُ اللهِ ﷺ حتى أتَى عَرفةَ فوجَد القُبةَ قَدْ ضُربَت له بنَمِرةَ» (١).
مُستحبَّاتُ الحَجِّ:
مُستحبَّاتُ الحَجِّ يَحصلُ بها الأجرُ، لكنْ دونَ أجرِ السُّنةِ، ولا يَلزمُ تارِكَها الإساءةُ، بخِلافِ السُّنةِ، لكنَّ الشافِعيةَ وغيرَهم يُسوُّونَ بينَ المُستحبِّ والسُّنةِ.
ومُستحبَّاتُ الحَجِّ كَثيرةٌ أذكرُ طائفةً مِنها هنا.
أولًا: العَجُّ:
وهو رَفعُ الصَّوتِ بالتَّلبيةِ باعتِدالٍ، وهو مُستحبٌّ للرِجالِ، لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «أفضلُ الحَجِّ العَجُّ والثَّجُّ» (٦).
ثانيًا: الثَّجُّ:
وهو ذَبحُ الهَديِ تطوُّعًا؛ لِما سبَق من الحَديثِ، وقد أكثَر النَّبيُّ ﷺ هَديَ التطوُّعِ جدًّا، حتى بلَغ مَجموعُ هَديِه في حجَّتِه مِئةً من الإبِلِ (٧).
قال النَّوويُّ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّه يُستحبُّ لِمن قصَد مكةَ بحَجٍّ أو
стр. 3001
عُمرةٍ أنْ يُهديَ هَديًا من الأنعامِ، ويَنحرَه هُناكَ، ويُفرِّقَه على المَساكينِ المَوجودينَ في الحَرمِ، ويُستحبُّ أنْ يَكونَ ما يُهديه سَمينًا حَسنًا كامِلًا نَفيسًا (١).
ثالِثًا: الغُسلُ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على استِحبابِ الاغتِسالِ لِلأركانِ وغيرِها، كالإحرامِ بالحَجِّ، والوُقوفِ بعَرفةَ، ودُخولِ مكةَ، والطَّوافِ (٢)، واستدَلُّوا على استِحبابِ الاغتِسالِ لِلإحرامِ بحَديثِ زَيدِ بنِ ثابتٍ ﵁: «أنَّه رَأى النَّبيَّ ﷺ تَجرَّدَ لِإهلالِه واغتَسَل» (٣)، ولغيرِ ذلك من الأدلَّةِ، ولأنَّ هذه العِبادةَ يَجتمِعُ لها الناسُ، فسُنَّ لها الاغتِسالُ، كالجُمُعةِ.
واستدَلُّوا على استِحبابِ الاغتِسالِ للوُقوفِ بعَرفةَ بحَديثِ جَعفَرِ بنِ مُحمدٍ، عن أبيه: «أنَّ عَليًّا ﵁ كان يَغتَسلُ يومَ العيدِ ويومَ الجُمُعةِ ويومَ عَرفةَ، وإذا أرادَ أنْ يُحرِمَ» (٤).
وعن زاذانَ قال: «سأَل رَجلٌ عَليًّا ﵁ عن الغُسلِ، فقال: اغتَسِلْ كلَّ يَومٍ إنْ شئتَ، فقال: لا، الغُسلُ الذي هو الغُسلُ، قال: يومَ الجُمُعةِ، ويومَ عَرفةَ، ويومَ النَّحرِ، ويومَ الفِطرِ» (٥).
وأمَّا دُخولُ مكةَ فلحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّه كان لا يَقدَمُ مكةَ
стр. 3002
إلا باتَ بذي طَوًى حتى يُصبحَ ويَغتَسلَ ثم يَدخلَ مكةَ نَهارًا، ويَذكرُ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه فعَله» (١).
واستحَبَّ العُلماءُ الغُسلَ عندَ المَبيتِ بمُزدَلفةَ، وعندَ رَميِ الجِمارِ، وعندَ طَوافِ الزِّيارةِ، وطَوافِ الوَداعِ؛ لأنَّها أنساكٌ يَجتمِعُ لها الناسُ، ويَزدحِمونَ فيَعرَقونَ؛ فيُؤذي بعضُهم بعضًا، فاستُحبَّ لها الغُسلُ، كالجُمُعةِ (٢).
رابِعًا: التَّعجيلُ بطَوافِ الإفاضةِ:
قال النَّوويُّ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه يُستحبُّ فِعلُه يومَ النَّحرِ بعدَ الرَّميِ والنَّحرِ والحَلقِ، فإنْ أخَّره عنه وفعَله في أيامِ التَّشريقِ أجزَأه، ولا دَمَ عليه بالإجماعِ (٣).
واستدَلُّوا على استِحبابِ ذلك بحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ أفاضَ يومَ النَّحرِ» (٤).
خامِسًا: الإكثارُ من الدُّعاءِ والتَّلبيةِ والأذكارِ المُتكرِّرةِ في الأحوالِ:
كالأدعيةِ المَأثورةِ في المَناسكِ، ولا سيَّما وُقوفَ عَرفةَ (٥).
стр. 3003
مَمنوعاتُ الحَجِّ:
مَمنوعاتُ الحَجِّ أقسامٌ: مَكروهاتٌ، ومُحرَّماتٌ، ومُفسِداتٌ:
أمَّا المَكروهاتُ: فهي تَركُ سُنَّةٍ من سُننِ الحَجِّ.
وأمَّا المُحرَّماتُ: فيَدخلُ فيها تَركُ الواجباتِ، ويَأثمُ مَنْ ارتكَبه بغيرِ عُذرٍ، ولُزومُ الفِداءِ به.
أمَّا المُفسِداتُ وسائرُ مُحرَّماتِ الحَجِّ فإنَّها مُتعلِّقةٌ بالإحرامِ، لا تَختصُّ بالحَجِّ، وهي على التَّفصيلِ الآتي:
مَحظوراتُ الإحرامِ:
أولاً: المَحظوراتُ من اللِّباسِ:
يَختلِفُ تَحريمُ المَلبسِ في حقِّ الرِّجالِ عن تَحريمِ المَلبسِ في حقِّ النِّساءِ.
أ- مَحظوراتُ الإحرامِ في المَلبسِ في حقِّ الرِّجالِ:
ضابِطُ هذه المَحظوراتِ أنَّه لا يَحلُّ للرَّجُلِ المُحرِمِ أنْ يَستُرَ جِسمَه كلَّه أو بعضَه أو عُضوًا منه بشيءٍ من اللِّباسِ المَخيطِ أو المُحيطِ كالثِّيابِ التي تُنسَجُ على هَيئةِ الجِسمِ قِطعةً واحِدةً دونَ خياطةٍ إذا لبِس ذلك الثَّوبَ، أو استعمَله في اللُّبسِ المُعتادِ له.
ويَستُرُ جِسمَه بما سِوى ذلك، فيَلبَسُ رِداءً يَلُفُّه على نصفِه العُلويِّ، وإزارًا يَلُفُّه على بقِيةِ جِسمِه أو ما أشبَهَ ذلك.
стр. 3004
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من لُبسِ القَميصِ والعِمامةِ والسَّراويلِ والخُمُرِ والخِفافِ (١).
وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يَجوزُ للمُحرِمِ أنْ يَلبَسَ المَخيطَ كلَّه، ولا يَجوزُ له لُبسُ القَميصِ ولا السَّراويلِ ولا يَجوزُ له لُبسُ العِمامةِ ولا القَلنسُوةِ ولا القِباءِ ولا الخُفَّين إلا ألَّا يَجدَ النَّعلَين (٢).
والأصلُ في هذا ما رَوى ابنُ عُمرَ ﵁: «أنَّ رَجلًا سأَل رَسولَ اللهِ ﷺ ما يَلبَسُ المُحرِمُ من الثِّيابِ؟ فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : لا تَلبَسوا القُمصَ ولا العَمائمَ ولا السَّراويلاتِ ولا البَرانِسَ ولا الخِفافَ، إلا أحَدٌ لا يَجدُ النَّعلَينِ فليَلبَسُ الخُفَّينِ ولْيَقطعهُما أسفلَ من الكَعبَينِ، ولا تَلبَسوا من الثِّيابِ شيئًا مسَّه الزَّعفَرانُ ولا الوَرسُ» (٣).
فقد نصَّ النَّبيُّ ﷺ على هذه الأشياءِ، وألحَق بها أهلُ العِلمِ ما في معناها مثلَ الجُبةِ والدُّرَّاعةِ والثِّيابِ وأشباهِ ذلك، فليس للمُحرِمِ سَترُ بَدنه بما عمِل على قَدرِه، ولا سَترُ عُضوٍ من أعضائه بما عمِل على قَدرِه، كالقَميصِ للبَدنِ والسَّراويلِ لِبعضِ البَدنِ والقُفازَين لليَديْن، والخُفَّين للرِّجلَين، ونحوِ ذلك، وليس في هذا كلِّه اختِلافٌ.
стр. 3005
قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: لا يَجوزُ لِباسُ شيءٍ من المَخيطِ عندَ جميعِ أهلِ العِلمِ، وأجمَعوا على أنَّ المُرادَ بهذا الذُّكورُ دونَ النِّساءِ (١).
حُكمُ مَنْ لم يَجدْ إزارًا:
لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ على أنَّ للمُحرِمِ أنْ يَلبَسَ السَّراويلَ إذا لم يَجدِ الإزارَ؛ لحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «سمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَخطُبُ بعَرفاتٍ: مَنْ لم يَجدِ النَّعلَين فلْيلبَسِ الخُفَّين، ومَن لم يَجدْ إزارًا فلْيلبَسْ سَراويلَ» (٢).
إلا أنَّهم اختلَفوا هل عليه فِديةٌ أو لا؟
فذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا فِديةَ عليه؛ لحَديثِ ابنِ عَباسٍ السابقِ، وهو صَريحٌ في الإجابةِ، ظاهِرٌ في إسقاطِ الفِديةِ؛ لأنَّه أمْرٌ بلُبسِه، ولم يَذكُر فِديةً، ولأنَّه يَختَصُّ لُبسُه بحالةِ عَدمِ غيرِه، فلم تَجبْ به فِديةٌ.
وفصَّل الحَنفيةُ: فأجازوا لُبسَ السِّروالِ إذا كان غيرَ قابِلٍ لأنَّ يُشَقَّ ويُؤتزَرَ به، وألَّا يُفتَقَ ما حولَ السِّروالِ ما خَلا مَوضعَ التِّكةِ ويأتزِرَ به. ولو لَبِسه كما هو فعليه دَمٌ، إلا إنْ كان ضَيِّقًا غيرَ قابِلٍ، فيَكونُ عليه فِديةٌ يَتخيَّرُ فيها.
стр. 3006
وعندَ المالِكيةِ قَولانِ: قَولٌ يُجوِّزُ لُبسَ السَّراويلِ إذا لم يَجدِ الإزارَ ويَفتدي، وقَولٌ لا يُجوِّزُ ولو لم يَجدِ الإزارَ (١).
لُبسُ الخُفَّيْن ونحوِهما:
لا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ على أنَّ للمُحرِمِ أنْ يَلبَسَ خُفَّينِ إذا لم يَجدْ نَعلَين؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «مَنْ لم يَجدْ نَعلَينِ فلْيلبَسِ الخُفَّينِ» (٢).
إلا أنَّهم اختلَفوا؛ هل يَلزمُه أنْ يَقطَعَ الخُفَّين أسفلَ من الكَعبَين ويَلبَسَهما أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَلزمُه ذلك، فإنْ لبِسهما من غيرِ قَطعٍ افتَدى.
لحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ السابقِ، وفيه قولُ النَّبيِّ ﷺ : «فمَن لم يَجدْ نَعلَين فلْيلبَسِ الخُفَّينِ ولْيَقطعْهما حتى يَكونا أسفلَ من الكَعبَينِ» (٣).
وذهَب الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ من لبِس الخُفَّين لعَدمِ النَّعلَين لم يَلزمْه قَطعُهما؛ لحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ قال: «سمِعتُ النَّبيَّ
стр. 3007
ﷺ يَخطُبُ بعَرفاتٍ: مَنْ لَم يَجدِ النَّعلَينِ فلْيلبَسِ الخُفَّينِ» (١).
قالوا: إنَّ حَديثَ ابنِ عُمرَ قاله النَّبيُّ ﷺ بالمَدينةِ لرَوايةِ أحمدَ عنه: «سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ على هذا المِنبرِ» (٢)، فذكَره، وحَديثَ ابنِ عَباسٍ بعَرفاتٍ، فلو كان القَطعُ واجبًا لبيَّنه للجَمعِ العَظيمِ الذي لم يَحضُرْ أكثرُهم ذلك بالمَدينةِ.
وحمَل الجُمهورُ المُطلقَ في حَديثِ ابنِ عَباسٍ على المُقيَّدِ في حَديثِ ابنِ عُمرَ: «مَنْ لم يَجدْ نَعلَين فلْيلبَسِ الخُفَّين ولْيَقطعْهما» (٣).
سَترُ الرَّأسِ والاستِظلالُ:
اتَّفَق العُلماءُ على تَحريمِ سَترِ المُحرِمِ رَأسَه أو بعضَه، أخذًا من تَحريمِ لُبسِ العَمائمِ والبَرانِسِ السابقِ في قولِ النَّبيِّ ﷺ ، ثم اختلَفوا فيما إذا وضَع حِملًا على رَأسِه:
فقال الحَنفيةُ والحَنابلةُ: يَحرمُ إنْ كان يُقصَدُ به التَّغطيةُ بحَسَبِ العادةِ، كما لو حمَل على رَأسِه ثيابًا، فإنَّه يَكونُ تَغطيةً، وإنْ كان ممَّا لا يُقصَدُ به تَغطيةُ الرَّأسِ عادةً لا يَحرمُ، كحَملِ طَبقٍ أو قَصعةٍ، أو طاسةٍ، قَصدَ بها السَّترَ؛ لأنَّها ليست ممَّا يُقصَدُ بها السَّترُ في الأغلَبِ، فصارَ كوَضعِ اليَدِ.
стр. 3008
وقال الشافِعيةُ في المَذهبِ: إنْ وضَع على رَأسِه حِملًا جازَ، ولا فِديةَ عليه؛ لأنَّه لا يُقصَدُ به السَّترُ كما لا يُمنعُ المُحدِثُ من حَملِ المُصحفِ في مَتاعٍ.
وأمَّا المالِكيةُ فقالوا: يَجوزُ للمُحرِمِ أنْ يَحملَ على رَأسِه ما لا بدَّ منه من خُرجِه وجِرابِه، وغيرِه، والحالُ أنَّه لا يَجدُ مَنْ يَحملُ خُرجَه مَثلًا لا بأُجرةٍ ولا بغيرِها.
فإنْ حمَل لغيرِه أو لِلتِّجارةِ فالفِديةُ، وقال أشهَبُ: إلا أنْ يَكونَ عَيشُه ذلك. أي: إلا أنْ يَكونَ ما ذكَر من الحَملِ للغيرِ أو للتِّجارةِ لعَيشِه، وهو مُعتمدُ المَذهبِ المالِكي.
أمَّا التَّظلُّلُ بما لا يَمسُّ الرَّأسَ وهو ثابِتٌ في أصلٍ تابِعٍ له فجائزٌ اتِّفاقًا، كسَقفِ الخَيمةِ والبَيتِ من داخلِهما، أو التَّظلُّلُ بظِلِّهما من الخارِجِ، أو التَّظلُّلُ بشَجرةٍ.
والأصلُ في ذلك حَديثُ جابرٍ ﵁ قال في حَجةِ النَّبيِّ ﷺ : «وأمَر بقُبةٍ من شَعَرٍ تُضرَبُ له بنَمِرةَ … حتَّى أتَى عَرفةَ فوجَد القُبةَ قَدْ ضُربَت له بنَمِرةَ، فنزَل بها حتى إذا زاغَت الشَّمسُ» (١).
وإنْ نزَل تحتَ شَجَرةٍ فلا بَأسَ أنْ يَطرَحَ عليها ثَوبًا يَستظِلُّ به عندَ جميعِ أهلِ العِلمِ.
стр. 3009
وإنْ تظلَّل بنحوِ ثَوبٍ يُجعلُ على عَصًا أو على أعوادٍ (مِظَلةٍ) أو بشيءٍ يَرفَعُه على رَأسِه من الشَّمسِ أو الرِّيحِ فجائزٌ عندَ الجُمهورِ الحَنفيةِ والشافِعيةِ والحَنابلةِ والمالِكيةِ في قَولٍ؛ لِما رَوتْ أمُّ الحُصينِ ﵂ قالت: «حَجَجتُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ حَجةَ الوَداعِ فرَأيتُ أُسامةَ وبِلالًا وأحدُهما آخِذٌ بخِطامِ ناقةِ النَّبيِّ ﷺ والآخَرُ رافِعٌ ثَوبَه يَسترُه من الحرِّ حتى رمَى جَمرةَ العَقَبةِ» (١).
ولأنَّ ما حلَّ للحَلالِ حلَّ للمُحرِمِ إلا ما قامَ على تَحريمِه دَليلٌ، ولأنَّ ذلك لا يُقصَدُ به الاستِدامةُ، فلم يَكنْ به بَأسٌ، كالاستِظلالِ بحائطٍ (٢).
سَترُ الوَجهِ:
اختلَف الفُقهاءُ في المُحرِمِ هل يَحرمُ عليه أنْ يُغطِّيَ وَجهَه أو لا؟
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَحرمُ عليه ذلك لحَديثِ ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّ رَجلًا أوقَصَتْه راحِلتُه وهو مُحرِمٌ فقال النَّبيُّ
стр. 3010
ﷺ : «اغسِلوه بماءٍ وسِدرٍ وكفِّنوه في ثَوبَيه ولا تُخمِّروا وَجهَه ولا رَأسَه؛ فإنَّه يُبعَثُ يومَ القيامةِ مُلبِّيًا» (١)، ولأنَّه مُحرَّمٌ على المَرأةِ مع أنَّ في الكَشفِ فِتنةً، فالرَّجلُ بطَريقِ الأوْلى.
وعن ابنِ عُمرَ ﵄ أنَّه كان يَقولُ: «ما فَوقَ الذَّقنِ من الرَّأسِ فلا يُخمِّرْه المُحرِمُ» (٢).
وذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَحرمُ عليه سَترُ وَجهِه ولا فِديةَ عليه إنْ ستَره.
واحتَجُّوا على ذلك بما ورَد أنَّ عُثمانَ بنَ عَفذانَ وزَيدَ بنَ ثابِتٍ ومَروانَ بنَ الحَكمِ كانوا يُخمِّرونَ وُجوهَهم وهُم حُرمٌ.
قال النَّوويُّ ﵀: رَوى مالكٌ والبَيهَقيُّ بالإسنادِ الصَّحيحِ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بَكرٍ عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ رَبيعةَ قال: «رَأيتُ عُثمانَ بنَ عَفذانَ بالعَرجِ وهو مُحرِمٌ في يَومٍ صائفٍ قَدْ غطَّى وَجهَه بقَطيفةِ أُرجوانٍ» (٣).
والجَوابُ عن حَديثِ ابنِ عَباسٍ أنَّه إنَّما نَهى عن تَغطيةِ وَجهِه لصَيانةِ رَأسِه، لا لقَصدِ كَشفِ وَجهِه، فإنَّهم لو غطَّوا وَجهَه لم يُؤمَنْ أنْ يُغطُّوا رَأسَه، ولا بدَّ من تَأويلِه؛ لأنَّ مالِكًا وأبا حَنيفةَ يَقولانِ: لا يُمتنَعُ من سَترِ
стр. 3011
رَأسِ المَيِّتِ ووَجهِه، وكان الشافِعيُّ ومُوافِقوه يَقولونَ: يُباحُ سَترُ الوَجهِ دونَ الرَّأسِ، فتعيَّن تأويلُ الحَديثِ.
وأمَّا قولُ ابنِ عُمرَ فمُعارَضٌ بفِعلِ عُثمانَ ومُوافِقيه، واللهُ أعلمُ (١).
لُبسُ القُفازَين:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّه يَحرمُ على الرَّجلِ أنْ يَلبَسَ القُفازَين.
قال النَّوويُّ ﵀: يَحرمُ على الرَّجُلِ لُبسُ القُفازَين بلا خِلافٍ (٢).
ب- مَحظوراتُ الإحرامِ من المَلبَسِ في حقِّ النِّساءِ:
يَنحصِرُ مَحظورُ الإحرامِ من المَلبَسِ في حقِّ النِّساءِ في أمرَين فقط، هُما: الوَجهُ واليَدانِ، نُفصِّلُ بَحثَهما فيما يلي:
سَترُ الوَجهِ:
اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ المُحرِمةَ يَحرمُ عليها أنْ تَلبَسَ النِّقابَ في إحرامِها؛ لقولِه ﷺ : «لا تَنتَقِبُ المَرأةُ المُحرِمةُ ولا تَلبَسُ القُفَّازَينِ» (٣)، وحُكم البُرقَعِ كالنِّقابِ، وإذا أرادَت أنْ تَستُرَ وَجهَها لمُرورِ
стр. 3012
الرِّجالِ قَريبًا مِنها جازَ لها ذلك اتِّفاقًا، بأنْ تُسدِلَ الثَّوبَ من فوقِ رَأسِها على وَجهِها، وذلك لِما رُوي عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «كانَ الرُّكبانُ يَمرُّونَ بنا ونَحنُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ مُحرِماتٌ، فإذا حاذَوا بنا أسدَلتْ إحدانا جِلبابَها من رَأسِها على وَجهِها، فإذا جاوَزنا كشَفْناه» (١)، ولأنَّ بالمَرأةِ حاجةً إلى سَترِ وَجهِها فلم يَحرُمْ عليها سَترُه على الإطلاقِ، كالعَورةِ.
واشترَط الحَنفيةُ والشافِعيةُ والقاضي من الحَنابلةِ أنْ يَكونَ الثَّوبُ مُتجافيًا عن وَجهِها بحيثُ لا يُصيبُ البشَرةَ، كأنْ تضَع على رَأسِها الساتِرَ، خَشَبةً أو شيئًا يُبعِدُ الساتِرَ عن مُلامَسةِ وَجهِها، فإنْ وقَعت الخَشبةُ فأصابَتِ الثَّوبَ بغيرِ اختيارِها ورفَعته في الحالِ فلا فِديةَ، وإنْ كان عَمدًا أو استدامَتْه لزِمتها الفِديةُ.
وأجازَ لها المالِكيةُ أنْ تَستُرَ وَجهَها إذا قصَدت السَّترَ عن أعيُنِ الناسِ بثَوبٍ تُسدِلُه من فوقِ رَأسِها دونَ رَبطٍ ولا غَرزٍ بإبرةٍ أو نحوِها ممَّا يُغرَزُ به.
أمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ: ولم أرَ هذا الشَّرطَ -أي: الذي ذكَره القاضي- عن أحمدَ، ولا هو في الخَبرِ، مع أنَّ الظاهِرَ خِلافُه، فإنَّ الثَّوبَ المُسدَلَ لا يَكادُ يَسلَمُ من إصابةِ البشَرةِ (٢).
стр. 3013
لُبسُ القُفازَين:
اختلَف الفُقهاءُ في المَرأةِ هل يَجوزُ لها لُبسُ القُفازَين في الإحرامِ أو لا يَجوزُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في الأصحِّ إلى أنَّه يَحرمُ على المَرأةِ المُحرِمةِ لُبسُ القُفازَين؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «لا تَنتقِبُ المَرأةُ المُحرِمةُ ولا تَلبَسُ القُفازَين» (١).
وعن ابنِ عُمرَ أيضًا: «أنَّه سمِع رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى النِّساءَ في إحرامِهنَّ عن القُفازَينِ والنِّقابِ» (٢)، ولأنَّ الرَّجلَ لمَّا وجَب عليه كَشفُ رَأسِه تعلَّق حُكمُ إحرامِه بغيرِه؛ فمُنع من لُبسِ المَخيطِ في سائرِ بَدنه، كذلك المَرأةُ لمَّا لزِمها كَشفُ وَجهِها يَنبَغي أنْ يَتعلَّقَ حُكمُ الإحرامِ بغيرِ ذلك البعضِ، وهو اليَدانِ، فإنْ لبِسَته لزِمها الفِديةُ.
قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأيضًا فإنَّ حقَّ المُحرِمِ ألَّا يَلبَسَ شيئًا من اللِّباسِ المُصنَّعِ للبَدنِ، لكنْ رُخِّص للمَرأةِ أنْ تَلبَسَ ما تَدعو إليه الحاجةُ؛ لأنَّها عَورةٌ.
стр. 3014
ولا حاجةَ بها إلى أنْ تَستُرَ يدَها بذلك؛ لأنَّ سَترَها يَحصلُ بالكُمِّ وبإدخالِها في العِبِّ، ونحوِ ذلك، فلا حاجةَ إلى صُنعِ القُفازِ ونحوِه، كبَدنِ الرَّجلِ لمَّا أمكَن سَترُه بالرِّداءِ ونحوِه لم يَجزْ سَترُه بالقَميصِ (١).
وذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لها لُبسُ القُفازَينِ وغيرِهما لِما رُوي أنَّ سَعدَ بنَ أبي وقاصٍ ﵁: «كانَ يُلبِسُ بَناتِه وهنَّ مُحرِماتٌ القُفازَينِ» (٢).
ولأنَّ لُبسَ القُفازَينِ ليس إلا تَغطيةَ يَديْها بالمَخيطِ، وهي غيرُ مَمنوعةٍ من ذلك، فإنَّ لها أنْ تُغطِّيَهما بقَميصِها، وإنْ كان مَخيطًا، فكذا بمَخيطٍ آخرَ، وبخِلافِ وَجهِها.
وقولُه ﷺ : «ولا تَلبَسُ القُفازَيْنِ» نَهْيُ نَدبٍ، جَمْعًا بينَ الدَّلائلِ بقَدرِ الإمكانِ (٣).
المُحَرَّماتُ المُتعلِّقةُ ببَدن المُحرمِ:
ضابِطُ هذه المَحظوراتِ كلُّ شيءٍ يَرجعُ إلى تَطيُّبِ الجِسمِ أو إزالةِ الشَّعثِ، أو قَضاءِ التَّفثِ.
стр. 3015
والدَّليلُ على تَحريمِها قولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومن السُّنةِ قولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَلبَسُ المُحرِمُ ثَوبًا مسَّه زَعفَرانٌ ولا وَرسٌ» (١)، فتَحرُمُ الأشياءُ الآتيةُ:
أ- حَلقُ الرَّأسِ.
ب- إزالةُ الشَّعرِ من أيِّ مَوضعٍ من الجِسمِ.
ج- قَصُّ الظُّفرِ.
د- الادِّهانُ.
هـ- التَّطيُّبُ.
تَفصيلُ أحكامِ هذه المَحظوراتِ:
أولاً: حَلقُ الرَّأسِ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من أخذِ شَعرِه إلا من عُذرٍ، وممَّن نقَل الإجماعَ ابنُ المُنذرِ وابنُ قُدامةَ (٢).
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من حَلقِ رَأسِه وجَزِّه وإتلافِه بجَزِّه أو نَورةٍ وغيرِ ذلك (٣).