رَأسِ المَيِّتِ ووَجهِه، وكان الشافِعيُّ ومُوافِقوه يَقولونَ: يُباحُ سَترُ الوَجهِ دونَ الرَّأسِ، فتعيَّن تأويلُ الحَديثِ.
وأمَّا قولُ ابنِ عُمرَ فمُعارَضٌ بفِعلِ عُثمانَ ومُوافِقيه، واللهُ أعلمُ (١).
لُبسُ القُفازَين:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّه يَحرمُ على الرَّجلِ أنْ يَلبَسَ القُفازَين.
قال النَّوويُّ ﵀: يَحرمُ على الرَّجُلِ لُبسُ القُفازَين بلا خِلافٍ (٢).
ب- مَحظوراتُ الإحرامِ من المَلبَسِ في حقِّ النِّساءِ:
يَنحصِرُ مَحظورُ الإحرامِ من المَلبَسِ في حقِّ النِّساءِ في أمرَين فقط، هُما: الوَجهُ واليَدانِ، نُفصِّلُ بَحثَهما فيما يلي:
سَترُ الوَجهِ:
اتَّفَق أهلُ العِلمِ على أنَّ المَرأةَ المُحرِمةَ يَحرمُ عليها أنْ تَلبَسَ النِّقابَ في إحرامِها؛ لقولِه ﷺ : «لا تَنتَقِبُ المَرأةُ المُحرِمةُ ولا تَلبَسُ القُفَّازَينِ» (٣)، وحُكم البُرقَعِ كالنِّقابِ، وإذا أرادَت أنْ تَستُرَ وَجهَها لمُرورِ
стр. 3012
الرِّجالِ قَريبًا مِنها جازَ لها ذلك اتِّفاقًا، بأنْ تُسدِلَ الثَّوبَ من فوقِ رَأسِها على وَجهِها، وذلك لِما رُوي عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «كانَ الرُّكبانُ يَمرُّونَ بنا ونَحنُ مع رَسولِ اللهِ ﷺ مُحرِماتٌ، فإذا حاذَوا بنا أسدَلتْ إحدانا جِلبابَها من رَأسِها على وَجهِها، فإذا جاوَزنا كشَفْناه» (١)، ولأنَّ بالمَرأةِ حاجةً إلى سَترِ وَجهِها فلم يَحرُمْ عليها سَترُه على الإطلاقِ، كالعَورةِ.
واشترَط الحَنفيةُ والشافِعيةُ والقاضي من الحَنابلةِ أنْ يَكونَ الثَّوبُ مُتجافيًا عن وَجهِها بحيثُ لا يُصيبُ البشَرةَ، كأنْ تضَع على رَأسِها الساتِرَ، خَشَبةً أو شيئًا يُبعِدُ الساتِرَ عن مُلامَسةِ وَجهِها، فإنْ وقَعت الخَشبةُ فأصابَتِ الثَّوبَ بغيرِ اختيارِها ورفَعته في الحالِ فلا فِديةَ، وإنْ كان عَمدًا أو استدامَتْه لزِمتها الفِديةُ.
وأجازَ لها المالِكيةُ أنْ تَستُرَ وَجهَها إذا قصَدت السَّترَ عن أعيُنِ الناسِ بثَوبٍ تُسدِلُه من فوقِ رَأسِها دونَ رَبطٍ ولا غَرزٍ بإبرةٍ أو نحوِها ممَّا يُغرَزُ به.
أمَّا الحَنابلةُ فقالَ ابنُ قُدامةَ: ولم أرَ هذا الشَّرطَ -أي: الذي ذكَره القاضي- عن أحمدَ، ولا هو في الخَبرِ، مع أنَّ الظاهِرَ خِلافُه، فإنَّ الثَّوبَ المُسدَلَ لا يَكادُ يَسلَمُ من إصابةِ البشَرةِ (٢).
стр. 3013
لُبسُ القُفازَين:
اختلَف الفُقهاءُ في المَرأةِ هل يَجوزُ لها لُبسُ القُفازَين في الإحرامِ أو لا يَجوزُ؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والحَنابلةُ والشافِعيةُ في الأصحِّ إلى أنَّه يَحرمُ على المَرأةِ المُحرِمةِ لُبسُ القُفازَين؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄: «لا تَنتقِبُ المَرأةُ المُحرِمةُ ولا تَلبَسُ القُفازَين» (١).
وعن ابنِ عُمرَ أيضًا: «أنَّه سمِع رَسولَ اللهِ ﷺ نَهى النِّساءَ في إحرامِهنَّ عن القُفازَينِ والنِّقابِ» (٢)، ولأنَّ الرَّجلَ لمَّا وجَب عليه كَشفُ رَأسِه تعلَّق حُكمُ إحرامِه بغيرِه؛ فمُنع من لُبسِ المَخيطِ في سائرِ بَدنه، كذلك المَرأةُ لمَّا لزِمها كَشفُ وَجهِها يَنبَغي أنْ يَتعلَّقَ حُكمُ الإحرامِ بغيرِ ذلك البعضِ، وهو اليَدانِ، فإنْ لبِسَته لزِمها الفِديةُ.
قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وأيضًا فإنَّ حقَّ المُحرِمِ ألَّا يَلبَسَ شيئًا من اللِّباسِ المُصنَّعِ للبَدنِ، لكنْ رُخِّص للمَرأةِ أنْ تَلبَسَ ما تَدعو إليه الحاجةُ؛ لأنَّها عَورةٌ.
стр. 3014
ولا حاجةَ بها إلى أنْ تَستُرَ يدَها بذلك؛ لأنَّ سَترَها يَحصلُ بالكُمِّ وبإدخالِها في العِبِّ، ونحوِ ذلك، فلا حاجةَ إلى صُنعِ القُفازِ ونحوِه، كبَدنِ الرَّجلِ لمَّا أمكَن سَترُه بالرِّداءِ ونحوِه لم يَجزْ سَترُه بالقَميصِ (١).
وذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لها لُبسُ القُفازَينِ وغيرِهما لِما رُوي أنَّ سَعدَ بنَ أبي وقاصٍ ﵁: «كانَ يُلبِسُ بَناتِه وهنَّ مُحرِماتٌ القُفازَينِ» (٢).
ولأنَّ لُبسَ القُفازَينِ ليس إلا تَغطيةَ يَديْها بالمَخيطِ، وهي غيرُ مَمنوعةٍ من ذلك، فإنَّ لها أنْ تُغطِّيَهما بقَميصِها، وإنْ كان مَخيطًا، فكذا بمَخيطٍ آخرَ، وبخِلافِ وَجهِها.
وقولُه ﷺ : «ولا تَلبَسُ القُفازَيْنِ» نَهْيُ نَدبٍ، جَمْعًا بينَ الدَّلائلِ بقَدرِ الإمكانِ (٣).
المُحَرَّماتُ المُتعلِّقةُ ببَدن المُحرمِ:
ضابِطُ هذه المَحظوراتِ كلُّ شيءٍ يَرجعُ إلى تَطيُّبِ الجِسمِ أو إزالةِ الشَّعثِ، أو قَضاءِ التَّفثِ.
стр. 3015
والدَّليلُ على تَحريمِها قولُه تَعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومن السُّنةِ قولُ النَّبيِّ ﷺ : «لا يَلبَسُ المُحرِمُ ثَوبًا مسَّه زَعفَرانٌ ولا وَرسٌ» (١)، فتَحرُمُ الأشياءُ الآتيةُ:
أ- حَلقُ الرَّأسِ.
ب- إزالةُ الشَّعرِ من أيِّ مَوضعٍ من الجِسمِ.
ج- قَصُّ الظُّفرِ.
د- الادِّهانُ.
هـ- التَّطيُّبُ.
تَفصيلُ أحكامِ هذه المَحظوراتِ:
أولاً: حَلقُ الرَّأسِ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من أخذِ شَعرِه إلا من عُذرٍ، وممَّن نقَل الإجماعَ ابنُ المُنذرِ وابنُ قُدامةَ (٢).
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من حَلقِ رَأسِه وجَزِّه وإتلافِه بجَزِّه أو نَورةٍ وغيرِ ذلك (٣).
стр. 3016
والدَّليلُ على ذلك قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وعن كَعبِ بنِ عُجرةَ ﵁ قال: «أتَى عَليَّ النَّبيُّ ﷺ زمَن الحُدَيبيةِ والقَملُ يَتناثَرُ على وَجهي فقال: أيُؤذيكَ هَوامُّ رَأسِك؟ قلتُ: نَعمْ، قال: فاحلِقْ وصُمْ ثَلاثةَ أيامٍ أو أطعِمْ سِتةَ مَساكينَ أو انسُكْ نَسيكةً» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّ الحَلقَ كان قبلَ ذلك مُحرَّمًا (٢).
فمَن احتاجَ إلى حَلقِ رَأسِه -وهو مُحرِمٌ لمَرضٍ، أو صُداعٍ، أو لقَملٍ، أو لجُرحٍ به، أو نحوِ ذلك ممَّا يُؤذيه- فلْيَحلقْه، وعليه أحدُ ثَلاثةِ أشياءَ، هو مُخيَّرٌ في اختيارِ أيِّها شاءَ، لا بدَّ له من أحدِها.
إمَّا أنْ يَصومَ ثَلاثةَ أيامٍ، وإمَّا أنْ يُطعِمَ سِتةَ مَساكينَ، وإمَّا أنْ يُهديَ شاةً يَتصدَّقُ بها على المَساكينِ، أو يَصومَ، أو يُطعِمَ، أو يَنسُكَ الشاةَ في المَكانِ الذي حلَق فيه أو في غيرِه.
بُرهانُ ذلك: قولُ اللَّهِ : ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فكانَ في هذه الآيةِ التَّخييرُ في أيِّ هذه الثَّلاثةِ الأعمالِ أحَبَّ، وليس فيها بَيانُ كم يَصومُ ولا بكم يَتصدَّقُ، ولا بماذا يَنسُكُ، وفي الآيةِ أيضًا حَذفٌ بيَّنه الإجماعُ والسُّنةُ، وهو: فحلَقَ رَأسَه.
стр. 3017
وعن كَعبِ بنِ عُجرةَ في هذا الخَبرِ «أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قال لهُ: إنْ شئتَ فانسُكْ نَسيكةً، وإنْ شئتَ فصُمْ ثَلاثةَ أيامٍ، وإنْ شئتَ فأطعِمْ ثَلاثةَ آصُعٍ من تَمرٍ لسِتةِ مَساكينَ» (١).
ومِن طَريقِ مُسلمٍ عن كَعبِ بنِ عُجرةَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مرَّ به زمَن الحُدَيبيةِ فقال له: «آذاكَ هَوامُّ رَأسِك؟» قال: نَعمْ، فقال له النَّبيُّ ﷺ : «احلِقْ، ثم اذبَحْ شاةً نُسكًا، أو صُمْ ثَلاثةَ أيامٍ، أو أطعِمْ ثَلاثةَ آصُعٍ من تَمرٍ: على سِتةِ مَساكينَ» (٢).
هذا أكملُ الأحاديثِ وأبيَنُها، وقد جاء هذا الخَبرُ من طُرقٍ: في بعضِها: «أو نُسكِ ما تَيسَّر» (٣).
وبعضُها: «أو أطعِمْ سِتةَ مَساكينَ نِصفَ صاعٍ طَعامًا لكلِّ مِسكينٍ» (٤).
ورُوي أيضًا: «نصفَ صاعِ حِنطةٍ لكلِّ مِسكينٍ». وعن كَعبِ بنِ عُجرةَ عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ … فذكَر الحَديثَ؛ وفيه أنَّه ﵇ قال له: «هل عندَك نُسكٌ، قال: ما أقدِرُ عليه، فأمَره أنْ يَصومَ ثَلاثةَ أيامٍ، أو يُطعِمَ سِتةَ مَساكينَ، لكلِّ مِسكينٍ نصفُ صاعٍ» (٥).
стр. 3018
ثانيًا: إزالةُ الشَّعرِ من أيِّ مَوضعٍ من الجَسدِ:
يُحظَرُ على المُحرِمِ بالإجماعِ إزالةُ الشَّعرِ من أيِّ مَوضعٍ من الجَسدِ قياسًا على شَعرِ الرَّأسِ، بجامِعِ التَّرفُّه في كلٍّ منهما (١).
ثالِثًا: قَصُّ الظُّفرِ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من تَقليمِ أظفارِه إلا من عُذرٍ؛ لأنَّ قَطعَ الأظفارِ إزالةُ جُزءٍ يَترَفَّه به، فحرُم، كإزالةِ الشَّعرِ، فإنِ انكسَر فله إزالتُه من غيرِ فِديةٍ تَلزمُه.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من أخذِ أظفارِه، وأنَّ له أنْ يُزيلَ ظُفرَه بنَفسِه إذا انكسَر (٢)، ولأنَّ ما انكسَر يُؤذيه ويُؤلِمُه، فأشبَهَ الشَّعرَ النابِتَ في عَينِه، والصَّيدَ الصائلَ عليه، فإنْ قصَّ أكثرَ ممَّا انكسَر فعليه الفِديةُ لذلك الزَّائدِ (٣).
رابِعًا: الادِّهانُ:
الدُّهنُ مادَّةٌ دَسِمةٌ من أصلٍ حيَوانيٍّ أو نَباتيٍّ.
واختلَف الفُقهاءُ في الدُّهنِ غيرِ المُطيِّبِ، فذهَب الجُمهورُ -ما عَدا الإمامَ أحمدَ- على تَفصيلٍ بَينهم إلى حَظرِ استِعمالِ الدُّهنِ ولو كان غيرَ مُطيِّبٍ كالزَّيتِ في الرَّأسِ؛ لِما فيه من الترَفُّه والتَّزيُّنِ وتَحسينِ الشَّعرِ،
стр. 3019
وذلك يُنافي الشَأنَ الذي يَكونُ عليه المُحرِمُ من الشَّعثِ والغُبارِ افتِقارًا وتَذلُّلًا للهِ تَعالى.
وقد أورَدوا في الدُّهنِ وأشباهِه الاستِدلالَ بحَديثِ ابنِ عُمرَ ﵄ قال: «قامَ رَجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: من الحاجُّ يا رَسولَ اللهِ؟ قال: الشَّعِثُ التَّفِلُ» (١).
والشَّعِثُ: (بِكَسرِ العَينِ) الوَصفُ، (وبفَتحِها) المَصدرُ، ومَعناه: انتِشارُ الشَّعرِ وتَغبُّرُه لقِلةِ التَّعهُّدِ.
والتَّفِلُ: من التَّفلِ، وهو تَركُ الطِّيبِ حتى يُوجدَ منه رائحةٌ كَريهةٌ. فشمِل بذلك تَركَ الدُّهنِ، ولأنَّ استِعمالَ الدُّهنِ يُزيلُ هذه الصِّفةَ فيَكونُ مُحرَّمًا بعدَ الإحرامِ، أمَّا الدُّهنُ بالزَّيتِ في سائرِ الجَسدِ ما عَدا الرَّأسَ فجائزٌ بالاتِّفاقِ.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ للمُحرِمِ أنْ يَدهنَ بالزَّيتِ بَدنه ما خَلا رَأسَه (٢).
وقال الحَنفيةُ والمالِكيةُ: يُحظَرُ على المُحرِمِ استِعمالُ الدُّهنِ في رَأسِه ولحيَتِه وعامِّةِ بَدنِه؛ للحَديثِ السابقِ، فإنْ دهَن لزِمه الفِديةُ (٣).
стр. 3020
وقال الشافِعيةُ: يُحظَرُ دَهنُ شَعرِ الرَّأسِ للرَّجلِ والمَرأةِ، واللِّحيةِ وما أُلحِق بها كالشارِبِ والعَنفَقةِ فقط، حتى لو كان أصلعَ جازَ دَهنُ رَأسِه، وأمَّا إذا كانا مَحلوقَين فيُحظرُ دَهنُهما؛ لأنَّه يُزيِّنُهما إذا نبَتا، ولا يُحظَرُ ظاهِرًا كان أو باطِنًا.
ويُباحُ سائرُ شُعورِ بَدنه، ويُباحُ له أكلُ الدُّهنِ من غيرِ أنْ يُصيبَ اللِّحيةَ أو الشارِبَ أو العَنفَقةَ.
واستدَلُّوا بأنَّه ليسَ في الدُّهنِ طِيبٌ ولا تَزيُّنٌ، فلا يَحرمُ إلا فيما ذكَرنا؛ لأنَّ به يَحصلُ التَّزيُّنُ، وأنَّ الذي جاءَ به الشَّرعُ استِعمالُ الطِّيبِ، وهذا ليس منه، فلا يثبُتُ تَحريمُه (١).
وقال الحَنابلةُ على القولِ المُعتمدِ في إباحَتِه -أي: الدُّهنِ- في كلِّ البَدنِ: لا فِديةَ فيه سَواءٌ دهَن رَأسَه أو غيرَه، إلا أنْ يَكونَ مُطيَّبًا، ولأنَّ وُجوبَ الفِديةِ يَحتاجُ إلى دَليلٍ، ولا دَليلَ فيه من نَصٍّ ولا إجماعٍ، ولا يَصحُّ قياسُه على الطِّيبِ، فإنَّ الطِّيبَ يُوجِبُ الفِديةَ، وإنْ لم يَزلْ شَعِثًا، ويَستَوي فيه الرَّأسُ وغيرُه، والدُّهنُ بخِلافِه، ولأنَّه مائعٌ لا تَجبُ الفِديةُ باستِعمالِه في اليَديْن، فلم تَجبْ باستِعمالِه في الرَّأسِ، كالماءِ (٢).
стр. 3021
خامسًا: الطِّيبُ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من الطِّيبِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ في المُحرِمِ الذي وَقصَته راحِلتُه: «لا تَمسُّوه بطِيبٍ»، وفي لَفظٍ: «ولا تُحنِّطوهُ» متَّفقٌ عليه، فلمَّا مُنع الميِّتُ من الطِّيبِ لِإحرامِه فالحَيُّ أوْلى، ومَتى تَطيَّبَ فعليه الفِديةُ؛ لأنَّه استعمَل ما حرَّمه الإحرامُ، فوجَبت عليه الفِديةُ كاللِّباسِ.
ولا يَلبَسُ ثَوبًا مَسَّه رَوسٌ ولا زَعفَرانٌ ولا طِيبٌ بلا خِلافٍ بينَ أهلِ العِلمِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «ولا تَلبَسوا من الثِّيابِ شيئًا مسَّه الزَّعفَرانُ ولا الوَرسُ» متَّفقٌ عليه (١).
والرَّجلُ والمَرأةُ في ذلك سَواءٌ، قال النَّوويُّ ﵀: أجمَعت الأُمةُ على تَحريمِ لِباسِهما لكَونِهما طِيبًا، وألحَقوا بهما جميعَ أنواعِ ما يُقصَدُ به الطِّيبُ، وسَببُ تَحريمِ الطِّيبِ أنَّه داعيةٌ إلى الجِماعِ، ولأنَّه يُنافي تَذَلُّلَ الحاجِّ، فإنَّ الحاجَّ أشعَثُ أغبَرُ، وسَواءٌ في تَحريمِ الطِّيبِ الرَّجلُ والمَرأةُ، وكذا جميعُ مُحرَّماتِ الإحرامِ سِوى اللِّباسِ (٢).
وممَّن نقَل الإجماعَ على ذلك ابنُ المُنذرِ وابنُ عبدِ البرِّ وابنُ قُدامةَ وابنُ هُبيرةَ وابنُ بطَّالٍ وابنُ رُشدٍ، ﵏ (٣).
стр. 3022
شَمُّ الطِّيبِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ شمِّ الطِّيبِ للمُحرِمِ هل هو مَكروهٌ أو مُحرَّمٌ؟
فذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنه يُكرهُ شمُّ الطِّيبِ دونَ مَسِّه، فإنْ شمَّه فلا جَزاءَ عليه (١).
وذهَب الحَنابلةُ إلى أنَّه يَحرمُ عليه تَعمُّدُ شَمِّ الطِّيبِ، بأنْ يَجلِسَ عندَ العَطارينَ لذلك، أو يَدخلَ الكَعبةَ حالَ تَخميرِها ليَشَمَّ طِيبَها، أو يَحملَ معه عُقدةً فيها مِسكٌ لِيجدَ ريحَها، قال الإمامُ أحمدُ: سُبحانَ اللهِ، كيف يَجوزُ هَذا؟ فإنْ فعَل ذلك وجَبت عليه الفِديةُ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: لأنَّه شمَّ الطِّيبَ قاصِدًا مُبتَدئًا به في الإحرامِ فحرُم، كما لو باشَره، يُحقِّقُه أنَّ القَصدَ شَمُّه لا مُباشَرتُه، بدَليلِ ما لو مسَّ اليابِسَ الذي لا يَعلَقُ بيَدِه لم يَكنْ عليه شيءٌ، ولو رفَعه بخِرقةٍ وشَمَّه لَوجَبت عليه الفِديةُ، ولو لم يُباشِرْه، فأمَّا شَمُّه من غيرِ قَصدٍ، كالجالِسِ عندَ
стр. 3023
العَطارِ لحاجَتِه، وفي داخلِ السُّوقِ، أو في داخلِ الكَعبةِ للتَّبرُّكِ بها، ومن يَشتَري طِيبًا لنَفسِه وللتِّجارةِ ولا يَمَسُّه، فغيرُ مَمنوعٍ منه؛ لأنَّه لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ من هذا، فعُفيَ عنه، بخِلافِ الأولِ (١).
стр. 3024
فصل في أَحْكَام الصَّيْد والجِمَاع ودَوَاعِيه
الصَّيدُ وما يَتعلَّقُ به:
تَعريفُ الصَّيدِ لُغةً:
الصَّيدُ لُغةً: مَصدرٌ بمَعنى الاصطيادِ والقَنصِ، وبمَعنى المَصيدِ، وكلٌّ من المَعنَييْن داخِلٌ فيما يُحظَرُ بالإحرامِ.
تَعريفُ الصَّيدِ اصطِلاحًا:
الصَّيدُ عندَ الحَنفيةِ: هو الحَيوانُ البرِّيُّ المُمتنِعُ عن أخذِه بقَوائمِه أو جَناحَيه، المُتوحِّشُ في أصلِ الخِلقةِ (١).
وعندَ المالِكيةِ: هو الحَيوانُ البرِّيُّ المُتوحِّشُ في أصلِ الخِلقةِ (٢).
وعندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ: هو الحَيوانُ البرِّيُّ المُتوحِّشُّ المَأكولُ اللَّحمِ (٣).
стр. 3025
أدلَّةُ تَحريمِ الصَّيدِ وقَتلِه:
قد ثبَت تَحريمُ الصَّيدِ وقَتلُه على المُحرِمِ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ.
فأمَّا الكِتابُ:
فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: ٩٥]، وقولُه تَعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦].
وأمَّا السُّنةُ:
فمنها حَديثُ أبي قَتادةَ حينَ أحرَم أصحابُه ولم يُحرِمْ، ورَأى حِمارًا وحشيًّا. وفي الحَديثِ: «فَأسرَجتُ فرَسي وأخَذتُ رُمحي ثم ركِبتُ فسقَط مِنِّي سَوْطي، فقلتُ لِأصحابي -وكانوا مُحرِمينَ-: ناوِلوني السَّوطَ، فقالوا: واللهِ لا نُعينُكَ عليه بشيءٍ، فنزَلتُ فتَناولتُه ثم ركِبتُ».
وفي رِوايةٍ: «فنزَلوا فأكَلوا من لَحمِها، وقالوا: أنَأكلُ لَحمَ صَيدٍ ونحنُ مُحرِمونَ؟ فحمَلنا ما بقِي من لَحمِ الأَتانِ فلمَّا أتَوا رَسولَ اللهِ ﷺ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، إنا كُنا أحرَمنا، وقد كان أبو قَتادةَ لم يُحرِمْ، فرَأينا حُمرَ وَحشٍ فحمَل عليها أبو قَتادةَ فعقَر مِنها أَتانًا فنزَلنا فأكَلنا من لَحمِها، ثم قُلنا: أنَأكلُ لَحمَ صَيدٍ ونحنُ مُحرِمونَ؟! فحمَلنا ما بقِي من لَحمِها، قال: أمِنكم أحدٌ أمَره أنْ يَحملَ عليها أو أشارَ إلَيها؟ قالوا: لا، قال: فكُلوا ما بقِي من لَحمِها» (١).
стр. 3026
وهذا يَدلُّ على أنَّهم اعتَقَدوا تَحريمَ الدِّلالةِ عليه، وسُؤالُ النَّبيِّ ﷺ لَهم: «هَلْ مِنكم أحدٌ أمَره أنْ يَحملَ عليها أو أشارَ إلَيها؟» يَدلُّ على تَعليقِ التَّحريمِ بذلك لو وُجد منهم.
وأمَّا الإجماعُ:
فقد نقَل الإجماعَ على ذلك ابنُ رُشدٍ وابنُ قُدامةَ وابنُ هُبيرةَ والنَّوويُّ وغيرُهم.
قال النَّوويُّ ﵀: أجمعَت الأُمةُ على تَحريمِ الصَّيدِ في الإحرامِ، ودَلائلُه نصُّ الكِتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأُمَّةِ، قال أصحابُنا: يَحرمُ عليه كلُّ صَيدٍ برِّيٍّ مَأكولٍ أو في أصلِه مَأكولٌ، وَحشيًّا كان أو في أصلِه وَحشيٌّ، وهذا ضابِطُه، فأمَّا ما ليس بصَيدٍ كالبَقرِ والغَنمِ والإبِلِ والخَيلِ وغيرِها من الحَيوانِ الإنسيِّ فليس بحَرامٍ بالإجماعِ؛ لأنَّه ليسَ بصَيدٍ، وإنَّما حرَّم الشَّرعُ الصَّيدَ (١).
كما أجمَعوا على وُجوبِ الجَزاءِ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على وُجوبِ الجَزاءِ على المُحرِمِ بقَتلِ الصَّيدِ، ونصَّ اللهُ تَعالى عليه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] (٢).
стр. 3027
وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ قَتلَ المُحرِمِ للصَّيدِ عَمدًا أو خَطأً سَواءٌ في وُجوبِ الجَزاءِ (١)؛ لأنَّه ضَمانُ إتلافٍ استَوى عَمدُه وخَطؤُه، مثلَ مالِ الآدَميِّ.
لكنْ حَكى ابنُ قُدامةَ رِوايةً عن الإمامِ أحمدَ أنَّه لا كفَّارةَ عليه في الخَطأِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ فدَليلُ خِطابِه أنَّه لا جَزاءَ على الخَطأِ؛ لأنَّ الأصلَ بَراءةُ ذمَّتِه فلا يَشغَلُها إلا بدَليلٍ، ولأنَّه مَحظورٌ لِلإحرامِ لا يُفسِدُه، فيَجبُ التَّفريقُ بينَ خَطَئه وعَمدِه كاللُّبسِ والطِّيبِ (٢).
إباحةُ صَيدِ البَحرِ:
وأمَّا صَيدُ البَحرِ فحَلالٌ للحَلالِ والمُحرِمِ بالنصِّ والإجماعِ.
أمَّا النصُّ فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، قال ابنُ عَباسٍ: طَعامُه ما لَفَظَه، ولا فرقَ بينَ حَيوانِ البَحرِ المالِحِ وبينَ ما في الأنهارِ والعُيونِ، فإنَّ اسمَ البَحرِ يَتناولُ الكلَّ، قال اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [فاطر: ١٢]،
стр. 3028
ولأنَّ اللهَ تَعالى قابَله بصَيدِ البرِّ بقولِه: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ﴾، فدلَّ على أنَّ ما ليس من صَيدِ البرِّ فهو من صَيدِ البَحرِ.
وأمَّا الإجماعُ: فقد حَكى الإجماعَ على إباحةِ صَيدِ البَحرِ ابنُ المُنذرِ (١) وأبو بَكرٍ الجَصاصُّ (٢) وابنُ عبدِ البرِّ (٣) وابنُ رُشدٍ (٤) والنَّوويُّ (٥) وابنُ قُدامةَ (٦).
ما يُستَثنى من تَحريمِ قَتلِ الصَّيدِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على جوازِ قَتلِ الحَيواناتِ التاليةِ في الحِلِّ والحَرمِ للمُحرِمِ وغيرِه، سَواءٌ ابتَدَأتْ بأذًى أو لا، ولا جَزاءَ على مَنْ قتلَها، وهي: الغُرابُ والحِدَأةُ والعَقرَبُ والفَأرةُ والكَلبُ العَقورُ؛ لِما ورَد من الأحاديثِ في إباحةِ قَتلِها.
وممَّن نقَل الإجماعَ على ذلك ابنُ المُنذرِ وابنُ عبدِ البَرّ وابنُ رُشدٍ وابنُ قُدامةَ وغيرُهم.
والأصلُ في ذلك قولُه ﷺ : «خَمسٌ من الدَّوابِّ لا حرجَ
стр. 3029
على مَنْ قتَلهُنَّ: الغُرابُ والحِدَأةُ والفَأرةُ والعَقرَبُ والكَلبُ العَقورُ» (١). وغيرُ هذا الحَديثِ، وكذلك يَجوزُ قَتلُ كلِّ ما كان في مَعناها.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ السَّبُعَ إذا أذَى المُحرِمَ فقتَله فلا شيءَ عليه (٢).
الجِماعُ ودَواعيه:
أجمعَت الأُمةُ على تَحريمِ الجِماعِ في الإحرامِ، سَواءٌ كان الإحرامُ صَحيحًا أو فاسِدًا.
قال ابنُ المُنذرِ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ المُحرِمَ مَمنوعٌ من الجِماعِ، وعلى أنَّ مَنْ جامَع عامِدًا في حَجِّه قبلَ وُقوفِه بعَرفةَ عليه حَجٌّ في قابِلٍ والهَديُ (٣).
والأصلُ في ذلك قولُ اللهِ تَعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧].
قال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀: أجمَع عُلماءُ المُسلمينَ على أنَّ وَطءَ النِّساءِ على الحاجِّ حَرامٌ من حينِ يُحرِمُ حتى يَطوفَ طَوافَ الإفاضةِ، وذلك لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾، والرَّفثُ في هذا المَوضعِ الجِماعُ عندَ جُمهورِ أهلِ
стр. 3030
العِلمِ بتَأويلِ القُرآنِ، وقد قيلَ غيرُ ذلك، والصَّوابُ عندَهم ما ذكَرتُ لكَ في تَأويلِ الرَّفثِ في هذه الآيةِ.
وأجمَعوا على أنَّ من وطِئ قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ فقد فسَد حَجُّه، ومَن وطِئ من المُعتَمِرينَ قبلَ أنْ يَطوفَ بالبَيتِ ويَسعَى بينَ الصَّفا والمَروةَ فقد أفسَد عُمرتَه، وعليه قَضاءُ الحَجِّ والهَديُ قابِلًا، وقَضاءُ العُمرةِ والهَديِ في كلِّ وقتٍ يُمكِنُه فيه ذلك (١).
والأصلُ في هذا ما رُوي عن ابنِ عُمرَ: «أنَّ رَجلًا سأَله فقال: إنِّي وقَعتُ بامرَأتي ونَحنُ مُحرِمانِ، فقال: أفسَدتَ حجَّك، انطَلِقْ أنتَ وأهلُكَ مع الناسِ فاقضوا ما يَقضونَ، وحُلَّ إذا حَلُّوا، فإذا كان في العامِ المُقبلِ فاحجُجْ أنتَ وامرَأتُك وأهْدِيا هَديًا، فإنِ لم تَجِدا فصُوما ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةً إذا رجَعتُما» (٢).
وقال ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ المُحرِمَ إذا وطِئ عامِدًا في الفَرجِ فأنزَل أو لم يُنزِلْ قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ حَجُّهما قد فسَد، ويَمضيانِ في فاسدِه، وعليهما القَضاءُ، سَواءٌ كان الحَجُّ تطوُّعًا أو واجبًا، وكانت مُطاوِعةً أو مُكرَهةً.
стр. 3031
ثم اختلَفوا في الكَفارةِ: فقال أبو حَنيفةَ: يَجبُ عليه شاةٌ، وقال مالكٌ: عليه الهَديُ. وقال الشافِعيُّ وأحمدُ: عليه بَدنةٌ (١).
الجِماعُ ناسيًا:
اختلَف أهلُ العِلمِ في حُكمِ مَنْ جامَع ناسيًا وهو مُحرِمٌ هل يَفسُدُ به الحَجُّ أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ أبو حَنيفةَ ومالكٌ وأحمدُ والشافِعيُّ في القَديمِ إلى أنَّ العَمدَ والنِّسيانَ في ذلك سَواءٌ؛ لأنَّ الوَطءَ لا يَكادُ يَتطرَّقُ النِّسيانُ في ذلك إليه دونَ غيرِه؛ لوُجودِ المُذكِّرِ، وهو حالةُ الإحرامِ، ولأنَّ الجِماعَ مُفسِدٌ للحَجِّ دونَ غيرِه، فاستَوى عَمدُه وسَهوُه كالفَواتِ، بخِلافِ ما دونَه (٢).
وقال الشافِعيُّ في الجَديدِ: لا يَفسُدُ الحَجُّ ولا يَجبُ عليه شيءٌ مع النِّسيانِ والجَهلِ؛ لأنَّها عِبادةٌ يَجبُ بإفسادِها الكَفارةُ، فافترَق فيها وَطءُ العامدِ والناسي، كالصَّومِ (٣).
стр. 3032
مَنْ جامَع بعدَ الوُقوفِ بعَرفةَ وقبلَ التَّحلُّلِ الأولِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ من جامَع بعدَ الوُقوفِ بعَرفةَ وقبلَ التَّحلُّلِ فقد فسَد حَجُّه وعليه بَدنةٌ؛ لأنَّه وَطءٌ صادَف إحرامًا مُنعقِدًا، كالوَطءِ قبلَ الوُقوفِ، ولأنَّها عِبادةٌ يَلحَقُها الفَسادُ، فجازَ أنْ يَطرأَ عليها الفَسادُ من حينِ التَّلبُّسِ بها إلى حينِ الخُروجِ منها، كسائرِ العِباداتِ.
واستدَلُّوا على ذلك بما رُوي عن ابنِ عُمرَ: «أنَّ رَجلًا سأَله فقال: إنِّي وقَعتُ بامرَأتي ونحنُ مُحرِمانِ، فقال: أفسَدتَ حجَّك، انطَلِقْ أنتَ وأهلُك مع الناسِ فاقضوا ما يَقضونَ، وحُلَّ إذا حَلُّوا فإذا كان في العامِ المُقبلِ فاحجُجْ أنتَ وامرَأتُك وأهْدِيا هَديًا، فإنْ لم تَجِدا فصوما ثَلاثةَ أيامٍ في الحَجِّ وسَبعةً إذا رجَعتُما» (١).
ووَجهُ الاستِدلالِ: أنَّه ونحوَه ممَّا رُوي عن الصَّحابةِ مُطلقٌ في المُحرِمِ إذا جامَع، لا تَفصيلَ فيه بينَ قبلَ الوُقوفِ وبعدَه، فيَكونُ حُكمُهما واحِدًا، وهو الفَسادُ، ووُجوبُ الفِديةِ؛ ولأنَّ الجِماعَ إنَّما عُرِف مُفسِدًا للحَجِّ لكَونِه مُفسِدًا لِلإحرامِ، والإحرامُ بعدَ الوُقوفِ باقٍ لبَقاءِ رُكنِ الحَجِّ -وهو طَوافُ
стр. 3033
الزِّيارةِ-، ولا يُتصوَّرُ بَقاءُ الرُّكنِ بدونِ الإحرامِ، فصارَ الحالُ بعدَ الوُقوفِ كالحالِ قبلَه (١).
وذهَب الحَنفيةُ ومالكٌ في رِوايةٍ إلى أنَّ من جامَع بعدَ الوُقوفِ بعَرفةَ وقبلَ التَّحلُّلِ الأولِ حَجُّه تامٌّ، وعليه بَدنةٌ، قال الكاسانيُّ ﵀: لأنَّ الرُّكنَ الأصليَّ للحَجِّ هو الوُقوفُ بعَرفةَ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «الحَجُّ عَرفةُ» (٢)، أي: الوُقوفُ بعَرفةَ، فمَن وقَف بعَرفةَ فقد تمَّ حَجُّه، أخبَر عن تَمامِ الحَجِّ بالوُقوفِ، ومَعلومٌ أنَّه ليسَ المُرادُ منه التَّمامَ الذي هو ضدُّ النُّقصانِ لأنَّ ذا يثبُتُ بالوُقوفِ نَفسِه، فعُلم أنَّ المُرادَ منه خُروجُه عن احتِمال الفَسادِ والفَواتِ، ولأنَّ الوُقوفَ رَكنٌ مُستقِلٌّ بنَفسِه وُجودًا وصِحةً لا يَقِفُ وُجودُه وصِحتُه على الرُّكنِ الآخَرِ، وما وُجد ومَضى على الصِحةِ لا يَبطُلُ إلا بالرِّدَّةِ، ولم تُوجدْ، وإذا لم يَفسُدِ الماضي لا يَفسُدُ البقِيةُ؛ لأنَّ فَسادَه بفَسادِه، ولكنْ يَلزمُه بَدنةٌ (٣).
واستدَلُّوا على ذلك أيضًا بقولِ النَّبيِّ ﷺ في حَديثِ عُروةَ بنِ
стр. 3034
مُضرِّسِ الطائيِّ: «وقَد وقَف بعَرفةَ قبلَ ذلك لَيلًا أو نَهارًا فقَد أَتمَّ حجَّهُ وقضَى تَفَثَه» (١).
ووَجهُ الاستِدلالِ: أنَّ حَقيقةَ تَمامِ الحَجِّ المُتَبادِرةَ من الحَديثَين -أي: «الحَجُّ عَرفةُ»، و «فقدْ أَتمَّ حجَّهُ» - غيرُ مُرادةٍ لبَقاءِ طَوافِ الزِّيارةِ، وهو رُكنٌ إجماعًا، فتعيَّن القولُ بأنَّ الحَجَّ قد تمَّ حُكمًا، والتَّمامُ الحُكميُّ يَكونُ بالأمنِ من فَسادِ الحَجِّ بعدَه، فأفادَ الحَديثُ أنَّ الحَجَّ لا يَفسُدُ بعدَ عَرفةَ مهما صنَع المُحرِمُ (٢).
وإنَّما أوجَبنا البَدنةَ بما رُوي عن ابنِ عَباسٍ ﵄: «أنَّه سُئل عن رَجُلٍ وقَع على أهلِه وهو مُحرِمٌ وهو بمنًى قبلَ أنْ يُفيضَ، فأمَره أنْ يَنحرَ بَدنةً» (٣).
لو جامَع بعدَ التَّحلُّلِ الأولِ:
اتَّفَق الأئمَّةُ الأربَعةُ على أنَّ الجِماعَ بعدَ التَّحلُّلِ الأولِ لا يُفسِدُ الحَجَّ، وألحَق المالِكيةُ به الجِماعَ بعدَ طَوافِ الإفاضةِ ولو قبلَ الرَّميِ، والجِماعَ بعدَ يومِ النَّحرِ قبلَ الرَّميِ والإفاضةِ.
стр. 3035
إلا أنَّهم اختلَفوا في الجَزاءِ الواجبِ عليه.
فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجبُ عليه شاةٌ؛ لأنَّه وَطءٌ لم يُفسِدِ الحَجَّ، فلم يُوجِبِ البَدنةَ كالوَطءِ دونَ الفَرجِ إذا لم يُنزِلْ، ولأنَّ حُكمَ الإحرامِ خَفَّ بالتَّحلُّلِ الأولِ، فيَنبَغي أنْ يَكونَ مُوجِبُه دونَ مُوجِبِ الإحرامِ التامِّ.
وذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجبُ عليه بَدنةٌ؛ لأنَّه وطِئ في الحَجِّ، فوجَبت عليه بَدنةٌ، كما لو وطِئ قبلَ رَميِ جَمرةِ العَقَبةِ؛ ولقولِ ابنِ عَباسٍ السابقِ.
وعلَّله الباجيُّ بأنَّه لعِظَمِ الجَنابةِ على الإحرامِ.
وأوجَب الإمامُ مالكٌ والحَنابلةُ على مَنْ جامَع بعدَ التَّحلُّلِ الأولِ قبلَ الإفاضةِ أنْ يَخرجَ إلى الحِلِّ، ويَأتيَ بعُمرةٍ.
قال الباجيُّ ﵀: وذلك لأنَّه لما أدخَل النَّقصَ على طَوافِه لِلإفاضةِ بما أصابَ من الوَطءِ كان عليه أنْ يَقضيَه بطَوافٍ سالمٍ من ذلك النَّقصِ، ولا يَصلُحُ أنْ يَكونَ الطَّوافُ في إحرامٍ إلا في حَجٍّ أو عُمرةٍ (١)، ولم يُوجِبِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ ذلك (٢).
стр. 3036
أحكامٌ خاصَّةٌ بالحَجِّ:
حَجُّ المَرأةِ الحائضِ والنُّفَساءِ.
الحَجُّ عن الغيرِ.
الأولُ: حَجُّ المَرأةِ الحائضِ والنُّفَساءِ:
تَختَصُّ المَرأةُ دونَ الرَّجلِ بعدَّةِ أحكامٍ في الحَجِّ، بعضُها يَتعلَّقُ بالإحرامِ -كما سبَق-، وبعضُها يَتعلَّقُ بمَناسكِ الحَجِّ، وقد سبَقت في مَواضعِها.
أمَّا هُنا فنُبيِّنُ أحكامًا أُخرى مُهِمةً، هي أحكامُ حَجِّ الحائضِ والنُّفَساءِ، وله صُورٌ مُتعدِّدةٌ نُبيِّنُ حُكمَها فيما يلي:
أ- أنْ تُحرِمَ المَرأةُ بالحَجِّ مُفرِدةً أو قارِنةً، ثم يَمنعَها الحَيضُ أو النِّفاسُ من أداءِ الطَّوافِ، فإنَّها تَمكُثُ حتى تَقِفَ بعَرفةَ وتَأتيَ بجميعِ أعمالِ الحَجِّ فيما عدا الطَّوافَ والسَّعيَ، فإذا طهُرَت فإنْ كانت مُفرِدةً تَطوفُ طَوافًا واحِدًا وسَعيًا واحِدًا باتِّفاقٍ.
وإنْ كانت قارِنةً تَطوفُ طَوافَين وتَسعَى سَعيَين للحَجِّ والعُمرةِ عندَ الحَنفيةِ، وطَوافًا وسَعيًا واحِدًا عندَ الجُمهورِ -كما سبَق بَيانُه- ولا يَسقطُ عنها طَوافُ الوَداعِ في هاتَين الصُّورَتين اتِّفاقًا، ويَسقطُ عنها طَوافُ القُدومِ اتِّفاقًا، أمَّا عندَ الجُمهورِ فلأنَّه سُنةٌ فاتَ وقتُها، وأمَّا عندَ المالِكيةِ فلكَونِه عُذرًا يَسقطُ به، ولو كان واجبًا، أي أنْ يَزولَ المانِعُ ويَتَّسعَ الزَّمنُ لطَوافِ القُدومِ؛ فإنَّه حينَئذٍ يَجبُ عليها (١).
стр. 3037
ب- أنْ تُحرِمَ بالعُمرةِ ثم تَحيضَ أو تُنفَسَ قبلَ الوُقوفِ بعَرفةَ، ولا يتَّسعَ الوقتُ كي تَطهُرَ وتَعتمِرَ قبلَ الإحرامِ بالحَجِّ: ففي هذه الصُّورةِ قرَّر الحَنفيةُ أنَّها تُحرِمُ بالحَجِّ، أي تَنوي وتُلبِّي، وتُؤدِّي أعمالَ الحَجِّ كما ذكَرنا بالنِّسبةِ للمُفرِدةِ، وتُصبِحُ بهذا رافِضةً للعُمرةِ، أي مُلغيةً لها، وتُحتسَبُ تلك لها حَجةً فقط، فإذا أرادَت العُمرةَ تُهلُّ بها بعدَ الفَراغِ من أعمالِ الحَجِّ، وليس لها إردافُ الحَجِّ على العُمرةِ عندَهم كما سبَق.
واستدلَّ الحَنفيةُ على ذلك بما رَوى عُروةُ عن عائشةَ ﵂ قالت: «خرَجْنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ في حَجةِ الوَداعِ فأهلَلنا بعُمرةٍ … فقدِمتُ معه مكةَ وأنا حائضٌ، ولم أطُفْ بالبَيتِ ولا بينَ الصَّفا والمَروةِ، فشكَوتُ إلى رَسولِ اللهِ ﷺ فقال: انقُضي رَأسَكِ وامتَشِطي وأهِلِّي بالحَجِّ، ودَعي العُمرةَ، قالت: ففعَلتُ، فلَما قَضَينا الحَجَّ أرسَلَني رَسولُ اللهِ ﷺ مع عبدِ الرَّحمنِ بنِ أبي بَكرٍ الصِّديقِ إلى التَّنعيمِ فاعتمَرتُ، فقال: هذه مَكانَ عُمرتِكِ» (١)، وهذا يَدلُّ على أنَّها رفَضت عُمرتَها وأحرَمت بحَجٍّ من وُجوهٍ ثَلاثةٍ:
أحدُها: قولُه: «دَعي عُمرتَكِ»، والثاني: قولُه: «وامتَشِطي»، والثالِثُ: قولُه: «هَذِه مَكانَ عُمرتِكِ» (٢).
стр. 3038
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّها في هذه الحالةِ لا تُلغي العُمرةَ، بل تُحرِمُ بالحَجِّ مع عُمرتِها، وتُصبِحُ قارِنةً، فتُحسَبُ لها العُمرةُ، وقد كفى عنها طَوافُ الحَجِّ وسَعيُه تَبعًا لمَذهبِهم في طَوافِ القارِنِ وسَعيِه أنَّهما يُجزِئانِ عن الحَجِّ والعُمرةِ، وعليها هَديُ القِرانِ عندَهم، ولا يَسقطُ عنها طَوافُ الوَداعِ، واحتجُّوا على ذلك بما رَوى جابرٌ ﵁ قال: «وأقبَلتْ عائشةُ ﵂ بعُمرةٍ حتى إذا كنا بسَرِفَ عرَكت … ثم دخَل رَسولُ اللهِ ﷺ على عائشةَ ﵂ فوجَدها تَبكي فقال: ما شَأنُكِ؟ قالت: شَأني أنِّي قَدْ حِضتُ وقَد حلَّ الناسُ ولم أَحلِلْ ولم أطُفْ بالبَيتِ والناسُ يَذهَبونَ إلى الحَجِّ الآنَ. فقال: إنَّ هذا أمرٌ كتَبه اللهُ على بَناتِ آدمَ، فاغتَسِلي ثم أهِلِّي بالحَجِّ، ففعَلت ووقَفت المَواقفَ حتى إذا طهُرَت طافَت بالكَعبةِ والصَّفا والمَروةِ، ثم قال: قَدْ حَلَلتِ من حَجِّكِ وعُمرتِكِ جميعًا، فقالت: يا رَسولَ اللهِ، إنِّي أجِدُ في نَفسي أنِّي لم أطُفْ بالبَيتِ حتى حَجَجتُ، قال: فاذهَبْ بها يا عبدَ الرَّحمنِ فأعْمِرْها من التَّنعيمِ» (١).
ورَوى طاوُسٌ عن عائشةَ ﵂: «أنَّها أهلَّت بعُمرةٍ فقدِمت ولم تَطُفْ بالبَيتِ حتى حاضَت فنسَكتِ المَناسكَ كلَّها، وقَد أهلَّت بالحَجِّ، فقال لها النَّبيُّ ﷺ يومَ النَّفرِ: يَسعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمرتِكِ، فأبَتْ، فبعَث بها مع عبدِ الرَّحمنِ إلى التَّنعيمِ فاعتمَرت بعدَ الحَجِّ» (٢).
стр. 3039
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وهُما يَدلَّانِ على ما ذكَرنا جِميعِه، ولأنَّ إدخالَ الحَجِّ على العُمرةِ جائزٌ بالإجماعِ من غيرِ خَشيةِ الفَواتِ، فمع خَشيةِ الفَواتِ أوْلى.
قال ابنُ المُنذرِ: أجمَع كلُّ من نَحفَظُ عنه من أهلِ العِلمِ: أنَّ لِمن أهلَّ بعُمرةٍ أنْ يُدخلَ عليها الحَجَّ، ما لم يَفتتِحِ الطَّوافَ بالبَيتِ (١)، وقد أمَر النَّبيُّ ﷺ مَنْ كان معه هَديٌ في حَجةِ الوَداعِ أنْ يُهلَّ بالحَجِّ مع العُمرةِ، ومع إمكانِ الحَجِّ مع بَقاءِ العُمرةِ، ولا يَجوزُ رَفضُها؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] ولأنَّها مُتمكِّنةٌ من إتمامِ عُمرتِها بلا ضَررٍ، فلم يَجزْ رَفضُها كغيرِ الحائضِ، فأمَّا حَديثُ عُروةَ فإنَّ قولَه: «انقُضي رَأسَكِ وامتَشِطي ودَعي العُمرةَ»، قد انفَرد به عُروةُ وخالَف به سائرَ من رَوى عن عائشةَ حينَ حاضَت، وقد رُوي عن طاوُسٍ والقاسِمِ والأسوَدِ وعَمرةَ وعائشةَ، ولم يَذكُروا ذلك، وحَديثا جابرٍ وطاوُسٍ مُخالفانِ لِهذه الزِّيادةِ، وقد رَوى حَمادُ بنُ زَيدٍ عن هِشامِ بنِ عُروةَ عن أبيه عن عائشةَ حَديثَ حَيضِها، فقال فيه: حدَّثني غيرُ واحدٍ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال لها: «دَعي عُمرتَكِ وانقُضي رَأسَكِ وامتَشِطي»، وذكَر تَمامَ الحَديثِ، وهذا يَدلُّ على أنَّ عُروةَ لم يَسمَعْ هذه الزِّيادةَ عن عائشةَ، وهو مع ما ذكَرنا من مُخالفَتِه بقِيةَ الرُّواةِ يَدلُّ على الوَهمِ مع مُخالفَتِها الكِتابَ والأُصولَ، إذْ ليس لنا مَوضعٌ آخَرُ يَجوزُ فيه رَفضُ العُمرةِ مع إمكانِ إتمامِها، ويُحتمَلُ أنَّ
стр. 3040
قولَه: «دَعي العُمرةَ»، أي: دَعيها بحالِها وأهِلِّي بالحَجِّ معها، أو دَعي أفعالَ العُمرةِ؛ فإنَّها تَدخلُ في أفعالِ الحَجِّ (١).
وقال أبو عُمرَ بنُ عبدِ البرِّ ﵀: وأمَّا قولُها -أي: في حَديثِ عُروةَ- فشكَوتُ ذلك إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: «انقُضي رَأسَكِ وامتَشِطي وأهِلِّي بالحَجِّ ودَعي العُمرةَ»، فإنَّ جَماعةً من أصحابِنا وأصحابِ الشافِعيِّ تأوَّلوا في قولِه: «ودَعي العُمرةَ» أي: دَعي عَملَ العُمرةِ، يَعني الطَّوافَ بالبَيتِ والسَّعيَ بينَ الصَّفا والمَروةِ؛ لأنَّه ﷺ أمَرها برَفضِ العُمرةِ وإنشاءِ الحَجِّ كما زعَم الكُوفيُّونَ.
وذكَر ابنُ وَهبٍ عن مالكٍ أنَّه قال في حَديثِ عُروةَ عن عائشةَ هذا ليس عليه العَملُ عندَنا قَديمًا ولا حَديثًا، قال: وأظنُّه وَهمًا، قال أبو عُمرَ: يُريدُ مالكٌ أنَّه ليس عليه العَملُ في رَفضِ العُمرةِ؛ لأنَّ اللهَ قد أمَرنا بإتمامِ الحَجِّ والعُمرةِ لكلِّ من دخَل فيهما، والذي عليه العَملُ عندَ مالكٍ والشافِعيِّ وجُمهورِ أهلِ الحِجازِ في المُعتمِرةِ تأتيها حَيضَتُها قبلَ أنْ تَطوفَ بالبَيتِ وتَخشى فَوتَ عَرفةَ وهي حائضٌ لم تَطُفْ أنَّها تُهلُّ بالحَجِّ، وتَكونُ كمَن قرَن بينَ الحَجِّ والعُمرةِ ابتِداءً، وعليها هَديٌ القِرانِ ولا يَعرِفونَ رَفضَ العُمرةِ، ولا رَفضَ الحَجِّ لِأحَدٍ دخَل فيهما أو في أحدِهما (٢).
стр. 3041
ج- لو حاضَت في أيامِ النَّحرِ بعدَ أنْ مضَت عليها فَترةٌ تَصلُحُ للطَّوافِ فأخَّرت طَوافَ الإفاضةِ عن وقتِه بسَببِ الحَيضِ وجَب عليها دَمٌ بهذا التَّأخيرِ عندَ أبي حَنيفةَ.
أمَّا إذا حاضَت قبلَ يومِ النَّحرِ أو بعدَه بوقتٍ يَسيرٍ لا يَكفي للإفاضةِ، فتأخَّر طَوافُها عن وقتِه بسَببِ ذلك فلا جَزاءَ عليها ولا إثمَ.
ولا يُتصوَّرُ عندَ المالِكيةِ ذلك؛ لأنَّ وقتَ طَوافِ الإفاضةِ الواجبَ يَمتَدُّ عندَهم لِآخرِ ذي الحِجَّةِ، ولا عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّه لا وقتَ يَلزمُ الجَزاءُ بتأخيرِه عنه عندَهم كما سبَق بَيانُه.
وإذا خافَت الحائضُ أو النُّفَساءُ فَواتَ الرُّفقةِ أو مَواعيدِ السَّفرِ بانتِظارِ الطُّهرِ، ولم تَكنْ قد طافَت طَوافَ الإفاضةِ فإنَّها يَصحُّ طَوافُها عندَ الحَنفيةِ مع الكَراهةِ التَّحريميَّةِ؛ لأنَّ الطَّهارةَ له واجبةٌ وهي غيرُ طاهِرةٍ، وتَأثمُ وعليها بَدنةٌ.
وفي رِوايةٍ عندَ الحَنابلةِ يَجوزُ لها ذلك، قال المِرداويُّ ﵀: وعنه -أي: الإمامِ أحمدَ- يَصحُّ وتَجبُرُه بدَمٍ، وهو ظاهرُ كَلامِ القاضي، واختارَ الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ -أي: ابنُ تَيميَّةَ- جَوازَه لها عندَ الضَّرورةِ ولا دَمَ عليها (١).
стр. 3042
وهو قَولُ سحنُونٍ مِنْ المالِكيةِ، فقدْ قالَ الإمامُ القَرافِيُّ ﵀: وروَى سحنونٌ أنها -أي: الحائِض التي تَتأخرُ قافِلتُها لأجْلِها- تَطوفُ؛ للخِلافِ في اشتِراطِ الطهارةِ في الطَّوافِ، ولأنه يُستباحُ للضرورةِ كقِراءةِ القُرآنِ للحائضِ لضَرورةِ النِّسيانِ، وهاهُنا أعظَمُ (١).
أمَّا المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ فإنَّهم قالُوا: إنْ حاضَتِ المَرأةُ قبلَ طَوافِ الإفاضةِ فإنها تَبقَى على إحرامِها حتى تَطهُرَ ثم تَطوفَ، فإنْ طافَتْ وهي حائضٌ لم يَصحَّ طَوافُها؛ لحَديثِ عائشةَ ﵂ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لها لمَّا حاضَتْ: «افعَلِي ما يَفعلُ الحاجَّ غيرَ ألا تَطوفِي بالبَيتِ» (٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وفيهِ دَليلٌ على أنَّ الطوافَ لا يَصحُّ مِنْ الحائضِ، وهذا مُجمَعٌ عليهِ، لكنِ اختَلفُوا في علَّتِه على حَسبِ اختلافِهم في اشتراطِ الطهارةِ للطَّوافِ، فقالَ مالكٌ والشافعيُّ وأحمَدُ: هي شَرطٌ، وقالَ أبو حَنيفةَ: ليسَتْ بشَرطٍ، وبه قالَ داودُ، فمَن شرَطَ الطَّهارةَ قالَ: العلَّةُ في بُطلانِ طَوافِ الحائضِ عَدمُ الطهارةِ، ومَن لم يَشترطْها قالَ: العلَّةُ فيه كونُها مَمنوعةً مِنْ اللُّبثِ في المَسجدِ (٣).
د- إنْ حاضَت بعدَ الوُقوفِ وطَوافِ الزِّيارةِ، فإنَّها تُتمُّ أعمالَ الحَجِّ، ثم
стр. 3043
تَنصرِفُ ويَسقطُ عنها طَوافُ الوَداعِ اتِّفاقًا؛ لحَديثِ عائشةَ ﵂: «أنَّ صَفيَّةَ حاضَت، فأمَرها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تَنصرِفَ بلا وَداعٍ» (١)، ورَواه البُخاريُّ عن أبي سَلمةَ بنِ عبدِ الرَّحمنِ أنَّ عائشةَ ﵂ قالت: «حَجَجْنا مع النَّبيِّ ﷺ فأفَضْنا يومَ النَّحرِ، فحاضَت صَفيَّةُ فأرادَ النَّبيُّ ﷺ منها ما يُريدُ الرَّجلُ من أهلِه، فقلتُ: يا رَسولَ اللهِ إنَّها حائضٌ، قال: حابِسَتُنا هي؟ قالوا: يا رَسولَ اللهِ، أفاضَت يومَ النَّحرِ، قال: اخرُجوا» (٢).
وعن طاوُسٍ قال: «كُنْتُ مع ابنِ عَباسٍ إذ قال زَيدُ بنُ ثابِتٍ: تُفتي أنْ تَصدُرَ الحائضُ قبلَ أنْ يَكونَ آخرُ عَهدِها بالبَيتِ. فقال له ابنُ عَباسٍ: إمَّا لا فسَلْ فُلانةَ الأنصاريَّةَ هل أمَرها بذلك رَسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: فرجَع زَيدُ بنُ ثابتٍ إلى ابنِ عَباسٍ يَضحَكُ وهو يَقولُ: ما أراكَ إلا قَدْ صدَقتَ» (٣).
وقد صرَّح الشافِعيةُ والحَنابلةُ بأنَّها إنْ طَهُرت قبلَ مُفارَقةِ بُنيانِ مكةَ لزِمها العَودُ، فتَغتسِلُ وتَطوفُ، فإنْ لم تَفعَلْ فعليها دَمٌ، بخِلافِ ما إذا طهُرَت في خارِجِ مكةَ فلا شيءَ عليها اتِّفاقًا (٤).
وقد تَقدَّمَتِ المسألةُ بالتفصيلِ في كِتابِ الطَّهارةِ.
стр. 3044
الحَجُّ عن الغيرِ: (١)
مَشروعيَّةُ الحَجِّ عن الغيرِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَشروعيَّةِ الحَجِّ عن الغيرِ، هل يَجوزُ لِلإنسانِ أنْ يحُجَّ عن غيرِه عندَ عَجزِه أو مَوتِه أو لا يَجوزُ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى مَشروعيَّةِ الحَجِّ عن الغيرِ، وقابِليَّتِه للنِّيابةِ.
واستدَلُّوا على مَشروعيَّةِ ذلك بالسُّنةِ الثابِتةِ المَشهورةِ وبالعَقلِ.
أمَّا السُّنةُ: فمنها حَديثُ ابنِ عَباسٍ ﵄ قالَ: «جاءَت امرَأةٌ من خَثعَمَ عامَ حَجةِ الوَداعِ قالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ فَريضةَ اللهِ على عِبادِه في الحَجِّ أدرَكَت أبي شَيخًا كَبيرًا لا يَستطيعُ أنْ يَستَويَ على الراحِلةِ، فهل يَقضي عنه أنْ أحُجَّ عَنه؟ قال: نَعمْ» (٢).
وعن ابنِ عَباسٍ أيضًا: «أنَّ امرَأةً من جُهَينةَ جاءَت إلى النَّبيِّ ﷺ فقالت: إنَّ أُمِّي نذَرت أنْ تحُجَّ فلم تحُجَّ حتى ماتَت، أفَأحجُّ عَنها؟ قال: نَعمْ، حُجِّي عَنها، أرَأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَينٌ أكُنتِ قاضِيتَه؟
стр. 3045
اقْضُوا اللهَ، فاللهُ أَحقُّ بالوَفاءِ» (١)، وغيرُ ذلك من الأحاديثِ مثلَ حَديثِ أبي رَزينٍ العُقَيليِّ، وقد سبَق بَيانُه.
وأمَّا المَعقولُ: فإنَّ العِباداتِ أنواعٌ: ماليَّةٌ مَحضةٌ كالزَّكاةِ، وبَدنيَّةٌ مَحضةٌ كالصَّلاةِ، ومُركَّبةٌ منهما كالحَجِّ، والنِّيابةُ تَجري في النَّوعِ الأولِ في حالَتيْ الاختيارِ والضَّرورةِ لِحُصولِ المَقصودِ بفِعلِ النائبِ، ولا تَجري في النَّوعِ الثاني بحالٍ؛ لأنَّ المَقصودَ -وهو إتعابُ النَّفسِ- لا يَحصلُ به، وتَجري في النَّوعِ الثالثِ عندَ العَجزِ للمَعنى الثاني وهو المَشقَّةُ بتَنقيصِ المال، ولا تَجري عندَ القُدرةِ لعَدمِ إتعابِ النَّفسِ (٢).
قال الكَمالُ بنُ الهُمامِ ﵀: وكان مُقتَضى القياسِ ألَّا تَجريَ النِّيابةُ في الحَجِّ، لتَضمُّنِه المَشقَّتيْن، البَدنيَّةَ والماليَّةَ، والأُولى لم تَقمْ بالأمرِ، لكنَّه (تعالى) رخَّص في إسقاطِه بتَحمُّلِ المَشقَّةِ الأُخرى، أعني إخراجَ المالِ عندَ العَجزِ المُستمِرِّ إلى المَوتِ رَحمةً وفَضلًا، وذلك بأن يَدفعَ نفَقةَ الحَجِّ إلى من يحُجَّ عنه، بخِلافِ حالةِ القُدرةِ؛ فإنَّه لم يَعذِرْه؛ لأنَّ تَركَه ليسَ إلا لمُجرَّدِ إيثارِ راحةِ نَفسِه على أمرِ رَبِّه، وهو بهذا يَستحِقُّ العِقابَ، لا التَّخفيفَ في طَريقِ الإسقاطِ، وإنَّما شُرِطَ دَوامُه (أي: العُذرُ) إلى المَوتِ؛ لأنَّ الحَجَّ فَرضُ العُمرِ (٣).
стр. 3046
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: هذه عِبادةٌ تَجبُ بإفسادِها الكَفارةُ، فجازَ أنْ يَقومَ غيرُ فِعلِه فيها مَقامَ فِعلِه، كالصَّومِ إذا عجَز عنه افتَدى، بخِلافِ الصَّلاةِ (١).
وذهَب المالِكيةُ في المُعتمدِ إلى أنَّ الحَجَّ لا يَقبَلُ النِّيابةَ، لا عن الحَيِّ ولا عن المَيتِ، مَعذورًا أو غيرَ مَعذورٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهذا غيرُ مُستطيعٍ، ولأنَّ هذه عِبادةٌ لا تَدخلُها النِّيابةُ مع القُدرةِ، فلا تَدخلُها مع العَجزِ، كالصَّومِ والصَّلاةِ.
قال القَرافيُّ ﵀: ومالكٌ يَلحَظُ أنَّ المالَ فيه عارِضٌ بدَليلِ المَكيِّ يحُجُّ بغيرِ مالٍ، بل عُروضُ المالِ في الحَجِّ كعُروضِ المالِ في صَلاةِ الجُمُعةِ لِمن دارُه بَعيدةٌ عن المَسجدِ، فيَكتَري دابَّةً يَصِلُ عليها لِلمَسجدِ، ولمَّا لم تَجزْ صَلاةُ الجُمُعةِ عن الغيرِ فكذلك الحَجُّ (٢).
وقالوا: إنَّ الأفضلَ أنْ يَتطوَّعَ عنه وَليُّه بغيرِ الحَجِّ، كأنْ يُهديَ أو يَتصدَّقَ عنه، أو يَدعوَ له (٣).
стр. 3047
شُروطُ حَجِّ الفَرضِ عن الغيرِ:
أولًا: شُروطُ وُجوبِ الإحجاجِ:
يَتضمَّنُ ذلك شُروطَ الأصيلِ المَحجوجِ عنه لحَجةِ الفَرضِ.
يُشترَطُ لوُجوبِ الإحجاجِ عن المُكلَّفِ عندَ الجُمهورِ -خِلافًا للمالِكيةِ- العَجزُ عن أداءِ الواجبِ عليه؛ لأنَّه إنْ كان قادِرًا على الأداءِ بنَفسِه، بأنْ كان صَحيحَ البَدنِ وله مالٌ لا يَجوزُ حَجُّ غيرِه عنه، قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ عليه حَجةُ الإسلامِ وهو قادِرٌ على أنْ يحُجَّ لا يُجزِئُ عنه أنْ يحُجَّ عنه غيرُه (١)، والحَجُّ المَنذورُ كحَجةِ الإسلامِ في إباحةِ الاستِنابةِ والمَنعِ منها مع القُدرةِ؛ لأنَّها حجَّةٌ واجبةٌ (٢)، ولأنَّه إذا كان قادِرًا على الأداءِ ببَدنه وله مالٌ، فالفَرضُ يَتعلَّقُ ببَدنه لا بمالِه، بل المالُ يَكونُ شَرطًا، وإذا تَعلَّق الفَرضُ ببَدنه لا تُجزِئُ فيه النِّيابةُ كالعِباداتِ البَدنيَّةِ المَحضةِ.
وكذا لو كان فَقيرًا صَحيحَ البَدنِ لا يَجوزُ حَجُّ غيرِه عنه؛ لأنَّ المالَ من شَرائطِ الوُجوبِ، فإذا لم يَكنْ له مالٌ لا يَجبُ عليه أصلًا، فلا يَنوبُ عنه غيرُه في أداءِ الواجبِ، ولا واجبَ عليه (٣).
стр. 3048
ويَشملُ -أي: الإحجاجُ عن المُكلَّفِ العاجزِ عن أداءِ الحَجِّ الواجبِ عليهِ- ما يلي:
أ- كلُّ مَنْ وجَب عليه الحَجُّ وهو قادِرٌ على الحَجِّ بنَفسِه وحضَره المَوتُ يَجبُ عليه الوصيَّةُ بالإحجاجِ عنه عندَ الحَنفيةِ، سَواءٌ حَجةُ الإسلامِ أو النَّذرُ أو القَضاءُ.
ولم يُوقِفِ الشافِعيةُ والحَنابلةُ وُجوبَ الإحجاجِ عنه على الوَصيَّةِ، بل يَجبُ الحَجُّ عنه من صُلبِ مالِه، سَواءٌ أوصى به أو لم يُوصِ، إجراءً للحَجِّ مَجرى الدُّيونِ؛ لأنَّه حَقٌّ استَقرَّ عليه، تَدخلُه النِّيابةُ فلم يَسقُط بالمَوتِ كالدَّينِ.
أمَّا المالِكيةُ: فلا يُوجِبونَ عليه الوَصيَّةَ، ولا يَسقطُ عنه الفَرضُ بأداءِ الغيرِ عنه -كما هو أصلُ مَذهبِهم- لكنْ إذا أوصى نُفِّذت وصيَّتُه، وإنْ لم يُوصِ لم يُرسَلْ مَنْ يحُجُّ عنه.
ب- من تَوافَرت فيه سائرُ شُروطِ وُجوبِ الحَجِّ واختَلَّ شيءٌ من شُروطِ الأداءِ بالنَّفسِ، يَجبُ عليه أنْ يحُجَّ عن نَفسِه، أو يُوصيَ بالإحجاجِ عنه إذا لم يُرسِلْ مَنْ يحُجُّ عنه.
ج- مَنْ تَوافَرت فيه شُروطُ وُجوبِ الحَجِّ بنَفسِه فلم يَحُجَّ حتى عجَز عن الأداءِ بنَفسِه يَجبُ عليه أنْ يَحُجَّ عنه في حالِ حَياتِه، أو يُوصيَ بالإحجاجِ عنه بعدَ مَوتِه.
стр. 3049
ويَتحقَّقُ العَجزُ بالمَوتِ أو بالحَبسِ والمَنعِ والمَرضِ الذي لا يُرجى زَوالُه كالزَّمانةِ والفالِجِ والعَمى والعَرجِ والهَرمِ الذي لا يَقدرُ صاحِبُه على الاستِمساكِ وعَدمِ أمنِ الطَّريقِ وعَدمِ المَحرَمِ بالنِّسبةِ للمَرأةِ إذا استمرَّتْ هذه الآفاتُ إلى المَوتِ (١).
ثانيًا: شُروطُ النائبِ عن غيرِه في الحَجِّ:
اشترَط الشافِعيةُ والحَنابلةُ لِإجزاءِ الحَجِّ الفَرضِ عن الأصيلِ أنْ يَكونَ النائبُ قد حجَّ عن نَفسِه حَجةَ الإسلامِ.
وقال الحَنفيةُ (والمالِكيةُ): يُجزِئُ عن غيرِه وإنْ لم يَكنْ حجَّ عن نَفسِه مع الكَراهةِ لذلك، وقد سبَق بَيانُ ذلك.
стр. 3050
فصل في الإحصارُ
التَّعريفُ: مِنْ مَعاني الإحصارِ في اللُّغةِ المَنعُ من بُلوغِ المَناسكِ بمَرضٍ أو نحوِه، وهو المعنَى الشَّرعيُّ أيضًا، على خِلافٍ عندَ الفُقهاءِ فيما يَتحقَّقُ به الإحصارُ (١).
وعرَّف الحَنفيةُ الإحصارَ بأنَّه: هو المَنعُ من الوُقوفِ بعَرفةَ والطَّوافِ جميعِهما بعدَ الإحرامِ بالحَجِّ الفَرضِ، والنَّفلِ، وفي العُمرةِ عن الطَّوافِ (٢).
ويُعرِّفُه المالِكيةُ بأنَّه: المَنعُ من الوُقوفِ والطَّوافِ معًا، أو المَنعُ من أحدِهما (٣).
وقال الشافِعيةُ: هو المَنعُ من إتمامِ أركانِ الحَجِّ أو العُمرةِ أو هما (٤).
ويَنطبِقُ هذا التَّعريفُ للشافِعيةِ على مَذهبِ الحَنابلةِ في الإحصارِ؛ لأنَّهم