قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: واختلَف العُلماءُ فيمَن دخلَت عليه عَشرُ ذي الحِجةِ وأراد أنْ يُضحِّيَ، فقال سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ ورَبيعةُ وأحمدُ وإسحاقُ وداودُ وبعضُ أصحابِ الشافِعيِّ أنَّه يَحرمُ عليه أخذُ شيءٍ من شَعرِه وأظفارِه حتى يُضحِّيَ في وقتِ الأُضحيَّةِ.
وقال الشافِعيُّ وأصحابُه: هو مَكروهٌ كَراهةَ تَنزيهٍ وليس بحَرامٍ.
وقال أبو حَنيفةَ: لا يُكرهُ، وقال مالكٌ في رِوايةٍ: لا يُكرهُ، وفي رِوايةٍ يُكرهُ، وفي رِوايةٍ يَحرمُ في التطوُّعِ دونَ الواجبِ.
واحتَجَّ من حرَّم بهذه الأحاديثِ واحتَجَّ الشافِعيُّ والآخَرون بحَديثِ عائشةَ ﵂ قالت: «كُنْتُ أفتِلُ قَلائدَ هَديِ رَسولِ اللهِ ﷺ ثم يُقلِّدُه ويَبعثُ به ولا يَحرمُ عليه شيءٌ أحلَّه اللهُ حتى يَنحرَ هَديَه» رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ، قال الشافِعيُّ: البَعثُ بالهَديِ أكثرُ مِنْ إرادةِ التَّضحيةِ، فدلَّ على أنَّه لا يَحرمُ ذلك، وحمَل أحاديثَ النَّهيِ على كَراهةِ التَّنزيهِ.
قال أصحابُنا: والمُرادُ بالنَّهي عن أخذِ الظُّفرِ والشَّعرِ النَّهيُ عن إزالةِ الظُّفرِ بقَلمٍ أوكَسرٍ أو غيرِ ذلك، والمَنعُ من إزالةِ الشَّعرِ بحَلقٍ أو تَقصيرٍ أو نَتفٍ أو إحراقٍ أو أخذِه بنَوْرةٍ أو غيرِ ذلك، وسَواءٌ شَعرُ الإبْطِ والشارِبِ والعانةِ والرَّأسِ وغيرِ ذلك من شُعورِ بَدنِه، قال إبراهيمُ المَروزيُّ وغيرُه من أصحابِنا: حُكمُ أجزاءِ البَدنِ كلِّها حُكمُ الشَّعرِ والظُّفرِ، ودَليلُه الرِّوايةُ السابِقةُ، فلا يَمسَّ من شَعرِه وبشَرِه شيئًا.
стр. 3152
قال أصحابُنا: والحِكمةُ في النَّهيِ أنْ تَبقى الأجزاء كامِلةً ليُعتقَ من النارِ، وقيل: التَّشبُّهُ بالمُحرِمِ، قال أصحابُنا: هذا غَلطٌ؛ لأنَّه لا يَعتزِلُ النِّساءَ ولا يَتركُ الطِّيبَ واللِّباسَ وغيرَ ذلك مما يَتركُه المُحرِمُ (١).
شُروطُ صِحةِ الأُضحيَّةِ:
اشتَرط الفُقهاءُ شُروطًا لِصِحةِ الأُضحيَّةِ غيرَ الشُّروطِ التي تَختصُّ بالذَّبائحِ كما بيَّناهُ في الذَّبائحِ إلا أنَّهم ذكَروا شَرائطَ تَختصُّ بالأُضحيَّةِ، وهي على ثَلاثةِ أنواعٍ:
النَّوعُ الأولُ: يَرجعُ إلى الأُضحيَّةِ من جِنسِها وسِنِّها وصِفتِها.
النَّوعُ الثاني: يَرجعُ إلى المُضحِّي نَفسِه.
والنَّوعُ الثالِثُ: يَرجعُ إلى وقتِ الأُضحيَّةِ.
وبَيانُ ذلك فيما يلي:
النَّوعُ الأولُ: شُروطُ الأُضحيَّةِ في ذاتِها:
ذكَر الفُقهاءُ عِدةَ شُروطٍ لا بدَّ من تَوافُرِها حتى تَصحَّ الأُضحيَّةُ.
الشَّرطُ الأولُ: أنْ تَكونَ من الأنعامِ (الإبلِ والبَقرِ والغَنمِ):
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يُشترَطُ في الأُضحيَّةِ أنْ تَكونَ من الأجناسِ الثَّلاثةِ: الإبلِ أو البَقرِ أو الغَنمِ، لقولِه تَعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ
стр. 3153
جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤]، وهي: الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ ولم يُنقلْ عنه ﷺ ولا عن أحَدٍ من أصحابِه التَّضحيةُ بغيرِها، ولأنَّ التَّضحيةَ عِبادةٌ تَتعلَّقُ بالحَيوانِ تَختصُّ بالنعَم كالزَّكاةِ.
ويَدخلُ في كل جِنسٍ نَوعُه، والذَّكرُ والأُنثى منه، والخَصيُّ والفَحلُ لانطِلاقِ اسمِ الجِنسِ على ذلك، والمَعزُ نَوعٌ من الغَنمِ، والجامُوسُ نَوعٌ من البَقرِ، بدَليلِ أنَّه يَضمُّ ذلك إلى الغَنمِ والبَقرِ في بابِ الزَّكاةِ.
وسَواءٌ في ذلك جميعُ أنواعِ الإبِلِ من البَخاتيِّ والعِرابِ وجميعِ أنواعِ البَقرِ من الجَواميسِ والعِرابِ والدِّربانيَّةِ وجميعِ أنواعِ الغَنمِ من الضَّأنِ والمَعزِ وأنواعِهما، وسَواءٌ الذَّكرُ والأُنثى من جميعِ ذلك.
ولا يُجزئُ غيرُ الأنعامِ من بَقرِ الوَحشِ وحَميرِه والظِّباءِ وغيرِها بلا خِلافٍ؛ لأنَّ وُجوبَها عُرفَ بالشَّرعِ، ولأنَّ الشَّرعَ لم يَردْ بالإيجابِ إلا في المُستأنَسِ (١).
стр. 3154
قال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: والذي يُضحَّى به بإجماعٍ من المُسلِمين الأزواجُ الثَّمانيةُ، وهي الضَّأنُ والمَعزُ والإبلُ والبَقرُ، وقد اختلَف الفُقهاءُ في الأفضلِ من ذلك (١).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: نقَل جَماعةٌ إجماعَ العُلماءِ عن التَّضحيةِ لا تَصحُّ إلا بالإبلِ أو البَقرِ أو الغَنمِ. فلا يُجزئُ شيءٌ من الحَيوانِ غيرُ ذلك، وحَكى ابنُ المُنذرِ عن الحَسنِ بنِ صالِحٍ أنَّه يَجوزُ أنْ يُضحِّيَ ببَقرِ الوَحشِ عن سَبعةٍ، وبالضِّباعِ عن واحدٍ. وبه قال داودُ في بَقرةِ الوَحشِ (٢).
فإن كان مُتولَّدًا من الوَحشيِّ والإنسيِّ فالعِبرةُ بالأمِّ عندَ الحَنفيةِ، فإنْ كانت أهليَّةً يَجوزُ وإلا فلا، حتى إنَّ البَقرةَ الأهليَّةَ إذا نَزا عليها ثَورٌ وَحشيٌّ فوَلَدت وَلدًا فإنَّه يَجوزُ أنْ يُضحَّى به.
وإنْ كانت البَقرةُ وَحشيَّةً والثَّورُ أهليًّا لم يَجزْ؛ لأنَّ الأصلَ في الوَلدِ الأمُّ؛ لأنَّه يَنفصِلُ عن الأُمِّ وهو حَيوانٌ مُتقوَّمٌ تَتعلَّقُ به الأحكامُ، وليس يَنفصِلُ من الأبِ إلا ماءٌ مَهينٌ لا حَظرَ له ولا يَتعلَّقُ به حُكمٌ (٣).
وقال الشافِعيةُ والحَنابلةُ: إنْ كان أحدُ أبوَيه وَحشيًّا لم يُجزِئْ؛ لقولِ
стр. 3155
اللهِ تَعالى: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: ٣٤] وهي الإبلُ والبَقرُ والغَنمُ (١).
الأفضلُ في الأُضحيَّةِ الغَنمُ أو الإبِلُ أو البَقرُ؟
اختلَف الفُقهاءُ في الأفضلِ في الأُضحيَّةِ هل الإبلُ ثم البَقرُ ثم الغَنمُ ثم المَعزُ؟ أو الغَنمُ أفضلُ ثم الإبلُ ثم البَقرُ؟ أو الغَنمُ ثم البَقرُ ثم الإبلُ؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ الأفضلَ الإبلُ ثم البَقرُ ثم الضَّأنُ من الغَنمِ ثم المَعزُ ثم شِركٌ في بَدنةٍ ثم شِركٌ في بَقرةٍ.
فأفضلُ الضَّحايا الثَّنيُّ من الإبِلِ، ثم الثَّنيُّ من البَقرِ، ثم الجَذعُ من الضَّأنِ، ثم الثَّنيُّ من المَعزِ.
والدَّليلُ على أنَّ الإبلَ أفضلُ من الغَنمِ قولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ [الحج: ٣٦].
وعن أبي هُريرةَ ﵁ أنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قال: «مَنْ اغْتسَل يومَ الجُمُعةِ غُسلَ الجنَابَةِ ثم راحَ فكَأنَّما قرَّب بَدنةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّانيةِ فكَأنَّما قرَّب بَقرةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الثَّالِثةِ فكَأنَّما قرَّب كبشًا أقرَنَ، ومَن راحَ في السَّاعةِ الرَّابِعةِ فكَأنَّما قرَّب دجاجَةً، ومَن راحَ في السَّاعةِ الخامِسةِ فكَأنَّما قرَّب بَيضةً، فإذا خرَج الإِمامُ حضَرتْ المَلائكةُ يَستمِعونَ الذِّكرَ» (٢).
стр. 3156
ولأنَّه ذَبحٌ يُتقرَّبُ به إلى اللهِ تَعالى كانت البَدنةُ منه أفضلَ، كالهَديِ، ولأنَّها أكثرُ ثَمنًا ولَحمًا وأنفَعُ للفُقراءِ؛ لأنَّ سدَّ الخَلَّاتِ مَطلوبٌ للشَّرعِ وهو من الإبِلِ أكثرُ، فيَكونُ أفضلَ.
ورَوى جابرٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «لا تَذبَحوا إلا مُسنَّةً إلا أنْ تَعسُرَ عليكم فتَذبَحوا جَذعةً من الضَّأنِ»، ولأنَّ الواحِدَ من الإبلِ عن سَبعةٍ فكان أفضلَ من جَذعةِ الضَّأنِ التي هي عن واحدٍ.
وهذا في حقِّ مَنْ أراد أنْ يَنفرِدَ بنَحرِه، فأمَّا إذا اشترَك فيه سَبعةٌ ليَكونَ كلُّ واحدٍ منهم مُضحِّيًا بسُبعِها كانت التَّضحيةُ بالضَّأنِ أفضلَ من سُبعِها (١).
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ أفضلَ الضَّحايا: الضأنُ، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ [الصافات: ١٠٧]، وهو كَبشٌ لا جَملٌ ولا بَقرةٌ، ولو علِم اللهُ حَيوانًا أفضلَ من الكَبشِ لَفَدى به. ولأنَّها أطيَبُ لَحمًا وأشهَى إلى النُّفوسِ فكانت أفضلَ.
ولأنَّ هذا فِعلُ النَّبيِّ ﷺ فقد روى أنسٌ ﵁: «أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يُضحِّي بكَبشَين أَملَحيْن أَقرَنيْن، ويَضعُ رِجلَه على صَفحَتِهما، ويَذبَحُهما بيدِه» (٢).
стр. 3157
وقال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «خَيرُ الأُضحِيَّةِ الكَبشُ» (١).
ولأنَّ المَطلوبَ إحياءُ قِصةِ الخَليلِ ﵇ لقولِه تَعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨)﴾ [الصافات: ١٠٧، ١٠٨]، قيل: جَعلناه سُنةً للآخِرين، ولأنَّ اللهَ وصَفه بالعَظيمِ، ولم يَحصلْ هذا الوَصفُ لغيرِه من جهةِ المَعنى أنَّ المُفدَى لم تَكنْ نَفاستُه لعِظمِ جِسمِه، بل لعِظمِ معناه، فكذلك ينبَغي أنْ يَكونَ فِداؤُه تَحصيلًا للمُناسَبةِ؛ لأنَّه لمَّا ضحَّى عن نَفسِه ضحَّى بالكَبشِ.
وإنَّما فرَّق مالكٌ بينَ الضَّحايا والهَدايا، وذلك أنَّ المَقصودَ في الضَّحايا: حُسنُ اللَّحمِ ورُطوبَتُه، لأنَّها قُربةٌ اختُصَّ بها أهلُ البَيتِ.
والهَدايا المَقصودُ منها: كَثرةُ اللَّحمِ ووفُورُه، لأنَّها قُربةٌ قُرِّبت للمَساكينِ، ولأنَّ المَساكينَ لا يُريدونَ إلا الزائدَ من الأطعِمةِ، وإنَّما غَرضُهم كَثرةُ الشَّيءِ وإشباعُه، فالإبِلُ والبَقرُ مَحلٌّ لهذا المَقصِدِ (٢).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَع العُلماءُ على أنَّ الإبِلَ أفضلُ من البَقرِ في الهَدايا واختَلفُوا في الأُضحيَّةِ، فمَذهبُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ والجُمهورِ أنَّ الإبلَ أفضلُ ثم البَقرُ ثم الغَنمُ كما في الهَدايا، ومَذهبُ مالكٍ
стр. 3158
أنَّ أفضلَ الأُضحيَّةِ الغَنمُ ثم البَقرُ ثم الإبلُ، قالوا: لأنَّ النَّبيَّ ﷺ ضحَّى بكَبشَين.
وحُجةُ الجُمهورِ ظاهرُ هذا الحَديثِ -أي: حَديثِ أبي هُريرةَ- والقياسُ على الهَدايا، وأمَّا تَضحيتُه ﷺ فلا يَلزَمُ منها تَرجيحُ الغَنمِ؛ لأنَّه مَحمولٌ على أنَّه ﷺ لم يَتمكَّنْ ذلك الوقتَ إلا من الغَنمِ، أو أنَّ فِعلَه لبَيانِ الجوازِ، وقد ثبَت في الصَّحيحِ أنَّه ﷺ ضحَّى عن نِسائه بالبَقرِ (١).
الشَّرطُ الثاني: أنْ تَبلغَ سنَّ الأُضحيَّةِ:
يُشترَطُ في الأُضحيَّةِ أنْ تَكونَ بلَغت سِنًّا مُعيَّنًا وهو الثَّنيُّ من الإبلِ والبَقرِ والمَعزِ بالإجماعِ، لِما رَواه جابرٌ ﵁ قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تذْبَحوا إلا مُسنَّةً إلا أنْ يَعسُرَ علَيكم فتَذْبَحوا جَذعةً من الضَّأنِ» (٢).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: وأجمَعت الأُمةُ على أنَّه لا يُجزِئُ من الإبلِ والبَقرِ والمَعزِ إلا الثَّنيُّ، ولا مِنْ الضَّأنِ إلا الجَذعُ، وأنَّه يُجزِئُ هذه المَذكوراتُ … ونقَل القاضي عِياضٌ الإجماعَ أنَّه يُجزِئُ الجَذعُ من الضَّأنِ، وأنَّه لا يُجزِئُ جَذعُ المَعزِ (٣).
стр. 3159
وقال الإمامُ الماوَرديُّ ﵀: فإذا تَقرَّر أنَّ الضَّحايا بالإبلِ والبَقرِ والغَنمِ دون ما عداها من جميعِ الحَيوانِ فأسنانُ ما يَجوزُ في الضَّحايا منها مُعتبَرةٌ ولا يُجزِئُ دونَها، وقد أجمَعنا على أنَّه لا يُجزِئُ ما دونَ الجِذاعِ من جميعِها، ولا يَلزَمُ ما فَوقَ الثَّنايا من جميعِها (١).
سِنُّ الضَّأنِ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ الجَذعُ من الضَّأنِ لِما رَواه جابرٌ ﵁ قال: قال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «لا تذْبَحوا إلا مُسنَّةً إلا أنْ يَعسُرَ علَيكم فتَذبَحوا جَذعةً من الضَّأنِ» (٢). فدل هذا الخَبرُ على اعتِبار المُسنِّ من غيرِ الضَّأنِ والجَذعِ من الضَّأنِ، وليس ذلك شَرطًا في الاعتِبارِ، لِما رَوى عُقبةُ بنُ عَامِرٍ الجُهنِيُّ ﵁ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أَعْطَاهُ غَنمًا فقسَمها على أَصْحابِه ضَحايا، فبقِي عَتودٌ فذَكَره لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: «ضحِّ به أنتَ» (٣).
وعن أبي كِباشٍ قال: جلَبْتُ غنمًا جُذْعانًا إلى المدِينَةِ فكسَدتْ عليَّ فلقِيتُ أبَا هُريرةَ فسأَلْتُه، فقال: سمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يقول: «نِعمَ -أو نِعمَتِ- الأُضحيَّةُ الْجَذعُ منَ الضَّأنِ»، فانتَهبَها الناسُ (٤).
стр. 3160
وعن مُحمدِ بنِ أبِى يَحيى مَولى الأسلَمِيِّين عن أمِّه قال: أخبَرتني أمُّ بِلالٍ ابنةُ هِلالٍ عن أَبيها أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قال: «يَجوزُ الجَذعُ منَ الضأن ضَحيَّةً» (١).
وعن عَاصمِ بن كُليبٍ عن أبيه قال: كُنَّا مع رَجلٍ من أَصحابِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ يُقالُ له مُجاشِعٌ من بَني سُليمٍ، فعزَّتِ الغَنمُ، فأمَر مُنادِيًا فنادَى أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كان يَقولُ: «إنَّ الجَذعَ يُوفِي ممَّا تُوفِي منه الثَّنيَّةُ» (٢).
وعن عُقبةَ بنِ عَامرٍ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ أعطَاه غَنمًا يَقسِمُها على أَصحابهِ ضَحايا، فبقِي عَتودٌ أو جَديٌ، فذكَرتُ ذلك لرَسولِ اللَّهِ ﷺ فقال: «ضحِّ به أنتَ» (٣).
وعن عُقبةَ بنِ عَامرٍ ﵁ قال: «ضحَّيْنا معَ رَسولِ اللَّهِ ﷺ الجَذعَ منَ الضَّأنِ» (٤).
قال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: نقَل القاضي عِياضٌ الإجماعَ أنَّه يُجزِئُ الجَذعُ من الضَّأنِ، وأنَّه لا يُجزِئُ جَذعُ المَعزِ.
ثم قال: إنْ قيلَ: ظاهرُ حَديثِ جابرٍ المَذكورِ في الكِتابِ «لا تَذبَحوا
стр. 3161
إلا مُسنَّةً إلا أنْ يَعسُرَ علَيكم فتَذبَحوا جَذعةً من الضَّأنِ» أنَّ الجَذعةَ من الضَّأنِ لا تُجزِئُ إلا إذا عجَز عن المُسنَّةِ، قلنا: هذا مما يَجبُ تَأويلُه؛ لأنَّ الأُمةَ مُجمِعةٌ على خِلافِ ظاهرِه كما سبَق؛ فإنَّهم كلَّهم جوَّزوا جَذعَ الضأنِ إلا ما سبَق عن ابنِ عُمرَ والزُّهريِّ وأنَّه لا يُجزِئُ، سَواءٌ قدِر على مُسنَّةٍ أو لا، فيُحملُ هذا الحَديثُ على الأفضلِ والأكملِ، ويَكونُ تَقديرُه: مُستحبٌّ لكم أنْ تَذبَحوا مُسنَّةً، فإنْ عَجزتُم فجَذعةَ ضأنٍ، واللهُ أعلمُ (١).
وقال الإمامُ الطَّحاويُّ ﵀: أجمَع فُقهاءُ الأمصارِ على جوازِ الجَذعِ من الضَّأنِ (٢).
وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: لا أعلَمُ خِلافًا أنَّ الجَذعَ من المَعزِ ومِن كلِّ شيءٍ يُضحَّى به غيرَ الضأنِ لا يَجوزُ، وإنَّما يَجوزُ من ذلك كلِّه الثَّنيُّ فصاعِدًا، ويَجوزُ الجَذعُ من الضأنِ بالسُّنةِ المَسنونةِ (٣).
وقال أيضًا: وأجمَعوا أنَّه لا يُجزِئُ الجَذعُ من المَعزِ في الهَدايا، ولا في الضَّحايا، لقولِه ﷺ لأبي بُردةَ: «لم يُجزِ عن أحَدٍ بعدَك» (٤).
والدَّليلُ على أنَّ الجَذعَ من المَعزِ لا يُجزِئُ ما رَواه يَزِيدُ بنُ البَراءِ عن أبيه: خطَب رَسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ النَّحرِ، فقال: «إنَّ أوَّلَ نُسكِكم هذه
стр. 3162
الصَّلاةُ»، فقامَ إليه أبو بُردةَ بنُ نِيارٍ خالي، قال سُهيلٌ: وكان بَدريًّا، فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، كان يَومًا نَشتَهي فيه اللَّحمَ ثم إنَّا عجَّلنا فذَبحنا، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «فأَبدِلْها»، قال: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ عِندنا ماعِزًا جَذعًا، قال: «فهي لك وليسَ لأحدٍ بعدَك» (١).
وفي لفظِ البُخاريِّ ومُسلمٍ عن البَراءِ بنِ عازبٍ قال: خطَبنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ يومَ النَّحرِ بعدَ الصَّلاةِ، فقال: مَنْ صلَّى صَلاتَنا ونسَك نُسكَنا فقَد أصابَ النُّسكَ، ومَن نسَك قبلَ الصَّلاةِ فتلك شاةُ لَحمٍ، فقامَ أبو بُردةَ بنُ نِيارٍ فقال: يا رَسولَ اللَّهِ، واللهِ لقد نسَكتُ قبلَ أنْ أخْرجَ إلى الصَّلاةِ وعرَفتُ أنَّ اليومَ يومُ أكلٍ وشُربٍ فتعجَّلتُ وأكَلتُ وأطعَمتُ أهلِي وجِيرَانِي، فقال رَسولُ اللَّهِ ﷺ : «تلْكَ شاةُ لَحمٍ»، قال: فإنَّ عندِي عَناقَ جَذعةٍ هيَ خيرٌ من شاتَي لَحمٍ، فهَل تَجزِي عنِّي، قال: «نَعمْ ولَن تجزِيَ عن أحَدٍ بعدَك».
وفي لَفظٍ: «ولا تجزِي جَذعةٌ عن أحدٍ بعْدَك» (٢). معناه: جَذعةُ المَعزِ وهو مُقتَضى سياقِ الكَلامِ، وإلا فجَذعةُ الضَّأنِ تُجزِي.
وفي تَخصيصِ النَّبيِّ ﷺ لأبي بُردةَ بإجزائها عنه أنَّها لا تُجزِئُ عن أحَدٍ غيرِه (٣).
стр. 3163
وقال الإمامُ ابنُ بطَّالٍ ﵀: والعَناقُ من المَعزِ ابنُ خَمسةِ أشهُرٍ أو نحوِها، وهو جَذعةٌ، ولا يَجوزُ في الضَّحايا بإجماعٍ، وإنَّما يَجوزُ من المَعزِ الثَّنيُّ فما فَوقَه، وهو ثَنيٌّ إذا تم له سَنةٌ ودخَل في الثانيةِ (١).
وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ ﵀: أجمَعوا على أنَّه لا يَجوزُ الجَذعُ من المَعزِ، بل الثَّنيُّ فما فَوقَه، لقولِه ﷺ لأبي بُردةَ لمَّا أمرَه بالإعادةِ: «يُجزِيك ولا يُجزِي جَذعٌ عن أحَدٍ غيرِك».
واختَلفُوا في الجَذعِ من الضأنِ، فالجُمهورُ على جوازِه، وقال قَومٌ: بل الثَّنيُّ من الضأنِ.
وسَببُ اختِلافِهم مُعارضةُ العُمومِ للخُصوصِ، فالخُصوصُ هو حَديثُ جابرٍ قال: قال رَسولُ اللهِ ﷺ : «لا تَذبَحوا إلا مُسنَّةً إلا أنْ يَعسرَ عليكم فتَذبَحوا جَذعةً من الضأنِ» أخرَجه مُسلمٌ.
والعُمومُ هو ما جاء في حَديثِ أبي بُردةَ بنِ نيارٍ، من قولِه ﵊: «ولا تُجزِي جَذعةٌ عن أحَدٍ بعدَك».
فمَن رجَّح هذا العُمومَ على الخُصوصِ هو مَذهبُ أبي مُحمدِ بنِ حَزمٍ في هذه المَسألةِ؛ لأنَّه زعَم أنَّ أبا الزُّبيرِ مُدلِّسٌ عندَ المُحدِّثين، والمُدلِّس
стр. 3164
عندَهم مَنْ ليس يُجري العَنعَنةَ من قولِه مَجرى المُسنَدِ لتَسامُحِه في ذلك، وحَديثُ أبي بُردةَ لا مَطعنَ فيه.
وأمَّا مَنْ ذهَب إلى بناءِ الخاصِّ على العامِّ على ما هو المَشهورُ عندَ جُمهورِ الأُصوليِّين، فإنَّه استَثنى من ذلك العُمومِ جَذعَ الضأنِ المَنصوصَ عليه، وهو الأوْلى، وقد صحَّح هذا الحَديثَ بعضُهم، وخطَّأَ أبا مُحمدٍ بنَ حَزمٍ فيما نُسِب إلى أبي الزُّبيرِ في غالبِ ظنِّي في قَولٍ له ردَّ فيه على ابنِ حَزمٍ (١).
تَفسيرُ الجَذعِ من الضَّأنِ:
اختلَف الفُقهاءُ في المَقصودِ بالجَذعِ من الضَّأنِ؟
فذهَب الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ عندَهم إلى أنَّ الجَذعَ من الضأنِ ما استكمَل سَنةً. قال الشافِعيةُ: إلا أنَّه لو أجذَع قبلَ تَمامِ السَّنةِ، أي: سقَطت سِنُّه أجزأ في الأُضحيَّةِ، كما لو تمَّت السَّنةُ قبلَ أنْ يُذبحَ، ويَكونُ ذلك كالبُلوغِ بالسِّنِّ أو الاحتِلامِ، فإنَّه يَكفي فيه أسبَقُهما.
وذهَب الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ في قَولٍ والحَنابلةُ في المَذهبِ والشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه ما استكمَل سِتةَ أشهُرٍ ودخَل في السابِعِ، قال الحَنفيةُ: وهذا إذا كانت عَظيمةً بحيث لو خلطت بالثَّنايا تَشتبِهُ على الناظرِ من بَعيدٍ.
стр. 3165
وعرَّفه الخِرقيُّ بصِفةٍ يُعرفُ بها عندَ اشتِباه سِنِّه، فقال: وسمِعتُ أبي يَقولُ: سألتُ بعضَ أهلِ الباديةِ: كيف تَعرِفون الضأنَ إذا أجذَع؟ قال: لا تَزالُ الصُّوفةُ قائمةً على ظَهرِه ما دام حمَلًا، فإذا نامَت الصُّوفةُ على ظَهرِه عُلم أنَّه قد أجذَع (١).
وذهَب المالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيةُ في وَجهٍ والحَنابلةُ في وَجهٍ إلى أنَّه ما استكمَل ثَمانيةَ أشهُرٍ.
وذهَب المالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّه ابنُ ثَمانيةِ أشهُرٍ.
وذهَب الشافِعيةُ في وَجهٍ إلى أنَّه إنْ كان مُتولَّدًا بين شابَّين فسِتةُ أشهُرٍ وإلا فثَمانيةٌ.
وفي قَولٍ للحَنفيةِ: ما تم سَبعةَ أشهُرٍ.
وذكَر الزَّعفَرانيُّ أنَّه ابنُ سَبعةٍ، وعنه: ابنُ ثَمانيةٍ أو تِسعةٍ، وما دونَه حمَلٌ (٢).
стр. 3166
ثَنيُّ المَعزِ:
نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابلةُ على أنَّ ثَنيَّ المَعزِ ما تمَّت له سَنةٌ ودخَل في الثانيةِ.
وذهَب الشافِعيةُ إلى أنَّ الثَّنيَّ من المَعزِ ما اكتمَل له سَنتانِ، ودخَل في الثالِثةِ (١).
الثَّنيُّ من الإبِلِ:
نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في الصَّحيحِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ على أنَّ ثَنيَّ الإبِلِ ما تَم له خَمسُ سِنينَ وطعَن في السَّنةِ السادِسةِ.
وفي قولِ ابنِ حَبيبٍ من المالِكيةِ ويُروَى عن الشافِعيِّ أنَّه ما أكمَل ستَّ سِنينَ وطعَن في السابِعةِ (٢).
ثَنيُّ البَقرِ:
اختلَف الفُقهاءُ في ثَنيِّ البَقرِ هل هو مَنْ له سَنتانِ وطعَن في الثالِثةِ أو من له ثَلاثُ سِنينَ وطعَن في الرابِعةِ؟
فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّ ثَنيَّ البَقرِ ما له سَنتانِ وطعَن في الثالِثةِ.
стр. 3167
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ ثَنيَّ البَقرِ ما أوفى ثَلاثَ سِنينَ ودخَل في السَّنةِ الرابِعةِ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: سَلامةُ الأُضحيَّةِ من العُيوبِ:
أجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَجوزُ في الأضاحيِّ العَوراءُ ولا العَمياءُ ولا العَرجاءُ البيِّنُ عَرجُها ولا العَجفاءُ التي لا تُنْقي، أي: التي لا مخَّ لها، لِما رَواه عُبيدُ بنُ فَيروزَ قال: سأَلتُ البَراءَ بنَ عازبٍ ما لا يَجوزُ في الأَضاحيِّ؟ فقال: قامَ فينا رَسولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصَابعِي أَقصرُ من أَصابعِه وأَناملِي أَقصرُ من أَناملِه، فقال: «أَربعٌ لا تَجوزُ في الأَضاحيِّ: العَوْراءُ بيِّنٌ عَورُها، والمَريضَةُ بيِّنٌ مَرضُها، والعَرجاءُ بيِّنٌ ظَلْعُها، والكَسيرُ التي لا تُنْقي -وفي رِوايةٍ: وَالعَجْفَاءُ التي لا تُنْقي-، قال: قلتُ: فإنِّي أَكرهُ أنْ يَكونَ في السنِّ نَقصٌ وفي الأُذنِ نَقصٌ وفي القَرنِ نَقصٌ، قال: ما كرِهْتَ فدَعْه ولا تُحرِّمْه على أحدٍ» (٢).
стр. 3168
قال أبو عُمرَ بنُ عَبدِ البرِّ ﵀: أمَّا العُيوبُ الأربَعةُ المَذكورةُ في هذا الحَديثِ فمُجتمَعٌ عليها، لا أعلَمُ خِلافًا بينَ العُلماءِ فيها، ومَعلومٌ أنَّ ما كان في مَعناها داخِلٌ فيها، ولا سيَّما إذا كانت العِلَّةُ فيها أبيَنُ، ألَا تَرى أنَّ العَوراءَ إذا لم تَجُزْ فالعَمياءُ أحرى ألَّا تَجوزَ، وإذا لم تَجُزِ العَرجاءُ فالمَقطوعةُ الرِّجلِ أو التي لا رِجلَ لها المُقعَدةُ أحرى ألَّا تَجوزَ، وهذا كلُّه واضِحٌ لا خِلافَ فيه والحَمدُ للهِ، وفي هذا الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ المَرضَ الخَفيفَ يَجوزُ في الضَّحايا، والعَرجَ الخَفيفَ الذي تَلحقُ به الشاةُ الغَنمَ لقولِه ﷺ : «بيِّنٌ مَرضُها»، و «بيِّنٌ ظَلعُها»، وكذلك النُّقطةُ في العَينِ إذا كانت يَسيرةً، لقولِه: «العَوراءُ بيِّنٌ عَورُها»، وكذلك المَهزولةُ التي ليست بغايةِ في الهُزالِ لقولِه: «والعَجفاءُ التي لا تُنْقي»، يُريدُ التي لا شيءَ فيها من الشَّحمِ، والنَّقيُ الشَّحمُ، وقد بانَ في نَسقِ ما أورَدْنا من الأحادِيثِ تَفسيرُ هذه اللَّفظةِ، وقد جاء في الحَديثِ الآخَرِ: «البيِّنُ هُزالُها»، وفي لَفظِ حَديثِ شُعبةَ: «والكَسيرُ التي لا تُنْقي»، ومعنى الكَسيرِ: التي لا تَقومُ ولا تَنهَضُ، ومن الهُزالِ من العُيوبِ التي تُتقَى في الضَّحايا بإجماعٍ: قَطعُ الأُذنِ أو أكثرِها، والعَيبُ في الأُذنِ مُراعًى عندَ جَماعةِ العُلماءِ (١).
وقال: وقد زعَم بعضُ العُلماءِ أنَّ ما عدا العُيوبَ الأربَعةَ المَذكورةَ في هذا الحَديثِ تَجوزُ في الضَّحايا والهَدايا، بدَليلِ الخِطابِ في أنَّ ما عدا المَذكورَ بخِلافِه، وهو لَعَمري وَجهٌ من وُجوهِ القولِ لولا أنَّه قد
стр. 3169
جاء عن النَّبيِّ ﷺ في الأذُنِ والعَينِ ما يَجبُ أنْ يَكونَ مَضمومًا إلى الأربَعةِ المَذكورةِ في حَديثِ البَراءِ، وكذلك ما كان في مَعناها عندَ جُمهورِ العُلماءِ.
حدَّثني سَعيدُ بنُ نَصرٍ وعبدُ الوارِثِ بنُ سُفيانَ قالا: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ قال: حدَّثني مُحمدُ بنُ وضَّاحٍ قال: حدَّثني أبو بَكرِ بنُ أبي شَيبةَ قال: حدَّثنا عُبيدُ اللهِ بنُ موسى قال: أخبَرنا إسرائيلُ عن أبي إسحاقَ عن شُريحِ بنِ النُّعمانِ عن علِيٍّ ﵁ قال: «أمَرنا رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَستشرِفَ العَينَ والأُذنَ، وألَّا نُضحِّيَ بمُقابِلةٍ ولا مُدابِرةٍ ولا شَرقاءَ ولا خَرقاءَ» (١).
قال أبو عُمرَ: المُقابِلةُ عندَ أهلِ الفِقهِ وأهلِ اللُّغةِ ما قُطِع طَرفُ أُذنِها، والمُدابِرةُ ما قُطِع من جانِبَيِ الأُذنِ، والشَّرقاءُ المَشقوقةُ الأُذنِ، والخَرقاءُ المَثقوبةُ الأُذنِ.
ولا خِلافَ علِمتُه بينَ العُلماءِ أنَّ قَطعَ الأُذنِ كلِّها أو أكثرِها عَيبٌ يُتَّقى في الضَّحايا (٢).
وقال الإمامُ ابنُ حَزمٍ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّ العَوراءَ البيِّنَ عَورُها والعَمياءَ البيِّنةَ العَمى والعَرجاءَ البيِّنةَ العَرجِ التي لا تُدرِكُ السَّرحَ والمَريضةَ
стр. 3170
البيِّنةَ المَرضِ والعَجفاءَ التي لا مخَّ لها أنَّها لا تُجزِئُ في الأضاحيِّ (١).
وقال الإمامُ ابنُ هُبيرةَ ﵀: واتَّفَقوا على أنَّه لا يُجزئُ فيها ذَبحُ مَعيبٍ ينقصُ عَيبُه لَحمَه، كالعَمياءِ والعَوراءِ والعَرجاءِ البيِّنِ عَرجُها والمَريضةِ التي لا يُرجَى بُرؤُها، والعَجفاءِ التي لا تُنْقي (٢).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: أجمَعوا على أنَّ العَمياءَ لا تُجزِئُ، وكذا العَوراءُ البيِّنُ عَورُها، والعَرجاءُ البيِّنُ عَرجُها، والمَريضةُ البيِّنُ مَرضُها، والعَجفاءُ (٣).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ ﵀: أمَّا العُيوبُ الأربَعةُ الأُولُ فلا نَعلمُ بينَ أهلِ العِلمِ خِلافًا في أنَّها تَمنعُ الإجزاءَ (٤).
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلفُوا في غيرِ هذه العُيوبِ هل يَجوزُ التَّضحيةُ بها أو لا؟ وبَيانُ ذلك فيما يَلي:
١ - مَقطوعةُ الأُذنِ:
اتَّفَق العُلماءُ على أنَّ مَقطوعةَ الأُذنِ كلِّها لا تُجِزئُ في الأضاحيِّ.
واختلَف الفُقهاءُ فيما لو قُطع بعضُ الأُذنِ هل تُجزِئُ في الأُضحيَّةِ أو لا؟
стр. 3171
فذهَب الحَنفيةُ إلى أنَّه إذا كانَ المَقطوعُ بعضُ الأُذنِ ففي ظاهرِ الرِّوايةِ عن أبي حَنيفةَ أنَّه إنْ كان المَقطوعُ أكثرَ من الثُّلثِ لا يُجزِئُه، وإنْ كان الثُّلثَ أو أقلَّ يُجزِئُه.
وفي رِوايةِ بِشرٍ عن أبي حَنيفةَ: إذا كان الذاهِبُ أقَلَّ من الثُّلثِ يَجوزُ، وإنْ كان أكثرَ من الثُّلثِ لا يَجوزُ، لقولِه ﷺ : «الثُّلثُ والثُّلثُ كَثيرٌ».
وفي رِوايةِ ابنِ شُجاعٍ: إذا كان الذاهِبُ الرُّبعَ لا يُجزِئُ؛ لأنَّ للرُّبعِ حُكمَ الكَمالِ كما في مَسحِ الرأسِ.
وقال أبو يُوسفَ ﵀: إذا بقِي الأكثرُ من العَينِ والأُذنِ أجزأه، قال: وذَكرتُ قولِي لِأبي حَنيفةَ فقال: قَولي قولُك.
قيلَ: هذا رُجوعٌ من أبي حَنيفةَ إلى قولِه، وقيلَ: معناه قَولي قَريبٌ من ذلك.
وَجهُ قولِ أبي يُوسفَ أنَّ القِلةَ والكَثرةَ من الأسماءِ المُقابِلةِ، فإذا كان الذاهِبُ أقلَّ من النصفِ قُلنا: إذا قابَلتَ الذاهِبَ بالباقي كان الباقي أكثرَ، وإذا كان الذاهبُ أكثرَ من النصفِ فإذا قابَلتَه بالباقي كان الذاهبُ أكثرَ فإذا كان الذاهِبُ النِّصفَ قال: لا يَجوزُ؛ لأنَّه لمَّا استَوى المانِعُ والمُجوِّزُ يَترجَّحُ المانعُ احتياطًا.
وقولُ مُحمدٍ قيلَ: مع أبي حَنيفةَ، وقيل: مع أبي يُوسفَ.
стр. 3172
فأمَّا الشَّقُّ في الأُذنِ فهو عَيبٌ يَسيرٌ، ألا تَرى أنَّه يَفعلُ ذلك للعَلامةِ بمَنزلةِ السِّمةِ، فلا يَمنعُ الجَوازَ (١).
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّه إذا فُقد أكثرُ من ثُلثِ الأُذنِ أو شقَّ أكثرُ من ثُلثِها لا يَجوزُ التَّضحيةُ بها بخِلافِ فَقدِ الثُّلثِ أو شَقِّه فلا يَضرُّ في الأُذنِ، لِما رُوي عن أبي إسحاقَ عن شُرَيحِ بنِ النُّعمانِ عن علِيٍّ ﵁ قال: «أمرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَستشرِفَ العَينَ والأُذنَ وألَّا نُضحِّيَ بمُقابِلةٍ ولا مُدابِرةٍ ولا شَرقاءَ ولا خَرقاءَ» (٢).
قال أبو عُمرَ: المُقابِلةُ عندَ أهلِ الفِقهِ وأهلِ اللُّغةِ ما قُطع طَرفُ أُذنِها، والمُدابِرةُ ما قُطع من جانبَيِ الأُذنِ، والشَّرقاءُ المَشقوقةُ الأُذنِ، والخَرقاءُ المَثقوبةُ الأُذنِ.
ولا خِلافَ علِمتُه بينَ العُلماءِ في أنَّ قَطعَ الأُذنِ كلِّها أو أكثرِها عَيبٌ يُتَّقى في الضَّحايا (٣).
стр. 3173
وقال الشافِعيةُ: لا تُجزِئُ مَقطوعةُ الأُذنِ، فإنْ قُطع بعضُها نُظر، فإنْ لم يَبِنْ منها شيءٌ بل شُقَّ طَرفُها وبقِي مُتدلِّيًا لم يمنَعْ على الأصحِّ من الوجهَين، وقال القَفالُ: يمنَعُ، وحَكاه الدَّارِميُّ عن ابنِ القَطَّانِ، وإنْ أبيَنَ فإنْ كان كَثيرًا بالإضافةِ إلى الأُذنِ منعَ بلا خِلافٍ، وإنْ كان يَسيرًا مُنع أيضًا على أصحِّ الوجهَين لفَواتِ جُزءٍ مَأكولٍ، لِما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه أمرَ باستِشرافِ العَينِ والأُذنِ، أي: بتأمُّلِهما لئلَّا يَكونَ فيهما نَقصٌ أو عَيبٌ.
قال إمامُ الحَرمَين ﵀: وأقرَبُ ضَبطٍ بينَ الكَثيرِ واليَسيرِ أنَّه إنْ لاح النَّقصُ من البُعدِ فكَثيرٌ، وإلا فقَليلٌ (١).
وذهَب الحَنابلةُ إلى أنَّ ذَهابَ أكثرَ من نصفِ الأُذنِ أو القَرنِ يَمنعُ الإجزاءَ، لِما رَواه قتَادةُ عن جُرَيِّ بنِ كُليبٍ النَّهديِّ عن عَليٍّ ﵁ قال: «نَهى رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُضحَّى بأَعْضبِ القَرنِ وَالأُذنِ»، قال قَتادةُ: فذَكرتُ ذلك لسَعيدِ بنِ الْمسيِّبِ فقال: العَضْبُ ما بلَغ النِّصفَ فما فوقَ ذلك (٢).
стр. 3174
وعن عَليٍّ ﵁ قال: «أمَرنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ نَستشرِفَ العَينَ وَالأُذنَ» (١) أي: بتأمُّلِهما.
وتُكرهُ المَشقوقةُ الأُذنِ والمَثقوبةُ وما قُطع شيءٌ منها، لِما رُوي عن علِيٍّ ﵁ قال: «أمرَنا رَسولُ اللهِ ﷺ أنْ نَستشرِفَ العَينَ والأُذنَ وألا نُضحِّيَ بمُقابِلةٍ ولا مُدابِرةٍ ولا شَرقاءَ ولا خَرقاءَ» (٢).
قال زُهَيرٌ: قلتُ لِأبي إسحاقَ: ما المُقابَلةُ؟ قال: تَقطَعُ طَرفَ الأُذنِ، قلتُ: فما المُدابَرةُ؟ قال: تَقطَعُ من مُؤخِّرِ الأُذنِ، قلتُ: فما الخَرقاءُ؟ قال: تَشقُّ الأُذنَ.
قلتُ: فما الشَّرقاءُ؟ قال: تَشقُّ أُذنَها السِّمةُ.
قال القاضي: الخَرقاءُ التي انبثَقت أُذُنها، وهذا نَهيُ تَنزيهٍ، قال ابنُ قُدامةَ ﵀: ويَحصلُ الإجزاءُ بها، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا، ولأنَّ اشتِراطَ السَّلامةِ من ذلك يَشقُّ إذ لا يَكادُ يُوجَدُ سالِمٌ من هذا كلِّه (٣).
وقال الزَّركَشيُّ ﵀: العَضبُ القَطعُ مُطلقًا، والعَضبُ المانِعُ هنا هو المُذهِبُ لِأكثرِ الأُذنِ أو القَرنِ على أشهَرِ الرِّوايتَين. واختيارُ أكثرِ
стр. 3175
الأصحابِ؛ لأنَّ الأكثرَ يُعطَى حُكمَ الكلِّ، بخِلافِ اليَسيرِ، فإنَّه في حُكمِ العَدمِ؛ إذ اعتبارُه يَشقُّ، وقد تَقدَّم عن ابنِ المُسيِّب، وناهيك به أنَّه النِّصفُ فأكثرُ، ولهذا واللهُ أعلمُ قال أبو مُحمدٍ في الهَدايا: إنَّه النِّصفُ، وهو أيضًا هنا على حِكايةِ المَذهبِ كما تَقدَّم (والرِّوايةُ الثانيةُ) أنَّ المانِعَ ذَهابُ الثُّلثِ فأكثرَ، اختارَه أبو بَكرٍ، لتَسميةِ النَّبيِّ ﷺ له كَثيرًا. ومنهم من حَكى الرِّوايةَ على أنَّه ذَهابُ أكثرَ من الثُّلثِ، ومُلخَّصُه أنَّ لِلأصحابِ في الثُّلثِ على هذه الرِّوايةِ قولَين، كما أنَّه يَتلَخصُ في النصفِ على الأوْلى كذلك، لكنَّ الخِلافَ في الثُّلثِ أشهَرُ من الخِلافِ ثَمَّ (١).
٢ - إذا خُلِقت بغيرِ أُذنٍ:
اختلَف الفُقهاءُ فيما لو خُلِقت بغيرِ أُذنٍ هل تَجوزُ الأُضحيَّةُ بها أو لا؟
فذهَب الحَنابلةُ والشافِعيةُ في وَجهٍ ضَعيفٍ إلى أنَّ مَقطوعةَ الأُذنِ تُجزِئُ الأُضحيَّةُ بها (٢).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في الصَّحيحِ إلى أنَّ السَّكَّاءَ -وهي التي خُلِقت بغيرِ أُذنٍ- لا تُجزِئُ، ولا خيرَ فيها؛ لأنَّ قَطعَ الأُذنِ لمَّا كان مانِعًا من الجوازِ فعَدمُ الأُذنِ أصلًا أوْلى، فأمَّا صَغيرةُ الأُذنِ فتُجزِئُ؛ لأنَّ الأُذنَ منها صَحيحةٌ، وإنْ كانت صَغيرةً (٣).
стр. 3176
٣ - الأُضحيَّةُ بالجَلحاءِ أو الجَماءِ وبمَكسورةِ القَرنِ:
نصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ في المَذهبِ على أنَّ الأُضحيَّةَ إذا كانت جَماءَ أو جَلحاءَ -أي: بدونِ قُرونٍ- من أصلِ الخِلقةِ فإنَّها تُجزِئُ كالبَقرِ والغَنمِ؛ لأنَّ هذا نَقصٌ لا يَنقصُ اللَّحمَ ولا يُخلُّ بالمَقصودِ، ولم يَردْ به نَهيٌ فوجَب أنْ يُجزِئَ.
حتى حَكى ابنُ عَبدِ البرِّ الإجماعَ على جوازِ الأُضحيَّةِ بالجَماءِ فقال ﵀: العُلماءُ مُجمِعون على أنَّ الجَماءَ جائزٌ أنْ يُضحَّى بها، فدلَّ إجماعُهم هذا على أنَّ النَّقصَ المَكروهَ هو ما تَتأذَّى به البَهيمةُ ويَنقصُ من ثَمنِها ومِن شَحمِها (١).
وقال ابنُ حامِدٍ من الحَنابلةِ: لا تَجوزُ التَّضحيةُ بالجَماءِ؛ لأنَّ ذَهابَ أكثرَ من نصفِ القَرنِ يَمنعُ، فذَهابُ جميعِه أوْلى (٢).
واختَلفُوا في مَكسورةِ القَرنِ هل تُجزئُ مُطلقًا أو تُجزِئُ إذا كانت لا تُدمي ولا تُجزِئُ إنْ كانت تُدمي، أو تُجزِئُ إنْ كان الكَسرُ أقلَّ من النصفِ ولا تُجزِئُ إنْ كان أكثرَ من النصفِ؟
стр. 3177
فذهَب الحَنفيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه تُجزِيُ الجَماءُ -وهي التي لا قَرنَ لها خِلقةً، وتُسمَّى الجَلحاءَ-؛ لأنَّ القَرنَ لا يَتعلَّقُ به مَقصودٌ، وكذا مَكسورةُ القَرنِ تُجزِئُ لِما رُوي عن سَلمةَ بن كُهيْلٍ عن حُجيَّةَ قال: «سأَل رَجلٌ عَليًّا ﵁ عنِ البَقرةِ فقال: عن سَبعةٍ، فقال: مَكسورةُ القَرنِ؟ فقال: لا يَضرُّك، قال: العَرجاءُ؟ قال: إذا بلَغتِ المَنسكَ فاذبَحْ، أمَرنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَستشرِفَ العَينَ والأُذنَ» (١)(٢).
قال الإمامُ الشافِعيُّ ﵀: وليس في القَرنِ نَقصٌ فيُضحَّى بالجَلحاءِ، وإذا ضحَّى بالجَلحاءِ فهي أبعدُ من القَرنِ من مَكسورةِ القَرنِ، وسَواءٌ كان قَرنُها يُدمي أو صَحيحًا؛ لأنَّه لا خَوفَ عليها في دَمِ قَرنِها، فتَكونُ به مَريضةً فلا تُجزِئُ من جِهةِ المَرضِ ولا يَجوزُ فيها إلا هذا، وإنْ كان قَرنُها مَكسورًا كَسرًا قَليلًا أو كَثيرًا يُدمي أو لا يُدمي فهو يُجزِئُ (٣).
وذهَب المالِكيةُ إلى أنَّ مَكسورةَ القَرنِ إذا كانت تُدمي، أي: في حالةِ نُزولِ الدَّمِ منها، لا تُجزِئُ، وإنْ كانت قد بَرِئت أجزأت.
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى»: (قلتُ): أرأيتَ مَكسورةَ القَرنِ هل تُجزِئُ في الهَدايا والضَّحايا في قولِ مالكٍ؟ (قال): قال مالكٌ: نَعمْ، إنْ كانت لا
стр. 3178
تُدمي، (قلتُ): ما مَعنى قولِه: لا تُدمي؟ أرأيتَ إنْ كانت مَكسورةَ القَرنِ قد برَأ ذلك وانقطَع الدَّمُ وجَفَّ أيَصلُحُ هذا أم لا في قولِ مالكٍ؟ (قال): نَعمْ إذا برَأت، إنَّما ذلك إذا كانت تُدمي بحُدثان ذلك، (قلتُ): لِم كرِهه مالكٌ إذا كانت تُدمي؟ (قال): لأنَّه رآه مَرضًا من الأمراضِ (١).
وذهَب الحَنابلةُ إلى أنَّ ذَهابَ أكثرَ من نصفِ القَرنِ يَمنعُ الإجزاءَ لِما رَواه قَتادةُ عن جُريِّ بنِ كُليبٍ النَّهديِّ عن عَليٍّ ﵁ قال: «نَهى رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُضحَّى بأَعْضبِ القَرنِ وَالأُذنِ»، قال قَتادةُ: فذَكرتُ ذلك لسَعيدِ بنِ المُسيَّبِ فقال: العَضبُ ما بلَغ النِّصفَ فما فوقَ ذلك (٢).
وتُكرهُ إذا كُسر منها أقلُّ من النصفِ وتُجزِئُ (٣).
٤ - الأُضحيَّةُ بالبَتراءِ (وهي التي لا ذنَبَ لها أو مَقطوعةُ الذنَبِ):
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ التَّضحيةِ بالبَتراءِ، -وهي التي لا ذنَبَ لها أو مَقطوعةُ الذنَبِ-، هل تَجوزُ في الأضاحيِّ أو لا؟
стр. 3179
فذهَب الحَنابلةُ إلى أنَّه تُجزِئُ في الأُضحيَّةِ البَتراءُ، وهي التي لا ذنَبَ لها، سَواءٌ كان خِلقةً أو مَقطوعًا (١)، وهو قولُ أبي حَنيفةَ إذا كان خِلقةً.
وذهَب الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ -في الجُملةِ عندَهم- إلى أنَّه لا تُجزِئُ البَتراءُ التي لا ذنَبَ لها أو مَقطوعةُ الذنَبِ.
قال الحَنفيةُ: إذا كانت مَقطوعًا أكثرُ ذنَبِها يَمنَعُ جَوازَ التَّضحيةِ، وإنْ كان يَسيرًا لا يَمنَعُ؛ لأنَّ اليَسيرَ مما لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ عنه؛ إذ الحَيوانُ لا يَخلو عنه عادةً، فلو اعتُبِر مانِعًا لَضاقَ الأمرُ على الناسِ ووقَعوا في الحَرجِ.
واختُلِف في الحَدِّ الفاصِلِ بينَ القَليلِ والكَثيرِ، فعن أبي حَنيفةَ ﵀ أربعُ رِواياتٍ، رَوى مُحمدٌ ﵀ عنه في الأصلِ، وفي الجامِعِ الصَّغيرِ أنَّه إنْ كان ذهَب الثُّلثُ أو أقلُّ جازَ، وإنْ كان أكثرَ من الثُّلثِ لا يَجوزُ.
ورَوى أبو يُوسفَ ﵀ أنَّه إنْ كان ذهَب الثُّلثُ لا يَجوزُ وإنْ كان أقلَّ من ذلك جازَ، وقال أبو يُوسفَ ﵀: ذَكرتُ قَولي لِأبي حَنيفةَ ﵀ فقال: قَولي مِثلُ قولِك، وقولُ أبي يُوسفَ أنَّه إنْ كان الباقي أكثرَ من الذاهبِ يَجوزُ، وإنْ كان أقلَّ منه أو مثلَه لا يَجوزُ.
ورَوى أبو عَبدِ اللهِ البَلخيُّ عن أبي حَنيفةَ ﵁ أنَّه إذا ذهَب الرُّبعُ لم يُجزئْه، وذكَر الكَرخيُّ قولَ مُحمدٍ مع قولِ أبي حَنيفةَ في رِوايتِه عنه
стр. 3180
في الأصلِ، وذكَر القاضي في شَرحِه مُختصرَ الطَّحاويِّ قولَه مع قولِ أبي يُوسفَ.
وأمَّا التي خُلِقت بلا ذنَبٍ فعن مُحمدٍ أنَّه لا يَجوزُ ولا تُجزِئُ، وعن أبي حَنيفةَ أنَّها تُجزِئُ (١).
وقال المالِكيةُ: لا تُجزِئُ الأُضحيَّةُ بالبَتراءِ، وهي المَخلوقةُ بغيرِ ذنَبٍ في جِنسِ ما له ذنَبٌ، وإنَّما لا تُجزِئُ لنُقصانِ اللَّحمِ، وكذا مَنْ قُطع من ذنَبِها النِّصفُ أو الثُّلثُ وقال ابنُ المَوَّازِ: الثُّلثُ يَسيرٌ، وأمَّا الرُّبعُ فيَسيرٌ باتِّفاقٍ.
وقال ابنُ العَربيِّ: سِمنُ الغَنمِ كلِّها في تلك البِلادِ في أذنابِها، ولَذتُها في تلك الشُّحومِ حتى تَرى الشاةَ لا تَستطيعُ المَشيَ لعِظمِ ذنَبِها، فلهذا المَعنى راعى العُلماءُ الذنَبَ وتَكلَّموا عليه، وأمَّا بلادُنا فلو كان عَدمُ الذنَبِ كلِّه ما أثَّر إلا في الجَمالِ خاصَّةً (٢).
وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: واختَلفُوا في جوازِ الأبتَرِ في الضَّحيَّةِ.
فرُوي عن ابن عُمرَ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ والحَسنِ وإبراهيمَ أنَّه يُجزِئُ في الضَّحيَّةِ.
стр. 3181
وذكَر ابنُ وَهبٍ عن اللَّيثِ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ أنَّه سمِعه يَقولُ: يُكرهُ ذَهابُ الذنَبِ والعَورُ والعُجفُ وذَهابُ الأُذنِ أو نصفِها.
قال ابنُ وَهبٍ: وكان اللَّيثُ يَكرهُ الضَّحيَّةَ بالأبتَرِ.
قال أبو عُمرَ: قد رُوي في الأبتَرِ حَديثٌ مَرفوعٌ من حَديثِ شُعبةَ عن جابرٍ الجُعفِيِّ عن مُحمدِ بن قَرظةَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّه قال: «اشتَريتُ كَبشًا لأُضحِّيَ به، فأكَل الذِّئبُ من ذنَبهِ أو ذنَبَه، فأَتيتُ النَّبيَّ ﷺ فسأَلتُه فقال: ضحِّ به» (١).
وحَديثُ جابرٍ الجُعفيِّ لا يُحتجُّ به وإنْ كان حافِظًا؛ لسُوءِ مَذهبِه، فقد رَوى عنه الأئمَّةُ -منهم الثَّوريُّ وشُعبةُ- ويَحتملُ أنْ يَكونَ أكَل من ذنَبِه اليَسيرَ، وإنْ كان كذلك فهو جائزٌ عندَ العُلماءِ (٢).
وقال الشافِعيةُ: المَقطوعةُ الذنَبِ لا يَجوزُ الأُضحيَّةُ بها لنَقصِ عُضوٍ منها، وقد رُوي مَرفوعًا: «نَهى عن الأُضحيَّةِ بالبَتراءِ» وهي المَقطوعةُ الذنَبِ، وهكذا المَخلوقةُ لا ذنَبَ لها لا تَجوزُ الأُضحيَّةُ بها.
إلا أنَّهم قالوا: لو خُلِقت المَعزُ بلا ذنَبٍ فإنَّها تُجزِئُ (٣).
стр. 3182
٥ - الأُضحيَّةُ بمَقطوعةِ الألْيةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ الأُضحيَّةِ إذا لم يَكنْ لها ألْيةٌ خِلقةً أو كانت مَقطوعةَ الألْيةِ.
أمَّا التي خُلِقت بلا ألْيةٍ فيَجوزُ التَّضحيةُ بها عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ والشافِعيةِ؛ لأنَّ المَعزَ لا أَلايا لها، وهي في الضَّحايا كالضأنِ وكذا إذا كانت لها ألْيةٌ صَغيرةٌ.
وقال المالِكيةُ ومُحمدُ بنُ الحَسنِ: إذا لم يَكنْ لها ألْيةٌ لا يَجوزُ.
وأمَّا التي قُطعت ألْيتُها فاختُلِف فيها:
فعندَ الحَنفيةِ إذا كانت مَقطوعًا أكثرُ أَليَتِها يُمنَعُ جَوازُ التَّضحيةِ، وإنْ كان يَسيرًا لا يُمنعُ؛ لأنَّ اليَسيرَ مما لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ عنه؛ إذ الحَيوانُ لا يَخلو عنه عادةً، فلو اعتُبِر مانِعًا لَضاقَ الأمرُ على الناسِ ووَقعوا في الحَرجِ.
واختُلِف في الحَدِّ الفاصِلِ بينَ القَليلِ والكَثيرِ، فعن أبي حَنيفةَ ﵀ أربعُ رِواياتٍ، رَوى مُحمدٌ ﵀ عنه في الأصلِ، وفي الجامِعِ الصَّغيرِ أنَّه إنْ كان ذهَب الثُّلثُ أو أقلُّ جازَ، وإنْ كان أكثرَ من الثُّلثِ لا يَجوزُ.
ورَوى أبو يُوسفَ ﵀ أنَّه إنْ كان ذهَب الثُّلثُ لا يَجوزُ وإنْ كان أقلَّ من ذلك جازَ، وقال أبو يُوسفَ ﵀: ذَكرتُ قَولي لِأبي حَنيفةَ ﵀ فقال: قَولي مثلُ قولِك، وقولُ أبي يُوسفَ أنَّه إنْ كان الباقي أكثرَ من الذاهبِ يَجوزُ، وإنْ كان أقلَّ منه أو مثلَه لا يَجوزُ.
стр. 3183
ورَوى أبو عَبدِ اللهِ البَلخيُّ عن أبي حَنيفةَ ﵁ أنَّه إذا ذهَب الرُّبعُ لم يُجزئْه، وذكَر الكَرخيُّ قولَ مُحمدٍ مع قولِ أبي حَنيفةَ في رِوايتِه عنه في الأصلِ، وذكَر القاضي في شَرحِه مُختصرَ الطَّحاويِّ قولَه مع قولِ أبي يُوسفَ.
وأمَّا التي خُلِقت بلا ذنَبٍ فعن مُحمدٍ أنَّه لا يَجوزُ ولا تُجزِئُ، وعن أبي حَنيفةَ أنَّها تُجزِئُ (١).
وقال المالِكيةُ: لا تُجزِئُ الأُضحيَّةُ بالبَتراءِ، وهي المَخلوقةُ بغيرِ ذنَبٍ في جِنسِ ما له ذنَبٌ، وإنَّما لا تُجزِئُ لنُقصانِ اللَّحمِ، وكذا مَنْ قُطع من ذنَبِها النِّصفُ أو الثُّلثُ وقال ابنُ المَوَّازِ: الثُّلثُ يَسيرٌ، وأمَّا الرُّبعُ فيَسيرٌ باتِّفاقٍ.
وقال ابنُ العَربيِّ: سِمنُ الغَنمِ كلِّها في تلك البِلادِ في أذنابِها، ولَذتُها في تلك الشُّحومِ حتى تَرى الشاةَ لا تَستطيعُ المَشيَ لعِظمِ ذنَبِها، فلهذا المَعنى راعى العُلماءُ الذنَبَ وتَكلَّموا عليه، وأمَّا بلادُنا فلو كان عَدمُ الذنَبِ كلِّه ما أثَّر إلا في الجَمالِ خاصَّةً (٢).
وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: واختَلفُوا في جوازِ الأبتَرِ في الضَّحيَّةِ.
стр. 3184
فرُوي عن ابن عُمرَ وسَعيدِ بنِ المُسيِّبِ وسَعيدِ بنِ جُبيرٍ والحَسنِ وإبراهيمَ أنَّه يُجزِئُ في الضَّحيَّةِ.
وذكَر ابنُ وَهبٍ عن اللَّيثِ عن يَحيى بنِ سَعيدٍ أنَّه سمِعه يَقولُ: يُكرهُ ذَهابُ الذنَبِ والعَورُ والعُجفُ وذَهابُ الأُذنِ أو نصفِها.
قال ابنُ وَهبٍ: وكان اللَّيثُ يَكرهُ الضَّحيَّةَ بالأبتَرِ.
قال أبو عُمرَ: قد رُوي في الأبتَرِ حَديثٌ مَرفوعٌ من حَديثِ شُعبةَ عن جابرٍ الجُعفِيِّ عن مُحمدِ بن قَرَظةَ عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ أنَّه قال: «اشتَريتُ كَبشًا لأُضحِّيَ به، فأكَل الذِّئبُ من ذنَبهِ أو ذنَبَه، فأَتيتُ النَّبيَّ ﷺ فسأَلتُه فقال: ضحِّ به» (١).
وحَديثُ جابرٍ الجُعفيِّ لا يُحتجُّ به، وإنْ كان حافِظًا، لسُوءِ مَذهبِه، فقد رَوى عنه الأئمَّةُ -منهم الثَّوريُّ وشُعبةُ- ويَحتملُ أنْ يَكونَ أكَل من ذنَبِه اليَسيرَ، وإنْ كان كذلك فهو جائزٌ عندَ العُلماءِ (٢).
وقال الشافِعيةُ: المَقطوعةُ الذنَبِ لا يَجوزُ الأُضحيَّةُ بها لنَقصِ عُضوٍ منها، وقد رُوي مَرفوعًا: «نَهى عن الأُضحيَّةِ بالبَتراءِ» وهي المَقطوعةُ الذنَبِ، وهكذا المَخلوقةُ لا ذنَبَ لها لا تَجوزُ الأُضحيَّةُ بها.
إلا أنَّهم قالوا: لو خُلِقت المَعزُ بلا ذنَبٍ فإنَّها تُجزِئُ (٣).
стр. 3185
وذهَب المالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا تَصحُّ الأُضحيَّةُ بمَقطوعةِ الألْيةِ وكذا مَقطوعةُ بعضِها.
وقال الشافِعيةُ: لا تَجوزُ الأُضحيَّةُ بمَقطوعةِ الأليةِ ولا ببعضِها، فقَطعُ بعضِها كقَطعِ الكلِّ (١).
وقال الحَنابلةُ: ولا تُجزِئُ ما قُطِع منها عُضوٌ مُستَطابٌ كالألْيةِ؛ لأنَّ ذلك أبلَغُ في الإخلالِ بالمَقصودِ من ذَهابِ شَحمةِ العَينِ (٢).
٦ - الأُضحيَّةُ بالخَصيِّ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ الأُضحيَّةُ بالخَصيِّ لِما رَواه أبو سَلمةَ عن عائشةَ وَعن أبي هُريرةَ «أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كان إذا أَرادَ أنْ يُضحِّيَ اشْترَى كَبشَين عَظيمَين سَمينَين أَقرَنيْن أَملَحيْن مَوجُوءَين فذبَح أحدَهما عن أُمتِه لمَن شهِد للَّهِ بالتَّوحِيدِ وشهِد له بالبلاغِ، وذبَح الآخرَ عن مُحمدٍ وَعن آلِ مُحمدٍ» (٣)، والوَجْءُ: رَضُّ الخِصيتَين، وما قُطِعت خِصيَتاه هو كالمَوجوءِ؛ لأنَّه في مَعناه، وقيل: هو الخَصيُّ.
ولأنَّ الخِصاءَ ذَهابُ عُضوٍ غيرِ مُستَطابٍ يَطيبُ اللَّحمُ بذَهابِه ويَنفي عنه الزُّهومةَ، وسُوءَ الرائحةِ، ويَكثرُ ويَسمَنُ، فما يُزادُ في لَحمِه بالخِصاءِ
стр. 3186
أنفعُ للمَساكينِ مما ذهَب منه؛ إذ لا مَنفعةَ للفُقراءِ في ذلك، قال ابنُ قُدامةَ ﵀: وبهذا قال الحَسنُ وعَطاءٌ والشَّعبيُّ والنَّخعيُّ ومالكٌ والشافِعيُّ وأبو ثَورٍ وأصحابُ الرأيِ، ولا نَعلمُ فيه مُخالِفًا (١).
وقال الإمامُ ابنُ عَبدِ البرِّ ﵀: وأجمَع الجُمهورُ على أنَّه لا بأسَ أنْ يُضحِّيَ بالخَصيِّ الأجَمِّ إذا كان سَمينًا.
وهُم مع ذلك يَقولون: إنَّ الأقرَنَ الفَحلَ أفضلُ من الخَصيِّ الأجمِّ إلا أنْ يَكونَ الخَصيُّ الأجمُّ أسمنَ، فالأصلُ مع تَمامِ الخَلقِ السِّمنُ (٢).
النَّوعُ الثاني: شَرائطُ تَرجعُ لِلمُضحِّي نَفسِه:
يُشترَطُ في المُضحِّي لتَصحَّ أُضحيَّتُه أربَعةُ شُروطٍ:
الشَّرطُ الأولُ: نيَّةُ التَّضحيةِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّه يُشترَطُ في المُضحِّي أنْ يَنويَ الأُضحيَّةَ فلا تُجزئُ الأُضحيَّةُ بدونِها؛ لأنَّ الذَّبحَ قد يَكونُ للَّحمٍ، وقد يَكونُ للقُربةِ، والفِعلُ لا يَقعُ قُربةً بدونِ النِّيةِ؛ قال النَّبيُّ ﷺ : «لا عَملَ لمَن لا نِيةَ له»، والمُرادُ منه عَملٌ هو قُربةٌ؛ وللقُربةِ جِهاتٌ من المُتعةِ والقِرانِ والإحصارِ وجَزاءِ الصَّيدِ وكَفارةِ الحَلقِ وغيرِها من المَحظوراتِ فلا تَتعيَّنُ
стр. 3187
الأُضحيَّةُ إلا بالنِّيةِ؛ وقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّما الأعمالُ بالنِّياتِ، وإنَّما لكلِّ امرئٍ ما نَوى»، ويَكفيه أنْ يَنويَ بقَلبِه ولا يُشترَطُ أنْ يَقولَ بلِسانِه ما نَوى بقَلبِه، كما في الصَّلاةِ؛ لأنَّ النِّيةَ عَملُ القَلبِ، والذِّكرُ باللِّسانِ دَليلٌ عليها (١).
الشَّرطُ الثاني: أنْ تَكونَ النِّيةُ مُقارِنةً للذَّبحِ أو مُقارِنةً للتَّعيُّنِ السابقِ عن الذَّبحِ:
نصَّ العُلماءُ على أنَّه يُشترَطُ أنْ تَكونَ النِيةُ مُقارِنةً للذَّبحِ في الأُضحيَّةِ.
قال الحَنفيةُ: يُشترَطُ أنْ تَكونَ نِيةُ الأُضحيَّةِ مُقارِنةً للتَّضحيةِ كما في بابِ الصَّلاةِ؛ لأنَّ النِّيةَ مُعتبَرةٌ في الأصلِ، فلا يَسقطُ اعتِبارُ القِرانِ إلا لضَرورةٍ، كما في بابِ الصَّومِ لتَعذرِ قِرانِ النِّيةِ لِوقتِ الشُّروعِ، لِما فيه من الحَرجِ (٢).
وقال الإمامُ النَّوويُّ ﵀: النِّيةُ شَرطٌ في التَّضحيةِ، وهل يَجوزُ تَقديمُها على الذَّبحِ أو يَجبُ أنْ تَكونَ مَقرونةً به؟ وَجهان: أصحُّهما الجَوازُ.
ولو قال: جَعلتُ هذه الشاةَ ضَحيَّةً فهل يَكفيه التَّعيينُ والقَصدُ عن نِيةِ الذَّبحِ؟ وَجهان:
стр. 3188
أصحُّهما عندَ الأكثَرين: لا يَكفيه؛ لأنَّ التَّضحيةَ قُربةٌ في نَفسِها، فوَجبت النِّيةُ فيها، واختارَ الإمامُ والغَزاليُّ الاكتِفاءَ.
ولو التزَم ضَحيَّةً في ذمَّتِه ثم عيَّن شاةً عما في ذِمتِه بُني على الخِلافِ في أنَّ المُعيَّنةَ هل تَتعيَّنُ عن المُطلقةِ في الذمَّةِ إنْ قُلنا: لا، فلا بدَّ من النِّيةِ عندَ الذَّبحِ، وإلا فعلى الوجهَين، ولو وكَّل ونَوى عندَ ذَبحِ الوَكيلِ كَفى ولا حاجةَ إلى نِيةِ الوَكيلِ، بل لو لم يَعلمْ أنَّه مُضحٍّ لم يَضرَّ.
وإنْ نَوى عندَ الدَّفعِ إلى الوَكيلِ فقط فعلى الوجهَين في تَقديمِ النِّيةِ (١).
وقال الزَّركَشيُّ ﵀: وقولُ الخِرقيِّ: لأنَّ النِّيةَ تُجزِئُ. إشعارٌ بأنَّه لا بدَّ من النِّيةِ، ولا إشكالَ أنَّها لا تَصيرُ أُضحيَّةً إلا بالنِّيةِ، بقِي: هل تَحتاجُ إلى تَجديدِ النِّيةِ عندَ الذَّبحِ؟ قال في التَّلخيصِ: إذا قال: جَعلتُ هذه أُضحيَّةً. أغناه عن تَجديدِ النِّيةِ عندَ الذَّبحِ، وكذا إذا نذَرها بعَينِها، بخِلافِ ما إذا نذَرها في ذمَّتِه ثم قال: جَعلتُها هذه. فإنَّه لا بدَّ أنْ يَنويَه وقتَ الذَّبحِ. قلتُ: وعلى هذا ففي المُتطوِّعِ به لا بدَّ أنْ يَنويَه عندَ الذَّبحِ (٢).
هل شِراءُ الأُضحيَّةِ يَجعلُها واجبةً؟
اختلَف الفُقهاءُ فيمَن اشتَرى شاةً بنِيةِ الأُضحيَّةِ هل تَصيرُ أُضحيَّةً بالشِّراءِ ويَلزمُه أنْ يُضحِّيَ بها أو لا؟
стр. 3189
فذهَب الحَنفيةُ في قَولٍ والمالِكيةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ اشتَرى شاةً مثلًا ونَوى بها الأُضحيَّةَ أصبَحت واجبةً ويَلزمُه أنْ يُضحِّيَ بها؛ لأنَّ الشِّراءَ بنِيةِ الأُضحيَّةِ بمَنزلةِ النَّذرِ، فكأنَّه نذَر أنْ يُضحِّيَ بها.
قال الإمامُ ابنُ نُجيمٍ ﵀: ولا يَخفَى أنَّ الأُضحيَّةَ تَصيرُ واجبةً بالنَّذرِ، فلو قال كَلامًا نَفسيًّا: للهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ بهذه الشاةِ ولم يَذكُر بلِسانِه شيئًا فاشتَرى شاةً بنيَّةِ الأُضحيَّةِ إنْ كان المُشتَري غَنيًّا لا تَصيرُ واجبةً باتِّفاقِ الرِّواياتِ، فله أنْ يَبيعَها ويَشتريَ غيرَها، وإنْ كان فَقيرًا ذكَر شَيخُ الإسلامِ خُواهَر زادَه في ظاهرِ الرِّوايةِ تَصيرُ واجبةً بنَفسِ الشِّراءِ، ورَوى الزَّعفَرانيُّ عن أصحابِنا: لا تَصيرُ واجبةً، وأشارَ إليه شَمسُ الأئمَّةِ السَّرخَسيُّ في شَرحِه، وإليه مالَ شَمسُ الأئمَّةِ الحَلوانيُّ في شَرحِه، وقال: إنَّه ظاهرُ الرِّوايةِ.
ولو صرَّح بلِسانِه والمَسألةُ بحالِها تصَيرُ واجبةً بشِراءِ نيَّةِ الأُضحيَّةِ إنْ كان المُشتَري فَقيرًا.
وفي «الخانيةِ»: اشتَرى شاةً للأُضحيَّةِ ثم باعَها واشتَرى أُخرى في أيامِ النَّحرِ فهذا على وُجوهٍ ثَلاثةٍ:
الأولُ: اشتَرى شاةً يَنوي بها الأُضحيَّةَ لا تَصيرُ أُضحيَّةً ما لم يُوجِبْها بلِسانِه، وبه أخَذ أبو يُوسفَ وبعضُ المُتأخِّرين.
وفي الكُبرى قال: إنْ فَعلتُ كذا فللهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ، لا يَكونُ يَمينًا.
رَجلٌ اشتَرى أُضحيَّةً وأوجَبها فَضلَّت ثم اشتَرى أُخرى فأوجَبها ثم
стр. 3190
وجَد الأُولى، إنْ كان أوجَب الثانيةَ بلِسانِه فعليه أنْ يُضحِّيَ بهما، وإنْ أوجَبها بَدلًا عن الأُولى فعليه أنْ يَذبحَ أيَّهما شاءَ، ولم يَفصلْ بينَ الفَقيرِ والغَنيِّ، وفي فَتاوي أهلِ سَمرقَندَ: الفَقيرُ إذا أوجَب شاةً على نَفسِه هل يَحلُّ له أنْ يَأكلَ منها؟ قال بَديعُ الدِّينِ: نَعمْ.
وقال القاضي بُرهانُ الدِّينِ: لا يَحلُّ.
وفي «فَتاوي أهلِ سَمرقَندَ»: الفَقيرُ إذا اشتَرى شاةً للأُضحيَّةِ فسُرقَتْ فاشتَرى مَكانَها ثم وجَد الأُولى فعليه أنْ يُضحِّيَ بهما، ولو ضلَّت فليس عليه أنْ يَشتريَ أُخرى مَكانَها، وإنْ كان غَنيًّا فعليه أنْ يَشتريَ أُخرى مَكانَها.
وفي «الحاوي»: ولو اشتَرى شاةً ولم يُردْ أنْ يُضحِّيَ بها، بل للتِّجارةِ ثم نَوى أنْ يُضحِّيَ بها ومَضى أيامُ النَّحرِ لا يَجبُ عليه أنْ يَتصدقَ بها (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ في قَولٍ -كما تَقدَّم- والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ والحَنابلةُ إلى أنَّه لا يُوجِبُها إلا القولُ، أي: بالنَّذرِ، ولا تَجبُ بالشِّراءِ أو التَّسميةِ.
قال المالِكيةُ: الأُضحيَّةُ إنَّما تَجبُ بأحدِ شَيئَين، إمَّا بالنَّذرِ كما عندَ القاضي إسماعيلَ بأنْ يَقولَ: نَذرتُ للهِ هذه الأُضحيَّةَ، أو للهِ علَيَّ أنْ أُضحِّيَ