وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: هذه عِبادةٌ تَجبُ بإفسادِها الكَفارةُ، فجازَ أنْ يَقومَ غيرُ فِعلِه فيها مَقامَ فِعلِه، كالصَّومِ إذا عجَز عنه افتَدى، بخِلافِ الصَّلاةِ (١).
وذهَب المالِكيةُ في المُعتمدِ إلى أنَّ الحَجَّ لا يَقبَلُ النِّيابةَ، لا عن الحَيِّ ولا عن المَيتِ، مَعذورًا أو غيرَ مَعذورٍ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وهذا غيرُ مُستطيعٍ، ولأنَّ هذه عِبادةٌ لا تَدخلُها النِّيابةُ مع القُدرةِ، فلا تَدخلُها مع العَجزِ، كالصَّومِ والصَّلاةِ.
قال القَرافيُّ ﵀: ومالكٌ يَلحَظُ أنَّ المالَ فيه عارِضٌ بدَليلِ المَكيِّ يحُجُّ بغيرِ مالٍ، بل عُروضُ المالِ في الحَجِّ كعُروضِ المالِ في صَلاةِ الجُمُعةِ لِمن دارُه بَعيدةٌ عن المَسجدِ، فيَكتَري دابَّةً يَصِلُ عليها لِلمَسجدِ، ولمَّا لم تَجزْ صَلاةُ الجُمُعةِ عن الغيرِ فكذلك الحَجُّ (٢).
وقالوا: إنَّ الأفضلَ أنْ يَتطوَّعَ عنه وَليُّه بغيرِ الحَجِّ، كأنْ يُهديَ أو يَتصدَّقَ عنه، أو يَدعوَ له (٣).
стр. 3047
شُروطُ حَجِّ الفَرضِ عن الغيرِ:
أولًا: شُروطُ وُجوبِ الإحجاجِ:
يَتضمَّنُ ذلك شُروطَ الأصيلِ المَحجوجِ عنه لحَجةِ الفَرضِ.
يُشترَطُ لوُجوبِ الإحجاجِ عن المُكلَّفِ عندَ الجُمهورِ -خِلافًا للمالِكيةِ- العَجزُ عن أداءِ الواجبِ عليه؛ لأنَّه إنْ كان قادِرًا على الأداءِ بنَفسِه، بأنْ كان صَحيحَ البَدنِ وله مالٌ لا يَجوزُ حَجُّ غيرِه عنه، قال ابنُ المُنذرِ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ عليه حَجةُ الإسلامِ وهو قادِرٌ على أنْ يحُجَّ لا يُجزِئُ عنه أنْ يحُجَّ عنه غيرُه (١)، والحَجُّ المَنذورُ كحَجةِ الإسلامِ في إباحةِ الاستِنابةِ والمَنعِ منها مع القُدرةِ؛ لأنَّها حجَّةٌ واجبةٌ (٢)، ولأنَّه إذا كان قادِرًا على الأداءِ ببَدنه وله مالٌ، فالفَرضُ يَتعلَّقُ ببَدنه لا بمالِه، بل المالُ يَكونُ شَرطًا، وإذا تَعلَّق الفَرضُ ببَدنه لا تُجزِئُ فيه النِّيابةُ كالعِباداتِ البَدنيَّةِ المَحضةِ.
وكذا لو كان فَقيرًا صَحيحَ البَدنِ لا يَجوزُ حَجُّ غيرِه عنه؛ لأنَّ المالَ من شَرائطِ الوُجوبِ، فإذا لم يَكنْ له مالٌ لا يَجبُ عليه أصلًا، فلا يَنوبُ عنه غيرُه في أداءِ الواجبِ، ولا واجبَ عليه (٣).
стр. 3048
ويَشملُ -أي: الإحجاجُ عن المُكلَّفِ العاجزِ عن أداءِ الحَجِّ الواجبِ عليهِ- ما يلي:
أ- كلُّ مَنْ وجَب عليه الحَجُّ وهو قادِرٌ على الحَجِّ بنَفسِه وحضَره المَوتُ يَجبُ عليه الوصيَّةُ بالإحجاجِ عنه عندَ الحَنفيةِ، سَواءٌ حَجةُ الإسلامِ أو النَّذرُ أو القَضاءُ.
ولم يُوقِفِ الشافِعيةُ والحَنابلةُ وُجوبَ الإحجاجِ عنه على الوَصيَّةِ، بل يَجبُ الحَجُّ عنه من صُلبِ مالِه، سَواءٌ أوصى به أو لم يُوصِ، إجراءً للحَجِّ مَجرى الدُّيونِ؛ لأنَّه حَقٌّ استَقرَّ عليه، تَدخلُه النِّيابةُ فلم يَسقُط بالمَوتِ كالدَّينِ.
أمَّا المالِكيةُ: فلا يُوجِبونَ عليه الوَصيَّةَ، ولا يَسقطُ عنه الفَرضُ بأداءِ الغيرِ عنه -كما هو أصلُ مَذهبِهم- لكنْ إذا أوصى نُفِّذت وصيَّتُه، وإنْ لم يُوصِ لم يُرسَلْ مَنْ يحُجُّ عنه.
ب- من تَوافَرت فيه سائرُ شُروطِ وُجوبِ الحَجِّ واختَلَّ شيءٌ من شُروطِ الأداءِ بالنَّفسِ، يَجبُ عليه أنْ يحُجَّ عن نَفسِه، أو يُوصيَ بالإحجاجِ عنه إذا لم يُرسِلْ مَنْ يحُجُّ عنه.
ج- مَنْ تَوافَرت فيه شُروطُ وُجوبِ الحَجِّ بنَفسِه فلم يَحُجَّ حتى عجَز عن الأداءِ بنَفسِه يَجبُ عليه أنْ يَحُجَّ عنه في حالِ حَياتِه، أو يُوصيَ بالإحجاجِ عنه بعدَ مَوتِه.
стр. 3049
ويَتحقَّقُ العَجزُ بالمَوتِ أو بالحَبسِ والمَنعِ والمَرضِ الذي لا يُرجى زَوالُه كالزَّمانةِ والفالِجِ والعَمى والعَرجِ والهَرمِ الذي لا يَقدرُ صاحِبُه على الاستِمساكِ وعَدمِ أمنِ الطَّريقِ وعَدمِ المَحرَمِ بالنِّسبةِ للمَرأةِ إذا استمرَّتْ هذه الآفاتُ إلى المَوتِ (١).
ثانيًا: شُروطُ النائبِ عن غيرِه في الحَجِّ:
اشترَط الشافِعيةُ والحَنابلةُ لِإجزاءِ الحَجِّ الفَرضِ عن الأصيلِ أنْ يَكونَ النائبُ قد حجَّ عن نَفسِه حَجةَ الإسلامِ.
وقال الحَنفيةُ (والمالِكيةُ): يُجزِئُ عن غيرِه وإنْ لم يَكنْ حجَّ عن نَفسِه مع الكَراهةِ لذلك، وقد سبَق بَيانُ ذلك.
стр. 3050
فصل في الإحصارُ
التَّعريفُ: مِنْ مَعاني الإحصارِ في اللُّغةِ المَنعُ من بُلوغِ المَناسكِ بمَرضٍ أو نحوِه، وهو المعنَى الشَّرعيُّ أيضًا، على خِلافٍ عندَ الفُقهاءِ فيما يَتحقَّقُ به الإحصارُ (١).
وعرَّف الحَنفيةُ الإحصارَ بأنَّه: هو المَنعُ من الوُقوفِ بعَرفةَ والطَّوافِ جميعِهما بعدَ الإحرامِ بالحَجِّ الفَرضِ، والنَّفلِ، وفي العُمرةِ عن الطَّوافِ (٢).
ويُعرِّفُه المالِكيةُ بأنَّه: المَنعُ من الوُقوفِ والطَّوافِ معًا، أو المَنعُ من أحدِهما (٣).
وقال الشافِعيةُ: هو المَنعُ من إتمامِ أركانِ الحَجِّ أو العُمرةِ أو هما (٤).
ويَنطبِقُ هذا التَّعريفُ للشافِعيةِ على مَذهبِ الحَنابلةِ في الإحصارِ؛ لأنَّهم
стр. 3051
يَقولونَ بالإحصارِ عن أيٍّ من أركانِ الحَجِّ أو العُمرةِ، على تَفصيلٍ يَسيرٍ في كَيفيَّةِ التَّحلُّلِ لِمن أُحصرَ عن الوُقوفِ دونَ الطَّوافِ (١).
مَشروعيَّةُ الإحصارِ:
الأصلُ فيه الكِتابُ والسُّنةُ والإجماعُ.
أمَّا الكِتابُ:
فقولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦]، قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: لا خِلافَ بينَ أهلِ التَّفسيرِ أنَّ هذه الآيةَ نزَلت في حَصرِ الحُدَيبيةِ (٢).
أمَّا السُّنةُ:
فقال ابنُ عُمرَ ﵄: «خرَجنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ فحال كُفارُ قُريشٍ دونَ البَيتِ، فنحَر النَّبيُّ ﷺ هَديَه وحلَق رَأسَه» (٣).
أمَّا الإجماعُ:
فقال ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّ المُحرِمَ إذا حصَره عَدوٌّ من المُشركينَ أو غيرِهم فمنَعوه الوُصولَ إلى البَيتِ ولم يَجدْ طَريقًا آمِنًا فله التَّحلُّلُ (٤).
стр. 3052
رُكنُ الإحصارِ:
اختلَف الفُقهاءُ في المَنعِ الذي يَتحقَّقُ به الإحصارُ، هل يَشملُ المَنعَ بالعَدوِّ والمَنعَ بالمَرضِ ونحوَه من العِللِ، أم يَختصُّ بالحَصرِ بالعَدوِّ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ لِمن يَتعذَّرُ عليه الوُصولُ إلى البَيتِ بغيرِ حَصرِ العَدوِّ من مَرضٍ أو عَرجٍ أو ذَهابِ نفَقةٍ ونحوِ ذلك أنْ يَتحلَّلَ بذلك.
واستدلَّ الجُمهورُ على ذلك بالكِتابِ والآثارِ والمَعقولِ.
أمَّا الكِتابُ: فقال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: فلم أسمَعْ مُخالِفًا ممَّن حفِظتُ عنه ممَّن لَقيتُ من أهلِ العِلمِ بالتَّفسيرِ في أنَّها نزَلت بالحُدَيبيةِ وذلك إحصارُ عَدوٍّ، فكانَ في الحَصرِ إذنُ اللهِ تَعالى لِصاحبِه فيه بما استَيسَر من الهَديِ، ثم بيَّن رَسولُ اللهِ ﷺ أنَّ الذي يَحلُّ منه المُحرِمُ الإحصارُ بالعَدوِّ، فرَأيتُ أنَّ الآيةَ بأمرِ اللهِ تَعالى بإتمامِ الحَجِّ والعُمرةِ للهِ عامَّةٌ على كلِّ حاجٍّ ومُعتمِرٍ إلا من استَثنى اللهُ ، ثم سنَّ فيه رَسولُ اللهِ ﷺ من الحَصرِ بالعَدوِّ، وكان المَريضُ عِندي ممَّن عليه عُمومُ الآيةِ (١).
وأمَّا الآثارُ: فقد ثبَت من طُرقٍ عن ابنِ عَباسٍ ﵄ أنَّه قال: «لا حَصرَ إلا حَصرَ العَدوِّ، فأمَّا مَنْ أصابَه مَرضٌ، أو وَجعٌ أو ضَلالٌ،
стр. 3053
فليسَ عليه شيءٌ، إنَّما قال اللهُ تَعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾» (١)، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عُمرَ والزُّهريِّ وطاوُوسٍ وزَيدِ بنِ أسلَم بنحوِ ذلك.
ورَوى الإمامُ مالكٌ في «المُوطَّأِ» والشافِعيُّ في «الأُمِّ» عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سُلَيمانَ بنِ يَسارٍ: «أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمرَ ومَروانَ بنَ الحَكمِ وابنَ الزُّبيرِ أفتَوْا ابنَ حُزابةَ المَخزوميَّ وأنَّه صُرعَ ببعضِ طَريقِ مكةَ وهو مُحرِمٌ أنْ يَتداوَى بما لا بدَّ له منه ويَفتَديَ، فإذا صحَّ اعتمَر فحلَّ من إحرامِه، وكان عليه أنْ يحُجَّ عامًا قابِلًا ويُهديَ» (٢).
أمَّا الدَّليلُ من المَعقولِ: فقال الشِّيرازيُّ ﵀: إنْ أحرَم وأحصَره المَرضُ لم يَجزْ له أنْ يَتحلَّلَ؛ لأنَّه لا يَتخلَّصُ بالتَّحلُّلِ من الأذَى الذي هو فيه، فهو كمَن ضلَّ الطَّريقَ (٣).
وذهَب الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀ إلى أنَّ الإحصارَ يَتحقَّقُ بالعَدوِّ وغيرِه، كالمَرضِ وهَلاكِ النفَقةِ، ومَوتِ مَحرَمِ المَرأةِ، أو زَوجِها في الطَّريقِ؛ لعُمومِ قولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾، والإحصارُ هو المَنعُ، والمَنعُ كما يَكونُ
стр. 3054
من العَدوِّ يَكونُ من المَرضِ وغيرِه، والعِبرةُ بعُمومِ اللَّفظِ لا بخُصوصِ السَببِ؛ إذِ الحُكمُ يَتبعُ اللَّفظَ، لا السَّببَ، في المَمنوعِ بسَببِ المَرضِ.
قال الكاسانيُّ ﵀: وعن الكِسائيِّ، وأبي مُعاذٍ أنَّ الإحصارَ من المَرضِ، والحَصرَ من العَدوِّ، فعلى هذا كانت الآيةُ خاصَّةً في المَمنوعِ بسَببِ المَرضِ وأمَّا قوله : ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ فالجَوابُ عن التَّعلُّقِ به من وَجهَين:
أحدُهما: أنَّ الأمنَ كما يَكونُ من العَدوِّ يَكونُ من زَوالِ المَرضِ؛ لأنَّه إذا زالَ مَرضُ الإنسانِ أمِن المَوتَ منه، أو أمِن زيادةَ المَرضِ. وكذا بعضُ الأمراضِ قد تَكونُ أمانًا من بَعضٍ.
والثاني: أنَّ هذا يَدلُّ على أنَّ المُحصَرَ من العَدوِّ مُرادٌ من الآيةِ الشَّريفةِ، وهذا لا يَنفي كَونَ المُحصَرِ من المَرضِ مُرادًا بها، وما رُوي عن ابنِ عَباسٍ، وابنِ عُمرَ ﵄ أنَّه إنْ ثبَت فلا يَجوزُ أنْ يُنسخَ به مُطلَقُ الكِتابِ.
وقد رُوي أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «مَنْ كُسر أو عرِج فقَد حَلَّ وعليه الحَجُّ من قابِلٍ» (١).
وقولُه: «حَلَّ»، أي: جازَ له أنْ يَحلَّ بغيرِ دَمٍ؛ لأنَّه لم يُؤذَنْ له بذلك شَرعًا، وهو كقولِ النَّبيِّ ﷺ : «إذا أقبَل اللَّيلُ من ههنا وأدبَر النَّهارُ من ههنا فقد أفطَر الصائمُ» (٢)، ومعناه: أي: حلَّ له الإفطارُ، فكذا ههنا معناه: حلَّ له أنْ يَحلَّ، ولأنَّه إنَّما صارَ مُحصَرًا من العَدوِّ، ومِن خِصالِه
стр. 3055
التَّحلُّلُ لمَعنًى هو مَوجودٌ في المَرضِ وغيرِه، وهو الحاجةُ إلى التَّرفيهِ، والتَّيسيرِ لِما يَلحقُه من الضَّررِ والحَرجِ بإبقائه على الإحرامِ مُدةً مَديدةً، والحاجةُ إلى التَّرفيهِ والتَّيسيرِ مُتحقَّقةٌ في المَريضِ ونحوِه، فيَتحقَّقُ الإحصارُ، ويثبُتُ مُوجِبُه، بل أوْلى؛ لأنَّه يَملكُ دَفعَ شرِّ العَدوِّ عن نَفسِه بالقِتالِ، فيَدفعُ الإحصارَ عن نَفسِه، ولا يُمكِنُه دَفعُ المَرضِ عن نَفسِه، فلمَّا جُعل ذلك عُذرًا فلَأنْ يُجعلَ هذا عُذرًا أوْلى، واللهُ أعلمُ (١).
وقال الزَّيلَعيُّ ﵀: ولَئن كان (أي: الإحصارُ) مُختَصًّا به (أي: بالعَدوِّ) كما زعَم الشافِعيُّ ﵀ فيَتناوَلُ المَرضَ دِلالةً؛ لأنَّ التَّحلُّلَ إنَّما شُرع لدَفعِ الحَرجِ الآتي من قِبلِ امتِدادِ الإحرامِ، والحَرجُ بالاصطِبارِ عليه مع المَرضِ أعظمُ، فكان أوْلى التَّحلُّلُ، والدَّليلُ على صِحةِ هذا المَعنى أنَّ المُحصَرَ بعَدوٍّ له أنْ يَرجعَ إلى أهلِه من غيرِ تَحلُّلٍ، ويَصبِرُ، وهو مُحرِمٌ إلى أنْ يَزولَ الخَوفُ، فإذا أدرَك الحَجَّ وإلا تَحلَّل بالعُمرةِ، وإنَّما أُبيحَ له التَّحلُّلُ للضَّرورةِ حتى لا يَمتدَّ إحرامُه فيُشقُّ عليه فصارَ كالمَريضِ (٢).
стр. 3056
أحكامُ الإحصارِ:
تَندرِجُ أحكامُ الإحصارِ في أمرَين: في التَّحلُّلِ، وما يَجبُ على المُحصَرِ بعدَ التَّحلُّلِ.
التَّحلُّلُ:
تَعريفُ التَّحلُّلِ:
التَّحلُّلُ لُغةً: أنْ يَفعلَ الإنسانُ ما يَخرجُ به من الحُرمةِ (١).
واصطِلاحًا: هو فَسخُ الإحرامِ، والخُروجُ منه بالطَّريقِ المَوضوعِ له شَرعًا (٢).
جَوازُ التَّحلُّلِ لِلمُحصَرِ:
إذا تَحقَّق للمُحرِمِ وَصفُ الإحصارِ فإنَّه يَجوزُ له التَّحلُّلُ باتِّفاقِ العُلماءِ، كلٌّ حسبَ الأسبابِ التي يَعدُّها مُوجِبةً لتَحقيقِ الإحصارِ الشَّرعيِّ.
والأصلُ في الإحرامِ وُجوبُ المُضيِّ على المُحرِمِ في النُّسكِ الذي أحرَم به، وألَّا يَخرجَ من إحرامِه إلا بتَمامِ مُوجِبِ هذا الإحرامِ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، لكنْ جازَ التَّحلُّلُ للمُحصَرِ قبلَ إتمامِ مُوجِبِ إحرامِه استِثناءً من هذا الأصلِ، لِما دلَّ عليه الدَّليلُ الشَّرعيُّ.
وهو قولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ووَجهُ
стр. 3057
الاستِدلالِ بالآيةِ: أنَّ الكَلامَ على تَقديرِ مُضمَرٍ، قال الكاسانيُّ ﵀: مَعناه -واللهُ أعلمُ-: فإنْ أُحصِرتُم عن إتمامِ الحَجِّ والعُمرةِ، وأرَدتُم أنْ تَحِلُّوا فاذبَحوا ما تَيسَّر من الهَديِ؛ إذِ الإحصارُ نَفسُه لا يُوجِبُ الهَديَ.
والدَّليلُ على هذا التَّقديرِ أنَّ الإحصارَ نَفسَه لا يُوجِبُ الهَديَ، ألَا تَرى أنَّ له أنْ يَتحلَّلَ ويَبقَى مُحرِمًا كما كان إلى أنْ يَزولَ المانِعُ فيَمضيَ في مُوجِبِ الإحرامِ، وهو كقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]، معناه: فمَن كان منكم مَريضًا أو به أذًى من رَأسِه فحلَق، وإلا فكَونُ الأذَى في رَأسِه لا يُوجِبُ الفِديةَ … ولأنَّ المُحصَرَ مُحتاجٌ إلى التَّحلُّلِ؛ لأنَّه مُنع عن المُضيِّ في مُوجِبِ الإحرامِ على وَجهٍ لا يُمكِنُه الدَّفعُ، فلو لم يَجزْ له التَّحلُّلُ لَبقِي مُحرِمًا لا يَحلُّ له ما حظَره الإحرامُ إلى أنْ يَزولَ المانِعُ، فيَمضيَ في مُوجِبِ الإحرامِ، وفيه من الضَّررِ والحَرجِ ما لا يَخفَى، فمسَّت الحاجةُ إلى التَّحلُّلِ والخُروجِ من الإحرامِ دَفعًا للضَررِ والحَرجِ، وسَواءٌ كان الإحصارُ عن الحَجِّ أو عن العُمرةِ أو عنهما عندَ عامَّةِ العُلماءِ -خِلافًا لِمالكٍ- لِما ذكَرنا واللهُ أعلمُ (١).
وأيضًا من السُّنةِ: فِعلُه ﷺ ، فقدْ تَحلَّلَ وأمَرَ أصحابَه بالتَّحلُّلِ عامَ الحُدَيبيةِ حينَ صدَّهم المُشركونَ عن الاعتِمارِ بالبَيتِ العَتيقِ، كما سبَقَ في الأحاديثِ الصَّحيحةِ.
стр. 3058
كَيفيَّةُ تَحلُّلِ المُحصَرِ:
أولًا: نيَّةُ التَّحلُّلِ: إنَّ مَبدَأَ نيَّةِ التَّحلُّلِ بالمَعنى الواسِعِ متَّفقٌ عليه كشَرطٍ لتَحلُّلِ المُحصَرِ من إحرامِه، ثم وقَع الخِلافُ فيما وَراءَ ذلك:
فقال الشافِعيةُ والحَنابلةُ: يُشترَطُ نيَّةُ التَّحلُّلِ عندَ ذَبحِ الهَديِ، بأنْ يَنويَ التَّحلُّلَ بذَبحِه؛ لأنَّ الهَديَ قد يَكونُ للتَّحلُّلِ، وقد يَكونُ لغيرِه؛ فوجَب أنْ يَنويَ؛ ليُميِّزَ بينَهما، ثم يَحلِقَ.
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولأنَّ مَنْ أتَى بأفعالِ النُّسكِ أتَى بما عليه، فيَحلَّ منها بإكمالِها، فافتقَر إلى قَصدِه (١).
كذلك تُشترَطُ نيَّةُ التَّحلُّلِ عندَ الحَلقِ بِناءً على الأصحِّ عندَ الشافِعيةِ أنَّ الحَلقَ نُسكٌ، وأنَّه شَرطٌ لحُصولِ التَّحلُّلِ، وذلك من الدَّليلِ على شَرطيَّةِ النِّيةِ عندَ ذَبحِ الهَديِ (٢).
وقال المالِكيةُ: إنَّ نِيةَ التَّحلُّلِ وحدَها هي الرُّكنُ ولا يُشترَطُ انضِمامُ حَلقٍ أو هَديٍ لها، ولا يُغني غيرُ النِّيةِ عنها، فلو نحَر الهَديَ وحلَق ولم يَنوِ التَّحلُّلَ لم يَتحلَّلْ على الصَّحيحِ (٣).
стр. 3059
أمَّا الحَنفيةُ فقالوا: إذا أُحصِر المُحرِمُ بحَجةٍ أو عُمرةٍ، وكذا إذا كان مُحرِمًا بهما، وأرادَ التَّحلُّلَ يَجبُ عليه أنْ يَبعَثَ الهَديَ أو ثَمنَه ليَشتريَ به هَديًا فيُذبحَ عنه (١).
ثانيًا: ذَبحُ الهَديِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأشهَبُ من المالِكيةِ إلى وُجوبِ ذَبحِ الهَديِ على المُحصَرِ، لِكيْ يَتحلَّلَ من إحرامِه، وأنَّه لو بعَث بثَمنِه واشتَراه، لا يَحلُّ ما لم يَذبحْ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَحلَّ يومَ الحُدَيبيةِ، ولم يَحلِقْ رَأسَه حتى نحَر الهَديَ، فدلَّ ذلك على أنَّ مِنْ شَرطِ إحلالِ المُحصَرِ ذَبحُ هَديٍ إنْ كان عندَه.
وذهَب المالِكيةُ في المَذهبِ إلى أنَّ المُحصَرَ يَتحلَّلُ بالنِّيةِ فقط -كما سبَق- ولا يَجبُ عليه ذَبحُ الهَديِ، بل هو سُنةٌ وليس شَرطًا؛ لأنَّه تَحلُّلٌ مَأذونٌ فيه، عارٍ من التَّفريطِ وإدخالِ النَّقصِ، فلم يَجبْ به هَديٌ، أصلُ ذلك إذا أكمَل حجَّه.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ حلَّ عامَ الحُدَيبيةِ عن إحصارِه بغيرِ هَديٍ؛
стр. 3060
لأنَّ الهَديَ الذي ساقَه كان هَديًا لعُمرتِه، لا لِإحصارِه، فنحَر هَديَه على النِّيةِ الأُولى، وحلَّ من إحصارِه بغيرِ دَمٍ، فدلَّ على أنَّ المُحصَرَ يَحلُّ بغيرِ هَديٍ يُحقِّقُ ما قُلنا.
إنَّه ليس في حَديثِ صُلحِ الحُدَيبيةِ أنَّه ﷺ نحَر دَمَيْن، وإنَّما نحَر دَمًا واحِدًا، ولو كان المُحصَرُ لا يَحلُّ إلا بدَمٍ لَنحَر دَمَيْن، وهو غيرُ مَعقولٍ.
لكنْ قال الكاسانيُّ ﵀: الحَديثُ ليس فيه ما يَدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ حلَّ عامَ الحُدَيبيةِ عن إحصارِه بغيرِ هَديٍ، إذْ لا يُتوهَّمُ على النَّبيِّ ﷺ أنْ يَكونَ حلَّ من إحصارِه بغيرِ هَديٍ، واللهُ تَعالى أمَر المُحصَرَ ألَّا يَحلَّ حتى يَنحرَ هَديَه بنَصِّ الكِتابِ الكَريمِ، ولكنْ وَجهُ ذلك -واللهُ أعلمُ، وهو مَعنى المَرويِّ في حَديثِ صُلحِ الحُدَيبيةِ- أنَّه نحَر دَمًا واحِدًا أنَّ الهَديَ الذي ساقَه النَّبيُّ ﷺ كان هَديَ مُتعةٍ أو قِرانٍ، فلمَّا مُنِع عن البَيتِ سقَط عنه دَمُ القِرانِ، فجازَ له أنْ يجعلَه من دَمِ الإحصارِ، وممَّا يَدلُّ على أنَّ النَّبيَّ ﷺ جعَل الهَديَ لإحصارِه ما رُوي أنَّه لم يَحلِقْ حتى نحَر هَديَه، وقال: «أيُّها الناسُ انحَروا وحِلُّوا»، واللهُ أعلمُ (١).
стр. 3061
إحصارُ مَنْ اشتَرطَ في إحرامِه التَّحلُّلَ إذا حصَلَ له مانِعٌ:
ومَعنى الاشتِراطِ في الإحرامِ هو أنْ يَقولَ المُحرِمُ عندَ الإحرامِ: «لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ حَجًّا أو عُمرةً، إلا أنْ يَمنعَني منه ما لا أَقدِرُ على النُّهوضِ، فيَكونَ مَحِلِّي حيثُ حبَستَني».
وقد اختلَف الفُقهاءُ في جوازِ الاشتِراطِ في الإحرامِ.
فقال الحَنفيةُ والمالِكيةُ: الاشتِراطُ في الإحرامِ باطِلٌ، ويَمضي على إحرامِه حتى يُتِمَّه على سُنتِه ولا يَنفعُه قولُه: «مَحِلِّي حيثُ حبَستَني»؛ لِما رَوى سالِمُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵃ عن أبيه: «أنَّه كان يُنْكِرُ الاشتِراطَ في الحَجِّ»، ويَقولَ: «أليسَ حَسْبُكم سُنةُ رَسولِ اللهِ ﷺ إنْ حُبس أحدُكم عن الحَجِّ طافَ بالبَيتِ وبِالصَّفا والمَروةِ ثم حلَّ مِنْ كلِّ شيءٍ حتى يحُجَّ عامًا قابِلًا فيُهديَ أو يَصومَ إنْ لم يَجدْ هَديًا» (١)(٢).
وذهَب الشافِعيةُ في الأصحِّ والحَنابلةُ إلى أنَّ مَنْ شرَط في ابتِداءِ إحرامِه أنْ يَحلَّ متى مرِض أو ضاعَت نفَقتُه أو نَفِدت أو حدَث نحوُ ذلك، أو قال: «إنْ حبَسني حابِسٌ فمحِلِّي حيثُ حبَستَني»، فله التَّحلُّلُ متى وجَد ذلك، ولا شيءَ عليه، ليس عليه هَديٌ ولا قَضاءٌ ولا غيرُهما، فإنَّ للشَّرطِ تَأثيرًا في
стр. 3062
العِباداتِ، بدَليلِ أنَّه لو قال: إنْ شَفى اللهُ مَريضي صُمتُ شَهرًا مُتتابِعًا أو مُتفرِّقًا كان على ما شرَطه، وإنَّما لم يَلزَمْه الهَديُ والقَضاءُ؛ لأنَّه إذا شرَط شَرطًا كان إحرامُه الذي فعَله حينَ وُجودِ الشَّرطِ، فصارَ بمَنزلةِ مَنْ أكمَل أفعالَ الحَجِّ.
والأصلُ في ذلك حَديثُ ضُباعةَ بنتِ الزُّبيرِ، فعَن عائشةَ ﵂ قالت: دخَل رَسولُ اللهِ ﷺ على ضُباعةَ بنتِ الزُّبيرِ فقال لها: «لَعلَّكِ أرَدتِ الحَجَّ؟ قالت: واللهِ لا أجِدُني إلا وَجِعةً، فقال لها: حُجِّي واشتَرِطي، قُولي: اللَّهمَّ محِلِّي حيثُ حبَستَني» (١)(٢).
ما يَجبُ على المُحصَرِ بعدَ التَّحلُّلِ:
قَضاءُ ما أُحصِرَ عنه المُحصَرُ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّه يَجبُ على المُحصَرِ قَضاءُ النُّسكِ الذي أُحصِرَ عنه إذا كان واجبًا، ولا يَسقطُ عنه هذا الواجبُ بسَببِ الإحصارِ، وإنَّما أفادَه الإحصارُ بجوازِ الخُروجِ منه.
وأمَّا مَنْ أُحصِر عن نُسكِ التطوُّعِ فقد ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ خِلافًا للحَنفيةِ إلى أنَّه لا يَجبُ عليه القَضاءُ.
стр. 3063
وقال الحَنفيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: يَجبُ قَضاءُ النَّفلِ الذي أُحصِر عنه المُحرِمُ.
والسَببُ في الخِلافِ هو: هل قَضى رَسولُ اللهِ ﷺ عُمرةَ الحُدَيبيةِ أو لم يَقضِ؟
فقال الجُمهورُ: إنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ حينَ رجَع عن البَيتِ في عامِ الحُدَيبيةِ لم يَأمرْ أحَدًا من أصحابِه ولا ممَّن كان معه أنْ يَقضُوا شيئًا، ولا أنْ يَعودوا لِشيءٍ، ولا حُفظ ذلك عنه بوَجهٍ من الوُجوهِ، ولا قال في العامِ المُقبِلِ: إنَّ عُمرَتي هذه قَضاءٌ عن العُمرةِ التي أُحصِرتُ فيها، ولم يُنقَلْ عنه ذلك، وإنَّما سُمِّيت عُمرةَ القَضاءِ وعُمرةَ القَضيَّةِ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قاضَى قُريشًا وصالَحهم في ذلك العامِ على الرُّجوعِ عن البَيتِ. وقَصدُه من قابِلٍ، فسُمِّيت بذلك عُمرةَ القَضيَّةِ.
وقال الحَنفيةُ: إنَّ اعتِمارَ النَّبيِّ ﷺ في العامِ المُقبِلِ من عامِ الحُدَيبيةِ إنَّما كان قَضاءً لِتلك العُمرةِ، ولذلك قيلَ لها: عُمرةُ القَضاءِ (١)(٢).
стр. 3064
فصل في أحكامُ العُمرةِ
أولاً: تَعريفُ العُمرةِ:
العُمرةُ: بضَمِّ العَينِ وسُكونِ الميمِ لُغةً: الزِّيارةُ، وقد اعتمَر إذا أدَّى العُمرةَ، وأعمَرَه: أعانَه على أدائها (١).
واصطِلاحًا: عرَّفها الفُقهاءُ بأنَّها الطَّوافُ بالبَيتِ والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ بإحرامٍ (٢).
стр. 3065
وقيلَ: زيارةُ بَيتِ اللهِ للنُّسكِ المَعروفِ المُتركِّبِ من إحرامٍ، وطوافٍ وسَعيِ وحَلقٍ أو تَقصيرٍ (١).
ثانيًا: أحاديثُ في فَضائلِ العُمرةِ:
تَضافرَت -وللهِ الحَمدُ والمِنَّةُ- النُّصوصُ الشَّرعيَّةُ الكَثيرةُ على الإشادةِ بفَضلِ العُمرةِ وعِظَمِ ثَوابِها وجَزيلِ أجرِها العَظيمِ عندَ اللهِ تَعالى.
ومن تلك النُّصوصِ الشَّرعيةِ ما يلى:
١ - ما رَواه عبدُ اللهِ بنُ مَسعودٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «تابِعوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ فإنَّهُما يَنفيانِ الفَقرَ والذُّنوبَ كما يَنفي الكيرُ خَبثَ الحَديدِ والذَّهبِ والفِضةِ، وليسَ للحَجةِ المَبرورةِ ثَوابٌ إلا الجَنةُ»، وفي رِوايةٍ: «وما مِنْ مُؤمِنٍ يَظلُّ يومَه مُحرِمًا إلا غابَتِ الشَّمسُ بذُنوبه» (٢).
٢ - ما رَواه أبو هُريرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهما، والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (٣).
٣ - وعَن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ أنَّ النَّبيِّ ﷺ قال: «الغازي
стр. 3066
في سَبيلِ اللهِ والحاجُّ والمُعتمِرُ وَفدُ اللهِ، دَعاهُم فأجابوه وسَألوه فأعطاهُم» (١).
فَضلُ الاعتِمارِ في رَمضانَ:
عن عبدِ الله بنِ عباسٍ ﵄ قال: «أرادَ رَسولُ اللهِ ﷺ الحَجَّ فقالتِ امرَأةٌ لزَوجِها: أحِجَّني مع رَسولِ اللهِ ﷺ على جَملِك، فقال: ما عِندي ما أُحِجُّكِ عليه. قالت: أحِجَّني على جَملِك فُلانٍ. قال: ذاكَ حَبيسٌ في سَبيلِ اللهِ ، فأتَى رَسولَ اللهِ ﷺ فقال: إنَّ امرَأتي تَقرأُ علَيك السَّلامَ ورَحمةَ اللهِ وإنَّها سألَتْني الحَجَّ معَك، قالت: أحِجَّني مع رَسولِ اللهِ ﷺ ، قلتُ: ما عِندي ما أُحجُّكِ عليه، فقالت: أحِجَّني على جَملِك فُلانٍ، فقلتُ: ذاكَ حَبيسٌ في سَبيلِ اللهِ، فقال: أمَا إنَّك لو أحجَجْتَها عليه كان في سَبيلِ اللهِ. قال: وإنَّها أمَرتْني أنْ أسألَك ما يَعدِلُ حَجةً معَك، فقال رَسولُ اللهِ ﷺ : أقرِئْها السَّلامَ ورَحمةَ اللهِ وبرَكاتِه وأخبِرْها أنَّها تَعدلُ حَجةً مَعي عُمرةٌ في رَمضانَ» (٢).
وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «جِهادُ الكَبيرِ والضَّعيفِ والمَرأةِ الحَجُّ والعُمرةُ» (٣).
стр. 3067
فَضلُ النفَقةِ في العُمرةِ:
عن عائشةَ ﵂ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لها في عُمرتِها: «إنَّ لكِ من الأجرِ على قَدرِ نصَبِكِ ونفَقتِكِ».
رواه الحاكِمُ وقال: صَحيحُ على شَرطِهما.
وفي رِوايةٍ له وصحَّحَها: «إنَّما أجرُكِ في عُمرتِكِ على قَدرِ نفَقتِكِ» (١).
وأصلُ الحَديثِ عندَ البخاريِّ (١٦٩٥) ومُسلمٍ (١٢١١) عن القاسِمِ عن أُمِّ المُؤمِنينَ ﵂ قالت: «قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، يَصدُرُ الناسُ بنُسكَين، وأصدُرُ بنُسكٍ واحدٍ، قال: انتَظِري، فإذا طهُرتِ فاخرُجي إلى التَّنعيمِ فأَهلِّي منه، ثم القَيْنا عندَ كذا وكذا، قال: أظنُّه قال: غَدًا، ولكنَّها على قَدرِ نصَبِكِ، أو قال: نفَقتِكِ».
ثالثًا: حُكمُ العُمرةِ:
اختلَف الفُقهاءُ والعُلماءُ في حُكمِ العُمرةِ: أهي واجبةٌ، أو سُنةٌ؟ على قولَين:
القولُ الأولُ: واجبةُ في العُمرِ مَرةً واحِدةً على مَنْ استَطاعَ إليها سبيلًا، كالحَجِّ.
وإلى هذا القولِ ذهَب الشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ عندَهما وبعضُ الحَنفيةِ، ومن الصَّحابةِ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ وابنُه عبدُ اللهِ وابنُ عباسٍ وجابرٌ
стр. 3068
وزَيدُ بنُ ثابتٍ، ومن التابِعين طاوُسٌ وعَطاءٌ وابنُ المُسيبِ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والحَسنُ البَصريُّ وابنُ سِيرينَ وأبو بُردةَ بنُ أبي موسى الحَضرميُّ وعبدُ اللهِ بنُ شَدَّادٍ والثَّوريُّ وإسحاقُ وأبو عُبَيدٍ وداودُ والبُخاريُّ وابنُ حَزمٍ.
واستدَّلوا على الوُجوبِ بما يلي:
١ - بقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، ومُقتَضى الأمرِ الوُجوبُ، ثم عطَفها على الحَجِّ، والأصلُ التَّساوي بينَ المَعطوفِ والمَعطوفِ عليه.
قال ابنُ عباسٍ ﵄: «والذي نَفسي بيدِه إنَّها لقَرينَتُها في كِتابِ اللهِ» (١).
٢ - ما روَت عائشةُ أمُّ المُؤمِنينَ ﵂ أنَّها قالت: «قلتُ: يا رَسولَ اللهِ، أعلى النِّساءِ جِهادٌ؟ قال: نَعمْ، علَيهنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فيه: الحَجُّ والعُمرةُ» (٢).
٣ - عن زَيدِ بنِ ثابتٍ ﵁ مَرفوعًا: «الحَجُّ والعُمرةُ فَريضتانِ لا يَضرُّكَ بأيِّهما بدَأتَ» (٣)(٤).
стр. 3069
٤ - عن أبي رُزينٍ العُقَيليِّ ﵁ أنَّه قال: «يا رَسولَ اللهِ إنَّ أبي شَيخٌ كَبيرٌ لا يَستطيعُ الحَجَّ ولا العُمرةَ ولا الظَّعنَ. قال: حُجَّ عن أبيكَ واعتَمرْ» (١). ووَجهُ الدِّلالةِ منه أنَّ النَّبيَّ ﷺ أمَر أبا رُزينٍ أنْ يَعتمرَ عن أبيه، بقولِه: «واعتَمرْ»؛ لأنَّه صيغةُ أمرٍ بالعُمرةِ مَقرونةٌ بالأمرِ بالحَجِّ، فأفادَت صيغةُ الأمرِ الوُجوبَ.
وقد ذكَر غيرُ واحدٍ عن الإمامِ أحمدَ ﵀ أنَّه قال: لا أعلمُ في إيجابِ العُمرةِ حَديثًا أجوَدَ من هذا ولا أصحَّ.
٥ - وعن الصُّبيِّ بنِ مَعبدٍ قال: «كُنْتُ رَجلًا أعرابيًّا نَصرانيًّا فأسلَمتُ، فأتَيتُ رَجلًا من عَشيرَتي يُقال له هُذيمُ بنُ ثُرمُلةَ، فقلتُ له: يا هَناهُ، إنِّي حَريصٌ على الجِهادِ وإنِّي وجَدتُ الحَجَّ والعُمرةَ مَكتوبَينِ علَيَّ، فكَيفَ لي أنْ أجمَعهُما؟ قال: اجمَعْهُما واذبَحْ ما استَيسَر من الهَديِ، فأهلَلتُ بهما معًا، فلمَّا أتَيتُ العُذَيبَ لَقيَني سَلمانُ بنُ رَبيعةَ وزَيدُ بنُ صُوحانَ وأنا أُهلُّ بهما جميعًا، فقال أحدُهما للآخَرِ: ما هذا بأفقَهَ من بَعيرِه، قال فكَأنَّما أُلقيَ
стр. 3070
علَيَّ جَبلٌ حتى أتَيتُ عُمرَ بنَ الخَطابِ، فقلتُ له: يا أميرَ المُؤمِنينَ إنِّي كُنْتُ رَجلًا أعرابيًّا نَصرانيًّا، وإنِّي أسلَمتُ، وأنا حَريصٌ على الجِهادِ، وإنِّي وجَدتُ الحَجَّ والعُمرةَ مَكتوبَينِ علَيَّ، فأتَيتُ رَجلًا من قَومي فقال لي: اجمَعْهُما واذبَحْ ما استَيسَرَ من الهَديِ، وإنِّي أهلَلتُ بهِما معًا، فقال لي عُمرُ ﵁: هُديتَ لسُنةِ نَبيِّك ﷺ » (١)، فسُكوتُ عُمرَ ﵁ وعَدمُ النَّكيرِ عليه يَدلُّ على أنَّها واجبةٌ.
٦ - ما رَواه عُمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁ في قِصةِ السائلِ الذَّي سأَل رَسولَ اللهِ ﷺ عن الإيمانِ والإسلامِ -وهو جِبريلُ ﵇- قال عُمرُ ﵁: «بينَما نَحنُ جُلوسٌ عندَ رَسولِ اللهِ ﷺ في أُناسٍ إذ جاءَ رَجُل ليس عليه سَحناءُ سَفرٍ، وليسَ من أهلِ البَلدِ، يَتخَطى حتى ورَك فجلَس بينَ يَديْ رَسولِ اللهِ ﷺ فقال: يا مُحمدُ: ما الإسلامُ؟ قال: الإسلامُ أنْ تَشهدَ أنْ لا إلَهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ وأنْ تُقيمَ الصَّلاةَ، وتُؤتيَ الزَّكاةَ، وتحُجَّ وتَعتمِرَ، وتَغتسِلَ من الجَنابةِ، وأنْ تُتمَّ الوُضوءَ، وتَصومَ رَمضانَ. قال: فإنْ فعَلتُ ذلك فأنا مُسلمٌ؟ قال: نَعمْ. قال: صدَقتَ … » (٢).
стр. 3071
القولُ الثاني: سُنةٌ مُؤكَّدةٌ وليست واجبةً، وإلى هذا القولِ ذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيُّ في القَديمِ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وهو مَحكيُّ عن ابنِ مَسعودٍ وأبي ثَورٍ والنَّخعيِّ والشَّوكانِيِّ وغيرِهم.
واستدَلُّوا على ذلك بما يلي:
١ - ما رُوي عن جابرٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئل عن العُمرةِ: أواجبةٌ هي؟ قال: لا، وأنْ تَعتمِروا هو أفضلُ» (١).
٢ - ما رُوي عن طَلحةَ بنِ عُبيدِ اللهِ ﵁ أنَّه سمِع رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «الحَجُّ جِهادٌ والعُمرةُ تطوُّعٌ» (٢).
قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: وهذا القولُ أرجَحُ فإنَّ اللهَ إنَّما أوجَب إتمامَها بقولِه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ إيجابَ الإتَمامِ، وفي الابتِداءِ، إنَّما أوجَب الحَجَّ، وهكذا سائرُ الأحاديثِ الصَّحيحةِ ليس فيها إلا إيجابُ الحَجِّ (٣).
وقال في مَوضعٍ آخرَ: «ولأنَّ اللهَ قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، ولم يَذكرِ العُمرةَ، ولو كانَت واجبةً لَذكَرها كما ذكَرنا، لمَّا أمَر بإتمامِها وبالسَّعيِ فيها في قولِه : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ
стр. 3072
وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، وقولِه : ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾، وكذلك أمَر خَليلَه ﷺ بدُعاءِ الناسِ إلى الحَجِّ بقولِه : ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾، إلى قولِه: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾، والاختِصاصُ بأيامٍ مَعلوماتٍ هو للحَجِّ فقط، دونَ العُمرةِ؛ فعُلم أنَّه لم يَأمرْهم بالعُمرةِ، وإنْ كانَت حَسنةً مُستحبةً؛ لأنَّه ﷺ لمَّا ذكَر مَعانيَ الإسلامِ قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقال في حَديثِ جِبريلَ ﵇: «الإسلامُ أنْ تَشهدَ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأنَّ مُحمَّدًا رَسولُ اللهِ ﷺ وتُقيمَ الصَّلاةَ وتُؤتيَ الزَّكاةَ وتَصومَ رَمضانَ وتحُجَّ البَيتَ إنِ استَطعتَ إليه سَبيلًا» (١)، ولم يَذكرِ العُمرةَ.
وسأَله ضِمامُ بنُ ثَعلبةَ عن فَرائضِ الإسلامِ إلى أنْ قال: «وزعَم رَسولُك أنَّ علَينا حجَّ البَيتِ مَنْ استَطاعَ إليه سَبيلًا، قال: صدَق، قال: ثم ولَّى، قال: والذي بعَثك بالحقِّ لا أزيدُ علَيهنَّ ولا أنقُصُ منهنَّ، فقال النَّبيُّ ﷺ لَئن صدَق ليَدخُلنَّ الجَنةَ» (٢). ولو كانَتِ العُمرةُ واجبةً لَأنكرَ قولَه: «لا أزيدُ علَيهنَّ»، ولم يَضمَنْ له الجَنةَ مع تَركِ أحدِ فَرائضِ الإسلامِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا حجَّ حَجةَ الوَداعِ كان معه من المُسلمينَ ما لا يُحصيهم إلا اللهُ ، وكلٌّ قد جاءَ يُؤدِّي فَرضَ اللهِ تَعالى عليه،
стр. 3073
فلمَّا قضَى أيامَ منًى باتَ بالمِحصَبِ بعدَ النَّفرِ، وخرَج من الغَدِ قافِلًا إلى المَدينةِ، ولم يَعتمرْ بعدَ ذلك، ولم يَأمرْ مَنْ معه بالعُمرةِ، ولا بأنْ يُسافروا لها سَفرةً أُخرى، وقد كان فيهم المُفرِدُ والقارِنُ، وهُم لا يرَونَ أنَّه قد بقِي عليهم فَريضةٌ أُخرى، بل قد سمِعوا منه أنَّ الحَجَّ لا يَجبُ إلا في عامٍ واحدٍ، وقد فعَلوه، فلو كانَتِ العُمرةُ واجبةً كالحَجِّ لَبيَّن لهم ذلك، أو لَأقامَ رَيثَما يَعتمرُ مَنْ لم يَكنِ اعتمَرَ.
قالَ: ورُبَّما احتَجَّ بعضُهم بقولِه: «دخَلتِ العُمرةُ في الحَجِّ»، وليس بشيءٍ، ولأنَّ العُمرةَ بعضُ الحَجِّ فلم تَجبِ على الانفِرادِ كالطَّوافِ، وهذا لأنَّ الحَجَّ لم يَجبْ على وَجهِ التَّكرارِ، وإنَّما وجَب مَرةً واحِدةً، فلو وجَبتِ العُمرةُ لَكانَ قد وجَب على الإنسانِ حجَّتانِ: صُغرى وكُبرى، فلم يَجزْ، كما لم يَجبْ عليه حَجُّ وطَوافٌ، وكلُّ ما يَفعلُه المُعتمِرُ، فقد دخَل في الحَجِّ، فليس في العُمرةِ شَيءُ يَقتَضي إفرادَه بالإيجابِ، لكنْ جعَل اللهُ المَناسكَ على ثَلاثِ دَرجاتٍ، أتَمُّها هو الحَجُّ المُشتمِلُ على الإحرامِ والوُقوفِ والطَّوافِ والسَّعيِ والرَّميِ والإحلالِ، وبعدَه العُمرةُ المُشتمِلةُ على الإحرامِ والطَّوافِ والسَّعيِ والإحلالِ، وبعدَه الطَّوافُ المُجرَّدُ، ولأنَّها نُسكٌ غيرُ مُؤقَّتِ الابتِداءِ والانتِهاءِ لم تَجبْ كالطَّوافِ.
ولأنَّها عِبادةٌ غيرُ مُؤقَّتةٍ من جِنسِها فَرضٌ مُؤقَّتٌ لم تَجبْ كصَلاةِ النافِلةِ، وهذا لأنَّ العِباداتِ المَحضةَ إذا وجَبت وُقِّتت كما وُقِّتت الصَّلاةُ والصِّيامُ والحَجُّ، فإذا شُرِعت في جِميعِ الأوقاتِ عُلم أنَّها شُرعِت رَحمةً
стр. 3074
وتَوسِعةً للتَّقرُّبِ إلى اللهِ (تَعالى) بأنواعٍ شَتَّى من العِبادةِ وسُبلٍ مُتعدِّدةِ؛ لئلَّا يَمتنِعَ الناسُ من التَّقرُّبِ إلى اللهِ في أغلَبِ الأوقاتِ» (١).
وقد أجابَ القائلونَ بعَدمِ وُجوبِ العُمرةِ عن أدلَّةِ القائلينَ بوُجوبها بما يلي:
١ - أُجيبَ عن حَديثِ زَيدِ بنِ ثابِتٍ ﵁ مَرفوعًا: «الحَجُّ والعُمرةُ فَريضتانِ لا يَضرُّك بأيِّهِما بدَأتَ»، بأنَّه حَديثُ ضَعيفٌ لا يُحتَجُّ به (٢).
٢ - وأجابوا عن حَديثِ عائشةَ ﵂ بأنَّ قولَه ﷺ : «علَيهنَّ جِهادٌ لا قِتالَ فيه»، بأنَّ لَفظةَ: «علَيهنَّ» ليست صَريحةً في الوُجوبِ، فقد تُطلَقُ على ما هو سُنةٌ مُؤكَّدةٌ، وإذا كان مُحتمِلًا لإرادةِ الوُجوبِ والسُّنةِ المُؤكَّدةِ، لزِم طَلبُ الدَّليلِ بأمرٍ خارِجٍ، وقد دلَّ دَليلٌ خارِجٌ على وُجوبِ
стр. 3075
الحجِّ، ولم يَدلَّ دَليلٌ خارِجٌ يَجبُ الرُّجوعُ إليه على وُجوبِ العُمرةِ (١).
٣ - وأجابوا عمَّا في حَديثِ جِبريلَ ﵇ عن عُمرَ ﵁ مَرفوعًا بلَفظِ: «وتحُجَّ البَيتَ وتَعتمرَ» بجَوابَين:
أحدُهما: أنَّ الرِّواياتِ الثابِتةَ في صَحيحِ مُسلمٍ وغيرِه ليس فيها ذِكرُ العُمرةِ، وهي أَصحُّ.
والجَوابُ الثاني: وهو ما ذكَره الإمامُ الشَّوكانِيُّ ﵀ في «نَيل الأوطارِ» في شَرحِه لهذا الحَديثِ، حيثُ قالَ: فإنْ قيلَ: إنَّ وُقوعَ العُمرةِ في جَوابِ مَنْ سأَل عن الإسلامِ يَدلُّ على الوُجوبِ، فيُقالُ: ليس كلُّ أمرٍ من الإسلامِ واجبًا، والدَّليلُ على ذلك حَديثُ شُعبِ الإسلامِ والإيَمانِ، فإنَّه اشتمَل على أُمورٍ ليست بواجبةٍ بالإجماعِ (٢).
وقال ابنُ التُّركُمانيِّ في «الجَوهرِ النَّقيِّ» في هذا الحَديثِ: قلتُ: النَّوافِلُ من الإسلامِ؛ لأنَّها من شَرائعِه، كما رُوي: «الإسلامُ بِضعٌ وسِتونَ شُعبةً: أدناها إماطَةُ الأذَى عن الطَّريقِ»، وقِرانُ العُمرةِ بالفَرائضِ لا يَقتَضي أنْ تَكونَ مِثلَها في الفَرضيَّةِ وقد قُرِنَ مع الفَرائضِ في هذا الحَديثِ إتمامُ الوُضوءِ، وليس بفَرضٍ، والمَشهورُ من الحَديثِ ذِكرُ الحَجِّ وحدَه دونَ العُمرةِ، وهو المُوافِقُ للأحاديثِ الصَّحيحةِ المَشهورةِ، كحَديثِ بُنيَ الإسلامُ وغيرُه (٣).
стр. 3076
٤ - وقد أُجيبَ عن الحَديثِ الذي قالَ فيه الإمامُ أحمدُ: لا أعلمُ حَديثًا أجودَ في إيجابِ العُمرةِ منه، وهو حَديثُ أبي رُزينٍ العُقيليِّ، الذي فيه: «حُجَّ عن أبيكَ واعتمِرْ»، أنَّ صيغةَ الأمرِ في قولِه: «واعتمِرْ» وارِدةٌ بعدَ سُؤالِ أبي رُزينٍ، وقد قرَّر جَماعةُ من أهلِ الأُصولِ أنَّ صيغةَ الأمرِ الوارِدةِ بعدَ المَنعِ أو السُّؤالِ إنَّما تَقتَضي الجَوازَ، لا الوُجوبَ؛ لأنَّ وُقوعَها في جَوابِ السُّؤالِ عن الجوازِ دَليلٌ صارِفٌ عن الوُجوبِ إلى الجوازِ، والخِلافُ في المَسألةِ مَعروفٌ (١).
وقال ابنُ التُّركُمانيِّ: ولا دِلالةَ فيه على وُجوبِ العُمرةِ؛ لأنَّه أمَر الولَدَ أنْ يحُجَّ عن أبيه ويَعتمرَ ولا يَجبانِ على الولَدِ عن أبيه إجماعًا (٢).
وقال أبوُ بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: وقولُه: «حُجَّ عن أبيكَ واعتمِرْ» لا دِلالةَ فيه على وُجوبها -أي: العُمرةِ- لأنَّه لا خِلافَ أنَّ هذا القولَ لم يَخرُجْ مَخرجَ الإيجابِ إذ ليس عليه أنْ يحُجَّ عن أبيه ولا أنْ يَعتمرَ (٣).
٥ - وأمَّا الجَوابُ عن قولِ الصُّبيِّ بنِ مَعبدٍ لعُمرَ ﵁: «وجَدتُ الحَجَّ والعُمرةَ مَكتوبَين عليَّ»، وسُكوتُ عُمرَ ﵁ وتَركُه النَّكيرَ عليه فالجَوابُ عنه من وُجوهٍ:
стр. 3077
أحدُها: أنَّه إنَّما قال: هُما مَكتوبانِ عليَّ، ولم يَقلْ: مَكتوبتان على الناسِ، فظاهرُه يَقتَضي أنْ يَكونَ نذَرهما فصارا مَكتوبَين عليه بالنَّذرِ.
وثانيها: أنَّه إنَّما قاله تَأويلًا منه لِلآيةِ، وفيه مَساغٌ للتَّأويلِ فلم يُنكِرْه عُمرُ ﵁؛ لِاحتِمالِها له، وهو بمَنزلةِ قولِ القائلِ بوُجوبِ العُمرةِ، فلا يَستحقُّونَ النَّكيرَ، إذ كان الاجتِهادُ سائغًا فيه.
وثالِثُها: أنَّ الصُّبيَّ بنَ مَعبدٍ قَدْ فسَّر كَونَهما مَكتوبَين عليه بقولِه: «وإنِّي أهلَلتُ بهما»، وإذا أهلَّ بالعُمرةِ وجَبت عليه.
٦ - أجابوا عن قولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ بأنَّ المرُادَ بها الإتمامُ بعدَ الشُّروعِ.
قال أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ ﵀: ولا دِلالةَ في الآيةِ على وُجوبها، وذلك لأنَّ أكثرَ ما فيها الأمرُ بإتمامِها، وذلك يَقتَضي نَفيَ النُّقصانِ عنهما إذا فُعِلت؛ لأنَّ ضدَّ التَّمامِ النُّقصانُ، لا البُطلانُ … » (١).
وقال الكاسانيُّ ﵀: ولا دِلالةَ في الآيةِ الكَريمةِ على فَرضيةِ العُمرةِ؛ لأنَّها قُرِئت برَفعِ العُمرةِ «والعُمرةُ للَّهِ»، وأنَّه كَلامٌ تامٌّ بنَفسِه غيرُ مَعطوفٍ على الأمرِ بالحَجِّ، أخبَر اللهُ تَعالى أنَّ العُمرةَ للهِ، رَدًّا لزَعمِ الكَفرةِ؛ لأنَّهم كانوا يجعَلون العُمرةَ لِلأصنامِ على ما كانت عِبادتُهم من الإشراكِ، وأمَّا على قِراءةِ العامَّةِ فلا حُجةَ فيها أيضًا؛ لأنَّ فيها أمرًا بإتمامِ العُمرةِ،
стр. 3078
ولأنَّ إتمامَ الشَّيءِ يَكونُ بعدَ الشُّروعِ فيه، وبه نَقولُ: إنَّها بالشُّروعِ تَصيرُ فَريضةً … » (١).
المَواقيتُ وأحكامُها:
هُناكَ أماكِنُ وقتَها الشارِعُ، أي: حدَّدها لِأداءِ أركانِ العُمرةِ لا تَصحُّ في غيرِها، فالطَّوافُ بالكَعبةِ مَكانُه حولَ الكَعبةِ، والسَّعيُ مَكانُه بينَ الصَّفا والمَروةِ على ما سيأتي في مَوضعِه إنْ شاءَ اللهُ .
أمَّا مَواقيتُ الإحرامِ المَكانيَّةُ وأحكامُها فقد سبَق بَيانُها في أركانِ الحَجِّ:
الميقاتُ المَكانيُّ لِلعُمرةِ:
الميقاتُ المَكانيُّ للعُمرةِ هو الميقاتُ المَكانيُّ للحَجِّ بالنَّسبةِ لِلآفاقيِّ والميقاتيِّ.
أمَّا مَنْ كان بمكةَ من أهلِها أو من غيرِ أهلِها فميقاتُه الحِلُّ من أيِّ مَكانٍ، ولو كان بعدَ الحَرمِ، ولو بخُطوةٍ، وهذا لا خِلافَ فيه بينَ العُلماءِ، فلو أحرَم من الحَرمِ ولم يَعدْ إلى الحِلِّ قبلَ طَوافِه فعليه دَمٌ.
وإنَّما لزِم الإحرامُ من الحِلِّ ليَجمعَ في النُّسكِ بينَ الحِلِّ والحَرمِ؛ لأنَّ من شَأنِ الإحرامِ أنْ يَجتمِعَ في أفعالِه الحِلُّ والحَرمُ، فلو أحرَم المَكيُّ بالعُمرةِ من مكةَ وأفعالُ العُمرةِ تُؤدَّى بمكةَ لم يَجتمِعْ في أفعالِها الحِلُّ والحَرمُ؛ لأنَّ أفعالَ العُمرةِ كلَّها في الحَرمِ بخِلافِ الحَجِّ فإنَّه يَفتقِرُ إلى
стр. 3079
الخُروجِ إلى عَرفةَ، فيَجتمِعُ له الحِلُّ والحَرمُ، والعُمرةُ بخِلافِ ذلك؛ لأنَّ كلَّ أفعالِها في الحَرمِ، وهذا خِلافُ عَملِ الإحرامِ في الشَّرعِ.
الإحرامُ من الجِعرانةِ أفضلُ أم من التَّنعيمِ:
اختلَف الفُقهاءُ في الأفضَلِ منها هل الإحرامُ من الجِعرانةِ أفضلُ أم من التَّنعيمِ؟
فذهَب الجُمهورُ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الإحرامَ من الجِعرانةِ أفضلُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ : «اعتمَر من الجِعرانةِ» (١)(٢).
وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ الأفضلَ أنْ يُحرِمَ من التَّنعيمِ (المُسمَّى الآنَ مَسجدَ عائشةَ ﵂ لحَديثِ عائشةَ ﵂: «قالت: يا رَسولَ اللهِ، أتَنطَلِقونَ بعُمرةٍ وحَجةٍ وأنطَلقُ بالحَجِّ؟ فأمَر عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ أنْ يَخرجَ معها إلى التَّنعيمِ فاعتمَرت بعدَ الحَجِّ في ذي الحِجةِ» (٣)(٤).
وقال كَثيرٌ من المالِكيةِ: هُما مَستَويانِ، لا أفضَليةَ لواحدٍ منهما على الآخَرِ (٥).
стр. 3080
رابعًا: أركانُ العُمرةِ (١):
ذهَب المالِكيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أركانَ العُمرةِ ثَلاثةٌ هي:
الإحرامُ والطَّوافُ والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ.
وقال الشافِعيةُ: أركانُ العُمرةِ خَمسةٌ: الثَّلاثةُ الماضيةُ والحَلقُ أو التَّقصيرُ على الصَّحيحِ والتَّرتيبِ في جميعِ أركانِها.
وذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّ الإحرامَ شَرطٌ للعُمرةِ، ورُكنُها الطَّوافُ، وأنَّ السَّعيَ والحَلقَ من واجباتِها (٢).
خامِسًا: واجباتُ العُمرةِ:
يَجبُ في العُمرةِ أمران:
الأولُ: السَّعيُ بينَ الصَّفا والمَروةِ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ في رِوايةٍ.
وقال المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في القولِ الثاني: هو رُكنٌ.
ورُكنُ السَّعيِ عندَ الجُمهورِ سَبعةُ أشواطٍ.
وقال الحَنفيةُ: رُكنُه أربَعةُ أشواطٍ، والبقِيةُ واجبٌ، وكذلك الطَّوافُ.
стр. 3081
الثاني: الحَلقُ أو التَّقصيرُ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ.
وقال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ: هو رُكنٌ.
وعلى هذا مَنْ ترك واجبًا من واجباتِ العُمرةِ كالسَّعيِ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ، وكالحَلقِ عندَ الجُمهورِ خِلافًا للشافِعيةِ، والأشواطُ الثَّلاثةُ الأخيرةُ عندَ الحَنفيةِ فإنَّه يأثَمُ بهذا، ويَجبُ عليه الدَّمُ عندَهم (١).
سادِسًا: صِفةُ العُمرةِ:
مَنْ أرادَ العُمرةَ فإنَّه يَستعِدُّ بالإحرامِ بالعمرةِ متى بلَغ الميقاتَ أو اقتربَ منه إنْ كان آفاقيًّا -وهو مَنْ كان مَنزلُه في خارِجِ مِنطَقةِ المَواقيتِ-، أو يُحرِمُ من حيثُ أنشأ، أي: من حيثُ يَشرَعُ في التَّوجُّهِ للعُمرةِ إنْ كان ميقاتيًّا -وهو الذي يَسكنُ أو يَنْزِلُ في مَناطقِ المَواقيتِ، أو ما يُحاذيها، أو في المِنطَقةِ التي بينَها وبينَ الحَرمِ- أمَّا إنْ كان مَكيًّا أو حَرميًّا -أي: مِنْ أهلِ الحَرمِ- أو مُقيمًا أو نازِلًا في مكةَ أو في مِنطَقةِ الحَرمِ حولَ مكةَ، فإنَّه يَخرجُ من الحَرمِ إلى أقرَبِ مَناطقِ الحِلِّ إليه وُجوبًا، فيُحرِمُ بالعُمرةِ متى جاوَز الحَرمَ إلى الحِلَّ ولو بخُطوةٍ، لأنَّه يُشترَطُ الجَمعُ بينَ الحِلِّ والحَرمِ.
والأفضلُ له أنْ يُحرِمَ من الجِعرانةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمَر منها، ثم يليها في الفَضلِ التَّنعيمُ؛ لِأمرِه ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ أنْ يُعمِرَ أُمَّ المُؤمِنينَ عائشةَ ﵂ من التَّنعيمِ.
стр. 3082
والاستِعدادُ لِلإحرامِ أنْ يَفعلَ ما يُسنُّ له، وهو: الاغتِسالُ بنِيةِ الإحرامِ والتَّنظيفِ وتَطييبِ البَدنِ، والأوْلى أنْ يَتطيَّبَ بطِيبٍ لا يَبقى جِرمُه، ثم يَلبَسَ ثَوبَين نَظيفَين جَديدَين أو غَسيلَين، على ألَّا يَكونا مَصبوغَيْن بصِبغةٍ لها رائحةٌ.
أمَّا المَرأةُ فتَلبَسُ ما يَسترُ عَورتَها إلا وَجهَها وكفَّيها فلا تَنتقِبُ ولا تَلبَسُ القُفازَين؛ لنَهيِه ﷺ عن ذلك، ثم يُصلِّي رَكعتَين سُنةَ الإحرامِ وتُجزئُ عنهما صَلاةُ المَكتوبةِ، ويُصلِّي سُنةَ الوُضوءِ، ثم يَنوي بعدَهما العُمرةَ ويَقولَ بلِسانِه: «اللَّهمَّ إنِّي أُريدُ العُمرةَ، فيسِّرْها لي وتَقبَّلْها منِّي إنَّك أنت السَّميعُ العَليمُ»، ثم يُلبِّي قائلًا: «لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ لبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لبَّيكَ إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلكَ لا شَريكَ لكَ» (١).
وبهذا يُصبحُ داخِلًا في العُمرةِ، فتَحرُمُ عليه مَحظوراتُ الإحرامِ، ويَستمِرُّ يُلبِّي حتى يَدخلَ مكةَ ويَشرعَ في الطَّوافِ.
فإذا دخَل المُعتمِرُ مكةَ بادَر إلى المَسجدِ الحَرامِ وقدَّم رِجلَه اليُمنى لدُخولِه، وقال: «بِسمِ اللهِ والسَّلامُ على رَسولِ اللهِ، اللَّهمَّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ رَحمتِكَ، أعوذُ باللهِ العَظيمِ وبوَجهِه الكَريمِ وسُلطانِه القَديمِ من الشَّيطانِ الرَّجيمِ».
стр. 3083
يَتوجَّهُ إلى الكَعبةِ المُعظَّمةِ بغايةِ الخُشوعِ والخُضوعِ مُستحضِرًا بذلك نِعمةَ اللهِ عليه بتَيسيرِ الوُصولِ إلى بَيتِه الحَرامِ.
ويَبدأُ بالطَّوافِ من الحَجرِ الأسودِ، ويَستلِمُ الحَجرَ في ابتِداءِ الطَّوافِ، ويُقبِّلُه إنْ لم يَخشَ الزِّحامَ أو إيذاءَ أحَدٍ، يُكبِّرُ فإنْ لم يَتيسَّرْ له التَّقبيلُ استَلمَه بيدِه وقبَّلها، وإلا أشارَ إليه وكبَّر، ويَقطَعُ التَّلبيةَ باستلامِ الحَجرِ في ابتِداءِ الطَّوافِ، أو الإشارةِ إليه، وكلَّما قرُب من الحَجرِ استَلمَه وقبَّله أو أشارَ إليه.
ثم يأخُذُ ذاتَ اليَمينِ ويجعَلُ البَيتَ على يَسارِه، فيَطوفُ سَبعةَ أشواطٍ رُكنَ العُمرةِ فيَنويه، فإذا وصَل الرُّكنَ اليَمانيَّ استلَمه إنْ تَيسَّر له بدونِ تَقبيلٍ (١).
ويَقولُ بينَ الرُّكنِ اليَمانيِّ والحَجرِ الأسوَدِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ويَقولُ في بقِيةِ طَوافِه ما أَحبَّ مِنْ ذِكرٍ ودُعاءٍ وقِراءةِ قرآنٍ.
ويُسنُّ للرَّجلِ دونَ المَرأةِ أنْ يَضطبِعَ في أشواطِ طَوافِه هذه كلِّها، والاضطِباعُ: هو أنْ يَجعلَ وسطَ الرِّداءِ تحتَ إبْطِه اليُمنى، ويَردَّ طَرفَيه على كَتفِه اليُسرى، ويُبقِيَ كَتفَه اليُمنى مَكشوفةً.
كما يُسنُّ للرَّجلِ أيضًا الرَّمَلُ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأُولى، ويَمشي في البقِيةِ، والرَّمَلُ هو: إسراعُ المَشيِ مع مُقارَبةِ الخُطى.
стр. 3084
ولْيُكثرِ المُعتمِرُ من الدُّعاءِ والذِّكرِ والقِراءةِ في طَوافِه كلِّه.
ثم إذا فرَغ من طَوافِه تقدَّم إلى مَقامِ إبراهيمَ وقرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ثم يُصلِّي رَكعتَين خَلفَه قريبًا منه إنْ تيسَّر، وإلا فبَعيدًا، يَقرأُ في الأولى بعدَ الفاتِحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانيةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم يَرجعُ إلى الحَجرِ الأسوَدِ فيَستلِمُه إنْ تَيسَّر له ذلك، ويُكبِّرُ.
ثم يَخرجُ إلى المَسعى فيَسعى، فإذا دَنا من الصَّفا قرَأ قولَه تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ثم يَقولُ: «أبدَأُ بما بدَأ اللهُ به».
ويَبدأُ السَّعيَ من الصَّفا، ثم يَرقى على الصَّفا حتى يَرى الكَعبةَ المُعظَّمةَ فيَجبُ أنْ يَستقبِلَها، ويَقفَ مُتوجِّهًا إليها، ويَرفعَ يدَيه فيَحمَدَ اللهَ ويُهلِّلَ ويُكبِّرَ ويَدعوَ، وكان مِنْ دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ هنا: «لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ ولَه الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه، أنجَز وَعدَه، ونصَر عبدَه، وهزَم الأحزابَ وحدَه»، وكان يُكرِّرُ ذلك ثَلاثَ مرَّاتٍ ويَدعو بينَهما، ثم يَنزلُ مِنْ على الصَّفا مُتوجِّهًا إلى المَروةِ.
ويُسنُّ للرَّجلِ أنْ يُسرِعَ بينَ الميلَين الأخضَريْن، ثم يَمشيَ على عادَتِه حتى يَبلُغَ المَروةَ فيَرقى عليها ويَستقبلَ القِبلةَ ويَرفعَ يدَيه ليَدعوَ، ويَقولَ مثلَ ما قالَه على الصَّفا.
стр. 3085
ثمَّ ينزلَ فيَفعلَ كما في الشَّوطِ الأولِ حتى يُتمَّ سَبعةَ أشواطٍ تَنتَهي على المَروةِ، وليُكثِرْ من الدُّعاءِ والذِّكرِ في سَعيِه.
ثم إذا فرَغ المُعتمِرُ من سَعيِه حلَق رأسَه أو قصَّر، والحَلقُ أفضلُ، وتَحلَّل بذلك من إحرامِه تَحلُّلًا كامِلًا، ويَمكُثُ بمكةَ حَلالًا ما بَدا له.
ثم عليه طوافُ الوَداعِ إذا أرادَ السَّفرَ من مكةَ في أصحِّ قولَيِ العُلماءِ إلا أنْ يَكونَ مَكيًّا أو مَنزلُه في الحَرمِ، فلا يَجبُ عليه طَوافُ الوَداعِ (١).
تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ:
اختلَف أهلُ العِلمِ في هذه المَسألةِ، وهي: هل تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ جائزٌ ومُستحبٌّ أو مَكروهٌ؟ على قولَين:
القولُ الأولُ: ذهَب المالِكيةُ في المَشهورِ من المَذهبِ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والحَسنُ البَصريُّ وإبراهيمُ النَّخعيُّ والمُزنيُّ من الشافِعيةِ إلى أنَّه يُكرهُ تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ أكثرَ من مَرةٍ، وإنَّما يُطلَبُ كَثرةُ الطَّوافِ.