الثاني: الحَلقُ أو التَّقصيرُ عندَ الحَنفيةِ والمالِكيةِ والحَنابلةِ.
وقال الشافِعيةُ في الصَّحيحِ: هو رُكنٌ.
وعلى هذا مَنْ ترك واجبًا من واجباتِ العُمرةِ كالسَّعيِ عندَ الحَنفيةِ والحَنابلةِ في قَولٍ، وكالحَلقِ عندَ الجُمهورِ خِلافًا للشافِعيةِ، والأشواطُ الثَّلاثةُ الأخيرةُ عندَ الحَنفيةِ فإنَّه يأثَمُ بهذا، ويَجبُ عليه الدَّمُ عندَهم (١).
سادِسًا: صِفةُ العُمرةِ:
مَنْ أرادَ العُمرةَ فإنَّه يَستعِدُّ بالإحرامِ بالعمرةِ متى بلَغ الميقاتَ أو اقتربَ منه إنْ كان آفاقيًّا -وهو مَنْ كان مَنزلُه في خارِجِ مِنطَقةِ المَواقيتِ-، أو يُحرِمُ من حيثُ أنشأ، أي: من حيثُ يَشرَعُ في التَّوجُّهِ للعُمرةِ إنْ كان ميقاتيًّا -وهو الذي يَسكنُ أو يَنْزِلُ في مَناطقِ المَواقيتِ، أو ما يُحاذيها، أو في المِنطَقةِ التي بينَها وبينَ الحَرمِ- أمَّا إنْ كان مَكيًّا أو حَرميًّا -أي: مِنْ أهلِ الحَرمِ- أو مُقيمًا أو نازِلًا في مكةَ أو في مِنطَقةِ الحَرمِ حولَ مكةَ، فإنَّه يَخرجُ من الحَرمِ إلى أقرَبِ مَناطقِ الحِلِّ إليه وُجوبًا، فيُحرِمُ بالعُمرةِ متى جاوَز الحَرمَ إلى الحِلَّ ولو بخُطوةٍ، لأنَّه يُشترَطُ الجَمعُ بينَ الحِلِّ والحَرمِ.
والأفضلُ له أنْ يُحرِمَ من الجِعرانةِ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمَر منها، ثم يليها في الفَضلِ التَّنعيمُ؛ لِأمرِه ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ أنْ يُعمِرَ أُمَّ المُؤمِنينَ عائشةَ ﵂ من التَّنعيمِ.
стр. 3082
والاستِعدادُ لِلإحرامِ أنْ يَفعلَ ما يُسنُّ له، وهو: الاغتِسالُ بنِيةِ الإحرامِ والتَّنظيفِ وتَطييبِ البَدنِ، والأوْلى أنْ يَتطيَّبَ بطِيبٍ لا يَبقى جِرمُه، ثم يَلبَسَ ثَوبَين نَظيفَين جَديدَين أو غَسيلَين، على ألَّا يَكونا مَصبوغَيْن بصِبغةٍ لها رائحةٌ.
أمَّا المَرأةُ فتَلبَسُ ما يَسترُ عَورتَها إلا وَجهَها وكفَّيها فلا تَنتقِبُ ولا تَلبَسُ القُفازَين؛ لنَهيِه ﷺ عن ذلك، ثم يُصلِّي رَكعتَين سُنةَ الإحرامِ وتُجزئُ عنهما صَلاةُ المَكتوبةِ، ويُصلِّي سُنةَ الوُضوءِ، ثم يَنوي بعدَهما العُمرةَ ويَقولَ بلِسانِه: «اللَّهمَّ إنِّي أُريدُ العُمرةَ، فيسِّرْها لي وتَقبَّلْها منِّي إنَّك أنت السَّميعُ العَليمُ»، ثم يُلبِّي قائلًا: «لبَّيكَ اللَّهمَّ لبَّيكَ لبَّيكَ لا شَريكَ لكَ لبَّيكَ إنَّ الحَمدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلكَ لا شَريكَ لكَ» (١).
وبهذا يُصبحُ داخِلًا في العُمرةِ، فتَحرُمُ عليه مَحظوراتُ الإحرامِ، ويَستمِرُّ يُلبِّي حتى يَدخلَ مكةَ ويَشرعَ في الطَّوافِ.
فإذا دخَل المُعتمِرُ مكةَ بادَر إلى المَسجدِ الحَرامِ وقدَّم رِجلَه اليُمنى لدُخولِه، وقال: «بِسمِ اللهِ والسَّلامُ على رَسولِ اللهِ، اللَّهمَّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ رَحمتِكَ، أعوذُ باللهِ العَظيمِ وبوَجهِه الكَريمِ وسُلطانِه القَديمِ من الشَّيطانِ الرَّجيمِ».
стр. 3083
يَتوجَّهُ إلى الكَعبةِ المُعظَّمةِ بغايةِ الخُشوعِ والخُضوعِ مُستحضِرًا بذلك نِعمةَ اللهِ عليه بتَيسيرِ الوُصولِ إلى بَيتِه الحَرامِ.
ويَبدأُ بالطَّوافِ من الحَجرِ الأسودِ، ويَستلِمُ الحَجرَ في ابتِداءِ الطَّوافِ، ويُقبِّلُه إنْ لم يَخشَ الزِّحامَ أو إيذاءَ أحَدٍ، يُكبِّرُ فإنْ لم يَتيسَّرْ له التَّقبيلُ استَلمَه بيدِه وقبَّلها، وإلا أشارَ إليه وكبَّر، ويَقطَعُ التَّلبيةَ باستلامِ الحَجرِ في ابتِداءِ الطَّوافِ، أو الإشارةِ إليه، وكلَّما قرُب من الحَجرِ استَلمَه وقبَّله أو أشارَ إليه.
ثم يأخُذُ ذاتَ اليَمينِ ويجعَلُ البَيتَ على يَسارِه، فيَطوفُ سَبعةَ أشواطٍ رُكنَ العُمرةِ فيَنويه، فإذا وصَل الرُّكنَ اليَمانيَّ استلَمه إنْ تَيسَّر له بدونِ تَقبيلٍ (١).
ويَقولُ بينَ الرُّكنِ اليَمانيِّ والحَجرِ الأسوَدِ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]، ويَقولُ في بقِيةِ طَوافِه ما أَحبَّ مِنْ ذِكرٍ ودُعاءٍ وقِراءةِ قرآنٍ.
ويُسنُّ للرَّجلِ دونَ المَرأةِ أنْ يَضطبِعَ في أشواطِ طَوافِه هذه كلِّها، والاضطِباعُ: هو أنْ يَجعلَ وسطَ الرِّداءِ تحتَ إبْطِه اليُمنى، ويَردَّ طَرفَيه على كَتفِه اليُسرى، ويُبقِيَ كَتفَه اليُمنى مَكشوفةً.
كما يُسنُّ للرَّجلِ أيضًا الرَّمَلُ في الأشواطِ الثَّلاثةِ الأُولى، ويَمشي في البقِيةِ، والرَّمَلُ هو: إسراعُ المَشيِ مع مُقارَبةِ الخُطى.
стр. 3084
ولْيُكثرِ المُعتمِرُ من الدُّعاءِ والذِّكرِ والقِراءةِ في طَوافِه كلِّه.
ثم إذا فرَغ من طَوافِه تقدَّم إلى مَقامِ إبراهيمَ وقرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] ثم يُصلِّي رَكعتَين خَلفَه قريبًا منه إنْ تيسَّر، وإلا فبَعيدًا، يَقرأُ في الأولى بعدَ الفاتِحةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ وفي الثانيةِ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم يَرجعُ إلى الحَجرِ الأسوَدِ فيَستلِمُه إنْ تَيسَّر له ذلك، ويُكبِّرُ.
ثم يَخرجُ إلى المَسعى فيَسعى، فإذا دَنا من الصَّفا قرَأ قولَه تَعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨] ثم يَقولُ: «أبدَأُ بما بدَأ اللهُ به».
ويَبدأُ السَّعيَ من الصَّفا، ثم يَرقى على الصَّفا حتى يَرى الكَعبةَ المُعظَّمةَ فيَجبُ أنْ يَستقبِلَها، ويَقفَ مُتوجِّهًا إليها، ويَرفعَ يدَيه فيَحمَدَ اللهَ ويُهلِّلَ ويُكبِّرَ ويَدعوَ، وكان مِنْ دُعاءِ النَّبيِّ ﷺ هنا: «لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شَريكَ له، له المُلكُ ولَه الحَمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه، أنجَز وَعدَه، ونصَر عبدَه، وهزَم الأحزابَ وحدَه»، وكان يُكرِّرُ ذلك ثَلاثَ مرَّاتٍ ويَدعو بينَهما، ثم يَنزلُ مِنْ على الصَّفا مُتوجِّهًا إلى المَروةِ.
ويُسنُّ للرَّجلِ أنْ يُسرِعَ بينَ الميلَين الأخضَريْن، ثم يَمشيَ على عادَتِه حتى يَبلُغَ المَروةَ فيَرقى عليها ويَستقبلَ القِبلةَ ويَرفعَ يدَيه ليَدعوَ، ويَقولَ مثلَ ما قالَه على الصَّفا.
стр. 3085
ثمَّ ينزلَ فيَفعلَ كما في الشَّوطِ الأولِ حتى يُتمَّ سَبعةَ أشواطٍ تَنتَهي على المَروةِ، وليُكثِرْ من الدُّعاءِ والذِّكرِ في سَعيِه.
ثم إذا فرَغ المُعتمِرُ من سَعيِه حلَق رأسَه أو قصَّر، والحَلقُ أفضلُ، وتَحلَّل بذلك من إحرامِه تَحلُّلًا كامِلًا، ويَمكُثُ بمكةَ حَلالًا ما بَدا له.
ثم عليه طوافُ الوَداعِ إذا أرادَ السَّفرَ من مكةَ في أصحِّ قولَيِ العُلماءِ إلا أنْ يَكونَ مَكيًّا أو مَنزلُه في الحَرمِ، فلا يَجبُ عليه طَوافُ الوَداعِ (١).
تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ:
اختلَف أهلُ العِلمِ في هذه المَسألةِ، وهي: هل تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ جائزٌ ومُستحبٌّ أو مَكروهٌ؟ على قولَين:
القولُ الأولُ: ذهَب المالِكيةُ في المَشهورِ من المَذهبِ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ والحَسنُ البَصريُّ وإبراهيمُ النَّخعيُّ والمُزنيُّ من الشافِعيةِ إلى أنَّه يُكرهُ تَكرارُ العُمرةِ في العامِ الواحِدِ أكثرَ من مَرةٍ، وإنَّما يُطلَبُ كَثرةُ الطَّوافِ.
стр. 3086
وابتِداءُ العامِ يُعدُّ من شَهرِ مُحرَّمٍ، فمَن اعتمَر في ذي الحِجةِ ثم اعتمَر في مُحرَّمٍ فجائزٌ ولا كَراهةَ في عُمرتِه الثانيةِ؛ لأنَّه أداها في سَنةٍ أُخرى.
وقال الحَطابُ المالِكيُّ ﵀: ويُستَثنى من كَراهةِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ من تكرَّر دُخولُه إلى مكةَ من مَوضعٍ يَجبُ عليه الإحرامُ منه، وهو الظاهرُ، ولم أرَ مَنْ صرَّح به؛ لأنَّه إنْ أحرَم بحَجٍّ فقد أحرَم قبلَ وقتِه وإنْ لم يُحرِمْ دخَل بغيرِ إحرامٍ، واللهُ أعلمُ (١).
وقد استدلَّ المالِكيةُ على ذلك بما يلي:
١ - بأنَّها عِبادةٌ تَشتمِلُ على الطَّوافِ والسَّعيِ فلا تُفعلُ في السَّنةِ إلا مَرةً كالحَجِّ.
٢ - قالوا: إنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمَر، وأتَى مكةَ وحجَّ واعتمَر مع حَجِّه، ولم يأتِ بعُمرتَين في سَنةٍ واحِدةٍ، وأفعالُه على الوُجوبِ أو النَّدبِ، وقد جاء في فَتحِ مكةَ سَنةَ ثمَانٍ من الهِجرةِ، وذهَب إلى حُنَينٍ، وفي عَودتِه اعتمَر من الجِعرانةِ، وكانت عُمرةً واحِدةً، ولم يُكرِّرِ العُمرةَ، مع أنَّه كان لَديْه الوقتُ لذلك، ولو كان مُستحبًّا لفعَله ﷺ أو ندَب إليه على وَجهٍ يَقطعُ العُذرَ.
القولُ الثاني: ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والظاهِريَّةُ وابنُ عبدِ البرِّ وابنُ المَوَّازِ ومُطرِّفٌ واللَّخميُّ من المالِكيةِ
стр. 3087
إلى استِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ الواحِدةِ والاستِكثارِ منها، وممَّن رُوي عنه ذلك من الصَّحابةِ عُمرُ بنُ الخَطَّابِ وعلِيُّ بنُ أبي طالِبٍ وعبدُ اللهِ ابنُ عُمرَ وعبدُ اللهِ بنُ عَباسٍ وعائشةُ وأنَسُ بنُ مالكٍ، ومن التابِعين عِكرَمةُ وعَطاءٌ وطاوُسٌ.
وقد استدلَّ الجُمهورُ على ذلكَ بأمرِه ﷺ ، والتَّرغيبِ فيها، وفِعلِ أصحابِه ﵃ بعدَه.
أولًا:
١ - عن جابرٍ ﵁ قال: «أقبَلْنا مُهلِّين مع رَسولِ اللهِ ﷺ بحَجٍّ مُفرَدٍ، وأقبَلت عائشةُ ﵂ بعُمرةٍ حتى إذا كُنا بسَرِفَ عرَكت حتى إذا قدِمْنا طُفنا بالكَعبةِ والصَّفا والمَروةِ، فأمَرنا رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ يَحلَّ مِنا مَنْ لم يَكنْ معه هَديٌ، قال: فقُلنا: حِلُّ ماذا؟ قال الحِلُّ كلُّه، فواقَعْنا النِّساءَ وتَطيَّبْنا بالطِّيبِ ولَبِسنا ثيابَنا وليسَ بينَنا وبينَ عَرفةَ إلا أربَعُ لَيالٍ، ثم أهلَلنا يومَ التَّرويةِ ثم دخَل رَسولُ اللهِ ﷺ على عائشةَ ﵂ فوجَدها تَبكي، فقال: ما شَأنُكِ؟ قالت: شأني أنِّي قد حِضتُ، وقَد حلَّ الناسُ ولم أحلِلْ ولم أطُفْ بالبَيتِ والناسُ يَذهَبون إلى الحَجِّ الآنَ، فقال: إنَّ هذا أمرٌ كتَبه اللهُ على بَناتِ آدمَ، فاغتَسِلي، ثم أهِلِّي بالحَجِّ، ففعَلتْ ووقَفتِ المَواقفَ حتى إذا طهُرَت طافَت بالكَعبةِ والصَّفا والمَروةِ ثم قال: قد حلَلتِ من حَجِّكِ وعُمرتِكِ جميعًا، فقالت: يا رَسولَ اللهِ إني أجِدُ في
стр. 3088
نَفسي أنِّي لم أطُفْ بالبَيتِ حتى حجَجتُ، قال: فاذهَب بها يا عبدَ الرَّحمنِ فأعمِرْها من التَّنعيمِ، وذلك لَيلةَ الحَصبةِ» (١).
قال ابنُ القَيمِ ﵀: وحَديثُ عائشةَ هذا يُؤخَذُ منه أُصولُ عَظيمةٌ من أُصولِ المَناسكِ، منها جَوازُ عُمرتَين في سَنةٍ واحِدةٍ، بل في شَهرٍ واحدٍ (٢).
٢ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهما، والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (٣)، وهذا مع إطلاقِه وعُمومِه؛ فإنَّه يَقتَضي الفرقَ بينَ العُمرةِ والحَجِّ، إذ لو كانتِ العُمرةُ لا تُفعَلُ في السَّنةِ إلا مَرةً لَكانت كالحَجِّ، فكان يُقالُ: الحَجُّ إلى الحَجِّ (٤).
ثانيًا: ما ورَد عن أصحابِ النَّبيِّ ﷺ في ذلك، فقد رَوى الإمامُ الشافِعيُّ ﵁ في «مُسنَدِه» وفي «الأمِّ» والبَيهَقيُّ في «السُننِ» عن أنَسِ بنِ مالكٍ، وعلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ، وعائشةَ وابنِ عُمرَ ﵃ فِعلُ ذلك.
١ - قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵁: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ عن ابنِ أبي حُسَينٍ
стр. 3089
عن بعضِ ولَدِ أنَسِ بنِ مالكٍ قال: كُنا مع أنَسِ بنِ مالكٍ بمكةَ، فكان إذا حمَّم رَأسُه (١) خرَج فاعتمَر.
٢ - وقال: أخبَرنا ابنُ عُيَينةَ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مُجاهدٍ عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ قال في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ.
٣ - قال: أخبَرنا سُفيانُ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن ابنِ المُسيِّبِ أنَّ عائشةَ ﵂ اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، مَرةً من ذي الحُلَيفةِ، ومَرةً من الجُحفةِ.
٤ - قال: أخبَرنا سُفيانُ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّ عائشةَ أمَّ المُؤمِنين ﵂ زَوج النَّبيِّ ﷺ اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، قال صَدقةُ: فقلتُ: هل عابَ ذلك عليها أحدٌ؟ فقال: سُبحانَ اللهِ: أمُّ المُؤمِنين! فاستَحيَيتُ.
٥ - قال: أخبَرنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عن موسى بنِ عُقبةَ عن نافِعٍ قال: اعتمَر عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ أعوامًا في عَهدِ ابنِ الزُّبيرِ مرَّتيْن في كلِّ عامٍ.
٦ - قال: أخبَرنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عبدِ المَجيدِ عن حَبيبٍ المُعلِّم قال: سُئل عَطاءٌ عن العُمرةِ في كلِّ شَهرٍ؟ قال: نَعمْ (٢).
стр. 3090
ثالثًا: أقوالُ أهلِ العِلمِ في المَسألةِ:
قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵁: والعُمرةُ في السَّنةِ كلِّها، فلا بَأسَ بأنْ يَعتمرَ الرَّجلُ في السَّنةِ مِرارًا، وهذا قولُ العامَّةِ من المَكيِّينَ وأهلِ البُلدانِ، غيرَ أنَّ قائلًا من الحِجازيِّينَ كرِه العُمرةَ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً، وإذا كانت العُمرةُ تَصلُحُ في كلِّ شَهرٍ فلا تُشبِهُ الحَجَّ الذي لا يَصلُحُ إلا في يَومٍ من شَهرٍ بعَينِه إنْ لم يُدرَكْ فيه الحَجُّ فاتَ إلى قابِلٍ فلا يَجوزُ أنْ تُقاسَ عليه، وهي تُخالِفُه في هذا كلِّه.
فإنْ قال قائلٌ: ما دلَّ على ما وصَفتَ؟ قيلَ له: عائشةُ ﵂ ممَّن لم يَكنْ معه هَديٌ، وممَّن دخَل في أمرِ النَّبيِّ ﷺ أنْ يَكونَ إحرامُه عُمرةً، فعرِكت، فلم تَقدرْ على الطَّوافِ للطَّمثِ، فأمَرها رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ تُهلَّ بالحَجِّ، فكانَت قارِنةً، وكانَت عُمرتُها في ذي الحِجَّةِ، ثم سأَلتْه أنْ يُعمِرَها فأعمَرها في ذي الحِجةِ، فكانَت هذه عُمرتَين في شَهرٍ، فكَيفَ يُنكرُ أحَدٌ بعدَ أمرِ النَّبيِّ ﷺ بعُمرتَين في شَهرٍ يَزعمُ ألَّا تَكونَ في السَّنةِ إلا مَرةً.
أخبَرنا ابنُ عُيينةَ عن ابنِ أبي حُسَينٍ عن بعضِ ولَدِ أنسِ بنِ مالكٍ قال: كُنا مع أنسِ بنِ مالكٍ بمكةَ، فكانَ إذا حمَّم رَأسُه خرَج فاعتمَر.
أخبَرنا ابنُ عُيينةَ عن ابنِ أبي نَجيحٍ عن مُجاهدٍ عن عَليِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ قال: في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ.
стр. 3091
أخبرَنا سُفيانُ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن ابنِ المُسيِّبِ أنَّ عائشةَ ﵂ اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، مَرةً من ذي الحُلَيفةِ، ومَرةً من الجُحفةِ.
أخبرَنا سُفيانُ عن صَدَقةَ بنِ يَسارٍ عن القاسِمِ بنِ مُحمدٍ أنَّ عائشةَ أُمَّ المُؤمِنينَ ﵂ زَوج النَّبيِّ ﷺ اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، قال صَدقةُ: فقلتُ: هل عابَ ذلك عليها أحَدٌ؟ فقال: سُبحانَ اللهِ! أمُّ المُؤمِنينَ، فاستَحيَيتُ.
أخبرَنا أنَسُ بنُ عِياضٍ عن موسى بنِ عُقبةَ عن نافِعٍ قال: اعتمَر عبدُ اللهِ بنُ عُمرَ أعوامًا في عَهدِ ابنِ الزُّبيرِ، مرَّتيْن في كلِّ عامٍ.
أخبرَنا عبدُ الوهَّابِ بنُ عبدِ المَجيدِ عن حَبيبٍ المُعلِم قال: سُئل عَطاءٌ عن العُمرةِ في كلِّ شَهرٍ، قال: نَعمْ.
قال الشافِعيُّ: وفيما وَصَفتُ من عُمرةِ عائشةَ ﵂ بأمرِ النَّبيِّ ﷺ وغيرِها في ذي الحِجَّةِ، وفي أنَّه اعتمَر في أشهُرِ الحَجِّ بَيانٌ أنَّ العُمرةَ تَجوزُ في زَمانِ الحَجِّ وغيرِه، وإذا جازَت في شَهرٍ مرَّتيْن بأمرِ النَّبيِّ ﷺ زايَلَت مَعنى الحَجِّ الذي لا يَكونُ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً، وصَلُحت في كلِّ شَهرٍ، وحينَ أرادَه صاحِبُه أنْ يَكونَ مُحرِمًا بغيرِها من حَجٍّ أو عُمرةٍ فلا يُدخِلُ إحرامًا بغيرِه عليه قبلَ أنْ يُكمِلَه.
قال الشافِعيُّ: وإذا أهلَّ رَجلٌ بعُمرةٍ كان له أنْ يُدخِلَ الحَجَّ على العُمرةِ ما لم يَدخلْ في الطَّوافِ بالبَيتِ فإذا دخَل فيه فليس له أنْ يُدخِلَ عليه الحَجَّ ولو فعَل لم يَلزمْه حَجٌّ؛ لأنَّه يَعملُ في الخُروجِ من عُمرتِه في وقتٍ ليس له
стр. 3092
إدخالُ الحَجِّ فيه على عَملِ العُمرةِ، ولو كان إهلالُه بحَجٍّ لم يَكنْ له أنْ يُدخِلَ عليه العُمرةَ، ولو فعَل لم يَكنْ مُهلًّا بعُمرةٍ ولا عليه فِديةٌ.
(قال): ومَن لم يحُجَّ اعتمَر في السَّنةِ كلِّها، ومَن حجَّ لم يُدخِلِ العُمرةَ على الحَجِّ حتى يُكملَ عَملَ الحَجِّ، وهو آخِرُ أيامِ التَّشريقِ إنْ أقامَ إلى آخرِها، وإنْ نفَر النَّفرَ الأولَ فاعتمَر يَومئذٍ لزِمته العُمرةُ؛ لأنَّه لم يَبقَ عليه للحَجِّ عَملٌ، ولو أخَّره كان أَحبَّ إليَّ، ولو أهلَّ بالعُمرةِ في يومِ النَّفرِ الأولِ ولم يَنفِرْ كان إهلالُه باطِلًا؛ لأنَّه مَعكوفٌ على عَملٍ من عَملِ الحَجِّ فلا يَخرجُ منه إلا بكَمالِه والخُروجِ منه.
(قال): وخالَفَنا بعضُ حِجازيِّينا فقال: لا يَعتمرُ في السَّنةِ إلا مَرةً، وهذا خِلافُ سُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، فقد أعمَر عائشةَ ﵂ في شَهرٍ واحدٍ من سَنةٍ واحِدةٍ مرَّتيْن، وخِلافُ فِعلِ عائشةَ ﵂ نَفسِها، وعَليِّ بنِ أبي طالِبٍ وابنِ عُمرَ وأنسٍ ﵃، وعَوامِّ الناسِ وأصلُ قولِه: إنْ كان قولُه: إنَّ العُمرةَ تَصلُحُ في كلِّ السَّنةِ، فكَيفَ قاسَها بالحَجِّ الذي لا يَصلُحُ إلا في يَومٍ من السَّنةِ؟ وأيُّ وقتٍ وقتٌ للعُمرةِ من الشُّهورِ؟ فإنْ قال: أيَّ وقتٍ شاءَ، فكَيفَ لم يَعتمرْ في أيِّ وقتٍ شاءَ مِرارًا؟ وقولُ العامَّةِ على ما قُلنا (١).
وقال الماوَرديُّ ﵀: مَسألةُ: قال الشافِعيُّ ﵁: «ومَن قالَ: لا يَعتمرُ في السَّنةِ إلا مَرةً خالَف سُنةَ رَسولِ اللهِ؛ لأنَّه أعمَرَ عائشةَ ﵂
стр. 3093
في شَهرٍ واحدٍ مرَّتيْن، وخالَف فِعلَ عائشةَ ﵂ نَفسِها وعليٍّ وابنِ عُمرَ وأنسٍ».
قال الماوَرديُّ: وهذا كما قال: يَجوزُ أنْ يَعتمرَ في السَّنةِ مِرارًا، وهو قولُ الجُمهورِ.
قال به من الصَّحابةِ عُمرُ وعلِيٌّ وابنُ عُمرَ وعائشةُ وأنسٌ ﵃، ومن التابِعينَ عِكرِمةُ وعَطاءٌ وطاوُسٌ.
وقال مالكٌ والنَّخعيُّ وسَعيدُ بنُ جُبيرٍ وابنُ سِيرينَ والمُزنيُّ: لا تَجوزُ العُمرةُ في السَّنةِ إلا مَرةً كالحَجِّ لاقتِرانِهما في الأمرِ، وهذا خَطأٌ.
ودَليلُنا ما روَت عائشةُ ﵂ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ اعتمَر في سَنةٍ مرَّتيْن في شوَّالٍ وذي القَعدةِ، ورُوي عنه أنَّه أعمَر عائشةَ ﵂ في سَنةٍ مرَّتيْن، لأنَّها أحرَمت بالعُمرةِ، فلمَّا دخلَت مكةَ حاضَتْ، فقال لها النَّبيُّ: «ارفُضي عُمرتَكِ»، أي: ارفُضي عَملَ عُمرتِك، فلمَّا فرَغت من القِرانِ قالت: يا رَسولَ اللهِ: كلُّ نِسائك يَنصرِفنَ بنُسكَين وأنا بنُسكٍ واحدٍ، فأمرَ أخاها عبدَ الرَّحمنِ أنْ يُعمِرَها من التَّنعيمِ، فحصَل لها عُمرَتان.
ورَوى أبو صالِحٍ عن أبي هُريرةَ ﵁ قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ، والعُمرَتان تُكفِّران ما بينَهما».
ورُوي عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ أنَّه اعتمَر في شَهرٍ واحدٍ أربعَ عُمَرٍ، وحُكيَ نحوُ ذلك عن ابنِ عُمرَ وأنسٍ وعائشةَ.
стр. 3094
وقيلَ: سُمِّيت عُمرةً لِجوازِها في العُمرِ كلِّه، وسُمُّوا عُمَّارَ البَيتِ لمُداوَمتِهم الاعتِمارَ، ولأنَّه لمَّا كان جميعُ السَّنةِ وقتًا للعُمرةِ، دلَّ على تَكرارِها، وجوازِ فِعلِها مِرارًا كالنَّوافلِ في الصَّلاةِ والصِّيامِ، وبهذا المَعنى فارقَت الحَجَّ؛ لأنَّ للحَجِّ وقتًا يَفوتُ الحَجُّ بفَواتِه، وهو عَرفةُ، فافتَرقا من هذا الوَجهِ (١).
وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ في «الاستِذكارِ» (٢): وأمَّا قولُ مالكٍ في هذا البابِ فلا أرى لِأحَدٍ أنْ يَعتمرَ في السَّنةِ مِرارًا، فقد قاله غيرُه.
وإنْ كان جُمهورُ العُلماءِ على إباحةِ العُمرةِ في كلِّ السَّنةِ، لأنَّها ليسَ لها عندَ الجميعِ وقتٌ مَعلومٌ، ولا وقتٌ مَمنوعٌ أنْ تُقامَ فيه إلا من بعدِ طَوافِ الحَجِّ بالبَيتِ أو آخرِه في الطَّوافِ أو عندَ طَوافِ القُدومِ إلى أنْ يُتمَّ حجَّه، وما عَدا هذا الوقتَ فجائزٌ عَملُ العُمرةِ فيه العامَ كلَّه.
إلا أنَّ من أهلِ العِلمِ مَنْ استحَبَّ ألَّا يَزيدَ في الشهرِ على عُمرةٍ، ومنهم مَنْ استحَبَّ ألَّا يَعتمرَ المُعتمِرُ في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً، كما قال مالكٌ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَجمَعْ عُمرتَين في عامٍ.
والجُمهورُ على جوازِ الاستِكثارِ منها في اليومِ واللَّيلةِ، لأنَّه عَملُ برٍّ وخَيرٍ فلا يَجبُ الامتِناعُ منه إلا بدَليلٍ، ولا دَليلَ أمنَعُ منه، بل الدَّليلُ يَدلُّ عليه بقولِ اللهِ : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧].
стр. 3095
وقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنَّةُ».
وأمَّا الاستِحبابُ فغيرُ لَازمٍ ولا يُضيَّقُ لِصاحبِه.
ذكَرَ عبدُ الرزَّاقِ قال: أخبَرني الثَّوريُّ عن مَنصورٍ عن إبراهيمَ قال: كانوا لا يَعتمرون في السَّنةِ إلا مَرةً واحِدةً.
قال: وأخبَرنا جَعفَرٌ عن هِشامٍ عن الحَسنِ أنَّه كان يَكرهُ عُمرتَين في سَنةٍ.
وقال ابنُ سِيرينَ: تُكرهُ العُمرةُ في السَّنةِ مرَّتيْن.
وأمَّا الذين أجازوا العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا فمِنهم عَليٌّ، وابنُ عباسٍ، وابنُ عُمرَ، وعائشةُ، وأنسٌ ﵃، والقاسِمُ بنُ مُحمدٍ، وطاوُسٌ، وسَعيدُ ابنُ المُسيِّبِ.
ذكَر عبدُ الرَّزاقِ عن ابنِ عُيَينةَ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ عن سَعيدِ بنِ المُسيِّبِ قال: اعتمَرتْ عائشةُ ﵂ في سَنةٍ ثَلاثَ مرَّاتٍ، مَرةً من الجُحفةِ، ومَرةً من التَّنعيمِ، ومَرةً من ذي الحُليفةِ.
قال: وأخبَرنا عُبيدُ اللهِ وعبدُ اللهِ ابنا عُمرَ عن نافِعٍ «أنَّ ابنَ عُمرَ اعتمَر في عامِ القِتالِ عُمرتَين».
قال: وأخبَرنا مَعمَرٌ عن الثَّوريِّ عن صَدقةَ عن القاسمِ قال: فرَّطت عائشةُ ﵂ في الحَجِّ فاعتمَرت تلك السَّنةَ مِرارًا ثَلاثًا.
стр. 3096
قال صَدقةُ: قلتُ للقاسمِ: أنكَر عليها أحَدٌ؟ قال: سُبحانَ اللهِ! على أُمِّ المُؤمِنين؟!
وذكَر الطَّبريُّ قال: حدَّثنا مُحمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا مُحمدُ بنُ جَعفَرٍ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بنُ أبي عَروبةَ عن قَتادةَ عن مُعاذةَ عن عائشةَ ﵂ قالت: «العُمرةُ في السَّنةِ كلِّها إلا أربعةَ أيامٍ، هي يومُ عَرفةَ ويومُ النَّحرِ وأيامُ التَّشريقِ».
قال أبو عُمرَ: هذا قولُ أبي حَنيفةَ وأصحابِه، قالوا: العُمرةُ جائزةٌ في السَّنةِ كلِّها إلا يومَ عَرفةَ، ويومَ النَّحرِ وأيامَ التَّشريقِ فإنَّها مَكروهةٌ فيها.
وكانَ القاسمُ يَكرهُ عُمرتَين فيها، ويَقولُ: في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ.
وكذلك قال طاوُسٌ: في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ، وعن علِيٍّ ﵁: «في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ».
وقال عِكرِمةُ: يَعتمرُ متى شاءَ.
وقال عَطاءٌ: إنْ شاء اعتمَر في كلِّ شَهرٍ مرَّتيْن.
وعن طاوُسٍ: إذا ذهبَت أيامُ التَّشريقِ فاعتمِرْ ما شئتَ.
وقال الثَّوريُّ: السَّنةُ كلُّها وقتُ العُمرةِ يَعتمرُ فيها مَنْ شاءَ متى شاءَ.
وهو قولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وسائرِ الفُقهاءِ إلا ما ذكَرنا من تَخصيصِ أيامِ التَّشريقِ.
وقد يُحتمَلُ قولُ الثَّوريِّ أنْ يَجوزَ العُمرةُ لكلِّ مَنْ طافَ طَوافَ
стр. 3097
الإفاضةِ لأنَّه قد دخَل الحِلَّ كلَّه، وليست العُمرةُ بواجبةٍ من أيامِ التَّشريقِ.
وقال ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ أيضًا -وهو مِنْ أكابِرِ عُلماءِ المالِكيةِ-: لا أعلمُ لِمن كَرِه العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا حُجةً من كِتابٍ ولا سُنَّةٍ يَجبُ التَّسليمُ لِمِثلِها، والعُمرةُ فِعلُ خَيرٍ، وقد قال اللهُ : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧]، فواجبٌ استِعمالُ عُمومِ ذلك، والنَّدبُ إليه حتى يَمنعَ منه ما يَجبُ التَّسليمُ به. اه (١).
وقد أجازَ هذا أيضًا جَماعةٌ من المالِكيةِ غيرَ ابنِ عبدِ البِرِّ، فقد أجازَه مُطرِّفٌ وابنُ الماجِشونِ وابنُ المَوَّازِ وابنُ حَبيبٍ.
فقد قال ابنُ حَبيبٍ ﵀: لا بأسَ بها في كلِّ شَهرٍ مَرةً، ونقَل اللَّخميُّ عن مُطرِّفٍ وابنِ المَوَّازِ جَوازَ تَكرارِها في السَّنةِ مِرارًا واختارَه -أي: اللَّخميُّ- ونصُّه: قال مُطرِّفٌ في كِتابِ ابنِ حَبيبٍ: لا بَأسَ بالعُمرةِ في السَّنةِ مِرارًا، أرجو ألَّا يَكونَ به بَأسٌ.
قال اللَّخميُّ ﵀: ولا أرَى أنْ يُمنعَ أحَدٌ من أنْ يَتقرَّبَ إلى اللهِ بشيءٍ من الطاعاتِ، ولا من الازدِيادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ لم يأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ. انتَهى (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ ﵀: ولا بَأسَ أنْ يَعتمرَ في السَّنةِ مِرارًا.
стр. 3098
رُوي ذلك عن علِيٍّ وابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وأنسٍ وعائشةَ ﵃، وعَطاءٍ وطاوُسٍ وعِكرِمةَ والشافِعيِّ، وكرِه العُمرةَ في السَّنةِ مرَّتيْن الحَسنُ وابنُ سِيرينَ ومالكٌ.
وقال النَّخعيُّ: ما كانوا يَعتمرون في السَّنةِ إلا مَرةً، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ لم يَفعَلْه.
ولنا: أنَّ عائشةَ ﵂ اعتمَرت في شَهرٍ مرَّتيْن بأمْرِ النَّبيِّ ﷺ عُمرةً مع قِرانِها، وعُمرةً بعدَ حجِّها.
ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما» متَّفقٌ عليه.
وقال علِيٌّ ﵁: «في كلِّ شَهرٍ عُمرةٌ» وكان أنسٌ إذا حَمَّمَ رأسُه خرَج فاعتمَر، رَواهُما الشافِعيُّ في مُسندِه.
وقال عِكرِمةُ: يَعتمرُ إذا أمكَن الموسى من شَعرِه.
وقال عَطاءٌ: إنْ شاءَ اعتَمر في كلِّ شَهرٍ مرَّتيْن، فأمَّا الإكثارُ من الاعتمارِ والمُوالاةُ بينَها فلا يُستحبُّ في ظاهرِ قولِ السَّلفِ الذي حَكيناه، وكذلك قال أحمدُ: إذا اعتمَر فلا بدَّ من أنْ يَحلقَ أو يُقصِّرَ، وفي عَشرةِ أيامٍ يُمكِنُ حَلقُ الرأسِ، فظاهرُ هذا أنَّه لا يُستحبُّ أنْ يَعتمرَ في أقلَّ مِنْ عَشرةِ أيامٍ.
وقال في رِوايةِ الأثرَمِ: إنْ شاء اعتمَر في كلِّ شَهرٍ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يُستحبُّ الإكثارُ من الاعتِمارِ.
стр. 3099
وأقوالُ السَّلفِ وأحوالُهم تَدلُّ على ما قُلناه، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ وأصحابَه لم يُنقَلْ عنهم المُوالاةُ بينَها، وإنَّما نُقل عنهم إنكارُ ذلك والحَقُّ في اتِّباعِهم.
قال طاوُسٌ: الذينَ يَعتمِرون من التَّنعيمِ ما أدري يُؤجَرون عليها أو يُعذَّبون، قيلَ له: فلِم يُعذَّبون؟ قال: لأنَّه يَدعُ الطَّوافَ بالبَيتِ، ويَخرجُ إلى أربعةِ أميالٍ ويَجيءُ، وإلى أنْ يَجيءَ من أربعةِ أميالٍ قد طافَ مِئتَي طَوافٍ.
وكلَّما طافَ بالبَيتِ كان أفضلَ من أنْ يَمشيَ في غيرِ شيءٍ، وقد اعتمَر النَّبيُّ ﷺ أربعَ عُمرٍ في أربعِ سَفراتٍ لم يَزدْ في كلِّ سَفرةٍ على عُمرةٍ واحِدةٍ، ولا أحدٌ ممَّن معه، ولم يَبلُغْنا أنَّ أحدًا منهم جمَع بينَ عُمرتَين في سَفرٍ واحدٍ معه إلا عائشةَ ﵂ حينَ حاضَتْ فأعمَرها من التَّنعيمِ لأنَّها اعتقَدت أنَّ عُمرةَ قِرانِها بطَلت، ولهذا قالت: «يا رَسولَ اللهِ، يَرجعُ الناسُ بحَجٍّ وعُمرةٍ وأرجعُ أنا بحَجةٍ»، فأعمَرها لذلك، ولو كان في هذا فَضلٌ لَما اتَّفَقوا على تَركِه (١).
وقال ابنُ القَيمِ ﵀: فإنْ قيلَ: فبأيِّ شيءٍ يَستحبُّون العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا إذا لم يُثبِتوا ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ؟ قيلَ: قد اختُلِف في هذه المَسألةِ، فقال مالكٌ: أكرَهُ أنْ يُعتمَرَ في السَّنةِ أكثرُ من عُمرةٍ واحِدةٍ، وخالَفه مُطرِّفٌ من أصحابِه، وابنُ المَوَّازِ: قال مُطَرِّفٌ: لا بَأسَ بالعُمرةِ في السَّنةِ
стр. 3100
مِرارًا، وقال ابنُ المَوَّازِ: أرجو ألَّا يَكونَ به بَأسٌ، وقد اعتمَرتْ عائشةُ ﵂ مرَّتيْن في شَهرٍ، ولا أرى أنْ يُمنَعَ أحَدٌ من التَّقرُّبِ إلى اللهِ بشيءٍ من الطاعاتِ ولا من الازديادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ لم يَأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ.
وهذا قولُ الجُمهورِ، إلا أنَّ أبا حَنيفةَ ﵀ استَثنى خَمسةَ أيامٍ لا يُعتمرُ فيها، هي: يومُ عَرفةَ، ويومُ النَّحرِ، وأيَأم التَّشريقِ خاصَّةً، واستَثنى الشافِعيةُ البائتَ بمنًى لرَميِ أيامِ التَّشريقِ، واعتمَرتْ عائشةُ ﵂ في سَنةٍ مرَّتيْن، فقيلَ للقاسمِ: لَم يُنكِرْ عليها أحَدٌ؟ فقال: أعلى أمِّ المُؤمِنين؟! وكان أنسٌ إذا حمَّم رأسُه خرَج فاعتمَر.
ويُذكرُ عن علِيٍّ ﵁ أنَّه كان يَعتمرُ في السَّنةِ مِرارًا، وقد قال ﷺ : «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهما»، ويَكفي في هذا أنَّه أعمَر عائشةَ ﵂ من التَّنعيمِ سِوى عُمرتِها التي كانت أهلَّت بها، وذلك في عامٍ واحدٍ، ولا يُقالُ: عائشةُ كانت قد رَفضت العُمرةَ، فهذه التي أهلَّت بها من التَّنعيمِ قَضاءٌ عنها؛ لأنَّ العُمرةَ لا يَصحُّ رَفضُها، وقد قال لها النَّبيُّ ﷺ : «يَسعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمرتِكِ»، وفي لَفظٍ: «حلَلتِ منهما جميعًا».
فإنْ قيلَ: قد ثبَت في صَحيحِ البُخاريِّ أنَّه ﷺ قال لها: «ارفُضي عُمرتَكِ وانقُضي رأسَكِ وامتشِطي»، وفي لَفظٍ آخرَ: «انقُضي
стр. 3101
رأسَك وامتشِطي»، وفي لَفظٍ: «وأهِلِّي بالحَجِّ ودَعي العُمرةَ»، فهذا صَريحٌ في رَفضِها من وَجهَين:
أحدُهما: قولُه: ارفُضيها ودَعيها.
والآخَرُ: أمرُه لها بالامتِشاطِ.
قيلَ: مَعنى قولِه: «ارفُضيها»: اترُكي أفعالَها والاقتصارَ عليها وكُوني في حجَّةٍ معها، ويَتعيَّنُ أنْ يَكونَ هذا هو المُرادَ بقولِه: «حلَلتِ مِنهما جميعًا» لمَّا قضَت أعمالَ الحَجِّ، وقولُ: «يَسعُكِ طَوافُكِ لحَجِّكِ وعُمرتِكِ»، هذا صَريحٌ في أنَّ إحرامَ العُمرةِ لم يُرفضْ، وإنَّما رفَضت أعمالَها والاقتصارَ عليها وأنَّها بانقِضاءِ حَجِّها انقَضى حَجُّها وعُمرتُها، ثم أعمَرها من التَّنعيمِ تَطييبًا لقَلبِها إذ تأتي بعُمرةٍ مُستقلَّةٍ كصواحباتِها، ويُوضِّحُ ذلك إيضاحًا بيِّنًا ما رَوى مسلِمٌ في صَحيحِه من حَديثِ الزُّهريِّ عن عُروةَ عنها ﵂ قالت: «خرَجنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ حَجةِ الوَداعِ، فحِضتُ فلم أزَل حائضًا حتى كان يومُ عَرفةَ، ولم أُهلِلْ إلا بعُمرةٍ، فأمَرني رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ أنقُضَ رَأسي وامتشِطَ وأُهلَّ بحَجٍّ وأترُكَ العُمرةَ، قالت: ففعَلتُ ذلك حتى إذا قضَيتُ حجَّتي بعَث مَعي رَسولُ اللهِ ﷺ عبدَ الرَّحمنِ بنَ أبي بَكرٍ وأمَرني أنْ أعتمِرَ من التَّنعيمِ مَكانَ عُمرَتي التي أدرَكني الحَجُّ ولم أحلِلْ منها» (١)، فهذا حَديثٌ في غايةِ الصِحةِ والصَّراحةِ أنَّها لم
стр. 3102
تَكنْ أحلَّت من عُمرتِها، وأنَّها بقِيت مُحرِمةً حتى أدخلَت عليها الحَجَّ، فهذا خَبرُها عن نَفسِها، وذلك قولُ رَسولِ اللهِ ﷺ لها، كلٌّ منهما يُوافِقُ الآخرَ وباللهِ التَّوفيقُ.
وفي قولِه ﷺ : «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما والحَجُّ المَبرورُ ليسَ له جَزاءٌ إلا الجَنةُ»، دَليلٌ بيِّنٌ على التَّفريقِ في التَّكرارِ، وتَنبيهٌ على ذلك، إذ لو كانت العُمرةُ كالحَجِّ لا تُفعَلُ في السَّنةِ إلا مَرةً لَسوَّى بينَهما ولم يُفرِّقْ.
ورَوى الشافِعيُّ ﵀ عن عَليٍّ ﵁ أنَّه قال: «اعتمِرْ في كلِّ شَهرٍ مَرةً».
ورَوى وَكيعٌ عن إسرائيلَ عن سُوَيدِ بنِ أبي ناجيةَ عن أبي جَعفرٍ قال: قال علِيٌّ ﵁: «اعتمِرْ في الشَّهرِ إنْ أطَقتَ مِرارًا»، وذكَر سعيدُ بنُ مَنصورٍ عن سُفيانَ بنِ أبي حُسَينٍ عن بعضِ وَلدِ أنسٍ أنَّ أنَسًا كان إذا كان بمكةَ فحمَّم رأسُه خرَج إلى التَّنعيمِ فاعتمَر. اه (١).
وقال ابنُ حَزمٍ ﵀: أمَّا العُمرةُ فنُحبُّ الإكثارَ منها لِما ذكَرْنا من فَضلِها … وهو قولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأبي سُلَيمانَ وبه نَأخذُ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قد أعمَر عائشةَ ﵂ مرَّتيْن في الشَّهرِ الواحِدِ ولم يَكرهْ ﷺ ذلك، بل حضَّ عليه وأخبَر أن العُمرةَ تُكفِّرُ ما بينَها
стр. 3103
وبينَ العُمرةِ الأُخرى، فالإكثارُ منها أفضلُ، وباللهِ تَعالى التَّوفيقُ. اه (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: فَرعٌ: في مَذاهبهِنَّ في تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ.
مَذهبُنا أنَّه لا يُكرهُ ذلك، بل يُستحبُّ، وبه قال أبو حَنيفةَ وأحمدُ وجُمهورُ العُلماءِ من السَّلفِ والخَلفِ، وممَّن حَكاه عن الجُمهورِ الماوَرديُّ والسَّرخَسيُّ والعبدَريُّ، وحَكاه ابنُ المُنذرِ عن علِيِّ بنِ أبي طالِبٍ ﵁ وابنِ عُمرَ وابنِ عباسٍ وأنسٍ وعائشةَ وعَطاءٍ وغيرِهم ﵃.
وقال الحَسنُ البَصريُّ وابنُ سِيرينَ ومالكٌ: تُكرهُ العُمرةُ في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ، لأنَّها عِبادةٌ تَشتمِلُ على الطَّوافِ والسَّعيِ، فلا تُفعلُ في السَّنةِ إلا مَرةً كالحَجِّ.
واحتَجَّ الشافِعيُّ والأصحابُ وابنُ المُنذرِ وخَلائقُ بما ثبَت في الحَديثِ الصَّحيحِ أنَّ عائشةَ ﵂: «أحرمَت بعُمرةٍ عامَ حَجةِ الوَداعِ، فحاضَت، فأمَرها النَّبيُّ ﷺ أنْ تُحرِمَ بحَجٍّ ففعَلت، وصارَت قارِنةً ووقَفت المَواقفَ، فلمَّا طهُرَت طافَت وسعَت، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : قد حلَلتِ من حَجِّكِ وعُمرتِكِ، فطلَبت من النَّبيِّ ﷺ أنْ يُعمِرَها عُمرةً أُخرى، فأذِن لها فاعتمَرت من التَّنعيمِ عُمرةً أُخرى» رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ مُطوَّلًا، ونَقلتُه مُختصَرًا.
قال الشافِعيُّ: وكانت عُمرتُها في ذي الحِجَّةِ، ثم أعمَرها العُمرةَ الأُخرى في ذي الحِجةِ، فكان لها عُمرَتانِ في ذي الحِجةِ.
стр. 3104
وعن عائشةَ ﵂ أنَّها اعتمَرت في سَنةٍ مرَّتيْن، أي: بعدَ وَفاةِ النَّبيِّ ﷺ وفي رِوايةٍ ثَلاثَ عُمرٍ، وعنِ ابنِ عُمرَ أنَّه اعتمَر أعوامًا في عهدِ ابنِ الزُّبيرِ مرَّتيْن في كلِّ عامٍ، ذكَر هذه الآثارَ كلَّها الشافِعيُّ، ثم البَيهَقيُّ بأسانيدِها.
وأمَّا الحَديثُ الذي ذكَره المُصنِّفُ فليس فيه دِلالةٌ ظاهِرةٌ، لأنَّها لم تَقُلِ: اعتمَر في ذي القَعدةِ وشوَّالٍ من سَنةٍ واحِدةٍ، واحتجَّ أصحابُنا أيضًا في المَسألةِ بحَديثِ أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما» رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ، وسبَق ذِكرُه في أولِ كِتابِ الحَجِّ، ولكنْ ليست دِلالتُه ظاهِرةً، وإنْ كان البَيهَقيُّ وغيرُه قد احتَجُّوا به، وصدَّر به البَيهَقيُّ البابَ، فقال بعضُ أصحابِنا: وحَجُّه دِلالَتُه أنَّه ﷺ لم يُفرِّقْ بينَ كَونِ العُمرتَين في سَنةٍ أو سَنتَين، وهذا تَعليقٌ ضَعيفٌ.
واحتَجَّ أيضًا بالقياسِ على الصَّلاةِ، فقالوا: عِبادةٌ غيرُ مُؤقَّتةٍ، فلم يُكرَهْ تَكرارُها في السَّنةِ، كالصَّلاةِ، قال الشافِعيُّ في «المُختصَرِ»: مَنْ قال: لا يَعتمرُ في السَّنةِ إلا مَرةً مُخالِفٌ لِسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ ، يَعني حَديثَ عائشةَ ﵂ السابقَ.
فإنْ قيلَ: قد ثبَت في حَديثِ عائشةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال لها: «ارفُضي عُمرتَكِ وانقُضي رَأسَكِ وامتشِطي وأهِلِّي بالحَجِّ»، ففعَلت ثم اعتمَرت، وهذا ظاهرُه أنَّه لم يَحصلْ له إلا عُمرةٌ واحِدةٌ.
стр. 3105
فالجَوابُ: أنَّها لم تَرفُضْها، يَعني الخُروجَ منها والإعراضَ عنها؛ لأنَّ العُمرةَ والحَجَّ لا يَخرجُ منهما بنِيةِ الخُروجِ بلا خِلافٍ، وإنَّما رَفضُها رَفضُ أعمالِها مُستقلَّةً، لأنَّها أحرَمت بعدَها بالحَجِّ، فصارَت قارِنةً، فقال النَّبيُّ ﷺ : «ارفُضيها»، أي: اترُكي أعمالَها المُستقلَّةَ لاندِراجِها في أفعالِ الحَجِّ، وأمَّا: امتِشاطُها فلا دِلالةَ فيه.
قال القاضي أبو الطيِّبِ وغيرُه: لأنَّ المُحرِمَ يَجوزُ له عندَنا الامتِشاطُ.
وأمَّا الجَوابُ عن احتِجاجِ مالكٍ بالقياسِ على الحَجِّ فهو أنَّ الحَجَّ مُؤقَّتٌ لا يُتصوَّرُ تَكرارُه في السَّنةِ، والعُمرةَ غيرُ مُؤقَّتةٍ، فيُتصوَّرُ تَكرارُها كالصَّلاةِ، واللهُ أعلمُ (١).
تَكرارُ العُمرةِ في السَّفرِ الواحِدِ:
اختلَف أهلُ العِلمِ القائلينَ بجوازِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّنةِ الواحِدةِ مِرارًا: هل يَجوزُ تَكرارُها في السَّفرِ الواحِدِ، بأنْ يَخرجَ إلى الحِلِّ ويأتيَ بعُمرةٍ أُخرى أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ والظاهِريَّةُ وابنُ عبدِ البرِّ وغيرُه من المالِكيةِ وعَطاءٌ وقَتادةُ والثَّوريُّ من التابِعينَ إلى جوازِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّفرِ الواحدِ، وإنْ كانوُا قد اختلَفوا في المُدَّةِ التي تَكونُ بينَهما.
стр. 3106
وقد استدَلُّوا على جوازِ ذلك بما يلي:
١ - بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما، والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (١).
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: وفيه -أي: هذا الحَديثِ- دِلالةٌ على استِحبابِ الاستِكثارِ من الاعتِمارِ، خِلافًا لقولِ مَنْ قالَ: يُكرهُ أنْ يُعتمَر في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ، كالمالِكيةِ، ولِمن قال: مَرةً في الشَّهرِ من غيرِهم.
وقال ابنُ التِّينِ: قولُه: «العُمرةُ إلى العُمرةِ» يَحتملُ أنْ تَكونَ «إلى» بمَعنى «مع»، فيَكونَ التَّقديرُ: العُمرةُ مع العُمرةِ مُكفِّرةُ لِما بينَهما (٢).
٢ - واستدَلُّوا أيضًا بما ثبَت في الحَديثِ الصَّحيحِ: «أنَّ عائشةَ ﵂ أحرَمت بعُمرةٍ عامَ حَجةِ الوَداعِ، فحاضَت، فأمرَها النَّبيُّ ﷺ أنْ تُحرِمَ بحَجٍّ، ففعلَت، وصارت قارِنةً ووقَفت المَواقفَ، فلمَّا طهُرَت طافَت وسعَت، فقال لها النَّبيُّ ﷺ : «قَدْ حلَلتِ من حَجِّكِ وعُمرتِكِ جميعًا»، فطلَبَت من النَّبيِّ ﷺ أنْ يُعمِرَها عُمرةً أُخرى» (٣).
قال الإمامُ الشافِعيُّ: وكانت عُمرتُها في ذي الحِجةِ، ثم أعمرَها العُمرةَ الأُخرى في ذي الحِجةِ، فكان لها عُمرتانِ في ذي الحِجةِ (٤).
стр. 3107
٣ - وعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «إنَّ عُمرةً في رَمضانَ تَعدِلُ حَجةً، أو حَجةً مَعي» (١).
قال العَلَّامةُ الشَّيخُ وَليُّ الدِّينِ أبو عبدِ اللهِ مُحمدُ بنُ عبدِ اللهِ الخَطيبُ العُمريُّ التِّبريزيُّ في «مِشكاةِ المَصابيحِ» ﵀: تَنبيهٌ آخَرُ قد استدلَّ بقولِه ﷺ : «عُمرةٌ في رَمضانَ تَعدِلُ حَجةً» على استِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ والإكثارِ منها.
قال المُحبُّ الطَّبريُّ (٢): فيه دَليلٌ على استِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ من وَجهَين:
الأولُ: أنَّ النَّكرةَ في سياقِ التَّفضيلِ، الظاهرُ منها إرادةُ العُمومِ، فإنَّك إذا قُلتَ: رَجلٌ من بَني تَيْمٍ يَعدِلُ قَبيلةً من غيرِها، لم يَتبادَرْ إلى الفَهمِ إلا أنَّ كلَّ واحدٍ منها كذلك، فكذلك كلُّ عُمرةٍ في رَمضانَ.
والثاني: المُرادُ: ب «عُمرةٌ في رَمضانَ» إمَّا أنْ يُقالَ: كلُّ عُمرةٍ لكلِّ أحدٍ، أو عُمرةٌ لكلِّ أحدٍ، أو عُمرةٌ لِواحدٍ لا بعَينِه، والأولُ هو المَطلوبُ، والثالِثُ غيرُ مُرادٍ بالاتِّفاقِ، والثاني لَازمٌ لِلأولِّ فيَتعدَّى الحُكمُ ببَيانِ المُلازَمةِ أنَّ اتِّصافِ الفِعلِ بالفَضلِ إنَّما نشَأ من جِهةِ الزَّمانِ لا مَحالةَ، فإذا ثبَت لفِعلٍ لزِم ثُبوتُه لمِثلِه، وإنْ تَكرَّر لِقيامِ مُوجِبِ الصِّفةِ ولعَدمِ جوازِ تَخلُّفِ الحُكمِ
стр. 3108
عن مُقتَضيه، ومَن ادَّعى تَخصيصَها بعَدمِ التَّكرارِ، أو تَخصيصَها بالمُخاطَبةِ أو بميقاتٍ دونَ غيرِه، أو مُعارِضًا، فعليه البَيانُ. انتَهى.
وما سبَقَ مِنْ أفضليَّةِ العُمرةِ في رَمضانَ فقالَ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ ﵀: إنَّ رَمضانَ أفضلُ بتَنصيصِه ﷺ على ذلك، وتَركِه لذلك لاقتِرانِه بأمرٍ يَخصُّه، كاشتِغالِه بعِباداتٍ أُخرى في رَمضانَ تَبتُّلًا، وألَّا يَشقَّ على أُمتِه، فإنَّه لو اعتمَر فيه لخَرجوا معه، ولقد كانَ بهم رَحيمًا، وقد أخبَرَ في بعضِ العِباداتِ أنَّ تَركَه لها لئلَّا يَشقَّ عليهم مع مَحبَّتِه لها، كالقيامِ بهم في رَمضانَ، ومَحبَّتِه لأنْ يَسقيَ بنَفسِه مع سُقاةِ زَمزمَ ثم تَركِه كي لا يَغلبَهم الناسُ على سِقايتِهم، ولم يَعتمرْ ﷺ في السَّنةِ إلا مَرةً (١).
وما قاله الكَمالُ يتَّفقُ وما هو مُقرَّرٌ عندَ الأُصوليِّين، من أنَّ دِلالةَ القولِ مُقدَّمةٌ على دِلالةِ الفِعلِ.
وقال العَظيمُ آباديُّ ﵀: فإنْ قيلَ: فبِأيِّ شيءٍ يَستحِبُّونَ العُمرةَ في السَّنةِ مِرارًا خُصوصًا في رَمضانَ ثم لم يُثبِتوا ذلك عن النَّبيِّ ﷺ ؟ قيلَ: إنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَشتغِلُ في العِباداتِ بما هو أَهمُ من العُمرةِ، ولم يَكنْ يُمكِنُه الجَمعُ بينَ تلك العباداتِ وبينَ العُمرةِ فإنَّه لو اعتمَر مِرارًا لَبادَرتِ الأُمةُ إلى ذلك وكانَ يَشقُّ عليها، وقد كان يَترُكُ النَّبيُّ ﷺ كَثيرًا من العَملِ وهو يُحِبُّ أنْ يَعملَه؛ خَشيةَ المَشقَّةِ عليهم، ولمَّا دخَل
стр. 3109
البَيتَ خرَج منه حَزينًا، فقالت له عائشةُ ﵂ في ذلك فقال: «إنِّي أخافُ أنْ أكون قد شقَقتُ على أُمَّتي»، وهمَّ أنْ يَنزلَ يَستَسقي مع سُقاةِ زَمزمَ لِلحاجِّ، فخافَ أنْ يُغلبَ أهلُها على سِقايتِهم بعدَه (١).
٤ - واستدَلُّوا أيضًا بما رَوى عبدُ اللهِ بنُ دِينارٍ عن ابنِ عُمرَ ﵄ قال: «كانَ النَّبيُّ ﷺ يَأتي مَسجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ ماشيًا وراكِبًا وكان عبدُ اللهِ يَفعلُه» (٢).
٥ - قولُ النَّبيِّ ﷺ : «صَلاةٌ في مَسجدِ قُباءٍ كعُمرةٍ» (٣).
وهذا مِنْ أنسَبِ الأدلَّةِ وألطَفِها، والتي استُدِلَّ بها على مَشروعيَّةِ تَكرارِ العُمرةِ: ما ثبَت في الصَّحيحِ عن النَّبيِّ ﷺ : «أنَّه كان يَأتي قُباءً كلَّ سَبتٍ»، فكَونُه ﷺ كان يأتي مَسجدَ قُباءٍ كلَّ سَبتٍ إنَّما هو لفَضيلةِ العُمرةِ، فلمَّا تَكرَّر ذلك منه دلَّ على النَّدبِ واستِحبابِ تَكرارِ العُمرةِ.
٦ - واستدَلُّوا أيضًا بقولِ النَّبيِّ ﷺ : «تابِعوا بينَ الحَجِّ والعُمرةِ فإنَّهما يَنفيانِ الفَقرَ والذُّنوبَ كما يَنفي الكِيرُ خَبثَ الحَديدِ والذَّهبِ والفِضةِ» (٤).
وهذا يَدلُّ على مَشروعيَّةِ التَّكرارِ، فإنَّ المُتابَعةَ بينَ الحَجِّ قد تَكونُ في
стр. 3110
حَجِّه مُتمتِّعًا، وقد تَكونُ في حَجِّه قارِنًا، وعلى هذا يُتابِعُ بينَ عُمرةِ حَجِّه وعُمرةٍ مُستقِلَّةٍ.
وقال العَظيمُ أباديُّ ﵀: ولا شكَّ أنَّ الحَديثَ فيه دَليلٌ على استِحبابِ الاستِكثارِ من الاعتِمارِ خِلافًا لقولِ مَنْ قال: يُكرهُ أنْ يُعتمرَ في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ كالمالِكيةِ، وهذا القولُ لا يَصحُّ، والصَّحيحُ جَوازُ الاستِكثارِ من الاعتمارِ، وخالَفَ مالكًا مُطرِّفٌ من أصحابِه وابنُ المَوَّازِ.
قال مُطرِّفٌ: لا بَأسَ بالعُمرةِ في السَّنةِ مِرارًا.
وقال ابنُ المَوَّازِ: أرجو ألَّا يَكونَ به بَأسٌ، وقد اعتمَرَت عائشةُ ﵂ مرَّتيْن في شَهرٍ، ولا أرى أنْ يُمنعَ أحدٌ من التَّقرُّبِ إلى اللهِ بشيءٍ من الطاعاتِ، ولا من الازديادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ ولم يأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ، وهذا قولُ الجُمهورِ.
ويَكفي في هذا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعمَر عائشةَ ﵂ من التَّنعيمِ سِوى عُمرتِها التي كانت أهلَّت بها … إلخ (١).
وقال الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: وفي الحَديثِ دِلالةٌ على استِحبابِ الاستِكثارِ من الاعتِمارِ خِلافًا لقولِ مَنْ قال: يُكرهُ أنْ يُعتمرَ في السَّنةِ أكثرَ من مَرةٍ، كالمالِكيةِ، ولِمن قال: يُكرهُ أكثرَ من مَرةٍ في الشَّهرِ من غيرِهم (٢).
стр. 3111
وإليكَ أقوالَ أهلِ العِلمِ في ذلك:
أولًا: الحَنفيةُ:
قال ابنُ عابدينَ ﵀: لا يُكرهُ الإكثارُ منها -أي: العُمرةِ- خِلافًا لِمالكٍ، بل يُستحبُّ على ما عليه الجُمهورُ (١).
وقال ابنُ الهُمامِ ﵀ مُستدِلًّا على جوازِ الخُروجِ من مكةَ للحِلِّ لِلإتيانِ بعُمرةٍ: وعن هذا ادُّعيَ أنَّ السُّنةَ في العُمرةِ أنْ تُفعَل داخِلًا إلى مكةَ لا خارِجًا، بأنْ يَخرجَ المُقيمُ بمكةَ إلى الحِلِّ فيَعتمرَ كما يُفعلُ اليومَ، وإنْ لم يَكنْ ذلك مَمنوعًا (٢).
أمَّا الشافِعيةُ فقال النَّوويُّ ﵀: قال الشافِعيُّ والأصحابُ: جميعُ السَّنةِ وقتٌ للعُمرةِ، فيَجوزُ الإحرامُ بها في كلِّ وقتٍ من السَّنةِ، ولا يُكرهُ وقتٌ من الأوقاتِ، وسواءٌ أشهُرُ الحَجِّ وغيرُها في جوازِها من غيرِ كَراهةٍ، ولا يُكرهُ عُمرَتانِ وثَلاثٌ وأكثرُ في السَّنةِ الواحِدةِ، ولا في اليومِ الواحِدِ، بل يُستحبُّ الإكثارُ منها بلا خِلافٍ عندَنا (٣).
وقال في مَوضعٍ آخرَ: فإنْ كان المُعتمِرُ مُتمتِّعًا أقامَ بمكةَ حَلالًا، يَفعلُ ما أرادَ من الجِماعِ وغيرِه، فإنْ أرادَ أنْ يَعتمرَ تطوُّعًا كان له ذلك، بل يُستحبُّ له الإكثارُ من الاعتمارِ (٤).
стр. 3112
وقال الهَيتميُّ ﵀: ويُسنُّ الإكثارُ من العُمرةِ، ولو في اليومِ الواحِدِ، إذْ هي أفضلُ من الطَّوافِ على المُعتمدِ (١).
وقال الإمامُ الغَزاليُّ ﵀: والمُقيمُ بمكةَ يَنبَغي أنْ يُكثِرَ الاعتمارَ والطَّوافَ (٢).
وقال الإماُم الشافِعيُّ ﵀ في «الإملاءِ»: واستُحبَّ للرَّجلِ ألَّا يأتيَ عليه شَهرٌ إلا اعتمَر فيه، وإنْ قدِر أنْ يَعتمرَ في الشَّهرِ مرَّتيْن أو ثَلاثًا أحبَبتُ له ذلك (٣).
أمَّا الحَنابلةُ:
فقال البُهوتيُّ ﵀: (وأفضلُها في رَمضانَ ويُستحبُّ تَكرارُها فيه) أي: في رَمضانَ (لأنَّها تَعدلُ حَجةً)، لحَديثِ ابنِ عباسٍ مَرفوعًا: (تَعدلُ حَجةً) متَّفقٌ عليه.
قال أحمدُ: مَنْ أدرَك يَومًا من رَمضانَ فقد أدرَك عُمرةَ رَمضانَ (٤).
إلا أنَّ ابنَ قُدامةَ نقَل عن الإمامِ أحمدَ أنَّه إذا اعتمَر فلا بدَّ من أنْ يَحلقَ أو يُقصِّرَ، وفي عَشرةِ أيامٍ يُمكِنُ حَلقُ الرأسِ.
стр. 3113
قال ابنُ قُدامةَ ﵀: فظاهرُ هذا أنَّه لا يُستحبُّ أنْ يَعتمرَ في أقلَّ من عَشرةِ أيامٍ (١).
وكَلامُ الإمامِ أحمدَ هذا فيمَن حلَق شَعرَه، لكنْ مُمكِنٌ أنْ يَعتمرَ ويَقصَّ شَعرَه، فعلى هذا الضابِطِ قد يُؤدِّي عُمرتَين وليس بينَهما إلا فاصلٌ يَسيرٌ.
وقال الإمامُ ابنُ عبدِ البرِّ ﵀ -وهو مِنْ أكابِرِ عُلماءِ المالِكيةِ-: والجُمهورُ على جوازِ الاستِكثارِ منها -أي: العُمرةِ- في اليومِ واللَّيلةِ، لأنَّه عَملُ برٍّ وخَيرٍ، فلا يَجبُ الامتِناعُ منه إلا بدَليلٍ، ولا دَليلَ يَمنعُ منه، بل الدَّليلُ يَدلُّ عليه بقولِ اللهِ : ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧].
وقال رَسولُ اللهِ ﷺ : «العُمرةُ إلى العُمرةِ كَفارةٌ لِما بينَهُما، والحَجُّ المَبرورُ ليس له جَزاءٌ إلا الجَنةُ» (٢).
وأمَّا الاستِحبابُ بغيرِ لَازمٍ ولا يُضيِّقُ لِصاحبِه (٣).
وقال اللَّخميُّ من المالِكيةِ: ولا أرَى أنْ يُمنعَ أحدٌ من أنْ يَتقرَّبَ إلى اللهِ بشيءٍ من الطاعاتِ ولا من الازديادِ من الخَيرِ في مَوضعٍ لم يَأتِ بالمَنعِ منه نصٌّ (٤).
стр. 3114
وهو أيضًا قولُ ابنِ حَزمٍ ﵀ فقد قال: أمَّا العُمرةُ فنُحبُّ الإكثارَ منها لِما ذكَرنا من فَضلِها … وهو قولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأبي سُليمانَ وبه نَأخذُ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قد أعمَر عائشةَ ﵂ مرَّتيْن في الشَّهرِ الواحِدِ، ولم يَكرَهْ ﷺ ذلك، بل حضَّ عليه وأخبَر أنَّ العُمرةَ تُكفِّرُ ما بينَها وبينَ العُمرةِ الأُخرى، فالإكثارُ منها أفضلُ (١).
القولُ الثاني: ذهَب شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ وتِلميذُه ابنُ القَيمِ -رحمهما الله- إلى عَدمِ مَشروعيَّةِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّفرِ الواحِدِ.
فقد سُئل شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ ﵀: أيُّهما أفضلُ لِمن كان بمكةَ: الطَّوافُ بالبَيتِ أو الخُروجُ إلى الحِلِّ ليَعتمرَ منه ويَعودَ؟ وهل يُستحبُّ لِمن كان بمكةَ كَثرةُ الاعتمارِ في رَمضانَ أو في غيرِه أو الطَّوافُ بَدلَ ذلك؟ وكذلكَ كَثرةُ الاعتمارِ لغيرِ المَكيِّ، هل هي مُستحبَّةٌ؟ وهل في اعتمارِ النَّبيِّ من الجِعرانةِ، وفي عُمرةِ الحُديبيةِ مُستَندٌ لِمن يَعتمرُ من مكةَ، كما في أمرِه لِعائشةَ ﵂ أنْ تَعتمِرَ من التَّنعيمِ؟ وقولُ النَّبيِّ ﷺ : «تَعدِلُ حَجةً» هل هي عُمرةُ الأفاقيِّ أو تَتناوَلُ المَكيَّ الذي يَخرجُ إلى الحِلِّ ليَعتمرَ في رَمضانَ؟
فأجابَ: أمَّا مَنْ كان بمكةَ من مُستوطِنٍ ومُجاوِرٍ وقادِمٍ وغيرِهم فإنَّ طَوافَه بالبَيتِ أفضلُ له من العُمرةِ، وسَواءٌ خرَج في ذلك إلى أدنى الحِلِّ، وهو التَّنعيمُ الذي أُحدِثَ فيه المَساجدُ التي تُسمَّى مَساجدَ عائشةَ، أو
стр. 3115
أقصَى الحِلِّ من أيِّ جَوانِبِ الحَرمِ سَواءٌ كان مِنْ جِهةِ الجِعرانةِ أو الحُديبيةِ أو غيرِ ذلك، وهذا متَّفقٌ عليه بينَ سَلفِ الأُمَّةِ، وما أعلمُ فيه مُخالِفًا من أئمَّةِ الإسلامِ في العُمرةِ المَكيَّةِ.
وأمَّا العُمرةُ من الميقاتِ بأنْ يَذهَبَ إلى الميقاتِ فيُحرِمَ منه أو يَرجعَ إلى بَلدِه ثم يُنشئ السَّفرَ منه للعُمرةِ، فهذه ليست عُمرةً مَكيَّةً، بل هذه عُمرةٌ تامَّةٌ، وليس الكَلامُ هنا فيها، وهذه فيها نِزاعٌ، هلِ المُقامُ بمكةَ أفضلُ منها أو الرُّجوعُ إلى بَلدِه أو الميقاتِ أفضلُ؟ وسيأتي كَلامُ بعضِ مَنْ رجَّح المُقامَ بمكةَ للطَّوافِ على الرُّجوعِ للعُمرةِ من الميقاتِ.
وإنَّما النِّزاعُ في أنَّه هل يُكرهُ للمَكيِّ الخُروجُ للاعتِمارِ من الحِلِّ أو لا؟ وهل يُكرهُ أنْ يَعتمرَ مَنْ تُشرَعُ له العُمرةُ، كالأفاقيِّ في العامِ أكثرَ من مَرةٍ أو لا؟ وهل يُستحبُّ كَثرةُ الاعتمارِ أو لا؟
فأمَّا كَونُ الطَّوافِ بالبَيتِ أفضلَ من العُمرةِ لِمن كان بمكةَ فهذا ممَّا لا يَستريبُ فيه مَنْ كان عالِمًا بسُنةِ رَسولِ اللهِ ﷺ وسُنةِ خُلفائه وآثارِ الصَّحابةِ وسَلفِ الأُمةِ وأئمَّتِها، وذلك أنَّ الطَّوافَ بالبَيتِ من أفضلِ العِباداتِ والقُرُباتِ التي شرَعها اللهُ في كِتابِه، وعلى لِسانِ نبيِّه ﷺ وهو مِنْ أعظَمِ عِباداتِ أهلِ مكةَ، أعني مَنْ كان بمكةَ مُستَوطِنًا أو غيرَ مُستوطِنٍ … وإذا كان كذلك فالمُقيمُ في البَيتِ طائفًا فيه وعامِرًا له بالعِبادةِ قد أتى بما هو أكمَلُ من مَعنى المُعتمِرِ، وأتى بالمَقصودِ بالعُمرةِ، فلا يُستحبُّ له تَركُ ذلك بخُروجِه عن عِمارةِ المَسجدِ ليَصيرَ بعدَ ذلكَ عامِرًا له لأنَّه استبدَلَ الذي هو أدنى بالذي هو خَيرٌ.
стр. 3116
ثمَّ قال: وهذا الذي ذكَرناه ممَّا يَدلُّ على أنَّ الطَّوافَ أفضلُ، فهو يَدلُّ على أنَّ الاعتِمارَ مِنْ مكةَ وتَركَ الطَّوافِ ليس بمُستحبٍّ، بل المُستحبُّ هو الطَّوافُ دونَ الاعتِمارِ، بل الاعتِمارُ فيه حينَئذٍ هو بِدعةٌ لم يَفعَلْه السَّلفُ، ولم يُؤمَرْ بها في الكِتابِ والسُّنةِ، ولا قامَ دَليلُ شَرعيُّ على استِحبابِها، وما كان كذلك فهو مِنْ البِدعِ المَكروهةِ باتِّفاقِ العُلماءِ.
ثم قال ﵀: وأمَّا المَسألةُ الثالِثةُ فنَقولُ: فإذا كان قد تَبيَّن بما ذكَرناه من السُّنةِ، واتِّفاقِ سَلفِ الأُمةِ على أنَّه لا يُستحبُّ بل تُكرهُ المُوالاةُ بينَ العُمرةِ لِمن يُحرِمُ من الميقاتِ، فمن المَعلومِ أنَّ الذي يُوالي بينَ العُمرةِ من مكةَ في شَهرِ رَمضانَ أوْلى بالكَراهةِ، فإنَّه يتَّفقُ في ذلك مَحذورانِ:
أحدُهما: كَونُ الاعتمارِ من مكةَ، وقد اتَّفَقوا على كَراهةِ اختيارِ ذلك بَدلَ الطَّوافِ.
والثاني: المُوالاةُ بينَ العُمرةِ، وهذا اتَّفَقوا على عَدمِ استِحبابِه بل يَنبَغي كَراهَتُه مُطلقًا فيما أعلمُ لِمن لم يَعتَضْ عنه بالطَّوافِ، وهو الأقيَسُ، فكيفَ بمَن قدِر على أنْ يَعتاضَ عنه بالطَّوافِ بخِلافِ كَثرةِ الطَّوافِ، فإنَّه مُستحبُّ مَأمورٌ به لا سيَّما لِلقادِمين، فإنَّ جُمهورَ العُلماءِ على أنَّ طَوافَهم بالبَيتِ أفضلُ لهم من الصَّلاةِ بالمَسجدِ الحَرامِ مع فَضيلةِ الصَّلاةِ بالمَسجدِ الحَرامِ … إلى آخرِ كَلامِه ﵀ (١).
стр. 3117
فقد ذكَرَ في ذلك كَلامًا طَويلًا بما يَزيدُ على خَمسينَ صَفحةً فليُراجِعْه مَنْ شاءَ.
وقالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ صاحِبُ «الهدي» -أي: ابنُ القَيمِ ﵀: ولم يُنقَلْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمَر مُدةَ إقامَتِه بمكةَ قبلَ الهِجرةِ، ولا اعتمَر بعدَ الهِجرةِ إلا داخِلًا إلى مكةَ، ولم يَعتمرْ قطُّ خارجًا من مكةَ إلى الحِلِّ، ثم يَدخلُ إلى مكةَ بعُمرةٍ كما يَفعلُ الناسُ اليومَ، ولا ثبَتَ عندَ أحدٍ من الصَّحابةِ فِعلُ ذلك في حَياتِه إلا عائشةَ ﵂ وحدَها. انتَهى.
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: وبعدَ أنْ فَعلتْه عائشةُ ﵂ بأمرِه ﷺ دلَّ على مَشروعيَّتِه (١).
قال الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀ مُعلَّقًا على كَلامِ الحافِظِ هذا: ولكنَّه إنَّما يَدلَّ على المَشروعيَّةِ إذا لم يَكنْ أمرَه ﷺ بذلك لِأجلِ تَطييبِ قَلبِها كما قيلَ (٢).
قلتُ: أمَّا ما ذكَره الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: من أنَّ الرَّسولَ ﷺ إنَّما فعَل ذلك لِأجلِ تَطيببِ قَلبِها ﵂، فقد قال الإمامُ حَمدُ بنُ ناصرِ
стр. 3118
ابنِ عُثمانَ آلُ مَعمرٍ التَّميميُّ الحَنبليُّ المُتوفَّى (١٢٢٥ هـ) في كتابِه: «الفَواكهُ العِذابُ في الردِّ على من لم يُحكِّم السُّنةَ والكِتابَ».
وقولُ مَنْ قال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أرسلَها -أي: عائشةَ ﵂ - مع أخيها لِتلك العُمرةِ تَطييبًا لِخاطرِها ﵂، لا تَقومُ به حُجةٌ ألبتَّةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يَأمرُها بعُمرةٍ، وهي نُسكٌ وعِبادةٌ إلا على الوَجهِ المَشروعِ لعامَّةِ الناسِ؛ لاستِواءِ جميعِ الناسِ في أحكامِ التَّكليفِ، فعُمرتُها المَذكورةُ نُسكٌ قَطعًا، والحالةُ التي أمرَ النَّبيُّ ﷺ بأداءِ ذلك النُّسكِ عليها لا شكَّ أنَّها مَشروعةٌ لجميعِ الناسِ إلا فيما قامَ دَليلٌ يَجبُ الرُّجوعُ إليه بالخُصوصِ، وقِصةُ عُمرةِ عائشةَ ﵂ المَذكورةُ لم يثبُتْ فيها دَليلٌ على التَّخصيصِ، والعِلمُ عندَ اللهِ تَعالى. اه.
أجرُ العُمرةِ على قَدرِ النصَبِ والنفَقةِ:
إنَّ القائلين بجوازِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّفرِ الواحِدِ يَقولونَ: إنَّ الاعتمارَ بها من مكةَ أقلُّ أجرًا من التي جاءَ بها من ميقاتِ أهلِه، ومِصداقُ ذلك ما ورَد من قولِ النَّبيِّ ﷺ في قِصةِ عائشةَ ﵂ فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلمٌ عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «يا رَسولَ اللهِ يَصدُرُ الناسُ بنُسكَين وأصدُرُ بنُسكٍ، فَقيلَ لها: انتَظِري، فإذا طهُرتِ فاخرُجي إلى التَّنعيمِ فأهِلِّي ثم ائتينا بمَكانِ كذا، ولكنَّها على قَدرِ نفَقتِكِ أو نصَبِكِ» (١).
стр. 3119
وفي رِوايةٍ لِلحاكِمِ وصحَّحَها: «إنَّما أجرُكِ في عُمرتِكِ على قَدرَ نفَقَتِكِ» (١).
قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: واستُدِلَّ على أنَّ الاعتمارَ لِمن كان بمكةَ من جِهةِ الحِلِّ القَريبةِ أقلُّ أجرًا من الاعتمارِ من جِهةِ الحِلِّ البَعيدِ، وهو ظاهرُ هذا الحَديثِ.
وقال الشافِعيُّ في «الإملاء»: أفضلُ بِقاعِ الحِلِّ لِلاعتمارِ الجِعرانةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أحرَم منها، ثم التَّنعيمُ لأنَّه أذِن لِعائشةَ ﵂ منها، قال: وإذا تَنحَّى عن هذَيْن المَوضعَين، فأينَ أَبعدَ حتى يَكونَ أكثرَ لسَفرِه كان أَحبَّ إليَّ.
وحَكى المُوفَّقُ في «المُغني» عن أحمدَ أنَّ المَكيَّ كلَّما تباعَد في العُمرةِ كان أعظمَ لِأجرِه.
وقال الحَنفيةُ: أفضلُ بِقاعِ الحِلِّ لِلاعتمارِ التَّنعيمُ، ووافَقهم بعضُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، ووَجهُه ما قدَّمناه أنَّه لم يُنقَلْ أنَّ أحَدًا من الصَّحابةِ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ خرَج من مكةَ إلى الحِلِّ ليُحرِمَ بالعُمرةِ، غيرَ عائشةَ ﵂، وأمَّا اعتِمارُه ﷺ من الجِعرانةِ فكانَ حينَ رجَع من الطائفِ مُجتازًا إلى المَدينةِ، ولكنْ لا يَلزمُ من ذلك تَعيُّنُ التَّنعيمِ للفَضلِ؛ لِما دلَّ عليه هذا الخَبرُ أنَّ الفَضلَ في زيادةِ التَّعبِ والنفَقةِ، وإنَّما يَكونُ
стр. 3120
التَّنعيمُ أفضلَ من جِهةٍ أُخرى تُساوِيه إلى الحِلِّ لا من جِهةٍ أبعَدَ مِنه واللهُ أعلمُ.
وقال النَّوويُّ: ظاهرُ الحَديثِ أنَّ الثَّوابَ والفَضلَ في العِبادةِ يَكثُرُ بكَثرةِ النصَبِ والنفَقةِ.
وهو كما قال، لكنْ ليسَ هذا بمُطَّردٍ، فقد يَكونُ بعضُ العِبادةِ أَخفَّ من بَعضٍ، وهو أكثرُ فَضلًا وثَوابًا بالنِّسبةِ إلى الزَّمانِ، كقيامِ لَيلةِ القَدرِ بالنِّسبةِ لِقيامِ لَيالٍ من رَمضانَ غيرِها، وبالنِّسبةِ للمَكانِ كصَلاةِ رَكعتَين في المَسجدِ الحَرامِ بالنِّسبةِ لصَلاةِ رَكعاتٍ في غيرِه، وبالنِّسبةِ إلى شَرفِ العِبادةِ الماليَّةِ والبَدنيَّةِ كصَلاةِ الفَريضةِ بالنِّسبةِ إلى أكثرَ من عَددِ رَكعاتِها أو أَطولَ من قِراءتِها، ونحوُ ذلك صَلاةُ النافِلةِ، وكدِرهمٍ من الزَّكاةِ بالنِّسبةِ إلى أكثرَ منه مِنْ التطوُّعِ.
أشارَ إلى ذلك ابنُ عبدِ السَّلامِ في القَواعدِ قال: وقد كانتِ الصَّلاةُ قُرةَ عَينِ النَّبيِّ ﷺ وهي شاقَّةٌ على غيرِه، وليست صَلاةُ غيرِه مع مَشقَّتِها مُساويةً لصَلاتِه مُطلقًا واللهُ أعلمُ (١).
وقال النَّوويُّ ﵀: قولُه ﷺ : «ولكنَّها على قَدرِ نصَبِكِ، أو قال: نفَقتِكِ»، هذا ظاهِرٌ في أنَّ الثَّوابَ والفَضلَ في العِبادةِ يَكثرُ بكَثرةِ النصَبِ والنفَقةِ، والمُرادُ النصَبُ الذي لا يَذمُّه الشَّرعُ، وكذا النفَقةُ (٢).