← Фикх общий

Фикх общий · id 30065

موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة - ياسر النجار

ياسر النجار

Полный текст (15 224 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

ثمَّ قال: وهذا الذي ذكَرناه ممَّا يَدلُّ على أنَّ الطَّوافَ أفضلُ، فهو يَدلُّ على أنَّ الاعتِمارَ مِنْ مكةَ وتَركَ الطَّوافِ ليس بمُستحبٍّ، بل المُستحبُّ هو الطَّوافُ دونَ الاعتِمارِ، بل الاعتِمارُ فيه حينَئذٍ هو بِدعةٌ لم يَفعَلْه السَّلفُ، ولم يُؤمَرْ بها في الكِتابِ والسُّنةِ، ولا قامَ دَليلُ شَرعيُّ على استِحبابِها، وما كان كذلك فهو مِنْ البِدعِ المَكروهةِ باتِّفاقِ العُلماءِ. ثم قال ﵀: وأمَّا المَسألةُ الثالِثةُ فنَقولُ: فإذا كان قد تَبيَّن بما ذكَرناه من السُّنةِ، واتِّفاقِ سَلفِ الأُمةِ على أنَّه لا يُستحبُّ بل تُكرهُ المُوالاةُ بينَ العُمرةِ لِمن يُحرِمُ من الميقاتِ، فمن المَعلومِ أنَّ الذي يُوالي بينَ العُمرةِ من مكةَ في شَهرِ رَمضانَ أوْلى بالكَراهةِ، فإنَّه يتَّفقُ في ذلك مَحذورانِ: أحدُهما: كَونُ الاعتمارِ من مكةَ، وقد اتَّفَقوا على كَراهةِ اختيارِ ذلك بَدلَ الطَّوافِ. والثاني: المُوالاةُ بينَ العُمرةِ، وهذا اتَّفَقوا على عَدمِ استِحبابِه بل يَنبَغي كَراهَتُه مُطلقًا فيما أعلمُ لِمن لم يَعتَضْ عنه بالطَّوافِ، وهو الأقيَسُ، فكيفَ بمَن قدِر على أنْ يَعتاضَ عنه بالطَّوافِ بخِلافِ كَثرةِ الطَّوافِ، فإنَّه مُستحبُّ مَأمورٌ به لا سيَّما لِلقادِمين، فإنَّ جُمهورَ العُلماءِ على أنَّ طَوافَهم بالبَيتِ أفضلُ لهم من الصَّلاةِ بالمَسجدِ الحَرامِ مع فَضيلةِ الصَّلاةِ بالمَسجدِ الحَرامِ … إلى آخرِ كَلامِه ﵀ (١).

стр. 3117

فقد ذكَرَ في ذلك كَلامًا طَويلًا بما يَزيدُ على خَمسينَ صَفحةً فليُراجِعْه مَنْ شاءَ. وقالَ الحافظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: قالَ صاحِبُ «الهدي» -أي: ابنُ القَيمِ ﵀: ولم يُنقَلْ أنَّ النَّبيَّ ﷺ اعتمَر مُدةَ إقامَتِه بمكةَ قبلَ الهِجرةِ، ولا اعتمَر بعدَ الهِجرةِ إلا داخِلًا إلى مكةَ، ولم يَعتمرْ قطُّ خارجًا من مكةَ إلى الحِلِّ، ثم يَدخلُ إلى مكةَ بعُمرةٍ كما يَفعلُ الناسُ اليومَ، ولا ثبَتَ عندَ أحدٍ من الصَّحابةِ فِعلُ ذلك في حَياتِه إلا عائشةَ ﵂ وحدَها. انتَهى. قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ: وبعدَ أنْ فَعلتْه عائشةُ ﵂ بأمرِه ﷺ دلَّ على مَشروعيَّتِه (١). قال الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀ مُعلَّقًا على كَلامِ الحافِظِ هذا: ولكنَّه إنَّما يَدلَّ على المَشروعيَّةِ إذا لم يَكنْ أمرَه ﷺ بذلك لِأجلِ تَطييبِ قَلبِها كما قيلَ (٢). قلتُ: أمَّا ما ذكَره الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: من أنَّ الرَّسولَ ﷺ إنَّما فعَل ذلك لِأجلِ تَطيببِ قَلبِها ﵂، فقد قال الإمامُ حَمدُ بنُ ناصرِ

стр. 3118

ابنِ عُثمانَ آلُ مَعمرٍ التَّميميُّ الحَنبليُّ المُتوفَّى (١٢٢٥ هـ) في كتابِه: «الفَواكهُ العِذابُ في الردِّ على من لم يُحكِّم السُّنةَ والكِتابَ». وقولُ مَنْ قال: إنَّ النَّبيَّ ﷺ أرسلَها -أي: عائشةَ ﵂ - مع أخيها لِتلك العُمرةِ تَطييبًا لِخاطرِها ﵂، لا تَقومُ به حُجةٌ ألبتَّةَ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لا يَأمرُها بعُمرةٍ، وهي نُسكٌ وعِبادةٌ إلا على الوَجهِ المَشروعِ لعامَّةِ الناسِ؛ لاستِواءِ جميعِ الناسِ في أحكامِ التَّكليفِ، فعُمرتُها المَذكورةُ نُسكٌ قَطعًا، والحالةُ التي أمرَ النَّبيُّ ﷺ بأداءِ ذلك النُّسكِ عليها لا شكَّ أنَّها مَشروعةٌ لجميعِ الناسِ إلا فيما قامَ دَليلٌ يَجبُ الرُّجوعُ إليه بالخُصوصِ، وقِصةُ عُمرةِ عائشةَ ﵂ المَذكورةُ لم يثبُتْ فيها دَليلٌ على التَّخصيصِ، والعِلمُ عندَ اللهِ تَعالى. اه. أجرُ العُمرةِ على قَدرِ النصَبِ والنفَقةِ: إنَّ القائلين بجوازِ تَكرارِ العُمرةِ في السَّفرِ الواحِدِ يَقولونَ: إنَّ الاعتمارَ بها من مكةَ أقلُّ أجرًا من التي جاءَ بها من ميقاتِ أهلِه، ومِصداقُ ذلك ما ورَد من قولِ النَّبيِّ ﷺ في قِصةِ عائشةَ ﵂ فقد رَوى البُخاريُّ ومُسلمٌ عن عائشةَ ﵂ أنَّها قالت: «يا رَسولَ اللهِ يَصدُرُ الناسُ بنُسكَين وأصدُرُ بنُسكٍ، فَقيلَ لها: انتَظِري، فإذا طهُرتِ فاخرُجي إلى التَّنعيمِ فأهِلِّي ثم ائتينا بمَكانِ كذا، ولكنَّها على قَدرِ نفَقتِكِ أو نصَبِكِ» (١).

стр. 3119

وفي رِوايةٍ لِلحاكِمِ وصحَّحَها: «إنَّما أجرُكِ في عُمرتِكِ على قَدرَ نفَقَتِكِ» (١). قال الحافِظُ ابنُ حَجرٍ ﵀: واستُدِلَّ على أنَّ الاعتمارَ لِمن كان بمكةَ من جِهةِ الحِلِّ القَريبةِ أقلُّ أجرًا من الاعتمارِ من جِهةِ الحِلِّ البَعيدِ، وهو ظاهرُ هذا الحَديثِ. وقال الشافِعيُّ في «الإملاء»: أفضلُ بِقاعِ الحِلِّ لِلاعتمارِ الجِعرانةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أحرَم منها، ثم التَّنعيمُ لأنَّه أذِن لِعائشةَ ﵂ منها، قال: وإذا تَنحَّى عن هذَيْن المَوضعَين، فأينَ أَبعدَ حتى يَكونَ أكثرَ لسَفرِه كان أَحبَّ إليَّ. وحَكى المُوفَّقُ في «المُغني» عن أحمدَ أنَّ المَكيَّ كلَّما تباعَد في العُمرةِ كان أعظمَ لِأجرِه. وقال الحَنفيةُ: أفضلُ بِقاعِ الحِلِّ لِلاعتمارِ التَّنعيمُ، ووافَقهم بعضُ الشافِعيةِ والحَنابلةِ، ووَجهُه ما قدَّمناه أنَّه لم يُنقَلْ أنَّ أحَدًا من الصَّحابةِ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ خرَج من مكةَ إلى الحِلِّ ليُحرِمَ بالعُمرةِ، غيرَ عائشةَ ﵂، وأمَّا اعتِمارُه ﷺ من الجِعرانةِ فكانَ حينَ رجَع من الطائفِ مُجتازًا إلى المَدينةِ، ولكنْ لا يَلزمُ من ذلك تَعيُّنُ التَّنعيمِ للفَضلِ؛ لِما دلَّ عليه هذا الخَبرُ أنَّ الفَضلَ في زيادةِ التَّعبِ والنفَقةِ، وإنَّما يَكونُ

стр. 3120

التَّنعيمُ أفضلَ من جِهةٍ أُخرى تُساوِيه إلى الحِلِّ لا من جِهةٍ أبعَدَ مِنه واللهُ أعلمُ. وقال النَّوويُّ: ظاهرُ الحَديثِ أنَّ الثَّوابَ والفَضلَ في العِبادةِ يَكثُرُ بكَثرةِ النصَبِ والنفَقةِ. وهو كما قال، لكنْ ليسَ هذا بمُطَّردٍ، فقد يَكونُ بعضُ العِبادةِ أَخفَّ من بَعضٍ، وهو أكثرُ فَضلًا وثَوابًا بالنِّسبةِ إلى الزَّمانِ، كقيامِ لَيلةِ القَدرِ بالنِّسبةِ لِقيامِ لَيالٍ من رَمضانَ غيرِها، وبالنِّسبةِ للمَكانِ كصَلاةِ رَكعتَين في المَسجدِ الحَرامِ بالنِّسبةِ لصَلاةِ رَكعاتٍ في غيرِه، وبالنِّسبةِ إلى شَرفِ العِبادةِ الماليَّةِ والبَدنيَّةِ كصَلاةِ الفَريضةِ بالنِّسبةِ إلى أكثرَ من عَددِ رَكعاتِها أو أَطولَ من قِراءتِها، ونحوُ ذلك صَلاةُ النافِلةِ، وكدِرهمٍ من الزَّكاةِ بالنِّسبةِ إلى أكثرَ منه مِنْ التطوُّعِ. أشارَ إلى ذلك ابنُ عبدِ السَّلامِ في القَواعدِ قال: وقد كانتِ الصَّلاةُ قُرةَ عَينِ النَّبيِّ ﷺ وهي شاقَّةٌ على غيرِه، وليست صَلاةُ غيرِه مع مَشقَّتِها مُساويةً لصَلاتِه مُطلقًا واللهُ أعلمُ (١). وقال النَّوويُّ ﵀: قولُه ﷺ : «ولكنَّها على قَدرِ نصَبِكِ، أو قال: نفَقتِكِ»، هذا ظاهِرٌ في أنَّ الثَّوابَ والفَضلَ في العِبادةِ يَكثرُ بكَثرةِ النصَبِ والنفَقةِ، والمُرادُ النصَبُ الذي لا يَذمُّه الشَّرعُ، وكذا النفَقةُ (٢).

стр. 3121

ما ورَد في فَضلِ الطَّوافِ: أنَّ اللهَ لم يأذَنْ لِأحَدٍ أنْ يَطوفَ حولَ بُنيانٍ غيرِ بَيتِه الحَرامِ، وجعَل ذلك من أفضَلِ الأعمالِ، فقال تَعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩] بل إنَّ اللهَ أمرَ خَليلَه إبراهيمَ ﷺ وابنَه إسماعيلَ أنْ يُطهِّرا البَيتَ الحَرامَ لِلطائفينَ، فقال تَعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقد جعَل اللهُ الطَّوافَ حولَ الكَعبةِ رُكنًا من أركانِ الحَجِّ والعُمرةِ، فلا يَصحُّ الحَجُّ والعُمرةُ إلا بالطَّوافِ حولَ الكَعبةِ. وفيما عَدا الحَجَّ والعُمرةَ رغَّب فيه الشارِعُ الحَكيمُ، وجعَل عليه أجرًا عَظيمًا، فالمَغبونُ مَنْ فرَّط فيه بعدَ تَيسيرِ اللهِ له ذلك. ١ - عَنْ عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄ قال: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ طافَ بالبَيتِ وصلَّى رَكعتَين كان كعِتقِ رَقبةٍ» (١). ٢ - عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «الطَّوافُ حولَ البَيتِ مِثلُ الصَّلاةِ، إلا أنَّكم تَتكلَّمونَ فيه، فمَن تَكلَّم فيه فلا يَتكلَّمنَّ إلا بخَيرٍ» (٢).

стр. 3122

٣ - ورَوى ابنُ خُزَيمةَ في صَحيحِه عن عُبيدِ اللهِ بنِ عُميرٍ عن أبيه أنَّه قال لِعبدِ اللهِ بنِ عُمرَ ﵄: إنَّكَ لتُزاحِمُ على هذَين الرُّكنَين (الأسوَدِ واليَمانيِّ)، قال: إنْ أفعَلْ فإنِّي سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَسحُهما يحُطُّ الخَطايا»، وسمِعتُه يَقولُ: «مَنْ طافَ بالبَيتِ لم يَرفعْ قَدمًا ولم يَضعْ قَدمًا إلا كتَب اللهُ له حَسنةً وحطَّ عنه خَطيئةً وكتَب له دَرجةً، ومَن أحصَى أُسبوعًا كان كعِتقِ رَقبةٍ» (١). وقد حذَّرَ الشارِعُ الحَكيمُ من منَعِ الطائفينَ حولَ الكَعبةِ متى شاؤُوا. فقد رَوى جُبيرُ بنُ مُطعمٍ ﵁ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «يا بَني عبدِ مَنافٍ، لا تَمنَعوا أحَدًا طافَ بهذا البَيتِ وصلَّى أيَّةَ ساعةٍ شاءَ من اللَّيلِ والنَّهارِ» (٢). ما ورَد في فَضلِ الحَجرِ الأسودِ والرُّكنِ اليَمانيِّ: الحَجرُ الأسودُ من آياتِ اللهِ البيِّناتِ في حَرمِ اللهِ الآمِنِ، وقد ورَد في فَضلِه عِدةُ أحاديثَ: أولًا: أنَّ الحَجرَ الأسودَ من الجَنَّةِ: فعن ابنِ عباسٍ ﵄ أنَّه قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ :

стр. 3123

«نزَل الحَجرُ الأسودُ من الجَنةِ وهو أشدُّ بَياضًا من اللَّبنِ فسوَّدتْه خَطايا بَني آدمَ» (١). ثانيًا: المَسحُ على الحَجرِ والرُّكنِ اليَمانيِّ يَحطُّ الخَطايا: فعن عبدِ اللهِ بنِ عُبيدِ بنِ عُميرٍ أنَّه سمِعَ أباه يَقولُ لِابنِ عُمرَ ﵄: «ما لي لا أراكَ تَستلِمُ إلا هَذيْن الرُّكنَينِ الحَجرَ الأسودَ والرُّكنَ اليَمانيَّ؟» فقال ابنُ عُمرَ ﵄: إنْ أفعَلْ فقد سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «إنَّ استِلامَهُما يَحطُّ الخَطايا» وفي رِوايةٍ: «مَسحُهما يَحطُّ الخَطايا» (٢). وفي رِوايةٍ لِابنِ حِبَّانَ: «مَسحُ الحَجرِ والرُّكنِ اليَمانيِّ يَحطُّ الخَطايا حَطًّا» (٣). ثالِثًا: الحَجرُ يَشهدُ يومَ القيامةِ لِمن استَلمَه بحَقٍّ: فعن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «يأتي هذا الحَجرُ يومَ القيامةِ له عَينانِ يُبصِرُ بهِما، ولِسانٌ يَنْطِقُ به، يَشهدُ لمَن استَلمَه بحَقٍّ». وفي رِوايةٍ: «إنَّ لهذا الحَجرِ لِسانًا وشَفتَين يَشهدُ لمَن استَلمَه يومَ القيامةِ بحَقٍّ» (٤).

стр. 3124

قال ابنُ خُزَيمةَ ﵀: ذِكرُ الدَّليلِ على أنَّ الحَجرَ إنَّما يَشهدُ لمَن استَلمَه بالنِّيةِ دونَ مَنْ استَلمَه ناويًا باستِلامِه طاعةَ اللهِ وتَقرُّبًا إليه، إذِ النَّبيُّ ﷺ قد أعلَمَ أنَّ للمَرءِ ما نَوى. ثم رُوي عن عبدِ اللهِ بنِ عَمرٍو ﵄ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «يأتي الرُّكنُ يومَ القيامةِ أعظمَ من أبي قُبيسٍ، له لِسانٌ وشَفَتانِ يَتكلَّمُ عمَّن استَلمَه بالنِّيةِ، وهو يَمينُ اللهِ التِّي يُصافِحُ بها خَلقَه» (١). رابِعًا: الحَجرُ الأسودُ يُقبَّلُ ويُستلَمُ ويُسجَدُ عليه: رَوى البُخاريُّ في صَحيحِه عن الزُّبيرِ بنِ عَربيٍّ قال: سأَل رَجلٌ ابنَ عُمرَ ﵄ عن استِلامِ الحَجرِ، فقال: «رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَستَلمُه ويُقبِّلُه … » الحَديثَ (٢). ورَوى الإمامُ مُسلمٌ عن نافِعٍ قال: «رَأيتُ ابنَ عُمرَ يَستَلمُ الحَجرَ بيدِه ثم قبَّل يدَه وقال: ما ترَكتُه مُنذُ رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَفعلُهُ» (٣). ورَوى الإمامُ مُسلمٌ في صَحيحِه عن سُوَيدِ بنِ غَفَلةَ قال: رَأيتُ عُمرَ قبَّل الحَجرَ والتزَمه، وقال: «رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ بكَ حَفيًّا» (٤).

стр. 3125

ورَوى البُخاريُّ عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: «طافَ النَّبيُّ ﷺ بالبَيتِ على بَعيرٍ كلَّما أتى الرُّكنَ أشارَ إليه بشيءٍ كان عندَه وكبَّر» (١). وقد بَوَّبَ الإمامُ ابنُ خُزَيمةَ في صَحيحِه بابَ السُّجودِ على الحَجرِ الأسوَدِ إذا وجَد الطائفُ السَّبيلَ إلى ذلك من غيرِ إيذاءِ المُسلمِ. ثم روى عن جَعفَرِ بنِ عبدِ اللهِ قال: «رَأيتُ مُحمَّدَ بنَ عبَّادِ بنِ جَعفَرٍ قبَّل الحَجرَ وسجَد عليه، ثم قال: رَأيتُ خالَكَ ابنَ عَباسٍ يُقبِّلُه ويَسجدُ عليه، وقال ابنُ عَباسٍ: رَأيتُ عُمرَ بنَ الخَطَّابِ يُقبِّلُه ويَسجدُ عليه ثم قال: رَأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ فعَل هكَذا، ففعَلتُ» (٢). فتَقبيلُ الحَجرِ واستِلامُه أمْرٌ مَشروعٌ مَسنونٌ مُرغَّبٌ فيه شَرعًا، وفيه أجْرٌ وثَوابٌ عَظيمٌ وحطٌّ للخَطايا وفاعِلُ ذلك يَفعلُه اتِّباعًا للسُنةِ، لا أنْ يَظنَّ أنَّ الحَجرَ يَضرُّه أو يَنفعُه كما يَظنُّ بعضُ الناسِ، ولذلك نبَّه الخَليفةُ الراشِدُ عُمرُ بنُ الخَطابِ ﵁ على ذلك حينَما جاءَ إلى الحَجرِ الأسوَدِ فقبَّله ثم قال: «واللهِ إنِّي لأُقبِّلُك وإنِّي أعلمُ أنَّك حَجرٌ وأنَّك لا تَضرُّ ولا تَنفعُ، ولَولا أنِّي رأيتُ رَسولَ اللهِ ﷺ قبَّلك ما قبَّلتُكَ» (٣).

стр. 3126

ما جاءَ في فَضلِ ماءِ زَمزمَ والشُّربِ منه: ماءُ زَمزمَ خَيرُ ماءٍ على وَجهِ الأرضِ، وأنَّها طَعامُ طُعمٍ وشِفاءٌ من السُّقمِ. عن ابنِ عباسٍ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «خَيرُ ماءٍ على وَجهِ الأرضِ ماءُ زَمزمَ، فيه طَعامٌ من الطُّعمِ وشِفاءٌ من السُّقمِ» (١). قال ابنُ القَيمِ ﵀: وقد جرَّبتُ أنا وغَيري من الاستِشفاءِ بماءِ زَمزمَ أُمورًا عَجيبةً، واستَشفَيتُ به من عدَّةِ أمراضٍ فبَرأتُ بإذنِ اللهِ (٢). ورَوى الإمامُ مُسلمٌ في حَديثِ إسلامِ أبي ذرٍّ الطّويلِ عندَما جاءَ إلى مكةَ ودخَل الحَرمَ فقال له النَّبيُّ ﷺ : «مَتى كُنْتَ ههُنا؟ قال: قلتُ: قد كُنْتُ ههنا مُنذُ ثَلاثينَ بينَ لَيلةٍ ويَومٍ، قال: فمَن كان يُطعمُك؟ قال: قلتُ: ما كان لي طَعامٌ إلا ماءُ زَمزمَ فسمِنتُ حتى تَكسَّرت عُكَنُ بَطني، وما أجِدُ على كَبِدي سُخفةَ جُوعٍ، قال: إنَّها مُبارَكةٌ، إنَّها طَعامُ طُعمٍ … » (٣). قال ابنُ القَيمِ ﵀: وشاهَدتُ مَنْ يَتغذَّى به الأيامَ ذَواتِ العدَدِ قَريبًا من نصفِ الشَّهرِ أو أكثرَ ولا يجدُ جُوعًا، ويَطوفُ مع الناسِ كأحدِهم،

стр. 3127

وأخبَرني أنَّه ربَّما بقِي عليه أربَعينَ يَومًا، وكان له قُوةٌ يُجامعُ بها أهلَه ويَصومُ ويَطوفُ مِرارًا (١). ماءُ زَمزمَ لِما شُرِبَ له: فعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ ﵄ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «ماءُ زَمزمَ لِما شُرِبَ له» (٢). قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وهذا ممَّا عمِل العُلماءُ والأخيارُ به فشَرِبوه لمَطالِبَ لهم جَليلةٍ، فنالوها، فيُستحبُّ لِمن شرِبَه للمَغفِرةِ أو لِلشِّفاءِ من مَرضٍ ونحوِ ذلك أنْ يَقولَ عندَ شُربِه: اللَّهمَّ إنَّه بَلغَني أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «ماءُ زَمزمَ لِما شُرِبَ له»، اللَّهمَّ وإنِّي أَشربُه لتَغفِرَ لي ولتَفعَل بي كذا وكذا، فاغفِرْ لي أو افعَلْ، أو اللَّهمَّ إنِّي أشرَبُه مُستشفِيًا به فاشفِني، ونحوَ هذا واللهُ أعلمُ (٣). وقال الإمامُ الشَّوكانيُّ ﵀: وفيه دَليلٌ على أنَّ ماءَ زَمزمَ يَنفعُ الشارِبَ لِأيِّ أمرٍ شرِبه لِأجلِه، سَواءٌ كان من أُمورِ الدُّنيا أو الآخِرةِ؛ لأنَّ «ما» في قولِه ﷺ : «لِما شُرب له» من صِيَغِ العُمومِ (٤).

стр. 3128

نَقلُ ماءِ زَمزمَ إلى البُلدانِ: رَوى الإمامُ التِّرمذيُّ في سُننِه عن عائشةَ ﵂: «أنَّها كانت تَحمِلُ من ماءِ زَمزمَ وتُخبِرُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كان يَحمِلُه» (١). قال الإمامُ مُحمدُ بنُ يُوسفَ الصالِحيُّ الشامِيُّ: يَجوزُ نَقلُ ماءِ زَمزمَ باتِّفاقِ الأئمَّةِ الأربَعةِ، بل هو مُستحبُّ عندَ الشافِعيةِ والمالِكيةِ (٢). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: اتَّفَقتْ نُصوصُ الشافِعيِّ والأصحابِ على جوازِ نَقلِ ماءِ زَمزمَ إلى جميعِ البِلادِ، واستِحبابِ أخْذِه للتَّبرُّكِ (٣). وقال المُلَّا علي القاري ﵀: وأمَّا نَقلُ ماءِ زَمزمَ للتَّبرُّكِ به فمَندوبٌ اتِّفاقًا؛ لأنَّه ﷺ استَهداه وهو بالمَدينةِ من سُهَيلِ بنِ عَمرٍو عامَ الحُديبيةِ «فَبعَث إليه بمَزادَتيْن»، رَواه البَيهَقيُّ، قال: وفي رِوايةٍ أنَّه ﷺ حمَله في الأداوي والقِربِ، وكان يَصبُّ على المَريضِ، ويَستَشفيهم به، وصحَّ عن عائشةَ ﵂ أنَّها كانت تَنقُلُه وتُخبِرُ أنَّه ﷺ كان يَنقُلُه (٤).

стр. 3129

كتاب الأضحية

стр. 3130

كتاب الأضحية تَعريفُ الأُضحيَّةِ: الأُضحيَّةُ في اللُّغةِ: اسمٌ لِما يُذبَحُ من النعَم وقتَ الضُّحى تَقرُّبًا إلى اللهِ ، سُمِّيت باسمِ أوَّلِ زَمانِ فِعلِها، ثم كثُر حتى صارَ اسمًا لِما يُذبَحُ في أيِّ وقتٍ كان من أيَّامِ الأضحى، مِنْ تَسميةِ الشَّيءِ باسمِ وقتِه (١). وفي الشَّريعةِ عرَّفها الفُقهاءُ بتَعريفاتٍ مُتقارِبةٍ، بأنَّها اسمٌ لِما يُذبَحُ من النعَم خاصَّةً -من الإبِلِ والبَقرِ والغَنمِ- في أيَّامِ النَّحرِ -وهي يومُ العِيدِ وأيَأم التَّشريقِ- بنِيةِ التَّقرُّبِ إلى اللهِ تَعالى (٢).

стр. 3131

مَشروعيَّةُ الأُضحيَّةِ: الأُضحيَّةُ مَشروعةٌ بالكِتابِ والسُّنةِ والإجماعِ. وأمَّا الكِتابُ: فقولُ اللهِ سُبحانَهُ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢]، قال بعضُ أهلِ التَّفسيرِ: المُرادُ به الأُضحيَّةُ بعدَ صَلاةِ العِيدِ. وأمَّا السُّنةُ: فمَا روَاه الشَّيخَانِ عن أَنسٍ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُضحِّي بكَبشَين أَملحَين أَقرَنيْن، ويضَعُ رِجلَه على صَفحتِهما، ويذْبحُهما بيدِه» (١). ف: (الأقرَنُ): ما كان له قَرنانِ. وأمَّا (الأملَحُ): فقال الكِسائيُّ وأبو زَيدٍ: هو الذي فيه بَياضٌ وسَوادٌ، والبَياضُ أغلَبُ. وقال ابنُ الأعرابيِّ: (الأملَحُ): الأبيَضُ النَّقيُّ البَياضِ. وعن عُروَةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائشَةَ ﵂ «أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَر بكَبشٍ أَقرَنَ يَطأُ في سوَادٍ ويَبرُكُ في سوَادٍ ويَنظُرُ في سوَادٍ، فأُتيَ بهِ ليُضحيَ بهِ فقال لها: يا عائشَةُ هلُمِّي المُدْيةَ، ثم قال: اشْحَذِيها بِحجَرٍ، ففعَلتْ، ثم أخَذهَا وأخَذ الْكبْشَ فأَضْجَعه ثم ذبَحه، ثم قال: باسْمِ اللَّهِ اللَّهمَّ تَقبَّلْ من مُحمدٍ وآلِ مُحمدٍ ومِنْ أُمةِ مُحمدٍ، ثم ضحَّى بهِ» (٢).

стр. 3132

وأمَّا الإجماعُ: فقد حَكى جَماعةٌ من أهلِ العِلمِ الإجماعَ على مَشروعيَّةِ الأُضحيَّةِ. قال الوَزيرُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: اتَّفَقوا على أنَّ الأُضحيَّةَ مَشروعةٌ بأصلِ الشَّرعِ (١). وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أجمَع المُسلمون على مَشروعيَّةِ الأُضحيَّةِ (٢). حُكمُ الأُضحيَّةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الأُضحيَّةِ هل هي سُنةٌ أو واجبةٌ على المُوسرِ المُقيمِ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأبو يُوسفَ في رِوايةٍ إلى أنَّ التَّضحيةَ سُنةٌ لا يُستحبُّ تَركُها لمَن يَقدرُ عليها، وليست واجبةً إلا بالتِزامٍ، لِما رَواه جَبلةُ بنُ سُحيمٍ «أنَّ رَجلًا سأَلَ ابنَ عُمرَ عن الأُضحيَّةِ أواجبَةٌ هيَ؟ فقال: ضحَّى رَسولُ اللَّهِ ﷺ والمُسلمُونَ، فأَعادَها عليه، فقال: أتَعقِلُ؟ ضحَّى رَسولُ اللَّهِ ﷺ والمُسلمُونَ» (٣).

стр. 3133

ولِما روَاه البَراءُ ﵁ قال: قال النَّبِيُّ ﷺ : «إنَّ أوَّل ما نَبدأُ به في يومِنا هذا أَنْ نُصلِّيَ، ثم نَرْجِعَ فَننْحَرَ، مَنْ فعَلهُ فقَد أصَاب سُنتَنا، ومَن ذبَح قبلُ فإنَّما هو لَحمٌ قدَّمه لأَهلِه، ليسَ مِنْ النُّسكِ فِي شيءٍ» (١). وما كان سُنةً فليس بواجبٍ. وعن أُمِّ سَلمةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِذا رأَيتُم هِلالَ ذِي الحِجةِ وأَرادَ أحدُكم أَنْ يُضحِّيَ فليُمسِكْ عَنْ شَعرِه وأَظفَارِه» (٢)، فلو كانت واجبةً لم يجعَلْها إلى إرادةِ المُضحِّي؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «مَنْ أرادَ أنْ يُضحِّيَ» فعلَّقه على الإرادةِ، والواجبُ لا يُعلَّقُ على الإرادةِ. ولأنَّها ذَبيحةٌ لم يَجبْ تَفريقُ لَحمِها فلم تَكنْ واجبةً كالعَقيقةِ. وعن أبي سَريحةَ قال: «رَأيتُ أبا بَكرٍ وعُمرَ لا يُضحِّيان كَراهيةَ أنْ يُقتَدى بهما» (٣). وعن ابنِ عُمرَ ﵄: «مَنْ شاءَ ضحَّى ومَن شاءَ لم يُضحِّ». ورَوى الثَّوريُّ عن أبي مَعشَرٍ عن مَولًى لابِن عَباسٍ قال: «أرسَلني ابنُ عَباسٍ أشتَرى له لَحمًا بدِرهمٍ، وقال: قُلْ: هذه أُضحيَّةُ ابنِ عَباسٍ». وقال عِكرِمةُ: «بعَثني ابنُ عَباسٍ بدِرهمَين أشتَري له بهما لَحمًا وقال: مَنْ لَقيتَ

стр. 3134

فقُل هذه أُضحيَّةُ ابنِ عَباسٍ»، وهذا نحوُ فِعلِ بِلالٍ فيما نُقل عنه أنَّه ضحَّى بدِيكٍ، ومَعلومُ أنَّ ابنَ عَباسٍ إنَّما قصَد بقولِه أنَّ الضَّحيَّةَ ليست بواجبةٍ وأنَّ اللَّحمَ الذي ابتاعَه بدِرهمَين أغناه عن الأُضحيَّةِ إعلامًا منه بأنَّ الضَّحيَّةَ غيرُ واجبةٍ ولا لَازِمةٍ. فمُجملُ هذا وما رُوي عن أبي بَكرٍ وعُمرَ أنَّهما لا يُضحِّيان عندَ أهلِ العِلمِ لئلَّا يُعتقدَ في المُواظَبةِ عليها أنَّها واجبةٌ فَرضٌ، وكانوا أئمَّةً يَقتدي بهم مَنْ بعدَهم ممَّن يَنظرُ في دِينِه إليهم؛ لأنَّهم الواسِطةُ بينَ النَّبيِّ ﷺ وبينَ أُمتِه فساغَ لهم من الاجتِهادِ في ذلك ما لا يَسوغُ اليومَ لغيرِهم. وقال النَّخعيُّ: قال عَلقمةُ: لَأنْ لا أُضحِّيَ أَحبُّ إليَّ من أنْ أراه حَتمًا عليَّ. ولأنَّها لو كانت واجبةً على المُقيمِ لوَجبتْ على المُسافرِ؛ لأنَّهما لا يَختلِفان في الوَظائفِ الماليَّةِ كالزَّكاةِ، وصارَ كالعَتيرةِ (١).

стр. 3135

وذهَب الحَنفيةُ في المَذهبِ والإمامُ مالكٌ في رِوايةٍ (١) إلى أنَّ الأُضحيَّةَ واجبةٌ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] أمَر بنَحرٍ مَقرُونٍ بالصَّلاةِ، وليس ذلك إلا الأُضحيَّةَ. وعن زَيدِ بنِ أَرْقمَ ﵁ قال: قلتُ، أَوْ قَالُوا: يَا رَسولَ اللهِ: ما هذه الْأَضاحيُّ؟ قال: «سُنةُ أَبِيكُم إِبراهيمَ، قَالُوا: ما لنَا منها؟ قال بكلِّ شَعرةٍ حَسنةٌ، قَالوا: يَا رَسولَ اللهِ، فالصُّوفُ، قال: بكلِّ شَعرةٍ مِنْ الصُّوفِ حَسنةٌ» (٢) وهو أَمرٌ وإِنَّه للوُجوبِ. وعن أَبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «مَنْ وجَد سَعةً فلَم يُضحِّ فلا يَقرَبنَّ مُصلَّانا» (٣) وهذا خرَج مَخرجَ الوَعيدِ على تَركِ الأُضحيَّةِ، ولا وَعيدَ إلا بتَركِ الواجبِ، ولأنَّ إضافةَ اليومِ إليه تَدلُّ على الوُجوبِ؛ لأنَّه لا تَصحُّ الإضافةُ إليه إلا إذا وُجِدت فيه لا مَحالةَ، ولا وُجودَ إلا بالوُجوبِ، فيَجبُ تَصحيحًا لِلإضافةِ، وكما في يومِ الفِطرِ وصَدقتِه. ولحَديثِ أَنسٍ ﵁ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ يومَ النَّحرِ:

стр. 3136

«مَنْ كان ذبَح قبلَ الصَّلاةِ فليُعدْ» (١)، متَّفقٌ عليه، وللبُخاريِّ: «ومَن ذبَح بعدَ الصَّلاةِ فقَد تمَّ نُسكُه، وأصَاب سُنةَ المُسلمِين» (٢). أمَر ﷺ بذَبحِ الأُضحيَّةِ وإعادَتِها إذا ذُبحَت قبلَ الصَّلاةِ، وكلُّ ذلك دَليلُ الوُجوبِ. وقال ﷺ لِأبي بُردةَ: «إنَّها تُجزِئُ عنك، ولن تُجزِئَ عن أحدٍ بعدَك». وعن مِخنَفِ بنِ سُليمٍ قال رَوحٌ الغامِديُّ: ونحن وقُوفٌ مع النَّبيِّ ﷺ بِعرفةَ فقال: «يا أيُّها الناسُ إنَّ على أَهلِ كلِّ بَيتٍ في كلِّ عامٍ أَضحَاةً وعَتيرَةً، أتَدرُونَ ما العَتيرَةُ؟ هي التي يُسمِّيهَا الناسُ الرَّجبِيةَ» (٣). و «على» كَلمةِ إيجابٍ، ثم نُسِخت العَتيرةُ فثبَتت الأُضحاةُ. إلا أنَّ الحَنفيةَ اشتَرطوا شُروطًا لوُجوبها: شُروطُ مَنْ تَجبُ عليه الأُضحِيَّةُ: تَجبُ الأُضحيَّةُ على التالي ذِكرُهم: ١ - المُسلمُ: لأنَّها عِبادةٌ، والكافِرُ ليس مِنْ أهلِها. ٢ - الحرُّ: لأنَّ العبدَ لا يَملكُ شيئًا.

стр. 3137

٣ - المُقيمُ: فلا تَجبُ على المُسافرِ؛ لأنَّها لو وجَبت على المُسافِرِ لَتشاغَل بها عن سَفرِه، ولأنَّه قد سقَط عنه ما هو آكدُ من ذلك، كالجُمُعةِ وبعضِ الفَرضِ حتى لا يَتشاغلَ عن سَفرِه، وتَجبُ على أهلِ الأمصارِ والقُرى والبَراري. ٤ - المُوسِرُ في يومِ الأضحى: لأنَّها حَقٌّ في مالٍ يَجبُ على وَجهِ القُربةِ كالزَّكاةِ، والمُرادُ باليَسارِ الذي يَتعلَّقُ به وُجوبُ صَدقةِ الفِطرِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ : «لا صَدقةَ إلا عن ظَهرِ غنيً» (١) والغَنيُّ هو مَنْ ملَك النِّصابَ، والفَقيرُ لا غِنى له، فلا تَجبُ عليه. ولا تَجبُ على الحاجِّ المُسافرِ، فأمَّا أهلُ مكةَ فإنَّها تَجبُ عليهم وإنْ حجُّوا. ولا تَجبُ إلا عن نَفسِه خاصَّةً، فلا تَجبُ عن أولادِه الصِّغارِ في ظاهرِ الرِّوايةِ (٢)، بخِلافِ صَدقةِ الفِطرِ؛ لأنَّ السَّببَ هناك رأسٌ يَمونُه ويَلي عليه، وهذه قُربةٌ مَحضةٌ، والأصلُ في القُربِ ألَّا تَجبَ على الغيرِ بسَببِ الغيرِ. وليس العَقلُ والبُلوغُ شَرطًا لوُجوبِ الأُضحيَّةِ فتَجبُ على الصَّغيرِ والمَجنونِ عندَ أبي حَنيفةَ، فإنْ كان للصَّغيرِ مالٌ ضحَّى عنه أبوه أو وَصيُّه من مالِ الصَّغيرِ، ويأكلُ منه الصَّغيرُ ما أمكَنه، ولا يَتصدقُ بها؛ لأنَّه تطوُّعٌ،

стр. 3138

ولكنْ يأكلُ منها الصَّغيرُ وعيالُه، ويَدخرُ له ما يُمكِنُه، ويَبتاعُ له بالباقي ما يَنتفعُ بعَينِه، كما يَجوزُ أنْ يَنتفعَ البالِغُ بجِلدِ الأُضحيَّةِ. وعندَ مُحمدٍ وزُفرَ: البُلوغُ والعَقلُ من شِرائطِ الوُجوبِ. ولا يَجبُ عليه أنْ يُضحِّيَ عن أولادِه الكِبارِ؛ لأنَّه لا وِلايةَ له عليهم (١). الأُضحيَّةُ الواحِدةُ عن أهلِ البَيتِ جميعًا: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الإنسانَ إذا ضحَّى بشاةٍ واحِدةٍ أو بَقرةٍ أو بَدنةٍ عن نَفسِه وأهلِ بَيتِه أجزَأه لِما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «يا أيُّها الناسُ إنَّ على أَهلِ كلِّ بَيتٍ في كلِّ عامٍ أَضحَاةً وعَتيرَةً، أَتَدرُونَ ما العَتيرَةُ؟ هي التي يُسمِّيها الناسُ الرَّجبِيةَ» (٢). وعن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ عن عائشةَ ﵂ «أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَر بكَبشٍ أَقرنَ يَطأُ في سَوادٍ ويَبرُكُ في سَوادٍ ويَنظُرُ في سَوادٍ فأُتيَ بهِ ليُضحَّى بهِ، فقال لها: يا عائشةُ هلُمِّي المُديةَ، ثم قال: اشْحَذِيها بِحَجرٍ، ففعَلتْ، ثم أخَذها وأخَذ الكَبشَ فأَضجَعه ثم ذبَحه ثم قال: باسْمِ اللَّهِ اللَّهمَّ تَقبَّلْ من مُحمدٍ وآلِ مُحمدٍ ومن أُمةِ مُحمدٍ ثم ضحَّى بهِ» (٣).

стр. 3139

وعن أبي سَلمةَ عن عَائشةَ وَعن أبي هُريرةَ ﵁ «أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا أَرادَ أَنْ يُضحِّيَ اشْترَى كَبشَين عَظِيمَين سَمينَين أَقرنَين أَملَحيْن مَوجُوءَين فذبَح أحدَهما عن أُمتِه لمَن شهِد للَّهِ بالتَّوحِيدِ وشهِد له بالبَلاغِ وذبَح الآخرَ عن مُحمدٍ وعن آلِ مُحمدٍ» (١). وعن عَطاءِ بنِ يَسارٍ قال: سَأَلتُ أَبا أَيُّوبَ الأَنصَاريَّ: كَيفَ كانت الضَّحَايا فيكُم على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ قال: «كان الرَّجلُ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ يُضحِّي بالشَّاةِ عنه وَعن أَهلِ بَيتِه فيَأْكلُون وَيُطعِمونَ، ثم تَباهَى الناسُ فصَار كما ترَى» (٢) (٣). وذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّ الشاةَ لا تُجزِئُ عن أكثرَ من واحدٍ، ويَجبُ على كلِّ مَنْ وجَب عليه أنْ يُضحِّيَ عن نَفسِه ولا تُجزِئُ أُضحيَّةٌ واحِدةٌ عن أهلِ بَيتِه.

стр. 3140

وتَجبُ على الصَّغيرِ والمَجنونِ عندَ أبي حَنيفةَ، فإنْ كان للصَّغيرِ مالٌ ضحَّى عنه أبوه أو وَصيُّه من مالِ الصَّغيرِ، ويَأكلُ منه الصَّغيرُ ما أمكَنه، ولا يَتصدقُ بها؛ لأنه تطوُّعٌ، ولكنْ يَأكلُ منها الصَّغيرُ وعيالُه، ويَدخرُ له ما يُمكِنُه، ويَبتاعُ له بالباقي ما يَنتفعُ بعَينِه، كما يَجوزُ أنْ يَنتفعَ البالغُ بجِلدِ الأُضحيَّةِ. وعندَ مُحمدٍ وزُفرَ: البُلوغُ والعَقلُ من شرائطِ الوُجوبِ فلا تَجبُ على الصَّغيرِ والمَجنونِ (١). الاشتِراكُ في الأُضحيَّةِ: اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الاشتِراكِ في الأُضحيَّةِ مثلَ أنْ يَشترِكَ أكثرُ من واحدٍ في بَدنةٍ أو بَقرةٍ هل يَجوزُ أو لا؟ بعدَ إجماعِهم على أنَّ الشاةَ لا يَجوزُ الاشتِراكُ فيها. فذهَب المالِكيةُ إلى أنَّه لا يَجوزُ الاشتِراكُ في الأُضحيَّةِ بأنْ يَشترِكَ اثنانِ فأكثرُ في ثَمنِ بَقرةٍ أو بَدنةٍ، فإنِ اشتَركوا في الثَّمنِ بأنْ دفَع كلُّ واحدٍ منهم جُزءًا منه أو في اللَّحمِ بأنْ كانت مُشترَكةً بينَهم فلا تُجزِئُ عن واحدٍ منهم، ويَصحُّ الاشتِراكُ في الأجرِ قبلَ الذَّبحِ فيُجزِئُ ويَسقطُ لبُّها عنه وعن كلِّ مَنْ أدخَله معه، وإنْ كانوا أكثرَ من سَبعةٍ بثَلاثةِ شُروطٍ:

стр. 3141

١ - أنْ يَكونَ الذي وقَع تَشريكُه قَريبًا كابنِه وأخيه وابنِ عمِّه وتُلحَقُ به الزَّوجةُ. ٢ - وأنْ يَكونَ في نَفقتِه، سَواءٌ كان الإنفاقُ واجبًا على المُضحِّي كأبٍ وابنٍ فَقيرَين، أو غيرَ واجبٍ كالأخِ وابنِ العمِّ. ٣ - وأنْ يَكونَ ساكِنًا معه في دارٍ واحِدةٍ. فإذا توافَرت الشُّروطُ سقَطَتِ الأُضحيَّةُ عن المُشركِ، أي: تَسقطُ عنه سُننُها إنْ كان غَنيًّا. وإنِ اختلَّ شَرطٌ واحِدٌ لم تُجزِئْ عن واحدٍ منهما (١). وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ وأكثرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّه يَجوزُ الاشتِراكُ في البَقرةِ وفي البَدنةِ في الأُضحيَّةِ في البَدنةِ والبَقرةِ عن سَبعةٍ، لِما رَواه مُسلمٌ عن جابرِ بنِ عبدِ اللَّهِ قال: «نحَرْنا مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ عامَ الحُديبِيةِ البَدنةَ عن سَبعةٍ وَالبَقرةَ عن سَبعَةٍ». وفي رِوايةٍ قال: «خرَجْنا مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ مُهلِّينَ بالحَجِّ فأمَرنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَشترِكَ في الإبِلِ والبَقرِ كلُّ سَبعةٍ مِنا في بَدنةٍ».

стр. 3142

وفي رِوايةٍ قال: «اشترَكْنا مع النَّبيِّ ﷺ في الحَجِّ والعُمرةِ كلُّ سَبعةٍ في بَدنةٍ، فقال رَجلٌ لجابرٍ: أيُشترَكُ في البَدنةِ ما يُشترَكُ في الجَزورِ؟ قال: ما هيَ إلا من البُدنِ، وحضَر جابرٌ الحُديبِيةَ قال: نحَرْنا يومَئذٍ سَبعينَ بَدنةً اشترَكْنا كلُّ سَبعةٍ في بَدنةٍ» (١). ولا تَجوزُ الشاةُ عن أكثرَ من الواحِدِ، وإنْ كانت عَظيمةً فقيمَتُها قيمةُ شاتَين؛ لأنَّ القُربةَ إراقةُ الدَّمِ، وذلك لا يَتفاوَتُ، وهذا مَحلُّ إجماعٍ. قال النَّوويُّ ﵀: وأجمَعوا على أنَّ الشاةَ لا يَجوزُ الاشتِراكُ فيها (٢). فإذا ثبَت أنَّ البَدنةَ عن سَبعةٍ والبَقرةَ عن سَبعةٍ جازَ أنْ يَشترِكَ فيها سَبعةٌ من الضَّحايا والهَدايا، ويَكونَ لكلُّ سَبعةٍ منهم ضَحيَّةٌ لكلِّ واحدٍ منهم، وكذلك لو كانوا مُفترِضين أو مُتطوِّعين في قُربٍ مُتماثِلةٍ أو مُختلِفةٍ، أو بعضُهم يُريدُ حقَّه لَحمًا، وبعضُهم يَكونُ به مُتقرِّبًا، وسَواءٌ كانوا من أهلِ بَيتٍ واحدٍ أو من أهالي بُيوتٍ شتَّى عندَ الشافِعيةِ والحَنابلةِ؛ لأنَّ كلَّ ما جازَ أنْ يَشترِكَ فيه السَّبعةُ إذا كانوا مُتقرِّبينَ جازَ أنْ يَشترِكوا فيه، وإنْ كان بعضُهم غيرَ مُتقرَّبٍ كالسَّبعِ من الغَنمِ، ولأنَّ سَهمَ كلِّ واحدٍ مُعتبَرٌ بنيَّتِه لا بنيَّةِ غيرِه؛ لأنَّهم لو اختلَفت قُربُهم فجعَل بعضُهم سَهمَه عن قِرانٍ وبعضُهم عن تَمتُّعٍ، وبعضُهم عن حَلقٍ، وبعضُهم عن لِباسٍ جازَ كذلك، إذا جعَل بعضُهم سَهمَه لَحمًا؛ لأنَّ نيةَ غيرِ المُتقرِّب لا تُؤثرُ في نيةِ المُتقرِّبِ.

стр. 3143

ويَجوزُ أنْ يَنحرَ الواحِدُ بَدنةً أو بَقرةً عن سَبعِ شياهٍ لزِمته بأسبابٍ مُختلِفةٍ، كتَمتُّعٍ وقِرانٍ وفَواتٍ ومُباشرةٍ ومَحظوراتٍ في الإحرامِ ونَذرِ التَّصدُّقِ بشاةٍ مَذبوحةٍ، والتَّضحيةِ بشاةٍ (١). وقال الحَنفيةُ: البَدنةُ والبَقرةُ تُجزئُ كلُّ واحِدةٍ منهما عن سَبعةٍ إذا كانوا كلُّهم يُريدون بها وَجهَ اللهِ تعالى وإنِ اختلَفت وُجوهُ القُربِ بأنْ يُريدَ أحدُهم الهَديَ والآخَرُ جَزاءَ الصَّيدِ والآخَرُ هَديَ المُتعةِ والآخَرُ الأُضحيَّةَ والآخَرُ التطوُّعَ. وقال زُفرُ: لا يَجوزُ إلا إذا اتَّفَقت القُربُ كلُّها. وإن كان أحدُهم يُريدُ بنَصيبِه اللَّحمَ فإنَّه لا يُجزِئُ عن الكلِّ إجماعًا، وكذا إذا كان نَصيبُ أحدِهم أقلَّ من السُّبعِ فإنَّه لا يَجوزُ عن الكلِّ أيضًا؛ لِانعدامِ وَصفِ القُربةِ في بعضٍ، وكذا يَجوزُ عن خَمسةٍ أو سِتةٍ أو ثَلاثةٍ ولا يَجوزُ عن ثَمانيةٍ. ثم إذا جازت الشَّركةُ فالقِسمةُ للَحمٍ بالوَزنِ، فإن اقتَسموا أجزاءً لم يَجزْ إلا إذا كان معه شيءٌ من الأكارِعِ، والجِلدِ اعتبارًا بالبَيعِ (٢).

стр. 3144

قال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أمَّا المَسألةُ الرابِعةُ وهي عَددُ ما يُجزئُ من الضَّحايا عن المُضحِّين فإنَّهم اختَلفُوا في ذلك، فقال مالكٌ: يَجوزُ أنْ يَذبحَ الرَّجلُ الكَبشَ أو البَقرةَ أو البَدنةَ مُضحِّيًا عن نَفسِه وعن أهلِ بَيتِه الذين تَلزمُه نَفقتُهم بالشَّرعِ، وكذلك عندَه الهَدايا، وأجاز الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وجَماعةٌ أنْ يَنحرَ الرَّجلُ البَدنةَ عن سَبعةٍ، وكذلك البَقرةَ مُضحِّيًا أو مُهدِيًا. وأجمَعوا على أنَّ الكَبشَ لا يُجزئُ إلا عن واحدٍ إلا ما رَواه مالكٌ من أنَّه يُجزئُ أنْ يَذبحَه الرَّجلُ عن نَفسِه وعن أهلِ بَيتِه لا على جِهةِ الشَّركةِ، بل إذا اشتَراه مُفرَدًا، وذلك لِما رُوي عن عائشةَ أنَّها قالت: «كنا بمنًى فدُخِل علينا بلَحمِ بَقرٍ، فقُلنا: ما هو؟ فقالوا: ضحَّى رَسولُ اللهِ ﷺ عن أزواجه»، وخالَفه في ذلك أبو حَنيفةَ والثَّوريُّ على وَجهِ الكَراهةِ لا على وَجهِ عَدمِ الإجزاءِ. وسَببُ اختِلافِهم: مُعارَضةُ الأصلِ في ذلك لِلقياسِ المَبنيِّ على الأثَرِ الوارِدِ في الهَدايا، وذلك أنَّ الأصلَ هو ألَّا يُجزئَ إلا واحِدٌ عن واحدٍ، ولذلك اتَّفَقوا على منَعِ الاشتِراكِ في الضَّأنِ، وإنَّما قُلنا: إنَّ الأصلَ هو ألَّا يُجزئَ إلا واحِدٌ عن واحدٍ؛ لأنَّ الأمرَ بالتَّضحيةِ لا يَتبعضُ؛ إذ كان مَنْ كان له شِركٌ في ضَحيَّةٍ ليس يَنطلقُ عليه اسمُ مُضحٍّ إلا إنْ قامَ الدَّليلُ الشَّرعيُّ على ذلك.

стр. 3145

وأمَّا الأثرُ الذي انبَنى عليه القياسُ المُعارِضُ لهذا الأصلِ فما رُوي عن جابرٍ أنَّه قال: «نحَرنا مع رَسولِ اللهِ ﷺ عامَ الحُديبيةِ البَدنةَ عن سَبعةٍ»، وفي بعضِ رِواياتِ الحَديثِ: «سنَّ رَسولُ اللهِ ﷺ البَدنةَ عن سَبعةٍ، والبَقرةَ عن سَبعةٍ». فقاس الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ الضَّحايا في ذلك على الهَدايا، وأمَّا مالكٌ فرجَّح الأصلَ على القياسِ المَبنيِّ على هذا الأثَرِ؛ لأنَّه اعتُلَّ لحَديثِ جابرٍ بأنَّ ذلك كان حين صدَّ المُشركون رَسولَ اللهِ ﷺ عن البَيتِ، وهَديُ المُحصَرِ بعَدوٍّ ليس هو عندَه واجبًا وإنَّما هو تطوُّعٌ وهَديُ التطوُّعِ يَجوزُ عندَه فيه الاشتِراكُ، ولا يَجوزُ الاشتِراكُ في الهَديِ الواجبِ، لكنْ على القولِ بأنَّ الضَّحايا غيرُ واجبةٍ فقد يُمكِنُ قيامُها على هذا الهَديِ، ورَوى عنه ابنُ القاسِم أنَّه لا يَجوزُ الاشتِراكُ في هَديِ تطوُّعٍ ولا في هَديِ وُجوبٍ، وهذا كأنَّه ردٌّ للحَديثِ لِمكانِ مُخالفتِه لِلأصلِ في ذلك، وأجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَشترِكَ في النُّسكِ أكثرُ من سَبعةٍ، وإنْ كان قد رُوي من حَديثِ رافِعِ بنِ خَديجٍ ومن طَريقِ ابنِ عَباسٍ وغيرِه: البَدنةُ عن عَشرةٍ. وقال الطَّحاويُّ: وإجماعُهم على أنَّه لا يَجوزُ أنْ يَشتركَ في النُّسكِ أكثرُ من سَبعةٍ، دَليلٌ على أنَّ الآثارَ في ذلك غيرُ صَحيحةٍ. وإنَّما صارَ مالكٌ لجوازِ تَشريكِ الرَّجلِ أهلَ بَيتِه في أُضحيَّتِه أو هَديِه، لِما رَواه عن ابنِ شِهابٍ أنَّه قال: «ما نحَر رَسولُ اللهِ ﷺ عن أهلِ بَيتِه إلا بَدنةً واحِدةً أو بَقرةً واحِدةً»، وإنَّما خُولِف مالكٌ في الضَّحايا في هذا

стр. 3146

المَعنى، أعني: في التَّشريكِ؛ لأنَّ الإجماعَ انعقَد على مَنعِ التَّشريكِ فيه في الأجانبِ، فوجَب أنْ يَكونَ الأقارِبُ في ذلك في قياسِ الأجانبِ، وإنَّما فرَّق مالكٌ في ذلك بينَ الأجانبِ والأقاربِ لقياسِه الضَّحايا على الهَدايا في الحَديثِ الذي احتجَّ به، أعني حَديثَ ابنِ شِهابٍ، فاختِلافُهم في هذه المَسألةِ إذا رجَع إلى تَعارضِ الأقيِسةِ في هذا البابِ، إمَّا إلحاقُ الأقاربِ بالأجانبِ، وإمَّا قياسُ الضَّحايا على الهَدايا (١). الأُضحيَّةُ أفضلُ من التَّصدُّقِ بقيمَتِها: نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ الأُضحيَّةَ أفضلُ من التَّصدُّقِ بقيمَتِها أو أكثرَ من قيمَتِها؛ لأنَّ القُربةَ التي تَحصُلُ بإراقةِ الدَّمِ لا تَحصلُ بالصَّدقةِ، قال النَّبيُّ ﷺ : «ما عمِل آدمِيٌّ من عَملٍ يومَ النَّحرِ أَحبَّ إلى اللَّهِ من إِهراقِ الدَّمِ إنَّها لَتأتِي يومَ القِيامةِ بقُرونِها وأَشعارِها وأَظلافِها، وإنَّ الدَّمَ لَيَقعُ من اللَّهِ بِمكَانٍ قبلَ أنْ يَقعَ من الأرضِ فطِيبوا بها نَفسًا» (٢). ولأنَّ إيثارَ الصَّدقةِ على الأُضحيَّةِ يُفضي إلى تَركِ سُنةٍ سنَّها رَسولُ اللهِ ﷺ فلم يُحفظْ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه ترَك الأُضحيَّةَ طُولَ عُمرِه، وندَب أُمتَه إليها، فلا يَنبَغي لمُوسرٍ تَركُها.

стр. 3147

ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ ضحَّى والخُلفاءَ بعدَه، ولو علِموا أنَّ الصَّدقةَ أفضلُ لعدَلوا إليها (١). قال الحَنفيةُ: شِراءُ الأُضحيَّةِ بعَشرةِ دَراهمَ خَيرٌ من التَّصدُّقِ بألْفِ دِرهمٍ؛ لأنَّ القُربةَ التي تَحصلُ بإراقةِ الدَّمِ لا تَحصلُ بالصَّدقةِ (٢). ونصَّ المالِكيةُ في المَشهورِ على أنَّ الأُضحيَّةَ أفضلُ من الصَّدقةِ بثَمنِها أو أكثرَ من ثَمنِها، ومن العِتقِ؛ لأنَّ الأُضحيَّةَ سُنةٌ وشَعيرةٌ من شَعائرِ الإسلامِ، والعِتقُ والصَّدقةُ كلٌّ منهَا مُستحبٌّ، وظاهرُه أفضَليَّةُ الأُضحيَّةِ على العِتقِ، ولو كانتِ الأُضحيَّةُ بدِينارٍ والرَّقبةُ بعَشرةٍ مَثلًا (٣). وقال ابنُ تَيميَّةَ ﵀: والأُضحيَّةُ والعَقيقةُ والهَديُ أفضلُ من الصَّدقةِ بثَمنِ ذلك، فإذا كان معه مالٌ يُريدُ التَّقرُّبَ به إلى اللهِ كان له أنْ يُضحِّيَ به (٤). وذهَب الإمامُ مالكٌ في قَولٍ وهو مَرويٌّ عن عائشةَ وبِلالٍ والشَّعبيِّ وأبي ثَورٍ إلى أنَّ التَّصدُّقَ بثَمنِها أفضلُ.

стр. 3148

رُوي عن بِلالٍ أنَّه قال: «ما أُبالي ألَّا أُضحِّيَ إلا بدِيكٍ، ولَأنْ أضعَه في في يَتيمٍ قد ترِب أَحبُّ إليَّ من أنْ أُضحِّيَ به»، وقال الشَّعبيُّ: الصَّدقةُ أفضلُ. ورَوى ابنُ وَهبٍ عن مالكٍ أنَّ الصَّدقةَ بثَمنِها أَحبُّ إليَّ للحاجِّ من أنْ يُضحِّيَ؛ فهذا يَدلُّ على أنَّ الأُضحيَّةَ عندَه لغيرِ الحاجِّ أفضلُ من الصَّدقةِ. وإنَّما قال: إنَّ الصَّدقةَ بثَمنِها أفضلُ لِلحاجِ بمنًى من أجْلِ أنَّه لا يَرى للحاجِّ أُضحيَّةً (١). حُكمُ قَصِّ الشَّعرِ وتَقليمِ الأظفارِ لمَن أرادَ أنْ يُضحِّيَ: اختلَف الفُقهاءُ فيمن أراد أنْ يُضحِّيَ ودخَل عليه العَشرُ الأُولُ من ذي الحِجةِ، هل يَحرمُ عليه أنْ يَأخذَ من شَعرِه أو بشَرتِه أو أظافرِه شيئًا أو يُكرهُ له، ولا يَحرمُ أو يَجوزُ بلا كَراهةٍ؟ فذهَب الحَنابلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يُضحِّيَ ودخَل عليه العَشرُ الأُولُ من ذي الحِجةِ يَحرمُ عليه أنْ يَمسَّ أو أنْ يَأخذَ شيئًا من شَعرِه أو بشَرتِه أو أظافرِه، لحَديثِ أمِّ سَلمةَ أنَّها قالت: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا دخَلتِ العَشرُ وأَرادَ أحدُكم أنْ يُضحِّيَ فلا يَمسَّ من شَعرِه وبشَرِه وأَظفارِه شيئًا حتى يُضحَّيَ» (٢). وهذا أمرٌ للوُجوبِ فيَحرمُ

стр. 3149

على مَنْ أرادَ الأُضحيَّةَ إذا دخَل العَشرُ الأُولُ من ذي الحِجةِ أنْ يَأخذَ من شَعرِه ومن بشَرتِه شيئًا، لِظاهرِ هذا الحَديثِ، فعلى هذا لو خالَف وفعَل فليس عليه إلا التَّوبةُ، ولا فِديةَ عليه إجماعًا (١). وذهَب المالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والقاضي من الحَنابلةِ إلى أنَّ مَنْ أرادَ أنْ يُضحِّيَ ودخَل العَشرُ الأوائلُ من ذي الحِجَّةِ فإنَّه يُستحبُّ له ألَّا يَأخذَ شيئًا من شَعرِه ولا أظفارِه لحَديثِ أمِّ سَلمةَ أنَّها قالت: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «إذا دخَلتْ العَشرُ وأَرادَ أحدُكم أنْ يُضحِّيَ فلا يَمسَّ من شَعرِه وبشَرِه وأَظفارِه شيئًا حتى يُضحَّيَ» (٢). وهذا الحَديثُ مَحمولٌ على الاستِحبابِ دونَ الإيجابِ، وأنَّ النَّهيَ الوارِدَ فيه للكَراهةِ دونَ الحُرمةِ، وأنَّ من السُّنةِ لمَن أراد أنْ يُضحِّيَ أنْ يَمتنِعَ في عَشرِ ذي الحِجةِ من أخذِ شَعرِه وبَشرِه، فإنْ أخَذ كُره له، ولم يَحرُمْ عليه. والدَّليلُ على أنَّه سُنةٌ وليس بواجبٍ ما رَواه الشَّيخانِ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ أبي بَكرِ بنِ عَمرِو بنِ حَزْمٍ عن عَمرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ أنَّها أخبَرتْه أنَّ زيادَ بنَ أبي سُفيانَ كتَب إلى عائشةَ ﵂: «إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عَباسٍ ﵄ قال: مَنْ أهدَى هَديًا حرُم عليه ما يَحرمُ على الحاجِّ حتى يَنحرَ هَديَهُ، قالَت عَمرةُ: فقالت عائشةُ ﵂: ليس كما قال ابنُ عَباسٍ، أنا فتَلْتُ قَلائدَ

стр. 3150

هَديِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ بيدَيَّ، ثم قلَّدها رَسولُ اللَّهِ ﷺ بيدَيه، ثم بعَث بها مع أبي فلم يَحرُمْ على رَسولِ اللَّهِ ﷺ شيءٌ أحلَّهُ اللهُ حتى نُحرَ الهَديُ» (١). فكان هَديُ رَسولِ اللهِ ﷺ وضحاياه؛ لأنَّه كان بالمَدينةِ، وأنفَذها مع أبي بَكرٍ سَنةَ تِسعٍ، وحُكمُها أغلَظُ لسَوقِها إلى الحَرمِ، فلمَّا لم يُحرِّمْ على نَفسِه شيئًا كان غيرُه أوْلى إذا ضحَّى في غيرِ الحَرمِ. ووجَب استِعمالُ الخبَريْن، فنحمِلُ الأمرَ به على السُّنةِ والاستِحبابِ دونَ الإيجاب، بدَليلِ الخَبرِ الآخَرِ، فلا يَكونُ واحِدٌ منهما مُطَّرحًا (٢). وذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُباحُ ولا يُكرهُ أخذُ شَعرِه وبَشرِه؛ لأنَّه مُحِلٌّ، فلم يُكرهْ له أخذُ شَعرِه وبَشرِه كغيرِ المُضحِّي، ولأنَّ مَنْ لم يَحرُمْ عليه الطِّيبُ واللِّباسُ لم يَحرُمْ عليه حَلقُ الشَّعرِ كالمُحلِّ. ولأنَّ العُلماءَ قد أجمَعوا على أنَّ الجِماعَ مُباحٌ في أيَّامِ العَشرِ لمَن أراد أنْ يُضحِّيَ، فما دُونَه أحرى أنْ يَكونَ مُباحًا (٣).

стр. 3151

قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختلَف العُلماءُ فيمَن دخلَت عليه عَشرُ ذي الحِجةِ وأراد أنْ يُضحِّيَ، فقال سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ ورَبيعةُ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ وبعضُ أصحابِ الشافِعيِّ أنَّه يَحرمُ عليه أخذُ شيءٍ من شَعرِه وأظفارِه حتى يُضحِّيَ في وقتِ الأُضحيَّةِ. وقال الشافِعيُّ وأصحابُه: هو مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ وليس بحَرامٍ. وقال أبو حَنيفةَ: لا يُكرهُ، وقال مالكٌ في رِوايةٍ: لا يُكرهُ، وفي رِوايةٍ يُكرهُ، وفي رِوايةٍ يَحرمُ في التطوُّعِ دونَ الواجبِ. واحتَجَّ من حرَّم بهذه الأحاديثِ واحتَجَّ الشافِعيُّ والآخَرون بحَديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كُنْتُ أفتِلُ قَلائدَ هَديِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثم يُقلِّدُه ويَبعثُ به ولا يَحرمُ عليه شيءٌ أحلَّه اللهُ حتى يَنحرَ هَديَه» رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ، قال الشافِعيُّ: البَعثُ بالهَديِ أكثرُ مِنْ إرادةِ التَّضحيةِ، فدلَّ على أنَّه لا يَحرمُ ذلك، وحمَل أحاديثَ النَّهيِ على كَراهةِ التَّنزيهِ. قال أصحابُنا: والمُرادُ بالنَّهي عن أخذِ الظُّفرِ والشَّعرِ النَّهيُ عن إزالةِ الظُّفرِ بقَلمٍ أوكَسرٍ أو غيرِ ذلك، والمَنعُ من إزالةِ الشَّعرِ بحَلقٍ أو تَقصيرٍ أو نَتفٍ أو إحراقٍ أو أخذِه بنَوْرةٍ أو غيرِ ذلك، وسَواءٌ شَعرُ الإبْطِ والشارِبِ والعانةِ والرَّأسِ وغيرِ ذلك من شُعورِ بَدنِه، قال إبراهيمُ المَروزيُّ وغيرُه من أصحابِنا: حُكمُ أجزاءِ البَدنِ كلِّها حُكمُ الشَّعرِ والظُّفرِ، ودَليلُه الرِّوايةُ السابِقةُ، فلا يَمسَّ من شَعرِه وبشَرِه شيئًا.

стр. 3152

قال أصحابُنا: والحِكمةُ في النَّهيِ أنْ تَبقى الأجزاء كامِلةً ليُعتقَ من النارِ، وقيل: التَّشبُّهُ بالمُحرِمِ، قال أصحابُنا: هذا غَلطٌ؛ لأنَّه لا يَعتزِلُ النِّساءَ ولا يَتركُ الطِّيبَ واللِّباسَ وغيرَ ذلك مما يَتركُه المُحرِمُ (١). شُروطُ صِحةِ الأُضحيَّةِ: اشتَرط الفُقهاءُ شُروطًا لِصِحةِ الأُضحيَّةِ غيرَ الشُّروطِ التي تَختصُّ بالذَّبائحِ كما بيَّناهُ في الذَّبائحِ إلا أنَّهم ذكَروا شَرائطَ تَختصُّ بالأُضحيَّةِ، وهي على ثَلاثةِ أنواعٍ: النَّوعُ الأولُ: يَرجعُ إلى الأُضحيَّةِ من جِنسِها وسِنِّها وصِفتِها. النَّوعُ الثاني: يَرجعُ إلى المُضحِّي نَفسِه. والنَّوعُ الثالِثُ: يَرجعُ إلى وقتِ الأُضحيَّةِ. وبَيانُ ذلك فيما يلي: النَّوعُ الأولُ: شُروطُ الأُضحيَّةِ في ذاتِها: ذكَر الفُقهاءُ عِدةَ شُروطٍ لا بدَّ من تَوافُرِها حتى تَصحَّ الأُضحيَّةُ. الشَّرطُ الأولُ: أنْ تَكونَ من الأنعامِ (الإبلِ والبَقرِ والغَنمِ): اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشترَطُ في الأُضحيَّةِ أنْ تَكونَ من الأجناسِ الثَّلاثةِ: الإبلِ أو البَقرِ أو الغَنمِ، لقولِه تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ

стр. 3153

جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، وهي: الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ ولم يُنقلْ عنه ﷺ ولا عن أحَدٍ من أصحابِه التَّضحيةُ بغيرِها، ولأنَّ التَّضحيةَ عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالحَيوانِ تَختصُّ بالنعَم كالزَّكاةِ. ويَدخلُ في كل جِنسٍ نَوعُه، والذَّكرُ والأُنثى منه، والخَصيُّ والفَحلُ لانطِلاقِ اسمِ الجِنسِ على ذلك، والمَعزُ نَوعٌ من الغَنمِ، والجامُوسُ نَوعٌ من البَقرِ، بدَليلِ أنَّه يَضمُّ ذلك إلى الغَنمِ والبَقرِ في بابِ الزَّكاةِ. وسَواءٌ في ذلك جميعُ أنواعِ الإبِلِ من البَخاتيِّ والعِرابِ وجميعِ أنواعِ البَقرِ من الجَواميسِ والعِرابِ والدِّربانيَّةِ وجميعِ أنواعِ الغَنمِ من الضَّأنِ والمَعزِ وأنواعِهما، وسَواءٌ الذَّكرُ والأُنثى من جميعِ ذلك. ولا يُجزئُ غيرُ الأنعامِ من بَقرِ الوَحشِ وحَميرِه والظِّباءِ وغيرِها بلا خِلافٍ؛ لأنَّ وُجوبَها عُرفَ بالشَّرعِ، ولأنَّ الشَّرعَ لم يَردْ بالإيجابِ إلا في المُستأنَسِ (١).

стр. 3154

قال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: والذي يُضحَّى به بإجماعٍ من المُسلِمين الأزواجُ الثَّمانيةُ، وهي الضَّأنُ والمَعزُ والإبلُ والبَقرُ، وقد اختلَف الفُقهاءُ في الأفضلِ من ذلك (١). وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: نقَل جَماعةٌ إجماعَ العُلماءِ عن التَّضحيةِ لا تَصحُّ إلا بالإبلِ أو البَقرِ أو الغَنمِ. فلا يُجزئُ شيءٌ من الحَيوانِ غيرُ ذلك، وحَكى ابنُ المُنذرِ عن الحَسنِ بنِ صالِحٍ أنَّه يَجوزُ أنْ يُضحِّيَ ببَقرِ الوَحشِ عن سَبعةٍ، وبالضِّباعِ عن واحدٍ. وبه قال داودُ في بَقرةِ الوَحشِ (٢). فإن كان مُتولَّدًا من الوَحشيِّ والإنسيِّ فالعِبرةُ بالأمِّ عندَ الحَنفيةِ، فإنْ كانت أهليَّةً يَجوزُ وإلا فلا، حتى إنَّ البَقرةَ الأهليَّةَ إذا نَزا عليها ثَورٌ وَحشيٌّ فوَلَدت وَلدًا فإنَّه يَجوزُ أنْ يُضحَّى به. وإنْ كانت البَقرةُ وَحشيَّةً والثَّورُ أهليًّا لم يَجزْ؛ لأنَّ الأصلَ في الوَلدِ الأمُّ؛ لأنَّه يَنفصِلُ عن الأُمِّ وهو حَيوانٌ مُتقوَّمٌ تَتعلَّقُ به الأحكامُ، وليس يَنفصِلُ من الأبِ إلا ماءٌ مَهينٌ لا حَظرَ له ولا يَتعلَّقُ به حُكمٌ (٣). وقال الشافِعيةُ والحَنابلةُ: إنْ كان أحدُ أبوَيه وَحشيًّا لم يُجزِئْ؛ لقولِ

стр. 3155

اللهِ تَعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] وهي الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ (١). الأفضلُ في الأُضحيَّةِ الغَنمُ أو الإبِلُ أو البَقرُ؟ اختلَف الفُقهاءُ في الأفضلِ في الأُضحيَّةِ هل الإبلُ ثم البَقرُ ثم الغَنمُ ثم المَعزُ؟ أو الغَنمُ أفضلُ ثم الإبلُ ثم البَقرُ؟ أو الغَنمُ ثم البَقرُ ثم الإبلُ؟ فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الأفضلَ الإبلُ ثم البَقرُ ثم الضَّأنُ من الغَنمِ ثم المَعزُ ثم شِركٌ في بَدنةٍ ثم شِركٌ في بَقرةٍ. فأفضلُ الضَّحايا الثَّنيُّ من الإبِلِ، ثم الثَّنيُّ من البَقرِ، ثم الجَذعُ من الضَّأنِ، ثم الثَّنيُّ من المَعزِ. والدَّليلُ على أنَّ الإبلَ أفضلُ من الغَنمِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦]. وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ اغْتسَل يومَ الجُمُعةِ غُسلَ الجنَابَةِ ثم راحَ فكَأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّانيةِ فكَأنَّما قرَّب بَقرةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّالِثةِ فكَأنَّما قرَّب كبشًا أقرَنَ، ومَن راحَ في السَّاعةِ الرَّابِعةِ فكَأنَّما قرَّب دجاجَةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الخامِسةِ فكَأنَّما قرَّب بَيضةً، فإذا خرَج الإِمامُ حضَرتْ المَلائكةُ يَستمِعونَ الذِّكرَ» (٢).
следующие страницы →